رئيس مجلس النواب المعزول يغادر محذراً من «انهيار المؤسسة»
استيقظت الولايات المتحدة على وقع صدمة تاريخية زعزعت أسس الحكم الأميركي، وجرّدت رئيس مجلس النواب من منصبه لأول مرة في التاريخ، مخلّفة فراغاً تشريعياً غير مسبوق وجروحاً حزبية من الصعب أن تندمل في أي وقت قريب.
فمن أوصل رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفين مكارثي إلى منصبه أخرجه منه بالطريقة نفسها، عبر إحراجه شخصياً وتعطيل المجلس تشريعياً.
وغادر مكارثي، الذي وصل إلى رئاسة المجلس بعد عملية شد حبال طويلة مع الوجوه نفسها التي دفعته لإخلاء منصبه، مقهوراً، مبنى الكونغرس ليل الثلاثاء – الأربعاء بعد هزيمة تاريخية حفرت اسمه في التاريخ الأميركي بوصفه أول رئيس مجلس نواب يعزله زملاؤه.
ومع خروجه، يترك المجلس في فراغ تشريعي بانتظار اختيار بديل يحظى بأغلبية الأصوات التي لم يتمكن من حصدها، وهذا البديل غير موجود حتى الساعة. لذلك رفع مجلس النواب جلساته حتى يوم الثلاثاء المقبل على أمل العثور على وجه توافقي.
ستيف سكاليز يصل إلى اجتماع لنواب الحزب الجمهوري في مبنى الكابيتول ليلة الثلاثاء – الأربعاء (رويترز)
وجوه بديلة
بمجرد أن امتص الجمهوريون الداعمون لمكارثي وقع صدمة عزله سارعوا إلى محاولة احتوائها عبر النظر في احتمالات بديلة قادرة على وقف النزيف الداخلي في الحزب ودمل جرح الانقسامات فيه، وبرز اسم ستيف سكاليز، أحد القيادات الجمهورية الحالية، الذي بدا فعلياً بجس نبض المشرعين للتحقق من مدى الدعم الموجود له. ولعلّ العائق الأبرز الذي يواجه النائب المحافظ عن ولاية لويزيانا هو وضعه الصحي، إذ تم تشخيصه مؤخراً بسرطان الدم وهو يخضع حالياً لعلاج بالأشعة. لكنه أكد لدى سؤاله هذا الأسبوع أن صحته جيدة.
وسكاليز ليس الاسم الوحيد المطروح، إذ تتردد أسماء أخرى كجيم جوردان، رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، وأحد أشرس المدافعين عن الرئيس السابق دونالد ترمب، إضافة إلى توم إيمير وهو من القيادات الجمهورية، وكيفين هيرن النائب عن ولاية أوكلاهوما. ولم يتردد بعض النواب في طرح اسم ترمب بديلاً، خاصة أن قوانين المجلس لا تتطلب أن يكون رئيسه نائباً، فقال النائب عن ولاية تكساس تروي نيلز: «كيفين مكارثي لن يترشح مجدداً للرئاسة. أرشح دونالد ترمب لرئاسة مجلس النواب».
النائب مات غايتس نجح في الإطاحة بمكارثي (رويترز)
نفوذ مصطنع؟
خيار مستبعد لكنه يدل على عدم وجود مسار واضح أمام الجمهوريين لاحتواء الانقسامات التي تتعمق يوماً بعد يوم فيما بينهم. فالنفوذ الذي مكّن نائباً واحداً، مثل مات غايتس، من عزل مكارثي، خير دليل على تنامي تأثير الشق الجمهوري المتشدد في الحزب، وتعطيله مساراً تشريعياً أساسياً في نظام الحكم الأميركي.
إلا أن هذا النفوذ لم يكن ممكناً من دون مباركة مكارثي الذي سلّم غايتس والمجموعة الصغيرة التي عارضت وصوله إلى رئاسة المجلس في يناير (كانون الثاني) الماضي، مفتاح عزله من خلال التوصل إلى تسوية معهم تضمن فوزه، لكنها لا تضمن بقاءه.
ولهذا السبب كانت أول نصيحة تفوّه بها رئيس المجلس المعزول لخلفه المنتظر بعد خسارته: «يجب أن تغيّر القواعد»، وذلك في إشارة إلى قاعدة العزل التي أدت إلى مغادرته منصبه بعد أقل من 9 أشهر على تسلمه، بسبب معارضة 8 أعضاء فقط من حزبه له، من أصل 221 جمهورياً.
وتحدث النائب الجمهوري دون بيكون عن هذه المعادلة، محذراً: «كل ما يحتاجه الأمر هو 218 صوتاً، أي أن هؤلاء الـ8 الذين لا يمكن التحكم بهم سوف يستمرون بالتحكم برئيس المجلس ويقومون بالأمر نفسه الذي فعلوه مع كيفين…».
استراتيجية ديمقراطية و«خيانة بيلوسي»
ولعلّ المفارقة الأهم في معادلة العزل هذه، هي أن الجمهوريين الـ8 المعارضين، استمدوا قوتهم من الحزب الديمقراطي الذي رفض إنقاذ مكارثي، وتوحد كل أعضائه للتصويت ضده.
وقال زعيمهم حكيم جيفريز: «إنها مسؤولية الجمهوريين لإنهاء الحرب الأهلية الجمهورية»، مشيراً إلى سلسلة من الاعتراضات على أداء مكارثي؛ أبرزها دعمه ادعاءات ترمب بوجود تزوير في الانتخابات، وتصرفاته بعد أحداث اقتحام الكابيتول في السادس من يناير 2021.
وجلس الديمقراطيون بصمت في قاعة المجلس وهم يراقبون هذا الاقتتال الجمهوري، معولين على أن تعطيهم هذه المشاهد دفعاً لدى الناخب الأميركي لانتزاع الأغلبية من الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.
لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر، فهي تترك مجلس النواب معطلاً حتى انتخاب رئيس له، مع احتمال أن يكون الرئيس الجديد أكثر تشدداً من مكارثي، الأمر الذي سيعرقل بنوداً كثيرة على أجندة البيت الأبيض من تمويل المرافق الحكومية إلى إقرار مشاريع اقتصادية، وصولاً إلى تمويل الحرب في أوكرانيا.
فرغم تحفظات الديمقراطيين بشأن مكارثي فإنه تمكن خلال فترة رئاسته من تسليمهم معظم هذه البنود، آخرها إقرار تمويل المرافق الحكومية بشكل مؤقت رغم معارضة غايتس ومناصريه له، وهو فعلياً ما أدى إلى عزله.
ولم يتحفظ رئيس المجلس المعزول عن انتقاد خصومه السياسيين، فلمّح في مؤتمر صحافي عقده بعد التصويت على عزله، إلى أن رئيسة المجلس السابقة نانسي بيلوسي ضللته عندما وعدته بدعمه في حال سعى معارضوه إلى عزله. وقال مكارثي بلهجة ظهرت عليها الخيبة: «لقد كنت في هذه الغرفة عندما وعدتني… ما حصل هو قرار سياسي من قبل الديمقراطيين وأعتقد أن ما فعلوه في السابق آذى هذه المؤسسة، وتقييمي هو أن هذه المؤسسة انهارت اليوم لأنها لا تستطيع القيام بواجبها، إذا تمكن 8 أشخاص فقط من التحالف مع الحزب المعارض لفعل هذا… كيف يمكن للمؤسسة أن تحكم؟».
كيفين مكارثي يتحدث للصحافيين ليلة الثلاثاء – الأربعاء بعد التصويت على عزله رئيساً لمجلس النواب (إ.ب.أ)
فراغ تشريعي غير مسبوق
وبانتظار اختيار وجه جديد لرئاسة المجلس، يدخل مجلس النواب في فراغ تشريعي غير مسبوق، لن تتضح معالمه ولا تأثيره في أي وقت قريب.
فهذه المرحلة التي تعيشها الولايات المتحدة، تجريبية بامتياز، وتاريخيتها تعني أن الكونغرس بشكل خاص وأميركا بشكل عام لم يختبرا أمراً من هذا القبيل في السابق طوال فترة تأسيس المجلس التشريعي منذ 234 عاماً.
ما هو واضح حالياً هو أن مجلس النواب في حالة جمود تشريعي تام باستثناء عملية التصويت لانتخاب رئيس. فلا يمكنه عقد جلسات للتصويت على تمويل الحكومة، أو تمويل أوكرانيا أو حتى الاستمرار بجلسات استماع عزل الرئيس الحالي جو بايدن حتى تنصيب رئيس جديد له.
وتحدث النائب أندي بار عن هذا الفراغ فقال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «إنه يوم حزين للحزب الجمهوري لأن كل يوم يمر من دون رئيس للمجلس هو يوم لا يمكننا أن نعقد فيه جلسات للعزل. وهو يوم لا نستطيع فيه أن نُقر تمويلاً محافظاً. وهو يوم لا نستطيع فيه السعي لتأمين حدودنا».
وفي خضم هذه المعمعة التشريعية، تواجه الولايات المتحدة سلسلة من التحديات المقبلة التي تحتاج إلى تكاتف الحزبين لتخطيها؛ أبرزها تمويل المرافق الحكومية الذي سينتهي في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بالإضافة إلى تمويل أوكرانيا الذي يدفع البيت الأبيض ومجلس الشيوخ لإقراره بأسرع وقت ممكن. وقد اختصر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في النواب الجمهوري مايكل مكول المشهد، فوصف عزل مكارثي بـ«الصادم»، مشيراً إلى أن مغادرته ستنعكس سلباً على أوكرانيا وعلى صورة أميركا في الخارج.
رنا أبتر
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
بوليتكو: وثيقة أمريكية حساسة ومسربة تكشف عن قلق واشنطن من الفساد في أوكرانيا
|
نشر موقع مجلة “بوليتكو” تقريرا أعدته ناحال توسي قالت فيه إن استراتيجية أمريكية عن أوكرانيا سربت وحصل عليها الموقع تكشف عن خطط محددة لإصلاح المؤسسات وتحذر من أن الدعم الغربي معلق بخفض مستويات الفساد في الدولة.
وقالت إن المسؤولين في إدارة بايدن قلقون كثيرا على الفساد في أوكرانيا أكثر مما يتحدثون عنه علنا. وتكشف الوثيقة “الحساسة وليس السرية” عن خطة أمريكية طويلة الأمد لمساعدة كييف بالتخلص من المخالفات وإصلاح قطاعات متعددة من المؤسسات الأوكرانية. وحذرت من أن الفساد قد يكون سببا في تخلي الدول الغربية عن دعم أوكرانيا في قتالها ضد روسيا.
وأشارت الوثيقة الحساسة إلى أن “المفاهيم بشأن الفساد على مستويات عالية” قد تضعف ثقة القادة العامين في أوكرانيا والأجانب بحكومة الحرب في أوكرانيا”. ويبدو التحليل في الوثيقة أكثر قتامة من تلك التي نشرتها وزارة الخارجية قبل شهر وبدون ضجة. وتعتبر الوثيقة المعنونة “استراتيجية البلد المتكاملة” أطول بثلاث مرات من نسخة وزارة الخارجية وتحتوي على تفاصيل كثيرة حول أهداف أمريكا في أوكرانيا، من خصخصة بنوكها إلى مساعدة مدارسها لكي تعلم الإنكليزية وتشجيع جيشها على تبني بروتوكولات الناتو وأساليبه العسكرية. وتم تصميم العديد من أهدافها لتخفيض الفساد الذي يخرب البلد.
وجاء نشر الوثيقة الهادئ على موقع وزارة الخارجية وتخصيص اللغة الناقدة للنسخة السرية ليظهر التحديات التي تواجه إدارة بايدن والرسائل الصادرة عنها. وتريد الإدارة الضغط على أوكرانيا كي تخفض من الفساد، لأن الدولارات الأمريكية على المحك. ولكن الحديث بوضوح وقوة عن الفساد في أوكرانيا، يعطي معارضي الدعم لأوكرانيا في أمريكا مبررا ويمنحهم الجرأة. ومعظم هؤلاء من الجمهوريين الذين يحاولون منع المساعدة.
وأي مفهوم عن ضعف في الدعم الأمريكي لكييف سيجعل الأوروبيين يفكرون مرتين بدورهم الذي يقومون به. وقال مسؤول أمريكي على معرفة بالأمر الحساس إنه عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا “تجري بعض النقاشات الصادقة خلف الأضواء”. وتقول المجلة إن الفساد في أوكرانيا كان موضوع قلق الأمريكيين وحتى الرئيس جو بايدن. إلا أن الموضوع لم يعد محل تأكيد بعد اجتياح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا في شباط/فبراير 2022، وهو غزو وصفه بايدن بأنه معركة حقيقية للديمقراطية ضد الاستبداد. والتزم مساعدو بايدن ولأشهر بعدم ذكر الفساد إلا لماما، وكانوا يريدون إظهار التضامن مع كييف وتجنب إثارة عدد من المشرعين الجمهوريين، الناقدين للمساعدة الأمريكية، العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا.
وبعد عام على الحرب في أوكرانيا بات المسؤولون الأمريكيون يطرحون الموضوع في أحاديثهم الخاصة والعامة. وفي أيلول/سبتمبر التقى مستشار الأمن القومي جيك سوليفان مع وفد من مكافحة الفساد في المؤسسات الأوكرانية. وأكد مسؤول ثان أن إدارة بايدن تتحدث مع الأوكرانيين حول شرط المساعدات الاقتصادية في المستقبل “بإصلاحات تعالج الفساد وجعل أوكرانيا مكانا جذابا للاستثمارات الخاصة”. وقال المسؤول إن الشرط لا ينطبق على المساعدات العسكرية. ولم يرد متحدث باسم وزارة الخارجية على أسئلة للتعليق، إلا أن الرئيس فولدومير زيلينسكي عزل عددا من مسؤولي الدفاع بالفترة الأخيرة في حملة ضد الفساد، وهي رسالة لأمريكا وأوروبا بأنه يستمع لنقدهم.
