1

شرح قانوني عن أهمية دعوى جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل في المحكمة الدولية: دولة أنشئت على الإبادة الجماعية

تناولت صحيفة “إنفورماسيون” الدنماركية في عددها الصادر اليوم الأربعاء، دعوى جنوب أفريقيا بحق دولة الاحتلال الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، بشأن انتهاك قواعد الحرب وارتكاب إبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة

ورأت الصحيفة، من خلال مقابلة مع أستاذ القانون الدولي في جامعة كوبنهاغن، مارك شاك، أن “دعوى جنوب أفريقيا أمام أعلى محكمة في الأمم المتحدة، محكمة العدل الدولية، قد تغير قواعد اللعبة في الحرب على غزة”.

وذهب شاك إلى الاعتقاد بأن “اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية يعد تحولا مذهلا لناحية انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإبادة، التي اعتمدت في العام 1948 بعد الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية”.

الشيء المثير للانتباه برأي الخبير في القانون الدولي، أن الأمر يتعلق بأسوأ ما يمكن أن تتهم به إسرائيل “لأنها دولة تم إنشاؤها بالأصل على أساس الإبادة الجماعية”. واعتبر شاك أن الدعوى ليست فقط مهمة من الناحية القانونية “حيث ستتحقق محكمة العدل الدولية مما إذا كانت إسرائيل تنتهك اتفاقية الإبادة الجماعية” بل لأنه “تحقيق يمس بالشرعية السياسية لدولة إسرائيل، وما إذا كان بإمكان الدول الأخرى الاستمرار في دعمها إسرائيل”.

دعوى جنوب أفريقيا من 84 صفحة: تصرفات إسرائيل تتخذ طابع الإبادة الجماعية

وبحسب طلب جنوب أفريقيا المكون من 84 صفحة، إن المطلوب هو فحص المحكمة لتصرفات إسرائيل على أساس أنها “تتخذ طابع الإبادة الجماعية”، ومن حيث إنها مرتكبة بقصد “إبادة الفلسطينيين في غزة، الذين هم جزء من المجموعة الوطنية والإثنية الفلسطينية الأوسع”. وتؤكد جنوب أفريقيا بحسب ما تنشره “إنفورماسيون”، أن أعمال إسرائيل تشمل “قتل الفلسطينيين في غزة، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي الخطير بهم، وإخضاعهم لظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم جسدياً”.

ووفقا لخبير القانون الدولي شاك، فإن أهمية دعوى جنوب أفريقيا “هي الأكثر إثارة في السياق الدولي ويراقبها الجميع عن كثب، لأنها تقول الكثير عن العلاقات بين الدول، وعن القواعد والمبادئ، وبشكل عام عن العالم الذي نجد أنفسنا فيه حاليا. فبرأيه تشكل الدعوى كسرا للقوالب المتعلقة بالصراع “بحيث يصير هذا الصراع الأكثر مناقشة في العالم، والموضوع الأكثر تفجرا، حتى وصل الأمر إلى الإبادة الجماعية، التي لا يفوقها شيء مهما تطور هذا الصراع”.

وبعبارات أخرى، وبناء على آراء قانونيين دوليين ينظرون إلى محكمة العدل الدولية باعتبارها “المحكمة العالمية”، فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي ودول العالم “لا يمكنها تجاهل أحكامها أو رفضها، فإسرائيل التي تجاهلت تاريخياً صلاحية المحاكم الدولية، هي نفسها من الدول الموقعة على اتفاقية الإبادة الجماعية”. وكدولة عضو، إن إسرائيل “تلزم نفسها بقضاة محايدين يتخذون القرارات”، وفقا لآراء هؤلاء التي تنقلها الصحيفة الدنماركية، إنفورماسيون، التي تعد وسط هستيريا الانحياز للاحتلال من بين أكثر الصحف في الشمال الأوروبي توازنا ومهنية في نقل الحرب على الشعب الفلسطيني، بما في ذلك رفض السردية الصهيونية التي سرت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويذهب مارك شاك إلى توضيح ما ورد أعلاه بالقول إنه “على النقيض من المحكمة الجنائية الدولية، حيث لا يمكنك إجراء محاكمات إذا كانت الدولة المتهمة لا ترغب في تسليم الأشخاص الذين تدور حولهم المحاكمات، فإن الأمر في المحكمة الدولية (محكمة العدل) ليس في أيدي إسرائيل، ولا يمكن لها أن توقف العملية (النظر في القضية المرفوعة) ويجب أن تترك الحيز لعمل القضاة، الذين هم في نهاية المطاف “مستقلون وموضوعيون”.

وتسمي الصحيفة هذا الأمر الذي طرحه شاك “فقدان إسرائيل للسيطرة”، وأن مسألة نظر المحكمة بجرائم الإبادة ليست أمرا بسيطا للاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن المؤسسة الأمنية ومكتب المدعي العام (في دولة الاحتلال) “يشعران بالقلق إزاء دعوى جنوب أفريقيا، التي يمكن أن تكون لها عواقب قصيرة وطويلة المدى”. وأوضحت “إنفورماسيون” أنه على المدى القصير هناك احتمال كبير “بأن تضطر إسرائيل لوقف الأعمال العدائية، لأن إسرائيل ملزمة بقرارات المحكمة”، أما على المدى البعيد فإن “الإجراء يهدد بتعزيز الادعاءات بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، وبالتالي يمكن أن يؤدي إلى عزلة دبلوماسية أو فرض عقوبات ضد إسرائيل أو الشركات الإسرائيلية”.

في الإطار نفسه، أشار مارك شاك إلى أن العملية برمتها تمر بمرحلتين “إذ على المدى القصير جدا هناك عملية تسمى التدابير المؤقتة، ويتعلق الأمر بكبح أي انتهاكات قبل حتى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت هناك انتهاكات فعلية للقانون الدولي”.

والتفسير القانوني لهذه المرحلة، قصيرة الأجل، وفقا للخبير القانوني شاك، يتعلق بتدابير تعتمد على إثباتات “وإن كانت ضعيفة”، بحيث تقدم جنوب أفريقيا ما لديها مما يسمى “حجة معقولة”، لأجل إجراءات قضائية حيال الانتهاكات المحتملة التي يمكن وقفها عن طريق إصدار أمر مؤقت لوقفها من أجل البحث فيها”. ووفقا لتقديرات شاك فإن “الأمر لن يتطلب سوى بضعة أسابيع قليلة لأجل البحث في معقولية الحجة المقدمة من جنوب أفريقيا، ولإصدار محكمة العدل الدولية أمرا باتخاذ تدابير مؤقتة، وذلك يعني أن “الهدف الرئيس لجنوب أفريقيا هو الحصول على أمر مؤقت ينص على أنه “يتعين على إسرائيل وقف العملية العسكرية”، وفقا لشاك الذي يعتقد أنه “من المحتمل جدا أن تحقق جنوب أفريقيا ما تريده”.

ومع أن تصريحات ساسة الاحتلال تسير في اتجاه “مواصلة العقاب الجماعي والدعوة إلى التدمير الشامل والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة، بحجة أنهم يتعاطفون جميعا مع حماس، فإن مفهوم الإبادة الجماعية سيحتاج إلى إثباتات أخرى”، برأي شاك، الذي لفت إلى أن الحرب على غزة، والعقاب الجماعي للفلسطينيين يُعدان جريمة حرب، وإذا كان الهدف هو جعل غزة غير صالحة للسكن، بحيث يغادر الفلسطينيون غزة “طواعية”، فسيكون ذلك بمثابة تطهير عرقي. إما إذا كان الهدف هو قتل الفلسطينيين وجعل استمرارهم في العيش بيولوجيا أمرا مستحيلا، فهي إبادة جماعية، مشددا في نهاية المطاف على أن معرفة الأهداف جميعها ستتطلب سنوات، بينما خلال الأسابيع القادمة سيتعين على المحكمة بدء النظر في القضية، وربما إصدار أمر لوقف العدوان على غزة، وهو أمر يصعب على الاحتلال وداعميه الهروب منه. ويختم شاك بالقول إنه “في ضوء الوضع المتدهور بشكل ملحوظ والدمار واسع النطاق وخاصة الوضع الإنساني الخطير في غزة، أعتقد أنه من المعقول في هذا الوقت التحذير من خطر الإبادة الجماعية”، بالرغم من اتهام دولة الاحتلال جنوب أفريقيا بأنها “تشعر بالاشمئزاز” من دعواها، حيث اتهمتها “بالتعاون مع منظمة إرهابية”.

ناصر السهلي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




بوليتيكو: تحالف يمين عنصري متطرف ومؤيد لإسرائيل وراء الإطاحة برئيسة هارفارد

نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريراً أعدّه كالدر ميتشغو قال فيه إن اليمين الأمريكي المتطرف استخدم الحرب في غزة ليسجّل نقاطاً ضد جامعات النخبة الأمريكية. وحصل على ما أراد باستقالة رئيسة جامعة هارفارد، وهي أول امرأة ملونة تتولى رئاسة الجامعة.

وتعرّضت كلودين غي، ومنذ شهر، لهجمات اليمين المتطرف، وملياردير داعم للجامعة، بسبب ردّها على سؤال أمام لجنة في الكونغرس بشأن الحرب في غزة ومعاداة السامية في الجامعة للضغط عليها كي تستقيل.

 كما حاول اليمين فتح ملفات قديمة تتعلق بأبحاثها العلمية، والزعم أنها  غير موثقة، وتحتوي على سرقات أدبية، وهو ما أشارت إليه غي في رسالة استقالتها.

 ويرى الكثيرون أن اليمين الأمريكي المتطرف ظلّ يوجه سهام نقده لجامعات النخبة، أو “ايفي ليغ”، باعتبارها جامعات يعيش من فيها في أبراج عاجية.

وبحسب المجلة، فقد حصل اليمين، يوم الثلاثاء، على حقنة رضى، عندما هندس رحيل غي عن هارفارد، والتي تعتبر أهم جامعة مؤثرة في العالم. وجاءت استقالتها بعد شهر، عندما ردت على سؤال نائبة جمهورية بشأن إبادة اليهود، وإن كان يمثل خرقاً لقوانين الجامعة، فردت إنه يعتمد على السياق، ما فتح النار عليها، ومطالبات للاستقالة تأخرت بسبب دعم  عمداء الكليات ومجلس إدارة الجامعة وطلابها.

بدأ العد التنازلي لاستقالة كلودين غي عندما نشر الناشطان اليمينيان كريستوفر روفو وكريستوفر برونيت نشرة إخبارية بعنوان: هل سرقت كلودين غي أبحاثها؟

 ولكنها اضطرت للاستقالة بسبب حملة عليها في الكونغرس ومانحين مهمين للجامعة وإعلام ميال لليمين وناشطين. وقادت استقالتها إلى تعليقات من الكونغرس، فقد قال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إن “استقالة كلودين غي جاءت متأخراً”، ما يعبر عن حالة الاحتقار الذي يكنّه الجمهوريون الشعبويون لهارفارد، وجامعات النخبة الأخرى.

وقالت النائبة الجمهورية عن نيويورك إليس ستيفانيك، التي قادت أسئلتها في جلسة المساءلة للحملة على غي، وعلى رئيسة جامعة بنسلفانيا ليز ماغيل، التي استقالت بعد أيام من الجلسة، ورئيسة معهد ماساشوسيتش للتكنولوجيا (ام أي تي)، التي لم يسمع منها شيء منذ ذلك الوقت.

وسارعت ستيفانيك بنسبة الفضل لنفسها، وأنها كانت وراء الاستقالة، حيث كتبت تغريدة، وبالخط العريض، على منصة إكس: “اثنتان سقطتا”.

وتقول المجلة إن المجال الإعلامي المحافظ هو الذي وجّه الضربة القاضية لغي، وليس النائبة ستيفانيك.

وفي البداية استطاعت غي تجنب مصير ماغيل، من خلال الحصول على دعم مؤسسة هارفارد ومجلسي الإدارة فيها. إلا أن الضغط المستمر، والذي ركّز على اتهامات بالسرقة الأدبية في أبحاثها العلمية، قاد إلى سقوطها أخيراً. وبدأ العد التنازلي للنهاية، في 10 كانون الأول/ديسمبر، عندما نشر الناشطان اليمينيان كريستوفر روفو وكريستوفر برونيت نشرة إخبارية في موقع “سابستاك” بعنوان: “هل سرقت كلودين غي أبحاثها؟”.

ويحتل روفو موقعاً مهماً في الحروب الثقافية، ويصف نفسه بعالم السياسات، والمقاتل السياسي، والصحافي، وعيّنه حاكم فلوريدا رون دي سانتيس عضواً في مجلس أمناء “نيو كوليج” بفلوريدا، وكجزء من جهود لمحو ما يطلق عليها “التوافق الأيديولوجي” في التعليم العالي.

ووصف النائب الديمقراطي عن ميريلاند حيمي رسكين روفو بأنه “دعائي يميني متطرف”، يقوم بـ “بحملة لتدمير التعليم العام في أمريكا”.

وأعدّ روفو الذي قضى معظم حياته يقاتل ضد التنوع والمساواة والشمولية، ويدعو لمنع الأساتذة الذين يناقشون المثليين في المدارس، مقالاً، أشفعه بأدلة من أطروحة غي التي لم يكن من السهل رفضها.

