1

أين تكمن أسباب مشكلات أوروبا الاقتصادية؟

الاقتصاد الأوروبي يدفع فاتورة مواجهة روسيا. حول ذلك، كتب رئيس قسم الاقتصاد العالمي في المدرسة العليا للاقتصاد، أيغور ماكاروف، في “بروفيل رو”:

هناك الآن اعتراف عالمي بالمشاكل الاقتصادية التي تواجهها أوروبا. تظهر أحدث بيانات صندوق النقد الدولي أن نمو اقتصادات الدول الأوروبية، في العام 2023، لم يكن أبطأ من الاقتصاد الروسي فحسب، بل أبطأ من اقتصاد أي منطقة كبرى أخرى. ومن المتوقع حدوث وضع مماثل في العام 2024.

كان محرك الاقتصاد الأوروبي ألمانيا، التي استفادت من السوق المشتركة والعملة الموحدة، وتدفق العمالة الرخيصة من أوروبا الشرقية والغاز الروسي الرخيص لبناء صناعة قوية ذات تكنولوجيا عالية موجهة نحو التصدير، فتحولت بقية دول الاتحاد الأوروبي إلى سوق مثالية. وجرى توريد السلع الاستهلاكية الرخيصة بكثرة من الصين، ما أدى إلى تخفيف الضغوط التضخمية. ومع ذلك، تبين أن هذا النموذج لم يدم طويلا.

أولا، أدى انضمام 12 عضوًا جديدًا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى اختلالات هائلة داخل أوروبا الموحدة؛

ثانيا، بدأ الاتحاد الأوروبي يتخلف عن الولايات المتحدة والصين في السباق التكنولوجي؛

ثالثا، في قلب الاتحاد الأوروبي (ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا) تتراكم المشاكل الاقتصادية التي تسم معظم البلدان المتقدمة: البنية التحتية المادية القديمة، وشيخوخة السكان، والعبء الديموغرافي المتزايد.

وفي هذه الظروف، قررت النخب الأوروبية قطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع، وتبين أن ثمن التخلي عن موارد الطاقة الروسية مؤلم للغاية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه الاتحاد الأوروبي حتمية الاختيار بين التحول إلى مجتمع من الدول المستقلة حقا، والتحول إلى شبه دولة، أشبه بولايات متحدة أوروبية، بميزانية واحدة وقدرة على توحيد الإنفاق الحكومي وتوجيهه بشكل فعّال.

إيغور ماكاروف

المصدر: روسيا اليوم




إلى أين وصلت معركة الرقائق العالمية؟

نشر موقع “بلومبيرغ” تقريرًا قال فيه إن القوى العظمى بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خصصت ما يقرب من 81 مليار دولار لإنتاج الجيل القادم من أشباه الموصلات، مما أدى إلى تصعيد المواجهة العالمية مع الصين بشأن التفوق في مجال الرقائق.

وأوضح الموقع، في تقريره الذي ترجمته “عربي21″، أنها الموجة الأولى مما يقرب من 380 مليار دولار خصصتها الحكومات في جميع أنحاء العالم لشركات مثل شركة “إنتل” وشركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية لتعزيز إنتاج المعالجات الدقيقة الأكثر قوة. وقد دفع هذا الظهور التنافس الذي تقوده واشنطن مع بكين حول التكنولوجيا المتطورة إلى نقطة تحول حاسمة ستشكل مستقبل الاقتصاد العالمي.

ونقل الموقع عن جيمي جودريتش، كبير مستشاري الصين ومستشار التكنولوجيا الاستراتيجية لشركة “راند”: “ليس هناك شك في أننا تجاوزنا روبيكون فيما يتعلق بالمنافسة التكنولوجية مع الصين، وخاصة في مجال أشباه الموصلات. إنها أهم الأهداف الوطنية الاستراتيجية”.

وأشار الموقع إلى أن ما بدأ كمخاوف بشأن التقدم السريع الذي حققته الصين في مجال الإلكترونيات الرئيسية تطور إلى حالة من الذعر واسعة النطاق خلال الوباء؛ حيث سلط نقص الرقائق الضوء على أهمية هذه الأجهزة الصغيرة للأمن الاقتصادي. والآن أصبح كل شيء على المحك، بداية من تنشيط التصنيع التكنولوجي في الولايات المتحدة، إلى تأكيد اليد العليا في الذكاء الاصطناعي، إلى توازن السلام في مضيق تايوان.

اقرأ أيضا:ماسك يلمح إلى أن أمريكا تطبع الدولار دون غطاء من الذهبوأفاد الموقع أن إنفاق الولايات المتحدة وحلفائها على الرقائق يمثل تحديًا جديدًا لعقود من السياسة الصناعية التي تنتهجها بكين، وإن كان ذلك سيستغرق سنوات حتى يؤتي ثماره. وقد أدى اندفاع التمويل إلى زيادة صلابة خطوط القتال في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بما في ذلك في أماكن مثل اليابان والشرق الأوسط. كما أنه يوفر شريان حياة لشركة “إنتل”، الشركة الرائدة عالميًا في تصنيع الرقائق والتي فقدت قوتها في السنوات الأخيرة أمام المنافسين بما في ذلك “إنفيديا” وشركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة”.

وأشار الموقع إلى أن خطط الاستثمار وصلت إلى منعطف حرج في الولايات المتحدة؛ حيث كشف المسؤولون الشهر الماضي عن منح بقيمة 6.1 مليارات دولار لشركة “ميكرون تكنولوجي”، وهي أكبر شركة أمريكية لتصنيع رقائق ذاكرة الكمبيوتر. وكانت هذه هي المنحة الأخيرة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لمنشأة متقدمة لصناعة الرقائق في الولايات المتحدة، مما يتوج سلسلة من الالتزامات تقترب من 33 مليار دولار لشركات بما في ذلك “إنتل” وشركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” و”سامسونج” للإلكترونيات.

وأضاف الموقع أن الرئيس جو بايدن افتتح صنبور التمويل هذا بتوقيعه على قانون الرقائق والعلوم لسنة 2022، ووعد بإجمالي 39 مليار دولار في شكل منح لصانعي الرقائق، محلاة بقروض وضمانات بقيمة 75 مليار دولار إضافية، بالإضافة إلى الإعفاءات الضريبية التي تصل إلى 25 بالمائة. إنه قلب محاولته عالية المخاطر لإحياء الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات – وخاصة الرقائق المتطورة – وتوفير وظائف جديدة في المصانع للمساعدة في إقناع الناخبين بأنه يستحق إعادة انتخابه في تشرين الثاني/ نوفمبر.

استثمارات الرقائق العالمية
وقال الموقع إن هذه الاستثمارات من جانب الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق ما هو أكثر من مجرد مواجهة الصين، التي لا تزال تتخلف عن بقية العالم بعدة أجيال في مجال تكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة. كما أنها تهدف أيضًا إلى سد الفجوة في عقود من الحوافز الموجهة من الدولة من تايوان وكوريا الجنوبية والتي جعلت تلك الأماكن مراكز لصناعة الرقائق.

وأوضح الموقع أن فورة الإنفاق تعمل على تأجيج المنافسات بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا وآسيا؛ حيث يطاردون جميعًا جزءًا من الطلب المتزايد على الأجهزة التي تدعم التقدم في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.

ونقل الموقع تصريحات وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو، التي تتولى قيادة مهمة أشباه الموصلات في الإدارة، في مؤتمر عُقد في واشنطن الشهر الماضي، والتي قالت فيها: “التكنولوجيا تتحرك بسرعة. وأعداؤنا ومنافسونا لا يتحركون ببطء. إنهم يتحركون بسرعة؛ لذا علينا أن نتحرك بسرعة.”

خطط الاستثمار العالمية
وأفاد الموقع أن الاتحاد الأوروبي وضع خطته الخاصة، عبر المحيط الأطلسي، والتي تبلغ قيمتها 46.3 مليار دولار لتوسيع القدرة التصنيعية المحلية. وتشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن إجمالي الاستثمارات العامة والخاصة في هذا القطاع سيتجاوز 108 مليارات دولار، معظمها لدعم مواقع التصنيع الكبيرة.

ويوجد أكبر مشروعين في أوروبا في ألمانيا: مصنع “إنتل” المخطط له في ماغديبورج بقيمة تبلغ نحو 36 مليار دولار ويتلقى ما يقرب من 11 مليار دولار في هيئة إعانات دعم، ومشروع مشترك مع شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” تبلغ قيمته نحو 11 مليار دولار، ونصفها سوف يتم تغطيته بأموال حكومية. ومع ذلك، لم تمنح المفوضية الأوروبية بعد الموافقة النهائية على مساعدات الدولة لأي منهما، ويحذر الخبراء من أن استثمارات الكتلة لن تكون كافية لتحقيق هدفها المتمثل في صنع 20 بالمئة من أشباه الموصلات في العالم بحلول سنة 2030.

وأضاف الموقع أن دولا أوروبية أخرى تكافح لتمويل مشاريع كبرى أو جذب الشركات. وأعلنت إسبانيا في سنة 2022 أنها ستخصص ما يقرب من 13 مليار دولار لشراء أشباه الموصلات، لكنها لم تضخ سوى مبالغ صغيرة لحفنة من الشركات بسبب عدم وجود نظام بيئي لأشباه الموصلات في البلاد.

وبين الموقع أن الاقتصادات الناشئة تتطلع أيضًا إلى اقتحام لعبة الرقائق. ووافقت الهند في شباط/ فبراير على استثمارات مدعومة بصندوق حكومي بقيمة 10 مليارات دولار، بما في ذلك عرض مجموعة “تاتا” لبناء أول منشأة رئيسية لصناعة الرقائق في البلاد. وفي السعودية، يتطلع صندوق الاستثمارات العامة إلى “استثمار كبير” غير محدد هذه السنة لبدء غزو المملكة لأشباه الموصلات في إطار سعيها لتنويع اقتصادها المعتمد على الوقود الأحفوري.

وفي اليابان؛ حصلت وزارة التجارة على حوالي 25.3 مليار دولار لحملة الرقائق منذ بدايتها في حزيران/ يونيو 2021. ومن هذا المبلغ تم تخصيص 16.7 مليار دولار لمشاريع بما في ذلك مسابك شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” في جنوب كوماموتو ومصنع آخر في شمال هوكايدو، حيث يتم إنتاج المنتجات المحلية اليابانية. ويهدف مشروع شركة “رابيدوس” إلى إنتاج شرائح منطقية بحجم 2 نانومتر على نطاق واسع في سنة 2027.

وقال الموقع إن رئيس الوزراء فوميو كيشيدا يستهدف استثمارًا إجماليًا بقيمة 64.2 مليار دولار، بما في ذلك مبالغ من القطاع الخاص، بهدف مضاعفة مبيعات الرقائق المنتجة محليًا ثلاث مرات إلى حوالي 96.3 مليار دولار بحلول سنة 2030.

وعلى النقيض من ذلك، تجنبت سيول التمويل المباشر والإعانات مثل تلك التي تتبناها واشنطن وطوكيو، مفضلة العمل بمثابة يد مرشدة لتكتلاتها الغنية. وفي مجال أشباه الموصلات، تلعب حكومة كوريا الجنوبية دورًا داعمًا في إنفاق يقدر بنحو 246 مليار دولار، وهو جزء من رؤية أوسع للتكنولوجيا المحلية من السيارات الكهربائية إلى الروبوتات. ومن المتوقع أن يحصل هذا الجهد على دفعة من برنامج الرقائق الذي تبلغ قيمته 7.3 مليارات دولار والذي قالت وزارة المالية يوم الأحد إنه سيتم الكشف عنه قريبًا.

ولفت الموقع إلى أن أحد المخاطر المحتملة يلقي بظلاله على الطفرة العالمية في الدعم الحكومي: وهو خلق وفرة من الرقائق. وقالت سارا روسو، المحللة في برنشتاين: “كل هذا الاستثمار في التصنيع المدفوع بالاستثمار الحكومي، وليس الاستثمار المدفوع بالسوق في المقام الأول، يمكن أن يؤدي في النهاية إلى وضع لدينا فيه قدرة أكبر مما نحتاجه”. ومع ذلك، يتم تخفيف هذا الخطر من خلال طول الوقت الذي سيستغرقه تشغيل السعة الجديدة المخطط لها.

طفرة البناء في الصين
في الوقت الحالي، تقود شركات مثل “إنفيديا” و”كالكوم” و”برودكوم” العالم في تصميم الرقائق الحيوية لمجالات رئيسية مثل الذكاء الاصطناعي. ولكن هناك جدل حول مدى اتساع هذا التقدم. ويرى بعض الخبراء أن الصين متخلفة عن الركب بسنوات، في حين يصر آخرون على أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم على أعتاب اللحاق بالركب.

وتمتلك الصين حاليا عدداً من مصانع أشباه الموصلات قيد الإنشاء أكبر من أي مكان آخر في العالم، مما يؤدي إلى بناء إنتاج رقائق قديمة أقل بريقاً في حين تعمل على تكديس الخبرة اللازمة لتحقيق قفزة تكنولوجية محلية. كما أنها تعمل على إيجاد بدائل محلية لرقائق الذكاء الاصطناعي من “إنفيديا” وغيرها من منتجات السيليكون المتقدمة.