وأعدت وزارة الخارجية تقرير “الإستراتيجية المتكاملة” للبلد، ولكنها اعتمدت على مشاركات من مؤسسات الحكومة الأخرى بما فيها وزارة الدفاع. ويفصل التقرير قائمة أهداف وجداول زمنية لتحقيقها ومعالم يريد المسؤولون الأمريكيون رؤيتها لكي تتحقق. وعادة ما تصدر وزارة الخارجية استراتيجيات كهذه للكثير من الدول وكل عدة سنوات. ولم يقل مسؤول تحدث بالإنابة عن الخارجية إن كانت الحكومة الأوكرانية قد اطلعت على التقرير وإن كانت هناك نسخة سرية، وإن وجدت نسخة سرية عن التقرير أم لا.
وقال ويليام تايلور، السفير الأمريكي السابق في أوكرانيا إن الكثير من الأوكرانيين سيرحبون بالإستراتيجية لأنهم تعبوا أيضا من الفساد المستشري في البلد. وقال إن كل شيء جيد “طالما لم يتدخل في طريق المساعدة التي نقدمها لهم للانتصار بالحرب”. وتشير الوثيقة إلى أن تحقيق الأهداف الأمريكية لأوكرانيا يشمل تنفيذ الوعود بتقديم معدات عسكرية وتدريب للقوات الأوكرانية كي تدافع عن نفسها من هجمات الكرملين. وتشير النسخة السرية إلى الأهداف الأمريكية، مثل المساعدة في إصلاح عناصر في أجهزة الأمن القومي، لكي تساعد على عدم التسامح مع الفساد في تنفيذ المهام وتخفيف الفرص للفساد. ومع أن انضمام أوكرانيا للناتو ليس قريبا، إلا أن أمريكا حريصة على تبني القوات الأوكرانية المعايير العسكرية للناتو.
المصدر: موقع بوليتيكو
ترجمة: القدس العربي
لوبوان: لهذا تفقد فرنسا صوتها في العالم.. وزنها الاقتصادي يتراجع وآفاقها السياسية قاتمة
|
تحت عنوان “كيف تفقد فرنسا صوتها في العالم؟”، قالت مجلة “لوبوان” الفرنسية في افتتاحية لها إن سياسة إيمانويل ماكرون الخارجية تعاني من التناقضات وأخطاء التحليل. وعليه فإن التجديد الدبلوماسي أمر ملح.
وتساءلت “لوبوان” عن دلالات تجنب إيمانويل ماكرون الذهاب هذا العام إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو التجمع الدبلوماسي الرفيع الذي يعقد كل سبتمبر في نيويورك. “فهل لم يعد لديه ما يقوله لأقرانه، في وقت ينهار فيه العالم في كل مكان؟، وذلك في وقت تشهد فيه سياسته الخارجية خيبات أمل هذه الأيام. ويُعَد الإعلان يوم الرابع والعشرين من سبتمبر المنصرم عن الانسحاب المثير للشفقة للقوات الفرنسية من النيجر، بعد مالي وبوركينا فاسو، أحدث اخفاقات الدبلوماسية الفرنسية”.
لوبوان: سياسة إيمانويل ماكرون الخارجية تعاني من التناقضات وأخطاء التحليل. وعليه فإن التجديد الدبلوماسي أمر ملح
وفي هذا الصيف، فشلت مساعي الرئيس الفرنسي في أن تتم دعوته لحضور قمة الدول الناشئة الكبرى في جوهانسبرغ. واعتبر رئيس دبلوماسية جنوب أفريقيا أن هذا الطلب “مسلٍ للغاية”، والأخطر من ذلك: أينما نظرنا، تتراكم خيبات الأمل. لنأخذ بعض الشركاء الأساسيين لفرنسا، تقول “لوبوان”.
وأوضحت المجلة الفرنسية أن العلاقة بين باريس وبرلين تعرف خلافات في المواقف من الطاقة إلى الدفاع، بما في ذلك إعادة التصنيع أو القيود المفروضة على الميزانية الأوروبية. وفي لبنان، البلد القريب من فرنسا والذي كان حجر الأساس لسياستها في الشرق الأوسط، أدى عدم تناسق الدبلوماسية الفرنسية بعد انفجار بيروت 2020 إلى خلافها مع الجميع. ومع ذلك، فإن ذلك لم يكسب الفرنسيين استحسان أسياد البلاد الحقيقيين، إيران وحزب الله.
قوة الضربة
أما المغرب، فلم تعد العلاقة الخاصة التي رعاها كل أسلاف ماكرون مع الرباط موجودة.. فحتى رجال الإنقاذ الفرنسيين لم يعودوا موضع ترحيب في المملكة. ولم يرافق هذه الأزمة بين البلدين دفء في العلاقات الفرنسية- الجزائرية!، بل إن السلطات الجزائرية منعت لتوها المدارس الخاصة من تدريس برامج المدارس الفرنسية، تتابع المجلة الفرنسية.
لوبوان: لم تعد العلاقة الخاصة التي رعاها كل أسلاف ماكرون مع الرباط موجودة.. فحتى رجال الإنقاذ الفرنسيين لم يعودوا موضع ترحيب في المملكة
على الورق، توضح “لوبوان”، تمتلك فرنسا كل ما يمكنها من التأثير. فقوتها الناعمة لا تزال باقية، وشبكتها الدبلوماسية واسعة النطاق، وجيشها قوي، وقوتها الضاربة تضمن استقلالها. إنها الدولة الوحيدة العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي التي تتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكن إيمانويل ماكرون أخطأ بسبب أخطائه في التحليل. وظلت ملاحظته بأن حلف شمال الأطلسي ”ميت دماغياً” قبل أشهر قليلة من عدوان فلاديمير بوتين على أوكرانيا، في ذاكرة شركاء فرنسا الأوروبيين، الذين يعتمدون على واشنطن أكثر من اعتمادهم على باريس ــ ولسبب وجيه ــ من أجل سلامتهم. وكانت فكرته المتمثلة في تقديم “ضمانات أمنية” لروسيا بعد الغزو قد أزعجتهم أكثر. ورغبته في الحفاظ على وجود عسكري في منطقة الساحل، في حين تضاعفت إشارات الإنذار، يدفع ثمنها نقدا اليوم.
لوبوان: ماكرون أخطأ بسبب أخطائه في التحليل. وظلت ملاحظته بأن حلف شمال الأطلسي ”ميت دماغياً” قبل أشهر قليلة من عدوان بوتين على أوكرانيا، في ذاكرة شركاء فرنسا الأوروبيين
دبلوماسية “في الوقت نفسه”
تواصل “لوبوان” القول إن الرئيس الفرنسي يعيش، خاصة، التجربة المريرة المتمثلة في صعوبة اللعب في الدرجة الأولى بينما يقود بلداً أصبح الآن في مستوى الدرجة الثانية. فالوزن الاقتصادي والصناعي لفرنسا يتراجع نسبيا وآفاقها السياسية قاتمة. هناك الكثير من العوامل التي تقوض نفوذها.
واعتبرت المجلة الفرنسية أن إيمانويل ماكرون أثبت أنه يعرف كيف يتطور. وإعادة تحول موقفه لصالح كييف في الحرب الأوكرانية يشهد على ذلك. لكن السياسة الخارجية برمتها هي التي يجب أن تخضع لعملية التعديل.
وقالت الصحيفة إنه لمن قبيل التناقض أن تدافع فرنسا عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وهو ما يعني ضمناً الرهان بكل شيء على أوروبا، وأن تشيد في الوقت نفسه بالدور الذي تلعبه فرنسا باعتبارها “قوة توازن” في العالم. فهذا يعطي شركاء فرنسا الشعور بأن التزامها الأوروبي نسبي وأن سياستها الخارجية لا يمكن الاعتماد عليها. وعبارة “في الوقت نفسه” التي تقوم عليها سياسية إيمانويل ماكرون غير فعالة في الدبلوماسية كما هو الحال في السياسة الداخلية، بحسب ”لوبوان”.
واعتبرت المجلة أن فرنسا لديها الكثير لتقوله عن الحرية والعدالة والديمقراطية. ولكن، لكي تجد صوتها، يتعين عليها أن تواجه نفسها وتتطلع إلى المستقبل بدلاً من الشعور بالحنين إلى الماضي. لأنه إذا كان فهم الرئيس الفرنسي لتوازن القوى ضعيفاً، فكيف يمكن أن يعيد فرنسا إلى مكانتها الصحيحة على الساحة الدولية.
المصدر: مجلة Le Point الفرنسية
شبح فراغ تشريعي بأميركا بعد فشل مكارثي في تجنب مساعي عزله
|
فشل رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي في إسقاط مساعي عزله في المجلس بعد تصويت أولي أسفر عن معارضة 218 نائباً له، منهم 11 جمهورياً، مقابل دعم 208 من حزبه.
وينتقل المجلس بعد ذلك للتصويت على عزل مكارثي، بعد أن أعلن النائب الجمهوري مات غايتس عن قراره المضي قدماً بمساعي العزل في قرار تاريخي، حصل مرة واحدة فقط في الولايات المتحدة منذ 100 عام، ويدل على اتساع هوة الانقسامات الجمهورية التي رسخها وصول مكارثي إلى مقعد الرئاسة، بعد 15 جلسة تصويت ماراثونية في مجلس النواب بسبب عرقلة «صديقه» اللدود غايتس.
فخطوة النائب الجمهوري هذه ما كانت لتكون ممكنة من دون الصلاحيات التي أعطاها له مكارثي، ضمن تسوية توصل إليها معه، مقابل صوته الحاسم الذي أوصله إلى رئاسة المجلس، ليصبح غايتس شوكة في خاصرة رئيس المجلس الذي سارع بعد طرح مشروع عزله إلى التغريد بلهجة، ملؤها التحدي: «لنفعل هذا». ليهب غايتس قائلاً على منصة «إكس» («تويتر» سابقاً): «لقد فعلت هذا للتو…».
وقد قرر الديمقراطيون عدم التصويت لحماية مكارثي، رغم مساعي الجمهوريين الداعمين له لإقناعهم بالتصويت لصالحه، بحجة أنه تعاون معهم لإقرار مشروع التمويل المؤقت للمرافق الفيدرالية.
وفي حال نجاح معارضي مكارثي في عزله في التصويت النهائي، سيدخل مجلس النواب في مرحلة فراغ تشريعي حتى انتخاب رئيس له.
رنا أبتر
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
الكونغرس الأمريكي يمرر مشروع قانون لتجنب الإغلاق الجزئي للحكومة
|
أقر الكونغرس الأمريكي مشروع قانون مؤقت للتمويل في وقت متأخر أمس السبت بدعم ساحق من الديمقراطيين بعد أن تخلى رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفن مكارثي عن طلب سابق من المتشددين في حزبه بإقرار أي مشروع قانون عبر أصوات الجمهوريين فحسب.
وصوت مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية بأغلبية 88 صوتا مقابل 9 لتمرير الإجراء لتجنب الإغلاق الجزئي الرابع للحكومة الاتحادية خلال عقد من الزمن، وأرسله إلى الرئيس جو بايدن لتوقيعه ليصبح قانونا قبل الموعد النهائي الساعة 12:01 صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة (0401 بتوقيت غرينتش ).
وتخلى مكارثي عن إصرار المتشددين في الحزب في وقت سابق على إقرار أي مشروع قانون عبر أصوات الجمهوريين فحسب، وهو تغيير قد يدفع أحد أعضاء الحزب من اليمين المتطرف إلى محاولة الإطاحة به من دوره القيادي.
وأيد مجلس النواب تمويل الحكومة لمدة 45 يوما أخرى بأغلبية 335 صوتا مقابل رفض 91، ونال الأمر دعم نواب ديمقراطيين أكثر من الجمهوريين.
ويمثل التصويت تحولا كبيرا في الوضع عما كانت عليه قبل أيام، عندما بدا الإغلاق أمرا لا مفر منه. ويعني أي إغلاق أن معظم موظفي الحكومة البالغ عددهم أربعة ملايين شخص لن يتلقوا رواتبهم سواء كانوا يعملون أو لا، كما سيؤدي إلى إغلاق مجموعة من الخدمات الاتحادية من المتنزهات الوطنية إلى الهيئات التنظيمية المالية.
الديمقراطيون يرونه فوزا
أيد نحو 209 ديمقراطيين مشروع القانون، وهو عدد أكبر بكثير من 126 جمهوريا وافقوا عليه. ووصف الديمقراطيون النتيجة بأنها فوز.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز للصحفيين قبيل التصويت “لقد خسر الجمهوريون المتطرفون… وفاز الشعب الأمريكي”.
وحظي التحول في موقف مكارثي بدعم زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي أيد في وقت سابق إجراء مشابها كان مجلس الشيوخ سيجري تصويتا محتملا عليه ويحظى بتأييد كبير من الحزبين، على الرغم من أن مشروع قانون مجلس النواب أسقط المساعدات لأوكرانيا.
ويوفر مشروع القانون 45 يوما أخرى من التمويل للحكومة الاتحادية، وهو ما يكفي للاستمرار حتى منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، ولكنه لا يوفر أموالا إضافية لمساعدة أوكرانيا في محاربة الغزو الروسي.