ثم تبعه أرون سياريوم، المراسل لموقع “واشنطن فري بيكون”، بمقال، في 11 كانون الأول/ديسمبر، تحدث فيه مع باحثين حول اتهامات السرقة، وقدّمَ أدلة جديدة، وظل يكتب، منذ ذلك الوقت، عن السرقة، وينشر مقالات جديدة.

الناشطون السود وغيرهم رأوا أن العنصرية هي وراء الإطاحة بغي،.. لأنها سوداء وامرأة

وكان روفو صريحاً في شن الحملة التي قال إنه بدأها ضد غي من اليمين لينقلها إلى إعلام اليسار. وقال روفو إن الأمر اقتضى ثلاث هجمات لإجبار غي على الاستقالة، حيث قادت ستيفانيك من الكونغرس، والممول بيل أيكمان، الذي ظل ينشر تغريدات عن غي على منصة إكس، بشكل أشعل قلق المتبرعين للجامعة، إلى جانب جهود برونيت وسيباريوم. وقال روفو، في مقابلة، يوم الثلاثاء: “لقد نفذناها بطريقة محكمة”.

 ومنذ توليها إدارة الجامعة، في تموز/يوليو، انتشرت التقارير حول السرقة الأدبية، وفي منشور لمجهول على الإنترنت، وضع في 10 حزيران/يونيو، جاء فيه: “سرقت كلودين غي عدداً من المصادر حرفياً تقريباً، في رسالتها، وحسب تقرير من 100 صفحة نشره مجلس المشرفين في هارفارد. وقال برونيت إن تاريخه مع غي يعود إلى نيسان/أبريل 2022، عندما كانت عميدة كلية الفنون والعلوم في هارفارد، ونشر نشرة إخبارية في سابستاك بعنوان: “الحالة المحيرة لكلودين غي”، حيث ربطها بعدة فضائح في هارفارد، وأماكن أخرى. لكن منشورات برونيت، وعدد آخر من المنشورات المجهولة، كانت حافلة بالسموم، وتحتوي على معلومات لم تترك أثراً خارج دوائر القراء للإعلام المحافظ.

لكن التقارير التي تحتوي على بحث ومعلومات قوية ونشرت في الإعلام المعروف، جعلت من الصعوبة تجاوز الاتهامات. وبحلول 20 كانون الأول/ديسمبر، بدأت الصحافة العامة بنشر الاتهامات ضد غي، وهو ما أثّر على الدعم داخل الجامعة لها.

لكن الناشطين السود وغيرهم رأوا أن العنصرية هي وراء الإطاحة بغي، ولأنها سوداء وامرأة.

وقالت في رسالة الاستقالة إنها “تعرضت لهجمات شخصية وتهديدات غذتها الكراهية العنصرية”. وقال الناشط في الحقوق المدنية الأمريكي أل شاربتون إن  استقالتها “هجومٌ على عافية وقوة ومستقبل التنوع والمساواة والشمول”. فقد حاول المحافظون إلغاء كل البرامج التي تهدف الى دعم التنوع في الجامعات ومساعدة الطلاب الذين لا تمثيل لهم.

وكان قرار المحكمة العليا، في 2023، الذي طلب من الجامعات التوقف عن أخذ العرق بالاعتبار في قبول الطلاب بمثابة دافع للجهود الرامية لوقف التنوع.

كتب إيكمان رسالة مفتوحة إلى هارفارد هاجم فيها فشل غي في شجب هجوم “حماس” على إسرائيل في بيانها الأول

 واستهدف شاربتون، أحد نقاد غي، وإيكمان، الملياردير ومدير شركة محافظ وقائية، وأحد الخريجين من هارفارد، والذي طالب باستقالتها، واقترح أن تعيينها كرئيسة جاء بسبب لونها. وكتب إيكمان رسالة مفتوحة إلى هارفارد هاجم فيها فشل غي في شجب هجوم “حماس” على إسرائيل في بيانها الأول، واستخدم حسابه على منصة “إكس” لنشر النقد المستمر لغي.

وقال شاربتون: “استقالة الرئيسة غي ليس فقط عن حادث واحد”، بل “هجوم على كل امرأة سوداء في هذا البلد، وأحدثت شرخاً في السقف الزجاجي، وفوق كل هذا، فقد كان نتيجة للحملة المستمرة التي قادها بيل إيكمان ضد الرئيسة غي، ليس بسبب قيادتها، أو مؤهلاتها، ولكن لأنها عيّنت بناء على التنوع والمساواة والشمول”.

وتخطط حركة شاربتون “شبكة العمل الوطني” للتظاهر أمام مكتب إيكمان في نيويورك، يوم الخميس. وقال: “لو كان يعتقد أن السود الأمريكيين لا ينتمون إلى أجنحة رجال الأعمال أو أيفي ليغ أو أي رواق فارغ، فسنجعل أنفسنا وكأننا في البيت أمام مكتبه”.

ورد إيكمان على النقد بأن غي استقالت بسبب فقدانها الثقة من الجامعة ولعدم قدرتها على القيادة.

لكن فكرة التنوع والمساواة والشمول هي قضية تبناها الجمهوريون، وخاصة فيفك راماسوامي، وهو من أصول هندية، المرشح الطامح للفوز بترشيح الجمهوريين للرئاسة، حيث قال، في تغريدة على “إكس”: “هذه فكرة راديكالية للمستقبل، اختر القيادة بناء على الأهلية، وهذا نهج عظيم في الحقيقة”، ملمحاً أن اختيار غي كان بسبب لونها.

وانتقد مدير كلية مورس هاوس، ديفيد توماس، إيكمان، وأن رئاسة هارفارد لن تتعامل مع مرشح للرئاسة لا تتوفر فيه شروط التنوع والمساواة والشمول: “من حق إيكمان وغيره لفت النظر لقضايا معاداة السامية في جامعته التي درس فيها كطالب يهودي”، و”لكن تحويل المسألة إلى شرعية اختيار الرئيسة غي لأنها امرأة سوداء هو نشر للأقاويل التي نعرفها، أي: سوداء وامرأة تساوي غير مؤهلة، ويجب أن نفضح هذا”.

المصدر: مجلة بوليتيكو الأميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




فورين بوليسي: عشرة نزاعات ستهيمن على عام 2024.. أهمّها غزة

نَشَرَتْ مجلة “فورين بوليسي” تحليلاً عن الحروب والنزاعات التي ستهيمن على عام 2024، حيث قالت إن بعض الدول ستواصل الحرب على أمل تحقيق انتصار، فيما ستحاول الأخرى حل المشاكل مع الطرف الآخر بالمفاوضات والتسويات.

واستعرضت المجلة، في تحليلها، عدداً من النزاعات التي بدأت العام الماضي، أو المستمرة منذ عقود وآفاق النصر والهزيمة، الاستمرار أم التسوية فيها.

 وتغطي خريطة النزاعات مناطق في العالم، من الشرق الأوسط، وخاصة غزة، إلى القوقاز وآسيا والكاريبي ومنطقة الساحل بأفريقيا.

 وتساءلت المجلة إن كانت الأمور ستتوقف عن التداعي، فعام 2024 بدأ بحروب مشتعلة في غزة والسودان وأوكرانيا، ولا أمل في التوصّل لتسويات سلمية. وفي بقية العالم، فشلت جهود حل النزاعات، بسبب أهداف المتنازعين، بين باحث عن انتصار وآخر عن تسوية.

في المناطق التي سكتت فيها المدافع، لم تتوقف الحرب بسبب الصفقات السياسية، ففي أفغانستان توقف القتال عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها، وسيطرت طالبان على السلطة بدون التفاوض مع منافسيها

ولاحظت المجلة أن الحروب في تزايد، منذ عام 2012، بعدما تراجعت في حقبة التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين.

وبدأت الحروب أولاً في كل من سوريا واليمن وليبيا، وكنتيجة للربيع العربي. ومن ليبيا انتشرت لمنطقة الساحل والصحراء. وتبعتها، بعد ذلك، موجات من الحرب، في عام 2020، بين أذربيجان وأرمينيا، والحرب المرعبة التي اندلعت في نفس العام بمناطق شمال إثيوبيا بين متمردي التيغراي والحكومة في أديس أبابا، ثم الحرب التي اندلعت بسبب تمسك الجيش في ميانمار بالسلطة، عام 2021، والغزو الروسي لأوكرانيا، في 2022، والحرب المدمرة في كل من السودان وغزة.

 وبسبب هذه النزاعات يموت ناس حول العالم، ويجبر الملايين على الرحيل من مناطقهم، أو يحتاجون لمساعدات تنقذ حياتهم. وفي بعض النزاعات لا مكان للحلول السلمية، فجنرالات ميانمار والأنظمة العسكرية التي سيطرت على الحكم في دول الساحل والصحراء في أفريقيا، ترفض الحوار، وتقوم بسحق المعارضة لها.

ويمثل السودان مثالاً مرعباً عن عدد الأشخاص الذين قتلوا أو شردوا. ولم تنجح الجهود الأمريكية- السعودية، وربما كانت مترددة في أحسن حالاتها.

وفي أوكرانيا، يعوّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تراجع الدعم الغربي لكييف، كي يجبر الحكومة الأوكرانية على الاستسلام ونزع السلاح وهي مطالب غير مقبولة من قادة أوكرانيا.

وعليه، لا يمكن أن تكون الدبلوماسية القائمة على إدارة تداعيات الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتبادل الأسرى بديلاً عن  المحادثات السياسية.

وفي المناطق التي سكتت فيها المدافع، لم تتوقف الحرب بسبب الصفقات السياسية، ففي أفغانستان توقف القتال عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها، وسيطرت طالبان على السلطة بدون التفاوض مع منافسيها.

وتوصل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتسوية مع منافسيه في جبهة التيغراي، ولكنها كانت لتعزيز انتصاره لا حل مشاكل ولاية التيغراي المزمنة.

وفي العام الماضي، أنهت أذربيجان، في عملية سريعة، المواجهة القائمة مع المتمردين الأرمن منذ 30 عاماً، ما أدى لرحيل جماعي لسكان المناطق في ناغورو كراباخ نحو أرمينيا.

 وبالنسبة للحروب في ليبيا وسوريا واليمن، فقد تراجعت وتيرتها بدون تسوية دائمة بين الأطراف المتنازعة. ولا يستحق المسار السلمي في كل من ليبيا وسوريا إلا الاسم، حيث ينتظر المحاربون الفرصة للسيطرة على المناطق أو السلطة.

وفي حقبة التسعينات من القرن الماضي، تم التوصل لعدد من التسويات السلمية، والتي اقتضت تنازلات مرة، من كمبوديا إلى البوسنة وليبيريا وموزامبيق، ولم تكن اتفاقيات السلام بين هذه الدول تامة، ولا يمكن النظر لهذه الحقبة التي تشوهت بالمذابح في رواندا، وسفك الدم بالبوسنة، على أنها العصر الذهبي للسلام. إلا أن هذه التسويات كانت بمثابة علامة عن مستقبل هادئ  لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. مع أن التسويات المشابهة لها قلّت في السنوات اللاحقة، فالتسوية التي أنهت الحرب الأهلية في كولومبيا، عام 2016، وتلك التي توصلت إليها مانيلا مع متمردي بنغاسامارو، عام 2014، كانت شذوذاً عن القاعدة.

ولعل الحرب في غزة، الدائرة منذ أكثر من شهرين، تذكيرٌ صارخ بفشل الدبلوماسية الدولية لحل جذور النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، فقد توقفت الجهود الدبلوماسية منذ عدة سنين، وحرف قادة العالم نظرهم عن المشكلة.

لعل الحرب في غزة تذكيرٌ صارخ بفشل الدبلوماسية الدولية لحل جذور النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي

وبرعاية أمريكية، وافقت عدة دول عربية على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بدون الاهتمام بالحقوق الفلسطينية، فيما واصلت إسرائيل قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وأصبح الاحتلال أكثر شراسة. وبات حلم الدولة الفلسطينية بعيد المنال، في وقت تراجعت فيه مصداقية القيادة الفلسطينية التي عوّلت على الحوار مع إسرائيل.

ولم تبدأ الحرب في الهجوم الذي قامت به “حماس” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. بل هي تعبير عن غياب الأفق السياسي لدى قادة العالم.

والمشكلة في استمرار النزاعات حول العالم، ليست في الوساطة أو الدبلوماسية، بل في السياسة العالمية. ففي لحظة التقلّب، تتداعى القيود على استخدام القوة، وحتى عند ارتكاب التطهير العرقي والغزو. كل هذا بسبب انهيار علاقة الغرب مع روسيا، والتنافس الأمريكي- الصيني. وحتى في النزاعات غير المرتبطة بتنافس القوى العظمى، تختلف هذه القوى بشأن  الدبلوماسية الواجب اتباعها وكيفية دعمها. ويساهم عدم اليقين بشأن الولايات المتحدة وسياستها الداخلية وتأثيره على الوضع العالمي،

 ولا يمكن القول إن أمريكا في تراجع تام، بل وأظهرت السنوات الماضية نفوذها كدولة مهيمنة. وكشفت الحرب في أوكرانيا ما يمكن لواشنطن فعله للأحسن لمواجهة العدوان الروسي. وفي المقابل، كشفت أحداث غزة ما يمكن أن تسهم فيه الولايات المتحدة للأسوأ، ومن خلال منح الدعم لإسرائيل وإطلاق يدها لتدمير غزة.