وقال جون لي، مدير شركة “إيست ويست فيوتشرز كونستلتينغ”: “إنك ترى توافقًا بين القطاع الخاص الصيني وأهداف الدولة الصينية، حيث يتعين على القطاع الخاص الصيني التوجه إلى الداخل لتخفيف المخاطر”.

ومن المرجح أن حجم الأموال التي تضخها بكين في هذا القطاع قد يقزم الإنفاق الأمريكي. وكانت الصين في طريقها لإنفاق أكثر من 142 مليار دولار، حسبما قدرت جمعية صناعة أشباه الموصلات ومقرها واشنطن الأسبوع الماضي. وكجزء من هذا الجهد، قامت الحكومة بجمع 27 مليار دولار أخرى لما يعرف بالصندوق الكبير للإشراف على استثمارات الدولة في عشرات الشركات.

وتأتي علامة أخرى على تصميم بكين من سجلات الشركات في الصين. ووفقًا لتحليل “بلومبرغ نيوز” لمئات الشركات في قاعدة بيانات الشركات الرسمية “تيانيانتشا”، هناك أكثر من 200 شركة لأشباه الموصلات في البلاد برأس مال مسجل يزيد عن 61 مليار دولار. ويأتي قسم كبير من ذلك من كيانات تابعة للدولة، وينبغي أن يترجم كل ذلك إلى رأس مال حقيقي منتشر.

ولا تكشف بكين والحكومات المحلية عن تمويلها الإجمالي لأشباه الموصلات، على الرغم من أن بعض الشركات تكشف عن بعض الإعانات التي تتلقاها. وتختلف التقديرات بشكل كبير لأن الأموال تأتي من الصناديق الوطنية المدعومة من الدولة، وتمويل الحكومة المحلية ومجموعة واسعة من الحوافز والإعفاءات الضريبية.

ضوابط التصدير
وقد تباطأت جهود الصين بسبب جدار القيود الذي فرضته الولايات المتحدة لمنع منافستها الجيوسياسية من الوصول إلى أحدث أشباه الموصلات. وتعمل إدارة بايدن على تجنيد الحلفاء في أوروبا وآسيا لتبني ضوابط التصدير على المعدات المتطورة اللازمة لصنع الرقائق الأكثر تقدمًا.

وقالت رايموندو في مانيلا في شباط/ فبراير، عندما أعلنت أن شركات الرقائق الأمريكية ستستثمر مليار دولار في الفلبين: “لا يمكننا أن نسمح للصين بالوصول إلى التكنولوجيا الأكثر تطورا لدينا، من أجل تقدمها العسكري. سنفعل كل ما يلزم لحماية شعبنا، بما في ذلك توسيع نطاق سيطرتنا”.

في الواقع، قبل حملة قمع الصادرات، كانت الصين تحرز تقدمًا، بقيادة شركة “هواوي”. وبدأت قدرات الشركة في تصميم بعض أنواع الرقائق في منافسة أفضل الشركات الأمريكية قبل أن تدرجها الولايات المتحدة على القائمة السوداء في سنة 2019، مما يترك لدى مصممي المعالجات أعمالا أصغر بكثير لتمويل جهودهم الابتكارية.

وانضمت “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات”، أكبر شركة لتصنيع الرقائق في الصين، إلى شركة “هواوي” في ما يسمى بقائمة الكيانات المقيدة للحكومة الأمريكية في سنة 2020. وبعد سنتين، ضربت واشنطن بكين بضوابط التصدير المصممة لمنع وصول الصين إلى أحدث تقنيات التصنيع. وتحاول إدارة بايدن حاليًا سد الثغرات المتبقية، بما في ذلك إصلاح المعدات، على الرغم من معارضة بعض حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك هولندا واليابان.

وقال بول تريولو، وهو مسؤول سابق في الحكومة الأمريكية متخصص في الصين وسياسة التكنولوجيا في مجموعة أولبرايت ستونبريدج، إن الحملة التي قادتها الولايات المتحدة قدمت “حافزاً كبيراً للشركات الصينية لتحسين قدراتها، والارتقاء بسلسلة القيمة، والتعاون فيما بينها، وحشد المزيد من الدعم الحكومي لشركات مثل “هواوي” التي تدفع الصناعة إلى الأمام”.

وحسب الموقع، حققت شركة “هواوي” قفزة كبيرة في شهر آب/ أغسطس عندما كشفت عن هاتف ذكي جديد “ميت 60 برو” يتميز بمعالج 7 نانومتر من “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات”، وهو إنجاز كان مسؤولو إدارة بايدن يأملون في إبقائه بعيدًا عن متناول الصين. وجاء الإفراج خلال زيارة ريموندو المرتقبة للصين، مما أثار غضب الوزير ودفع وزارة التجارة سريعًا إلى إجراء تحقيق.

وقال المسؤولون الأمريكيون منذ ذلك الحين إن الرقاقة متخلفة عن المكونات الأجنبية من حيث الأداء والإنتاج. وذكر موقع “بلومبرغ” أنه تم تصنيعها باستخدام أدوات أمريكية وهولندية، مما يؤكد اعتماد الصين على التكنولوجيا الغربية.

ومع ذلك، لا تزال إدارة بايدن تدرس ردها. وقال المسؤولون إن شركة “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” ربما تكون قد انتهكت القانون الأمريكي إذا أنتجت الرقاقة لشركة “هواوي”، وهم يفكرون في فرض عقوبات على شبكة من شركات التكنولوجيا الصينية التي يخشون أن تتمكن أيضًا من تصنيع معالجات لعملاق الاتصالات “هواوي”.

الرهانات السياسية
يلوح خطر الغزو الصيني لتايوان في الأفق، والذي يقدر البنتاغون أن بكين ستكون مستعدة للقيام به بحلول سنة 2027. وتحتضن تايوان شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” الرائدة في الصناعة والتي تصنع 90 بالمئة من الرقائق الأكثر تقدمًا في العالم.

وأورد الموقع أن التهديد بانقطاع إمدادات الرقائق يحفز ريموندو، حاكم ولاية رود آيلاند السابق والرأسمالي المغامر السابق، الذي يريد أن تصنع المصانع الأمريكية 20 بالمئة من أشباه الموصلات المنطقية الأكثر تقدما في العالم بحلول نهاية العقد.

وقالت وكالة “سيا” إن الولايات المتحدة في طريقها للاستحواذ على 28 بالمئة من تلك السوق بحلول سنة 2032. وهذا من شأنه أن يجعل الولايات المتحدة ثاني أكبر منتج، بعد تايوان فقط.

ويحمل السباق لبناء تلك المصانع أيضًا مخاطر إضافية تتمثل في سعي بايدن للفوز بولاية ثانية، مما يضع وعده بإحياء التصنيع في قلب حملة إعادة انتخابه ضد دونالد ترامب.

وحصلت المشاريع في ولاية أريزونا – وهي ولاية يُنظر إليها على أنها حاسمة لتحقيق النصر في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر – على جوائز بمليارات الدولارات. مع ذلك، سوف يستغرق الأمر فترة طويلة بعد الانتخابات الأمريكية حتى يتم بناء المصانع المخطط لها هناك من قبل شركة “إنتل” و”المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” والبدء في إنتاج الرقائق، وهو اختبار لصبر الناخبين لرؤية الوظائف الموعودة.

حتى الآن؛ لم يوضح ترامب بعد خططه لأشباه الموصلات، بما في ذلك أموال قانون الرقائق التي لن تبدأ في التدفق إلا في وقت قريب من يوم الانتخابات بعد فترة طويلة من العناية الواجبة.

تجدر الإشارة إلى أن ترامب، أثناء وجوده في منصبه، كان مسؤولاً عن الفوز بالتزام “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” ببناء أول مصنع متقدم لها في الولايات المتحدة في سنة 2020، وفرض عقوبات مرتبطة بالتكنولوجيا ضد الصين، بما في ذلك شركة “هواوي”.

ويهدد ترامب أيضًا بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60 بالمئة على البضائع الصينية إذا أصبح رئيسًا مرة أخرى. وقال تريولو إن هذا يهدد بإثارة رد فعل أقوى بكثير من بكين، بدءًا من استهداف الشركات الأمريكية في الصين إلى تقييد صادرات المواد الحيوية لأشباه الموصلات وغيرها من التقنيات الاستراتيجية.

وقال لي: “لا يهم حقًا من هو الرئيس الذي سيفوز بالانتخابات. الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين سوف تزداد سوءا، ولن تتحسن”.

المصدر: موقع بلومبيرغ

ترجمة: عربي 21




ميدل إيست آي: أغنى كلية في جامعة كامبريدج تسحب استثماراتها من شركة أنظمة تسليح إسرائيلية

كشف موقع “ميدل إيست آي” في لندن أن واحدة من أغنى كليات جامعة كامبريدج قررت سحب استثماراتها من  كبرى شركات تصنيع السلاح الإسرائيلية، إلبيت.

 وفي تقرير أعدّه عمران ملا وَرَدَ أن قرار كلية ترينتي في جامعة كامبريدج جاء بعد كشف الموقع، في شباط/فبراير، أنها استثمرت 61,735 جنيهاً إسترلينياً في شركة إلبيت التي تصنع نسبة 85% من المسيّرات العسكرية والمعدّات البرية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي.

 وكشف الموقع أن الكلية لديها استثمارات بملايين الدولارات في شركات أخرى تسلّح وتدعم وتتربح من الحرب الإسرائيلية في غزة.

وفي رد على التقرير، الذي نشره الموقع في 28 شباط/فبراير، قام “المركز الدولي للعدالة من أجل فلسطين” بإصدار بلاغ قانوني لكلية ترينتي، محذراً إياها بأنها قد تكون متواطئة بجرائم الحرب الإسرائيلية.

وقال “المركز الدولي للعدالة من أجل فلسطين”، في بلاغه القانوني، إن “العاملين والمدراء والمساهمين في الكلية قد يتعرضون للمساءلة الجنائية لو استمروا في الاستثمارات في شركات سلاح قد تكون متواطئة في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية”.

ونقل الموقع عن ثلاثة مصادر مطلعة وقريبة من اتحاد طلاب كلية ترينتي أن مجلس الكلية، وهو الجهة المسؤولة عن القرارات المالية المهمة وغيرها من القرارات، صوّت، بداية آذار/مارس، لوقف استثماراته في شركات السلاح. وبحسب هذه المصادر، فقد قررت الكلية عدم الإعلان أنها  ستسحب استثماراتها، بعدما قام الناشطون بتشويه صورة لآرثر بلفور، المسؤول عن إعلان بلفور، المعروضة داخل الجامعة في آذار/مارس.

وحظي الفعل بتغطية إعلامية واسعة، وشجب من النواب في مجلس العموم، بمن فيهم نائب رئيس الوزراء أوليفر دودين. ولم يحصل موقع “ميدل إيست آي” على تعليق من ترينتي بعد الطلب منها.

استدعى  سوناك رؤساء 17 جامعة إلى “طاولة مستديرة حول معاداة السامية”، وحثهم على تحمل المسؤولية الشخصية لحماية الطلاب اليهود

وكشف الموقع أيضاً أن الكلية استثمرت حوالي 3.2 مليون دولار في الشركة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، كاتربيلر، والتي ظلت محلاً للنشاطات المطالبة بالمقاطعة نظراً لتزويدها بالجرافات التي يهدم بها الجيش الإسرائيلي بيوت الفلسطينيين. إلى جانب عدة شركات متورطة في الحرب الإسرائيلية بغزة، ومنها جنرال إليكتريك وتويوتا كوربوريشن وروز- رويس ومصرف باركليز وأل3 هاريس أندستريز. ولم تعلن ترينتي عن التزام بسحب استثماراتها من هذه الشركات.

وفي رسالة مفتوحة إلى الكلية، الخميس الماضي، ووقّعها أكثر من 1700 أكاديمي وموظف وطالب وخريج عبّروا فيها عن دعمهم للمتظاهرين الذين أقاموا مخيماً احتجاجياً لمطالبة الكلية بإنهاء أي احتمالات متواطئة في الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتجمع مئة طالب في ساحة خارج كلية كينغز في كامبريدج، حيث نصبوا خياماً، وطالبوا مؤسسات الجامعة لسحب اسثماراتها من الشركات المتورطة في الحرب بغزة. وانضموا إلى طلاب 100 جامعة حول العالم قاموا بحركات احتجاج مماثلة. وأخبر منظمو المخيم موقع “ميدل إيست آي” بأنهم يطالبون جامعة كامبريدج بالكشف عن علاقتها مع الشركات والمؤسسات “المتواطئة بالتطهير العرقي في فلسطين”.

واستدعى رئيس الوزراء ريشي سوناك، يوم الخميس، رؤساء 17 جامعة إلى “طاولة مستديرة حول معاداة السامية” في مقر الحكومة بـ10 داونينغ ستريت، وحثهم على تحمل المسؤولية الشخصية لحماية الطلاب اليهود.

وفي نفس اليوم، أعلنت كلية ترينتي، دبلن، وهي من أهم وأعرق الجامعات في أيرلندا بأنها ستسحب استثماراتها من الشركات الإسرائيلية المتورطة في حرب غزة. وذلك بعد اعتصام طلابي ضد الحرب في غزة.

