1

الحكومات الغربية وأمريكا ترتكب خطأ جديدا بدعم نتنياهو ضد اتهامات مدعي عام الجنائية الدولية

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش (1993-2022)، والأستاذ الزائر في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، كينيث روث، قال فيه إن من المخيب للآمال، إن لم يكن من المستغرب، أن يكون رد الغرب على اتهامات المحكمة الجنائية الدولية هو الدفاع عن إسرائيل رغم جرائم الحرب التي ترتكبها.

وقد رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنقد لاذع متوقع على اتهامات المحكمة ضده وضد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت. ومع ذلك، فإن حججه كلها ملفقة، وتهدف إلى صرف الانتباه عن السلوك المدمر في غزة. ولم تكن الحكومات الأمريكية والبريطانية والألمانية أفضل بكثير.

وكان المدعي العام للمحكمة كريم خان قد أعلن يوم الإثنين أنه سيسعى للحصول على مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بالإضافة إلى ثلاثة مسؤولين في حماس. واقترح توجيه اتهامات إلى قيادة حماس بارتكاب فظائع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فضلا عن إساءة معاملة الرهائن منذ ذلك الحين. واقترح اتهامات ضد المسؤولين الإسرائيليين في المقام الأول بسبب جهودهم لتجويع السكان المدنيين الفلسطينيين في غزة.

وقال روث إن هذه الاتهامات الهامة المقترحة توفر إمكانية اختراق “جدار الإفلات من العقاب” الذي عانى منه ضحايا الانتهاكات الإسرائيلية والفلسطينية منذ فترة طويلة، مضيفا أن خان هو المدعي العام الأكثر خبرة في المحكمة الجنائية الدولية من بين الثلاثة حتى الآن. و”تشير محادثاتي معه منذ بداية ولايته إلى أن أسلوبه في عمله محافظ. ومن غير المرجح أن يلاحق اتهامات دون وجود أدلة دامغة تدعمها، كما وجدت لجنة من الخبراء المستقلين الذين جمعهم. ومن المرجح أن تؤكد الدائرة التمهيدية للمحكمة الاتهامات وتصدر أوامر الاعتقال المطلوبة، وهذا يعني أن المتهم لا يستطيع السفر إلى أي من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (124 دولة)، بما في ذلك أوروبا بالكامل، دون مواجهة احتمال الاعتقال”.

من المرجح أن تؤكد الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الاتهامات بحق المسؤولين الإسرائيليين وقادة حماس وتصدر أوامر الاعتقال المطلوبة

ويعلق الكاتب أن المطالبة بأدلة قوية كانت على ما يبدو هي السبب وراء بدء خان باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لأن الأدلة كانت متاحة بسهولة أكبر. وقد منعت إسرائيل محققيه من دخول غزة، حيث كان يرغب عادة في التحقيق في القصف الإسرائيلي العشوائي وغير المتناسب. وأوضح خان أن تحقيقه “مستمر”، ويمكن أن يأتي المزيد من التّهم.

وكان رد نتنياهو مليئا بالمراوغة، ووصف الاتهامات المقترحة بأنها “محاولة لحرمان إسرائيل من الحق الأساسي في الدفاع عن النفس”، وهو أمر غير معقول.

المطالبة بأدلة قوية كانت على ما يبدو هي السبب وراء بدء خان باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لأن الأدلة كانت متاحة بسهولة أكبر.

ولا تتعلق الاتهامات المقترحة بما إن كانت إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، بل بكيفية الدفاع عنها، أي ليس من خلال ارتكاب جرائم حرب.

وقال نتنياهو إن إسرائيل اتخذت “إجراءات غير مسبوقة… لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في غزة” – وهو ادعاء كذبته أدلة كثيرة على عرقلة إسرائيل التعسفية للأغذية والأدوية وغيرها من الضروريات للسكان المدنيين في غزة، إلى درجة أن غزة وصلت إلى حد “المجاعة” في أجزاء من القطاع. والواقع أن الحكومة الأمريكية كانت صريحة في انتقاد حكومة نتنياهو بسبب عرقلتها المتعسفة لدخول المساعدات الإنسانية.

وفي التهمة العامة والمشتركة للمدافعين عن إسرائيل، اتهم نتنياهو خان بـ”سكب البنزين بشدة على نيران معاداة السامية التي تستعر في جميع أنحاء العالم”، مدعيا أن “خان يأخذ مكانه بين كبار معادي السامية في العصر الحديث”.

وهذا أمر غريب من زعيم إسرائيلي لم يجد صعوبة في احتضان معاد للسامية ــ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ــ عندما يخدمه ذلك. كما أن ذلك يعرض اليهود في مختلف أنحاء العالم للخطر، لأنه إذا نظر الناس إلى تهمة معاداة السامية باعتبارها غطاء رقيقا لجرائم الحرب الإسرائيلية، فإن هذا من شأنه أن يقلل من قيمة هذا المفهوم في وقت حيث يحتاج الأمر إلى دفاع قوي.

واعترافا باستقلال وأهمية المحكمة الجنائية الدولية، أصدرت بعض الحكومات ــ وأبرزها فرنسا وبلجيكا ــ بيانات تؤيدها. لكن آخرين ساروا على خطى نتنياهو.

وفي بيان مقتضب، وصف جو بايدن الاتهامات بأنها “مشينة”، مشيرا إلى أنه “ليس هناك تكافؤ – لا شيء – بين إسرائيل وحماس”. ورغم أن الحكومة الألمانية قالت إنها “تحترم استقلال” المحكمة، إلا أنها رددت تهمة “التكافؤ الزائف”.

لكن خان لم يدّع التكافؤ. لقد اتهم بكل بساطة المسؤولين الإسرائيليين ومسؤولي حماس بارتكاب جرائم حرب منفصلة

تؤكد التهم المزدوجة مبدأ أساسيا في القانون الإنساني الدولي: جرائم الحرب التي يرتكبها أحد الأطراف لا تبرر أبدا جرائم الحرب التي يرتكبها الطرف الآخر

وفي الواقع، ونظرا لخطورة الجرائم، فقد كان من المشين لو تجاهل خان جرائم أحد الطرفين. وتؤكد التهم المزدوجة مبدأ أساسيا في القانون الإنساني الدولي: جرائم الحرب التي يرتكبها أحد الأطراف لا تبرر أبدا جرائم الحرب التي يرتكبها الطرف الآخر.