ومن هنا فالوضع ليس متعلقاً بالقوة الأمريكية، ولكن الخلل والتأرجح السياسي في قلب الولايات المتحدة، والذي يترك تداعياته على دورها العالمي.

ومع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية، في 2024، وإمكانية عودة دونالد ترامب المغرم بفكرة الرجل القوي واحتقار الحلفاء، يتزايد خوف الحلفاء في أوروبا وآسيا.

وأظهرت عدة دول غير غربية حزماً في السياسة الخارجية، مثل البرازيل والهند ودول الخليج وتركيا والتي تمارس النفوذ، وهذا أمر ليس بالسيء. ولعبت القوى الوسيطة دور الضابط للقوى العظمى، إلا أن هذه الدول، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، أصبحت منخرطة في الحروب، مع أنها كانت تتهم الغرب بإطالة أمد الحروب. وأصبح للمتحاربين اليوم مناطق يبحثون فيها عن الدعم السياسي والتمويل والتسليح، أما صنّاع السلام، فليس لهم هذا، بل وأجبروا على التعامل مع المتحاربين على الأرض، إلى جانب محاولة التفاوض مع داعميهم في الخارج.

ولا تتوقف مخاطر الحروب عند الخسائر البشرية، بل وطموحات القادة المنتصرين الذين لن يردعهم أي شيء عن المواصلة، ويخشى القادة في القوقاز من جرأة أذربيجان، مثلاً، على تحدي أرمينيا عند الحدود الفاصلة بين البلدين لا نتزاع تنازلات بشأن مناطق العبور. وفي القرن الأفريقي، فربما حاول آبي أحمد، الخارج من الحرب، استخدام انتصاره على التيغراي للبحث عن مناطق عبور لبلده المغلق وممرات إلى البحر الأحمر، عبر أرتيريا.

 يعتقد أن طهران غاضبة من هجوم “حماس” ضد إسرائيل، وفي المقابل تعبّر “حماس” عن إحباطها من تأخّر المساعدة الإيرانية لها

ويلحظ أن التوجهات العالمية نحو تخفيض العدوان، والتي ميّزت النظام العالمي في العقود الماضية، تتداعى، و”الفضل” يعود للغزو الروسي لأوكرانيا. وربما شهد عام 2024 توجهاً نحو الغزو المباشر من القادة الذين لن يرضوا بسحق المعارضة في الداخل، أو دعم قوى وكيلة لهم في الخارج.

وهناك خطر آخر يظهر في قائمة 10 نزاعات يجب التركيز عليه هذا العام، هو إمكانية انتشارها. ففي الوقت الذي تحاول فيه القوى الكبرى تجنب المواجهة إلا أن النزاعات مشتعلة على خطوط الصدع الفاصلة بينها، كأوكرانيا وبحر الصين الجنوبي والبحر الأحمر وتايوان من بين عدة خطوط. وهناك مخاطر أخرى نابعة من استمرار القوى الكبرى بالحديث العفوي عن الحروب بشكل يؤدي لتطبيع النزاعات التي سيكون ثمنها باهظاً، وتورط الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة فيها.

وفي ضوء الانقسام الدولي، لا توجد فرصة لأن يضع قادة العالم خلافاتهم جانباً ويعترفوا بالوضع الخطير، ويتوصلوا لاتفاقيات تطفئ الحرائق وتقدم المتحاربين للعدالة، بدلاً من تغيير  الحدود بالقوة.

أظهرت عدة دول غير غربية حزماً في السياسة الخارجية، مثل البرازيل والهند ودول الخليج وتركيا والتي تمارس النفوذ، وهذا أمر ليس بالسيء، فقد لعبت القوى الوسيطة دور الضابط للقوى العظمى

وقد يكون عام 2024 عام عودة الدبلوماسية، وتواصل للنقاط المضيئة في عام 2023، حيث توصلت السعودية وإيران، برعاية عمانية وصينية، لاتفاق يسوّي الخلافات القائمة، واعتراف قادة تركيا واليونان بعد الانتخابات بضرورة كسر الجليد، وسط المخاوف من تداعيات الغزو الروسي، إلى جانب قمة جو بايدن مع الرئيس الصيني شي جينبنع، نهاية العام الماضي، التي خففت من حرارة المواجهة.

وعلى رأس قائمة الحروب هي غزة. وتقول المجلة إن العملية الإسرائيلية نقلت النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني لفصل جديد مرعب. وربما حاولت إسرائيل تدمير ما تبقى من غزة. وأشارت المجلة لأثر الهجوم الإسرائيلي على القطاع، وتدمير معظم مدنه، وتهجير نسبة 85% من سكانه، ومقتل 22.000 فلسطيني، وإبادة عائلات بأكملها، وجيل من الأطفال بدون عائلات، وبعاهات دائمة. وعبّر بعض القادة الإسرائيليين عن أملهم لتهجير الفلسطينيين بسبب الظروف التي خلفتها الحرب.

والوضع في الضفة الغربية أسوأ، فمدنها محاصرة، والجيش يستهدفها يومياً، وزاد المستوطنون، وبدعم من حكومة بنيامين نتنياهو، هجماتهم ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. ودعمت الولايات المتحدة إسرائيل بدون شروط تقريباً.

وليس لدى نتنياهو خطة لما بعد الحرب، أو حتى نهايتها، ولا توجد أدلة عن قدرته لتدمير “حماس”، وحتى لو فعل فستنجو الحركة في جناحها السياسي والاجتماعية، وستستمر المقاومة المسلحة بشكل أو بآخر.

وتقول المجلة إنه لا توجد حالة موثوقة بأن الهجوم الذي تعرّضت له إسرائيل، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، يبرر الدمار الذي جلبته على القطاع ومجتمعه. وتعتقد أن استمرار الحرب والدمار لن يكون بداية لإحياء العملية السلمية، كما يزعم بعض القادة الغربيين، بل على العكس، ستكون نهاية المسار السياسي المعترف به، ولم يحدث في تاريخ النزاع القاتم أن أصبح السلام بعيداً جداً.

وافقت عدة دول عربية على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بدون الاهتمام بالحقوق الفلسطينية، فيما واصلت إسرائيل قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وأصبح الاحتلال أكثر شراسة

وعلى مستوى الشرق الأوسط، فربما توسعت الحرب في غزة إلى نزاع إقليمي، رغم أنه لا الولايات المتحدة أو إيران والقوى التي تدعمها ترغب بالحرب. ومع أن النزاع يصبّ في صالح إيران، التي حرّكت جماعاتها الوكيلة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وزادت من الحرارة عندما اجتاحت إسرائيل غزة، وخفّفت من الضغط بعد الهدنة القصيرة، إلا أن الحرب تأتي في وقت غير مناسب لطهران، فقد جاءت بعد فترة هدوء في العلاقات مع أمريكا، مثل تبادل السجناء. وذلك بعد مرحلة مضطربة وتظاهرات عمّت إيران، إلى جانب غضب واشنطن على طهران بسبب الدعم العسكري لروسيا في حرب أوكرانيا.

لكن الحرب في غزة تمثل تحدياً لإيران، فهي لا تريد أن يتأثر حليفها المهم “حزب الله” اللبناني بها. وتشعر طهران بالضغط للتحرك مع حلفائها، وخاصة أنها حملت راية الدفاع عن فلسطين.

 ويعتقد أن طهران غاضبة من هجوم “حماس” ضد إسرائيل، وفي المقابل تعبّر “حماس” عن إحباطها من تأخّر المساعدة الإيرانية لها.

وتضم قائمة المجلة توقعات بشأن نزاعات عام 2024؛ ميانمار وإثيوبيا ومنطقة الساحل وهاييتي ونزاع أذربيجان- أرمينيا والتوتر الصيني- الأمريكي بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي.

المصدر: مجلة فورين بوليسي

ترجمة: إبراهيم درويش




كيف تغير المسيّرات طبيعة الحروب وساحاتها؟

على مر السنين، تميزت الحروب الكبرى بإرساء قناعات جديدة، وتكتيكات جديدة، وتكنولوجيا جديدة. في عام 1453 اختُرقت جدران القسطنطينية بواسطة مدفع عملاق استخدمه السلطان محمد الثاني. وجلب نابليون تكتيكات جديدة ومبتكرة للمشاة. وفي الحرب العالمية الأولى، غيّر غاز الخردل والمدافع الرشاشة من وجه ساحة المعركة. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت حاملات الطائرات، وتكتيكات الحرب الخاطفة، والأسلحة النووية.

واليوم، إنها المركبة الجوية من دون طيار، والمعروفة عموماً باسم الطائرة المسيّرة (الدرون). صارت الطائرات المسيرة في أفغانستان، والعراق، وأوكرانيا، وأذربيجان، وغزة، أداة أساسية للحرب الحديثة، وسواء استخدمت في المراقبة أم الاستطلاع أم الهجوم، فإن سماء كييف وغزة والبحر الأحمر والخليج العربي ومضيق تايوان تعج بهذه المسيرات الصغيرات القاتلات.

صارت الطائرات المسيرة حُلم كل من يُقاتل، من جيوش نظامية كبرى أو مجموعات مؤثرة غير حكومية، ولها (للمسيرات) ثلاث سمات بارزة. أولا، رخيصة ومتوفرة، يمكن شراء مسيرة المراقبة الصغيرة من أمازون بأقل من 100 دولار وتسلمها بين عشية وضحاها. وفي حين أنها قد لا تدمر الدبابات، فإنها يمكن أن توفر شريط فيديو في الوقت الحقيقي لخط خندق العدو عبر الميدان، أو موضع قناص على سطح مبنى، أو موقع كمين في الجوار.

ويمكن للطائرات المسيرة الأكثر تطوراً أن تحلق لارتفاعات أعلى، ولمسافات أبعد، وتبقى في الجو لفترات أطول، وهذه هي لعنة قوات الدعم. ففي حين تُشن الحروب على الخطوط الأمامية بالاستعانة بالمشاة والدبابات والطائرات، لا يمكن الفوز بالحروب من دون مواصلة تغذية خطوط المواجهة الأمامية، وتزويدها بالوقود، وإعادة الإمداد. ويستلزم ذلك تأمين سلاسل إمداد ضخمة من مخازن الذخيرة، ومستودعات الوقود، ومرافق الإصلاح، جنباً إلى جنب مع أساطيل الشاحنات، والآلاف من قوات الدعم لتجديد ملايين الأطنان اللازمة يومياً للحفاظ على جيش صغير يقاتل.

تقع غالبية سلاسل الإمداد هذه بعيداً تماماً عن الخطوط الأمامية، وقبل انتشار الطائرات المسيرة، كان لا يمكن رصد المسيرات إلا بصورة متقطعة ومن دون دقة كافية حتى يستهدفها العدو بالمدفعية أو الصواريخ. أما الآن، فقد صارت منطقة العمليات بأكملها ساحة للمعركة ولا يوجد مكان للاختباء. إذ يمكن للطائرات المسيرة تنفيذ الدوريات فوق الطرق، واستطلاع المواقع ذات المخزونات اللوجيستية المحتملة، والتقرب من إشارة الحرارة بالأشعة تحت الحمراء في الليل لاكتشاف وحدة مدفعية مخفية أو طابور دبابات متحرك. إن قدرة الطائرات المسيرة على الرؤية في جميع أنحاء منطقة القتال، يخلق فعليا ساحة معركة شفافة، بصورة لم يسبق لها مثيل.

لا تستطيع الطائرات المسيرة رصد الأهداف في جميع أنحاء منطقة القتال فحسب، وإنما يمكنها أيضا مهاجمة تلك الأهداف. و«الهدف» في الاصطلاح العسكري يتلخص في إنشاء «رابطة بين المُستشعر إلى الرامي» قادرة على العثور على الهدف في الوقت المناسب، وبقدر كبير من الدقة، وتدمير الهدف تماماً. وتستطيع الطائرات المسيرة أن تحل محل «المُستشعر» من تلك المعادلة عبر توفير معلومات فورية ودقيقة بنظام تحديد المواقع العالمي. لكن حتى وقت قريب، وحتى إذا كان جهاز استشعار الطائرات المسيرة دقيقا وفي الوقت المناسب، فإن الأدوات اللازمة لمهاجمة هذا الهدف كانت «بليدة» نسبيا. إذ تعد المدفعية والصواريخ التقليدية غير دقيقة إلى حد كبير، وغالبا ما تتطلب مئات الطلقات لتدمير الهدف. على سبيل المثال، تُطلق في أوكرانيا أكثر من 65 ألف طلقة يوميا، أي ضعف عدد القذائف التي يمكن للولايات المتحدة إنتاجها شهريا.

مسيّرة أميركية شاركت في المعارك ضد تنظيم «داعش» في العراق (أ.ف.ب)

كما تساعد الطائرات المسيرة في حل مشكلة «الرامي»، مع ظهور الأسلحة الدقيقة المخصصة بالليزر والموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي، إذ يمكن للفرد أو الطائرة مع المعدات المناسبة توجيه القذيفة إلى الهدف بدقة كافية لتحقيق التدمير بقذيفة واحدة. ومع ذلك، فإن الأفراد والطائرات مقيدين بظروف الطيران، وتوافر الطائرات، والظروف الأرضية، ومجال الرؤية المحدود، ومجموعة من التحديات الأخرى التي تعيق القدرة على رؤية الهدف أو الاشتباك معه. فالطائرات المسيرة ليست أفضل بكثير في رؤية الأهداف فحسب، وإنما يمكنها أيضا الاشتباك مع الهدف بعدة طرق. ويمكنها توفير رابط فيديو مع بيانات استهداف دقيقة، وتوفير تحديد الليزر لتوجيه طلقة دقيقة إلى هدف، وحمل وإطلاق الصواريخ ضمن حمولتها الخاصة، أو القيام بدور «طائرة مسيرة انتحارية» لمهاجمة الهدف مباشرة.