 ويتعرض القطاع، منذ تشرين الأول/أكتوبر، لحصار كامل حيث يمنع عن سكانه الطعام والدواء والماء. وقتل حتى الآن أكثر من 35,000 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب جرح أكثر من 77,000 شخص، حسب أرقام وزارة الصحة في غزة. ولا تشمل الأرقام آلافاً من السكان الذين دفنوا تحت الأنقاض.

المصدر: موقع ميدل إيست آي البريطاني

ترجمة: إبراهيم درويش




مقارنة بين انتصار الاتحاد السوفياتي على النازيين في عيد النصر وواقعنا الجيوسياسي الحالي

التاسع من أيار من كل عام، يعود إلى المشهد الجيوسياسي ذلك المتغير الذي بدل خريطة العالم بعدما قلب الاتحاد السوفياتي معركته إلى انتصار على النازية.

لقد أنقذ انتصار التاسع من أيار أوروبا من غطرسة كانت ستحكمها لسنوات، لكن يبدو أن الأوروبيين لم يتعلموا من تلك الحقبة وعادوا إلى الحضن الأميركي.

ما يحصل في الساحة الجيوسياسية اليوم يعيد إلى الأذهان مشهد اليد النازية التي طغت على أوروبا وأنقذها الاتحاد السوفياتي، لكن اليوم هناك من يعيد هذه الغطرسة إلى الواجهة من خلال الخضوع للسياسة الخارجية الأميركية. 

تتحكم الولايات المتحدة الأميركية بمصالح الأوروبيين فتضربها من هنا وهناك، سواء ما حصل في أوكرانيا أو من خلال ما يحصل في غرب آسيا حاليًّا.

أدخلت أميركا الأوروبيين في الحرب الأوكرانية لتصيبهم في مقتل من خلال حاجتهم للغاز الروسي.

دخلت أوكرانيا في حرب لصالح الولايات المتحدة الأميركية وذهبت الدول الأوروبيّة تستجدي الغاز، هكذا هي المعادلة الغريبة اليوم.

إن مصلحة الولايات الأميركية المتحدة لا تختلف عن مصلحة النازيين، فالهدف كان واحدًا وهو السيطرة على أوروبا والعالم عبر خرق القوانين الدولية وقتل المدنيين وخرق الدول عبر عملاء يعملون تنفيذًا لمصالح أميركا في بلادهم. 

وقف الاتحاد السوفياتي منتصرًا للعالم في مواجهة النازيين، واليوم يعيد التاريخ نفسه لتقف روسيا وإلى جانبها الصين والجمهورية الإسلامية في إيران وعدد من الدول في مواجهة الغطرسة الأميركية. 

مواجهة الأميركي بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليست جديدة، فمنذ خطابه الأول في الساحة الحمراء صرح عن العالم المتعدد الأقطاب انطلاقًا من البعد التاريخي للاتحاد السوفياتي الذي انتصر في التاسع من أيار على النازية. 

كان واضحًا أن ثقة الرئيس فلاديمير بوتين بقدرات روسيا كبيرة، فأطلق مشاريعه التي باتت تزهر في كل عيد نصر وردة للعالم الحر مقابل شوكة في طريق الغطرسة الأميركية. 

اليوم نعيش مرحلة مواجهة جديدة مع النازيين الجدد في أميركا، بحيث سطر الاتحاد السوفياتي تاريخيًّا اسمه في إنقاذ العالم من المشاريع المتطرفة عندما قضى على النازية، وها هو اليوم يسير في تدمير قدرات الغطرسة الأميركية رويدًا رويدًا.

د. زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء




الاحتجاجات الطلابية الجامعية الأميركية… خلفياتها وتداعياتها وآفاقها

تشهد جامعات أميركية عديدة، بما فيها هارفارد وييل وكولومبيا وكاليفورنيا في بيركلي، منذ أسابيع، موجة احتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يطالب فيها المحتجّون جامعاتهم بقطع أيّ علاقات استثمارية وأكاديمية مع إسرائيل. وفي حين أن غالبية إدارات الجامعات انحازت، تحت ضغوط سياسية ومن متبرعين كبار، فضلًا عن اللوبي الاسرائيلي، إلى الحلول القمعية والعقابية لفضّ الاعتصامات الطلابية السلمية بذريعة أنها “معادية للسامية”، فإن عددًا قليلًا منها اختار طريق التفاوض مع الطلاب المعتصمين. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات الطلابية الحالية لم تصل بعد إلى مستوى الاحتجاجات الطلابية الكبرى في أواخر ستينيات القرن الماضي ضد حرب فيتنام أو في الثمانينيات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فإنها تمثّل “أكبر حركة احتجاج طلابية” في العقود الأخيرة. ولا تقتصر تداعياتها على الجامعات الأميركية وسمعتها ومكانتها عالميًا فحسب، بل إنها قد تؤثّر في المشهد الانتخابي الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.

خلفية الاحتجاجات
أصبحت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والمنددة بإسرائيل سمة بارزة في حرم الجامعات الأميركية منذ انطلاق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة. وتتركز مطالب الطلاب في دعوة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إنهاء انحيازها الكامل إلى إسرائيل ووقف المساعدات العسكرية لها، والضغط من أجل فرض وقف إطلاق نار فوري ودائم في القطاع، فضلًا عن مطالبة جامعاتهم بوقف تعاونها مع الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وسحب استثماراتها، التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، من شركات الأسلحة والتكنولوجيا التي تتعاون مع إسرائيل، وإنهاء أيّ علاقات أكاديمية مع جامعات إسرائيلية. وإضافة إلى ذلك، يطالب المحتجّون بالعفو عن زملائهم من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين تعرّضوا لعقوبات بسبب مشاركتهم في الحركة الاحتجاجية ودعمهم لها.
وأجّج دخول مجلس النواب الأميركي، في كانون الأول/ ديسمبر 2023، بأغلبيته الجمهورية وتواطؤ ديمقراطيين عديدين، على خط الحركة الطلابية، الأوضاعَ في الجامعات، حيث مارسوا نوعاً من الترهيب ضد الإدارات الجامعية وحرّضوا على الطلاب المحتجين. وبعد جلسة استماع لثلاثة رؤساء جامعات مرموقة (هارفارد، وبنسلفانيا، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) أمام لجنة التعليم والقوى العاملة النيابية، كانت أشبه بجلسة تحقيق من الحقبة المكارثية، حول مزاعم عن تغاضيهم عن “معاداة السامية” وتهديد سلامة الطلاب والعاملين اليهود في جامعاتهم، على الرغم من أن كثيرًا من الطلاب اليهود شاركوا في الاحتجاجات، اضطرت رئيستا جامعتي بنسلفانيا وهارفارد إلى الاستقالة تحت وطأة الضغوط والاتهامات الموجّهة إليهما بعد أن حاولتا الموازنة بين “حرية التعبير” المصونة دستوريًا، والخطاب المحرّض على العنف أو العنف ذاته وضمان سلامة الحرم الجامعي. في حين ما زالت رئيسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تتعرض لانتقادات وضغوط بهدف دفعها إلى التنحي.

يعمل الجمهوريون في الكونغرس على وضع تشريعات تستهدف تمويل الجامعات، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية التي تحصل عليها

وفي 17 نيسان/ أبريل 2024، عقدت اللجنة النيابية جلسة استماع أخرى لرئيسة جامعة كولومبيا في نيويورك، نعمت (مينوش) شفيق. وعلى عكس سابقاتها، حاولت شفيق التركيز على جهود إدارتها في “محاربة معاداة السامية بدلًا من حماية حرية التعبير”، وهاجمت عددًا من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعتها والطلاب المحتجّين، إلا أن ذلك لم يشفع لها، إذ اتهمها مشرّعون بالضعف في مواجهة الاحتجاجات الطلابية وطالبوها بالاستقالة. وفي تعبير عن استيائهم مما جاء في شهادة شفيق، بدأ عدد من طلاب جامعة كولومبيا، في مساء اليوم نفسه، اعتصامًا في حرم الجامعة تضامنًا مع غزّة، وتأكيدًا على مطالبهم بضرورة أن تُوقف الجامعة استثماراتها في الشركات التي لها علاقة بإسرائيل وقطع أيّ صلات أكاديمية بها. وتمثَّل رد شفيق باستدعاء شرطة نيويورك في محاولة لفض الاعتصام. ومع هذا، وخلال أيام قليلة، انتشرت اعتصامات الجامعات في طول البلاد وعرضها، وألهمت طلاب جامعات أخرى خارج الولايات المتحدة الأميركية، كما في كندا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا والمكسيك. وفي 30 نيسان/ أبريل، اقتحمت شرطة نيويورك حرم جامعة كولومبيا بعد أن سيطر طلاب على مبنى “هاملتون هول” فيها، وفضّت الاعتصام واعتقلت العشرات منهم، وهو ما حصل أيضًا في جامعات أميركية أخرى، حيث جرى اعتقال ما لا يقل عن 2400 طالبًا في 46 حرمًا جامعيًا أميركيًا منذ 17 نيسان/ أبريل.
يعمل الجمهوريون في الكونغرس على وضع تشريعات تستهدف تمويل الجامعات، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية التي تحصل عليها، والمنح البحثية الفدرالية، وكذلك المساعدات المالية للطلاب. وكان مجلس النواب قد أقر، بأغلبية كبيرة من الجمهوريين والديمقراطيين، مطلع أيار/ مايو الجاري، مشروع “قانون التوعية بمعاداة السامية”، الذي يتبنّى تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” لـ “معاداة السامية”. ويخلط هذا التعريف بين خطاب التنميط ضد اليهود والتحريض على كراهيتهم، وانتقاد إسرائيل. وتنص الأمثلة الملحقة بالتعريف، والتي يجعلها الكونغرس جزءًا من التعريف، على أن “استهداف دولة إسرائيل باعتبارها مجموعة يهودية […] (و)إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير عبر الادعاء أن وجود دولة إسرائيل مجرد اجتهاد عنصري، وما شابه […] (و)تطبيق معايير مزدوجة من خلال مطالبة إسرائيل بتصرفات غير متوقعة من أي دولة ديمقراطية أخرى” كلها صور من صور “معاداة السامية”.

يواجه الرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي معضلة حقيقية نتيجة الاحتجاجات الطلابية؛ فالفئات الشبابية المتعلمة تقع ضمن تحالف بايدن الانتخابي

معضلة بايدن والديمقراطيين
يواجه الرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي معضلة حقيقية نتيجة الاحتجاجات الطلابية؛ فالفئات الشبابية المتعلمة تقع ضمن تحالف بايدن الانتخابي، وهو ما ينعكس في محاولة إدارته الموازنة بين التأكيد على حرية التعبير والحق السلمي في التظاهر من جهة، ورفض ما يزعمونه من “فوضى” و”عنف” و”معاداة للسامية” تحفل بها تلك الاحتجاجات، من جهة أخرى. وهذا ما يفسّر أيضًا انقسام أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين على خلفية الموقف من الاحتجاجات الطلابية، كما أن ثمَّة انقسامًا جيليًا واضحًا داخل المعسكر الديمقراطي في الموقف من إسرائيل وعدوانها على قطاع غزّة. 
وقد تجلت محاولات البحث عن توازن صعب بعد بدء الطلاب احتجاجاتهم واعتصاماتهم انطلاقًا من جامعة كولومبيا، في تصريح بايدن الذي قال فيه “أدين المظاهرات المعادية للسامية […] كما دين هؤلاء الذين لا يفهمون ما يعانيه الفلسطينيون”. بدا بايدن في هذا التصريح كأنه يحاول اتخاذ موقف يعبّر عن التعاطف مع أهداف المتظاهرين من دون أن يؤيد احتجاجاتهم. وبعد يومين من فضّ شرطة نيويورك اعتصام الطلاب في جامعة كولومبيا، قال بايدن إن الاحتجاجات المستمرّة تضع الولايات المتحدة أمام مبدأين أميركيين أساسيين، “الأول هو الحقّ في حرية التعبير وحق الناس في التجمع السلمي وإسماع أصواتهم. والثاني هو سيادة القانون. ويجب الحفاظ على كليهما”. وأضاف، “لا ينبغي أن يكون هناك مكان في أيّ حرم جامعي، ولا مكان في الولايات المتحدة لمعاداة السامية أو التهديد بالعنف ضد الطلاب اليهود. لا يوجد مكان لخطاب الكراهية أو العنف من أيّ نوع، سواء أكان معاداة السامية أم الإسلاموفوبيا أم التمييز ضد الأميركيين العرب أو الأميركيين الفلسطينيين”. وعلى الرغم من محاولاته تحقيق توازن، فإن روايته ظلت تميل إلى صالح الرواية الإسرائيلية، عبر محاولة تصوير الاحتجاجات على أنها تخريبية وفوضوية و”معادية للسامية”، وهي الصورة التي ينفيها الواقع؛ إذ إن أغلب العنف يأتى من قوات الأمن، ومن المتظاهرين المؤيدين لإسرائيل.

