1

«الطلبة كانوا على حق»… مظاهرات جامعات أميركا الداعمة لغزة تعيد ذكريات حرب فيتنام

منذ أكثر من أسبوعين تشهد الجامعات الأميركية تعبئة مؤيدة للفلسطينيين، ومناهضة للحرب في غزة. وتصاعدت التوترات بين الطلاب وإدارات المؤسسات الأكاديمية، مع توقيف محتجين ودعوات لحضور الدروس عبر الإنترنت.

وليست هذه المظاهرات شكلاً جديداً من أشكال احتجاج طلاب الجامعات، بل هي أحدث حلقة في سلسلة من الاحتجاجات المستمرة منذ عقود، والتي أشعلها النشاط السياسي، وتحول بعضها إلى أعمال عنف وسط حملات قمع الشرطة. وذكّرت أحداث الأسبوعين الماضيين رواد موقع التواصل الاجتماعي ببعض جوانب تحركات سابقة في البلاد، وتحديداً المظاهرات احتجاجاً على حرب فيتنام في الستينات والسبعينات. وأطلق الكثير منهم تعليقات مؤيدة للاحتجاجات مستخدمين عبارة «الطلبة كانوا على حق» في إشارة إلى أوجه شبه مع الاحتجاجات السابقة.

ووفق تقرير أعدته وكالة «أسوشييتد برس»، فإن المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والاعتقالات اللاحقة في جامعة كولومبيا، والتي أثارت احتجاجات مماثلة في الجامعات في جميع أنحاء البلاد، ليست أمراً جديداً للطلاب في جامعات الـ«Ivy League». ويشير التقرير إلى أن المظاهرات اليوم هي الأحدث في تقليد جامعة كولومبيا الذي يعود تاريخه إلى أكثر من خمسة عقود -وهو التقليد الذي ساعد أيضاً في توفير الإلهام للاحتجاجات المناهضة للفصل العنصري في الثمانينات، واحتجاجات حرب العراق، والمزيد.

ويقول أستاذ التاريخ والدراسات الأميركية الأفريقية بجامعة فوردهام مارك نايسون: «عندما تذهب إلى كولومبيا، فأنت تعلم أنك ذاهب إلى مؤسسة لها مكانة مرموقة في تاريخ الاحتجاجات بأميركا». ويضيف نايسون الذي شارك في مظاهرات 1968 ضد حرب فيتنام: «كلما كانت هناك حركة، تعلم أن كولومبيا ستكون حاضرة».

ويشير الطلاب المشاركون في المظاهرات إلى أن ما يحصل اليوم هو جزء من تقاليد كولومبيا. وقالت صوفيا أونجيلي، 23 عاماً، من بين أولئك الذين انضموا إلى المعسكر رداً على الاعتقالات التي جرت هذا الشهر: «الكثير من الطلاب هنا على علم بما حدث عام 1968».

ويعود التقرير إلى مجريات عام 1968، ويلفت إلى استيلاء الطلاب على خمسة مبانٍ بالحرم الجامعي مع اقتراب العام الدراسي من الانتهاء في أبريل (نيسان) (تزامناً مع أحداث اليوم). ويقول إن البعض كان يحتج على علاقة الجامعة بمعهد يقوم بأبحاث الأسلحة لحرب فيتنام، فيما عارض آخرون الطريقة التي تعامل بها الجامعة السكان السود في المجتمع المحيط بها.

وبعد عدة أيام، سمح رئيس كولومبيا بإحضار ألف من ضباط شرطة نيويورك لإخراج معظم المتظاهرين. ولم تكن الاعتقالات، التي بلغ عددها 700 شخص، سلمية. كانت القبضات تطير، والهراوات تتأرجح. وأصيب عشرات الطلاب وأكثر من عشرة ضباط.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه بعد قيام الطلاب المؤيدين للفلسطينيين، الذين يطالبون الجامعة بالتخلي عن أي علاقات اقتصادية مع إسرائيل بسبب الحرب في غزة، بإنشاء مخيم، خلال الأيام الماضية، حيث تم اعتقال أكثر من 100 منهم.

وتقول الطالبة أونجيلي التي التحقت بكولومبيا بسبب تاريخ الجامعة العريق بالدفاع عن الحريات: «أردت أن أكون في بيئة يكون فيها الناس واعين اجتماعياً بالفعل». وتضيف: «الهدف هو الحفاظ على نزاهة هذه الجامعة باعتبارها جامعة واعية اجتماعياً بالفعل، وجامعة لديها طلاب يهتمون بشدة بما يحدث في العالم ومجتمعاتنا، وما يجري في حياة الطلاب الذين يشكلون مجتمعنا».

ولم يرد مسؤولو جامعة كولومبيا على رسالة بريد إلكتروني تسأل عن موقف الجامعة من أحداث 1968. وقال مارك رود (مشارك رئيسي في احتجاجات 1968)، في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى وكالة «أسوشييتد برس»، إن تلك الأحداث، مثل الاحتجاج الحالي، «أثارت زيادة كبيرة في النشاط الطلابي في جميع أنحاء البلاد». ويضيف: «لقد أمضيت أنا وآخرون العام بأكمله بعد أبريل 1968 في السفر عبر البلاد، ونشر روح كولومبيا في الجامعات».

لكن أصداء الماضي ليست مجرد إلهام. آنذاك، كما هو الحال الآن، كان للاحتجاج منتقدون. ويقول نايسون إن تعطيل الحياة في الحرم الجامعي، والقانون والنظام، أثار غضب الكثيرين في كولومبيا وخارجها. ويضيف: «الطلاب المحتجون ليسوا أشخاصاً يتمتعون بالشعبية في الولايات المتحدة الأميركية. لم نكن مشهورين في الستينات. لقد أنجزنا قدراً هائلاً. لكننا ساعدنا أيضاً في دفع البلاد إلى اليمين».

وهذا له نتيجة طبيعية هذه الأيام مع أولئك الذين ينتقدون الاحتجاجات، الذين أدانوا ما يقولون إنه انحدار إلى معاداة السامية. وقال بعض الطلاب اليهود إنهم شعروا بأنهم مستهدفون بسبب هويتهم، ويخشون التواجد في الحرم الجامعي، كما تعرض رؤساء الجامعات لضغوط سياسية لقمع واستخدام أساليب مثل تدخل الشرطة.

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




حزب العمال البريطاني يدعو إلى انتخابات تشريعية بعد فوز كبير في الانتخابات المحلية

حضّ حزب العمال المعارض في بريطانيا رئيس الوزراء المحافظ ريشي سوناك، الجمعة، على الدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية بعد فوز الحزب بمقعد جديد في البرلمان وبعشرات المقاعد الأخرى في الانتخابات المحلية، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وخلال انتخابات تشريعية فرعية، الجمعة، فاز حزب العمال في دائرة بلاكبول ساوث (شمال غرب إنجلترا) قبل أشهر قليلة من انتخابات في كل أنحاء البلاد متوقعة في النصف الثاني من العام، وترجّح استطلاعات الرأي أن يُمنى خلالها حزب المحافظين الذي يتولى السلطة منذ 14 عاماً، بهزيمة كبيرة.

وفاز المرشح عن حزب العمال كريس ويب في بلاكبول بنيله 58.9 في المائة من الأصوات.

وأشاد زعيم الحزب كير ستارمر بالنتيجة، معتبراً أنها «لم تكن مجرد رسالة صغيرة وليست مجرد همس»، بل «صرخة من بلاكبول: نريد التغيير».

وأضاف: «تتحدث بلاكبول باسم البلاد بأكملها قائلة (لقد سئمنا، بعد 14 عاماً من الفشل، و14 عاماً من التراجع، نريد طي الصفحة وبداية جديدة مع حزب العمال)».

وفي حين أشار إلى أن بريطانيا تتطلع إلى «التغيير»، رأى أنه «حان الوقت لرئيس الوزراء أن يترك البلاد تعبّر عن ذلك في انتخابات تشريعية».

ودُعي الناخبون إلى صناديق الاقتراع، الخميس، للتصويت في هذه الانتخابات التشريعية الفرعية عقب استقالة النائب المحافظ سكوت بنتون بسبب قضية تتعلق بممارسة ضغوط.

وتزامنت عملية الاقتراع مع إجراء انتخابات لتجديد بعض المسؤولين المحليين في إنجلترا وويلز.

وتعود آخر انتخابات محلية على غالبية المقاعد التي شملها تصويت الخميس، إلى عام 2021، أي في ذروة شعبية رئيس الوزراء آنذاك المحافظ بوريس جونسون.

وأشارت النتائج الأولية إلى فوز حزب العمال بنحو خمسين مقعداً، في حين خسر المحافظون أكثر من مائة مقعد.

النائب بالبرلمان البريطاني العمالي المنتخب حديثاً كريس ويب مع زعيم حزب العمال السير كير ستارمر يحتفل في نادي بلاكبول للكريكيت بعد إعلان فوزه في الانتخابات الفرعية في بلاكبول ساوث (د.ب.أ)

تحركات في الكواليس

وصوّت الناخبون، بمن في ذلك المقيمون من مواطني الاتحاد الأوروبي أو الكومنولث، لانتخاب أحد عشر رئيس بلدية، وأكثر من 2500 عضو مجلس محلي، ومجلس لندن البلدي بأكمله.

وفي العاصمة، يسعى رئيس البلدية العمالي صادق خان إلى الفوز بولاية ثالثة. وتمنحه استطلاعات الرأي أفضلية في مواجهة المرشحة المحافظة سوزان هول.

وهناك ترقب كبير للنتائج في وست ميدلاندز وتيز فالي (وسط وشمال شرقي إنجلترا)، حيث قد يكون لمصير العضوين المنتخبين المحافظين المنتهية ولايتهما آندي ستريت وبن هوشن، تداعيات كبيرة على سوناك.

ومن المتوقع أن تصدر النتائج تباعاً الجمعة والسبت، ويرجّح أن تكون متقاربة بالنسبة لهذين المرشحَين، ويمكن أن تقوّض بحسب مراقبين قدرة رئيس الوزراء على تصحيح أوضاعه قبل الانتخابات التشريعية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المحافظين قد يخسرون نصف المقاعد التي يخوضون الانتخابات عليها في إنجلترا، ويناهز مجموعها ألف مقعد.

وقال المتخصص في أبحاث الرأي جون كيرتس لشبكة «بي بي سي» إنه «من الممكن أن نرى ما هو بالتأكيد إحدى أسوأ نتائج المحافظين، إن لم تكن الأسوأ، في انتخابات محلية خلال الأربعين عاماً الماضية».

وتؤكد وسائل إعلام بريطانية أن خصوم سوناك داخل معسكره يتحركون ويدرسون محاولة استبداله في الفترة الفاصلة مع موعد الانتخابات التشريعية في حال تلقي الحزب هزيمة في الانتخابات المحلية.

لافتة تدعم النائب الجديد لبلاكبول ساوث كريس ويب في بلاكبول (إ.ب.أ)

توقيف مهاجرين

وتشكل الانتكاسة في بلاكبول ساوث الهزيمة الحادية عشرة للمحافظين في انتخابات فرعية منذ انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2019 والتي شهدت فوز المحافظين بقيادة جونسون آنذاك.

وهذا الرقم غير مسبوق منذ ستينات القرن الماضي. ومُني حزب المحافظين بسبع من هذه الهزائم في عهد سوناك الذي يتولى السلطة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 خلفاً لليز تراس التي استمرت ولايتها أقل من شهرين.

وفي مؤشر مقلق لسوناك، لم يتقدم المحافظون في بلاكبول سوى بفارق ضئيل على حزب الإصلاح الذي أسسه المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نايغل فاراج؛ ما يهدد بحرمان المحافظين من أصوات حاسمة في الانتخابات التشريعية.

وجعل المحافظون من الهجرة موضوعاً رئيسياً خلال فترة الانتخابات.

وأعلنت الحكومة، الأربعاء، توقيف أول دفعة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يُحتمل ترحيلهم إلى رواندا.

وأشادت وزارة الداخلية بالخطة الهادفة إلى إطلاق أولى الرحلات الجوية إلى الدولة الواقعة في شرق أفريقيا في الأسابيع المقبلة، في تطبيق لإجراء مثير للجدل إلى حد كبير جعله سوناك أولوية في عهده.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




هل تمهد تصريحات كاميرون وماكرون لتغيير موقف واشنطن من استهداف الأراضي الروسية؟

تشير التصريحات الحادة التي أطلقها وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون عن السماح لأوكرانيا باستخدام الأسلحة التي تزودها بها بريطانيا داخل الأراضي الروسية، إلى تغيير لافت في المقاربة البريطانية لمستقبل الصراع مع روسيا.

ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)

ومع تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستمرة منذ فبراير (شباط) الماضي، وكان آخرها ما قاله عن احتمال التدخل ميدانياً في حال اخترقت روسيا الخطوط الأوكرانية، بدا أن مقاربة أوروبية بدأت تتصاعد تدريجياً، للتحول إلى موقف موحد تجاه روسيا. وهو ما وصفه المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الجمعة، بأنه «يرقى إلى مستوى التصعيد المباشر للتوترات حول الصراع الأوكراني الذي قد يشكل خطراً محتملاً على الأمن الأوروبي والبنية الأمنية الأوروبية برمتها».

وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون يمر أمام آليات عسكرية مدمرة في العاصمة الأوكرانية كييف يوم الخميس (رويترز)

وقالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، السبت، إن التدريبات العسكرية التي يجريها حلف شمال الأطلسي على مدى 4 أشهر قرب حدود روسيا دليل على أن الحلف يستعد لصراع محتمل معها. ونفت زاخاروفا اتهامات الحلف لروسيا قبل أيام بالتورط في هجمات إلكترونية على الدول الأعضاء به، قائلة إن هذه «معلومات مضللة» تهدف إلى صرف الانتباه عن أنشطة الحلف. وقالت: «تجري في الوقت الحالي أكبر مناورة لحلف شمال الأطلسي منذ الحرب الباردة بالقرب من حدود روسيا. ووفقاً للسيناريو الخاص بهم، يتم التدريب على إجراءات التحالف ضد روسيا باستخدام جميع الأدوات، ومنها الأسلحة الهجينة والتقليدية». وأضافت: «علينا الإقرار بأن حلف شمال الأطلسي يستعد جدياً لصراع محتمل معنا».

ورغم ذلك، لا يزال الأمر منوطاً بالموقف الأميركي، الذي يعد نقطة الارتكاز في تحديد مستقبل هذه الحرب، في ظل امتناع واشنطن حتى الساعة عن إصدار أي موقف علني، سواء من التصريحات البريطانية أو الفرنسية، وتمسكها «العلني» بعدم استهداف روسيا مباشرة.

كاميرون مع نظيره الأوكراني كوليبا في كييف (إ.ب.أ)

رفع القيود البريطانية

وخلال زيارته إلى كييف قبل يومين، قال كاميرون إن بريطانيا كانت أول دولة توقع اتفاقاً يمنح ضمانات أمنية لأوكرانيا، وإنها الآن أول من يقدم ضمانات بحزمة مساعدات بقيمة 3.75 مليار دولار، على مدى سنوات عدة. وأضاف، في مقابلة مع «رويترز»، أن بريطانيا منحت أوكرانيا الإذن بضرب أهداف على الأراضي الروسية بالأسلحة التي تقدمها لها في حزمة المساعدات الجديدة، بقيمة نحو 620 مليون دولار، التي وصلت طلائعها في اليوم نفسه من زيارته لكييف. وأضاف أن المسؤولين الأوكرانيين سيقررون ما إذا كانوا سيستهدفون الأراضي الروسية. وقال: «أوكرانيا لديها هذا الحق… تماماً كما تضرب روسيا داخل أوكرانيا، يمكنك أن تفهم تماماً سبب شعور أوكرانيا بالحاجة إلى التأكد من أنها تدافع عن نفسها».

لكن كاميرون لم يوضح متى اتخذت بريطانيا هذا القرار، أو إذا كانت خطوة منسقة مع باقي الحلفاء، وخصوصاً مع الولايات المتحدة، أو ما إذا كانت القوات الأوكرانية بدأت في استهداف المنشآت الروسية بأسلحة بريطانية.

القادة الأوروبيون في صورة جماعية قبل بدء قمتهم الاستثنائية ببروكسل مساء الأربعاء (رويترز)

وقال بيان، على الموقع الإلكتروني للحكومة البريطانية، إن المعدات العسكرية «ستشمل توفير قنابل دقيقة التوجيه وصواريخ دفاع جوي ومعدات لـ100 فريق دفاع جوي متنقل لتمكين أوكرانيا من إسقاط الطائرات من دون طيار والصواريخ الروسية».

وبعدما كان حلفاء كييف الغربيون، بما في ذلك الولايات المتحدة، يمنعون حتى الآن القوات الأوكرانية من استخدام الأسلحة التي زوّدها بها الغرب لاستهداف مواقع داخل روسيا، خوفاً من التصعيد، وربما الانجرار إلى الصراع، عدّت تصريحات كاميرون تحولاً حاداً في موقف أحد أقوى مؤيدي أوكرانيا. حتى الآن، كانت أوكرانيا لا تزال ملتزمة بهذا «المنع»، لكنها كانت قد بدأت في استخدام أسلحتها الخاصة، وخصوصاً طائراتها المسيرة بعيدة المدى، في ضرب العمق الروسي، بما في ذلك العاصمة موسكو وبعض البنى التحتية الحيوية، كمخازن النفط ومصافي تكريره.

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي في البنتاغون (أ.ب)

وأكدت روسيا، السبت، أنها أسقطت خلال الليل 4 صواريخ من طراز «أتاكمس» (ATACMS)، وهي صواريخ بعيدة المدى أرسلتها الولايات المتحدة مؤخراً إلى أوكرانيا، فوق شبه جزيرة القرم، التي ضمّتها موسكو في 2014.

مديرة المخابرات الوطنية الأميركية أفريل هاينز خلال شهادتها الخميس أمام الكونغرس (أ.ب)

واشنطن على موقفها العلني

وفي وقت سابق، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة أرسلت إلى أوكرانيا أنظمة صواريخ «أتاكمس» بعيدة المدى، شرط استخدامها «داخل أراضيها»، وكانت جزءاً من حزمة مساعدات أرسلت لأوكرانيا في مارس (آذار). وبعد ساعات من توقيع الرئيس الأميركي جو بايدن على حزمة المساعدات لأوكرانيا بقيمة 61 مليار دولار، قال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، إن «عدداً كبيراً» من الصواريخ أرسل إلى أوكرانيا، مضيفاً: «سنرسل المزيد». وقال إن أوكرانيا ملتزمة باستخدام هذه الصواريخ داخل أراضيها فقط، وليس في روسيا. ورفضت إدارة بايدن إرسال تلك الصواريخ سابقاً بسبب مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى زيادة تصعيد الصراع مع روسيا.

واشنطن زوّدت كييف بصواريخ «أتاكمس» طويلة المدى (رويترز)

لكن تقارير إخبارية نقلاً عن مسؤولين لم تحدد هويتهم، أشارت إلى أن استخدام روسيا للصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي زوّدتها بها كوريا الشمالية ضد أوكرانيا في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضي، أدى إلى تغيير موقف إدارة بايدن. وأضاف هؤلاء أن استمرار روسيا في استهداف البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا كان أحد العوامل أيضاً.

ومع تصريحات كاميرون جنباً إلى جنب مع تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، توقعت أوساط أميركية حصول تغييرات كبيرة في موقف واشنطن أيضاً تجاه استهداف الأراضي الروسية. وقال كاميرون إن الأموال ضرورية من أجل «صدّ» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حتى يكون هناك «سلام عادل» وتستعيد أوكرانيا «سيادتها». وأضاف أن هذا ليس مجرد استثمار في أمن أوكرانيا، ولكنه «أفضل استثمار ممكن» يمكن أن تقوم به بريطانيا في أمنها وازدهارها. وحذّر كاميرون من أن «هناك سيناريو بديلاً يتمثل في عدم دعم أوكرانيا بما فيه الكفاية، حيث يحقق بوتين فوزاً… سنعيش بعده في عالم غير آمن وغير مؤكد وخطير للغاية، وسيكلفنا ذلك بطرق كثيرة».

وفي مقابلة مع مجلة «الإيكونوميست»، نشرت الخميس، قال الرئيس الفرنسي ماكرون إن السؤال سيطرح إذا اخترقت روسيا الخطوط الأمامية ووجّهت كييف نداء. وأضاف: «لا أستبعد أي شيء، لأننا أمام من لا يستبعد أي شيء». وقال: «إذا اخترق الروس الخطوط الأمامية، وإذا كان هناك طلب أوكراني – وهو ليس الحال اليوم – فيجب علينا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا بشكل مشروع». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الحلفاء قد يشاركونه وجهة نظره في نهاية المطاف، قال ماكرون إنه قد يتعين عليهم جميعاً مواجهة هذا الاحتمال «إذا قررت روسيا الذهاب إلى أبعد من ذلك»، ما يهدد الأمن في أوروبا. وقبل كل شيء، قال إنها مسألة «مصداقية وردع» أن نقول لروسيا: «لا تعتقدي أننا سنتوقف هنا إذا لم تتوقفي أنت».

إنهاء الحرب بشروط أوكرانيا

من جهة أخرى، يقول تقرير في مجلة «فورين أفيرز»، إنه على الرغم من أهمية حزمة المساعدات الأميركية الأخيرة بقيمة 61 مليار دولار، في توفير شريان حياة لكييف، فإنها وحدها لن تحل المشكلات الكبرى التي تواجهها أوكرانيا في حربها مع روسيا. فإنهاء الحرب بشروط مواتية لأوكرانيا سيتطلب أكثر من مجرد خط أنابيب جديد من المعدات.

ويضيف التقرير أنه على الرغم من مرور أكثر من عامين على غزو روسيا واسع النطاق لأوكرانيا، ظلّ هدفها في الحرب دون تغيير: سعى الكرملين إلى إخضاع كييف. وكان الدعم غير المستمر والتأخير السياسي بين شركاء أوكرانيا الدوليين سببين في جعل الهدف الروسي مستمراً.

منظومة «باتريوت» المضادة للطيران التي زُوِّدت بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيران الروسي (د.ب.أ)

وإذا كان لأوكرانيا أن تتمكن من منع النصر الروسي في الأمد الأبعد، فسوف تحتاج إلى استراتيجية شاملة. وهذا يعني تدريب وتجهيز وتعبئة قوات جديدة، وتحويل أوكرانيا إلى موقع يتمتع بالقدر الكافي من القوة، حتى تتمكن من تحديد معايير السلام الدائم، بشروطها الخاصة. ويعني ذلك، إقناع الكرملين بأن مواصلة الحرب سوف تصبح محفوفة بالأخطار على نحو متزايد بالنسبة لروسيا مع مرور الوقت.

ويرى تقرير «فورين أفيرز» أنه يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين أن يدركوا أن مساعدة أوكرانيا على صدّ الهجمات الروسية لا تعني وضع أوكرانيا في موقف تفاوضي قوي فقط. ولكي تتفاوض موسكو حقاً، يجب أن تواجه وضعاً يشكل فيه تمديد الصراع تهديداً غير مقبول لها. وعندها فقط سوف تتمكن أوكرانيا من انتزاع تنازلات ذات معنى. إن تجهيز أوكرانيا لتكون قادرة على الإضرار بالأصول الروسية أو تدمير هيبتها هو أمر يصبّ بقوة في مصلحة حلف شمال الأطلسي. ومن المرجح أن يكون للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في روسيا تأثير أكبر. ورغم وجود أسباب وجيهة تجعل الغرب يتجنب تقديم المساعدة المباشرة لمثل هذه الهجمات، فإن هذا لا يعني أن أوكرانيا لا ينبغي لها أن تشنّ مثل هذه الهجمات.

إيلي يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




بريطانيا: كيف تحولت حرب غزة إلى قضية انتخابية محورية؟

استيقظ البريطانيون الجمعة، على واقع انتخابي جديد، مع تحقيق حزب العمال فوزاً مريحاً في الانتخابات المحلية الجزئية، على حساب خسائر فادحة تكبّدها المحافظون.

وأشارت النتائج الأولية للانتخابات المحلية في إنجلترا وويلز إلى فوز حزب العمال بـ120 مقعداً، مقابل خسارة المحافظين نحو 200 مقعد. ومن المتوقع أن تصدر النتائج تباعاً الجمعة والسبت، وسط ترقّب واسع لنتائج انتخابات رئاسة بلدية العاصمة لندن.

دعوة التغيير

سارع كير ستارمر، زعيم حزب العمال، إلى تهنئة كوادر حزبه بفوز وصفه بـ«المزلزل» في دائرة بلاكبول ساوث (شمال غربي إنجلترا)، التي شهدت الخميس انتخابات تشريعية فرعية تزامنت مع الانتخابات المحلية في إنجلترا وويلز.

ويعد فوز العمالي كريس ويب في بلاكبول، بنسبة 58.9 في المائة من الأصوات، مؤشراً قوياً على حظوظ الحزب في الانتخابات التشريعية المتوقعة خلال أشهر.

كير ستارمر أشاد بنتائج حزبه في الانتخابات المحلية الجمعة (د.ب.أ)

وأشاد زعيم الحزب كير ستارمر بالنتيجة، عادّاً أنها «لم تكن مجرد رسالة صغيرة وليست مجرد همس»، بل «صرخة من بلاكبول: نريد التغيير»، داعياً إلى تنظيم انتخابات تشريعية «تعكس إرادة الناخبين» على المستوى التشريعي؛ وتُنهي حكم المحافظين المستمر منذ 14 عاماً.