ويرى كثيرون أن الطائرات المسيرة تعمل على تغيير طبيعة الحروب، وسوف تكون السلاح السائد في ساحة المعركة في المستقبل. وإلى أقصى حد، يتصور المنظرون ساحة معركة مليئة بالتكنولوجيا ولكنها خالية من البشر. وسوف يتم توجيه الدبابات ذاتية القيادة من قبل مُشغلين بعيدين عن ميدان المعركة، وسوف يتم توجيه الطائرات المسيرة والطائرات ذاتية القيادة من خلال الذكاء الاصطناعي و«شات جي بي تي»، وسوف يتم تعريف النصر من خلال من لديه عدد ماكينات متبقية في نهاية المعركة.

قد يحدث هذا يوماً ما، ولكنه ليس اليوم. ولن يكون ذلك قريباً. في الآونة الراهنة، تعد الطائرات المسيرة مُحصنة وثورية، ولكن كما هو الحال في كثير من الأحيان، تتغلب التكنولوجيا الأفضل على التكنولوجيا الراديكالية الجديدة بوتيرة سريعة، التي إما أن تقفز إلى الأمام أو تُحيّد تلك التكنولوجيا الجديدة كلياً. في حالة تكنولوجيا الطائرات المسيرة الحالية، باتت الجيوش تستغل ميزاتها، ولكن تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيرة تتسابق لسلبها تلك المزايا. فالطائرات المسيرة ليست مُحصنة على الدوام، إذ يمكن إسقاطها، ولا بد من توجيهها، كما تحتاج إلى وصلات بيانات لنقل المعلومات إلى المشغلين، وهم بحاجة إلى صور واضحة للهدف. ويمكن تعطيل هذه العناصر أو إلغاؤها، ولا سيما الوصلات اللاسلكية المهمة التي يمكن تعرضها للتشويش أو الخداع أو الإعاقة.

وعلى الرغم من نقاط ضعفها، فإن الطائرات المسيرة لها تأثير كبير على كل ساحة القتال، سواء أكانت حرباً شديدة الكثافة كما في أوكرانيا، أم هجمات على عناصر الشحن الدولي قبالة ساحل اليمن، أو إطلاق عمليات مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم. وقد أثبتت الطائرات المسيرة أنها متعددة الاستخدامات، وغير مُكلفة، وفعالة إلى حد استثنائي، ولا سيما مع الأهداف العميقة مثل مراكز القيادة، ومواقع المدفعية، والأهداف العالية القيمة مثل الإرهابيين. ومن المحتم أن تواصل تكتيكات وتقنيات مكافحة الطائرات المسيرة الحد – إلى قدر ما – من فاعليتها الإجمالية، ولكن حتى إذا تضاءلت قدراتها، فإن الطائرات المسيرة سوف تحتفظ بدور مهم ودائم في ساحة المعركة الحديثة.

مارك كيميت – محلل عسكري

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مفكر أمريكي: ثلاثة دروس من غزة إلى أوكرانيا.. والإيمان بقضية يتفوّق على القوة العسكرية

ساعات قليلة ويودع العالم عاماً شهد من التطورات والأحداث ما يجعله يتوقف طويلاً لكي يستوعب دروسها، قبل أن يدخل إلى العام الجديد.

فمن الحرب الإسرائيلية في غزة إلى طفرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وضع عام 2023 العالم أمام تحديات كبيرة في 2024.

وفي تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، يقدم المفكر الأمريكي تيلر كوين، أستاذ كرسي هولبرت إل.هاريس في قسم الاقتصاد بجامعة جورج ماسون الأمريكية، ثلاثة دروس يرى أنها الأجدر بالتوقف عندها خلال العام الحالي، الذي كان مليئاً بالأحداث التي تحتّم إعادة النظر في الكثير من وجهات نظرنا الاجتماعية العلمية.

 يتوقف كوين، المدير المشارك لمدونة “الثورة الهامشية” على الإنترنت، عند الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، والحرب الروسية في أوكرانيا، ويقول إن الدرس الأوضح من هذه الحروب هو أن القدرة على الردع لم تعد بنفس القوة التي كنا نتصورها، وإن الإصرار مع  إيمان المرء بقضيته وتشبثه بالدفاع عنها يمكن أن يتفوق على القوة العسكرية الكاسحة للخصم.

كوين: إحدى المفاجآت هي أن الردع الفاشل يعتبر أمراً سلبياً للغاية، في حين أن طفرة الذكاء الاصطناعي يمكن اعتبارها إيجابية للغاية

ويضيف أن الجيش الإسرائيلي أقوى كثيراً من حركة “حماس”، وهو ما يظهر حالياً على الأرض. ومع ذلك لم تمنع قوة الجيش الإسرائيلي “حماس” من مواصلة ضرباتها داخل إسرائيل.

في الوقت نفسه، فإن أوكرانيا، ومع كل الدعم الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم  تتمكّن من منع  روسيا من مواصلة الحرب، رغم ما تتكبّده من خسائر باهظة، سواء على الصعيد العسكري، أو السمعة الدولية، وذلك ببساطة لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد السيطرة على أوكرانيا، ويؤمن بحق بلاده في السيطرة على مناطق عديدة فيها.

 ولا يوجد في هذه التطورات ما يمثل نبأ ساراً للولايات المتحدة التي تعتمد على الردع لدعم العديد من حلفائها. كما أنها نبأ سيئ للعالم ككل، لأن الردع يدعم النتائج السلمية والحفاظ على الوضع القائم.

أما الدرس الثاني، الذي تناوله كوين في تحليله، فيتعلق بالمكاسب الهائلة التي يمكن تحقيقها في التكنولوجيا بسرعة. فقبل عام، أو حتى أشهر قليلة، لم يكن أغلب الناس يدركون أن الذكاء الاصطناعي، وبخاصة منصة المحادثة الآلية شات جي.بي.تي4، سيؤدي إلى تحولات كبيرة متعددة الأبعاد بهذا الشكل. والآن؛ يتوقع الخبراء أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان في أغلب مجالات التفكير، خلال أقل من 10 سنوات. وهناك الكثير من الخبراء من يتوقع حدوث ذلك خلال أقل من 3 سنوات.

وينتقل كوين، كاتب عمود “المشهد الاقتصادي” في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، والذي يحتل المركز 72 في قائمة مجلة “فورين أفيرز” (شؤون خارجية) لأهم 100 مفكر عالمي، إلى الدرس الثالث المستفاد من 2023، وهو أن الحوكمة غير مهمة حتى يثبت العكس.

كوين: الجيش الإسرائيلي أقوى كثيراً من حركة “حماس”، ومع ذلك لم تمنع قوته “حماس” من مواصلة ضرباتها داخل إسرائيل

ويقول إن دليله على ذلك هو الجامعات الأمريكية، وبخاصة النزاعات الأخيرة حول معاداة السامية في الحرم الجامعي، والحرية الأكاديمية، وسلامة الطلاب، وغير ذلك.

ويضيف أنه لن يناقش كل هذه النقاط، لكنها كافية للقول إنها أصبحت تمثّل كارثة لصورة التعليم الجامعي الأمريكي. فما يحدث في الجامعات الأمريكية حالياً يعني، على الأقل، أن أداءها سيئ.

وأخيراً، يقول تيلر كوين إنه  إذا أراد تلخيص أهم ما ميّز العام الحالي، فسيقول إنه شهد مفاجآت أكثر مما يستطيع علماء الاجتماع توقعه. وإحدى هذه المفاجآت هي أن الردع الفاشل يعتبر أمراً سلبياً للغاية، في حين أن طفرة الذكاء الاصطناعي يمكن اعتبارها إيجابية للغاية.

المصدر: صحيفة القدس العربي




هآرتس: مشاركة حماس في مستقبل غزة لعنة على إسرائيل وأمريكا

تشكل المعضلة الفلسطينية تحدّياً بالنسبة إلى إدارة جو بايدن، وتتزامن مع قرب موعد الانتخابات الأميركية، كما تطرح إشكالية شكل النظام السياسي الذي سيحكم غزة ما بعد الحرب. في هذا الصدد، تعتبر صحيفة هآرتس في مقالٍ ترجمه موقع الخنادق يناقش فيه أزمة الوضع الراهن بين “إسرائيل” وفلسطين بالنسبة إلى بايدن، ويلفت الكاتب إلى أن أي مشاركة أميركية علنية ستقوّض السلطة الجديدة، في ظل انخفاض شعبية محمود عباس “وفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين – ما يقرب من 88 في المائة يرفضون عباس ويريدونه أن يستقيل ويفضلون قيادة جديدة”. في المقابل تضاعفت شعبية حماس في الضفة الغربية ثلاث مرات. وبالتالي لغز “من سيحكم غزة؟” سيكون من أصعب اختبارات بايدن لما بعد الحرب.

النص المترجم للمقال:

أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول وحرب إسرائيل ضد حماس في غزة إلى جعل الحركة الوطنية الفلسطينية أضعف وأكثر لامركزية وانقساماً من أي وقت مضى. لا منظمة التحرير الفلسطينية ولا السلطة الفلسطينية قادرة على صياغة استراتيجية متماسكة للحكم الفعّال، ناهيك عن التفاوض مع إسرائيل. حتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت السلطة الفلسطينية – التي قوّضتها سياساتها الاستبدادية والفساد وأنشطة الاستيطان الإسرائيلية، وعمليات مكافحة الإرهاب في الضفة الغربية – شبه معدومة المصداقية لدى الغالبية العظمى من الفلسطينيين. تعكس استطلاعات الرأي الأخيرة الغالبية العظمى من الفلسطينيين – ما يقرب من 88 في المئة يرفضون عباس، ويريدونه أن يستقيل، ويفضلون قيادة جديدة.

من السهل معرفة السبب، يُنظر إلى عباس على نطاق واسع على أنه مقاول أمني في الباطن لإسرائيل. وقد ارتفعت شعبية حماس، وانخفضت شعبية عباس. وزادت قدرة حماس على تأمين الإفراج عن السجناء الفلسطينيين، في حين فشلت السلطة الفلسطينية في القيام بذلك. كما أظهرت غارات جيش الدفاع الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب في الضفة الغربية، والأعمال التي يقوم بها المستوطنون المتطرفون ضعف السلطة الفلسطينية وعنف السكان ضد إسرائيل. وقتل ما يقدر بنحو 280 فلسطينياً في الضفة الغربية على أيدي جنود ومستوطنين إسرائيليين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. إذا نجت حماس من هجوم إسرائيل – كما يكاد يكون من المؤكد أنها ستنجو بشكل ما – فإنها ستجعل السياسة الفلسطينية أكثر خطورة وأقل تنظيماً. في الواقع، قد يرى عباس أنه ليس لديه خيار سوى السعي للحصول على دعم حماس من أجل البقاء في السلطة، ناهيك عن العودة إلى حكم غزة.

لدى إدارة بايدن خطط جادة للمساعدة في صياغة ما تصفها “السلطة الفلسطينية التي أعيد تنشيطها”. الحديث عن إعادة تنشيط القيادة الفلسطينية جيد. لكن العديد من العقبات تقف في الطريق. مثلاً، هناك عباس نفسه والكادر من حوله. لن يتنحى عن طيب خاطر. من الواضح أنه يجب أن يكون هناك حافز لإضفاء الشرعية على قيادة جديدة وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، الانتخابات التي ألغاها عباس في عام 2021 أساسية. لكن من الصعب تصديق أنه يمكن تنظيمها في المستقبل المنظور – ليس في الضفة الغربية وبالتأكيد ليس في غزة.

بناءً على تجربتنا، نعلم أن أفضل طريقة لتقويض أي قيادة جديدة هي أن يُنظر إليها على أن الولايات المتحدة تلعب دوراً أساسياً فيها أو في السياسة الفلسطينية. في الواقع، تحتاج إدارة بايدن إلى الابتعاد عن ذلك والعمل على نهجها الخاص تجاه الفلسطينيين. سيتطلب ذلك ربط أي جهد بشأن غزة بمبادرة أوسع بشأن إقامة الدولة الفلسطينية والخطوات التي يجب أن يتخذها كل جانب للوصول إلى ذلك. وهذا يعني معالجة قضايا الحقوق السياسية الفلسطينية والمطالبات الإقليمية، والمستوطنات الإسرائيلية، والمتطلبات الأمنية الإسرائيلية. في الواقع، من الصعب رؤية أي قيادة فلسطينية ذات مصداقية على استعداد للمخاطرة مع شريك إسرائيلي ملتزم بضم الضفة الغربية.