ومن المفارقات أن حماس ردت على الاتهامات المقترحة بصيغة مختلفة لهذا الموضوع، قائلة إن تصرف خان “يساوي بين الضحية والجلاد”. ولكن بغض النظر عن عدالة قضية المرء، فإنها لا تبرر جرائم الحرب على الإطلاق.

وزعم وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، دون الخوض في التفاصيل، أن المحكمة الجنائية الدولية “ليس لها اختصاص”. ولطالما عارضت الحكومة الأمريكية السلطة الممنوحة للمحكمة بموجب المعاهدة التأسيسية لمحاكمة الجرائم المرتكبة في أراضي الدول الأعضاء من قبل مواطني الدول غير الأعضاء، لكن بايدن تخلى عن هذا الموقف عندما وصف اتهامات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لارتكابه جرائم حرب في أوكرانيا، باستخدام نفس الولاية القضائية الإقليمية، بأنه “مبرر”.

والأرجح أن بلينكن كان يشير إلى الحجة التي كررتها الحكومة البريطانية بأن فلسطين لا يمكنها الانضمام إلى المحكمة لأنها ليست دولة. لكن الغرفة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية رفضت بالفعل هذه الحجة، مستشهدة باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين باعتبارها “دولة مراقبة غير عضو”. وقد استخدمت فلسطين هذا الوضع للتصديق على مجموعة من معاهدات حقوق الإنسان، والتي ينبغي الترحيب بها باعتبارها بيان التزام، حتى لو كانت الممارسة الفعلية في كثير من الأحيان قاصرة.

وأشار بلينكن إلى أن المحكمة الجنائية الدولية، بموجب مبدأ التكامل، من المفترض أن تذعن لجهود الادعاء الوطنية بحسن نية. لكن الحكومة الإسرائيلية لم توجه قط اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد كبار المسؤولين [الإسرائيليين]. وعلى الرغم من تحذيرات خان المتكررة من أنه يدرس اتهامات تتعلق باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لم تعلن السلطات الإسرائيلية عن إجراء تحقيق. وقال خان إنه سيعيد النظر في اتهاماته المقترحة إذا تغير ذلك.

وأخيرا، قال بلينكن إن طلب المحكمة الجنائية الدولية “يمكن أن يعرض للخطر” الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وبالمثل، قال متحدث باسم ريشي سوناك إن الاتهامات “غير مفيدة”. ولكن هناك تاريخ طويل من اتهامات جرائم الحرب التي تعمل على تسهيل السلام من خلال تهميش المتشددين. هذه، على سبيل المثال، كانت الكيفية التي تم بها إبرام اتفاق دايتون للسلام في صراع البوسنة. وساهمت اتهامات مماثلة في ظهور الديمقراطية في ليبيريا والزوال الفعلي لجيش الرب للمقاومة المتمرد في أوغندا.

هناك تاريخ طويل من اتهامات جرائم الحرب التي تعمل على تسهيل السلام من خلال تهميش المتشددين

إن أي تهميش للمسؤولين الإسرائيليين أو مسؤولي حماس المتطرفين قد يؤدي إلى دفع مفاوضات وقف إطلاق النار المتوقفة بشكل محبط. وفي داخل إسرائيل، التي تسببت سلوكيات مسؤوليها في غزة في جعلها دولة منبوذة على نحو متزايد في أذهان العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم، فإن الاتهامات المقترحة من شأنها أن تعمل على تعزيز حركة تغيير الزعامة. وبعيدا عن كونها عائقا أمام وقف إطلاق النار، فإن تصرفات خان يمكن أن تكون حافزا.

ويعلق روث أنه من المخيب للآمال، إن لم يكن من المستغرب، أن يكون الرد الانعكاسي على الاتهامات التي اقترحتها المحكمة في واشنطن ولندن وبرلين هو الدفاع عن إسرائيل على الرغم من جرائم الحرب التي ارتكبتها. لكن سيادة القانون لا تنطبق على الخصوم فقط.

وكما يبدو أن الحكومة الألمانية قد نسيت، فإن الدفاع عن الحكومة الإسرائيلية بغض النظر عما تفعله ليس ردا مناسبا على الهولوكوست، بدلا من التأكيد على معايير حقوق الإنسان بغض النظر عمن ينتهكها. لقد حان الوقت لكي تعيد هذه الحكومات الغربية الرئيسية النظر في مواقفها.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




بريطانيا.. شكوى ضد 5 وزراء لتورطهم في “جرائم تجويع متعمد” بغزة

تقدم مركز حقوقي بريطاني، الأربعاء، بشكوى موسّعة في مقر شرطة “سكوتلاند يارد” بالعاصمة لندن، ضد 5 وزراء بحكومة ريشي سوناك بتهمة “التورط في جرائم استخدام التجويع سلاح حرب والتسبب عمدا بمعاناة كبيرة للمدنيين في غزة” منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