وبينما لا يزال الحزب ينتظر صدور نتائج انتخابات بلدية لندن، حيث يسعى صديق خان للفوز بولاية ثالثة أمام مرشحة المحافظين سوزان هال، بدا بعض أعضائه أكثر حذراً من ستارمر في تقييمهم لنتائج الانتخابات، خصوصاً في ظل «استياء» جزء كبير من القاعدة العمالية من موقف الحزب تجاه حرب غزة. وقال وزير الداخلية السابق، لورد بلانكت، في تصريحات لشبكة «سكاي نيوز»، إن «النتائج مشجعة للغاية، لكن الطريق لا تزال طويلة لتأمين الفوز في الانتخابات المقبلة»، مقراً بالتحديات المرتبطة بسياسة الحزب تجاه الحرب في الشرق الأوسط.

تحدي غزة

حملت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية، التي يتوقع أن تصدر كاملة بحلول الأحد، في طياتها رسائل أثارت قلق «العمال»، لا سيما «غضب» الناخبين المسلمين من موقف الحزب حيال حرب غزة. ففي مقابل انتزاعه 120 مقعداً (وفق النتائج الجزئية المعلنة الجمعة)، فَقَدَ حزب العمال السيطرة على 39 مقعداً على الأقل لصالح الأحزاب المنافسة والمستقلين.

رئيس الوزراء خلال زيارة قاعدة عسكرية في نورث يوركشير الجمعة (أ.ف.ب)

وكان من بين هذه الخسائر مجلس أولدهام، شمال شرقي مانشستر، الذي يسيطر عليه الحزب منذ 13 عاماً، واستقال منه في الأسابيع الماضية ممثلان اثنان بسبب حرب غزة. وفضّل الناخبون، الذين يُحسبون على حزب العمال تقليدياً، منح أصواتهم لمرشحين مستقلين أو تابعين لأحزاب صغيرة وفق بيانات التصويت، بينما قاطع بعضهم الآخر الاقتراع المحلي. وفي بولتن، خسر حزب ستارمر غالبيته في المجلس لصالح حزب «الخضر» والمستقلين، بينما خسر مقعداً واحداً في شيفيلد.

ولم يُشكّل تراجع دعم الصوت المسلم مفاجأة لحزب العمال، أو قيادته، إذ شهد منذ بداية الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة رداً على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، معركة داخلية بشأن موقفه تجاه الحرب، وبعض الانشقاقات على المستوى المحلي، شملت 20 مسؤولاً محلياً.

وبينما بادر جزء من نواب الحزب للدعوة إلى وقف لإطلاق النار قبل عدة أشهر، تردد زعيمه ستارمر في الانضمام إلى هذه الدعوات، وتدرج موقفه خلال الأشهر الماضية من الدعوة لهدنة إنسانية مؤقتة إلى وقف لإطلاق النار «لدواع إنسانية».

دعوات للتجاوب

أقر مسؤولون بارزون في الحزب بالتأثير المباشر للموقف من الحرب على النتائج في بعض الدوائر المحلية، وعلى حظوظهم الانتخابية في الاقتراع التشريعي المقبل.

وقال النائب العمالي بات ماك-فادين، وهو منسق الحملة الوطنية للحزب، بأن «المشاعر القوية» حول الشرق الأوسط كانت «عاملاً» في الخسائر، مضيفاً: «لا أعتقد أن هناك أي جدوى من إنكار ذلك – لقد أثير الأمر بالفعل من طرف الناخبين. أتفهم مشاعر الناس القوية تجاه ذلك».

أقر مسؤولون بارزون في الحزب بالتأثير المباشر للموقف من الحرب على النتائج في بعض الدوائر المحلية، وعلى حظوظهم الانتخابية في الاقتراع التشريعي المقبل. وقال النائب العمالي بات ماك-فادين، وهو منسق الحملة الوطنية للحزب، بأن “المشاعر القوية” حول الشرق الأوسط كانت “عاملاً” في الخسائر، مضيفاً: “لا أعتقد أن هناك أي جدوى من إنكار ذلك – لقد أثير الأمر بالفعل”.

متظاهرون يطالبون بوقف حرب غزة في جامعة لندن الجمعة (أ.ف.ب)

بدوره، قال ويس ستريتينغ، وزير الصحة في حكومة الظل، إن الحزب تلقى رسالة الناخبين، وإنه يتفهم مواقفهم.

ولا يختلف موقف الحزب كثيراً عن موقف الحكومة. فبينما يتمسك الحزبان بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» وضرورة وقف القتال وحماية المدنيين والدفع باتجاه حل الدولتين، يختلفان في اختيارهما للمصطلحات. فتميل حكومة سوناك إلى الدعوة لـ«وقف إطلاق نار مستدام»، وهو مصطلح استحدثه وزير الخارجية ديفيد كاميرون، بينما يفضّل حزب «العمّال» الدعوة إلى «هدنة» أو «وقف إطلاق نار لدواعٍ إنسانية».

ودعا مسؤولون في الحزب إلى التجاوب مع مخاوف الناخبين حيال الحرب في غزة. وقال لورد بلانكت في هذا الصدد: «يجب أن نكون واضحين: نستطيع دعم حق إسرائيل في الوجود ورفض جميع أنواع معاداة السامية، والتعبير في الوقت ذاته عن الغضب حيال ما يحصل في غزة». وتابع: «أعتقد أنه ينبغي علينا أن نعبر بشكل أكبر عن روعنا مما يحصل في غزة (…)، وانتقاد رئيس وزراء إسرائيل».

نجلاء حبريري

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




هل ينجح حراك الجامعات في تغيير موقف أميركا من إسرائيل؟

الجمهوريون والديمقراطيون أمام أزمة التوفيق بين الحريات وكبح التظاهر

يُجمع عدد من المراقبين والمحللين على القول إن حركة الناشطين لدعم الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة وخصوصاً في جامعاتها ليست أمراً جديداً أو طارئاً فهي تمتد لعقود شهد خلالها الموقف من إسرائيل تغيراً لم تعهده من قبلُ الجامعات الأميركية والرأي العام الأميركي عموماً. ويتفق هؤلاء على أن هذا التغيير ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالصعود المتزايد للمجموعات اليسارية الشابة ونشاط حركات الدفاع عن الحريات التي اخترقت النسيج الاجتماعي ولا سيما في أوساط الأقليات بما فيها اليهود أنفسهم والسود واللاتينيون (الهسبانيكيون) والعرب والمسلمون. بيد أن هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي والحرب التي شنتها إسرائيل بعده على قطاع غزة فرضا حضوراً متجدداً لهذه القضية بالنسبة للكثير من الطلاب. وعلى مدى الأشهر السبعة الماضية اندلعت الاحتجاجات الطلابية حيث كانت أخبار الحرب ومشاهدها غالباً ما تكون هي الحافز لاشتداد وتيرتها أو تراجعها. ومع امتداد الاحتجاجات من جامعة إلى أخرى ومن الساحل الشرقي للولايات المتحدة مروراً بوسطها ووصولاً إلى ساحلها الغربي تجاوزت الاعتقالات أكثر من ألف ومائتي طالب وكذلك ازدادت الضغوط على قادة الجامعات والأساتذة والخريجين والعائلات ناهيك من المشرّعين الأميركيين و«المؤسسة» السياسية الأميركية والإدارة نفسها. إلا أن الطلاب المحتجّين ومناصريهم من الأكاديميين ما زالوا مُصرين على تحقيق أبرز مطلبين لهم وهما وقف الحرب ووقف الاستثمارات الجامعية مع إسرائيل

حتى اللحظة، ليس ثمة ما يشير إلى أن حركة الاحتجاج في الجامعات الأميركية على وشك الانحسار، على الرغم من تفكيك مخيمات الاعتصامات في عدد من الجامعات، والاشتباكات التي بدا بعضها مشبوهاً بين المؤيدين لإسرائيل والفلسطينيين. إلا أن الاحتجاجات غير الطلابية – رغم ضآلتها مقارنة بتحركات الطلاب – لم تعد تتصدر عناوين الأخبار، وهذا، مع احتجاجات خارج الأحداث السياسية التي سبقت الانتخابات، إذ توقفت حركة المرور على الجسور والطرق الرئيسة في مدن كسان فرنسيسكو ونيويورك. أما في شيكاغو وسياتل فقد أغلق المتظاهرون مداخل المطارات الدولية، وسار الصحافيون في العاصمة واشنطن بين المتظاهرين خارج حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، يوم السبت الماضي.

جدير بالذكر أنه مع بدء شهر مايو (أيار)، وإنهاء غالبية الطلاب سنتهم الدراسية، تبدأ غالبية الجامعات الأميركية تحضيراتها لحفلات التخرج السنوية. ومن الناحية العملية، ما كان ممكناً أن تشهد الاحتجاجات، التي اندلعت في الربع الأخير من شهر أبريل (نيسان) الماضي، هذا الزخم لو لم يُنهِ الطلاب امتحانات آخر العام. لكن مع بدء العطلة الصيفية، وعودة الطلاب إلى منازلهم، تُطرح التساؤلات عن مصير الاحتجاجات، وعمّا إذا كانت ستستمر بزخمها الحالي، وأيضاً تُطرح تساؤلات عن التداعيات السياسية المتوقعة في السباق الانتخابي المحموم، وعمّا إذا كان بإمكانها النجاح في تغيير البوصلة تجاه إسرائيل، أو في التحول إلى «حركة سياسية» تكسر هيمنة «ثنائية» الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

أزمة سياسية ودستورية

في أي حال، احتجاجات اليوم تحولت إلى أزمة سياسية ودستورية، إذ تواجه إدارات الجامعات العامة (الحكومية)، مثل جامعة كاليفورنيا – لوس أنجليس تحدّيات قانونية تُلزمها باحترام «التعديل الأول للدستور الأميركي» الذي يضمن حرية التعبير، أكثر من تلك التي تواجهها الجامعات الخاصة العريقة كجامعة كولمبيا وجامعة ييل.

وفي حين دافع الجمهوريون، وروّجوا لقانون حرية التعبير في الحُرم الجامعية العامة، وسط شكاوى من أن ما يُسمى «ثقافة الإلغاء» قد «استولت على التعليم العالي» وأصبحت «معادية» لوجهات نظرهم المحافظة، فإنهم يواجهون الآن مع الديمقراطيين معضلة التوفيق بين حرية التعبير وكبح التظاهرات التي «خرجت عن السيطرة». وبالفعل، تصاعدت مطالباتهم للجامعات بمراجعة وتحديث قواعد التعبير الخاصة بها، بحلول هذا الصيف؛ لمعالجة الحوادث الموصوفة بأنها «معادية للسامية»، والتأكد من أن المنظمات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين تواجه «الانضباط» بسبب انتهاك تلك السياسات.

ومن جهتها، انتظمت الطبقة السياسية الأميركية وممثلوها من كلا الحزبين في إطلاق المواقف التي تدعو إلى وضع حد لاحتجاجات الطلاب، من كبير الجمهوريين في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل، إلى زعيم الغالبية الديمقراطية السيناتور تشاك شومر، وصولاً إلى مطالبة رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون بنشر «الحرس الوطني»، إذا لزم الأمر، وهو ما دعا البعض إلى القول إن حركات الاعتراض التي شهدتها الولايات المتحدة، سواءً على قضايا السياسات الخارجية أم الداخلية، لا تزال عاجزة عن زحزحة سيطرة قبضة النظام الذي أظهر، ولا يزال، قدرة كبيرة على امتصاص «الصدمات» التي يتعرّض لها.

لكن قوة النظام هذه تستند أيضاً إلى رأي عام لا يزال ينظر إلى الأزمة الحالية بقدر من اللامبالاة. وعلى الرغم من الدعم الكبير الذي نراه في صفوف الشباب للقضية الفلسطينية، أظهر استطلاعٌ أجرته جامعة هارفارد عن القضايا التي تهم الشباب، في ربيع هذا العام، أن الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 29 سنة، يميلون إلى اعتبار التضخم والهجرة، من بين معظم القضايا الرئيسة الأخرى، أكثر أهمية من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ورغم ذلك يفضل الشباب «دعم سياسات جديدة»، ووقفاً دائماً لإطلاق النار في غزة بنسبة 5 إلى 1.