تتمثل معضلة بايدن والقيادات الديمقراطية، عمومًا، في كيفية التعامل مع الفئات الشبابية في المجتمع الأميركي

وعلى صعيد الحزب الديمقراطي، فالتجاذبات فيه أشد وضوحًا. فمن ناحية، تتبنّى قياداته في الكونغرس، كزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، وزعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، خطابًا تشويهيًا واتهاميًا وتحريضيًا ضد الاحتجاجات الطلابية. بل إن الأخير حضَّ رئيس مجلس النواب، الجمهوري مايك جونسون، على الإسراع في طرح مشروع “قانون التوعية بمعاداة السامية”، على أساس “أن الجهود المبذولة لسحق معاداة السامية والكراهية بأيّ شكل ليست قضية ديمقراطية أو جمهورية، بل إنها قضية أميركية يجب معالجتها بمشاركة الحزبين على نحو عاجل”. أما النواب التقدّميون في الحزب، كرشيدة طليب وجمال بومان وكوري بوش وإلهان عمر، فيقفون بقوة مع الاحتجاجات الطلابية على أساس أن “المعارضة قيمة أميركية أساسية”. 
تتمثل معضلة بايدن والقيادات الديمقراطية، عمومًا، في كيفية التعامل مع الفئات الشبابية في المجتمع الأميركي. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته “رويترز/ إبسوس” Reuters/ Ipsos في آذار/ مارس 2024، مثلًا، أن الأميركيين الذين تُراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يفضّلون بايدن على دونالد ترامب بفارق 3 نقاط مئوية فقط (29 في المئة لبايدن مقابل 26 في المئة لترامب)، علما أن بايدن كان قد فاز بأصوات الشباب بفارق 24 نقطة في عام 2020. ووفقًا لاستطلاع رأي ثانٍ أجراه مركز بيو للأبحاث في نيسان/ أبريل، فإنّ نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين ضمن الشريحة العمرية 18-29 عامًا تبلغ 33%، مقارنة بــ 14% يتعاطفون مع إسرائيل، و21% مع كلا الطرفين. أما نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين ضمن الشريحة العمرية نفسها من الديمقراطيين أو من يميلون إليهم فتبلغ 47%، مقابل 7% فقط مع إسرائيل، و23% مع كلا الطرفين. في حين أظهر استطلاع رأي ثالث أجرته جامعة كوينيبياك في نيسان/ أبريل أنه من بين الناخبين الأميركيين المسجلين الذين تُراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، أيد 25% فقط منهم المساعدات العسكرية التي تقدّمها إدارة بايدن لإسرائيل، مقابل 66% يعارضونها.

وقد انعكس ذلك في سلوك منظمة “ديمقراطيو الكليات الأميركية”، وهي الجناح الطلابي للحزب الديمقراطي، التي تحاول كسب ناخبي جيل الشباب (الجيل Z) لصالح الحزب، حيث إنها أيدت الاحتجاجات الطلابية لأنها تملك، بحسب المنظمة، “الوضوح الأخلاقي لرؤية هذه الحرب على حقيقتها: مدمرة وإبادة جماعية وغير عادلة”، ودانت رؤساء الجامعات لاستعانتهم بقوات الأمن لفضّها واعتقال الطلبة. كما دانت الرئيس بايدن وزعماء الحزب الديمقراطي في الكونغرس لعدم إلزامهم إسرائيل بوقف إطلاق النار على نحو فوري ودائم، وإنجاز صفقة تبادل أسرى، والدفع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقالت المنظمة في بيان لها “باعتبارنا ناخبين شبابًا، ندرك جيدًا أنه بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ستحدد أصواتنا من سيفوز بالبيت الأبيض. لقد اتخذ البيت الأبيض المسار الخاطئ المتمثل في استراتيجية العناق لبنيامين نتنياهو، وتبنّى استراتيجية إدارة الظهر لقواعده الانتخابية، وجميع الأميركيين الذين يريدون رؤية نهاية لهذه الحرب”. 
في المقابل، يرى معسكر بايدن أن ثمّة مبالغة في تصوير تداعيات الحرب في قطاع غزة على فرصته بالفوز فترةً رئاسية ثانية. ويشير هؤلاء إلى أن الأعداد القليلة للمتظاهرين لا تعبّر عن 41 مليون ناخب مؤهل من الجيل Z للتصويت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. في حين يجادل آخرون بينهم بأن الغضب بشأن حملات القمع في الجامعات الأميركية يتوجه نحو رؤساء الجامعات والمسؤولين المحليين أكثر من بايدن نفسه. ويعتقد فريق بايدن أن غالبية الشباب لن يصوّتوا على خلفية الموقف من حرب غزة، وإنما على أساس قضايا داخلية، مثل الاقتصاد والمناخ والإجهاض. ويحيل مؤيدو وجهة النظر هذه إلى عدد من استطلاعات الرأي التي يقولون إنها تؤيد تحليلاتهم، مثل الاستطلاع الذي أجراه معهد السياسة الدولية في كلية كينيدي في جامعة هارفارد، إذ وجد أن 51% من الشريحة العمرية 18-29 عاماً يؤيدون وقف إطلاق النار في قطاع غزة مقابل 10% يعارضونه، وأن 18% فقط يؤيدون طريقة تعامل بايدن مع الحرب، إلا أن الاستطلاع وجد أن تصويت تلك الشريحة لن يكون مرتبطًا بسياسة بايدن نحو قطاع غزة أو أيّ قضية خارجية أخرى، إذ تهمّهم القضايا الداخلية أكثر، كالتضخم والرعاية الصحية والسكن. وبحسب استطلاع آخر للرأي أجرته “الإيكونوميست/ يوغوف” The Economist/ YouGov Poll، قال 63% من الشباب إنهم لم يحضروا أيّ نوع من الاحتجاج السياسي أو التجمعات أو المظاهرات. وعلى هذا الأساس، أطلق البيت الأبيض في الأسابيع الأخيرة سلسلة من الإجراءات يحاول عبرها التودد للشباب، مثل إعلان إجراءات جديدة لتخفيض القروض الطلابية، والتوجه إلى تخفيف العقوبات الجنائية على اقتناء الماريغوانا.

التحوّلات داخل قواعد الحزب الديمقراطي تبدو عميقة، خصوصًا بين الشباب، وهذا أكثر ما يُقلق إسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة

ومع ذلك، يحذر بعضهم من خلل في حسابات حملة بايدن الرئاسية إذا ما قللت من تأثير سياسته المتواطئة مع إسرائيل في حربها في قطاع غزة. فمثلًا، يرى السيناتور بيرني ساندرز أن بايدن يخاطر برئاسته إذا استمر في نهجه الداعم لإسرائيل من دون حدود، وأن الحرب في قطاع غزة “قد تكون فيتنام بايدن”. ويخشى كثير من الديمقراطيين من أن استمرار الاضطرابات في الشارع الأميركي وحرم الجامعات قد يُلقي بظلاله على المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي سيُعقد في مدينة شيكاغو في آب/ أغسطس 2024، حيث سيجري ترشيح بايدن رسميًا لمنصب الرئيس، وخاصة أن كثيرًا من الشباب التقدميين ينظرون إلى الاحتجاجات ضد إسرائيل باعتبارها جزءًا من النضال من أجل العدالة الاجتماعية؛ إذ إن القضية الفلسطينية باتت بالنسبة إليهم ترتبط بقضايا محلية مثل التمييز العنصري.

خاتمة
على الرغم من أنه من غير المتوقع أن تنجح احتجاجات الحركة الطلابية في تحقيق أهدافها الرئيسة المتمثلة في وقف التواطؤ الأميركي في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة وسحب الجامعات الأميركية لاستثماراتها مع إسرائيل، فإنها تمكّنت من جعل دعم الولايات المتحدة غير المحدود لإسرائيل وجرائمها محل نقاش وطني واسع. إضافة إلى أن التحوّلات داخل قواعد الحزب الديمقراطي تبدو عميقة، خصوصًا بين الشباب، وهذا أكثر ما يُقلق إسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة. من هنا، نفهم إدانة نتنياهو للاحتجاجات الطلابية وتحريضه عليها. ويبدو أنّ اللوبي الصهيوني وحلفاءه في الولايات المتحدة قد خسروا الجيل الأميركي الشاب، ولم تنجح محاولاتهم في تخويفه ودفعه إلى الاختيار بين مستقبله التعليمي والوظيفي، وقناعاته الأخلاقية وضميره الإنساني. وهو ما يعزّز الأمل حول إمكانية حدوث تغيير مستقبلًا في الانحياز الأميركي المطلق لصالح إسرائيل، إذا أُحسِن استثمار هذا الزخم وتنظيمه.

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات




تقدر بمليارات الدولارات… هذه خريطة استثمارات الجامعات الأميركية في إسرائيل

من الحرم الجامعي في جامعة كولومبيا في نيويورك، وصولاً إلى جامعة تكساس في هيوستن، تتردد أصداء الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والرافضة للحرب الإسرائيلية المستمرّة على غزة، وتعلو هتافات “اكشفوا، اسحبوا، لن نتوقف، لن نهدأ”،التي تهزّ الجامعات الأمريكية، وتدعو إلى سحب استثماراتها مع الشركات الداعمة لإسرائيل.

فما هي طبيعة الاستثمارات التي تستهدفها موجة الغضب الطلابي؟ وما الذي يربط حقاً بين الجامعات الأمريكية والشركات الإسرائيلية؟

مطالب الاحتجاجات

منذ أسابيع، يُنظر إلى المشهد الأمريكي الراهن على أنه “ثورة طلابية” في وجه طبيعة العلاقات مع إسرائيل، وتشهد جامعات عديدة أبرزها هارفارد، وكولومبيا، وتكساس، وجنوب كاليفورنيا، مظاهرات احتجاجيةً ضد الدعم الأمريكي لإسرائيل، ويرتبط جانب من هذه المظاهرات التي رافقها نصب الخيام، بمطالب وقف إطلاق النار في غزة، وسحب استثمارات الجامعات مع الشركات التي لها علاقات مع إسرائيل، ووقف التعاون مع جامعات ومؤسسات تعليمية إسرائيلية. 

تتردد  في الجامعات الأمريكية هتافات “اكشفوا، اسحبوا، لن نتوقف، لن نهدأ”، التي تدعو الجامعات لسحب استثماراتها مع الشركات الداعمة لإسرائيل، فما هي طبيعة هذه الاستثمارات التي تستهدفها موجة الغضب الطلابي؟ وما الذي يربط حقاً بين الجامعات الأمريكية والشركات الإسرائيلية؟

تختلف مطالب الطلاب من جامعة إلى أخرى. على سبيل المثال، يدعو تحالف جامعة كولومبيا إلى سحب الاستثمارات البالغة 13.6 مليارات دولار من أي شركة مرتبطة بإسرائيل أو من الشركات التي تستفيد من الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، مثل “غوغل” و”AIRBNB”، وشركات التكنولوجيا العملاقة مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت، بحسب تقرير لـ”سي أن أن”، فيما يطالب طلاب آخرون، بمن فيهم طلاب جامعة كورنيل وجامعة ييل، بالتوقف عن الاستثمار في شركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية.

سحب الاستثمارات والتأثير على أسواق الأسهم

تمتلك العديد من الجامعات الأمريكية أوقافاً هي عبارة عن أموال يتم التبرع بها واستثمارها بشكل عام في الأسهم والسندات والأدوات المالية الأخرى لمساعدة الجامعة على كسب المال. ويعني سحب الاستثمارات هذه أن يقوم المستثمر أو المؤسسة ببيع أسهمه/ـا في شركة ما لتجنّب التواطؤ مع الأنشطة التي تُعدّ غير أخلاقية أو ضارّة، لكن في حالة الجامعات الأمريكية يبدو أن الأمور ليست بهذه البساطة، كما أن هناك شكوكاً في تأثير تلك الخطوة الفعلي على الاستثمارات.

كانت هناك سابقة في ثمانينيات القرن الماضي للاحتجاجات الطلابية التي استهدفت سحب الاستثمارات. حينها نجح الطلاب في إقناع جامعة كولومبيا بسحب استثماراتها من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ولكن توصلت الأبحاث لاحقاً إلى أنه لم يكن هناك أي تأثير لذاك السحب تقريباً على سعر أسهم الشركات.

وتوصلت الأبحاث حالياً إلى أن هناك تأثيراً ضعيفاً جداً لحملات سحب الاستثمارات على قيمة الأسهم أو سلوك الشركات، كما قال فيتولد هينيس، مدير هيئة التدريس للمبادرة البيئية والاجتماعية والحوكمة في كلية وارتون في جامعة بنسلفانيا، لشبكة”سي أن أن”. 

يدعو تحالف جامعة كولومبيا إلى سحب الاستثمارات البالغة 13.6 مليارات دولار من الشركات التي تستفيد من الحرب، مثل “غوغل” و”AIRBNB”  و”مايكروسوفت” و”أمازون” و”ألفابت”. 

على جانب آخر، يرى أنصار المطالبة بسحب الاستثمارات أن قيمتها تكمن في رفع مستوى الوعي، وإرسال رسالة مهمة بعدم الموافقة على سلوك إسرائيل في غزة.

فيما ترددت بعض الجامعات في الرضوخ لمطالب الطلاب وسحب الاستثمارات لعدد من الأسباب؛ فمن ناحية، فك التشابك بين المصالح المالية بين جميع الشركات التي لها علاقات مع إسرائيل سيكون أمراً معقداً. ومن ناحية أخرى، العديد من المدافعين عن إسرائيل يعتقدون أن الدعوات لسحب الاستثمارات في الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية يمكن أن تكون معاديةً للسامية.