الشكوى قدمها المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين “ICJP” ومقرّه لندن، الأربعاء، إلى “سكوتلاند يارد” وهو مقر القوة الإقليمية المسؤولة عن الشرطة في معظم العاصمة البريطانية باستثناء الجزء الداخلي منها.
وقال المركز الحقوقي في بيان عبر موقعه الإلكتروني، إنه “قدم شكوى إلى فريق جرائم الحرب في سكوتلاند يارد، تتناول جرائم التجويع سلاح حرب والتسبب عمدا في معاناة كبيرة للسكان المدنيين (بغزة)، وكلاهما غير قانوني بموجب القانون البريطاني والدولي”.
ولفت إلى أنه بذلك “يوسّع الشكوى الحالية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في يناير/ كانون الثاني 2024، التي لا تزال قيد النظر بشكل نشط من قبل فريق سكوتلاند يارد”.
وأضاف المركز أنه أعدّ الشكوى التفصيلية “نيابة عن الضحايا الفلسطينيين في غزة، وهو يتناول الاشتباه باستخدام إسرائيل التجويع وسيلةً من وسائل الحرب والتسبب عمدًا في معاناة كبيرة للفلسطينيين خلال حربها على غزة.
وبيّن أن “الشكوى الجديدة تعتمد على شكوى أولية قدّمت إلى سكوتلاند يارد في 12 يناير 2024، بحق 4 وزراء في الحكومة البريطانية بتهمة الاشتباه بتواطؤهم في جرائم الحرب الإسرائيلية”.
وأوضح المركز أنه “بموجب قانون المملكة المتحدة والقانون الدولي ونظام روما الأساسي وقانون المحكمة الجنائية الدولية لعام 2001، يُعدّ التسبب عمدًا في المعاناة والتجويع سلاحا من أسلحة الحرب، جرائم حرب، كما أن استخدام التجويع سلاح حرب ينتهك اتفاقية جنيف”.
وأشار إلى أنه “تخضع الأعمال الإجرامية المشتبه بالتورط فيها للمحاكمة في المملكة المتحدة، وسينظر فيها فريق التحقيق في جرائم الحرب التابع لسكوتلاند يارد قبل أن يتخذوا قرارًا بشأن فتح تحقيق جنائي رسمي قد يؤدي إلى استجواب الجناة المحتملين واعتقالهم ومحاكمتهم”.
وذكر المركز أن “الشكوى تعدّ واحدة من أكثر الشكاوى شمولاً المقدمة حتى الآن إلى سكوتلاند يارد فيما يتعلق باحتمال ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة”.
وقال إنه أرفق الشكوى المؤلفة من 60 صفحة، مع 800 صفحة من الأدلة التي تم جمعها مباشرةً من شهود عيان وتقارير وأدلة الخبراء من 19 متخصصًا طبيًا عملوا في غزة منذ أكتوبر الماضي”.
ونقل البيان عن مدير المركز طيب علي، قوله إن “التواطؤ (المقصود في الشكوى) يمكن أن يأتي من خلال توفير غطاء سياسي، أو تشجيع الأعمال الإجرامية، أو توفير الأسلحة، أو حجب الأموال عن الوكالات الإغاثية (مثل الأونروا) ما يتسبب بمجاعة”.
وأضاف علي: “نعتزم ضمان محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين المشتبه بهم ومن يساعدونهم، سواء في المحكمة الجنائية الدولية، أو في المملكة المتحدة، أو في جميع أنحاء العالم، سنضمن أنه لن يكون هناك مكان لمجرمي الحرب للاختباء، وخاصة المملكة المتحدة”.
وأفاد بأن المركز قام “بتجميع وتقديم أدلة شهود عيان وخبراء عالية الجودة، تمّت صياغتها وفقًا لأعلى المعايير القانونية الجنائية، والآن أصبح الأمر بأيدي من يستطيعون تحقيق المساءلة”.
ولم يحدد البيان أسماء الوزراء البريطانيين الذين قدّم شكوى ضدهم، كما لم يصدر تعليق فوري من جهات رسمية على البيان.

وخلفت الحرب الإسرائيلية على غزة أكثر من 115 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، ونحو 10 آلاف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
وتواصل إسرائيل الحرب رغم العدد الهائل من الضحايا المدنيين، ورغم اعتزام المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق رئيس وزرائها ووزير دفاعها؛ لمسؤوليتهما عن “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”.
كما تتجاهل إسرائيل قرارا من مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار فورا، وأوامر من محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير فورية لمنع وقوع أعمال “إبادة جماعية”، وتحسين الوضع الإنساني بغزة.

صحيفة القدس العربي




ماذا نعرف عن مدعي عام الجنائية الدولية الذي يسعى لاعتقال نتنياهو؟

تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، أمس (الاثنين)، بطلب لإصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويتعلق طلب إصدار مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في قطاع غزة ابتداء من 8 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد يوم من شن نشطاء «حماس» هجومهم على إسرائيل.

ومن بين هذه الجرائم «تجويع المدنيين كوسيلة من أساليب الحرب» و«تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين»، بحسب بيان صادر عن مكتب خان.

كما صدرت أوامر اعتقال بحق زعيم حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، وممثلين آخرين للحركة الفلسطينية.

فماذا نعرف عن كريم خان؟

سرعان ما اكتسب البريطاني كريم خان شهرة باعتباره مدعياً عاماً مميزاً، بحسب ما نقلته صحيفة «الغارديان» البريطانية.

ففي محكمة دولية اشتهرت بالبطء الشديد في إجراءاتها، تحرك خان بسرعة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، بشأن جرائم الحرب المزعومة في أوكرانيا، والآن ضد «حماس»، والمسؤولين الإسرائيليين بشأن الحرب في غزة.

ويبدو أن قرار خان بالحصول على أوامر الاعتقال، والتي قوبلت بمعارضة شديدة من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، يتماشى مع تصميمه على إقناع المجتمع العالمي بأن المحكمة الجنائية الدولية سوف تلاحق مجرمي الحرب المزعومين خارج أماكن مثل البلدان الأفريقية، حيث تركزت العديد من قضاياها.

وتم تعيين خان (54 عاماً) مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية في عام 2021. وفي عملية اقتراع سرية، تغلب البريطاني على مرشحين من أيرلندا وإسبانيا وإيطاليا ليفوز في الجولة الثانية من التصويت بدعم من 72 دولة – أي أكثر بعشر دول من العدد المطلوب البالغ 62 دولة.

وبعد أشهر فقط من تعيينه في المنصب لولاية مدتها تسع سنوات في لاهاي، حول خان تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في أفغانستان بعيداً عن القوات الأميركية، وصب التركيز على الجرائم المزعومة التي ترتكبها حركة طالبان، وأعضاء الفرع الأفغاني لتنظيم داعش المتشدد. وأثارت هذه الخطوة انتقادات من منظمات حقوق الإنسان، واعتبرها البعض محاولة لكسب تأييد واشنطن.

مواجهة تصادمية مع الولايات المتحدة

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد بلغت معارضة المحكمة الجنائية الدولية ذروتها خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أعضاء المحكمة، وحظرت الحسابات المصرفية للمدعية العامة السابقة.

وفي علامة على تحسن العلاقات، تم إلغاء العقوبات في عهد الرئيس جو بايدن.

وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي، قام وزير العدل الأميركي بأول زيارة على الإطلاق إلى المحكمة الجنائية الدولية في تاريخ المحكمة الممتد منذ 22 عاماً. والتقى ميريك غارلاند بخان، ودعم تحقيقه المتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، ومذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لكن تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة اتجه نحو منعطف خطير أمس (الاثنين) بعدما ظهر خان على شبكة «سي إن إن» ليعلن عن مساعيه القانونية التالية للصراع في الشرق الأوسط.

وسرعان ما انتقد الرئيس الأميركي جو بايدن مساعي خان لإصدار أوامر لإلقاء القبض على مسؤولين إسرائيليين كبار، ووصفها بأنها «مخزية».

وانتقد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن المدعي العام خان، وقال إنه كان من المقرر أن يزور خان إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث التعاون مع المحكمة. وأضاف بلينكن أن خان قام بدلاً من ذلك بالظهور على شاشة التلفزيون ليعلن الاتهامات.

وقال بلينكن «هذه الظروف وغيرها تثير التساؤلات حول شرعية ومصداقية هذا التحقيق».

ووصف رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون المنتمي للحزب الجمهوري قرار خان بالسعي لإصدار مذكرات اعتقال بأنه «بلا أساس، وغير شرعي».

نصير النساء والأطفال

يخضع خان ومكتبه لتدقيق مكثف بسبب تحقيقه في الصراع بين إسرائيل و«حماس»، مع ضغوط سياسية تضمنت توجيه انتقادات علنية نادرة في وقت سابق من هذا الشهر.

وقال خان إن جميع المحاولات الرامية إلى تعطيل أو تخويف مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، أو التأثير بشكل غير لائق عليهم يجب أن تتوقف على الفور.

وسافر خان بشكل متكرر إلى البلدان التي تجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات بشأنها. وأصبح أول مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية يزور منطقة حرب عندما زار أوكرانيا في مارس (آذار) 2021.

وفي ديسمبر (كانون الأول)، أجرى خان زيارة مهمة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وكانت أيضاً أول زيارة من نوعها يجريها مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية.

وشدد خان، الذي تخرج في كلية كينغز في لندن، على تكريس جهده في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنسية، والدفاع عن حقوق الأطفال.

ويعرّف نفسه بأنه عضو في الطائفة الأحمدية في باكستان، واستشهد بآيات من القرآن في عدة بيانات صادرة عن المحكمة.

وخلال مسيرته القانونية التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، عمل خان في كل المحاكم الجنائية الدولية تقريباً، واضطلع بأدوار في الادعاء، والدفاع، فضلاً عن العمل كمستشار للضحايا.

بدأ خان مسيرته المهنية في مجال القانون الدولي مستشاراً قانونياً لمكتب المدعي العام لمحكمة جرائم الحرب الخاصة التابعة للأمم المتحدة لكل من يوغوسلافيا السابقة ورواندا بين عامي 1997 و2001.

وسطع نجمه عندما كان محامي الدفاع الرئيسي عن رئيس ليبيريا السابق تشارلز تيلور الذي كان يحاكَم بتهمة ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الخاصة بسيراليون التي انعقدت في لاهاي لمحاكمة تيلور.

وفي اليوم الأول للمحاكمة عام 2007، خرج خان من قاعة المحكمة بشكل درامي مخالفاً أوامر القضاة بعدما أعلن أن تشارلز تيلور استغنى عن خدماته.

وعمل خان بعد ذلك في قضايا المحكمة الجنائية الدولية بشأن كينيا والسودان وليبيا قبل تعيينه في عام 2018 رئيساً لفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب تنظيم داعش في العراق.

صحيفة الشرق الأوسط




مظاهرة فاشية في باريس.. صور صادمة وخطاب كراهية

تظاهر موالون لأقصى اليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس لتخليد ذكرى أحد نشطاء اليمين المتطرف الذي توفي في العام 1994 عندما سقط من سطح بناء باريسي أثناء هربه من الشرطة خلال تظاهرة غير مرخصة، وقد نظمت المظاهرة هذا العام حركة تدعى “لجنة التاسع من أيار/مايو”، وهي مجموعة من الفاشيين الجدد. هتف المتظاهرون بشعار اليمين المتطرف: “أوروبا، شباب، ثورة”.

تعرضت المظاهرة لانتقادات شديدة، وقد سجل الصحفيون الذين غطوا الحدث، حالات شجب للمظاهرة أثناء مرورها في الشارع من قبل المارة، الذين صرخ بعضهم بالمتظاهرين: “أنتم عار على فرنسا”، “عنصريون”، “فاشيون”. وكان المشاركون في المظاهرة الذين قدر عددهم بثمانمئة، قد ساروا في شوارع العاصمة الفرنسية، وهم منتظمون في صفوف من أربعة أشخاص، وحملوا رايات سوداء عليها شعار الصليب السلتي الذي اتخذه اليمين المتطرف كشعار يمثل القوميين المتشددين.

انتشرت صور صادمة من المظاهرة اليمينية في باريس، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”

انتشرت الصور الصادمة التي خرجت من هذه المظاهرة، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”، مما دفع رئيس الوزراء الفرنسي غابرييل أتال للتعبير عن استيائه قائلاً: “الصور التي شاهدهنا صادمة للغاية”.

مظاهرة لليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس

ومع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة، لكن الحكومة وضحت أن الشرطة الباريسية كانت قد أصدرت منعاً مشابهاً للمظاهرة الفاشية ، إلا أن احتجاج المنظمين أمام القضاء مكنهم من الحصول على ترخيص بسبب حكم القاضي بأن: “المنع يمثل مساساً خطيراً وغير قانوني بحرية أساسية وهي حرية التظاهر”. لكن هذا التبرير لم يمنع الناشطين الداعمين لفلسطين من الإشارة إلى الاختلاف الجذري في تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الحالتين، إذ يمنع بالقانون أن يخفي متظاهر وجهه، وقد تم اعتقال عدد من الطلاب، الذين شاركوا في الحراك الجامعي من أجل فلسطين بحجة إخفاء وجوههم، بينما كان معظم المتظاهرين الفاشيين يخفون وجوههم أثناء مظاهرتهم فيما سارت حماية من الشرطة إلى جانبهم، ولم تتعرض لأي متظاهر منهم رغم الاستفزازات التي تخللت المظاهرة.

اندلع الحراك الجامعي في فرنسا لدعم فلسطين في الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2024، بمناسبة خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جامعة السوربون.