السيناتور تشاك شومر (رويترز)

من فيتنام إلى غزة

في سياق موازٍ، تعيد الاحتجاجات الطلابية ضد الحرب في غزة إلى الأذهان موجات من المظاهرات العارمة التي شهدتها الولايات المتحدة في الماضي. ولعل أهمها الاعتراض على حرب فيتنام، ودعم حركة الحقوق المدنية التي أسهمت بإنهاء التمييز ضد الأميركيين السود، ومناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ثم لاحقاً، التحركات الأحدث التي شهدتها الجامعات فيما عُرف بحركة «احتلال وول ستريت» ضد المصارف والشركات العملاقة عام 2008، إلى حركة الاعتراض على مشروع خط نفط داكوتا، ووقوف طلاب الجامعات عام 2016 مع أبناء القبائل الأميركية الأصليين أصحاب الأرض التي تضامن فيها معهم نشطاء مدافعون عن البيئة، إلى حركات النساء «مي تو (أنا أيضاً)»، وتظاهراتها الضخمة التي نُظمت ضد الرئيس السابق دونالد ترمب بعد يوم واحد من تنصيبه عام 2017، ووصولاً إلى تحركات ما سمي «حياة السود مهمة» ضد عنف الشرطة وسياسات ترمب عام 2020، التي امتدت إلى الشارع الأميركي بعد مقتل الرجل الأسود جورج فلويد.

هذا، وفي حين اتخذت بعض الاحتجاجات منحى دموياً في بعض الأحيان، حيث غالباً ما تتدخل الشرطة وتفض الاعتصامات والتحركات بالقوة، كما جرى في عام 1970، حين قُتل 4 طلاب في جامعة كنت ستايت بولاية أوهايو، تتكرّر، اليوم، الاعتداءات والاعتقالات على الطلاب، والكادر التعليمي، والنشطاء، وغيرهم.

بين جنوب أفريقيا وإسرائيل

من ناحية أخرى، مقابل الدعوات التي تطالب بوقف الاستثمارات الجامعية والتعاون مع إسرائيل، يحذّر البعض من أن الرهان على تكرار حركة المقاطعة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، قد لا يكون رهاناً جيداً. وكتب جيمس ماكينتوش، في صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالة رأي مطوّلة، قائلاً ما معناه إن حملة سحب الاستثمارات، إلى جانب مطالبة الطلاب بقطع العلاقات الأكاديمية مع الجامعات الإسرائيلية، لا يمكن أن تنجح إلا من خلال عزل إسرائيل ثقافياً، وليس من الناحية المالية، وأن فرصتها الوحيدة لتحقيق نتائج هي أن تدفع الإسرائيليين إلى العزلة، ونتيجةً لهذه العزلة ومعاملتهم على أنهم أشرار، قد يدفعون حكومتهم إلى تغيير اتجاهها.

وأضاف ماكينتوش أن حركة مقاطعة جنوب أفريقيا استمرت لعقود من الزمن، وشملت المستهلكين في المقام الأول لا المستثمرين، وكان لها آثار مالية خطيرة على صادرات البلاد. وتابع أن الشركات الأكثر أهمية للجيش الإسرائيلي، أو لإنتاج الوقود الأحفوري، الذي صدرت في السابق دعوات لسحب الاستثمارات الجامعية منها، تنتمي إلى الحكومات أو تدعمها. وبالتالي، حتى لو نجحت عملية سحب الاستثمارات بطريقة أو بأخرى في شركات أخرى، فإنها لن تنجح هنا، إذ إن إسرائيل تتلقى دعماً عسكرياً أميركياً كبيراً بتمويل من الحكومة، (كان آخره توقيع بايدن على أكبر حزمة مساعدات أقرّها الكونغرس لإسرائيل بقيمة 26 مليار دولار)، وهكذا سيتواصل تدفق الأسلحة عليها، بغض النظر عما يفعله مستثمرو القطاع الخاص، ولن يتمكن من إيقافها سوى الكونغرس أو البيت الأبيض.

السيناتور ميتش ماكونيل (رويترز)

لماذا فشلت الحراكات بالتحول لكيانات سياسية؟

أمر آخر يستحق التساؤل هو لماذا فشلت التحركات الاعتراضية والاحتجاجية – حتى تلك التي تمكنت من ترك تأثيرات عميقة على المجتمع والمشهد السياسي الأميركي، كإقرار قوانين الحقوق المدنية – في التحول إلى كيانات سياسية ناشطة مستمرة؟

قد يُعد تبوء الفئات الشابة الطلابية قيادة تلك التحركات أمراً مفهوماً في المجتمعات كافة، وهو ما حصل في عدد من البلدان على امتداد العقود الحديثة الأخيرة. غير أن نجاحها في إحداث التغيير ما كان ممكناً لو لم تنضمَّ إليها فئات اجتماعية صاحبة مصلحة فعلية في إحداث هذا التغيير. وفي الولايات المتحدة، مثلاً، لم تستطع احتجاجات الطلاب المطلبية التحول إلى إنجازات إلّا بعد توسعها لإشراك قوى اجتماعية أخرى، وتحويل مطالبهم معها إلى مصالح مشتركة، وهو بالضبط ما جرى خصوصاً في سنوات الحراك الاجتماعي الكبير للمطالبة بالحقوق المدنية، فقد كان لافتاً أن حراك الطلاب غالباً ما ينتهي إلى تفرقهم وتشتت قياداتهم؛ لأن الحيوية التي يتمتع بها الشباب و«ثوريتهم» فقط لا تكفيان لإحداث التغيير السياسي.

من فيتنام إلى غزة… لماذا فشلت الاحتجاجات الشعبية

في كسر ثنائية الحزبين المهيمنة؟

كلمات تحذيرية

الكاتب والصحافي سيرج شميمان كتب، في مقالة بصحيفة «نيويورك تايمز»، أن الناظر في تحرّكات جامعات أميركا يرى تكراراً للأحداث الطلابية عام 1968، لكن مع فارق أساسي هو أن الانقسامات الطلابية تتجه لتكون انقسامات شخصية وقبيحة في كثير من الأحيان، بين الطلاب اليهود والطلاب العرب أو المسلمين، أو أي شخص يُنظر إليه على أنه يقف على الجانب «الخاطئ» من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ولقد أدى هذا الوضع إلى دفع الاحتجاجات بشكل مباشر إلى سياسة الاستقطاب السائدة في البلاد، حيث يصوّرها السياسيون والنقاد، وخصوصاً من اليمين، على أنها مظاهر خطيرة «لمعاداة السامية»، و«اليقظة»، ويطالبون بإنهائها وحضّ إدارات الجامعات على استدعاء الشرطة للقيام بذلك تماماً.

وما يُذكر أنه في عام 1972، نجح الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في استمالة «الأغلبية الصامتة» من قدامى المحاربين، التي وقفت ضد «الغوغاء» التي اجتاحت البلاد، على خلفية الحرب في فيتنام، وفاز بغالبية 60 في المائة بانتخابات ذلك العام. واليوم يُخشى أن تنجح الهجمة التي تتعرّض لها احتجاجات الطلاب لـ«شيطنة» مطالباتهم بسياسات جديدة تجاه إسرائيل والفلسطينيين، إذا ما سيطر الجناح الذي يعتقد أن شعار «من البحر إلى النهر» صالح لاستقطاب الرأي العام الأميركي. وكانت وسائل الإعلام الأميركية، بما فيها تلك المحسوبة على الليبراليين، قد نشرت، في الآونة الأخيرة، تقارير عن رفع شعارات وأعلام «حماس» و«حزب الله»، المصنّفين على لائحة الإرهاب الأميركية، والأقنعة والكوفيات، التي اختفت، إلى حد كبير، من الحياة الأميركية، بعد سنتين من تفشي وباء «كوفيد»، كسمة مميزة لثقافة «الاحتجاج اليسارية المتضخمة» في أميركا، ما يشير إلى «الخطورة» التي قد يتعرض لها الحراك الطلابي ومستقبله، في حال سيطرة هذا الجناح عليه.

مبنى قاعة هاميلتون الشهير (آ ب)

انتفاضات الحُرم الجامعية الأميركية… وتداعياتها المحتملة

صعّدت المجموعات الاحتجاجية تحركاتها حين أعلن الطلاب في جامعة كولمبيا، إحدى أعرق الجامعات الأميركية وأغناها ومهد تلك الاحتجاجات، احتلال قاعة هاميلتون الشهيرة؛ «حتى تلبية مطالبهم»، لكن الشرطة تدخلت وأخرجتهم منها مُزيلة مخيم الاعتصام أيضاً. للعلم، فإن للقاعة التي افتُتحت عام 1907، وتحمل اسم ألكسندر هاميلتون، أول وزير خزانة للولايات المتحدة، تاريخ حافل، إذ احتلها الطلاب عام 1968؛ احتجاجاً على حرب فيتنام، وعام 1972؛ احتجاجاً على قرارات جامعية، ثم في عام 1985، احتلها الطلاب؛ لمطالبة الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات التي تتعامل مع دولة جنوب أفريقيا (العنصرية يومذاك)، الأمر الذي تحقّق، في وقت لاحق من ذلك العام، عندما صوّت مجلس الأمناء على بيع جميع أسهم الجامعة في الشركات الأميركية التي تعمل هنا. ومجدداً في عام 1992، احتلت احتجاجاً على قرار إدارة الجامعة تحويلها إلى مسرح ومجمع أبحاث طبي، فيما عُدّ طمساً لتاريخها في الدفاع عن حركة الحقوق المدنية، وخصوصاً أن مالكوم إكس، شريك مارتن لوثر كينغ، اغتيل فيها عام 1965. وفي حين يعتقد البعض أن معارضة الطلاب للحرب في غزة قد لا تنتهي مع بدء العطلة الصيفية، فهم يذكّرون باحتجاجات 1968، ضد حرب فيتنام، حين خطط المنظمون لاحتجاج كبير، أثناء انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في أغسطس (آب)، بمدينة شيكاغو؛ للتصديق على مرشح الحزب الرئاسي في ذلك العام. وكما حدث عام 1968، سينتهي العام الدراسي الحالي قريباً، وسيغادر هؤلاء الطلاب للصيف، ما قد يتيح لهم مزيداً من الوقت والتحضير، لتركيز جهودهم على اجتماع المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي، الذي سينظَّم، هذا العام أيضاً، في شيكاغو خلال أغسطس المقبل. وتخطط الجماعات المناهضة للحرب بالفعل لتنظيم احتجاجات كبيرة، في المؤتمر. ونقلت صحيفة «شيكاغو تريبيون» عن ناشطين من شبكة الجالية الفلسطينية الأميركية قولهم إنهم سينظمون مسيرات في هذا المؤتمر الأهم منذ 1968، عندما نظَّم المتظاهرون في حرب فيتنام وحركة تحرير السود مظاهرات حاشدة جرى قمعها بعنف. ووسط الغضب المتزايد إزاء حصيلة القتلى المرتفعة في غزة، خصوصاً بين فئة الشباب الأميركيين، تحاول إدارة بايدن الموازنة بين دعمها لإسرائيل، وتخفيف تأثيره على إعادة انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن حملته الانتخابية بدت وكأنها تراهن على انتهاء التظاهرات، وتلاشي المشاعر الملتهبة، واصطفاف الناخبين الديمقراطيين في نهاية المطاف، عندما يقترب يوم الانتخابات، ويصبح الاختيار بين بايدن وترمب أكثر وضوحاً، وهو ما يحذر منه البعض ويعدُّونه مقامرة متهورة. وحقاً، يُظهر استطلاع للرأي، أجرته جامعة كوينيبياك، يوم 24 أبريل (نيسان)، أن 53 في المائة من الديمقراطيين يعارضون إرسال مزيد من المساعدات العسكرية لإسرائيل، لدعم جهودها في الحرب ضد غزة. وفي استطلاع أخير أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وجد أن الأميركيين السود أقل ميلاً لدعم معاملة إسرائيل للفلسطينيين، مقارنة بالأميركيين البيض. وبينما تبيَّن أن 38 في المائة من الأميركيين البيض يؤيدون، في الغالب أو كلياً، إسرائيل في الحرب على غزة، فإن 13 في المائة فقط من الأميركيين السود يؤيدون ذلك. ويوم الثلاثاء، أيدت «منظمة الحزب الديمقراطي» في الكليات الأميركية، الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الحرم الجامعي، ودعت الرئيس بايدن إلى دعم وقف دائم لإطلاق النار في غزة. وفي بيان وافق عليه المجلس التنفيذي للمنظمة بأغلبية 8 أصوات مقابل صوتين، أشاد ديمقراطيو الكليات بالطلاب المحتجّين؛ «لامتلاكهم الوضوح الأخلاقي لرؤية هذه الحرب على حقيقتها: مدمرة وإبادة جماعية وغير عادلة»، وأدانوا مديري الكليات؛ لاستدعاء الشرطة لإلقاء القبض على الطلاب.