ثم هناك مشكلة حماس التي تضاعفت شعبيتها في الضفة الغربية ثلاث مرات. يتحدث بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية علانية عن الحاجة إلى دعم حماس – حتى حكومة وحدة – كمفتاح لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. من الواضح أن أي مشاركة لحماس في مستقبل غزة ستكون لعنة على إسرائيل وعلى الأرجح على الولايات المتحدة. تبدو الفكرة القائلة بأن قيادتها الخارجية المتمركزة في الدوحة أو بيروت أو تركيا قد تنضم إلى حكومة جديدة سريالية في أعقاب 7 أكتوبر، وأثارت انشقاقًا مع القيادة العسكرية في غزة. باختصار، لا حماس ولا عباس سيتزعمان مستقبل الفلسطينيين. تكثر الإشاعات حول عودة قادة مثل محمد دحلان، قائد الأمن السابق في السلطة الفلسطينية في غزة، والإفراج عن الناشط في فتح مروان البرغوثي، الذي يقضي الآن خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة في السجن الإسرائيلي، أو عودة التكنوقراط مثل رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. الحقيقة المزعجة سياسياً هي أن القيادة الفلسطينية ستظل فوضوية وغير ثابتة في المستقبل المنظور.

هذه الفوضى هي في جزء كبير منها نتيجة الخلل الوظيفي للفلسطينيين والسياسات الكارثية التي انتهجها بنيامين نتنياهو على مدى العقد الماضي. ولكن مهما كان السبب، فإن لغز قيادتها يشكل تحديًا كبيرًا لأي مبادرة أمريكية ناجحة.

المصدر: موقع الخنادق




المجتمع الدولي الأبتر وسقوط الإنسانية

سقطت الأمم المتحدة ومنظماتها غير الإنسانية عندما ضربت بعرض الحائط جرائم الهيمنة الأميركية حول العالم، وآخرها ما يحصل حتى الآن في غزة.
لقد أعطت الولايات المتحدة الأميركية لحكومة بايدن بطاقة مرور نحو الإجرام غير المحدود لتحقيق هدف عسكري واحد يحفظ ماء وجهه الأسود ويديه الملطختين بالدماء.
لقد أثبت المجتمع الدولي أنه تحت إمرة الولايات المتحدة الأميركية صاحبة اليد الطولى في إدارة الحرب على غزة.

احتلال غزة وهم نتنياهو الجديد

ربما أخطأ رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو عندما وعد باجتثاث حركة “حماس” وإعادة احتلال قطاع غزة؛ حيث رفع سقف طموحاته لمستويات لا ترتقي إلى الواقعية الحديثة في مواجهة المقاومة. في هذا الإطار يقول مصدر قيادي فلسطيني إن الجهوزية الموجودة في قطاع غزة تحتم انتصار المقاومة من جهة، وعدم وجود أي إمكانية لحكومة نتنياهو لخوض أي تجربة جديدة تتمثل في احتلال قطاع غزة الذي خرج منه سابقًا تحت ضربات مقاومة كانت أضعف بكثير مما هي عليه الآن، إضافة إلى الواقع العسكري الذي بات يفرض نفسه أكثر من السابق بكثير.

العرب والسكوت المُذِل

هل وصل أغلب قادة العرب إلى الدرك الأسفل؟ سؤال يطرحه كثير من الناس في مشارق الأرض ومغاربها حول سكوت الجزء الأكبر من العالم العربي والإسلامي عن جرائم الاحتلال الصهيوني، فما السر في ذلك؟

يقول مصدر قيادي فلسطيني إن الموقف السعودي في التوجه نحو التطبيع كان ممرًا لطمس القضية الفلسطينية، وإن مسار التطبيع الذي شهدناه قبل طوفان الأقصى تجسد بعد طوفان الأقصى في السكوت والخضوع العربي للكيان الذي أوضح للعرب وللمسلمين أنه لا يرتقي إلى مستوى حماية نفسه، فكيف سيحميهم إذا طبّعوا معه؟ هل يحميهم؟ أو يحمي مصالحهم؟

من المؤكد أن السكوت المذل للعرب لن يُرضِخَ غزة، لا بل إن السكوت حوّل غزة إلى صانع قرار للأنظمة العربية الخاضعة، لأن قراراتهم السابقة لم تكن على قدرٍ من العروبة أو الوطنية، وبعد طوفان الأقصى لم تكن على قدرٍ من الإنسانية.

سقط المجتمع الدولي وسقطت الإنسانية والعروبة وشعارات الأخوّة وحتى بعض شعارات التعاون الإسلامي، فما عاشته غزة في هذه المعركة على المستوى الإنساني لم يعشه أحد، فسقطت الإنسانية عندما تحوّلت جرائم العدو الإسرائيلي الموثقة بالصوت والصورة إلى “مسألة فيها نظر” عند البعض، فيما المقاومة والدفاع عن الأرض بنظرهم جريمة لا تُغتفر.

د. زكريا حمودان

مدير “الوطنية للدراسات والإحصاء”

المصدر: موقع العهد




روسيا تتحدى الغرب وتكسب من صادرات الغاز والنفط رغم العقوبات⁩

قامت شركة “غازبروم” الروسية بزيادة كبيرة في إمدادات الغاز من روسيا إلى الصين وأوزبكستان، حيث زادت عمليات التسليم للأولى على مدار العام بمقدار مرة ونصف مقارنة بعام 2022، رغم عدم وصولها بعد إلى الحجم السنوي وفقًا للعقود، كما تضاعفت عمليات التسليم إلى الأخيرة في ديسمبر/كانون الأول، ووصلت إلى الحد الأقصى الممكن من الناحية الفنية.

وقال رئيس شركة “غازبروم”، أليكسي ميلر، خلال اجتماع أمس مع الرئيس فلاديمير بوتين، إن الشركة زادت إمدادات الغاز إلى الصين مرة ونصف هذا العام، وإلى أوزبكستان مرتين في ديسمبر. 

وأضاف: “في ديسمبر، قمنا بتزويد أوزبكستان بأقصى حجم ممكن تقنيًا من الغاز الذي يمكن توفيره عبر خط أنابيب الغاز بين آسيا الوسطى ومركزها”. 

ووفقاً لرئيس الشركة الروسية، فإن عمليات التسليم إلى الصين في نهاية العام ستكون أعلى بمقدار مرة ونصف مما كانت عليه في العام السابق. وأضاف رئيس شركة “غازبروم” أنه في 23 ديسمبر/كانون الأول، تم تسجيل “رقم قياسي تاريخي للتسليم اليومي” للصين، حيث تجاوزت الكميات اليومية التزامات العقود. 

وأشار ميلر إلى أن شركة “غازبروم” كانت قادرة على تلبية جميع طلبات المستهلكين بالكامل خلال موجة البرد في ديسمبر/كانون الأول. وفي 8 و13 ديسمبر، تم إرسال مليار و717 مليون متر مكعب من نظام إمداد الغاز الموحد.  

وقال إن هذا “رقم قياسي تاريخي” لحجم الإمدادات في ديسمبر/كانون الأول، مؤكداً أن “غازبروم” سجلت رقما قياسيا لإمدادات الغاز اليومية منذ عام 2012. 

ووقعت موسكو وبكين عقدا لتوريد الغاز عبر محطة كهرباء سيبيريا في العام 2014، وتم إطلاق خط أنابيب الغاز بعد خمس سنوات، لكنه لم يصل بعد إلى طاقته الكاملة. وفي أكتوبر من هذا العام، وقعت شركة غازبروم وشركة النفط الوطنية الصينية اتفاقية بشأن إمدادات إضافية عبر محطة كهرباء سيبيريا حتى نهاية عام 2023. 

والعام الماضي، أبرمت الصين وروسيا اتفاقية أخرى بشأن إمدادات الغاز عبر طريق “الشرق الأقصى” بكمية 10 مليارات متر مكعب في السنة. وبينما يتم حالياً تصميم خط الأنابيب الخاص بهذه الإمدادات، يناقش الطرفان أيضًا مشروع خط أنابيب آخر لإمداد الغاز بقيمة 50 مليار متر مكعب عبر منغوليا. 

وتم إبرام اتفاقية بشأن إمدادات الغاز إلى أوزبكستان في يونيو من هذا العام. في السابق، كانت الدولة نفسها تنتجه وتصدره، بما في ذلك إلى الصين، لكنها واجهت بعد ذلك نقصًا. وبحسب الاتفاقيات، بدأ التسليم في أكتوبر، ويبلغ الحجم اليومي 9 ملايين متر مكعب. وسنويا، حوالي 2.8 مليار متر مكعب. 

إيرادات روسيا من النفط في أكتوبر 11.3 مليار دولار رغم العقوبات  

وبلغ صافي إيرادات روسيا من مبيعات النفط في أكتوبر/تشرين الأول 11.3 مليار دولار، أو 31% من إجمالي إيرادات البلاد لهذا الشهر، ما يعد أعلى رقم منذ مايو 2022، كما أنه يتجاوز ما تم تحقيقه في أي شهر قبل بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، بحسب ما ذكرته وكالة بلومبيرغ نقلا عن حسابات وزارة المالية الروسية. 

وبحسب الوكالة، قام أصحاب الأساطيل الروسية، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، بنقل أكثر من 70% من شحنات النفط الروسي، الأمر الذي “سمح لموسكو بالحفاظ على سيطرتها على الصادرات وزيادة الأسعار تدريجيا”.  

والعام الحالي، صدر الاتحاد الروسي ما يقرب من 3.5 ملايين برميل من النفط يوميًا، وتم إنفاق حوالي 11 مليار دولار على فروق العرض. ويمثل بعض هذا المبلغ “تكاليف شحن مشروعة”، ولكن معظمها تقريبًا “يمر عبر تجار مجهولين أو شركات شحن غير معروفة”، بحسب ما تدعيه بلومبيرغ. 

وفي وقت سابق، قالت السلطات اليونانية إنها لا تستطيع منع شحنات من النفط الروسي قبالة سواحل البلاد. وكما أوضحت الوكالة، يتم تنفيذها في المياه الدولية، والتي تبدأ على بعد 6 أميال (10 كم) من الساحل في خليج لاكونيا.  

ووفقاً لوكالة الأنباء الروسية “ريا نوفستي”، فإن السفن المملوكة لليونان تعاملت مع النفط الروسي في العام 2023 أكثر من السفن من أي دولة أخرى، باستثناء روسيا نفسها. 

وفي 5 ديسمبر 2022، تم فرض سقف لأسعار النفط من روسيا عند 60 دولارًا للبرميل.  

ومنذ 5 فبراير 2023، دخل الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على المنتجات النفطية الروسية حيز التنفيذ. وكتبت صحيفة بوليتيكو أخيراً أن المحاولات الغربية للحد من عائدات النفط الروسية “فشلت بشكل أساسي”. 

ووفقاً للصحيفة، فإنه بسبب القيود، خسرت روسيا 34 مليار يورو من عائدات التصدير على مدار العام، لكن هذا “أقل بكثير مما كان يأمله أولئك الذين وضعوا سقفاً لأسعار النفط الروسي”. 

ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، انخفضت صادرات النفط الروسية في أكتوبر بمقدار 70 ألف برميل يوميا، إلى 7.5 ملايين برميل يوميا، وانخفضت عائدات التصدير بمقدار 25 مليون دولار.

عبد العزيز والي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: عناصر حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لم تكتمل بعد

اتفاق «الطائف» اللبناني ليس كتاباً مقدساً… و«موسيقى ناعمة» تسمع من بكين

كما في نهاية كل عام، ثمة وقفة يُطرح خلالها كثير من الأسئلة حول ما حملته أشهر العام الماضي من أحداث ستبقى في الأذهان، وسيكون لها أثرها على المقبل من الأيام. ولكن أيضاً حول ما حضرته للعام الجديد من مفاجآت وتحديات ومصائب. وللتوقف عند ما قضى، واستجلاء ما سيأتي، قصدنا الدكتور غسان سلامة، الوزير السابق والأستاذ الجامعي وصاحب المؤلفات الكثيرة في العلاقات الدولية، والذي عمل للأمم المتحدة في العراق وليبيا وميانمار.

والحوار مع الدكتور سلامة ليس عملاً مثرياً بذاته بالنظر لقدراته التحليلية المرتكزة إلى متابعة دقيقة واتصالات رفيعة المستوى، بل هو أيضاً متعة حقيقية بفضل وضوح الرؤية لديه ووضوح ودقة التعبير. وفي جلسة مطولة استضاف خلالها «الشرق الأوسط» بباريس، كانت جولة واسعة على شؤون العالم العربي وعلى حالة العالم اليوم وما ستكون عليه غداً: من حرب غزة إلى حرب أوكرانيا مروراً بأوجاع العالم العربي، وصولاً الى المنافسة البنيوية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وتحول الثقل العالمي نحو الشرق وفشل مجلس الأمن الدولي في القيام بالمهمة المنوطة به منذ تأسيسه؛ وهي الحفاظ على السلم العالمي وأسباب تقاعسه، كلها ملفات طرحت مع الدكتور غسان سلامة الذي تناولها بعمق. وفيما يلي نص الحوار:

نظرة سريعة على عام 2023

* بعد أيام قليلة نودع عام 2023 ونستقبل عام 2024. سنغوص لاحقاً في التحديات التي يطرحها العام الجديد أكان بالنسبة للعالم العربي أو بشكل عام. ولكن قبل ذلك؛ سؤالي الأول يتناول المحطات اللافتة التي توقفت أو تتوقف عندها في العام المنتهي…

– في العام المنتهي يكاد يكون استمراراً لما سبقه أكثر مما هو انفتاح على ما هو لاحق. أولاً، من الناحية الاقتصادية نرى أن العام المذكور كان إجمالاً إيجابياً بعد سنة 2022 التي كانت سلبية للغاية بالنسبة للاقتصاد العالمي. فقد شهدنا عودة الصين إلى السوق العالمية، ورأينا نمواً ولو ضعيفاً في الدول الغربية بالتوازي مع محاربة كثيفة للتضخم في مختلف اقتصادات العالم. واللافت أن الدول النامية لم تتأثر كثيراً بحرب أوكرانيا، لأن موسم 2023 من الحبوب كان جيداً للغاية. لذلك فإن عدم تمكن روسيا، خصوصاً أوكرانيا من تصدير الحبوب بصورة كافية لم يؤثر كثيراً على أسعار الحبوب، لا سيما أسعار القمح. وبالطبع، هذا أمر مهم لأن عدم توافر القمح وارتفاع أسعاره يفضيان، في كثير من الدول، إلى انتفاضات وثورات واضطرابات بالشارع.