وهون مكارثي من المخاوف من أن يحاول جمهوريون متشددون الإطاحة به.
ولكنه قال للصحافيين “إذا اضطررت إلى المخاطرة بعملي من أجل الدفاع عن الشعب الأمريكي، فسوف أفعل ذلك”.
المصدر: وكالة رويترز
القوة العظمى المختلة: هل يمكن لأمريكا المنقسمة أن تردع الصين وروسيا؟
|
تواجه الولايات المتحدة في الوقت الراهن تهديدات خطيرة لأمنها أكثر مما واجهته منذ عقود، وربما أكثر من أي وقت مضى. ولم يحدث من قبل قط أن واجهت أربعة أعداء متحالفين في نفس الوقت؛ وهم روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران، والذين قد تصل ترسانتهم النووية الجماعية في غضون بضع سنوات إلى ضعف حجم ترسانتها النووية تقريبا.
ومنذ الحرب الكورية، لم تضطر الولايات المتحدة إلى مواجهة منافسين عسكريين أقوياء في كل من أوروبا وآسيا. ولا يستطيع أحد أن يتذكر الوقت الذي كان فيه خصم يتمتع بالقدر ذاته من القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية التي تتمتع بها الصين اليوم.
لكن المشكلة هي أنه في اللحظة نفسها التي تتطلب فيها الأحداث استجابة قوية ومتماسكة من الولايات المتحدة، فإن واشنطن لا تستطيع تقديم مثل هذه الاستجابة. فقد فشلت قيادتها السياسية المنقسمة – بين الجمهوريين والديمقراطيين، في البيت الأبيض والكونجرس- في إقناع عدد كافٍ من الأميركيين بأن التطورات الجارية في الصين وروسيا مهمة.
وقد فشل الزعماء السياسيون في شرح كيفية ترابط التهديدات التي تفرضها هذه البلدان، ولقد فشلوا في صياغة إستراتيجية طويلة المدى لضمان سيادة الولايات المتحدة والقيم الديمقراطية على نطاق أوسع.
هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتن، ولكن تبرز قناعتان مشتركتان.
فأولاً، كل منهم مقتنع بأن مصيره الشخصي مرتبط باستعادة أيام مجد الماضي الإمبراطوري لبلاده. وبالنسبة لشي، يعني ذلك استعادة الدور المهيمن الذي كانت تلعبه الصين الإمبراطورية في السابق في آسيا، في حين تضمر طموحات أكبر فيما يتعلق بالنفوذ العالمي. وبالنسبة لبوتين؛ ذلك يعني السعي إلى مزيج غريب من إحياء الإمبراطورية الروسية واستعادة الاحترام الذي كان يحظى به الاتحاد السوفييتي.
ثانيًا، يُعد كلا الزعيمين مقتنعان بأن الديمقراطيات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قد تجاوزت فترة أوجها ودخلت في مرحلة انحدار لا رجعة فيه. وهما يعتقدان أن هذا التراجع الواضح ينعكس في الانعزالية المتزايدة لهذه الديمقراطيات، ناهيك عن الاستقطاب السياسي، والفوضى الداخلية.
وإذا نظرنا إلى قناعات شي وبوتين مجتمعة فإنها تنذر بفترة خطيرة مقبلة بالنسبة للولايات المتحدة. ولا تكمن المشكلة في القوة العسكرية والعدوانية التي تتمتع بها الصين وروسيا فحسب، بل في أن كلا الزعيمين ارتكبا بالفعل حسابات خاطئة كبيرة على الصعيد المحلي والخارجي، ويبدو أنه من المرجح أن يرتكبا أخطاء أكبر في المستقبل.
ومن المحتمل أن تؤدي قراراتهم إلى عواقب كارثية عليهم وعلى الولايات المتحدة. لذا، يتعين على واشنطن أن تغير حسابات شي وبوتين وأن تقلل من فرص وقوع الكارثة، وهو الجهد الذي يتطلب رؤية إستراتيجية وعملًا جريئًا. لقد انتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة بفضل إستراتيجية متسقة اتبعها كلا الحزبين السياسيين على امتداد تسع فترات رئاسية متتالية، وهي تحتاج اليوم إلى اتباع نهج مماثل من الحزبين. وهنا تكمن المشكلة.
تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف خطير فريد من نوعه: فهي تواجه خصومًا عدوانيين لديهم ميل إلى سوء التقدير، لكنهم غير قادرين على الاتحاد وحشد قواهم اللازمة لثنيهم عن ذلك. ويعتمد النجاح في ردع قادة مثل شي وبوتين على مدى التمسك بهذه الالتزامات وثبات الاستجابة. وبدلًا من ذلك، أدى الخلل الوظيفي إلى جعل القوة الأمريكية متقلبة وغير موثوقة، مما دعا عمليا المستبدين المعرضين للمخاطر إلى وضع رهانات خطيرة لها العديد من الآثار الكارثية المحتملة.
طموحات شي
إن دعوة شي إلى “التجديد العظيم للأمة الصينية” هو الطريق المختصر لكي تصبح الصين القوة العالمية المهيمنة بحلول عام 2049، وهو الذكرى المئوية لانتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية، ويتضمن هذا الهدف إعادة تايوان تحت سيطرة بكين، وعلى حد تعبيره: “ينبغي أن يتحقق التوحيد الكامل للوطن الأم، وسوف يتحقق”.
ولتحقيق هذه الغاية؛ أصدر شي تعليماته إلى المؤسسة العسكرية الصينية بأن تكون جاهزة بحلول سنة 2027 لغزو تايوان بنجاح، كما تعهد بتحديث المؤسسة العسكرية الصينية بحلول سنة 2035 وتحويلها إلى قوة ” على المستوى العالمي”. ويبدو أن شي يعتقد أنه لن يتمكن من تأمين لنفسه مكانة مماثلة لمكانة ماو تسي تونج في معبد أساطير الحزب الشيوعي الصيني إلا من خلال الاستيلاء على تايوان.
تنطوي تطلعات شي جين بينغ وإحساسه بقدره الشخصي على خطر كبير للحرب. وكما أخطأ بوتين في حساباته بشكل كارثي في أوكرانيا، فهناك خطر كبير من أن يتخذ شي الخطوة ذاتها في تايوان. لقد أخطأ بالفعل في حساباته بشكل كبير خلال ثلاث مناسبات على الأقل.
أولاً، من خلال النأي بنفيه عن مبدأ الزعيم الصيني دنغ شياو بينج التي تتمثل في “أخفي قوتك، وانتظر الفرصة”، فقد أثار شي على وجه التحديد الاستجابة التي كان دنغ يخشاها، فقد حشدت الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية بهدف إبطاء نمو الصين، وبدأت في تعزيز وتحديث جيشها. وعززت تحالفاتها وشراكاتها العسكرية في آسيا.
وثاني التقديرات الخاطئة التي اتخذها شي هو تأرجحه نحو اليسار في السياسات الاقتصادية، وهو التحول الأيديولوجي الذي بدأ في سنة 2015 وتم تعزيزه في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني في سنة 2022. وقد ألحقت سياساته، من إدخال الحزب في إدارة الشركات إلى الاعتماد بشكل متزايد على الشركات المملوكة للدولة، ضررًا عميقًا بالاقتصاد الصيني
ثالثا، إن سياسة القائمة على “القضاء التام على كوفيد” التي انتهجها شي، كما كتب الخبير الاقتصادي آدم بوسن في هذه الصفحات، “جعلت السلطة التعسفية للحزب الشيوعي الصيني مرئية وملموسة على الأنشطة التجارية للجميع، بما في ذلك الأنشطة التي يمارسها أصغر اللاعبين”. وكانت حالة عدم اليقين الناجمة عن ذلك، والتي تفاقمت بسبب تراجعه المفاجئ عن تلك السياسة، سببًا في خفض الإنفاق الاستهلاكي الصيني وبالتالي إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد بالكامل.
وإذا كان الحفاظ على قوة الحزب يعد الأولوية الأولى بالنسبة للرئيس شي، فإن الاستيلاء على تايوان هو الأولوية الثانية بالنسبة له. وإذا اعتمدت الصين على تدابير للضغط على تايوان لحملها على الاستسلام بشكل استباقي دون اللجوء إلى خيار الحرب، فمن المرجح أن تفشل هذه الجهود. وبالتالي فإن شي سيُترك أمام خيار المجازفة بالحرب من خلال فرض حصار بحري واسع النطاق أو حتى شن غزو شامل للاستيلاء على الجزيرة. وربما يتصور أنه سيصل إلى هدفه، ولكن سواء فاز أو خسر، فإن التكاليف الاقتصادية والعسكرية المترتبة على شن حرب على تايوان ستكون كارثية بالنسبة للصين، ناهيك على كل الأطراف المعنية الأخرى. وسوف يرتكب شي خطأ فادحا.
لم يكن هناك شيء لا مفر منه في الحرب العالمية الأولى؛ لقد حدث ذلك بسبب غباء وغطرسة زعماء أوروبا.
على الرغم من حسابات شي الخاطئة والصعوبات الداخلية العديدة التي تواجهها بلاده، فإن الصين سوف تستمر في فرض تحدٍ هائل للولايات المتحدة؛ فقد أصبح جيشها أقوى من أي وقت مضى، وتمتلك الصين في الوقت الراهن سفنًا حربية أكثر من الولايات المتحدة (على الرغم من أنها ذات جودة أقل). فقد قامت بتحديث وإعادة هيكلة قواتها التقليدية وقواتها النووية ــ وضاعفت قواتها النووية الإستراتيجية المنتشرة تقريبًا ــ وقامت بتحديث نظام القيادة والسيطرة لديها، وتعد في الوقت الحالي بصدد تعزيز قدراتها في الفضاء والفضاء الإلكتروني.
وبعيدًا عن تحركاتها العسكرية، اتبعت الصين استراتيجية شاملة تهدف إلى زيادة قوتها ونفوذها على مستوى العالم؛ حيث تعد الصين في الوقت الحالي الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، بما في ذلك جميع دول أمريكا الجنوبية تقريبًا. وقد قامت أكثر من 140 دولة بالتسجيل كمشاركين في مبادرة الحزام والطريق، البرنامج الصيني المترامي الأطراف لتطوير البنية التحتية. وتمتلك الصين في الوقت الحالي، أو تدير، أو تستثمر في أكثر من 100 ميناء في حوالي 60 دولة.
وتكتمل هذه العلاقات الاقتصادية المتوسعة بشبكة دعائية وإعلامية واسعة النطاق؛ فلا يوجد بلد على وجه الأرض بعيد عن متناول محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية أو موقع إخباري صيني واحد على الأقل. ومن خلال هذه المنافذ وغيرها؛ تهاجم بكين الإجراءات والدوافع الأمريكية، وتقوض الثقة في المؤسسات الدولية التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتعلن عن التفوق المفترض لنموذجها التنموي والإداري – كل ذلك مع الترويج لموضوع الانحدار الغربي.
هناك مفهومان على الأقل يتذرع بهما أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة والصين متجهتان إلى الصراع: الأول هو “فخ ثوسيديديس”؛ فوفقًا لهذه النظرية فإن الحرب تصبح أمراً لا مفر منه عندما تواجه قوة صاعدة قوة راسخة، كما حدث عندما واجهت أثينا أسبرطة في العصور القديمة أو عندما واجهت ألمانيا المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى. والسبب الآخر هو “ذروة الصين”، وهي فكرة مفادها أن القوة الاقتصادية والعسكرية للبلاد أصبحت أو ستصبح قريبًا في أقوى حالاتها، في حين أن المبادرات الطموحة لتعزيز المؤسسة العسكرية الأميركية سوف تستغرق سنوات قبل أن تؤتي ثمارها. وعلى هذا فإن الصين قد تغزو تايوان قبل أن يؤدي التفاوت العسكري في آسيا إلى تغيير الوضع غير الملائم للصين.
في المقابل، لا تُعد أيًّا من النظريتين مقنعة. فلم يكن هناك شيء لا مفر منه في الحرب العالمية الأولى؛ لقد حدث ذلك بسبب غباء وغطرسة زعماء أوروبا. ويعد الجيش الصيني نفسه أبعد ما يكون عن الاستعداد لصراع كبير، وبالتالي فإن أي هجوم صيني مباشر على تايوان أو غزوها – في حال حدث – سوف يستغرق بضع سنوات في المستقبل؛ ما لم يخطئ شي في تقديراته مرة أخرى بطبيعة الحال.
مقامرة بوتين
وقال زبيغنيو بريجنسكي، عالم السياسة ومستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، ذات مرة: “دون أوكرانيا، لم تعد روسيا إمبراطورية”. ومن المؤكد أن بوتين يشاركه هذا الرأي. وفي سعيه وراء إمبراطورية روسيا المفقودة، قام بغزو أوكرانيا في سنة 2014 ومرة أخرى في سنة 2022؛ حيث تبين أن المغامرة الأخيرة كانت عبارة عن سوء تقدير كارثي له عواقب مدمرة طويلة المدى على بلاده. وبدلاً من تقسيم وإضعاف حلف الناتو، قدمت تصرفات روسيا للتحالف فرصا جديدة تتمثل في ضم أعضاء جدد أقوياء مثل فنلندا، والسويد. ومن الناحية الإستراتيجية، أصبحت روسيا الآن أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل الغزو.
ومن الناحية الاقتصادية؛ عوضت مبيعات النفط إلى الصين والهند ودول أخرى الكثير من الأثر المالي للعقوبات، كما حلت السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا من الصين وتركيا ودول أخرى في آسيا الوسطى والشرق الأوسط محل السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا القادمة من الغرب جزئيا.