مع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة.

تجمع عدد من الطلاب أمام السوربون لدعم المدنيين في غزة، وواجهتهم قوات مكافحة الشغب بعنف لتفرقتهم. أما في جامعة العلوم السياسية (سيانس بو) فقد احتل الطلاب عدة مواقع تابعة لجامعتهم واعتصموا من أجل غزة، لكن الشرطة بعد يومين من بداية الاعتصام اقتحمت الجامعات وفضت الاعتصامات بالقوة واعتقلت عدداً من المشاركين.

دعت اللجنة الفلسطينية في جامعة (سيانس بو) كل طلاب فرنسا للمشاركة والتحرك من أجل المطالبة بوقف إطلاق نار فوري وسلام دائم في غزة. وقد أعلنت حركة “فرنسا لاتخضع” اليسارية المتطرفة دعمها لحراك الطلاب، كما شاركت عضوة الحركة ريما حسن في التظاهرات. وكان أعضاء من حركة “التجمع الوطني” اليمينية المتطرفة قد اتهموا حركة “فرنسا لا تخضع” بتجييش الطلاب وباستخدام الحراك الجامعي كأداة سياسية.

تحدث وزير الداخلية الفرنسي، جيرار دارمانان، عدة مرات منذ بداية الاعتداء الإسرائيلي على غزة على أن الحكومة الفرنسية، ليست ضد دعم المدنيين في غزة ولكنها تخشى من: “الانقسامات والاستقطابات”، التي تنتقل من مناطق الصراع إلى المجتمع الفرنسي، ولا يمكن لمراقب خارجي ألا يسأل نفسه: “أليس الأحرى بالحكومة أن تقلق من الانقسامات والاستقطابات الداخلية؟ أليس عليها أن تفكر بآلية للحد من انتشار خطاب الكراهية الذي حملته المظاهرة الفاشية؟”.

كرر محللون سياسيون ظهروا في المحطات الإخبارية فكرة إنه قد يكون من الضروري بعد ما شهدته مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو إعادة النظر في القوانين التي تسمح بالتظاهر وتعديلها بحيث تمنع التظاهرات التي تدعو إلى الكراهية وتحرض على العنف، لكن هذه الدعوات التي تقيد حرية التعبير تتجاهل بالمقابل كيف سيتم استخدام مثل هذه القوانين وتفسيرها بحيث تمنع مزيد من الحركات التضامنية من التعبير عن رأيها، لا سيما أن الحكومة لم تتورع من قبل سن قوانين جديدة عن فرض رقابتها على الفضاء العام.

ولعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة. لا بد من التوقف عند تعبير أحد المشاركات في المظاهرة التي قالت لراديو “فرانس أنفو”: “نخفي وجوهنا بسبب التشويه الإعلامي اليساري الذي نتعرض له، إذ يسمح للجميع بالتعبير عن أنفسهم باسثنائنا، انظروا كيف تنتشر أعلام وتظاهرات دعم المثليين في فرنسا كلها”. إن شعور هذه المجموعات بأنها أقلية مظلومة ومقموعة قد يزيد من قدرتها على التأثير، وقد يكون السماح لها بالتعبيرعن نفسها، رغم الإزعاج الذي تسببه، أهون الشرور.

لعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب، أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة

تسأل الحكومة الفرنسية نفسها كيف تمنع التظاهر أو كيف تمنع تمظهر هذه الكراهية والخطاب المتطرف في الشوارع، لكنها بالمقابل لا تبدو معنية للغاية بالتفكر في أسباب انتشاره وصعوده في دولة كانت في مقدمة الدول الاشتراكية اليسارية في المعسكر الغربي، وكان طلابها الجامعيون قادة في حراكات التحرر العالمي من خلال ثورتهم في عام 1968، التي ما زال أثرها محسوساً حتى اليوم.

وليست فرنسا الاستثناء الأوروبي، بل هي متأخرة عن ركب بقية الدول الغربية التي يتصاعد فيها هذ الخطاب المتطرف ويتكاثر الهارفون فيه كما الفطر، دون أن يبدو في الأفق أي خطاب سياسي يمكن أن يخفف من حدته ويستقطب الشباب إلى خطاب أكثر عقلانية وأقل عنفاً وخطراً.

ليست مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو سابقة في التاريخ الفرنسي، لكنها بالتأكيد بداية لصراع طويل وممتد ومقلق مع تيار عنيف وكاره للآخر يحاول أن يغير وجه فرنسا المتكافلة والمتنوعة.

للأزمة أسباب عديدة وحلول لا يبدو أن السياسيين معنيون بإيجادها، ولكنها في النهاية ليست في عمقها إلا خطراً حقيقياً على أسس الديمقراطية.

يبقى الأمل في أن تنقذ الديمقراطية نفسها من خلال إرادة الفرنسيين التي يمكن أن تقصي هذه التيارات عن السلطة.

إيناس حقي

المصدر: موقع رصيف 22




روسيا تدخل في قائمة أول عشر دول من حيث النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين

تضاعف حجم الاقتصاد الروسي منذ بداية القرن الحالي، 8 مرات وشغل المركز العاشر بين الاقتصادات الكبرى في العالم من حيث وتائر النمو .

جاء ذلك في معطيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووفقا لها أصبحت اليابان الدولة الوحيدة التي انخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي خلال ذلك.

يتم توفير البيانات فقط للاقتصادات التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 100 مليار دولار أو أكثر: في نهاية القرن الماضي كان هناك 35 منها، وفي نهاية عام 2023 – 68.

وتبين أن الاقتصاد الروسي نما 7.7 مرة خلال 23 عاما ـ ليصل إلى ما يزيد قليلا عن تريليوني دولار بعد أن كان 260 مليار دولار في نهاية القرن الماضي.

ومن المعطيات تبين أن الاقتصاد الأسرع نموا كان في إثيوبيا، التي انضمت إلى مجموعة بريكس مؤخرا – منذ بداية القرن، زاد حجم الاقتصاد في إثيوبيا  19.4 مرة، ليصل إلى 160 مليار دولار.

وتأتي بعد ذلك الصين، التي نما ناتجها المحلي الإجمالي 14.6 مرة، ليصل إلى 17.7 تريليون دولار. وتحتل كازاخستان المركز الثالث، حيث نما الاقتصاد 14.2 مرة – إلى 261 مليار دولار من 18.3 مليار دولار.