إذن أعتقد أن الحكومات نجحت في تجنب هذا الهم الكبير باعتبار أن موسم الحبوب في السنتين الماضيتين كان جيداً في كل أنحاء العالم. من ناحية أخرى، رأينا أن حرب أوكرانيا التي انطلقت في شهر فبراير (شباط) من عام 2022، وتواصلت في العام الذي يليه دون توقف، تميزت بأمر أساسي؛ وهو أن الهجوم المضاد الذي حاولت أوكرانيا أن تقوم به ضد القوات الروسية في الدونباس فشل، ولم تتمكن أوكرانيا إلا من استعادة مساحات قليلة، ما يعني أن وضع الرئيس الأوكراني الذي كان يراهن كثيراً على نجاح هذا الهجوم المضاد قد ضعف. هو اليوم في فوهة المدفع كما يقال. وشهدنا، من الناحية الأخرى، تمكن بوتين من القضاء على نوع من الانتفاضة التي قام بها مؤسس حركة «فاغنر»، التي فاجأت الجميع بحصولها وبسهولة انطلاقها من جنوب روسيا نحو موسكو دون أن يوقفها أحد. لكنه بعد شهرين من ذلك، توفي مؤسس «فاغنر» في حادث جوي.

من جانبه، استمر الرئيس بوتين باللعب على ورقة يعدّها رابحة، وهو الوقت الذي يرى أنه يعمل لصالحه، إذ إن لديه إمكانات صناعية ذاتية لتأمين جيشه، بينما لأوكرانيا إمكانات خارجية فقط، حيث إنها تعتمد على الدعم الخارجي في الأعتدة والسلاح.

عام 2023 شهد أيضاً أمراً مهماً في أفريقيا؛ وهو عودة الانقلابات العسكرية في 8 من دولها، ما يعني أن أفريقيا تتراجع في الديمقراطية لمصلحة الأنظمة التسلطية العسكرية. ومعظم هذه الأنظمة التي تم الانقلاب عليها عسكرياً في منطقة الساحل. والجزء الثاني من الصورة هناك هو، عملياً، طرد الوجود العسكري الفرنسي من دول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وغيرها، وهو أمر له بعد تاريخي لأن عدداً من القواعد العسكرية الفرنسية التي أقفلت عمرها أكثر من 30 أو 40 عاماً. إذن هناك انحسار حقيقي للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل. وآخر تجلياته بالأمس انتهاء الانسحاب العسكري الفرنسي من النيجر وإغلاق السفارة.

من العناصر الأخرى المثيرة للانتباه طبعاً عودة الشعبوية بكثرة إلى أميركا اللاتينية، لا سيما في انتخابات الأرجنتين التي جاءت بشخص شعبوي بامتياز إلى رئاسة الجمهورية. لكن الحدث الأبرز بالنسبة لنا، عربياً، كان ولا شك حرب غزة التي سنتوقف لاحقاً ملياً عندها.

أما في أنحاء العالم الأخرى فالجميع يتهيأ للعام المقبل الذي سيكون بامتياز عام الانتخابات، إذ سيحصل أكثر من 60 انتخاباً وطنياً؛ في الولايات المتحدة، في الهند، في جنوب أفريقيا، وفي دول كثيرة بالعالم. أما في الاتحاد الأوروبي، فستحصل انتخابات البرلمان الأوروبي. إذن السنة المقبلة هي سنة الانتخابات الكبيرة، وبالتالي هي سنة تأثر السياسة الخارجية بالحسابات الانتخابية الداخلية، وهو ما لم نعرفه كثيراً في 2023.

أمراض البلدان العربية

* بالنظر لمنطقتنا من لبنان إلى سوريا إلى العراق وليبيا واليمن وتونس وحتى السودان، لوجدنا أزمات متعددة ومختلفة. هل هناك علة واحدة يمكن أن تبين أسباب هذه التمزقات أم هناك مجموعة من العلل؟ ما هي؟ وكيف الخروج منها؟

– حقيقة الأمر أن هناك جوانب متشابهة لعدد من الأزمات، ولكن أيضاً هناك جوانب خاصة بكل بلد. فيما خص الجوانب المتشابهة، علينا أن نشير أولاً إلى أننا ندفع ثمن الانفجار السكاني الذي حصل في القرن العشرين بمختلف هذه البلدان. هذا الانفجار تضاءل بعض الشيء في القرن الحادي والعشرين، لكن أنت تشعر بخطورته عندما تصل أجيال ذلك الانفجار إلى سن العشرين أو سن الثلاثين، وتجد صعوبة في العثور على عمل. لذا، نحن نشهد وندفع أولاً وأساساً كلفة الانفجار السكاني الذي حصل في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي حمل إلى سوق العمل شباباً وشابات مؤهلين تلقوا تعليمهم في الجامعات والمعاهد… ولذلك فإن اشمئزازهم من عجزهم عن الحصول على العمل أكبر من اشمئزاز الذين لم يتعلموا ولم يتدربوا.

هذا أمر عام في أنحاء المنطقة من المغرب إلى العراق، مروراً بمصر وتونس وغيرها من البلدان. وهناك سبب ثانٍ مهم في نظري؛ وهو أن العقد السابق من القرن الحادي والعشرين شهد نوعاً من الأمل بالتغيير من خلال ما سمي «الربيع العربي» الذي رأينا تداعياته تقريباً في نصف الدول العربية بينها مصر وتونس والجزائر وسوريا واليمن وغيرها من البلدان. هذا الأمل تحطم. ربما كان أملاً كاذباً منذ اليوم الأول.

أنا لا أريد الدخول بالتفاصيل هنا، ولكن من دون أي شك كان هناك أمل خصوصاً بالنسبة للشباب. وهذا الأمل تحطم، وحل مكان الأنظمة التي كان يسعى هؤلاء الشبان إلى تغييرها؛ إما أنظمة أكثر تسلطية من الأنظمة التي سقطت في الربيع العربي، أو اندلعت حروب أهلية دامية في عدد من البلدان وما زال بعضها جارياً حتى الساعة، لا سيما في دول مثل سوريا واليمن وغيرهما. هذا هو العنصر الثاني الجامع أو لنسميه «العابر للحدود» العربية كلها. والعنصر الثالث هو الدور الصعب الذي لعبه الإسلام السياسي في عدد من هذه البلدان، بمعنى أن الإسلام السياسي تمكن من الوصول إلى عتبة السلطة بالانتخاب، كما انتخاب محمد مرسي في مصر مثلاً، أو فوز النهضة بالانتخابات في تونس، أو عبر وسائل وطرق أخرى. ولكن الإسلام السياسي بدا كأنه على الخواء نفسه الذي نجده عند الأحزاب الأخرى أو عند الأنظمة القائمة: الخواء في المشروعات الاقتصادية والإنمائية، الخواء في المشروعات الاجتماعية… لا يكفي أن تقول إن الإسلام هو الحل. يجب أن يعرض الحلول العملية التي يقدمها. ورأينا ذلك مثلاً في مصر أو في تونس. أما الأحزاب العلمانية أو غير الإسلامية فقد بدت لنا أنها خاوية أيضاً. هذه بنظري العناصر العابرة لمختلف الدول العربية.

بيد أنني أريد أن أسأل: هل الأزمات التي تلم بهذه البلدان أمر طبيعي أم غير طبيعي؟ أنا أعتقد أن الأمر طبيعي أكثر مما نعترف به. علينا أن نسأل: بمن نقارن هذه الدول لنقول إنها دول مأزومة؟ هل لم تكن مأزومة في السابق وأصبحت مأزومة الآن؟ جوابي بالنفي. لقد كانت ربما مستقرة وهادئة ولكنها مأزومة. ما حصل الآن أن هذه الأزمات ظهرت إلى السطح وأضحت مجال تناول وبحث وتمحيص.

لا شك أن لكل بلد هناك خصوصياته. ولكن ما يتعين التوقف عنده أن رد الأزمات إلى التدخلات الخارجية من أسهل الأمور لأنها قابلة للرصد بسهولة. ولكنني تعلمت من تجاربي في العراق ولبنان وليبيا، أمراً مهماً؛ وهو أن الديناميات الداخلية أصعب قراءة من التدخلات الخارجية. هي في معظم الأحيان أساسية وأكثر خطورة على تطور البلدان. هذا ما يحصل في قراءة الأحداث بالمنطقة العربية حيث نركز على التدخلات الخارجية، لأننا نتمكن بسهولة من رصدها فيما فهم الديناميات الداخلية أساسي، لأنها في معظم الأحيان جوهر الموضوع أكبر بكثير من التدخلات الخارجية، لا سيما أن القوى الداخلية في الدول المأزومة أو الدول التي تمر بحروب هي التي تستدعي التدخلات الخارجية، وتوفر لها التربة الخصبة وهي التي تضع حداً لها إذا شاءت، وبالتالي فإن التدخلات الخارجية لا تحصل من فراغ. لذلك على الإعلام، وأيضاً على المراقبين السياسيين والدبلوماسيين، أن يكسروا هذه الآلية السهلة.

مصير الصيغة اللبنانية

* سنترك القراءة العامة وسندخل في التفاصيل بدءاً بلبنان حيث الأزمات تتراكم: دستورية، ومؤسساتية، وسياسية، واجتماعية، ومالية… سؤالي جذري: هل يعني تتابع وتوالي واستمرار هذه الأزمات أن ما يسمى «الصيغة اللبنانية» لم تعد قابلة للحياة وما يمكن أن يكون البديل عنها؟

– سؤالك جذري، وجوابي لن يكون أقل جذرية. لقد شاءت الظروف أن يكون لي دور متواضع في بلورة اتفاق الطائف، حيث عملت إلى جانب اللجنة العربية التي كانت تبحث آنذاك في عام 1989 عن حل. وأود التأكيد بادئ ذي بدء أنه لم يخطر ببالنا أبداً، لا اللجنة العربية ولا موفدها السيد الأخضر الإبراهيمي ولا مستشارها غسان سلامة يوماً، أننا نعمل للتوصل إلى النموذج الدستوري المثالي والأفضل للبنان. كنا نسعى للخروج من الحرب، لوضع حد للقصف العنيف والقتل والدمار. باختصار، كنا نبحث عن صيغة انتقالية تسمح بوقف الحرب من خلال تهدئة الميليشيات المتقاتلة، وأيضاً الطرف السوري الذي كان منخرطاً فيها.

من هنا، أرى أن التمسك اللاهوتي باتفاق الطائف في غير مكانه. في الطائف، كنا نأمل، بعد وقف الحرب، أن يدخل لبنان في مرحلة سلم واستقرار وبحبوحة تسمح لأبنائه بأن يفكروا بما هو النظام الأمثل الذي يصبون إليه. هذا التصحيح ضروري، لأن هناك من حول اتفاق الطائف إلى كتاب مقدس. هو ليس كتاباً مقدساً، هو مفيد وكان مفيداً في حينه، وأنا فخور بأنني شاركت فيه.

ثانياً، إن بلداً يحتاج لسنة أو سنتين أو 3 ليختار رئيساً للجمهورية في كل مرة يشغر ذلك المنصب، ويحتاج لأشهر وأشهر لتأليف حكومته، ويحتاج لأشهر وأشهر للتفاهم على التمديد لقائد جيش، كما يحتاج لأشهر لتعيين موظف على رأس مصرفه المركزي، هذا البلد يعاني من نظام لا يناسبه. النظام الحالي في لبنان لا يناسب مصلحة اللبنانيين. هذا جوابي الجذري على سؤالك الجذري.

أما البديل، فالمشكلة ليست فيه، بل في إيجاد الوقت والظروف المناسبين لفتح هذا الملف. ثمة حاجة لتوافر ظروف من الاستقرار الداخلي ومن الاحتضان الخارجي ومن تغير الأفئدة والأفكار التي تسمح بالتوافق على نظام جديد. الآن، تسود في لبنان ظروف لم تعد مناسبة لفتح هذا الملف. لذلك أنا لا أعترض على حلول ترقيعية مثل انتخاب رئيس جمهورية بما تيسر، أو تأليف حكومة بما تيسر. لكن يتعين أن تكون مهمتهم الأولى، بعد إعادة تسيير المؤسسات، العمل على فتح الملف الدستوري من أساسه: هل نريد فعلاً نظاماً أكثر لامركزية أو نظاماً أكثر مركزية؟ يتضمن اتفاق الطائف دعوة للامركزية. لكن ثمة من يتخوف من تفتت الدولة ويتمسك بالمركزية.