ومع ذلك؛ ظلت روسيا خاضعة لعقوبات استثنائية من جانب كافة الديمقراطيات المتقدمة تقريبا. فقد سحبت شركات غربية لا حصر لها استثماراتها من البلاد وتخلت عنها، بما في ذلك شركات النفط والغاز التي تعتبر تقنيتها ضرورية للحفاظ على مصدر الدخل الرئيسي لروسيا؛ حيث وفر الآلاف من خبراء التكنولوجيا ورجال الأعمال الشباب. ومن خلال غزو أوكرانيا، رهن بوتين مستقبل بلاده.
بث للتدريبات العسكرية الصينية، بكين، التي أجرتها في آب/ أغسطس 2023.
أما بالنسبة للجيش الروسي؛ فرغم أن الحرب أدت إلى إضعاف قواته التقليدية بشكل كبير، إلا أن موسكو تحتفظ بأكبر ترسانة نووية في العالم. وبفضل اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة، لا تتضمن هذه الترسانة سوى عدد قليل من الأسلحة النووية الإستراتيجية المنتشرة أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة، ولكن روسيا تمتلك عشرة أضعاف الأسلحة النووية التكتيكية، والتي تصل إلى حوالي 1900 سلاح.
وعلى الرغم من هذه الترسانة النووية الضخمة، إلا أن التوقعات بالنسبة لبوتين تبدو قاتمة. وفي ظل تبدد آماله في غزو سريع لأوكرانيا، يبدو أنه يعتمد على مأزق عسكري صعب لإرهاق الأوكرانيين، ويراهن على أنه بحلول الربيع أو الصيف المقبل، سوف يتعب عامة الناس في أوروبا والولايات المتحدة من دعمهم.
وكبديل مؤقت لأوكرانيا التي تم غزوها، ربما يكون بوتين على استعداد للنظر في وضع أوكرانيا المشلول التي أصبحت دولة هشة في حالة خراب، وانخفضت صادراتها وتقلصت مساعداتها الخارجية بشكل كبير. لقد أراد بوتين أن تكون أوكرانيا جزءًا من الإمبراطورية الروسية المُعاد تشكيلها، كما أنه يخشى أن تصبح أوكرانيا ديمقراطية وحديثة ومزدهرة كنموذج بديل للروس في الجوار. وبما أنه لم يستطع تحقيق هدفه المعلن، قد يعتقد أنه قادر على تقويض أهداف أوكرانيا.
وطالما بقي بوتين في السلطة، ستظل روسيا خصما للولايات المتحدة وحلف الناتو. فمن خلال مبيعات الأسلحة، والمساعدة الأمنية، وأسعار النفط والغاز المخفضة، فإن بوتين يعمل على تنمية علاقات جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وسوف يستمر في استخدام كل الوسائل المتاحة له لزرع الانقسام في الولايات المتحدة وأوروبا وتقويض نفوذ الولايات المتحدة في الجنوب العالمي.
وبفضل شراكته مع الرئيس شي جين بينغ، وثقته في أن ترسانته النووية الحديثة سوف تردع أي عمل عسكري ضد روسيا، فسوف يستمر في تحدي الولايات المتحدة بشدة. لقد ارتكب بوتين بالفعل خطأً تاريخيا في الحسابات، ولا يمكن لأحد أن يكون متأكدا من أنه لن يرتكب خطأ آخر.
الولايات المتحدة ضعيفة
في الوقت الحالي، تبدو الولايات المتحدة في موقف قوي في مواجهة كل من الصين وروسيا. والأهم من ذلك كله أن أداء الاقتصاد الأمريكي جيد؛ إذ يزدهر الاستثمار التجاري في مرافق التصنيع الجديدة، وبعضها مدعوم ببرامج البنية الأساسية والتكنولوجيا الحكومية الجديدة. كما تَعِد الاستثمارات الجديدة من قبل كل من الحكومة وقطاع الأعمال في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، والهندسة الحيوية، بتوسيع الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكل دولة أخرى لسنوات قادمة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، منحت الحرب في أوكرانيا الولايات المتحدة فرصا جديدة؛ حيث إن التحذير المبكر الذي أرسلته واشنطن لأصدقائها وحلفائها بشأن نية روسيا لغزو أوكرانيا أعاد ثقتهم في القدرات الاستخباراتية الأمريكية.
وقد سمحت المخاوف المتجددة من روسيا للولايات المتحدة بتعزيز وتوسيع حلف الناتو، كما قدمت المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا دليلا واضحا على أنه يمكن الوثوق بها للوفاء بالتزاماتها. ومن ناحية أخرى، أدى الترهيب الاقتصادي والدبلوماسي الذي تمارسه الصين في آسيا وأوروبا إلى نتائج عكسية، مما مكّن الولايات المتحدة من تعزيز علاقاتها في كلا المنطقتين.
لقد تلقى الجيش الأمريكي تمويلا جيّدا في السنوات الأخيرة، ويجري تنفيذ برامج التحديث في جميع الركائز الثلاثة للثالوث النووي – الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقاذفات القنابل، والغواصات.
واشترى البنتاغون طائرات مقاتلة جديدة (طائرات إف-35، وطائرات إف-15 محدثة، ومقاتلة جديدة من الجيل السادس)، إلى جانب أسطول جديد من طائرات التزود بالوقود للتزود بالوقود أثناء الطيران. كما اشترى الجيش نحو عشرين منصة وأسلحة جديدة، وتقوم البحرية ببناء سفن وغواصات إضافية. ويواصل الجيش تطوير أنواع جديدة من الأسلحة، مثل الذخائر التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتعزيز قدراته السيبرانية الهجومية والدفاعية. وبشكل عام، تنفق الولايات المتحدة على الدفاع أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية لها مجتمعة، بما في ذلك روسيا والصين.
ولكن من المؤسف أن الخلل السياسي في الولايات المتحدة وإخفاقاتها السياسية يقوّضون نجاحها؛ إذ يتعرض الاقتصاد الأمريكي للتهديد بسبب الإنفاق الحكومي الفيدرالي المُسرف، وقد فشل الساسة من كلا الحزبين في معالجة التكاليف المتصاعدة للاستحقاقات مثل الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والمساعدات الطبية.
وكانت المعارضة الدائمة لرفع سقف الدين سببًاا في تقويض الثقة في الاقتصاد، مما أثار قلق المستثمرين بشأن ما قد يحدث إذا تخلفت واشنطن عن سداد ديونها بالفعل. (في شهر آب/ أغسطس 2023، خفضت وكالة “فيتش” التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، مما أدى إلى رفع تكاليف الاقتراض على الحكومة). وقد ظلت عملية المخصصات في الكونغرس معطلة لسنوات. لقد فشل المشرعون مرارًا وتكرارًا في سن مشاريع قوانين الاعتمادات الفردية، وأقروا قوانين “شاملة” ضخمة لم يقرأها أحد، وأجبروا الحكومة على الإغلاق.
تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من القوة العسكرية لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ولكن الكونغرس والسلطة التنفيذية مليئة بالعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف.
على الصعيد الدبلوماسي، أدى ازدراء الرئيس السابق دونالد ترامب لحلفاء الولايات المتحدة، وولعه بالقادة المستبدين، واستعداده لزرع الشكوك حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في الناتو، وسلوكه غير المنتظم بشكل عام، إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة واحترامها في مختلف أنحاء العالم. ولكن بعد سبعة أشهر فقط من إدارة الرئيس جو بايدن، أضر انسحاب الولايات المتحدة المفاجئ والكارثي من أفغانستان بثقة بقية العالم في واشنطن.
على امتداد سنوات، أهملت الدبلوماسية الأمريكية جزءًا كبيرًا من الجنوب العالمي، الذي يمثّل الجبهة المركزية للمنافسة غير العسكرية مع الصين وروسيا: لقد تُركت مناصب سفراء الولايات المتحدة شاغرة بشكل غير متناسب في هذا الجزء من العالم. وابتداءً من سنة 2022، وبعد سنوات من الإهمال، سارعت الولايات المتحدة إلى إحياء علاقاتها مع دول جزر المحيط الهادئ، ولكن فقط بعد أن استغلت الصين غياب واشنطن لتوقيع اتفاقيات أمنية واقتصادية مع هذه الدول. إن المنافسة مع الصين وحتى روسيا على الأسواق والنفوذ عالمي؛ ولا يمكن للولايات المتحدة أن تغيب عن أي منطقة.
ويدفع الجيش ثمن الخلل السياسي الأمريكي، ولا سيما في الكونغرس. ففي كل سنة – منذ سنة 2010 – فشل الكونغرس في الموافقة على مشاريع قوانين المخصصات للجيش قبل بداية السنة المالية التالية. وبدلا من ذلك، أصدر المشرعون “قرارًا مستمرًّا”، والذي يسمح للبنتاغون بعدم إنفاق أموال أكثر مما أنفقه في السنة السابقة ويمنعه من البدء بأي شيء جديد أو زيادة الإنفاق على البرامج الحالية.
وتحكم هذه القرارات المستمرة الإنفاق الدفاعي حتى يتم إقرار مشروع قانون مخصصات جديد، وقد استمرت من بضعة أسابيع إلى سنة مالية كاملة. والنتيجة هي أنه في كل سنة، لا تؤدي البرامج والمبادرات الجديدة المبتكرة إلى أي نتيجة لفترة لا يمكن التنبؤ بها.
وقد أقرّ قانون مراقبة الميزانية لسنة 2011 تخفيضات تلقائية في الإنفاق، والمعروفة باسم “الحجز”، وخفض الميزانية الفيدرالية بمقدار 1.2 تريليون دولار على امتداد عشر سنوات. واضطر الجيش، الذي كان يمثل في ذلك الوقت نحو 15 بالمئة فقط من النفقات الفيدرالية، إلى استيعاب نصف هذا التخفيض – حوالي 600 مليار دولار. ومع إعفاء تكاليف الموظفين، كان يجب أن يأتي الجزء الأكبر من التخفيضات من الصيانة والعمليات والتدريب وحسابات الاستثمار.
وكانت العواقب وخيمة وطويلة الأمد. ومع ذلك، اعتبارًا من أيلول/ سبتمبر 2023، يتجه الكونغرس نحو ارتكاب نفس الخطأ مرة أخرى. وهناك مثال آخر على سماح الكونغرس للسياسة بإلحاق ضرر حقيقي بالجيش، وهو السماح لأحد أعضاء مجلس الشيوخ للحيلولة دون تثبيت مئات من كبار الضباط لعدة أشهر متتالية، مما لا يؤدي فحسب إلى إضعاف الاستعداد والقيادة بشكل خطير ولكن أيضًا من خلال تسليط الضوء على الخلل الحكومي الأمريكي في مثل هذا المجال الحيوي، وجعل الولايات المتحدة أضحوكة بين خصومها.
بشكل عام، تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من القوة العسكرية لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ولكن الكونغرس والسلطة التنفيذية مليئة بالعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف.
لقاء اللحظة
إن المنافسة الملحمية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والصين وروسيا ورفاقهما من جهة أخرى تجري على قدم وساق. ولضمان أن تكون واشنطن في أقوى وضع ممكن لردع خصومها من ارتكاب المزيد من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة، يجب على قادة الولايات المتحدة أولا معالجة انهيار اتفاق الحزبين المستمر منذ عقود فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة في العالم.
ليس من المستغرب أن يرغب العديد من الأميركيين، بعد 20 سنة من الحرب في أفغانستان والعراق، في الانغلاق على الذات، وخاصة في ضوء المشاكل العديدة التي تواجهها الولايات المتحدة في الداخل. ولكن مهمة الزعماء السياسيين تتمحور حول مواجهة هذه المشاعر وشرح كيف يرتبط مصير البلاد بشكل لا ينفصم بما يحدث في أماكن أخرى. وذات يوم، لاحظ الرئيس فرانكلين روزفلت أن “أعظم واجب على رجل الدولة هو التعليم”. ولكن الرؤساء الجدد، ومعهم أغلب أعضاء الكونغرس، فشلوا فشلا ذريعا في الاضطلاع بهذه المسؤولية الأساسية.
ويتعين على الأميركيين أن يفهموا السبب وراء أهمية القيادة الأميركية العالمية، على الرغم من تكاليفها، في الحفاظ على السلام والازدهار، كما يتعين عليهم أن يعرفوا لماذا تشكل المقاومة الأوكرانية الناجحة للغزو الروسي أهمية بالغة لردع الصين عن غزو تايوان. إنهم بحاجة إلى معرفة السبب الذي يجعل الهيمنة الصينية على غرب المحيط الهادئ تهدد المصالح الأمريكية، وهم بحاجة إلى معرفة السبب وراء أهمية النفوذ الصيني والروسي في الجنوب العالمي بالنسبة للمحفظة الأمريكية.
إلى جانب معرفة السبب وراء أهمية الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف للحفاظ على السلام، والسبب وراء تهديد التحالف الصيني الروسي للولايات المتحدة؛ وتمثّل هذه أنواع الروابط التي يحتاج القادة السياسيون الأمريكيون إلى رسمها كل يوم.
ليس الأمر مجرد خطاب واحد في الكونغرس؛ بل إن الأمر يتطلب تكرار الرسالة حتى تترسخ. فإلى جانب التواصل المنتظم مع الشعب الأميركي بشكل مباشر، وليس من خلال المتحدثين الرسميين، يحتاج الرئيس إلى قضاء بعض الوقت في تناول المشروبات والعشاء ووجبات العشاء وعقد اجتماعات صغيرة مع أعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام لإثبات دور الولايات المتحدة القيادي. وبعد ذلك، ونظرًا للطبيعة المجزأة للاتصالات الحديثة، يحتاج أعضاء الكونغرس إلى نقل الرسالة إلى ناخبيهم في جميع أنحاء البلاد.