وجاءت فيتنام في المركز الرابع من حيث معدل النمو (نمو 13.9 مرة، إلى 434 مليار دولار)، وحلت قطر في المركز الخامس (بنسبة 13.2 مرة، إلى 234 مليار دولار).

وبالإضافة إلى ذلك، تشمل المراكز العشرة الأولى رومانيا التي زاد اقتصادها 9.3 مرة إلى 346 مليار دولار، وكينيا (8.6 مرة، 109 مليار دولار)، وبنغلاديش (8.4 مرة، 446 مليار دولار)، وإندونيسيا (8.3 مرة، 1.4 تريليون دولار).

وبالإضافة إلى إثيوبيا والصين وروسيا، حققت الهند أسرع نمو في مجموعة بريكس، حيث نما اقتصادها 7.6 مرة منذ بداية القرن. على مر السنين، نما الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة 4.8 مرة، ومصر 4 مرات، وإيران 3.7 مرة، والبرازيل 3.3 مرة، وجنوب إفريقيا 2.5 مرة.

وكان أبطأ نمو للناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الماضية في اليونان، حيث بلغ 83% فقط.

المصدر: نوفوستي




وصم الضواحي الفرنسية… إعادة إنتاج دورة التهميش والتطرف إعلامياً وسياسياً

يكرس الأداء الإعلامي والسياسي الفرنسي صورة نمطية للضواحي والأحياء المهمشة على يد الدولة، وبدلاً من كسر هيمنة نعوت تعميمية إقصائية، يعاد إنتاج صور تجعلها وأهلها خارجين على القانون رغم كونهم ضحايا الفقر والفشل.

– اعتادت العشرينية الجزائرية فرح حاميتوش على رؤية مشهد إيقاف الشرطة الفرنسية لشبان من أصول عربية وأفريقية أثناء المرور في بلدة أرجنتوي، شمال غربي باريس والتي يتركز فيها المهاجرون، “بدون سبب محدد، ولمجرد الشك”، أوضحت حاميتوش التي تقيم في فرنسا منذ ثلاثة أعوام للدراسة أن “المارة عندما يرون خضوع هؤلاء الشبان للتفتيش باستمرار، تترسخ في أذهانهم صورة تصمهم بأنهم خارجون على القانون، والتكرار جعل عقول الناس جاهزة لتقبل رواية أن ضواحي ومدنا برمتها صارت بؤرا للجريمة”.

ومن بين هذه المدن تراب Trappes الواقعة جنوب غربي باريس والتي تتسابق وسائط إعلامية فرنسية على وصفها بأنها باتت “معقلا للجهاديين” أو نموذجا على “تغلب الإسلاموية على الجمهورية” فيما تساءل صحافيون ما إذا كانت قد دخلت في عداد “الأراضي الفرنسية المفقودة” أو هل “تخلت الجمهورية عن تراب دون قتال؟”، وهو ما أكده كتاب الأمين العام لحزب “جمهورية – تضامن” ديديه لومير، الصادر في سبتمبر/أيلول 2021 بعنوان “رسالة فارس من الجمهورية”، والذي حظي بتغطية إعلامية ملحوظة، بعدما أثار المخاوف من “أسلمة المدن الصغيرة” (عدد سكان تراب 33419 نسمة استنادا إلى إحصاء سكاني أجراه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية عام 2020)، ما يؤدي إلى نشوء جيل غير منتم إلى فرنسا والعبور من الجهاد الفردي إلى الجماعي، رابطا الأمر بتجربته أستاذا للفلسفة في ثانوية “بلان- دو- نوفل” الكائنة في تراب.

كيف بنت الدولة صورة الضواحي في عقول الناس؟

يلمس الفرنسي من أصل تونسي وسام دشراوي، من خلال عمله في مجال العقارات الممتد منذ عام 2010، تعمدا منهجيا لتشويه صورة الضواحي والأحياء التي تقطنها نسبة كبيرة من المهاجرين أو الفرنسيين المتحدرين من أصول أجنبية، سواء من العرب أو الأفارقة، إذ يجري تصويرها إعلاميا على أنها معقل جماعات متطرفة وتحكمها قوانينها الخاصة.

والأخطر أن “الدولة تراها وعاء لمعظم علل المجتمع الفرنسي بسبب تكرار أعمال العنف، رغم ما فرضته على سكانها من ظروف حياتية واقتصادية ومسؤوليتها تجاههم، وهو ما يصب في سياق “التمييز العنصري العرقي”، ومهد لتشكيل الغيتوهات التي تضم السكان الأكثر إقصاء”، في سلسلة من آليات للفصل بناء على العرق والمنطقة والطبقات الاجتماعية”، بحسب ما فصله الباحث سيبريان أفينيل في دراسته بعنوان مشكلة الضواحي “بين الفصل والوصم”، والمنشورة في المجلة الفرنسية للطب النفسي عام 2009، مشيرا إلى أنها أصبحت رمزا للبطالة وأعمال الشغب والانحراف والعنف، وكل المشاكل التي يجري إلصاقها بالمهاجرين.

وخلقت حالة الوصم السابقة مخاوف من الضواحي وسكانها، يعبر عنها الفرنسي من أصول صينية جيل زينغ والذي يعمل سائق أجرة ويقيم في مدينة تراب منذ خمسة أعوام، وحتى اليوم يتجنب دخول أحياء معينة لما يكرره الإعلام حول تفشي تجارة المخدرات وانتشار عصابات السرقة التي تستهدف المحال التجارية والممتلكات الخاصة بها، مستدركا بأن أحياء في المدينة تحولت إلى ما يشبه “الجزر المعزولة” وسكانها في غالبيتهم من المهاجرين مثل ميريزييه Merisiers في وسطها، والذي يخشى دخوله، لارتباطه في ذهنه بالتطرف والمشاكل.