ثم هناك سؤال آخر مهم خصوصاً في جو طائفي مشحون. صحيح، إن اتفاق الطائف يقول بإلغاء الطائفية السياسية وإن هذا يبدأ من مجلس النواب. ورأيي أن هذا خطأ، إذ أرى أن يبدأ إلغاء الطائفية أولاً من الإدارة العامة ومن الحكومة ثانياً ومن الرئاسات ثالثاً، وأخيراً من مجلس النواب. لماذا؟ لأن مجلس النواب هو السلطة الوحيدة المنتخبة وبالتالي، في مرحلة الانتقال من نظام طائفي إلى نظام لا طائفي، نحن بحاجة لهيئة دستورية يعترف بها الناس ويعدّون أنها من صنعهم لكي تحميهم في هذه المرحلة الانتقالية التي قد تثير القلق لدى كثير منهم.

هناك موضوع ثالث لا يقل أهمية؛ وهو أن الخلاف في لبنان على المواضيع الكبرى وليس على المواضيع الصغرى. لذلك من يدعو اليوم مثلاً لإلغاء إحدى الطبقات في الإدارة العامة (القضاء أو المحافظة لأن البلد صغير) ربما لا يجيب عن السؤال الأساسي الذي يتناول الثقافة السياسية في لبنان التي هي في حالة مزرية، لدرجة أنها غير قادرة على تقبل فكرة الدولة. ربما أن اللبنانيين تعودوا، أكثر من اللازم، على الحياة من دون دولة وعلى مجتمع من دون دولة.

* لكن اللبنانيين نزلوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع والساحات احتجاجاً على غياب الدولة والفساد وأزمة المصارف…

– صحيح أن الآلاف من الأشخاص نزلوا إلى الشوارع والساحات لكنه ليس أمراً خاصاً بلبنان. ما نراه الآن في مختلف أنحاء العالم هو أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهل جداً تعبئة الناس وإنزالهم إلى الشارع، لكنها أيضاً وسائل كاذبة. قد تتمكن من إنزال الملايين في بلد ما ولا تصل إلى نتيجة. لماذا؟ لأن التعبئة المجتمعية على أساس التواصل الاجتماعي تؤدي إلى نوع من التعبئة الأفقية، ولكنها لا تؤدي إلى ظهور قيادات ولا تؤدي إلى تبني برامج واضحة بديلة عن برامج السلطة القائمة، وبالتالي هي مثيرة للإعجاب بحجمها أو بقدرتها على تعبئة أكبر عدد ممكن من الناس، ولكنها تثير الخيبة والمرارة لأنها عاجزة عن أن تتوصل إلى برنامج حكم أو إلى إفراز قادة جدد.

وإجمالاً، التركيز على الجانب الأفقي وعلى التعاضد الأفقي يصبح نوعاً من المرض الواسع في وسط هذه المظاهرات. هم لا يريدون أن يظهر قادة يأخذون مكان القادة الموجودين. لكن لا مناص في أي تغيير سياسي من وجوه جديدة تحل محل من هم في السلطة، ولا مناص من وجود برنامج متفق عليه يختلف عن برنامج المتربعين في السلطة. التعبئة على أساس «السوشيال ميديا» تعبئة سهلة مثيرة للإعجاب، ولكنها في معظم الأحيان دون نتيجة.

حرب غزة وحل الدولتين

* لو جئنا إلى حرب غزة، لدي سؤال مثلث الأضلع: أولاً؛ كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ ثانياً؛ هل عودة الحديث عن حل الدولتين أمر جدي أم بيع أوهام للفلسطينيين؟ ثالثاً؛ هل يمكن الرهان على وجود إرادة أميركية حقيقية للذهاب إلى حل سياسي معروفة محدداته؟

– بدوري أطرح تساؤلاً: هل الطرف الفلسطيني جاهز لكي يلعب هذا الدور التاريخي كحاضن لدولة فلسطينية ممكنة؟ جوابي هو لا. «حماس» غير مقبولة، والسلطة غير قادرة، وبالتالي نحن أمام خواء فلسطيني. ثمة حاجة لمخاطبة طرف فلسطيني جديد مقبول، لديه صدقية وليس فقط لديه شرعية السلطة الفلسطينية (وفقاً لاتفاقات أوسلو). لكن الواقعية تقضي بأن نقول إنه ليست لديها صدقية.

وفي الجانب المقابل، ثمة حاجة أيضاً لطرف إسرائيلي. والحال أنه غير موجود، إذ هناك حكومة متطرفة جداً تتبنى رفض فكرة الدولتين بصورة واضحة وصريحة، ليس فقط على لسان المتطرفين فيها مثل سموتريتش، ولكن على لسان رئيسها بنفسه. وهناك أيضاً مجلس حرب يتميز بالتشدد الكبير. وفي زيارته إلى إسرائيل في الأسبوع الأول من الحرب، فوجئ الرئيس بايدن بأن النظرية القديمة التي تقول إن جنرالات إسرائيل هم أقل تطرفاً من السياسيين ليست صحيحة في هذه الحرب، إذ إن الجنرالات الذين دخلوا إلى مجلس الحرب قد يكونون أكثر تطرفاً من نتنياهو نفسه في تحديد أهداف الحرب. لماذا؟ لأن هؤلاء مهووسون باستعادة قدرة الردع التي فقدها الجيش الإسرائيلي، وهو أمر قد لا يهم نتنياهو كثيراً.

ثالثاً، الحل بحاجة لوسيط لأمور الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. الوسيط الوحيد اليوم الذي لديه وسائل ضغط على الطرف الإسرائيلي هو الولايات المتحدة. نشرت حاملات طائرات لردع خصوم إسرائيل كما قررت أن تمدها، إلى جانب المليارات الأربع السنوية بـ14 مليار إضافية. وهي، ثالثاً، تمنع تكراراً مجلس الأمن من أن يصوت على مشروع قرار يقبله الأعضاء الـ14 بالنسبة وترفضه هي. إذن لدى واشنطن وسائل ضغط حقيقية ليست موجودة عند أي طرف آخر، لا الصين ولا أوروبا.

لكن المشكلة أن الوسيط (أي الأميركي) مفقود. لماذا؟ أولاً لأن بايدن تميز كسيناتور، خلال 40 عاماً من حياته، بالاصطفاف المطلق وراء مصالح إسرائيل، وهو لم يتغير كرئيس رغم البرنامج الذي أوصله إلى الحكم. بايدن شخص مؤيد لإسرائيل أكثر من كل معاونيه دون استثناء. وإني أتحدث في هذا المجال عن معرفة وليس عن تبصر. وبايدن مكبل اليدين لأنه دخل في السنة الأخيرة من ولايته الأولى وولج المعركة الانتخابية، حيث هناك أصوات شبابية تدعوه إلى أن يكون أقل تطرفاً في الصراع. ولكن، بالمقابل، هو بحاجة لتمويل قد يأتي أو سيأتي من مصادر تدعوه للاستمرار في هذا الموقف المتشدد إلى جانب إسرائيل.

البحث عن «أفق سياسي» للفلسطينيين بحاجة لـ3 أطراف، ليس هناك أي منها في حالة مناسبة لكي يلعب الدور المنوط به. لذلك أنا أميل للتشاؤم، كما أتخوف من توسع رقعة الحرب بحيث تستمر في غزة لأسابيع وأسابيع مقبلة، وأن تنتقل أيضاً إلى الضفة الغربية، حيث التوتر بلغ أوجه، لا سيما بعد قتل أكثر من 300 فلسطيني وطرد الفلسطينيين من عدد من القرى. وقد تنطلق الحرب أيضاً بجنوب لبنان، لأن في إسرائيل هناك من يقول اليوم إن الحالة ممتازة للقيام بحرب في لبنان: 80 ألف إسرائيلي أجلوا عن الجليل الأعلى، وعدد كبير من المدنيين غادروا منازلهم في جنوب لبنان، بحيث أصبحت الساحة خالية من المدنيين.

في إسرائيل أصوات ترتفع وتدعو للحرب في لبنان، ومنها وزير الدفاع يوآف غالانت. لكن الأميركيين، حتى الساعة رغم تأييدهم لإسرائيل واستمرارها في الحرب في غزة، ما زالوا يعارضون فتح جبهة الشمال. بايدن أبلغهم بذلك في الأسبوع الأول من الحرب وعندما عادت نغمتها مجدداً للتداول منذ نحو أسبوعين، كررت الإدارة الأميركية رسمياً أنها ما زالت عند موقفها المعارض لفتح جبهة لبنان. لكن الخطر يبقى قائماً أولاً، لأن إسرائيل لا تطيع أميركا في كل الحالات، وثانياً لأن المناوشات الجارية في لبنان يومياً قد تتجاوز رغبة الطرفين بإبقاء النار هادئة أو بإبقاء النار تحت السيطرة وقد يحصل سوء تفاهم أو سوء تفسير، ويتم تجاوز الخطوط الحمر لقواعد الاشتباك التي تم التوصل إليها.

إصلاح مجلس الأمن

* بعد ما يزيد على 70 يوماً على حرب غزة وسقوط ما يزيد على 20 ألف قتيل وآلاف الجرحى، وتدمير المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، عجز مجلس الأمن عن وقف المجزرة من خلال إصدار قرار بوقف إطلاق النار ولو لأغراض إنسانية. والحال أن الأمم المتحدة أوجدت أساساً للحفاظ على السلم في العالم. فما فائدة هذه المنظمة الدولية اليوم؟

– هذا سؤال يطرح لدى اندلاع كل أزمة ويطرح اليوم في موضوع غزة بصورة أوضح، إذ حصلت محاولات للتوصل إلى وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، من قبل البرازيل ومن قبل روسيا ومن قبل دولة الإمارات، ولم تصل إلى نتيجة. الأمم المتحدة أرخبيل من المؤسسات التي لا تعمل بالضرورة بالتنسيق فيما بينها. أنا أنظر إلى غزة وأشيد بالدور الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة. كذلك أريد تحية أمينها العام أنطونيو غوتيريش الذي قامت الدنيا عليه ولم تقعد حتى الساعة بسبب جملة واحدة قالها، وهي أن هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) «لم يحصل من فراغ».

منظمات الأمم المتحدة المختلفة تنشط في غزة، وهي جزء حقيقي من الأمم المتحدة. وفي الجمعية العامة تحظى فلسطين بأكثرية مؤيدة لها. لسوء الحظ، قرارات الجمعية العامة ليست تنفيذية، ولكنّ لديها قدراً من الوزن السياسي، وبالتالي فإن الارتقاء بهذه المؤسسة إلى شيء آخر أمر يبدو ضرورياً يوماً بعد يوم، لكي تكون منظمة الأمم المتحدة أكثر تمثيلاً للعالم، كما هو اليوم، وليس كما أريد له أن يكون عام 1945.

بقي مجلس الأمن وخطيئته الأصلية اسمها «الفيتو». هذا «الفيتو»، بمعنى من المعاني، جعل الدول الكبرى تهتم بمجلس الأمن وتريده أن يبقى قلب نظام الأمم المتحدة. لكننا دفعنا لهذه الدول ثمناً غالياً بمنحها حق «الفيتو». أزمة غزة وقبلها أزمة أوكرانيا زادتا من الشعور بضرورة تغيير تركيبة مجلس الأمن، إما بحصر حق «الفيتو» بحالات معينة أو بمنعه تماماً في حالات إنسانية صعبة، أو بإعطاء عدد محدود من إمكانات استعماله خلال السنة الواحدة لكل دولة أو بإعطاء حق «الفيتو» لدول جديدة لديها وزن في النظام العالمي مثل الهند أو البرازيل أو الاتحاد الأفريقي، جرت محاولات عديدة لإصلاح مجلس الأمن، لكنها فشلت لأن الدول الخمس صاحبة حق «الفيتو» عارضتها. كثيرة هي الدول التي ترى أن نظام مجلس الأمن غير تمثيلي وغير عادل، بل إنه يعمل بمبدأ التمايز بين الدول.