بوتين يخاطب الوحدات العسكرية الروسية، موسكو، حزيران/ يونيو 2023
ما هي تلك الرسالة؟ لقد وفرت القيادة العالمية الأميركية 75 سنة من السلام بين القوى العظمى، وهي أطول فترة منذ قرون. ولا يوجد شيء أكثر تكلفة من الحرب في حياة أمة، ولا شيء آخر يمثل تهديدا أكبر لأمنها وازدهارها.
ولا شيء يجعل الحرب أكثر احتمالًا من اللّامبالاة والتظاهر بأن الولايات المتحدة لا تتأثر بالأحداث في أماكن أخرى، كما تعلمت البلاد قبل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
إن القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، والتحالفات التي أقامتها، والمؤسسات الدولية التي صممتها، كلها ضرورية لردع العدوان ضدها وضد شركائها. وكما ينبغي أن يوضح قرن من الأدلة، فإن الفشل في التعامل مع المعتدين لا يؤدي إلّا إلى تشجيع المزيد من العدوان. ومن السذاجة الاعتقاد بأن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يؤدي إلى المزيد من العدوان الروسي في أوروبا، بل وربما حتى الحرب بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.
ومن السذاجة بنفس القدر الاعتقاد بأن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يزيد بشكل كبير من احتمالات العدوان الصيني على تايوان، وبالتالي احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين.
إن العالم الذي لا يتمتع بقيادة أميركية موثوقة سيكون عالمًا من الحيوانات المفترسة الاستبدادية، حيث قد تكون جميع البلدان الأخرى فريسة محتملة. وإذا كان لأمريكا أن تحمي شعبها وأمنها وحريتها، فيتعين عليها أن تستمر في احتضان دورها القيادي العالمي، وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عن الولايات المتحدة في سنة 1943: “إن ثمن العظمة هو المسؤولية”.
إن إعادة بناء الدعم في الداخل لتلك المسؤولية أمر ضروري لإعادة بناء الثقة بين الحلفاء، كما أنه من الضروري الوعي بين الخصوم بأن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها. وبسبب الانقسامات الداخلية، والرسائل المختلطة، وتناقض الزعماء السياسيين بشأن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم؛ هناك شك كبير في الخارج حول موثوقية الولايات المتحدة.
ويتساءل كل من الأصدقاء والخصوم عمّا إذا كانت مشاركة بايدن وبناء التحالفات تمثل عودة إلى الوضع الطبيعي أو ما إذا كان ازدراء ترامب لشعار “أمريكا أولًا” للحلفاء سيكون الخيط المهيمن في السياسة الأمريكية في المستقبل؛ فحتى أقرب الحلفاء يتحوطون في رهاناتهم بشأن أمريكا، وفي عالم تبرز فيه روسيا والصين، فإن هذا أمر خطير بشكل خاص.
إن استعادة الدعم الشعبي للقيادة العالمية للولايات المتحدة هي الأولوية القصوى، ولكن يجب عليها اتخاذ خطوات أخرى لممارسة هذا الدور فعليًا.
أولاً، يتعين عليها أن تذهب إلى ما هو أبعد من “التمحور” نحو آسيا؛ حيث إن تعزيز العلاقات مع أستراليا واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية ودول أخرى في المنطقة أمر ضروري ولكنه غير كافِِ، فالصين وروسيا تعملان معًا ضد المصالح الأمريكية في كل قارة، وتحتاج واشنطن إلى إستراتيجية للتعامل مع العالم أجمع، وخاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث يتفوق الروس والصينيون بسرعة على الولايات المتحدة في تطوير العلاقات الأمنية والاقتصادية.
الدبلوماسية العامة ضرورية لتعزيز المصالح الأمريكية، لكن واشنطن تركت أداة القوة المهمة هذه تذوي منذ نهاية الحرب الباردة
ولا ينبغي لهذه الإستراتيجية أن تقسم العالم إلى ديمقراطيات وأنظمة استبدادية، بل يجب على الولايات المتحدة أن تدافع دائمًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في كل مكان، لكن هذا الالتزام يجب ألّا يعمي واشنطن عن حقيقة أن المصالح الوطنية الأمريكية تتطلب منها أحيانًا العمل مع حكومات قمعية وغير تمثيلية.
ثانيًا، يجب أن تتضمن استراتيجية الولايات المتحدة كافة أدوات قوتها الوطنية، فقد أصبح كل من الجمهوريين والديمقراطيين معادين للاتفاقيات التجارية، وأصبحت المشاعر الحمائية قوية في الكونغرس، وهذا قد ترك المجال مفتوحًا أمام الصينيين في الجنوب العالمي، الذي يقدم أسواقًا وفرصًا استثمارية ضخمة.
وعلى الرغم من عيوب مبادرة الحزام والطريق، مثل الديون الهائلة التي تتراكم على البلدان المتلقية، فقد استخدمتها بكين بنجاح للتلميح إلى نفوذ الصين وشركاتها وهيمنتها الاقتصادية في عشرات البلدان، ولن يختفي هذا الأمر المنصوص عليه في الدستور الصيني في سنة 2017. وتحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى معرفة كيفية التنافس مع المبادرة بطرق تتناسب مع نقاط قوتهم، وقبل كل شيء، قطاعهم الخاص، وتمثل برامج المساعدات التنموية الأميركية جزءاً صغيرًا من الجهود الصينية، كما أنها مجزأة ومنفصلة عن الأهداف الجيوسياسية الأمريكية الأكبر.
وحتى عندما تنجح برامج المساعدات الأميركية، فإن الولايات المتحدة تحافظ على الصمت بشأن إنجازاتها. فهي لم تذكر سوى القليل، على سبيل المثال عن خطة كولومبيا، وهي برنامج مساعدات مصمم لمكافحة تجارة المخدرات الكولومبية، أو خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من مرض الإيدز، والتي أنقذت الملايين من الأرواح في أفريقيا.
إن الدبلوماسية العامة ضرورية لتعزيز المصالح الأمريكية، لكن واشنطن تركت أداة القوة المهمة هذه تذوي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي الوقت نفسه؛ تنفق الصين مليارات الدولارات في جميع أنحاء العالم لتعزيز خطابها، وتبذل روسيا أيضًا جهودًا حثيثة لنشر دعايتها ومعلوماتها المضللة، فضلاً عن إثارة الفتنة داخل الديمقراطيات وفيما بينها.
ولهذا تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية للتأثير على القادة والشعوب الأجنبية، وخاصة في الجنوب العالمي. ولتحقيق النجاح في ذلك؛ فإن هذه الإستراتيجية تتطلب من حكومة الولايات المتحدة ليس فقط إنفاق المزيد من الأموال، ولكن أيضًا دمج ومزامنة العديد من أنشطة الاتصالات المتباينة.
وتشكل المساعدة الأمنية للحكومات الأجنبية مجالًا آخر يحتاج إلى تغيير جذري؛ فعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي يقوم بعمل جيد في تدريب القوات الأجنبية، إلا أنه يتخذ قرارات مجزأة حول مكان وكيفية القيام بذلك دون النظر بشكل كافٍ في الإستراتيجيات الإقليمية أو كيفية الشراكة مع الحلفاء بشكل أفضل.
وقد قدمت روسيا بشكل متزايد المساعدة الأمنية للحكومات في أفريقيا، وخاصة تلك ذات النزعة الاستبدادية، لكن الولايات المتحدة ليس لديها استراتيجية فعالة لمواجهة هذه الجهود. ويجب على واشنطن أيضًا أن تجد طريقة لتسريع تسليم المعدات العسكرية إلى الدول المتلقية؛ فهناك الآن ما يقرب من 19 مليار دولار من مبيعات الأسلحة المتراكمة إلى تايوان، مع تأخير يتراوح بين 4 إلى 10 سنوات.
وعلى الرغم من أن هذا التعطيل ناتج عن العديد من العوامل، إلا أن أحد الأسباب المهمة هو القدرة الإنتاجية المحدودة لصناعة الدفاع الأمريكية.
أفراد من مشاة البحرية الأمريكية في بحر البلطيق، أيلول/سبتمبر2023.
ثالثًا، يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في إستراتيجيتها النووية في مواجهة التحالف الصيني الروسي. إن التعاون بين روسيا – التي تعمل على تحديث قوتها النووية الإستراتيجية – والصين – التي تعمل على توسيع قوتها الصغيرة بشكل كبير- يختبر مصداقية الردع النووي الأمريكي، كما هو الحال مع القدرات النووية المتوسعة لكوريا الشمالية وإمكانات الأسلحة الإيرانية.
ولتعزيز قوة الردع لديها؛ من المؤكد تقريبًا أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تكييف إستراتيجيتها وربما تحتاج إلى توسيع حجم قواتها النووية أيضًا، خاصة وأن القوات البحرية الصينية والروسية تمارسان تدريبات مشتركة على نحو متزايد، وسيكون من المفاجئ أن لا تقوما أيضاً بتنسيق قواتهما النووية الاستراتيجية المنتشرة بشكل أوثق.
هناك اتفاق واسع النطاق في واشنطن على أن البحرية الأمريكية تحتاج إلى المزيد من السفن الحربية والغواصات. ومرة أخرى؛ أصبح التناقض بين خطاب الساسة وأفعالهم صارخًا. فلعدة سنوات، كانت ميزانية بناء السفن ثابتة بشكل أساسي، ولكن في السنوات الأخيرة، حتى مع زيادة الميزانية بشكل كبير، حالت القرارات المستمرة ومشاكل التنفيذ دون توسع البحرية.
وتتمثل العقبات الرئيسية التي تحول دون إنشاء قوة بحرية أكبر في الميزانية: الافتقار إلى تمويل أعلى مستدام للبحرية نفسها، وعلى نطاق أوسع، نقص الاستثمار في أحواض بناء السفن وفي الصناعات التي تدعم بناء السفن وصيانة السفن. ورغم ذلك فمن الصعب أن ندرك أي شعور بالإلحاح بين الساسة لمعالجة هذه المشاكل في أي وقت قريب، وهذا أمر غير مقبول.
وأخيرًا، يتعين على الكونغرس أن يغير الطريقة التي يخصص بها الأموال لوزارة الدفاع، وفي نفس الوقت يتعين على وزارة الدفاع أن تغير الطريقة التي تنفق بها تلك الأموال؛ حيث يحتاج الكونغرس إلى التصرف بسرعة وكفاءة أكبر عندما يتعلق الأمر بالموافقة على ميزانية الدفاع. وهذا يعني في المقام الأول إقرار مشاريع قوانين المخصصات العسكرية قبل بداية السنة المالية، وهو التغيير الذي من شأنه أن يمنح وزارة الدفاع القدرة على التنبؤ التي هي في أمس الحاجة إليها. ويتعين على البنتاغون – هو الآخر – أن يعمل على إصلاح عمليات الاستحواذ المتصلبة والضيقة الأفق والبيروقراطية، والتي تجاوزها الزمن بشكل خاص في عصر حيث أصبحت سرعة الحركة والمرونة والسرعة أكثر أهمية من أي وقت مضى. لقد قال القادة في وزارة الدفاع الأشياء الصحيحة حول هذه العيوب وأعلنوا عن العديد من المبادرات لتصحيحها.، لكن التنفيذ الفعال والعاجل هو التحدي الحقيقي.
كلام أقل.. عمل أكثر
تعتقد الصين وروسيا أن المستقبل ملك لهما. وعلى الرغم من كل الخطابات الصارمة القادمة من الكونغرس الأمريكي والسلطة التنفيذية حول التصدي لهؤلاء الخصوم، إلّا أنه من المدهش أن هناك القليل من الإجراءات. وفي كثير من الأحيان، يتم الإعلان عن مبادرات جديدة، إلّا أن التمويل والتنفيذ الفعلي يتحركان ببطء أو يفشلان في التنفيذ تمامًا.
فالكلام سهل، ولكن لا يبدو أن أحداً في واشنطن مستعد لإجراء التغييرات العاجلة المطلوبة، وهذا أمر محير بشكل خاص، لأنه في وقت يتسم بالحزبية والاستقطاب المرير في واشنطن، تمكن شي وبوتين من حشد دعم الحزبين – بطريقة مثيرة للإعجاب وإن كان هناك نوع من الهشاشة – بين صناع السياسات لرد أميركي قوي على عدوانهما. لدى السلطة التنفيذية والكونغرس فرصة نادرة للعمل معًا لدعم خطابهما حول مواجهة الصين وروسيا بإجراءات بعيدة المدى تجعل من الولايات المتحدة خصمًا أكبر بكثير وقد تساعد في ردع الحرب.
لقد ارتكب شي وبوتين – اللذان يحيط بهما رجال يقولون “نعم”- بالفعل أخطاء جسيمة كلفت بلديهما غاليًا، وعلى المدى الطويل، فقد ألحقوا الضرر ببلدانهم. ومع ذلك، وفي المستقبل المنظور؛ تظل هذه التهديدات تشكل خطرًا يجب على الولايات المتحدة التعامل معه. وحتى في أفضل العوالم ـ العالم الذي تتمتع فيه حكومة الولايات المتحدة بجمهور داعم، وقادة نشيطين، واستراتيجية متماسكة ـ فإن هؤلاء الخصوم سيشكلون تحديًا هائلًا.