ويأتي التعقيد من أن إدارة العديد من الأوقاف تتم من قبل مديري الأصول ويتم استثمارها في صناديق أسهم خاصة ومبهمة. يقول نيكولاس ديركس، المستشار السابق لجامعة كاليفورنيا في بيركلي: “لقد أصبح الاقتصاد عالمياً للغاية الآن، لدرجة أنه حتى لو قررت إحدى الجامعات أنها ستصدر تعليمات لمجموعاتها الإدارية المهيمنة بالتخلي عن إسرائيل، فسيكون من المستحيل تقريباً فك الارتباط”.

بحسب“سي أن أن”، حتى الآن رفضت الجامعات الأمريكية بشكل قاطع تعديل استثماراتها استجابةً للضغوط الطلابية، مكتفيةً بعقد بعض إدارييها اجتماعات مع الطلاب، لكن الرسالة العامة كانت أنهم لن يغيروا محافظهم الاستثمارية أو يبيعوا أصولهم المرتبطة بإسرائيل، فيما أوضحت جامعة هارفارد أنها “تعارض الدعوات لسياسة مقاطعة إسرائيل ومؤسساتها الأكاديمية”.

من جهتها، قالت جامعة يال، إنها لن تسحب استثماراتها من شركات تصنيع الأسلحة، لأن ذلك لا “يصل إلى حد الضرر الاجتماعي الجسيم الذي يستدعي سحب الاستثمار”.

كما رفضت جامعة ولاية ميشيغان، التي قال مجلس أمنائها إنه لن ينظر في سحب الاستثمارات “من أي نوع”، كما توصلت جامعة براون إلى اتفاق مع الطلاب المحتجين على الحرب على غزة يقضي بإزالة مخيمهم من أرض المدرسة مقابل أن تفكر المؤسسة في سحب استثماراتها من إسرائيل، بحسب“تايمز أوف إسرائيل”. كذلك، قالت جامعة ولاية بورتلاند إنها ستوقف الهدايا والمنح المقدّمة من شركة “بوينغ”، بعد أن دعا الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الجامعة إلى قطع العلاقات مع الشركات التي تدعم إسرائيل.

غموض الاستثمارات مع إسرائيل

هناك عائق كبير أمام حركة سحب الاستثمارات يتمثّل في الطبيعة الغامضة للاستثمارات الجامعية، حيث يعترف الطلاب بعدم يقينهم بشأن المدى الكامل للعلاقات المالية لجامعاتهم مع إسرائيل .ومع توزيع المبالغ الهائلة على عدد لا يحصى من الاستثمارات، فإن تتبع تلك الاستثمارات يُعدّ مهمةً صعبةً.

وبرغم أن وزارة التعليم الأمريكية تلزم المؤسسات التعليمية بالإبلاغ عن مساهماتها والعقود الأجنبية، فإن العديد منها تتحايل على الكشف الكامل عن طريق تحويل الأموال من خلال كيانات مستقلة. ووفقاً للوزارة، فقد أبلغت 100 جامعة أمريكية تقريباً عن مساهمات أو عقود بقيمة نحو 375 مليون دولار مع إسرائيل على مدى العقدين الماضيين، ومع ذلك فإن تفاصيل هذه الارتباطات المالية لا تزال غير معروفة إلى حد كبير، بحسب يديعوت أحرونوت. 

تُعدّ جامعة هارفارد، أكبر الجامعات التي تستثمر مع إسرائيل (يبلغ إجمالي وقفها 51 مليار دوار)، وتظهر التسجيلات الأخيرة أن جامعة هارفارد قطعت علاقاتها مع شركة Booking Holdings، لكنها تواصل الاستثمار في الشركات التي تتعاون مع الجيش الإسرائيلي

وبحسب الاقتصادية ساندي باوم، الزميلة البارزة في معهد أوربان والمتخصصة في دراسة تمويل الكليات الجامعية، من الصعب تحديد ماهية “الاستثمار في إسرائيل بالضبط، حيث أن الاستثمارات الضخمة تكون أكثر وضوحاً مقارنةً بالاستثمارات الأصغر حجماً المندرجة ضمن الصناديق الاستثمارية المشتركة، وهي أداة استثمارية تقوم بتجميع رؤوس الأموال وتوزيعها على مجموعة متنوعة من الأصول، وهو الأسلوب الذي تعتمد عليه الكثير من الكليات الجامعية في استثماراتها”.

وأوضحت باوم، أن الجامعات تستأجر شركات خاصةً لإدارة أوقافها للحفاظ على أموالها على المدى الطويل، وقالت: “الغرض من الوقف هو امتلاك أموال تسمح للجامعة بتوفير فرص تعليمية بشكل دائم حتى لا تضطر إلى الخروج وجمع أموال جديدة كل عام لمواصلة العمل”، مضيفةً أنه “كلما كان وقف الجامعة أكبر، كانت هناك المزيد من المخاطر بشأن طريقة استثمارها”.

خريطة الاستثمارات الإسرائيلية في الجامعات الأمريكية

وفقاً لقاعدة بيانات وزارة التعليم الأمريكية، أبلغت نحو 100 مدرسة (ما بعد المرحلة الثانوية الأمريكية)، عن هدايا أو عقود من إسرائيل يبلغ مجموعها 375 مليون دولار على مدى العقدين الماضيين، فيما يزعم بعض الطلاب المحتجين أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قَبِل أكثر من 11 مليون دولار من وزارة الدفاع الإسرائيلية على مدى العقد الماضي للعمل في مشاريع تتعلق بأنظمة الملاحة والصواريخ من دون طيّار، كما أن هناك 79 كليةً وجامعةً خاصةً لديها أموال هبات تزيد عن مليار دولار، وهناك 50 كليةً عامةً وجامعةً تتمتع بأموال هبة تزيد على مليون دولار (مليار دولار مرةً أخرى)، وتتصدر جامعة تكساس هذه المجموعة بمبلغ 42 مليار دولار،بحسب “جيروزاليم بوست”.

تُعدّ جامعة هارفارد، أكبر الجامعات التي تستثمر مع إسرائيل (ويبلغ إجمالي وقفها 51 مليار دولار تقريباً)، وكشفت لجنة تحقيق منظمة الشباب الديمقراطي الاشتراكي في أمريكا YDSA، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، بحسب تحقيق موسع أجراه ناشطون في المنظمة، أن إدارة الاستثمار التابعة لجامعة هارفارد استثمرت 194 مليون دولار في Booking Holding، عام 2020، وهي واحدة من 112 شركةً أصليةً أدانتها الأمم المتحدة عام 2020، وتظهر التسجيلات الأخيرة أن جامعة هارفارد قطعت علاقاتها مع شركة Booking Holdings، لكنها تواصل الاستثمار في الشركات التي تتعاون مع الجيش الإسرائيلي.

والجدير بالذكر أن ثاني أكبر استثمار لجامعة هارفارد هو استثمارها في شركة Alphabet Inc.، الشركة الأم لشركة”غوغل”. وفي عام 2021، كانت غوغل واحدةً من شركتين فازتا بعقد للمشاركة في “مشروع نيمبوس”، وهو نظام حوسبة سحابية بقيمة 1.2 مليار دولار تديره غوغل، بالشراكة مع أمازون، وتستخدمه الحكومة والجيش الإسرائيليان، حيث كانت الشراكة تطمح إلى تزويد إسرائيل بالعديد من أدوات Google Cloud، بما في ذلك اكتشاف الوجه، والتصنيف الآلي للصور، وتتبع الكائنات، وقد تم استخدام التكنولوجيا نفسها لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية ورصدهم.

فيما يُعدّ وقف جامعة يال البالغ 27.2 مليار دولار، ثاني أكبر وقف جامعي في الولايات المتحدة، بعد هارفارد، وبحسب التقارير فإنها تستثمر في شركات تصنيع الأسلحة العسكرية.

تستثمر جامعة كولومبيا مع الشركات الإسرائيلية من خلال وقف تبلغ قيمته 13.6 مليارات دولار، أما علاقات جامعة كولومبيا بإسرائيل فهي أكثر غموضاً، حيث لا تكشف لإدارة الاستثمارات عن ممتلكاتها، بل تكشف فقط عن مقدار الربح الذي تنتجه، ومع ذلك فإن الإيداعات المقدّمة إلى لجنة الأوراق المالية تعطي رؤيةً أكثر تعمقاً للشؤون المالية للكلية، فاعتباراً من 14 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كان ثالث أكبر استثمار لكولومبيا في شركة AirBnB وهي واحدة من خمس شركات أمريكية فقط مدرجة في قائمة الأمم المتحدة للمستوطنات الإسرائيلية، بحسب تحقيق “YDSA”.

فيما أظهر تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية عام 2019، أن AirBnB كانت واحدةً من العديد من شركات العطلات التي “تدرج العديد من الفنادق أو أماكن المبيت والإفطار أو المعالم السياحية أو الجولات في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة”، على الرغم من إعلان الشركة في عام 2018، أنها ستتوقف عن إدراج الإيجارات على الأراضي المحتلة، إلا أن هذه السياسة تم عكسها بعد عام، ولم تتغير منذ ذلك الحين.

يطالب المحتجون في جامعة كولومبيا بسحب الاستثمارات من شركتي أمازون وغوغل، اللتين لديهما عقداً بقيمة 1.2 مليار دولار مع الحكومة الإسرائيلية، لتزويدها بقدرات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ويطالب المحتجون أيضاً بسحب الاستثمارات من شركة مايكروسوفت التي تقدّم خدماتها لوزارة الدفاع والإدارة المدنية الإسرائيليتين، بالإضافة إلى شركات الصناعات الدفاعية التي تستفيد من الحرب مثل شركة “لوكهيد مارتن”، التي أفادت بارتفاع أرباحها بنسبة 14 في المئة، وفقاً لتقرير ورد في موقع قناة “الحرة”الأمريكية.

كذلك يطالب المحتجون جامعتهم أيضاً بقطع صلاتها مع شركة “كاتربيلر” التي خضعت علاقاتها مع إسرائيل للتدقيق لعقود من الزمن، وازدادت حدّتها بعد عام 2003، عندما دهست جرافة مدرعة صنعتها الشركة للجيش الإسرائيلي الناشطة الأمريكية المؤيدة للفلسطينيين راشيل كوري، وسحقتها حتى الموت، بينما كانت تسعى إلى وقف هدم منازل لفلسطينيين.

ويسعى طلاب الجامعات الأمريكية أيضاً إلى سحب استثماراتها من صناديق “بلاك روك”، وهي أكبر شركة لإدارة الأصول عبر العالم، وتمتلك أسهماً في كل الشركات المتداولة علناً تقريباً من خلال صناديقها المتداولة في البورصة. 

العديد من المدافعين عن إسرائيل يعتقدون أن الدعوات لسحب الاستثمارات في الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية يمكن أن تكون معاديةً للسامية.

لدى جامعة كاليفورنيا استثمارات في الشركات المرتبطة بالأراضي التي ضمتها إسرائيل، حيث تمتلك الجامعة أسهماً في شركة جنرال إلكتريك، وهي شركة متعددة الجنسيات لها أقسام في مجال الطيران والطاقة والتصنيع، وتتولى جنرال إلكتريك أيضاً قيادة مشروع Genesis Wind، وهو أكبر مشروع للطاقة المتجددة في إسرائيل، والذي يضم 39 توربينة رياح في مرتفعات الجولان التي احتلّتها إسرائيل خلال حرب حزيران/ يونيو 1967، وضمتها رسمياً عام 1981، ومنذ ضمها اعترف المجتمع الدولي بالجولان أرضاً تحت الاحتلال الإسرائيلي.

كما تمتلك الجامعة أسهماً في شركة كوكا كولا، ويربطها استثمار مع شركة التعبئة المركزية في إسرائيل، ويدير الشريك نفسه، من خلال شركة تابعة،مركز توزيع في عطروت، وهي مستوطنة غير قانونية، بحسب تحقيق “YDSA”.

وامتلكت شركة إدارة الاستثمار في جامعة تكساس عام 2023، أصولاً بقيمة 70.1 مليار دولار، بينما امتلك صندوق الوقف التابع لجامعة هيوستن 1.07 مليار دولار من الأصول، وتدير جامعة تكساس بعض أمواله بشكل مباشر، وبشكل منفصل عن الممتلكات الأكبر لشركة إدارة الاستثمار. وأكد المتحدث باسم الجامعة أن لديه 313 ألف دولار مستثمرةً في السندات الإسرائيلية.

أما جامعة برينستون، والتي بدأ الطلاب المحتجون فيها يوم السبت الماضي، إضراباً عن الطعام، فقد دعوا الجامعة إلى الكشف عن أبحاثها الممولة من وزارة الدفاع الأمريكية والمتعلقة بـ”أسلحة الحرب”، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة ترسل مساعدات عسكريةً وتكنولوجيا إلى إسرائيل أكثر من أي دولة أخرى. وتشمل هذه الأبحاث أيضاً “برمجيات آليةً وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تمكين الإبادة الجماعية”، بينما لا تناقش جامعة برينستون استثماراتها علناً.