* لكن ضمن أي شروط وفي أي ظروف يمكن أن يحصل الإصلاح المطلوب، علماً بأن هناك العشرات من مشروعات الإصلاح طرحت من 30 أو 40 سنة حتى اليوم…

– هناك نوع من غضبة عالمية على المنظمات الدولية، وهذا لا ينحصر فقط بمجلس الأمن، ولكن يتناول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهما أيضاً نشآ في عام 1945، وهما أيضاً قائمان على اللامساواة بين الدول في إداراتها، وهناك غضبة تحملها دول مثل الصين والبرازيل، وطبعاً الهند ودول أخرى مما يسمى «الجنوب الشامل». ولكن المشكلة الكبرى أن بين هذه الدول كم من الخلافات المتعددة: بين الصين والهند ثمة أكثر من 30 نقطة خلافية على حدودهما، وهناك تنافس على النفوذ بينهما في المحيطين الهندي والهادي. وهناك تشجيع هائل حالياً من الغرب للهند لكي تقف بوجه الصين. ولو جئنا لتمثيل الأفارقة فأنا أسأل: هل يمثلهم الاتحاد الأفريقي؟ الاتحاد الأفريقي فشل في حل كثير من المشاكل. هل تتمثل أفريقيا بدولة، وما هذه الدولة؟ جنوب أفريقيا، نيجيريا، إثيوبيا، مصر؟ ثم ننتقل إلى أوروبا ونسأل: هل يتعين ضم ألمانيا؟ وهل تقبل إيطاليا بذلك؟ ثم هناك 3 دول أوروبية دائمة العضوية (فرنسا وبريطانيا وروسيا التي هي دولة أوروبية أيضاً) فهل يتعين ضم دولة رابعة؟

ثمة مشاكل كبيرة بين الدول الراغبة في إحداث تغيير بالمجلس المذكور بشأن مواضيع قد تكون أكثر أهمية لهم مما يمنعهم من التفاهم على التوافق إزاء إصلاح المنظمات الدولية. لذلك بدأنا نسمع نوعاً من «الموسيقى الناعمة» في أنحاء العالم التي انطلقت من بكين، وهي أن كل هذه الأنظمة قد لا تكون قابلة للإصلاح، وبالتالي لماذا لا نقوم بإنشاء صندوق نقد خاص بالدول النامية وبنك دولي بديل عن البنك الدولي؟ ولماذا، في حالة أخرى لا ننشئ ربما مجلساً للأمن يوازي في تمثيله أو يتفوق على مجلس الأمن الراهن؟

تعريف «الجنوب الشامل» مرتبك

* يكثر الحديث منذ سنوات قليلة عن مفهوم «الجنوب الشامل». ما المقصود به؟ هل هو النموذج المناقض للنموذج الغربي الليبرالي؟ وما يمكن أن يؤدي إليه بشكل عملي؟

– تعريف مفهوم «الجنوب الشامل» ما زال مرتبكاً، إذ توضع فيه دول لا علاقة لها ببعضها. الصين أصبحت دولة عظمى. فهل هي جزء من الجنوب مثل زيمبابوي أو لبنان؟ هل روسيا جزء من الجنوب رغم أنها، ديموغرافياً، دولة بيضاء وجغرافياً أكثر من نصفها في أوروبا، فضلاً عن أنها تملك سلاحاً نووياً؟

في الحقيقة هناك صيغ أخرى استعملت للتعبير عن الشيء نفسه مثل دول عدم الانحياز أو مجموعة 127 في الجمعية العامة، ثم سميت كذلك «الجنوب الشامل» في تعبير شهير للويس أندرسن، حيث يعني «ما تبقى» من دول العالم. قيل إن «البريكس» هو التعبير المؤسسي عن الجنوب الشامل. والحال هناك خلافات بين الهند والصين وروسيا. الصين تريد أن توسع الإطار والهند تريد أن تبقيه ضيقاً. ثم إن «البريكس» نشأ سنة 2009 وليس لديه حتى اليوم موقع إلكتروني يمكن أن تعتمد عليه، كما أنه يفتقر لأمانة عامة دائمة. كذلك ليس لـ«البريكس» برنامج ولا حد أدنى من التوافق، باستثناء نوع من الخيبة أو من الغضب على الغرب، وهو يفتقر لرابط كافٍ سياسياً ومؤسسياً.

الآن، هناك دول مصرة على فكرة «الجنوب الشامل»، لا سيما الهند، لأنها تعطيها دوراً رائداً، وهي تريد تحديده باستثناء الغرب منه واستثناء الدول الكبرى منه، لا سيما روسيا والصين لتبقى هي في موقع متميز داخل هذه المجموعة.

حرب أوكرانيا على طريق التجميد

* كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة البنية الأمنية في أوروبا، وبينت مخاوف موسكو من جهة، وطموحاتها من جهة أخرى. بعد أقل من عامين قليلاً على اندلاعها، ما التحولات العميقة البنيوية التي ستفضي إليها؟ وما صورة الهندسة الأمنية المقبلة في القارة القديمة؟

– أعتقد أن الرئيس بوتين مصيب في حساباته، بمعنى أن الوقت يعمل لصالحه، لأن الإمدادات العسكرية متوافرة، ولأن إمكانية تعبئة عدد أكبر من الناس، على صعوبته في روسيا، أقل صعوبة مما هو في أوكرانيا. وميدانياً، تبدو استعادة كييف، الدونباس وشبه جزيرة القرم، في المرحلة الحالية، أمراً يصعب تصوره، وبالتالي ما سيحصل، على الأرجح، في هذه المناطق التي ضمت شكلاً إلى روسيا ولم يعترف بضمها أحد باستثناء بيلاروس وسوريا، هو التوجه نحو ما يسمى «تجميد النزاع».

حماسة الغربيين لدعم أوكرانيا بالسلاح والمال تراجعت، وهناك تيار قوي في الولايات المتحدة لا يريد استمرار الحرب، فضلاً عن احتمال انتخاب ترمب مجدداً للرئاسة. وبوتين يعلم تماماً أن من أولى أولوياته، عند وصوله، توقيف أي دعم لأوكرانيا. وربما يراهن بوتين على انتخاب بايدن، وقد يضع الحرب على نار هادئة حتى تاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

أما بالنسبة لأوروبا فقد رأينا، من جهة أولى، أن هذه الأزمة حملت الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى في تاريخه أن يوحد عملية شراء السلاح لإعطائه لأوكرانيا، رغم أن أمراً كهذا سيادي بامتياز. لذا، يمكن القول إن حرب أوكرانيا عززت وحدة الاتحاد الأوروبي. وثانياً، الحرب أنعشت الحلف الأطلسي بدخول فنلندا وبطلب انضمام السويد المتعثر حالياً بسبب رفض هنغاريا وتركيا لدخولها. وثالثاً أخرجت الحرب ألمانيا وعدداً من الدول الأخرى في أوروبا، لا سيما في أوروبا الشمالية من وهم نهاية التاريخ. وأعني بذلك أن هذه الدول كانت عملياً تنفق 1 في المائة من ناتجها القومي على الدفاع، وكانت تعد أن الحرب قد غادرت القارة العجوز نهائياً. لذا حرب أوكرانيا جعلتها تستفيق وتستعيد وعيها لتلمس أن نظرية «نهاية التاريخ» التي روج لها فوكوياما كانت مضللة.

هذا الوهم الأوروبي سقط. حرب أوكرانيا كانت هجوماً روسياً من دولة نووية تسعى في الأرجح؛ ليس فقط لزعزعة أوكرانيا، وإنما فكفكة الاتحاد الأوروبي من أساسه. الهجوم الروسي على أوكرانيا أخذ بعداً جيو استراتيجياً مباشراً، لأن دولة عظمى تسعى لاستعادة موضعها في النظام العالمي هاجمت بصورة واضحة دولة أوروبية.

* لكن ماذا بالنسبة للهندسة الأوروبية الأمنية المستقبلية؟ هل يمكن تصور شيء جديد في السنوات المقبلة؟

– هناك فكرة فرنسية قديمة تعود للجنرال ديغول؛ وهي فكرة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تبناها ماكرون منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة. لكن يجب علينا أن نعترف بأن فرنسا عجزت عن تسويقها في مختلف دول أوروبا، لأنه عند الحديث عن الأمن والاستراتيجية، هناك إقرار مسبق بضعف أوروبا بمواجهة روسيا أو بمواجهة الصين، وبالتالي تبرز الحاجة لاحتماء شبه تلقائي تحت المظلة الأميركية.

واضح الاختلاف في وجهات النظر الذي لم تنجح فرنسا في تجاوزه باستثناءات قليلة هنا وهناك. هناك أصداء قليلة في القارة العجوز تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر فرنسا. لكن ما يثير انتباهي أن استطلاعات الرأي في فرنسا باتت تميل أيضاً إلى الاحتماء بحلف شمال الأطلسي، رغم أن لفرنسا قدرة ردع نووية، لكنها متواضعة (نحو 60 رأساً نووياً)، ولا توازي هول المخزون الأميركي والروسي أو حتى الصيني. الصين لديها حالياً برنامج طموح لزيادة رؤوسها النووية إلى الضعفين قبل عام 2030.

الطموحات الصينية

* بعد فترة من التوتر الشديد، عاد التواصل الدبلوماسي والاجتماعات الرسمية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. هل هذا يعني أن التنافس المنهجي بين الجانبين يمكن احتواؤه؟ أم أن الأمور بين هاتين القوتين ذاهبة إلى مزيد من التصعيد؛ إن بسبب تايوان أو لأسباب أخرى متعددة؟

– بدأ عام 2023 بـ«البالون الصيني» فوق أميركا وكندا، وزعمت بكين أنه لأغراض مناخية، بينما الجانب الأميركي كان متأكداً أنه بالون تجسس، وما زال عند هذا الرأي. وانتهى العام المذكور بلقاء في نوفمبر الماضي، على هامش قمة «أبيك»، باجتماع الرئيسين بايدن وتشي جينبينغ. المتفائلون يقولون بدأ بسوء تفاهم، وانتهى العام بقدر من التفاهم. لكن الأسس البنيوية للتنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين ما زالت هي هي.

أعداء الصين يتخوفون من الشعور القومي النافر لدى الرئيس الصيني وطموحاته النووية ومن تعزيز بحريته العسكرية التي تتفوق راهناً على البحرية الأميركية بالعدد، وليس من ناحية القدرات أو التقدم. أما بالنسبة لتايوان، فلا أعتقد أنها السبب الرئيسي للتوتر بين الجانبين، أو أنها جوهر الموضوع. قد تكون فتيلاً، لكن جوهر الموضوع يكمن في مكان آخر وعنوانه مسيرة العولمة.

الولايات المتحدة، كما قال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي والرجل القوي في البيت الأبيض، بصريح العبارة مراراً وتكراراً خلال العام الماضي، ما معناه، إننا توصلنا إلى قناعة بأن العولمة عملت ضد مصلحتنا لأنها قوت دولاً دون أن تؤدي إلى تبنيهم أنظمتنا السياسية الديمقراطية، وبالتالي أدت إلى متانة اقتصادية لدول تسلطية، وأدت أيضاً إلى شيء ثانٍ مهم؛ وهو معاقبة العامل أو الموظف في الدول المتقدمة، لأن العولمة أدخلته في تنافس غير شريف مع العامل أو الموظف في الدول النامية، فتراجع مدخوله وغضب على حكامه، وصوت لمن يسعى إلى سياسات حمائية وإلى إقفال الحدود وإلى معاقبة المهاجرين، وخصوصاً إلى وضع مكوس وضرائب على الواردات من الدول النامية.

الصين، في نظري، هي النموذج الأكبر لانتقال الأوزان في النظام العالمي من الغرب نحو آسيا، بسبب العولمة. ثم إن هناك أيضاً سنة انتخابية حاسمة في أميركا، حيث يعلم بايدن كما يعلم ترمب والمرشحون الآخرون أن الرأي العام الأميركي يؤيد تواصل التوتر واستمرار فرض الضرائب على البضائع الصينية، واستمرار تقليص رقع التعاون التكنولوجي والجامعي والبحثي بين البلدين، واستمرار اعتبار الصين المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. إذن كان هناك أمر واحد يتفق عليه الحزبان الجمهوري والديمقراطي اليوم؛ هو موضوع الصين. ولأننا ندخل في عام انتخابي فلا أتوقع أن تتراجع خلال العام المقبل هذه العداوة للصين، لأن لديها صدى كبيراً لدى الناخب الأميركي، لا سيما لدى الموظف أو العامل في المؤسسات الاقتصادية الأميركية.

ميشال أبو نجم

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




رغم العراقيل الغربية.. روسيا تحقق أهدافها الاقتصادية للعام 2023 ونيّف

أشار وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف إلى أنه من المتوقع أن يسجل عجز الميزانية الروسية حتى نهاية العام الجاري 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي أو أقل من ذلك.

وقال سيلوانوف في مقابلة تلفزيونية أمس الثلاثاء: “لقد خططنا أن يتراجع العجز في العام الحالي (2023) لأقل من 3 تريليونات روبل وتحديدا 2.9 تريليون روبل، ونتوقع أن يتم تحقيق ذلك”.

وأضاف: “نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي سيكون العجز بالطبع أقل من 2%، نتوقع الآن عجزا عند 1.5%”.

كما رجح احتمال أن يكون عجز الميزانية الروسية دون مستوى 1.5% بنحو طفيف بعد إجراء تقييم لحجم الناتج المحلي الإجمالي.

وحسب قانون ميزانية روسيا للأعوام 2023 و2024 و2025، فمن المقرر أن تبلغ إيرادات الميزانية في العام الحالي 26.13 تريليون روبل (17.4% من الناتج المحلي الإجمالي)، أما النفقات عند 29.056 تريليون (19.4% من الناتج المحلي الإجمالي).

ومن المقرر أن يكون عجز الميزانية للعام الحالي 2023 عند 2.925 تريليون روبل أو 2% من حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هذا العام، ويعني ذلك أن الاقتصاد الروسي يتجه لتسجل عجز دون المستوى المستهدف.

كما من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الروسي في العام 2023 بنسبة 3.5% معوضا خسائره في عام 2022.

وتحقق روسيا هذه النتائج الاقتصادية على الرغم من العقوبات واسعة النطاق التي فرضها الغرب عليها، ويؤكد ذلك أهمية روسيا الاقتصادية في ميزان الاقتصاد العالمي، وقوة اقتصادها واكتفاءها.

المصدر: RT + نوفوستي