إيلي يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الحرية الأكاديمية في مرمى النيران

كان ظهور رئيسة جامعة كولومبيا نعمت شفيق أمام الكونغرس في الشهر الماضي حلقةً مثيرةً للدهشة في تاريخ الحرية الأكاديمية وكان السؤال الرئيس “فيم كانت تفكّر؟”. لقد كان من الصادم سماعها وهي تتفاوض مع أحد أعضاء الكونغرس حول تأديب اثنين من أعضاء هيئة التدريس بالاسم بسبب ما كتبوه أو قالوه.

وفي اليوم التالي، فيما بدا أنه إشارة إلى الكونغرس، تسببت نعمت شفيق في اعتقال أكثر من مائة طالب، العديد منهم من بارنارد، من قبل شرطة مدينة نيويورك وحجزهم بتهمة التعدي على ممتلكات الغير – في حرمهم الجامعي. لكن كولومبيا جعلت وجودهم غير قانوني من خلال تعليق المتظاهرين عن الدراسة بإجراءات موجزة أولًا.

إذا كنت مسؤولًا جامعيًا فلن ترغب أبدًا في وجود ضباط إنفاذ القانون في حرمك الجامعي. وأعضاء هيئة التدريس بشكل خاص لا يحبون ذلك. فهم يعتبرون الحرم الجامعي بمثابة اختصاصهم القضائي، وقد اشتكوا من أن إدارة كولومبيا لم تتشاور معهم قبل إصدار الأمر بالاعتقالات. لم ينجح استدعاء سلطات إنفاذ القانون في بيركلي في سنة 1964، وفي كولومبيا في سنة 1968، وفي هارفارد في سنة 1969، أو في ولاية كينت في سنة 1970.

إن الأمر الأكثر إثارة للقلق من الاعتقالات – بعد كل شيء، أراد الطلاب أن يتم اعتقالهم – هو مسألة إيقافهم عن الدراسة. لقد تم إبطال هوياتهم ولم يُسمح لهم بحضور الفصل الدراسي وهو تجاهل مذهل لحقيقة أنه على الرغم من أن الطلاب ربما انتهكوا سياسة الجامعة، إلا أنهم لا يزالون طلابًا وتلتزم كولومبيا وبارنارد بتعليمهم. فلا يمكنك تعليم الأشخاص الذين لا يستطيعون حضور الفصول الدراسية.

إن الحق الذي على المحك في هذه الأحداث هو الحرية الأكاديمية وهو حق مستمد من الدور الذي تلعبه الجامعة في الحياة الأمريكية. لا يعمل الأساتذة لصالح السياسيين، ولا يعملون لصالح الأمناء، ولا يعملون لصالح أنفسهم إنهم يعملون من أجل العامة. وتتمثل مهمتهم في إنتاج المعرفة والتعليمات التي تقدم الإضافة إلى مخزون المجتمع المعرفي. إنهم يلتزمون بالقيام بذلك دون أي اهتمام: أي دون النظر إلى المزايا المالية أو الحزبية أو الشخصية. في المقابل، يسمح لهم المجتمع بعزل أنفسهم – وإلى حد ما طلابهم – عن التدخل الخارجي في شؤونهم. هذا يبني لهم بُرجًا – إن صحّ التعبير.

لقد نشأ هذا المفهوم في ألمانيا – “حرية التدريس” – وتم استيراده هنا في أواخر القرن التاسع عشر إلى جانب النموذج الألماني أيضًا للجامعة البحثية، وهي مؤسّسة تعليمية تنتج فيها هيئة التدريس المعرفة والأبحاث. منذ ذلك الوقت، أصبح من المفهوم أن الحرية الأكاديمية هي السمة المميزة للجامعة البحثية الحديثة.

في ألمانيا في القرن التاسع عشر، حيث كانت الجامعات تُدار من قبل الحكومة، كانت الحريّة الأكاديمية حقًا ضد الدولة. لقد كانت ضرورية لأنه لم يكن هناك حق حرية التعبير على غرار التعديل الأول. حمت حرية التدريس ما كتبه الأساتذة وعلّموه داخل الأكاديمية (ما لم يكن خارجها). وفي الولايات المتحدة، حيث أنشِئت العديد من الجامعات البحثية بعد الحرب الأهلية بأموال خاصة – شيكاغو، وكورنيل، وهوبكنز، وستانفورد – تم تمديد هذا الحق ليشمل حماية الأساتذة من الطرد بسبب آرائهم، سواءً عبّروا عنها في الفصل الدراسي أو في الساحة العامة. وكان الحدث الرئيسي تأسيس الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات في سنة 1915، التي كانت، من بين أمور أخرى، هيئة مراقبة للحرية الأكاديمية.

ترتبط الحرية الأكاديمية بحريّة التعبير بالمعنى الذي يتضمنه التعديل الأول من الدستور ولكنها ليست مثلها. وفي الساحة العامة، يمكنك أن تقول أو تنشر أشياء فظة أو مكروهة وفي كثير من الأحيان كاذبة دون أن تستطيع الدولة محاسبتك. لكن الحرية الأكاديمية لا تعمل بهذه الطريقة إذ يخضع الخطاب الأكاديمي لرقابة صارمة. وفي هذه الحالة، يصبح الأساتذة هم ضباط تنفيذ القانون.

يُقيّم أعضاء هيئة التدريس إنتاجات زملائهم، ويقرّرون من يجب توظيفه ومن يجب فصله، وما يجب تدريسه، ويضمنون مراعاة معايير البحث الأكاديمي. وهذه المعايير مستمدة من المعركة الكبرى الأولى حول الحرية الأكاديمية في القرن التاسع عشر – العلم مقابل الدِّين. إن نموذج البحث في الجامعة البحثية الحديثة علماني وعلمي. يجب اختبار جميع الآراء والفرضيات بشكل عادل، ويعتمد نجاحها بالكامل على قدرتها على الإقناع بالدليل والحجة العقلانية. ولا يجوز إصدار أحكام مسبقة ولا يمكن الاستئناف أمام سلطة أعلى.

لذلك، هناك جميع أنواع القيود المهنية على أشكال التعبير الأكاديمي. ويجب أن تتم الموافقة على العمل الذي ينشره الأكاديميون من قبل أقرانهم، ومراعاة بروتوكولات الاقتباس، وعدم التسامح مع الحجج الشخصية، ورفض الادعاءات غير المدعومة بالأدلة، وما إلى ذلك. ومع أن الأكاديميين ينظرون إلى كلمة “الأرثوذكسية” برعب، إلا أن هناك الكثير من العقيدة الضمنية في الجامعة، كما هو الحال في أي عمل تجاري. يميل الأشخاص الذين تلقّوا نفس التدريب إلى تشارك نفس التفكير لكن ما دامت الأحكام الأكاديمية تُتّخد بالإجماع، وليس بالأوامر، ومن قبل خبراء وليس هواة فمن المفترض أن آلة المعرفة تعمل بنزاهة وكفاءة. ويمكن للجمهور أن يثق بالمنتج.

تطمح كافة المهن إلى أن تتمتع بالحكم الذاتي لأن أعضاءها يعتقدون أن زملاءهم من المهنيين هم فقط الذين يتمتعون بالخبرة اللازمة لإصدار الأحكام في مجالاتهم، لكن المهنيّين يدركون أيضًا أن الفشل في التنظيم الذاتي يدعو إلى التدخل الخارجي. وفي حالة الجامعة، من مصلحة أعضاء هيئة التدريس إدارة مؤسستهم بشكل عادل وكفؤ. ويجب أن يكونوا موضع ثقة حتى يتمكنوا من العمل بشكل مستقل عن الرأي العام. إنهم بحاجة إلى الحفاظ على البرج قائمًا.

لهذا السبب، كانت الظاهرة التي يُطلق عليها اختصارًا اسم “السابع من تشرين الأول/ أكتوبر” بمثابة أزمة للتعليم العالي الأمريكي. إن الانطباع بأن بعض الجامعات لم تكن تضبط نفسها بكفاءة وأن حرمها الجامعي كان خارج نطاق السيطرة قد أتاح فرصة للأحزاب التي تتطلع إلى التأثير على نوع المعرفة التي تنتجها الجامعات، ومن يُسمح له بإنتاجها، وكيفية تدريسها – وهي قرارات تقليديًا من اختصاص أعضاء هيئة التدريس. ويعتقد الساسة الذين يريدون الحدّ من أنواع معينة من التعبير الأكاديمي أنهم قادرون على القيام بذلك من خلال التهديد بإلغاء حالة الإعفاء الضريبي التي تتمتع بها الجامعة أو فرض ضريبة على أوقافها. وفي المناخ السياسي الحالي، ليس من الصعب أن نتصور حدوث مثل هذه الأمور. وإذا فعلوا ذلك فسيكون بمثابة إلغاء مباشر للميثاق الاجتماعي.

لكن هل ستكون هذه الخطوة غير دستورية؟ ما هو نوع حق الحرية الأكاديمية؟ هل هو حقّ قانوني أم أخلاقي؟ هذا السؤال، الذي كان موضع خلاف بين العلماء لفترة طويلة، وتم التطرّق إليه في عددٍ ليس بالقليل من الكتب الجديدة، وأبرزها كتاب “لا يمكنك تعليم ذلك!” (الناشر بوليتي)، بقلم كيث إي ويتنغتون؛ “الحق في التعلم” (بيكون)، حرره فاليري سي. جونسون، وجنيفر روث، وإلين شريكر؛ و”جميع محامي الحرم الجامعي” (هوبكنز)، بقلم لويس إتش جارد وجويس بي جاكوبسن.

يمثّل مصير الحرية الأكاديمية أيضًا مصدرًا للقلق في الكتب الجديدة التي ألفها اثنان من مديري الجامعات السابقين: كتاب “مهاجمة النخب” لديريك بوك (جامعة ييل)، وكتاب نيكولاس بي ديركس “مدينة الفكر” (كامبريدج). بوك هو الرئيس السابق لجامعة هارفارد. وكان ديركس مستشارًا لجامعة كاليفورنيا في بيركلي. إن الشعور العام في هذين الكتابين أن الحرية الأكاديمية في خطر وأن الجامعات لن تستغرق الكثير قبل تخسرها.

يدافع ويتنغتون، الذي يقول إنه ينتمي إلى اليمين السياسي، بشدة عن الحرية الأكاديمية. فهو لا يرى أي سبب وراء رغبتنا في أن يملي الساسة ما يمكن وما لا يمكن دراسته وتدريسه. وسيكون الأمر أشبه بطرح المنهج الدراسي للتصويت الشعبي كل عام. ويهتم كتابه بشكل أساسي بالكليات والجامعات العامة (التي يلتحق بها حوالي سبعين بالمائة من الطلاب الأمريكيين) حيث أعضاء هيئة التدريس هم عبارة عن موظفين عموميين وتتحكم المجالس التشريعية في الولايات في ميزانياتها.

وهذا يعني أيضًا أن خطابهم محمي بموجب التعديل الأول لقانون الحرية الفردية في فلوريدا لسنة 2022، المعروف شعبيًا باسم قانون إيقاف الصحوة، الذي يحظُر تدريس الأفكار التي يعرّفها بعض المشرعين بأنها “مثيرة للانقسام” في المؤسسات التعليمية العامة، وتم إبطاله جزئيًا من قبل الدائرة الحادية عشرة لكونه ما هو عليه بوضوح: تمييز في وجهات النظر، وهو ما يحظره التعديل الأول. (ومن ناحية أخرى، إن قدرة الدول على إملاء محتوى الفصول الدراسية من الروضة وحتى الصف الثاني عشر راسخة إلى حد ما).

كان قانون فلوريدا من بين 140 أمرًا تعليميًا أقرته المجالس التشريعية للولاية في سنة 2022، ما يقارب 40 في المائة منها استهدفت الكليات والجامعات. وتعتبر ظاهرة حظر النشر أحد المواضيع التي يتناولها كتاب “الحق في التعلم”. ويرى محررو الكتاب أن مثل هذه الجهود أسوأ من المكارثية. فقد طاردت المكارثية الأفراد بسبب معتقداتهم السياسية. واليوم، الأهداف هي المناهج الدراسية والفصول الدراسية، وهي هيكل النظام التعليمي.

يرى المحررون أن الدفاع عن الحرية الأكاديمية “مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنضال الأكبر ضد أنظمة القمع العنصرية والجنسية وغيرها من أنظمة القمع التي تستمر في تشويه الحياة الأمريكية”. وبما أن عدم المبالاة تشكل عنصرًا أساسيًا في الميثاق الاجتماعي فقد لا يحظى هذا الرأي بقبول عالمي. ولكن هناك تخصصات أو مجالات فرعية ضمن التخصصات حيث يفهم الأساتذة (والطلاب) عملهم الأكاديمي كشكل من أشكال المشاركة السياسية. ويبدو أن الحرية الأكاديمية تغطي هذه الحالات (مع أن الجميع لا يتفقون مع ذلك). لكن ما لا تغطيه الحرية الأكاديمية هو التلقين وهو انتهاك للمعايير الأكاديمية.