وتشاركه الأربعينية آني بارو ذات الهواجس، رغم أنها لم تتعرض لأي مضايقات من جيرانها المهاجرين أو من الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية، لكن ما يثير قلقها “تعاظم قوتهم الاجتماعية، وتغلغل هذه الشريحة في تراب ما غيّر من وجهها بعد انتشار أنشطة تجارية تعكس ثقافة مغايرة مثل محال الجزارة الحلال، في المقابل، عزف الفرنسيون عن الاستثمار فلم يعد بالمدينة متجر لبيع الأجبان الفرنسية على سبيل المثال”، وهو ما تربطه بتضخيم صورة إعلامية محددة لتراب مرتبطة بتنامي الأفكار المتطرفة، ما حدّ من جاذبيتها على الصعيد التجاري، “لتنقسم المدينة إلى مجتمعين قابلين للتصادم في أية لحظة”، على حد تصورها.

تبعات الوصم والتهميش

ما يتعرض له أبناء الضواحي المهمشة من وصم له تبعات خطيرة، وفق تقديرات الأستاذ في معهد العلوم السياسية بمدينة ليون جنوب شرق البلاد، والباحث المتخصص في دراسة علاقة الدولة الفرنسية بالإسلام والمسلمين حواس سينيغير، مبينا لـ”العربي الجديد” أن بروز التطرف وارد وغير مستبعد ولكنه ليس سلوكا تلقائيا، إذ يمكن أن تنمو داخل الفرد رغبة بتحدي الدولة ومؤسساتها لا سيما الأمنية ما يدفعه إلى سلوك طريق الإجرام، أو قد يتعزز انتماؤه إلى محيطه الجغرافي ويستكمل حياته على نحو مسالم داخل “مجتمع مواز”، والسيناريو الآخر، الخروج من هذا المحيط وإثبات الذات مثل أي فرنسي ترعرع خارج الضواحي، “لكن يبقى الإحساس بالمرارة القاسم المشترك بين كل تلك الحالات”.

وصم 2
خلقت حالة الوصم والتمييز مخاوف من الضواحي وسكانها (Getty)

ويعطي الباحث سينيغير أمثلة متعددة على وصم أبناء الضواحي، على يد سياسيين وإعلاميين يشاركون في السجالات المستمرة حول البوركيني والأغذية الحلال ومنع ارتداء العباءة في المدارس، والأخطر ربط الرئيس ماكرون بين ارتفاع معدلات الجريمة والهجرة. والقاسم المشترك بين تلك الحوادث، انتهاج الدولة الفرنسية سياسة “الشك بالمسلمين” التي أتى على ذكرها في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “الجمهورية الاستبدادية: إسلام فرنسا ووهم الجمهورية”، معتبرا أن وصم المسلمين القاطنين في فرنسا ليس مؤامرة بقدر ما هو تعبير عن أزمتين، ثقافية لعدم تقبل الآخر المختلف، والثانية سياسية وسببها عجز السلطة عن تشخيص التحديات وتحديد أولوياتها، وبالتالي لم تواجه الرواية القائلة إن المسلمين القاطنين في الضواحي تهديد أمني وهو ما يترسخ في أذهان الفرنسيين من خلال الإعلام والممارسات اليومية لممثلي السلطة.

تناقضات الصور النمطية

عبّد انتشار صورة سلبية للضواحي وسكانها، الطريق أمام وصمها بالإرهاب والتطرف حتى تحولت إلى مصدر خوف وقلق للفرنسيين والدولة، بحسب ما رصده كزافييه كريتييه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرساي-سان-كانتان وأحد الباحثين المساهمين في دراسة سوسيولوجيا الجهاد الفرنسي التي أعدت بالتعاون بين مديرية إدارة السجون ومعهد العلوم السياسية (تعليمي بحثي) في بلدة سان جيرمان أون لاي الواقعة في الضواحي الغربية لباريس، وشملت 350 معتقلا بتهم إرهابية، ونشرتها وزارة العدل في ديسمبر/كانون الأول 2022.

%32 من الناخبين يميلون إلى أطروحات اليمين المتطرف

وتكشف النتائج عن “وجود عوامل تدفع إلى التطرف لكن لا يمكن تعميمها واعتبارها قاعدة ثابتة، ورغم أن 54% من أفراد العينة ينحدرون من أسر فقيرة، لكن لا يعني ذلك أن سوء الأحوال الاقتصادية مرادف للتطرف، كذلك الحال في ما يخص التهميش السياسي والاجتماعي وقلة اندماج الأجيال اللاحقة من أبناء المهاجرين. ورغم قدوم حاملي الفكر المتطرف من أحياء شعبية ذات كثافة سكانية عالية في باريس وضواحيها، وإقليم فال دو مارن شرق العاصمة، ومدينة ليون، وإقليم ألبيس ماريتميس جنوب شرق فرنسا ومدينة تولوز جنوب شرق البلاد ومدينة ستراسبورغ وضواحيها شرقا، لكن في الوقت ذاته، نجد أن مدنا كبرى مثل مرسيليا الواقعة على ساحل فرنسا الجنوبي ومدناً ساحلية مثل لاروشيل، والتي تضم العديد من الأحياء الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية، وتتوفر فيها كل الظروف كي تتحول إلى معقل للمتطرفين، سجلت أعدادا أقل من أصحاب الفكر المتطرف، ما يؤكد أن العلاقة بين الحياة في الضواحي ونمو التطرف ليست في تناسب دائما، وأن التطرف تعبيرعن سخط اجتماعي وليس غاية”.

وتكشف الدراسة أن 68% من عينة البحث (238 مسجونًا) فرنسيون، في حين يحمل فقط 32% منهم جنسيات أخرى (112 مسجونًا شاملين الفرنسيين مزدوجي الجنسية).

لكن تلك الدراسة لم تحظ بالانتشار والترويج ذاتيهما اللذين تحققهما أفكار الوصم، ولم يسمع بها عبد العزيز صافتي المولود في تراب والذي تساءل عن “لماذا تستقبل فرنسا الخائفة من العرب والمسلمين سائحين من تلك البلاد بصدر رحب فيما تنبذنا وتصر على تشويه صورتنا، رغم أننا فرنسيون ونتشارك مع هؤلاء السائحين ذات الديانة؟ هل لأنهم مقتدرون ماليا أكثر منا؟” ولم يكد عبد العزيز ينهي مقارنته تلك حتى سارع سفيان بوعناني إلى مقاطعته: أنت مخطئ يا صديقي، الدولة الفرنسية تتعمد تشويه صورتنا ووصمنا بالتطرف للتغطية على فشلها في توفير حياة كريمة لنا”.