لكن المشهد الداخلي اليوم أبعد ما يكون عن النظام: فقد تحول الرأي العام الأميركي إلى الداخل، وانحدر الكونغرس إلى المشاحنات والفظاظة وسياسة حافة الهاوية.
والرؤساء المتعاقبون إما أنكروا الدور العالمي الذي تلعبه أميركا أو لم يقدموا تفسيرًا جيدًا له. وللتعامل مع مثل هؤلاء الخصوم الأقوياء المعرضين للمخاطر، تحتاج الولايات المتحدة إلى تعزيز لعبتها من كل الأبعاد، وعندها فقط يمكنها أن تأمل في ردع شي وبوتين عن القيام بالمزيد من الرهانات السيئة، فالخطر القادم منهما حقيقي.
من المفروض أن تكون «فاغنر»، الشركة الروسية العسكرية، سريّة. فالقانون الروسيّ يمنع الشركات الأمنيّة الخاصة. فجأة ظهرت «فاغنر». وانكشفت معها شبكة كبيرة، ومنظومة تمارس الأنشطة المتعددة. منها العسكريّ، ومنها الاقتصادي والماليّ. وهي تمتدّ من الداخل الروسيّ بوصفه مركز قيادة أساسيّاً، إلى منطقة الشرق الأوسط، ومنها إلى العمق الأفريقيّ. هي وسيلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لعبة جيوسياسيّة كبيرة جدّاً.
javascript:false
تروشيف (يمين) ويفكوروف (إ.ب.أ)
ومن خلالها يريد سيد الكرملين مقارعة الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركيّة. وإذا لم تكن لديه القدرة العسكريّة للمنافسة، فـ«فاغنر» هي الوسيلة، والأقلّ تكلفة، التي يمكن إنكارها إذا دعت الحاجة.
هكذا أنكرت وزارة الدفاع الروسيّة علاقتها بها عندما اصطدمت هذه الأخيرة بالقوّة الأميركيّة في دير الزور شرق سوريا. حينها، قُتل منها ما يقارب 200 عنصر.
تبدّل دور «فاغنر» مع بدء الحرب على أوكرانيا، مع تعثّر الجيش الروسيّ فيها، فما كان من «فاغنر» إلا أن تتدخّل للقتال. وكانت مدينة باخموت قمّة إنجازاتها. لكن باخموت، كانت أيضاً الشرارة العلنيّة للخلاف بين مموّلها، الملياردير الروسي يفغيني بريغوجين، ووزارة الدفاع، خصوصاً مع الوزير سيرغي شويغو.
بعد الانسحاب من باخموت، أرادت الشركة الناشئة أن تبتلع الإمبراطوريّة الروسية، التي يبلغ عمرها ما يقارب الـ300 سنة، أي منذ نشأتها فعلياً عام 1721، وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991. لكنها فشلت، لأنها أرادت ابتلاع أكثر بكثير مما يمكن لها أن تهضم. وعلى أثر التمرّد، سقطت طائرة المموّل في 23 أغسطس (آب) الماضي، وقُتل معه أهمّ قائد عسكريّ في الشركة، ديمتري أوتكين.
الإدارة الجديدة لـ«فاغنر»
عادة، تُغير الشركات أسمائها وإداراتها، كلما كان هناك تعثّر أو خسارة. وذلك بهدف الانطلاق مُجدّداً. هكذا حصل مع «فاغنر». الرئيس بوتين اجتمع مع أندريه تروشيف، أحد قادتها سابقاً، المعروف بالاسم الحركي «سيدوي» أو «الشعر الرمادي»، بحضور نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف. وكلّفه المهمة العسكريّة الجديدة.
بريغوجين يتحدث على قناته من مكان مجهول (أ.ب)
في الشكل، الرئيس بوتين يجتمع مع نائب وزير الدفاع، والقائد الجديد ويعطي تعليماته. بُثت المقابلة علناً. والرسالة واضحة، من الرئيس بوتين وتحدد مَن هو المسؤول الفعليّ.
الغريب، هو غياب وزير الدفاع سيرغي شويغو، الذي من المفروض أن تقاتل «فاغنر» إلى جانب قوّاته، حتى ولو حلّ مكانه نائبه في الاجتماع. والغريب أيضاً، هو غياب رئيس الأركان غيراسيموف (لم يظهر منذ فترة)، وهو القائد المسؤول عن المسرح الأوكراني ككلّ.
حدّد الرئيس بوتين المهمّة الأساسية للقائد الجديد، ألا وهي المسرح الأوكرانيّ. بكلام آخر، المطلوب إعادة تأهيل مَن يمكن الوثوق به من قوات «فاغنر»، وذلك ضمن وحدات جديدة، والتي من المفروض أن تكون مختلطة مع قوات أخرى.
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرغي شويغو (أ.ب)
يهدف هذا التعيين إلى إعادة انخراط «فاغنر» في المسرح الأوكراني، لكن تحت قيادة جديدة، وذلك بهدف استغلال قدراتها العسكريّة المحترفة، وخبرات قواتها القتالية. كما تهدف الخطوات الجديدة، إلى توجيه رسائل مهمّة إلى الخارج، حيث توجد قواتها، خصوصاً في أفريقيا. فالشركة كبيرة جدّاً كي تسقط بسرعة بعد مقتل مؤسسها.
لكن التحدّيات كثيرة جدّاً أمام الوحدات الجديدة من «فاغنر». فالبيئة العسكريّة تبدلّت بشكل جذريّ. وعندما تُقتل القيادات العسكريّة بهذا الشكل، تفقد الوحدات حدتها القتاليّة وثقتها بنفسها بعد غياب المُلهم الأساسي الكاريزماتيّ، أن كان بريغوجين، أو أوتكين. من هنا يمكن القول إن عودة «فاغنر» للقتال على المسرح الأوكرانيّ، لن تكون مؤثّرة جداً بحيث تشكّل نقطة تحوّل. وإن أقصى ما يمكن الاستفادة منها، هو حول مدينة باخموت حيث تحقّق القوات الأوكرانيّة تقدّماً، ولأن لقواتها خبرة سابقة في القتال في هذه المدينة.
تتزامن عودة «فاغنر» مع مرسوم استدعاء 130 ألفاً للخدمة الإلزاميّة، وذلك حسب القانون الروسيّ. هذا مع العلم، أن هذه القوات سوف لن تكون جاهزة للقتال قبل تدريبها الأساسيّ، إذ لا خبرة عسكريّة لها. وهي ستكون حتماً عدداً يُضاف إلى المسرح الأوكرانيّ، خصوصاً في الأقاليم الأربعة التي أعلن ضمّها الرئيس بوتين. ويمنع القانون الروسيّ نشر هذه القوات خارج الأراضي الروسيّة.
البُعد الاقتصادي في أفريقيا
ضباط شرطة روس أمام مقر «فاغنر» في سان بطرسبرغ (أ.ف.ب)
يرتب حالياً الرئيس بوتين الشق العسكريّ لـ«فاغنر». فماذا عن الشق الأهم في أفريقيا، ألا وهو إدارة المؤسسات والشركات الروسيّة في القارة، والتي تهتم باستغلال الثروات الطبيعية المحليّة، من ذهب وألماس ويورانيوم وغيرها؟
نشرت مجلّة «وول ستريت جورنال» مقالاً حول الشخص الأهم لـ«فاغنر» في أفريقيا، الذي يهتم بالشق الاقتصادي والمالي، ألا وهو الروسي ديمتري سيتي (Dmitri Seytii)، المقرّب جدّاً من بريغوجين. التقاه في آخر زيارة له لأفريقيا قبل مقتله. درس ديمتري سيتي في فرنسا إدارة الأعمال، وله علاقات مميّزة مع مسؤولي الدول الأفريقية، حيث توجد «فاغنر». فهل ستكون هناك إدارة جديدة؟ ومَن سيكون المدير الفرعيّ؟ لكن الأكيد، أنه سينضوي تحت عباءة الكرملين.
المصدر: صحيفة الشرق الاوسط
الانتخابات الأميركية بين المناظرات والعزل وتهم الفساد
|
في خضم موسم انتخابي حام، انهمك الجمهوريون في مناظرتهم، فيما تخبط الديمقراطيون في مستنقع اختلافاتهم بعد اتهامات بالفساد بحق أحد أبرز الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، السيناتور بوب مينينديز.
وكأن هذا لم يكن كافياً لإفقاد الديمقراطيين توازنهم، فعمد الجمهوريون إلى افتتاح إجراءات عزل الرئيس الأميركي جو بايدن رسمياً في مجلس النواب، في ظل استطلاعات رأي أظهرت تراجعه بعشر نقاط أمام ترمب، في وقت شنّ فيه الرئيس السابق هجوماً حاداً على بايدن في حدث انتخابي في ولاية ميشيغان.
يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين الشرق والشرق الأوسط، جدوى المناظرات الرئاسية في غياب المرشح الجمهوري الأبرز عنها، وأسباب تراجع بايدن في استطلاعات الرأي، إضافة إلى تأثير إجراءات عزله واتهام أحد حلفائه بالفساد على أدائه.
تلاسن حاد بين المرشحين الجمهوريين في المناظرة الثانية في 27 سبتمبر 2023 (رويترز)
«دراما» المناظرة الجمهورية:
انتقدت المستشارة السياسية رينيه كار التلاسن الحاد في المناظرة الجمهورية الثانية، فعدّت أن الجزء الأكبر منها «كان مجرّد مواقف صادمة لإظهار جانب درامي»، وقالت كار: «إن المشاركة في المناظرة هي فرصة للأميركيين لكي يطلعوا على أفكار المرشحين وبرامجهم الانتخابية المحتملة، لكن بسبب تركيزهم على الحصول على تغريدة بارزة أو عنوان لافت لزيادة عدد المتابعين بدلاً من إظهار جوهر المحتوى والإثبات بأنهم الأفضل بين المرشحين، فإنهم يختارون العناوين المثيرة للجدل بدلاً من التحدث عن القضايا الحقيقية التي نهتم بها بالفعل من أجل التصويت لهم».
ويوافق مدير تحرير الموقع الإلكتروني «رو ستوري» ديف ليفينثال مع مقاربة كار، مشيراً إلى أن متابع المناظرة «لم يتمكن من سماع أي شيء على الإطلاق»، بسبب التلاسن الحاد بين المرشحين. وأضاف ليفينثال: «إن المرشحين أصبحوا يائسين، فهم يتخلفون عن دونالد ترمب بفارق كبير في الاستطلاعات؛ لذا فهم يتصرفون بطريقة يائسة في هذه المرحلة».
أمّا جاي أوليفر مقدّم البرامج السياسية في «إل آي نيوز راديو» فقد أشار إلى عدم صدور أي موقف مهم خلال المناظرة بسبب إصرار المرشحين على التنافس، فقال: «لم يتم طرح أي أمر ذي أهمية أو أي محاولة للتطرق إلى المواضيع التي تهم الشعب الأميركي، أو إلى السياسات الحالية التي يجب أن تتغير». واعتبر أوليفر أن الفائز الحقيقي في المناظرة هو إما دونالد ترمب وإما جو بايدن.
وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية على أداء المرشحين في المناظرة الثانية مقارنة بالأولى، فإن ليفينثال أشار إلى نقطة اختلاف جوهرية، قائلاً: «الأمر الوحيد المختلف الذي رأيناه في هذه المناظرة هو أن بعض المرشحين على المنصة كانوا مستعدين لمهاجمة دونالد ترمب، في مستوى لم نره منذ شهر في المناظرة الأولى، وهذا ما قام به (حاكم ولاية فلوريدا) رون ديسانتيس».
استطلاعات الرأي:
لا تزال استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم بارز لترمب على منافسيه الجمهوريين؛ اذ يدعمه 58 في المائة من الناخبين الجمهوريين مقابل 15 في المائة لأقرب منافسيه رون ديسانتيس، أي بفارق 43 نقطة، بحسب مجموعة استطلاعات وطنية.
لكن كار تحذر من الثقة بهذه الاستطلاعات فتقول: «لا يمكننا الاعتماد عليها كلياً؛ لأنها منحازة، وذلك بسبب المنهجية للمشاركة في استطلاع الرأي. كما أن مصير ترمب غير واضح: هل سيتم سجنه أم لا؟ هناك العديد الذين لم يقرروا درجة ولائهم له».
ويقول أوليفر إن «استطلاعات الرأي لا تعكس سوى لحظة زمنية محددة. والأمر يعود إلى يوم الانتخاب الفعلي أو قبل ذلك بقليل، حين يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم».
أما ليفينثال فيشير إلى أن استطلاعات الرأي المهمة هي الاستطلاعات على صعيد الولايات، وليست الاستطلاعات الوطنية، ويفسر قائلاً: «إذا كنا سننظر إلى نتائج استطلاعات الرأي، فأنصح بالاهتمام ليس بالاستطلاعات الوطنية حالياً، حيث يتم سؤال الناخبين: هل تدعمون جو بايدن أم دونالد ترمب؟ أم هل تدعمون رون ديسانتيس أم تيم سكوت على دونالد ترمب؟ بل يجب الاهتمام باستطلاعات الرأي التي تجرى في ولايات الانتخابات التمهيدية الأولى؛ لأن الناخبين في هذه الولايات سيمتلكون أول فرصة للتأثير على الانتخابات بشكل رسمي، وتحديد مرشح الحزب الجمهوري».