سارة شريف

المصدر: موقع رصيف 22




تنامي «الإسلاموفوبيا» يدفع بمسلمي فرنسا إلى الهجرة أو التفكير فيها

قبل نحو أسبوعين، تظاهر عدة آلاف من الأشخاص في شوارع العاصمة الفرنسية باريس «ضد العنصرية والإسلاموفوبيا» وذلك بعد حصولهم على تصريح قضائي بتنظيم هذا الاحتجاج، الذي قوبل في البداية بحظر من السلطات. وقبل نحو أسبوع، قدّم رئيس بلدية (Bourg-en-Bresse) المنتمي إلى الحزب الاشتراكي شكوى ضد «ملصق معاد للإسلام» منشور في مدينته، مستنكراً إياه بأكبر قدر من الحزم، ومشددا على ضرورة أن «يتوقف هذا الانجراف البغيض». يتعلق الأمرُ بملصق كتب عليه: «هل الإسلام يدعو إلى السلام؟». وخلال هذا الأسبوع، كان مسجد مدينة شيربورغ الفرنسية ضحية لتصرف اعتبر «معاديا للمسلمين» من خلال إشعال النار في سيارات كانت متوقفة في ساحة مقابلة للمسجد. وواقع الحال، أن هذه الأحداث وأخرى عديدة مماثلة لها تعكس تصاعداً مقلقاً لظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا، وفق «التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا « (CCIE) الأمر الذي ألقى بثقله على العديد من الفرنسيين المسلمين ودفع بهم إلى مغادرة البلاد أو التفكير بالقيام بذلك في المستقبل.

في تحليل لها، نشره موقع «أوريان21» الفرنسي، سلطت فيه الضوء على ما وصفتها بالحرب الثقافية على الطريقة الفرنسية بناءً على تجربتها في الولايات المتحدة، اعتبرت الباحثة جوسلين سيزاري، رئيسة قسم الدين والسياسة في جامعة برمنغهام البريطانية ومديرة الأبحاث في مركز بيركلي للدين والسلام والشؤون العالمية في جامعة جورج تاون، اعتبرت أن فرنسا تبدو ممزقة أكثر من أي وقت مضى بسبب انقسامات الهوية، التي تتجاوز حدود اليمين المتطرف والعنصرية الواضحة. وأصبح فيها النقاش حول الإسلاموفوبيا على مدى السنوات الخمس الماضية مريرا للغاية، وأقل أكاديمية وأكثر سياسية، وفق الباحثة.
في الواقع، تشهد فرنسا في السنوات الأخيرة ما أطلقت عليه وسائل إعلام فرنسية «هروب النخب المسلمة» الفرنسية، بمن فيهم أطباء ومهندسون وأساتذة ورواد أعمال وتجار وكوادر في الوظيفة العمومية…إلخ، وذلك بسبب تعرضهم المتزايد للتمييز في سوق العمل والوصم بسبب دينهم أو أسمائهم أوأصولهم، الأمر الذي يدفعهم بشكل متصاعد إلى مغادرة الأراضي الفرنسية من أجل تجربة مغامرة جديدة في بلدانهم الأصلية أو بلدان أخرى. وهو أمر كانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية قد تحدثت عنه في مقال لها في شباط/فبراير عام 2022 حمل عنوان: «الرحيل الصامت للمسلمين عن فرنسا».

زيادة بـ 40 في المئة للحوادث الإسلاموفوبية

«التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا « (CCIE) كان قد سلط الضوء، في تقرير له نُشر بداية شهر آذار/مارس المنصرم، على زيادة مثيرة للقلق في الأعمال المعادية للإسلام في فرنسا في العام الماضي 2023 الذي شَهد الإبلاغ عن حوالي 830 حادثة «إسلاموفوبية» مقارنة بنحو 530 في العام الذي سبقه، أي عام 2022 الأمر الذي يشكل زيادة سنوية بنسبة 57 في المئة. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه التصاعدي المثير للقلق في ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا بشكل خاص في نظام التعليم، حيث تعرض قانون 2004 الخاص بالرموز الدينية في المدارس للانتقاد لأنه فتح الطريق أمام التمييز ضد الطلاب المسلمين. وقد تم في عام 2023 الإبلاغ عن حوالي 300 من الحوادث المعادية للإسلام في البيئة التعليمية، وهو ما يمثل 40 في المئة من مجمل التبليغات في فرنسا.
كما لوحظت زيادة كبيرة في حالات التمييز، لا سيما التحرش الأخلاقي، والاعتداءات ضد المسلمين، ولا سيما النساء والمؤسسات الإسلامية. وتتعلق هذه الأرقام حصريًا بحالات كراهية الإسلام، وتعكس واقع الإسلاموفوبيا في فرنسا، وزيادة الوعي واستعداد الضحايا والشهود للإبلاغ عن الأفعال المرتبطة بها. وقد أوضح جيرار دارمانان في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الأشكال التي تتخذها هذه الأعمال المعادية للمسلمين: «المساجد التي تتلقى رسائل تهديد بالقتل، وتهديدات بالهجوم، والعديد من التصريحات المناهضة للإسلام، بما في ذلك على أجهزة التلفزيون». لكن وزير الداخلية لم يحدد نسب هذه الأنواع المختلفة من الوقائع. ويرى العديد من الأشخاص أن «الأجواء الإسلاموفوبية» هذه تزايدت منذ اعتداءات باريس الإرهابية عام 2015 وهو شعور تزايد بشكل أكبر منذ الهجوم المميت وغير المسبوق الذي شنته حركة حماس الفلسطينية، المصنفة جماعة إرهابية من قبل فرنسا، على الأراضي الإسرائيلية في السابع من تشرين الأول/اكتوبر عام 2023.

«مهما فعلت،
سأظل مسلماً وعربيا»

في ظل هذا السياق، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية ذائعة الصيت في تحقيق لها نشرته قبل نحو ثلاثة أسابيع، كشفت أن العديد من الفرنسيين المسلمين «المستقرين جيداً» بمن فيهم مصرفيون ومهندسون وموظفون حكوميون وأساتذة وفنانون.. إلخ، باتوا يُفكّرون بشكل متزايد بالهجرة خارج فرنسا، وذلك بسبب التمييز بحقهم على أساس الدين والعرق. وتنقل الصحيفة عن أحد هؤلاء المسلمين قوله: «مهما فعلت، سأظل مسلماً وعربيا». على نفس المنوال، تحدث لـ«لوموند» هارون، البالغ من العمر خمسين عاماً، خريج كلية التجارة المرموقة، بقوله: «مهما فعلنا، ومهما بذلنا من جهود، ومهما كانت مهاراتنا، فنحن مرتبطون بأصولنا وهويتنا المذهبية، وتتم عرقلتنا في حياتنا المهنية. لم أحصل على المهنة التي كان ينبغي أن أتمتع بها».
ويقول يوسف، البالغ من العمر إثنين وستين عاما، وهو موظف حكومي وناشط اجتماعي: «الجمهورية التي نحبها لا تحبّنا. أخبرنا آباؤنا أننا لسنا في بلدنا، وأننا مجرد ضيوف، لكننا لم نرغب في تصديقهم. ومع ذلك، يجب علينا اليوم أن نعترف بأننا غير شرعيين في فرنسا». ولا يخفي العديد من المسلمين الفرنسيين انزعاجهم من الخطابات المعادية لهم في بعض وسائل الإعلام. في ظل هذه الظروف، يفكر الكثير من الفرنسيين المسلمين بشكل متزايد في الهجرة، بعد أن غادر الآلاف. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بالذهاب إلى المنفى في بلد مسلم، بل باختيار العيش في بلد حيث ستتاح لهم نفس الفرص التي يتمتع بها أي مواطن آخر يتمتع بمهارات متساوية. فما نشهده اليوم هو «هجرة صامتة للكوادر في صفوف الفرنسيين المسلمين» والذين قرروا مغادرة فرنسا بألم جراء التمييز ضدهم، كما يرى باحثون اجتماعيون.

استهداف ممنهج

الباحث في الفلسفة السياسية، رامي الخليفة العلي، المقيم في باريس، اعتبر، في تصريح لـ«القدس العربي» أن فرنسا تشهد في الفترة الأخيرة استهدافاً متزايداً ومتواصلاً وممنهجاً ومبرمجا للأقلية المسلمة والعربية، لاسيما من قبل السياسيين خاصة في الفترات الانتخابية. كما رأى الباحث أن وسائل الإعلام الفرنسية تلعب دورا كبيرا في تشويه صورة العرب والمسلمين، وبشكل شبه يومي، وهو ما كان له تأثيره على العديد من المواطنين الفرنسيين. هذا الوصم المتزايد للمسلمين والعرب من الطبيعي أن يدفع بالبعض منهم، لاسيما أولئك الذين لديهم القدرة والإمكانيات، إلى ترك البلاد أو التفكير بالقيام بذلك مستقبلا.
من بين هؤلاء إبراهيم، وهو فرنسي من أصول سنغالية، يعمل كمهندس في المعلوماتية. هذا الأخير، البالغ من العمر 40 عاما، غادر قبل نحو سبعة أشهر مع زوجته وأبنائه الثلاثة إلى العاصمة السنغالية دكار، مغتنما فرصة العمل عن بعد التي توفرها له الشركة الخاصة التي يعمل لديها. يروي لـ«القدس العربي» أنه وزوجته، ذات الأصول السنغالية هي الأخرى، «تعبا من الخطابات السياسية والإعلامية اليومية المعادية للإسلام» وقررا مغادرة البلاد، حيث ولدت الزوجة ودرس هو بعد حصوله على الباكالوريا.
علاوة على الانزعاج المتزايد من الخطاب السياسي والإعلامي، يَظل العمل إحدى نقاط التوتر الرئيسية بسبب عوائق التطوير والتدرج. فمثلا، في مداخلة على شبكة RMC أوضح أحد المستمعين (غريغوري) أنه ذهب إلى حد تغيير اسمه العربي، قائلا وبمرارة: «إذا كنت تريد التقدم في الوظيفة، فلا يجب أن تكون مسلماً».

« فرنسا تحبها ولكنك تتركها»

أثار صدور كتاب «فرنسا تحبها ولكنك تتركها» يوم السادس والعشرين من شهر نيسان/ابريل المُنصرم ضجة في فرنسا، في سياق سياسي يتميز بصعود قوي لليمين واليمين المتطرف. يستند هذا العمل، الذي كتبه الباحثون جوليان تالبين وأليس بيكار وأوليفييه إستيفيس، إلى مئة وأربعين مقابلة متعمقة مع فرنسيين مسلمين، اختاروا الاستقرار في الخارج بعد أن عانوا من مختلف أشكال التمييز المرتبطة بدينهم. جمع المؤلفون الثلاثة مئات الشهادات المشابهة لهذه. ومع ذلك، يعترف أوليفييه إستيفيس قائلاً «لقد وضعنا أصبعنا على واقع يصعب قياسه لأنه لا توجد أرقام رسمية». فقد اشتكى العديد منهم عن مناخ سياسي وإعلامي فرنسي يساهم في ارتفاع كراهية الإسلام والعنصرية بشكل عام. وتحدث 71 في المئة ممن شملتهم الدراسة عن «العنصرية والتمييز» و63 في المئة منهم طرحوا بشكل عفوي «صعوبة ممارسة وعيش دينهم بسلام».
بالنسبة إلى أليس بيكار، المؤلفة المشاركة والباحثة، فإن الأمر عبارة عن «جو إسلاموفوبي». إذ تعتبر هذه الأخيرة أنه حتى لو أخذنا النتائج بقدر من الشك، فيمكن الحديث عن أن العنصرية ضد العرب، كما هي معممة، إلى حد أن هذه الأقلية يجب أن تبقى في مكانها. فهناك انطباع بأنه عندما يصل هؤلاء الأشخاص إلى مناصب عليا فإنهم يواجهون أكبر قدر من التمييز، على حد قول الباحثة. وتلك هي حالة إدريس، المقيم حاليا في مونتريال، بكندا، والذي تنقل عنه صحيفة «20 دقيقة» الفرنسية، قوله: «عندما كنت أعمل في بلدي فرنسا، أدركت بسرعة أنني سأبقى عالقاً في مستوى معين، على الرغم من مستوى دراستي. لم أتعرض للتمييز، لكن كانت هناك تعليقات مستمرة حول أصولي. كنت أشعر دائمًا بنظرة مشبوهة». هذا الأخير، من الجيل الثالث لعائلة جزائرية. وقرر في عام 2020 مع كوفيد-19 الهجرة إلى كندا ولم يندم على ذلك: «أعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات وأتحمل مسؤوليات كبيرة. في فرنسا، لم يكن هذا ممكنا أبدا، ولا حتى في الحلم» كما يروي لصحيفة «20 دقيقة».