ماذا عن الطلاب؟ تتمثل النسخة الطلابية من الحرية الأكاديمية في حرية التعلم. وهذه القاعدة أصعب قليلاً في التطبيق. فلا يحدد الطلاب عادة المنهج الدراسي، وعادة ما يكونون موضوعات سلبية لنظام تأديبي يسمى الدرجات. وفي الأصل، كانت عبارة “حرية التعلم” تشير ببساطة إلى حرية الفرد في اختيار المسار الدراسي. والآن يتم استحضارها في سياقات الخطاب في الفصول الدراسية حيث يشهد المعلمون الكثير من الرقابة الذاتية، وكذلك خطاب الحرم الجامعي، حيث يهتف الطلاب ويحملون اللافتات ويمارسون العصيان المدني.

أفاد بعض الطلاب بأنهم لا يشعرون بالحرية في التعبير عن آرائهم لأن ما يقولونه قد يتم تلقّيه على أنه جارح أو مهين من قبل الطلاب الآخرين. ويجد الأساتذة أنفسهم يعيدون النظر في النصوص التي يعيّنونها، نظرًا لأن الطلاب قد يرفضون التعامل مع الأعمال التي يجدونها مرفوضة سياسيًا. ويشعر الأساتذة بالقلق من أن يتم الإبلاغ عنهم بشكل مجهول وإخضاعهم لتحقيق مؤسسي. وإن لم يكن ذلك كافيًا فإن الأساتذة والطلاب يمكن أن يتعرّضوا للمحاكمة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهذه ليست ظروف عملٍ جيدة لقطاع التعليم. قد تخسر في جدال أثناء التبادل الأكاديمي، ولكن عليك أن تشعر بالحرية، في الفصل الدراسي، لتقول كلمتك دون التعرض للعقاب.

ألقى المعلقون اللوم في هذا الموقف على نظام “التدليل” حيث يُمنح الأشخاص الذين يقولون إنهم يشعرون “بعدم الأمان” لمجرد وجودهم في غرفة مع شخص يختلفون معه الموارد اللازمة للمطالبة بفعل شيء حيال ذلك. ويعتبر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول الرمز المؤسسي (أو كبش الفداء) لهذه الثقافة. اتخذت المجالس التشريعية في الولاية خطوات لحظر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول، وكان المنتقدون المحافظون للتعليم العالي في الكليات والجامعات العامة واضحين تمامًا في أن حظر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول هو الهدف الأساسي.

يُظهر كتاب “جميع محامي الحرم الجامعي” بشكل مفيد أن نظام “التدليل” ومكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول كان إلى حد كبير من إنشاء الحكومة الفيدرالية. ويحظر الباب السادس والسابع من قانون الحقوق المدنية لسنة 1964 معًا التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الأصل القومي في البرامج والأنشطة التي تتلقى تمويلًا فيدراليًا، كما تفعل معظم الجامعات.

وقضت المحكمة العليا مؤخرًا (وبشكل مدهش إلى حد ما) بأن الباب السابع يغطي التوجه الجنسي والهوية الجنسية. ويحظر الباب التاسع من تعديلات التعليم لسنة 1972 التمييز على أساس الجنس، بما في ذلك التحرش الجنسي، في مثل هذه البرامج والأنشطة. وفي سنة 2016، تمت إضافة تعريف موسع لـ “الإعاقة” إلى قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة استجابةً، جزئيًا، للدعوة نيابة عن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وصعوبات التعلم. ويُعرّف القانون الإعاقة بأنها إعاقة جسدية أو عقلية تحد بشكل كبير من واحد أو أكثر من “أنشطة الحياة الرئيسية”، وأصبحت “الكتابة” الآن مدرجة كنشاط رئيسي في الحياة.

بالنسبة للجامعات، توفر هذه القوانين سببًا محتملاً لاتخاذ إجراء عند كل منعطف. ويحق للطلاب والموظفين الذين يشعرون بالمضايقة أو عدم الأمان أو الإهمال عمومًا بسبب هويتهم، بموجب القانون الفيدرالي، تقديم شكوى. والنتيجة هي ما يسمّيه جارد وجاكوبسن “تقنين التعليم العالي”. وفي الواقع،  تعيش الجامعات في خوف دائم من المقاضاة بسبب معاملة شخص ما بشكل مختلف.

ولكن لا تتم مقاضاة الأفراد المتهمين بارتكاب سلوك تمييزي، ولا تنطبق عليهم القوانين، بل تنطبق على الجامعة بحد ذاتها. مجموعة من النساء اللواتي قلن إنهن تعرضن للتحرش الجنسي من قبل أستاذ جامعة هارفارد جون كوماروف لم يقاضين كوماروف بل رفعن دعوى قضائية ضد جامعة هارفارد بسبب انتهاك المادة التاسعة. (نفى كوماروف مزاعمهن). وعندما رفعت مجموعة من الطلاب اليهود، في كانون الثاني/ يناير، دعوى قضائية ضد جامعة هارفارد بتهمة “تمكين معاداة السامية” في الحرم الجامعي، فعلوا ذلك بموجب الباب السادس من قانون الحقوق المدنية.

إن المتظاهرين المؤيّدين للفلسطينيين الذين خلقوا الظروف التي يزعم الطلاب اليهود أنها معادية للسامية، محصنون بموجب التعديل الأول للدستور. ويعد شعار “من النهر إلى البحر” شعارا سياسيا، وخطاب كلاسيكي محمي. ولهذا السبب لا يقوم الكونغرس باستدعاء المتظاهرين بل يلاحق رؤساء الجامعات بدلاً من ذلك. ويريد أعضاء الكونغرس الذين استجوبوا شفيق أن تقوم الجامعات بمعاقبة المتظاهرين على وجه التحديد لأن الحكومة لا تستطيع ذلك.

ويرغب جميع الأساتذة تقريبًا في مناقشة مفتوحة وقوية للقضايا المثيرة للجدل في فصولهم الدراسية وفي الحرم الجامعي، لأن هذه هي الطريقة التي يعمل بها البحث الأكاديمي. ولا شك أن مديري الجامعات يريدون ذلك أيضًا. ولكن المخاطر ليست خياليّة، وهي تنشأ، على نحو لا يخلو من المفارقة، من رغبة الكونغرس في خلق فرص متكافئة للجميع. هل يمكنك تسمية قانون الحقوق المدنية، والباب التاسع، وقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة  “بالتدليل”؟ ربما لا إذا كنت أسودًا أو متحولًا جنسيًا أو مصابًا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

في الحقيقة، كثيرا ما يشتكي الأساتذة من التضخم البيروقراطي، ولكن في الجامعة الكبيرة تحتاج إلى جهاز قانوني وإداري ضخم لضمان الالتزام بالقانون، كما تحتاج إلى بيروقراطية ضخمة في الحياة الطلابية لغرس مشاعر العدالة والشمول. وهذه هي الأهداف التي تصورها الكونغرس عندما أقر تلك القوانين. ولم تخترعها هيئة التدريس.

أما بالنسبة للتنوع، فهذا هو المفهوم الذي فرضته المحكمة العليا على التعليم العالي. في سنة 1978، في قضية حكام جامعة كاليفورنيا ضد باكي، قضت المحكمة بأنه يمكن للجامعات أن تنظر إلى عرق مقدم الطلب كعامل في القبول. قال القاضي الذي كتب الحكم، لويس باول، إن الجامعات تتمتع بهذا الحق كمسألة تتعلق بالحرية الأكاديمية، التي قال إنها مضمونة بموجب التعديل الأول – وهي المرة الأولى التي يتم فيها توسيع مفهوم الحرية الأكاديمية ليشمل مؤسسة بأكملها، وليس فقط أعضاء هيئة التدريس، من التدخل الخارجي.

مع ذلك، قال باول، إنه يجب أن يكون هناك مبرّر معقول (من الناحية القانونية “مصلحة مقنعة للدولة”) للنظر في عرق مقدم الطلب، الذي لولا ذلك لكان محظورًا بموجب ضمان التعديل الرابع عشر “للحماية المتساوية”. ورفض الحجة القائلة إن ذلك مبرر لأنه ساعد في علاج التمييز الماضي أو لأنه سيكون من المرغوب اجتماعيا زيادة عدد الأطباء والمحامين والرؤساء التنفيذيين من غير البيض. وقال إن المبرر الوحيد المقبول دستوريا للقبول لأسباب عرقية هو التنوع. وكان وجود هيئة طلابية متنوعة هدفًا تعليميًا مشروعًا، وكان للجامعات حق التعديل الأول في متابعة هذا الهدف.

تم تأكيد حكم باول في سنة 2003 في قضية غروتر ضد بولينجر، ومرة أخرى في سنة 2016 في قضية فيشر ضد جامعة تكساس. وفي المرتين، قالت المحكمة العليا إنه يمكن أخذ العرق بعين الاعتبار عند القبول ولكن فقط لغرض خلق طبقة متنوعة، مع الفهم الضمني بأن التنوع يمتد إلى ما هو أبعد من العرق. وهذا يعني أنه عندما عرضت قضية القبول بجامعة هارفارد على المحكمة العليا في سنة 2022، كانت جامعة هارفارد وغيرها من الجامعات تعمل على الترويج للقيمة التعليمية للتنوع، والتبشير بها للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، لمدة 40 سنة. لقد كانت طريقة للحفاظ على القبول الواعي بالعرق.

في الواقع، كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على القبول الواعي بالعرق. وعندما ألغت المحكمة برامج القبول على أساس العرق في جامعة هارفارد وجامعة نورث كارولينا في سنة 2023، رفضت على وجه التحديد مبرر التنوع ذاته الذي وصفته في البداية ووافقت عليه مرارا وتكرارا. وقالت المحكمة حاليا إن مفهوم التنوع ليس “قابلاً للقياس وملموسًا” بالقدر الكافي. فكيف يمكن للجامعات أن تثبت أن التنوع العرقي له الفوائد التعليمية التي تدعي أنه يتمتع بها؟ أما حكم باول بأن الحرية الأكاديمية حق قانوني يرتكز دستوريا على التعديل الأول للدستور، فقد تجاهله رأي المحكمة تماما.

“التنوع” ليس سلعة تعليمية واضحة كما قد يبدو. ففي العشرينات والثلاثينات، على سبيل المثال، استخدمت جامعة هارفارد “التنوع” كوسيلة للحد من عدد اليهود الذين تقبلهم. في ذلك الوقت، كان مصطلح “التنوع” يعني التنوع الجغرافي، أي وجود هيئة طلابية بها عدد أكبر من طلاب الجنوب والغرب الأوسط وعدد أقل من الطلاب من نيويورك ونيوجيرسي. لقد كان عملاً إيجابيًا بالنسبة للأمم.

بعبارة أخرى، يمكن للتنوع أن يدعم العديد من الأجندات. واليوم، على سبيل المثال، هناك مطالب بإرغام الجامعات الخاصة على قبول طبقة متنوعة اجتماعيًا واقتصاديًا أو توظيف أعضاء هيئة تدريس متنوعين إيديولوجيا. وحقيقة أن جامعات النخبة، مثل هارفارد وكولومبيا، التي لا يلتحق بها سوى واحد بالمئة من جميع طلاب الجامعات في الولايات المتحدة، يُطلب منها إصلاح المشاكل الاجتماعية – عدم المساواة في الثروة والاستقطاب السياسي – التي يبدو أن لا أحد يستطيع حلها، هو الموضوع الرئيسي في كتاب “مهاجمة النخب” لبوك.

من الواضح أن بوك يشعر أن هذه المطالب غير معقولة، ويعرب ديركس في “مدينة الفكر” عن نفاد صبر مماثل. لكن بوك وديركس يعتقدان أنه ليس من الحكمة أن تتجاهل الجامعات مثل هذه المطالب التي يسمّيها بوك “عبء النجاح”. ويمثل التنوع تحديًا تعليميًا أيضًا. وإذا كنت تخبر الطلاب أنه تم قبولهم جزئيًا بسبب عرقهم لمصلحة تنوع وجهات النظر، فقد يشعرون أنه من المتوقع منهم أن يمثلوا أي وجهات نظر يفترض أن أعضاء مجموعتهم العرقية يتبنونها. والتفكير بهذه الطريقة يتناقض مع الهدف التقليدي للتعليم الليبرالي، وهو جعل الطلاب يفكرون خارج الصندوق الذي ولدوا فيه – أو في هذه الأيام، خارج الصناديق التي حددوها عند طلباتهم. يتمحور التعليم الليبرالي حول التشكيك في المسلمات، وليس إعادة تأكيدها.