ميشيغان «مسرح المواجهة»:
وقد ساهمت استطلاعات الرأي هذه إلى حد كبير في قرار ترمب عدم المشاركة في المناظرات؛ إذ إنه يتعامل مع السباق الانتخابي على أنه سباق بينه وبين الرئيس الحالي جو بايدن، وخير دليل على ذلك توجهه إلى ولاية ميشيغان للمشاركة في حدث انتخابي بالتزامن مع موعد المناظرة الثانية، ويتحدث أوليفر عن أهمية هذه الولاية التي فاز فيها ترمب عام 2016، ثم انتزعها بايدن في عام 2020، فيقول: «أعتقد أن أهمية هذه الولاية ستعتمد على ما سيحصل في إضراب عمال السيارات، وهذا ما يفسر زيارة جو بايدن ودونالد ترمب، هذه مسألة مهمة جداً، مع تأثير الإضراب الهائل على الاقتصاد الذي قد يصل إلى 5.6 مليار خلال 10 أيام، هذا أمر ينذر بالخطر خصوصاً في اقتصاد متزعزعٍ أصلاً».
وتشير كار إلى أهمية قضايا مثل قضية إضراب عمال السيارات بالنسبة للناخب الأميركي، مقارنة باهتمامه بقضايا مثل مشاكل ترمب القضائية: وتقول: «لدينا الكثير من الأدلة التي تظهر أن الأميركيين لا يهتمون كثيراً بالوضع القانوني للمرشحين، بل باحتياجاته الخاصة وبالوسائل التي يمكنه أن يستخدمها لحماية نفسه وسبل عيشه».
إجراءات العزل و«فضيحة» مينينديز
وبالتزامن مع المناظرة، افتتح الجمهوريون جلسة الاستماع الأولى في إجراءات عزل بايدن، في وقت يتخبط فيه الديمقراطيون في تداعيات ما بات يعرف بـ«فضيحة مينينديز» ويقول أوليفر إن هذه الأحداث تدل على الانقسامات العميقة في البلاد، «فإجراءات العزل انطلقت اليوم رغم أن هناك حاجة للمزيد من الأدلة»، بالإضافة إلى «دونالد ترمب وقضاياه القانونية»، والتركيز على قضية مينينديز، وأضاف أوليفر: «يجب أن نزيل هذه القضايا كي نصل إلى جوهر الأمور، وإلى المشاكل الحقيقية التي تشمل 330 مليون أميركي حالياً في هذه البلاد».
وتفسر كار سبب التركيز على قضايا من هذا النوع فتقول: «غالباً ما تتم الاستعانة بالمراوغات في السياسة الأميركية لإبعاد اهتمام الناس عن المشاكل الرئيسية». وتعتبر كار أن سبب التنقل من قضية إلى أخرى بسرعة في الولايات المتحدة يعود إلى «مسألة فترة الانتباه القصيرة جداً»، مضيفة: «المستخدم العادي لـ(تيك توك) يمكن أن يركز اهتمامه لفترة 13 ثانية بينما السمكة تستطيع أن تقوم بذلك لفترة 15 ثانية. إذاً إن كانت فترة تركيزنا تقل عن فترة تركيز السمكة فهذا يفسر سبب نسيان الأمور وتخطيها بسرعة».
أما ليفينثال فقد تحدث عن تداعيات قضية مينينديز على الحزب الديمقراطي، مشيراً إلى أنها تؤثر بشكل سلبي على أداء مجلس الشيوخ، وعلى الديمقراطيين في الانتخابات، خاصة مع بروز مرشحين ديمقراطيين طرحوا اسمهم بديلاً لمينينديز في ولاية نيوجرسي الزرقاء، الأمر الذي قد يؤثر على «آراء بعض الناخبين، وخصوصاً المستقلين المترددين بدعم حزب مقابل الآخر».
رنا أبتر
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك
|
بين انقسام حزبها اليساري واتفاق اليمين على جبهة واسعة موحّدة
هذا التحول «الأنثوي» الجذري في المشهد السياسي للمكسيك؛ كبرى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في العالم، وثاني كبرى دول العالم اللاتينية، هو ثمرة مَخاض طويل تبوّأت خلاله النساء مناصب بارزة… من رئاسة «المحكمة العليا» إلى المناصفة في الحقائب الوزارية، والمقاعد في البرلمان، وحاكمية الولايات والبلديات الكبرى.
javascript:false
وقد تزامن هذا التحوّل في المكسيك مع تراجع شعبية القيادات السياسية البارزة، غالباً تحت وطأة الفضائح والفساد، وأسهمت في تسريع إيقاعه الإصلاحات التشريعية التي أقرّها البرلمان في السنوات الأخيرة.
غير أن «الذكورية» الجارفة في المجتمع المكسيكي، الذي تشكّل العصابات الإجرامية فيه خامس مصدر لفرص العمل، تُملي الحذر والترقب لمعرفة المآل الأخير لهذا التحوّل الذي تقوده امرأتان على طرفيْ نقيض في كل شيء تقريباً.
صراع المرأتين
عندما صدرت نتائج الاستطلاعات الأولى داخل حزب «مورينا (حزب النهضة الوطنية)» الحاكم، وأظهرت تقدم كلاوديا شاينباوم على منافسيها، أعلنت الرئيسة السابقة لحكومة العاصمة الاتحادية مكسيكو سيتي بأنه لا مجال لتضييع دقيقة واحدة في الحملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، قبل أن تتسلّم، في اليوم التالي، من الرئيس لوبيز أوبرادور مقاليد التنظيم السياسي اليساري الذي أسّسه وقاده منذ ثلاثة عقود.
وكانت تحركات شاينباوم الأولى في اتجاه منافسيها داخل الحزب للاستماع إلى مطالبهم، ومحاولة احتوائهم، ورصّ الصفوف وراءها في حملة يُنتظر أن تكون على جانب كبير من القسوة. وحقاً نجحت السياسية الطَّموح في استقطاب معظمهم، باستثناء منافِسها الرئيس، وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد الذي حلّ في المرتبة الثانية واتهمها بتزوير الاستطلاع ونتائجه، ليقرر بعد ذلك تشكيل جبهته الخاصة داخل الحزب ويفتح معركة ضدها.
ولكن على الرغم من ذلك، لا يشكُّ أحد، اليوم، بأن كلاوديا شاينباوم أصبحت هي الوريثة الشرعية للحركة السياسية التي أسّسها لوبيز أوبرادور، الذي صرّح أخيراً بأنه سيهجر العمل السياسي في نهاية ولايته، مطلع خريف العام المقبل، ويعتزل في مزرعته، بعدما يكون قد فتح الباب أمام أول امرأة لتتولى رئاسة الجمهورية في المكسيك.
من هي شاينباوم؟
تعرّضت كلاوديا شاينباوم، طوال تولّيها رئاسة حكومة العاصمة – وخصوصاً خلال حملة الانتخابات داخل الحزب الحاكم لاختيار المرشح لرئاسة الجمهورية – إلى انتقادات عدة تشكِّك في استقلاليتها عن لوبيز أوبرادور، وتأخذ عليها العمل والتحرك بتوجيهات مباشرة منه. وفي المقابل، دأبت هي في جميع ردودها على الانتقادات الموجَّهة إليها، على وضعها في خانة «الثقافة الذكورية» التي تَعتبر أن المرأة بحاجة دائماً لرجل يوجّه خطاها، ويُملي عليها القرارات التي يجب أن تتخذها.
إلا أن التحدّي السياسي الأكبر الذي يواجه شاينباوم في هذه المرحلة، ليس التعايش مع الظل الوارف للرئيس الذي ينفرد بـ«كاريزما» لم يعهدها المكسيكيون في العقود الماضية، بقدر ما هو إيجاد موقعها داخل الحركة اليسارية في أعقاب تسلمها القيادة منه.
أمر آخر لافت هو أن شاينباوم، وبخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى قبل الانضمام إليه، اقتصر انتماؤها السياسي، طوال ربع قرن، على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور، وبعدها تدرّجت في كنفه حتى أصبحت أَشبه ما تكون بامتداد لأفكاره وأسلوب عمله.
شاينباوم كانت قد توّلت عدة حقائب في حكومة العاصمة التي رأسها لوبيز أوبرادور، في السنوات الخمس الأولى من هذا القرن، وهي التي نظمّت وقادت الإضراب الذي دام 48 يوماً في قلب العاصمة، بعد انتخابات عام 2006 الرئاسية، التي ندّدت المعارِضة اليسارية في حينه بتزويرها من أجل انتزاع الفوز من لوبيز أوبرادور الذي بايعته الحشود المؤيدة «رئيساً شرعياً». وما يُذكر أن الأخير يومذاك أعلن يومها تشكيل «حكومة» تولّت فيها شاينباوم الدفاع عن موارد المكسيك الوطنية، وفي طليعتها النفط؛ وهو أحد المحاور الرئيسة في خطاب لوبيز أوبرادور وحزبه.
في عام 2012، خاض آندريس مانويل لوبيز أوبرادور معركته الرئاسية الثانية، وأعلن، خلال حملتها، تكليف شاينباوم بحقيبة البيئة في حال فوزه، بيد أنه خسر رهانه مجدداً، ومن ثم، في حين عادت هي إلى نشاطها الأكاديمي باحثة في العلوم البيولوجية، انصرف الزعيم الخاسر إلى تأسيس حزب جديد أطلق عليه «حزب النهضة الوطنية» وعُرف بالأحرف الأولى من كلماته «مورينا».
وقد حصل اللقاء الأول بين شاينباوم ولوبيز أوبرادور، بعد فوز الأخير بمنصب رئيس حكومة العاصمة، وخصوصاً عندما اقترح عليه مُعاونوه تكليفها بحقيبة البيئة وخفض نسبة التلوث العالية في المدينة الضخمة (يسكنها أكثر من 10 ملايين نسمة، ويرتفع العدد مع ضواحيها لأكثر من 20 مليوناً)، وحتى ذلك الحين كان نشاطها السياسي مقصوراً على نشاطها ضمن الحركة النضالية الجامعية، في العاصمة المكسيكية أولاً، ثم في جامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة في الولايات المتحدة لاحقاً.
مثقفة ويسارية وعالِمة يهودية
تتحدّر كلاوديا شاينباوم من أسرة يهودية ليتوانية هاجرت إلى المكسيك، وكان والداها يعملان في حقل البحوث العلمية والأكاديمية. وقد سارت ابنتهما على خطاهما، فتخصّصت في العلوم الفيزيائية، ونالت شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول استخدام مَدافئ الحطب في المناطق الريفية، في جامعة مكسيكو الوطنية الحرة «أونام»، دون أن يؤثر نضالها الطلابي في تحصيلها العلمي، ثم تخصّصت في هندسة الطاقة، وسافرت إلى الولايات المتحدة حيث تابعت تحصيلها العلمي في كاليفورنيا، حيث برزت هناك أيضاً مناضلة في صفوف الحركة الطلابية.
تولّت منصباً استشارياً بارزاً في «الهيئة الوطنية لتوفير الطاقة»، وفي «الهيئة الفيدرالية للكهرباء». وعلى الصعيد العالمي كانت مستشارة للبنك الدولي ولـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، ثم إنها في تسعينات القرن الفائت شاركت في وضع المناهج التطبيقية التي قام عليها برنامج مكافحة التلوث في مكسيكو سيتي، ونظام الإنذار المبكر في حال الطوارئ البيئية. وفي عام 2007 انضمت إلى فريق الخبراء الحكوميين الدوليين، الذي شكّلته «الأمم المتحدة» حول تغيّر المناخ، وهو الفريق الذي نال لاحقاً «جائزة نوبل للسلام».
يقول لوبيز أوبرادور، في مذكراته بعنوان «هذا أنا»، إنه بعد الهزيمة التي لحقته في الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2012 كان على وشك اعتزال النشاط السياسي، غير أنه عندما شاهد الحشود الغفيرة تُنادي بفوزه في قلب العاصمة طوال الإضراب الاحتجاجي الذي لعبت شاينباوم دوراً بارزاً في تنظيمه، قرّر مواصلة سعيه إلى الرئاسة الأولى، بينما عادت هي إلى التفرغ للبحث الأكاديمي، والابتعاد عن الدائرة الضيقة المحيطة به.
لكن الوضع تغيّر، إذ عندما قرر لوبيز أوبرادور أن يكون الحزب الجديد الذي أسّسه معقلاً للأفكار والطروحات اليسارية الحديثة – التي كانت شاينباوم تنادي بها منذ سنوات – عادت هي في دور القيادية البارزة إلى جانبه، وحصدت أول انتصار بارز لحزبه الجديد، عندما فازت في انتخابات مدينة تلالبان البلدية عام 2015.
مع هذا، لم تستمر في المنصب طويلاً، فقد استقالت منه بعد سنتين لمساعدة لوبيز أوبرادور في حملته الرئاسية الثالثة، وأيضاً لتحضير ترشيحها لحاكمية العاصمة التي فازت بها عام 2018، وأضحت أول امرأة منتخَبة تتولى هذا المنصب المهم.
يومذاك، قطفت كلاوديا شاينباوم أولى ثمار نضالها الاجتماعي والسياسي الطويل إلى جناب «راعيها» وحليفها لوبيز أوبرادور، الذي كان قد رسّخ النهج اليساري في حزبه حول ثلاثة محاور أساسية هي: مكافحة الفساد، والتقشّف في الإنفاق العام، وإحياء «المذهب الإنساني المكسيكي» الذي يعطي الأولوية للفقراء.
انتصار هذا النهج رسّخ موقع شاينباوم في واجهة المشهد السياسي اليساري المكسيكي الذي كان قد تعاقب على حاكمية العاصمة منذ أواخر القرن الماضي، حيث ترك بصماته لوبيز أوبرادور، ثم مارسيلو إيبرارد، وزير الخارجية السابق، ومنافِس شاينباوم أخيراً على ترشيح الحزب لانتخابات العام المقبل الرئاسية.