تنامي اليمين الشعبوي المتطرف

عد هذا الاتجاه المتنامي في فرنسا جزءًا من سياق أوروبي أوسع حيث يكتسب التطرف اليميني والخطاب المعادي للإسلام زخماً وتأثيرًا. فقد أدى صعود اليمين المتطرف إلى زيادة الخطابات والأفعال تجاه الأقليات، وخاصة المسلمين، وفقًا لـ«التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا». وهو رأي يُشاطره الباحث في الفلسفة السياسية رامي الخليفة العلي، معتبراً أنه في سياق صعود الأيديولوجيات اليمينة الشعبوية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية، بات الخطاب العنصري الذي يستهدف الأقليات بشكل عام أمراً اعتيادياً ومقبولاً من قبل جزء كبير من الرأي العام في هذه البلدان بعد أن كان ممنوعا ومرفوضا ويتم استنكاره في السنوات الماضية.
الأسوأ من ذلك هو تحول أحزاب يمين ويَسار الوسط عمليا إلى أحزاب تتبنى أفكار اليمين الشعبوي، يقول الباحث في تصريح لـ«القدس العربي» عازياً ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها الأزمات الاقتصادية. ويأسف عميد المسجد الكبير بمدينة ليون الفرنسية، كامل قبطان، لانعدام «التواصل».
وكان حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي، بزعامة جان ليك ميلانشون، قد دعا، في نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي، الحكومة الفرنسية إلى تنفيذ خطة كبرى لمكافحة الإسلاموفوبيا في البلاد «في ظل تزايد الأعمال ضد الفرنسيين المسلمين، بتشجيع من أجواء العنصرية غير المقيدة» كما قال النائب البرلماني عن الحزب توماس بورتس، في بيان صحافي صادر عن حزبه.
في حين، تحدث رئيس الوزراء اليميني السابق، إدوار فيليب، والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة، في منتصف شهر أيلول/سبتمبر الماضي، تحدث عن أنه يجب أن يكون هناك «حق وتنظيم خاص بالمسلمين» في فرنسا، «مع التزامات خاصة مفروضة عليهم وعلى المسؤولين عن المجتمعات المسلمة» وذلك بمناسبة صدور كتاب له. وقد استنكر نحو خمسين شخصية فرنسية، بينهم أكاديميون وكتاب، ما وصفوه بـ«الانجراف الخطير» لإدوار فيليب، مشددين على أن قانون 1905 أقام فصلاً مزدوجاً، بين المؤسسات العامة والدين، وبالتالي فإن للأديان حرية تنظيم نفسها كما تشاء، كما يجب مساواة الأديان أمام القانون.

آدم جابر

امصدر: صحيفة القدس العربي




تقرير اقتصادي سياسي عسكري: من دون الدعم الأمريكي إسرائيل لا تستطيع خوض الحروب

قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ردا على التهديدات الأمريكية الأخيرة بشأن وقف شحنات من السلاح الهجومي إننا «سنقاتل لوحدنا وبأظفارنا». غير أن إسرائيل دون الدعم الأمريكي السخي ستضطر في الحقيقة لمحاربة حماس وحزب الله وبقية أعدائها بالعصي والحجارة، وفق ما تؤكده مصادر إسرائيلية أيضا. في هذا المضمار كشف تقرير نشره موقع صحيفة «كلكليست» العبرية المتخصّصة بالاقتصاد، نقلًا عن تقرير قسم المحاسبة التابع لوزارة المالية في حكومة الاحتلال عن الاعتماد الكبير للجيش الإسرائيلي على الولايات المتحدة، خلال الحرب الحالية على غزة. وكانت ميزانية 2023 قد حدّدت تكلفة الحرب بمبلغ 17 مليار شيكل (نحو خمسة مليارات دولار) في الربع الرابع، لكن التقرير كشف عن معاملات بقيمة 18 مليار شيكل لم تكن مدرجة في الموازنة.

ويُظهر التقرير أنه في الربع الرابع من عام 2023 أجرت وزارة الأمن الإسرائيلية صفقات غير مخطط لها، في أعقاب حرب السيوف الحديدية بقيمة 18 مليار شيكل، من بينها قرابة 7.8 مليار شيكل (43 في المئة) كانت عقودًا مع مُوردين أمريكيين: 6.9 مليار شيكل من الجيش الأمريكي، و932 مليون شيكل إضافية من شركات أمريكية، والباقي 10.2 مليار شيكل كانت عقودًا مع شركات إسرائيلية. ويشير الموقع الاقتصادي العربي الجديد «وصلة» أن الحديث يدور عن أسلحة سيتم تزويدها فقط في المستقبل، وهذا يعني أن اعتماد إسرائيل على الأمريكيين سوف يستمر في السنوات المقبلة أيضاً. منبها أن المعطيات تثبت مرة أخرى مدى اعتماد إسرائيل بشكلٍ خاص على الولايات المتحدة، وليس على العالم، وبالتالي فإن التهديدات الأمريكية بوقف بيع معدات دفاعية لإسرائيل، في حال الدخول غير المنسق إلى رفح، كما يتضح وفق تقارير مختلفة، تحمل وزنًا كبيرًا. ويقول «وصلة» إن استهتار كبار مسؤولي الائتلاف الحكوميّ الإسرائيلي بالمساعدات الأمريكية، إلى جانب تصريحات رئيس الحكومة نتنياهو الذي قال: «إذا لم نحمِ أنفسنا ـ فلن يحمينا أحد. وإذا اضطررنا إلى الوقوف بمفردنا ـ فسوف نفعل ذلك» تثبت أنها جوفاء مرة أخرى. من جانبها أضافت وزارة المالية 17 مليار شيكل للتكاليف الأمنية المباشرة لحرب السيوف الحديدية، في موازنة الدولة لعام 2023. وهذه التكاليف تتكون أساسًا من نفقات ليست عقودًا، مثل أيام الخدمة في الجيش، والأمور اللوجستية العسكرية. لكن تقرير وزارة المالية يوضح ان هذا الرقم لا يعكس الواقع، إذ أن التكلفة الحقيقية أعلى من ذلك بمليارات. وعلى النقيض من تقارير الميزانية، يعرض التقرير تفصيلاً للعقود المفتوحة ـ أي اتفاقيات المشتريات النشطة للدولة مع مختلف الموردين.
كما يُظهر التقرير أن وزارة الأمن الإسرائيلية لديها عقود مفتوحة تصل قيمتها إلى 194 مليار شيكل (نحو 25 مليار دولار) وهذا المبلغ يشمل صفقات ضخمة تم توقيعها قبل سنوات من الولايات المتحدة مثل شراء طائرات أف 35 أو شراء غواصات من منظمة «تيسنكروف» والتي ليس لها أي علاقة بحرب السيوف الحديدية. ومن أصل 194 مليار شيكل، هناك 67 مليار شيكل صفقات سرية. ويقدم التقرير تفصيلاً للعقود المتعلقة بحرب السيوف الحديدية، والتي بلغت 18 مليار شيكل من أصل 194 مليار شيكل. وحسب تقرير «كالكاليست» لم يتم تنفيذ جزء كبير من هذه العقود بعد، ما يعني أنه تم توقيع الاتفاقيات مع المُوردين ولكن المعاملة لم تكتمل، ولم يتم تحويل جميع الأموال. وهكذا فإن الحديث يدور عن مبالغ مالية وافق عليها الجيش الإسرائيلي في عام 2023 لكنه سيدفعها في سنوات الميزانية الأخرى، سواءً كانت ميزانية 2024 التي تمت الموافقة عليها بالفعل أو في موازنات الدولة المستقبلية.

المشتريات الاستثنائية

ويتساءل التقرير ما هي تفاصيل العقود التي تم تعريفها بـ «المشتريات الاستثنائية» بمبلغ 18 مليار شيكل للربع الرابع من عام 2023؟ عن ذلك يجيب: حوالي 10.35 مليار شيكل منها على أنواع مختلفة من الذخائر والأسلحة. وقد نفذت وزارة الأمن الإسرائيلية أربعة عقود مختلفة تتعلق بالأسلحة التي تستخدم بشكل أساسي في العمليات البرية، وتشمل قذائف المدافع والدروع والذخيرة الخفيفة للمشاة وغيرها. وتشمل هذه العقود شراء أسلحة محلية بقيمة 3.06 مليار شيكل، 150 مليون شيكل من الصناعة الجوية، مشتريات بقيمة 2.62 مليار شيكل من الجيش الأمريكي وشراء أسلحة من شركة أمريكية لم يُذكر اسمها بقيمة 144 مليون شيكل، كما اشترت وزارة الأمن أيضًا معدات إضاءة بقيمة 113 مليون شيكل من الجيش الأمريكي.
وفيما يتعلق بالأسلحة الجوية، يَفصل التقرير بين «الأسلحة» و«الرؤوس الحربية» التي عادة ما يتم شراؤها بشكل منفصل، حيث تحتوي الرؤوس الحربية على المادة المتفجرة، بينما الأسلحة تشير إلى أنظمة التوجيه التي تم تركيب الرأس الحربي عليها. ويضيف «نفذت وزارة الأمن عملية شراء أسلحة بقيمة 911 مليون شيكل من المُوردين المحليين رافائيل، والصناعة الجوية وريشيف تكنولوجيوت، بالإضافة إلى 2.07 مليار شيكل إضافية من الجيش الأمريكيّ، ومن شركة أمريكية لم يُذكر اسمها. كما تم شراء رؤوس حربية بقيمة 289 مليون شيكل من سلاح الجو الأمريكي».

النقص الحاد بالسلاح

ويقول هذا التقرير الاقتصادي إنه في زمن النقص الحاد بالسلاح في العالم يصبح الدعم الأمريكي أمراً حيويًا ويتابع «حقيقة أن معظم العقود التي نفذتها وزارة الأمن أثناء اندلاع الحرب كانت تتعلق بالأسلحة، تؤكد ما جاء في تقارير سابقة والتي تفيد بأن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى إدارة اقتصاد التسليح، والحد من الهجمات الجوية والبرية، من أجل الحفاظ على مخزون من الذخيرة والأسلحة، سواءً لمواصلة القتال في غزة أو لسيناريو تندلع فيه حرب واسعة النطاق على الجبهة الشمالية». ويقول إن الاستخدام المتزايد للأسلحة في الحروب في غزة وأوكرانيا، أدى إلى نقص عالميّ غير عاديّ في الذخيرة والأسلحة بجميع أنواعها، ما جعل من الصعب على الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن، الحصول على مخزون إضافي على الفور، وأدى ذلك الى رفع الأسعار.

اشتروا أيضًا سيارات
إسعاف من الأمريكيين

إلى جانب الذخيرة والأسلحة، قامت وزارة الأمن بشراء مركبات مُدرعة على نطاق واسع في أعقاب الحرب ويمكن الاطلاع في التقرير على صفقة بقيمة 267 مليون شيكل مع شركة أمريكية لشراء مركبات مدرعة خفيفة، وشراء قرابة 60 وحدة من المركبات المدرعة كبديل لـ «الهامر». ونُفذت كذلك صفقة أخرى بقيمة 120 مليون شيكل، والتي تُعد أيضًا بديلاً لسيارة هامر. كما قامت وزارة الدفاع بشراء معدات هندسية ميكانيكية ثقيلة مثل الجرافات العملاقة المستخدمة في الحرب على غزة من الجيش الأمريكي خلال الحرب، بناءً على عقد من عام 2017 بمبلغ 340 مليون شيكل والذي تم توسيعه. وقامت وزارة الأمن الإسرائيلية بشراء سيارات إسعاف عسكرية بقيمة 139 مليون شيكل من الجيش الأمريكي، ويتضمن عقد آخر شراء قطع غيار من الجيش الأمريكي بقيمة 1.19 مليار شيكل تقريبًا. وطبقا للتقرير تكشف تفاصيل العقود الحربية أيضًا عن عالم من العقود المتعلقة في الأمور الدفاعية، وهي ليست مشتريات دائمة بل مؤقتة: قامت وزارة الأمن بتنفيذ عقد بمبلغ 228 مليون شيكل، لصالح تأجير أنظمة اعتراض، وهذا يتوافق مع تقرير قبل ستة أشهر في صحيفة «وول ستريت جورنال» كتب فيها أن: إسرائيل ستستأجر بطاريتين من طراز «القبة الحديدية» من الجيش الأمريكي، وأُضيف إلى هذه الاتفاقية صفقة مع شركة «إلبيت» بمبلغ 161 مليون شيكل مقابل «ساعات طيران إضافية» (طائرة مأهولة عن بعد) وعقد بقيمة 184 مليون شيكل مع الصناعة الجوية، لأجل الحصول على الدعم اللوجستي في أحد الأنظمة. كما يقول هذا التقرير الاقتصتادي انه مع اندلاع الحرب، تزايدت ادعاءات المقاتلين في الميدان، خاصةً جنود الاحتياط، بأن معداتهم القتالية غير كافية. منوها لرفض الجيش الإسرائيلي هذه الادعاءات، ولكن في تقرير العقود يمكن ان نلاحظ أنه عند اندلاع الحرب، قامت وزارة الأمن بشراء معدات رؤية ليلية بقيمة 221 مليون شيكل، منها 103 ملايين تم شراؤها من شركة «ألبيت» الأمريكية و118 مليون أخرى من شركة أمريكية مجهولة. إضافة إلى ذلك، اشترت وزارة الدفاع خوذات تشغيلية للمقاتلين من شركة أمريكية بمبلغ 119 مليون شيكل، ومعدات طبية بمبلغ 203 ملايين شيكل من شركة «شرئيل» للحلول اللوجستية.
كما أدت الحرب بطبيعة الحال إلى زيادة الاحتياجات اللوجستية للجيش، وفي عام 2023 أبرمت وزارة الأمن عقودًا لشراء البنزين ووقود الديزل من شركات باز وديليك وسونول بقيمة 1.5 مليار شيكل تقريبًا. بالإضافة إلى ذلك، تم التعاقد بمبلغ 135 مليون شيكل لشراء الخضار والفواكه من شركة «بيخوري هسدي».