إن الجامعة عبارة عن مجتمع، والجميع يرتادها لنفس السبب، ألا وهو التعلم. وللمجتمع كل الحق في منع الأحزاب الخارجية والإصرار على معايير الكياسة والاحترام، مع إدراك أن هذه المُثُل لا يمكن تحقيقها دائمًا على الفور. وفي معظم الجامعات، تُحظر بشكل صريح المواجهات الجسدية واستهداف الأفراد بالتهديد أو المضايقات وتعطيل أنشطة الحرم الجامعي. وعندما يتم انتهاك القواعد، فإن أفضل نهج هو أن يجد المجتمع طرقًا لمراقبة نفسه. لكن معظم أشكال التعبير يجب التسامح معها. ويعتبر التسامح الثمن الذي يدفعه الأكاديميون والطلاب مقابل الحريات التي منحها لهم المجتمع.

مع ذلك، تظل الحقيقة أن كل التركيز على التنوع والشمول لم يمنع أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من أن تصبح برميل بارود. وتكمن المشكلة الحقيقية في أن كل هذه القضايا أصبحت حاليا أمام أعين الجمهور، والجامعات غير ماهرة في مجال العلاقات العامة. ومنذ سنة 1964، ظلت الجامعات تتكيف مع البيئة القانونية التي أنشأها إلى حد كبير الكونغرس الديمقراطي والمحكمة العليا التي لا تزال ليبرالية بشكل هامشي فيما يتعلق بالقضايا العرقية. والآن يتولى السلطة نظام سياسي مختلف، في الكونغرس وفي المحكمة، ولم يعد هناك سوى عدد قليل من الأماكن التي يمكن الاختباء فيها.

تعد الحرية الأكاديمية فهمًا وليس قانونا ولا يمكن الاستناد إليها فقط بل يجب التأكيد عليها والدفاع عنها. ولهذا السبب، من المحبط للغاية أن يبدو قادة الجامعات الكبرى مترددين في التحدث عن حقوق البحث المستقل وحريّة التعبير التي ناضل الأمريكيون من أجلها. وحتى بعد أن قدمت شفيق تضحيات أعضاء هيئة التدريس على هيكل الكونغرس واستدعت شرطة نيويورك، رد الجمهوريون بالمطالبة باستقالتها. وإذا لم ينجح الاستسلام، فلن يضيع الكثير من خلال تجربة بعض التحدي.

لويس ميناند

المصدر: نيويوركر




المحتجون الأميركيون: لن نتوقف!

أقيمت مؤخراً مظاهرات في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية، وككثير من مظاهر رفض الاحتلال، ظن العديد من المعلقين والمراقبين أن هذه التحركات سرعان ما ستخمد، إلا أن ما يجري اليوم لم يكن في الحسبان، إذ إن دائرة هذه التحركات توسع نطاقها ليس فقط على صعيد جامعات الولايات المتحدة، بل إنها أمست ظاهرة تنتشر بسرعة في شتى أنحاء العالم، خاصةً في الغرب المهيمن. في الصدد، يشرح هذا المقال المطالب الأساسية التي ينادي بها المتظاهرون في الجامعات الأميركية.

وقف الإبادة الجماعية في غزة

انتشرت في العديد من الجامعات الأمريكية منشورات توضح الأهداف الرئيسية من التظاهر في باحات الجامعة، والعنوان الرئيسي لتلك المنشورات هو “وقف الإبادة الجماعية القائمة في غزة”، فإن أعداد الضحايا إلى ارتفاع كل يوم وقد تخطى عددهم الـ30 ألفاً، بالإضافة إلى أكثر من 70 ألف جريح و11 ألف مفقود، لذا؛ فإن الشعارات بأغلبها جوهرها تنادي بوقف آلة القتل الإسرائيلية.

سحب الاستثمارات

يقول أحد الأمريكيين اليهود وهو من المتظاهرين دعماً لفلسطين في جامعة كولومبيا الأمريكية: “يتعين علينا أن نركز على الواقع المادي للحرب: الذخائر التي ترسلها حكومتنا إلى إسرائيل، والتي تقتل الفلسطينيين بالآلاف، والأميركيين المشاركين في أعمال العنف.

تعد الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأكثر دعماً للكيان المؤقت بشتى الطرق، على الصعيد المالي والعسكري، التكنولوجي والعلمي، الأمني والصحي. ورغم العديد من التصريحات التي دعت فيها الإدارة الأمريكية عبر مسؤوليها الرسميين إلى وقف القتل والدمار، إلا أنها ما تزال رافضةً لوقف الحرب وما تزل تقدم المساعدات المالية والعسكرية للكيان المؤقت بناءً على الحاجات المشتركة بينهما.

بلينكن: “نحن ملتزمون بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها حتى لا يتكرر 7 أكتوبر وفي نفس الوقت بحماية مدنيي غزة”.

يظهر كلام بلينكن التناقض، من خلال التزامه بالدفاع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها كي لا يتكرر سيناريو السابع من أكتوبر وهو ما يفتح الأفق أمام معالجات كثيرة لعدم تكرار هذا السيناريو ويلتزم بنفس الوقت بحماية المدنيين في غزة رغم أن هذا الكلام قد صدر عنه في شهر آذار الماضي أي بعدما تخطى عدد الضحايا الـ25 ألفاً.

وحول ما يجري في مخيمات التضامن وتحت عنوان ماذا يجري في كولومبيا، أشار موقع “reason” الأمريكي إلى التالي: “ماذا يحدث في كولومبيا؟ إن “مخيم التضامن مع غزة” هو في الأساس عبارة عن مدينة من الخيام أقامها الطلاب الذين يحتجون ليس فقط على الحملة العسكرية الإسرائيلية داخل غزة ولكن أيضًا على “الاستثمار المالي المستمر لجامعة كولومبيا في الشركات التي تستفيد من الفصل العنصري الإسرائيلي والإبادة الجماعية والاحتلال في فلسطين”، الذي أنشأه زعماء العالم. جامعة كولومبيا، سحب الفصل العنصري، طلاب من أجل العدالة في فلسطين، والصوت اليهودي من أجل السلام. لدى الطلاب جميع أنواع المطالب الفردية وذات الصلة بشكل عرضي، بما في ذلك توقع قيام الجامعة بقطع جميع العلاقات مع قسم شرطة نيويورك”.

وفي وصف دقيق لكيفية قيام المتظاهرين بالمطالبة بسحب الاستثمارات، يشير موقع “Crimethink” من خلال تحديثاته لما يجري خلال التظاهرات إلى التالي: “اكشفوا، اسحبوا الاستثمارات، لن نتوقف، ولن نرتاح! متمردون يرتدون الكوفيات يرقصون بحماس، وآخرون يقرعون على الأواني. في كيس نوم سميك بجواري، ينام الطالب الذي خرج من السجن الليلة الماضية بشكل ملائكي”.

قطع الصلة بين المؤسسات الأمريكية والكيان

من المطالب الهامة التي يطالب بها المعتصمون، وقف التعامل بين المؤسسات على اختلافها مع الكيان المؤقت، وذلك للضغط نحو وقف الحرب، إذ يعتبر المتظاهرون أن موارد الدعم التي يتلقاها الكيان هي التي تبقي آلة القتل قائمة.

“إنه لشرف أن يتم طردي من الجامعة من أجل فلسطين

إنه لشرف لي أن يتم اعتقالي من أجل فلسطين”

متظاهر في جامعة كولومبيا

المصدر: موقع الخنادق




لمواجهة روسيا والصين.. وثيقة لحلف الأطلسي توصي بالتعاون مع العالم العربي وحل الدولتين

أوصت وثيقة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بضرورة تمركز جديد تحت آليات مختلفة في العالم العربي والساحل الأفريقي لمواجهة النفوذ العسكري الروسي المتزايد بقوة، وكذلك النفوذ الاقتصادي الصيني. ويواجه الحلف صعوبات بسبب موقف الدول الأفريقية من الغرب خلال السنوات الأخيرة. في المقابل، يوجد ترحيب مسبق من طرف موريتانيا والأردن للتعاون مع الحلف.

في هذا الصدد، أوردت جريدة “الباييس” الإسبانية في عدد الإثنين، خبر إضفاء “الناتو” اللمسات الأخيرة على استراتيجية جديدة ترمي إلى فتح بعثات في الدول الحليفة بمنطقة الساحل وشمال أفريقيا والشرق الأوسط تتولى تدريب الجيوش وتقديم المشورة. وأشرف على هذه الاستراتيجية “مجموعة من الحكماء” مكونة من باحثين في المجال الجيوسياسي وضباط كبار ودبلوماسين مخضرمين، ولم يتم نشرها للعموم حتى الآن باستثناء ما تسرب للصحافة.

وتعتبر هذه الاستراتيجية سابقة من طرف حلف الأطلسي الذي يركّز أساسا على أوروبا والولايات المتحدة وتركيا، أي الدول الأعضاء فيه. كما سيعمل الحلف على إرفاق هذه الاستراتيجية بحوار دبلوماسي على مستوى عال مع الدول المعنية في أفريقيا والشرق الأوسط.

وتعلن مصادر الحلف بأن الهدف الرئيسي من هذه الاستراتيجية هو مواجهة النفوذ الروسي المتعاظم في المنطقة، حيث تنهج روسيا الدعم العسكري المباشر لعدد من حكومات دول الساحل الأفريقي، ثم حوارها مع بعض الدول في الشرق الأوسط مثل الإمارات والسعودية.

ويرى الحلف ضرورة تعزيز نفوذه في منطقة الساحل الأفريقي وشمال أفريقيا والشرق الأوسط؛ لأن هذه المناطق تعتبر بمثابة الأسوار الأولى لحماية الغرب من الكثير من الظواهر ومنها الهجرة والإرهاب والتغلغل الروسي والصيني. ويضاف إلى هذا أن الحلف يعتقد بحدوث تغييرات مناخية خطيرة في هذه المناطق، مما سيؤدي إلى هجرات وغياب استقرار سيلقي بتأثيراته العميقة على الأمن القومي الأوروبي.

وحول النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، تبرز جريدة “الباييس” التي انفردت بمضمون الوثيقة أنه “في خضم الجدل الدائر حول كيفية دفع الحوار الدبلوماسي في الشرق الأوسط، يوصي الخبراء بأن يتمسك حلف الناتو بالتزامه تجاه الدولتين -إسرائيل وفلسطين- ودعم جهود السلام لتنفيذ هذا الحل، وعلى المدى الطويل دعوة السلطة الفلسطينية للمشاركة كمراقب في أنشطة الحوار المتوسطي، وهو منتدى التعاون بين الحلف وسبع دول متوسطية”.

وتبرز الوثيقة تقبّل بعض الدول للاستراتيجية الجديدة، وتخص بالذكر الأردن وموريتانيا. وكان البلدان قد حضرا قمة حلف الأطلسي في مدريد صيف 2022، بينما يُعتبر المغرب من المرشحين للانخراط في هذه الاستراتيجية، لا سيما وأنه يتمتع بصفة “شريك غير عضو للحلف الأطلسي” مثله مثل الأردن.

ومن ضمن مظاهر هذا التعاون، فقد استقبل الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، الإثنين، الأميرال روب باور، رئيس اللجنة العسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لبحث تعزيز التعاون.

وعلاقة بهذا الأمر، يبدو أن الغرب اعتقد أن تورط روسيا في حرب أوكرانيا سيكون بمثابة فرامل لنفوذها في القارة السمراء والشرق الأوسط. ولكن حدث العكس، فقد تمدد النفوذ الروسي بصورة سريعة سواء على المستوى الاقتصادي أو نشر قوات عسكرية خاصة، حيث طردت حكومات في الساحل الأفريقي فرنسا والولايات المتحدة، واستقبلت القوات الروسية، وأبرزها حالة النيجر الشهر الماضي، وتشاد خلال الشهر الجاري.

وكانت دول جنوب الحلف الأطلسي وهي اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال ونسبيا فرنسا، وراء إقناع قيادة الحلف بضرورة الاهتمام بالحدود الجنوبية نظرا للخطر الروسي والصيني قبل فوات الأوان.

حسين مجدوبي

المصدر: صحيفة القدس العربي




المئات من عناصر شرطة نيويورك يقتحمون جامعة كولومبيا لتفكيك المخيمات التضامنية مع فلسطين

اقتحم المئات من ضباط شرطة مدينة نيويورك، بمعدات مكافحة الشغب شبه العسكرية،  حرم جامعة كولومبيا العريقة في وقت متأخر من يوم الثلاثاء بهدف إخلاء وتفكيك المخيمات الطلابية التضامنية مع فلسطين.

وأمرت الشرطة المتظاهرين والطلاب والصحافيين بإخلاء مبنى “هاميلتون هول” والمخيمات التضامنية مع فلسطين في ساحات الجامعة، في حين بدأت إدارة الجامعة بتعليق دراسة الطلاب، الذين رفضوا مغادرة المخيمات التضامنية، وهددت الطلاب الذين دخلوا على “قاعة “هاميلتون” بالطرد.

وقال شهود عيان إن الشرطة اعتقلت العشرات من المتظاهرين في الجامعة.