العاصمة… مهد اليسار المكسيكيفي
الحقيقة، تُعدّ العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي مهد اليسار المكسيكي الحديث، حيث تلاقت فيها الحركات الاحتجاجية، من جامعية وعمالية وزراعية، وتفاعلت وانصهرت، لتصبح الأساس الذي بنى عليه لوبيز أوبرادور مشروعه السياسي الذي أصبح اليوم في عهدة شاينباوم.
وبالنسبة لشاينباوم شخصياً، تميّزت فترة تولّيها حاكميتها للعاصمة الضخمة المترامية الأطراف، بإنجازات مشهودة في وسائل النقل العام، وآلاف المِنح الدراسية للطلاب الفقراء، وشبكة واسعة من الخدمات لحماية الأقليات ومراكز تعليمية في المناطق المهمَّشة والمحرومة. وكان لوبيز أوبرادور يردد أن وجود شاينباوم على رأس حكومة العاصمة «يبعث على الارتياح»، ويسمح له بالتفرّغ لإطفاء الحرائق في أماكن أخرى. لكن اللافت أن الملف الذي غاب حتى الآن عن العناوين الرئيسة لخطاب شاينباوم هو الإجرام المنظّم، الذي تضمّ عصاباته المسلَّحة ما يزيد عن 200 ألف عنصر متفرّغ لتهريب المخدرات والخطف والقتل والابتزاز، يهددون سلطة الدولة في معظم الولايات، وينشرون الرعب بين المواطنين، الذين يرى كثيرون منهم في هذه المنظمات فرصاً بديلة للعمالة التي يفتقدونها في السوق الشرعية.
وما تجدر الإشارة إليه، هنا، أنه مع بداية انحسار جائحة «كوفيد-19» في عام 2021، انهار أحد خطوط شبكة مترو الأنفاق في العاصمة، وأسفر الحادث عن مقتل 27 من العمال، وإصابة المئات. وحقاً كانت له تداعيات سياسية فورية دفعت شاينباوم ثمنها باستقالتها، إلى جانب إيبرارد الذي كان خط الشبكة قد دُشّن خلال فترة ولايته.
ذلك الحادث شكّل بداية معركة شرسة بين الاثنين داخل الحزب، حيث حاول كل منهما إلقاء اللوم على الآخر، وتحميله مسؤولية تلك الكارثة. وبعد ذلك تعرَّض الحزب لسلسلة من الهزائم على الصعيدين المحلي والوطني، ثم خسر الغالبية التي كان يتمتع بها في البرلمان، الأمر الذي حالَ دون المُضي في التعديلات الدستورية التي كان قد بدأها تنفيذاً لبرنامجه الانتخابي، بينما كان اللوم يلقى على شاينباوم، الوجه الأبرز للحزب (آنذاك) بعد الرئيس.
وبالفعل، تعرّضت شاينباوم، داخل الحزب وخارجه، لسيلٍ من الانتقادات المشكِّكة في قدراتها القيادية واستقلاليتها، بعدما كانت توصف بأنها «المفضَّلة» لدى الرئيس، لأنها تتماهى مع مواقفه، وأنه سيكون هو الحاكم الفعلي، في حال وصولها إلى الرئاسة. غير أنها كانت تصرّ دائماً على رفض تلك الاتهامات، بانيةً حملتها للفوز بترشيح الحزب لرئاسة الجمهورية على خطاب عنوانه الرئيس «إن الوقت قد أزف كي تصل المرأة إلى قمة الهرم السياسي في المكسيك».
ورغم المساعي التي أطلقتها لتعميق السياسات التي نهجها لوبيز أوبرادور، مثل الاهتمام المحوري بالفقراء، وتوسيع الخدمات الاجتماعية لهم، والرهان على تنمية المناطق المهمَّشة، والتقشف في الإنفاق العام، فإنها طرحت عناوين جديدة في برنامجها الانتخابي غابت عن سياسة الرئيس الحالي، مثل الانتقال إلى الطاقة النظيفة والمتجددة، وتنمية البحوث العلمية والتكنولوجية.
حقائق
بخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى، اقتصر انتماؤها السياسي على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور.
سباق 2024 الرئاسي المكسيكي «اختبار» سياسي وثقافي
عندما استقالت كلاوديا شاينباوم من رئاسة حكومة العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، بعد حادثة شبكة مترو الأنفاق، كانت شعبيتها في أعلى مستوياتها. بَيْد أن المعركة التي تنتظرها راهناً داخل حزبها «مورينا» اليساري قد تكون أشرس من تلك التي تستعدّ لها ضد منافِستها مرشحة المعارضة اليمينية، إذ رفض خصمها ومنافِسها وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد نتائج الاستطلاع الداخلي، وقرّر تأسيس تيّاره الذاتي داخل الحزب، ومواصلة سعيه للترشح إلى الرئاسة، في مواجهة مفتوحة مع شاينباوم قد تشق صفوف اليسار.
وردّاً على ذلك، لإدراك شاينباوم أهمية وحدة الصف في الاستحقاق الرئاسي الذي من المنتظر أن تكون المنافسة فيه على أشُدّها بعد إعلان الأحزاب اليمينية المعارضة خوضه ضمن تحالف واسع موحّد، تعهّدت شاينباوم بإعطاء جميع منافسيها داخل الحزب مناصب في الحكومة، إذا فازت في انتخابات العام المقبل، بل إنها تركت الباب مفتوحاً، حتى أمام إيبرارد في حال قرر البقاء داخل «مورينا» بجانبها، إذ قالت، عند إعلان النتائج: «وحدة الصف أساسية، وأبواب الحزب لن توصَد أبداً».
مع هذا، ورغم أن إيبرارد، الذي يتمتع بتأييد لا يُستهان به داخل الحزب أعطاه 26 في المائة من الأصوات، لم يعلن خروجه من الحزب حتى الآن، بات من شِبه المؤكّد على أثر قراره تشكيل تياره الذاتي داخل الحركة، أن خطوته التالية ستكون الانفصال، وهو، بهذا الانفصال، يمهد، على الأرجح، لتحديد موقعه في المشهد السياسي؛ تأهباً لبداية حملة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وفي حين يرى بعض المراقبين أنه ليس مستبعَداً انضمام إيبرارد إلى التحالف اليميني المعارض، مقابل «ضمانات» بمستوى طموحاته، يرجّح آخرون أن يخوض المعركة الرئاسية بصفته مرشحاً ثالثاً في مواجهة شاينباوم، ومرشحة المعارضة اليمينية كسوتشيل غالفيز. وكان لوبيز أوبرادور قد علّق على هذا الاحتمال الأخير بقوله «إذا حصل ذلك، فستكون المعارضة هي الخاسر الأكبر»؛ إدراكاً منه أن إيبرارد يتمتع بشعبية واسعة بين الطبقة الوسطى.
من جهة ثانية، حرص لوبيز أوبرادور، منذ إعلان نتائج الاستطلاع الداخلي لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، على حسم موقفه بشكل واضح، موصِداً بذلك الباب أمام محاولات الالتفاف على النتائج، وتكرار الاستطلاع، كما يطالب وزير خارجيته السابق، بل إنه قال صراحةً: «لقد أنهيت مهمتي، وسلّمت قيادة الحركة إلى شاينباوم الاستثنائية، صاحبة القناعات الراسخة والمبادئ النزيهة».
ولكن إذا كان الرئيس المودّع يعتبر أن مهمته انتهت بتسليمه القيادة إلى وريثته السياسية، فإن مهمة شاينباوم ما زالت في بدايتها لتسجل سابقة في التاريخ المكسيكي، وتصبح أول امرأة تصل إلى الرئاسة الأولى، وهي في حال وصولها – الذي ترجِّحه كل الاستطلاعات الحالية ما لم تحصل مفاجآت على الطريق الطويلة – سيكون تتويجاً لمرحلة مفصلية شهدت «اجتياحاً» نسائياً للمناصب العليا في المؤسسات السياسية والإدارية المكسيكية، داخل القطاعين العام والخاص. والواقع أن وصول المرأة إلى المناصب العليا في المكسيك بلغ حداً دفع كثيرين إلى التساؤل: متى سيَحين الوقت ليسلم الرجال هذه المناصب… كما تساءل أخيراً قائد الشرطة الوطنية عمر حرفوش، المرشح لرئاسة حكومة العاصمة.
شوقي الريس
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
أندريه تروشيف خيار بوتين لقيادة النسخة المعدلة من «فاغنر»
|
ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، وهو في اجتماع مع أندريه تروشيف، أحد أبرز القادة السابقين في مجموعة «فاغنر» العسكرية الخاصة، وبحثا في مشاركة «الوحدات التطوعية» في حرب أوكرانيا. سلط الاجتماع الضوء على سعي الكرملين لإظهار أن الدولة سيطرت الآن على مجموعة المرتزقة بعد تمردها الذي لم يكتمل في يونيو (حزيران) بقيادة رئيسها يفغيني بريغوجين الذي قُتل في تحطم طائرة في أغسطس (آب) مع قادة بارزين آخرين للمجموعة.
وظهر بوتين على التلفزيون الرسمي خلال اجتماع في الكرملين مع تروشيف، المعروف بالاسم الحركي (سيدوي) أو الشعر الرمادي. كما حضر الاجتماع نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف الذي جلس في الموقع الأقرب لبوتين.
وقال الاخير إن الحديث تناول سبل «تنفيذ الوحدات التطوعية مهمات قتالية مختلفة، لا سيما في منطقة العملية العسكرية الخاصة بالطبع». وأضاف بوتين مخاطباً تروشيف «أنت نفسك تقاتل في واحدة من هذه الوحدات منذ أكثر من عام… أنت تعلم ماهية الأمر وكيف يتم، وتعرف المشكلات التي يتعين حلها بشكل عاجل حتى تسير الأعمال القتالية بأفضل الطرق وأكثرها نجاحاً».
تروشيف (يمين) ويفكوروف (إ.ب.أ)
وقال دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، إن تروشيف «يعمل الآن في وزارة الدفاع». كذلك أشاد الرئيس الروسي بكون تروشيف «يحافظ على علاقات (جيدة) مع رفاق السلاح».
وتروشيف كولونيل متقاعد، غالباً ما يوصف بكونه أحد مؤسسي «فاغنر»، ويخضع لعقوبات أوروبية «لمشاركته بشكل مباشر في عمليات المجموعة العسكرية (…) في سوريا»، وفقاً لوثيقة للاتحاد الأوروبي صادرة في نهاية عام 2021.
وفي نهاية يونيو، بعد تمرد «فاغنر» الوجيز، ترك الكرملين ثلاثة خيارات لمقاتلي المجموعة المسلحة: الانضمام إلى صفوف الجيش الروسي، أو العودة إلى الحياة المدنية، أو الذهاب إلى المنفى في بيلاروسيا، حليفة موسكو في حربها على أوكرانيا.
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرغي شويغو (أ.ب)
وذاع صيت «فاغنر»، التي ضمت في صفوفها في وقت من الأوقات عشرات الآلاف من الرجال، عندما تمكنت في مايو (أيار) من السيطرة على مدينة باخموت الأوكرانية في أكثر معارك الحرب دموية. وبعد سيطرتها على باخموت انسحبت وحدات «فاغنر» من أوكرانيا. وقالت مصادر روسية لـ«رويترز» إن بعض مقاتلي «فاغنر» انضموا للخدمة في صفوف الجيش الروسي الرسمي، بينما انتقل آخرون للعمل لصالح شركات عسكرية خاصة أخرى.
وقالت الاستخبارات العسكرية البريطانية إن مئات المقاتلين المرتبطين سابقاً بـ«فاغنر» بدأوا إعادة الانتشار في أوكرانيا، في إطار مجموعة من الوحدات المختلفة. وأضافت: «الوضع المحدد لإعادة نشر الأفراد غير واضح لكن من المرجح أن أفراداً انتقلوا لقطاعات من القوات الرسمية لوزارة الدفاع الروسية وشركات عسكرية خاصة أخرى».
وتروشيف من قدامى المحاربين، وحصل على أوسمة رفيعة لمشاركته في حروب روسيا في أفغانستان والشيشان. وهو قيادي سابق في قوة التدخل السريع التابعة لوزارة الداخلية، ومسقط رأسه (ولد عام 1962) سان بطرسبرغ مثل بوتين.
وكان بوتين قد عرض قبل حادث الطائرة على مقاتلي «فاغنر» أن يختاروا لقيادتهم «سيدوي» بدلاً من بريغوجين. وأظهرت اللقطات تروشيف وهو يستمع لبوتين ويميل للأمام ويومئ برأسه وفي يده قلم. وبدا أن اجتماع بوتين في الكرملين يشير إلى أن من بقوا في «فاغنر» سيخضعون لإشراف تروشيف ويفكوروف.
وتروشيف وصفته بريطانيا في وثائقها المتعلقة بالعقوبات على سوريا، بأنه الرئيس التنفيذي لمجموعة «فاغنر».
وقد خدم الضابط السابق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في شمال القوقاز مع الجيش الروسي، ثم قاد وحدة التدخل السريع الخاصة (إس أو بي آر) التابعة لوزارة الداخلية.
بريغوجين يتحدث على قناته من مكان مجهول (أ.ب)
وذكرت قنوات متصلة بمجموعة «فاغنر» على تطبيق «تلغرام»، ومدونون عسكريون خلال الأسابيع القليلة الماضية، أنه قد تم طرد تروشيف من المجموعة بزعم أنه خان بريغوجين بعد تمرد يونيو، وكان يريد إبرام اتفاق مع وزارة الدفاع.