المصدر: صحيفة القدس العربي




أوبزيرفر: عقوبات واشنطن ضد مستوطنين متطرّفين بالضفة الغربية أهم تحوّل في السياسة الأمريكية 

نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريراً أعدّته إيما غراهام- هاريسون وكويك كيزيرنباوم تساءلا فيه عن أثر العقوبات الأمريكية على مستقبل الاستيطان في الضفة الغربية.

فقد نظر لتصعيد الولايات المتحدة العقوبات بداية ضد المستوطنين المتهمين بالعنف على أنه توبيخ سياسي ضد المتطرفين، لكن بات ينظر إليه في إسرائيل على أنه تهديدٌ مالي لاستمرار المستوطنات والشركات في الضفة الغربية المحتلة.

وتم التعامل في إسرائيل وخارجها مع القيود التي فرضتها واشنطن على حفنة من الأفراد والمنظمات المتورطة بهجمات ضد الفلسطينيين، وأعلن عنها أولاً في شباط/فبراير، وتوسّعت للضِّعف في آذار/مارس ونيسان/أبريل، على أنه تعنيف علني مهين لحليف قريب، وليس تحولاً سياسياً كبيراً.

محام إسرائيلي: العقوبات على المستوطنين مجرد رسالة سياسية من إدارة بايدن التي حاولت الرد على مطالب الناخبين الأمريكيين

إلا أن خبراء يمثلون الطيف السياسي الإسرائيلي يرون أن هذا يقلل من تقدير الطريقة القوية التي تطبق فيها إسرائيل القيود المالية ومدى العقوبات المالية وإطارها.

وأخبروا صحيفة “أوبزيرفر” أن القائمة الصغيرة نسبياً من العقوبات التي تستهدف  مستوطنات الضفة الغربية قد تدفع المؤسسات المالية للتوقف عن تقديم خدمات لأي من الأشخاص أو الشركات العاملة في المستوطنات، خوفاً من تسهيلها، والقيام بطريقة عرضية بتمرير عقود غير قانونية. ومع أن العقوبات تركز حتى الآن على أفراد مارسوا العنف، أو جماعات صغيرة، فإن الأمر التنفيذي الجديد يعطي الولايات المتحدة صلاحية لاستهداف أيّ شخص أو كيان: “مسؤول أو متواطئ بتهديد السلام والأمن واستقرار الضفة الغربية”.

ويتضمن الأمر بشكل واضح الساسة الذين يدعمون أو يساعدون ويقومون بأفعال عرضة للعقوبات، بما فيها “توجيه، تفعيل، تنفيذ أو إنفاذ سياسات، أو الفشل في إنفاذها”، وهي صياغة يمكن استخدامها لاستهداف أشخاص في الحكومة الإسرائيلية.

 وقال وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن، في بيان، والذي ربط العقوبات بإنشاء الدولة الفلسطينية: “يجب على إسرائيل وقف العنف ضد المدنيين في الضفة الغربية، ومحاسبة المسؤولين عنه”، و”ستواصل الولايات المتحدة التحرك من أجل تفعيل أهداف سياستها الخارجية، بما فيها حل الدولتين القابل للحياة”.

وبدأ الكثير من المصارف في إسرائيل بتقييم علاقاتها مع الضفة الغربية بعد تحذير من شبكة تنفيذ الجريمة المالية (فينسين). وقال شوكي فريدمان، العالم القانوني والمستشار الدولي في العقوبات، والرئيس السابق لبرنامج العقوبات الإسرائيلية ضد إيران: “رغم استهداف [الأمر التنفيذي الأمريكي] يفرض عقوبات على أفراد، إلا أنه من الناحية الفعلية يلقي بظلاله على كل النشاطات القادمة من كل الضفة الغربية”، وهو “يسحب الشرعية عنهم بطريقة لو كنت مؤسسة مالية، شركة تأمين، مؤسسة مستثمرة، محفظة وقائية، وأي شيء له علاقة بهذه النشاطات، فستكون حذراً بشأن هذا، وعليك أن ترجع خطوة للوراء، وهذا هو المعنى الحقيقي للأمر”.

 ورأى مايكل سفارد، أحد المحامين الإسرائيليين المعروفين بحقوق الإنسان، بدايةً، في الأمر بأنه مجرد “رسالة سياسية” من إدارة بايدن التي حاولت الرد على مطالب الناخبين الأمريكيين بسبب دعمها للحرب في غزة. وبعد ثلاثة أشهر تقريباً، يرى أن العقوبات هي أهم تحوّل له آثار في السياسة الأمريكية، ومنذ عدة سنوات، تحوّل يمكن أن يوقف الزحف الاستيطاني في الضفة الغربية.

وقال سفارد: “ربما أدى نظام العقوبات إلى إعادة رسم الخط الأخضر”، في إشارة للحدود الدولية المعترف بها بعد حرب 1948. واعترف مجلس يشع الذي يقوم بالضغط على الحكومة نيابة عن المستوطنين أن العقوبات تمثل تحولاً في السياسة، مع أنها رفضتها واعتبرتها “غريبة” ولم تترك “أي أثر”.

وقال المتحدث باسم المجلس: “هذا في الحقيقة ليس عن بعض الأفراد”، و”لكن عن حكومة أجنبية بقيادة إدارة بايدن تفرض عقوبات وتعاقب بشكل محتمل أيّ إسرائيلي لا يشترك معها في ما يطلق عليه حل الدولتين”.

وتهدف حركة الاستيطان، التي بدأت بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية للسيطرة على مناطق تحت احتلال مؤقت، وبناء مستوطنات وطرق، وضمها بطريقة لا رجعة عنها إلى إسرائيل. ورغم عدم  قانونيتها بناء على القانون الدولي، إلا أن هناك حوالي نصف مليون مستوطن يعيشون في الضفة الغربية، أي نسبة 5% من السكان.

وقال سفارد: “لا وجود للخط الأخضر في النظام السياسي الإسرائيلي ولا الحياة الاقتصادية الإسرائيلية ولا نظام النقل والبنية التحتية. فيمكنك العيش في المستوطنات وبناء عمل بدون أي اعتراض”. لكن لو وسعت الولايات المتحدة القائمة لكي تشمل الأعمال المرتبطة بعنف المستوطنين، فستجد المصارف الإسرائيلية صعوبة في تقديم خدمات لأعمال تخدم المستوطنين في الضفة الغربية. وفي أعقاب أول موجة  للعقوبات، تعرض المؤسسات المالية الإسرائيلية لضغوط محلية من أجل مواصلة تقديم خدمات لمن استهدفتهم العقوبات. لكن الرأي العام لا يفهم أن المؤسسات المالية التي تريد  التعامل في النظام المالي من خلال الدولار، فلا خيار لها إلا تطبيق الأوامر الأمريكية.

ففي الوقت الذي حولت فيه دول مثل روسيا وإيران تعاملها مع أنظمة مالية بديلة بعد العقوبات الأمريكية عليها، إلا أن إسرائيل ليست لديها بدائل.

الصحيفة: العقوبات الأمريكية على المستوطنين المتطرفين تعنيف علني مهين لحليف قريب

 وقال سفارد: “قد تجبر هذه العقوبات الإسرائيليين على الاختيار بين مواصلة دعم المستوطنين المتطرفين أو الحفاظ على رابطة مع النظام المالي الدولي”. و”لو اختاروا بين عطلة نهاية أسبوع في روما أو شارع أكسفورد في لندن ومواصلة دعم الاستيطان، فأعرف من سيختارون”. ومن الملامح الرئيسية للأوامرا الأمريكية هي “العقوبات الثانوية”، والتي تفرض ليس على أمور تعتبرها الولايات المتحدة إجرامية، مثل مهاجمة المدنيين الفلسطينيين، ولكن مساعدة الأشخاص والشركات على القائمة تجنب الحظر. ويمكن لأي شخص يتعامل قصداً أو بدون عمد مع شخص في القائمة قد يضاف اسمه إليها.

وقال سفارد: “عندما يكون لديك أشخاص فرضت عليهم عقوبات وموزعون في مستوطنات الضفة الغربية، فمن السهل تحولها إلى حقل ألغام”، و”لا تريد البنوك مواجهة اتهامات بأنها تقدم أي نوع من الدعم لأفراد فرضت عليهم عقوبات، ولهذا فأي محاولة للتعامل التجاري تعني مراجعة إن كنت ستواجه عقوبات ثانوية”.

لكن هناك في إسرائيل من يرى أن الأوامر الأمريكية لن تغيّر اللعبة، ويرى يهودا شول، الناشط في حقوق الإنسان، أن على أمريكا استهداف التمويل مباشرة، لو كانت راغبة بوقف عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وقال: “يجب عدم استهداف أفراد عنيفين فقط”.

 وقال إن شبان المستوطنين لا يديرون المشروع السياسي للاستيطان: “ففي عمر 25 عاماً ليست لدي القدرة المالية لبناء بيت على التلة، وبطريق، ومنافع، و 300 بقرة، فهناك من يمولهم”.

وهناك آخرون، بمن فيهم يهودا شيفر، النائب العام السابق، الذي قال إن البنوك الإسرائيلية قد تلتزم بعدم التعامل مع الذين فرضت عليهم عقوبات، وبدون أية تداعيات. وأوضح أن العقوبات هي مجرد كلام من الإدارة الأمريكية التي تتعرض للضغوط: “يبدو الأمر لي بأنه محاولة لتقديم حس عن سياسة متوازنة، رغم أن الولايات المتحدة داعمة جدا لإسرائيل في هذه الحرب”. إلا أن وضع إسرائيل في مقام دول مارقة، مثل كوريا الشمالية، أمر مهين.

 ويعلق شيفر: “هذا محرج ومخيب”، لأن “العقوبات تقترح بطريقة ما أن حكم القانون الإسرائيلي لا يتناسب مع التوقعات الأمريكية”.

إلا أنه يعتقد أن الأثر سيكون محدوداً، حيث ستلتزم البنوك بعدم التعامل مع المنظمات والأفراد الواردة أسماؤهم في القائمة، وتواصل تقديم الخدمات للمستوطنين في الضفة الغربية.

ويرى سفارد أن من المبكر التفاؤل بشأن العقوبات، فحتى لو كانت الولايات المتحدة تعني ما تقول، إلا أنها قد لا تواصل، و”عندما تقوم باتخاذ إجراءات للضغط على إسرائيل في هذا الموضوع، فمن الأفضل ألا تعلن عنها بدلاً من الفشل في ترك أي أثر لأنها تعطي صورة عن قوة المستوطنين”، كما قال.

المصدر: صحيفة أوبزيرفر

ترجمة: إبراهيم درويش




المقاتلون من فرنسا يحتمون بأقبية “تشاسوف يار”

لم يبق من المرتزقة الأجانب في أوكرانيا أحياء إلا القليل، وبين البقية محترفون خطيرون. حول ذلك، كتب فيكتور سوكيركو، في “أرغومينتي إي فاكتي”:

لم يعد هناك الكثير من المرتزقة الأجانب في أوكرانيا – من أصل إجمالي بلغ حوالي 12 ألف مقاتل، يوجد الآن ما يزيد قليلاً عن 1800 يقاتلون مع القوات المسلحة الأوكرانية. هذا ما تؤكده وزارة الدفاع الروسية. وهؤلاء الأميركيون والجورجيون والكنديون والكولومبيون والفرنسيون وغيرهم مجتمعين. يحاول المسلحون الحصول على الأجر الموعود على مشاركتهم في الأعمال القتالية، لكنهم يفعلون ذلك على مضض. وبدلاً من ذلك، يبحثون عن مهمات دافئة، كالعمل مدربين في الوحدات الخلفية.

وفي الصدد، قال الخبير العسكري فلاديسلاف شوريغين، لـ”أرغومينتي إي فاكتي”: “لم يعد هناك كثير من المرتزقة من الفيلق الأجنبي في القوات المسلحة الأوكرانية”. “في بعض الأحيان هم كسالى لا قيمة كبيرة لهم”. و”مع ذلك، ما يمكن ملاحظته هو ظهور عسكريين محترفين من دول الناتو بين الأجانب في الجيش الأوكراني. وكقاعدة عامة، هم جزء من وحدات منفصلة، ​​​​مع قادتهم، حيث الانضباط صارم. وقد شوهد مثل هؤلاء الأشخاص أيضًا في تشاسوف يار، وهم فرنسيون وألمان. وانطلاقا من تدريبهم، يمكن القول إنهم جنود في القوات الخاصة، يستميتون في القتال، ويتعين على قواتنا الخاصة التغلب على خبرتهم ومواجهتهم. هذه ليست “لحوم” جنود الجيش الأوكراني الذين عبأوهم، والذين يفضلون الفرار من مواقعهم.

هنا ينبغي الانتباه إلى حقيقة أن الفرنسيين الذين تم إرسالهم إلى مناطق خطرة لا يريدون تعريض رؤوسهم للرصاص دون تفكير. بل هم يتصرفون بحذر شديد، ويحاولون البقاء في المناطق الخلفية، ويشغلون أقبية المباني الشاهقة للإقامة، ويتجمعون في مكان واحد عند أداء مهمة قتالية فحسب. وهذا ما يلاحظه أيضًا الأسرى الأوكرانيون، المضطرين للمكوث في “حفر” على خط المواجهة.

المصدر: موقع روسيا اليوم