وقد نصب الطلاب الخيام مرة أخرى في تحد بعد أن قامت الشرطة بإخلاء مخيم في الجامعة يوم 18 أبريل/نيسان واعتقلت أكثر من 100 شخص .

وهتف المتظاهرون في جامعة كولومبيا منذ اليوم الأول للاحتجاجات السلمية ضد الحرب الإسرائيلية الدموية على غزة، وطالبوا إدارة الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات الإسرائيلية.

امتدت الاحتجاجات إلى الجامعات من كاليفورنيا إلى ماساتشوستس مع اقتراب احتفالات التخرج في مايو.

تم القبض على أكثر من ألف متظاهر خلال الأسبوعين الماضيين في الجامعات في ولايات من بينها تكساس ويوتا وفيرجينيا ونورث كارولينا ونيو مكسيكو وكونيتيكت ولويزيانا وكاليفورنيا ونيوجرسي بعضهم بعد اشتباكات عنيفة مع شرطة مكافحة الشغب، حسبما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس”.

وهدد عمدة نيويورك إريك آدامز، المدعوم من اللوبي الصهيوني في المدينة، المتظاهرين في كولومبيا، وقال “هذا الأمر يجب أن ينتهى الأن”.

وفي مؤتمر صحافي في وقت سابق من يوم الثلاثاء، زعم آدامز (ديمقراطي) أن الاحتجاجات تم “استمالتها”، وحث المتظاهرين على التخلي عن قضيتهم “قبل أن يتصاعد الوضع”.

المصدر: صحيفة القدس العربي




احتياطيات النفط والغاز في روسيا كبيرة ظاهريًا وتتضاءل مقارنة بمعدلات الإنتاج اليومي

تبدو احتياطيات النفط والغاز في روسيا ضمن وجهة نظر مختلطة تعكسها البيانات الأخيرة، الصادرة عن وزارة الموارد الطبيعية والوكالة الفيدرالية للموارد المعدنية في الاتحاد الروسي Rosnedra .

وانطلاقًا من بداية عام 2023، تمتلك روسيا احتياطيات نفطية كبيرة تصل إلى 19.1 مليار طن، واحتياطيات غاز تبلغ 43.9 تريليون متر مكعب.

رغم ذلك، يتمثّل التحدي الكبير في أن 60% من هذه الاحتياطيات النفطية تُصنّف على أنها “يصعب استردادها”، ما يعقّد جهود الاستخراج.

وفي العام نفسه، حققت شركات الطاقة الروسية 43 اكتشافًا هيدروكربونيًا جديدًا، وأضافت مجتمعة 43 مليون طن من النفط و145 مليار متر مكعب من الغاز.

وتتضاءل هذه الأرقام، رغم أنها كبيرة ظاهريًا، مقارنة بمعدلات الإنتاج اليومي في البلاد وأحجام الاكتشافات التاريخية.

أثر احتياطيات النفط والغاز في روسيا حاليًا

يواجه قطاع الطاقة في روسيا تحديًا كبيرًا يتراوح بين الاحتياطيات الهيدروكربونية الكبيرة والمحدودة وخروج التقنيات والخبرة الغربية المهمة.

وفي الوقت الحالي، تشير التقديرات إلى أن احتياطيات النفط والغاز المستكشفة في روسيا ستدعم الإنتاج لمدة 40 و70 عامًا تقريبًا على التوالي، وهذا يضع روسيا لاعبًا رئيسًا في سوق الطاقة العالمية في المستقبل المنظور، نظرًا إلى دورها المحوري في توريد النفط والغاز، خصوصًا للأسواق الأوروبية والآسيوية.

رغم ذلك، فإن خروج شركات الخدمات النفطية الغربية الرائدة -شلمبرجيه، وهاليبرتون، وبيكر هيوز، وويذرفورد- يمثل عقبة هائلة.

وتوقفت هذه الشركات عن الاستثمار وتوريد تقنيات حقول النفط المتقدمة إلى روسيا، التي مكّنت تقليديًا من استخراج ومعالجة الهيدروكربونات بكفاءة.

وتُعد هذه الخطوة جزءًا من العقوبات الاقتصادية الأوسع نطاقًا وخروج الشركات ردًا على التوترات الجيوسياسية، ما يؤدي إلى تفاقم التحديات التي تواجهها روسيا في الحفاظ على قدراتها الإنتاجية، ناهيك بتوسيعها.

خطوط أنابيب حقل بوفانينكوفسكي للغاز الطبيعي في شبه جزيرة يامال الروسية
خطوط أنابيب حقل بوفانينكوفسكي للغاز الطبيعي في شبه جزيرة يامال الروسية – الصورة من بلومبرغ

الاكتشافات الجديدة

يعكس الوضع الراهن صورة دقيقة لإدارة الموارد الروسية ونجاح الاستكشاف، ويتمثّل أكبر الاكتشافات الجديدة في حقل بورسكوي في منطقة إيركوتسك، ويحتوي على 8.7 مليون طن من النفط، أي ما يعادل ستة أيام فقط من مستويات الإنتاج الحالية لروسيا.

وهذا يسلط الضوء على قضية بالغة الأهمية، على الرغم من جهود الاستكشاف القوية وزيادة الاستثمار المالي في البحوث الجيولوجية، فإن العائد من هذه الأنشطة آخذ في التضاؤل.

ويمثّل إجمالي النفط الجديد الذي جرى تحديده في عام 2023 أدنى مستوى له منذ 6 سنوات، إذ بلغ 565 مليون طن، بانخفاض قدره 30.9% عن العام السابق.

ويُعد هذا الانكماش جزءًا من اتجاه طويل المدى لانخفاض أحجام الاكتشافات، مع تزايد ندرة الحقول الجديدة المهمة على مدى السنوات الـ5 الماضية.

وعلى الرغم من هذه التحديات، من المهم أن ندرك أن الزيادة السنوية في الاحتياطيات ما تزال تتجاوز مستويات الإنتاج، ما يشير إلى أن روسيا ستحافظ على دورها بصفتها موردًا رئيسًا للطاقة في المستقبل المنظور، في المقابل، فإن انخفاض معدل الاكتشافات الجديدة والانتشار المتزايد للاحتياطيات التي يصعب استخراجها يمكن أن يضغط على الصناعة للابتكار والتكيف لضمان الإنتاج المستدام والاستقرار الاقتصادي.

منعطف حاسم

تؤكد تصريحات وكيل وزارة الطاقة في الاتحاد الروسي، بافيل سوروكين، منعطفًا حاسمًا بالنسبة إلى صناعة النفط والغاز في روسيا.

ووفقا لسوروكين، فإن غالبية احتياطيات الموارد الحالية في روسيا تُعد حاليًا في مرحلة الإنتاج، والعديد من الحقول على وشك الاستنفاد.

ومن المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى انخفاض ريع الموارد على المدى المتوسط، مدفوعًا بتصاعد تكاليف الاستخراج والصعوبة المتزايدة لاكتشاف مكامن جديدة.

وتتفاقم هذه التحديات بسبب تدهور نوعية الاحتياطيات المتبقية، ما يزيد من تعقيد عملية الاستخراج ويقلل الكفاءة.

واستجابة لهذه التحديات الناشئة، يدعو سوروكين إلى تعزيز الحوافز الضريبية الرامية لتنشيط الاستثمار في القطاع، خصوصًا في تنمية الودائع المستنفدة.

ويحدد سوروكين منطقة خانتي مانسيسك المتمتعة بالحكم الذاتي، ووسط روسيا، وأجزاء من شرق سيبيريا بصفتها مناطق مهمة، إذ يمكن تركيز هذه الجهود.

من ناحية ثانية، يشير التركيز الإستراتيجي على هذه المناطق إلى التحول نحو زيادة الإنتاج من الحقول الحالية، مع محاولة اكتشاف وتطوير احتياطيات جديدة داخل هذه المناطق.

بدورها، تخفف الحوافز الضريبية المقترحة بعض الأعباء المالية المرتبطة بمشروعات الاستخراج عالية التكلفة، ومن المحتمل أن تحفز الابتكار التكنولوجي وتطوير البنية التحتية، وهو أمر ضروري للوصول إلى الاحتياطيات الأعمق أو الأكثر صعوبة من الناحية الفنية واستغلالها بكفاءة.

ويعكس هذا النهج ضرورة أن يتكيّف قطاع الطاقة في روسيا مع تغيرات الطلب العالمي على الطاقة والضغوط الداخلية لإدارة الموارد.

توقعات واقعية لإنتاج النفط الروسي

قدّم كبير الاقتصاديين لدى بنك فينيشيكونومبانك التابع للدولة، أندريه كليباتش، توقعات واقعية لإنتاج النفط الروسي في المنتدى الوطني للنفط والغاز، مشيرًا إلى التحديات الكبيرة التي من المتوقع أن تقيّد النمو حتى نهاية العقد.

وعلى الرغم من المرونة التي ظهرت في مواجهة العقوبات الأولية والضغوط الخارجية، سلط كليباتش الضوء على التفاعل المعقد بين القيود اللوجستية والتوترات الجيوسياسية المستمرة التي من المرجح أن تحد من قدرة روسيا على زيادة إنتاج النفط بصورة كبيرة قبل عام 2030.

ويتوقع زيادة محتملة إلى ما يقرب من 540 مليون طن سنويًا، ويتوقف ذلك على القدرات التصديرية للبلاد، التي تواجه مخاطر كبيرة، لا سيما بسبب ضعف أنظمة النقل المعتمدة على الناقلات أمام العقوبات والصراعات الإقليمية، مثل تلك التي تؤثر في طرق البحر الأحمر.

بالإضافة إلى ذلك، أشار كليباتش إلى التحول الكبير الذي طرأ على أنماط تصدير النفط الروسي، إذ أصبح جزء كبير منه يتجه الآن نحو الهند، التي تمثّل نحو 37% من صادرات النفط الروسية في الأعوام الأخيرة.

وعلى الرغم من هذا المحور الإستراتيجي، فإن تصاعد الصادرات بصورة أكبر على المدى القريب قد يشكّل تحديًا بسبب التعقيدات وزيادة التكاليف المرتبطة بطرق النقل غير خطوط الأنابيب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التحول في آليات الدفع، مع إجراء جزء كبير من المعاملات بالدرهم الإماراتي واليوان الصيني بدلًا من الدولار، يمثّل طبقة أخرى من التعقيد يمكن أن تعوق تدفق الإيرادات من صادرات النفط. في المقابل، تبدو توقعات الغاز الطبيعي أكثر تفاؤلًا، مع وجود آفاق واعدة لصادرات الغاز المسال واحتمال تطوير أنظمة خطوط أنابيب جديدة، خصوصًا مع الصين.

وستتطلب هذه الفرص استثمارات طويلة الأجل واتفاقيات سياسية إستراتيجية لتحقيقها، ما يؤكد ضرورة تكييف روسيا إستراتيجية الطاقة لديها، استجابة للتحديات المباشرة وإمكانات السوق المستقبلية.

ناقلة النفط ميندليف بروسبكت ترسو بميناء بريمورسك التجاري في روسيا
ناقلة النفط ميندليف بروسبكت ترسو في ميناء بريمورسك التجاري في روسيا – الصورة من بلومبرغ

الفجوة التقنيّة

تمتد الآثار المترتبة على هذه التطورات إلى ما هو أبعد من العجز التقني المباشر، إذ تخاطر روسيا بالتخلف عن إنتاج الطاقة العالمية وتحولها، لأنها تفقد إمكان الوصول إلى التقنيات المبتكرة الضرورية لتعزيز استخراج النفط والحد من التأثير البيئي.

ومن الممكن أن تؤدي هذه الفجوة التقنيّة إلى انخفاض كفاءة الإنتاج وربما زيادة تكاليف الإنتاج، ما يقوّض قدرة روسيا على المنافسة في سوق النفط العالمية التي تعاني ضيقًا شديدًا.

وبالنّظر إلى تحول التركيز الدولي نحو مصادر الطاقة المتجددة والإبداعات التقنيّة للحد من انبعاثات الكربون، فإن اعتماد روسيا الكبير على الموارد الهيدروكربونية التقليدية يمكن أن يحد من خياراتها الإستراتيجية على المدى الطويل.

إزاء ذلك، قد تحتاج روسيا إلى الاستثمار بصورة كبيرة في تطوير التكنولوجيا المحلية أو البحث عن شركاء دوليين بديلين يمكنهم توفير المعدات والخبرة اللازمة.

ويُظهر هذا الوضع التداعيات الأوسع نطاقًا للعزلة الجيوسياسية، ويشكّل منعطفًا حاسمًا بالنسبة إلى روسيا، لإعادة تقييم وربما إعادة ضبط نهجها الإستراتيجي في قطاع الطاقة والدبلوماسية الدولية.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

المصدر: منصة الطاقة