ملايين المحرومين والموصومين

منذ عام 2014، حدّدت الدولة 1514 حيا فقيرا عرّفتها بأنها “ذات أولوية” لسياسة المدينة التي تتضمن مشاريع تستهدف السكان المعزولين، وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2023، صدر مرسوم رقم 1314 المتعلق بتعديل قائمة المناطق ذات الأولوية في المديريات الحضرية، وضمت اللائحة 1362 حيا، يعيش فيها 5.4 ملايين شخص، أي نحو 8.2% من السكان، وهؤلاء يشكلون 13% من الباحثين عن عمل، إذ يزيد معدل البطالة في هذه المناطق بثلاثة أضعاف عن المعدل الوطني، وفق بحث “التشغيل والتنمية الاقتصادية لمصلحة سكان الأحياء”، والذي نشرته وزارة البيئة والتماسك الإقليمي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ويتركز عمل غالبية الفئات التي تقطن أحياء الضواحي تلك، في المهن التي تحتاج عمالا غير مهرة، ويعانون من انعدام الأمن المالي بشكل أكبر، وعانت هذه الأحياء في فترة الانتقال إلى اقتصاد الخدمات والابتكارات، وأصبحت الوظائف الجديدة تتطلب مستوى عاليا من التأهيل، ما زاد من استبعاد الأيدي العاملة غير المتخصصة ورفع نسب البطالة في صفوفهم، حتى أمسى الأمر واحدا من الأسباب الرئيسية للفصل الحضري، بحسب دراسة مشكلة الضواحي.

ويبين تقرير مشترك صدر في يونيو/حزيران 2020 عن الوكالة الوطنية لتماسك الأقاليم (هيئة حكومية مكلفة بتطبيق سياسة المدينة) ومركز الدراسات والأبحاث حول المؤهلات الدراسية (إدارة حكومية تُعنى بدراسة متطلبات سوق العمل) بعنوان: ماذا يحدث للشباب من المناطق ذات الأولوية بعد الثانوية؟، “أنهم لا يتمتعون بنفس المستوى التعليمي الذي يحظى به أقرانهم في الأحياء الأخرى، إذ تنعكس الخلفية الاجتماعية على التحصيل العلمي خاصة لمن ولدوا في عائلات مهاجرة أو ذات مستوى اجتماعي متواضع كما أن ضعف الموارد في تلك الأحياء يعيق السلطات المحلية عن الاستثمار في القطاع التعليمي على النحو المطلوب”.

“ورغم محاولات الدولة إصلاح الأمر عبر تدخلات من ضمنها سياسة المدينة، لكنها ركزت فقط على تجديد المباني السكنية والبنى التحتية وفشلت في خلق بيئة استثمارية توفر فرص عمل للسكان”، كما رصد حكيم القروي، الباحث السياسي الفرنسي، تونسي الأصل في معهد مونتين، ومعدّ دراسة “الأحياء الفقيرة لديها مستقبل” الصادرة عن المعهد في أكتوبر/تشرين الأول 2020، محذرا مما كشفته نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2022، من أن 32% من الناخبين يميلون إلى أطروحات اليمين المتطرف، التي تُحمِل المهاجرين أو الفرنسيين من أصول مهاجرة مسؤولية “مآسي فرنسا”.

وفي ردها على “العربي الجديد” اكتفت الوكالة الوطنية لتماسك الأقاليم بالقول إن “مكافحة التطرف ليست الدافع وراء إطلاق تلك السياسة بالتالي فهي ليست الجهة المعنية بالرد، بينما تذرعت اللجنة الوزارية لتفادي الانحراف والتطرف (تتبع رئاسة الوزراء) بأنها ليست مخولة بالتحدث باسم الدولة الفرنسية لوسائل الإعلام ويقتصر دورها على التنسيق بين الجهات المختلفة في العمل على ملف مكافحة التطرف.

وصم الضواحي الفرنسية
يزيد معدل البطالة في “الأحياء المحرومة” بثلاثة أضعاف عن المعدل الوطني (Getty)

إعلام يصنع ويعزز الصورة النمطية

يربط بوعناني المقيم في تراب ويعمل فيها، بين الصورة التي أصبحت مترسخة في أذهان الناس عن ضواح معينة بأنها حاضنة للمتطرفين، ودور وسائل الإعلام في تضخيم هذه الصورة والتركيز على أحداث معينة وتكرارها، مستذكرا مثالا على تراب بقوله إنه في إبريل/نيسان 2016، تداولت وسائل إعلام فرنسية تقارير مفادها أنه بين 60 و80 شخصا من سكانها التحقوا بتنظيم داعش، وكان الجميع يتابع ذلك الضخ الإعلامي بكثافة، ومن وقتها ألصقت وسائل الإعلام بهذه البلدة أوصافًا تدلل على التطرف.

وبالتالي ووفق منطق العرض والطلب، بادرت عدة وسائل إعلامية إلى توفير مساحات لهذا الخطاب بغرض مضاعفة المشاهدات، بحسب القروي، والذي ضرب مثالا، بتعاقد منصات إعلامية مع أصحاب الخطاب المتطرف كالمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، إريك زيمور Eric Zemmour الذي أصبح ضيفا دائما أو مقدم برامج، لتتحول تلك المساحة الإعلامية الممنوحة له إلى منبر لتسويق أطروحاته لا سيما نظرية الاستبدال الكبير وعمادها أن المسلمين سيشكلون نصف سكان فرنسا في العام 2050 ما سيفضي إلى تلاشي “الشعب الفرنسي الأصيل”.

ولا تعد وسائل الإعلام المتهم الوحيد بتعزيز تلك الصورة السلبية وفق أفينيل، لكن باحثين يساهمون أيضا عن غير قصد في نشر تلك الصورة السلبية لتناولهم المكثف لحال تلك المناطق ما يمنح سندًا أكاديميًا للخطاب الذي يصم الضواحي وسكانها بكل ما هو سلبي، بما فيه الإرهاب والتطرف، حتى أن بوعناني ورفاقه اعتادوا على قراءة وسماع ومشاهدة ما يسيء إلى مدينتهم مدركين الهدف من ذلك وهو التعتيم على تقاعس أجهزة الدولة في توفير الخدمات لهم، ما عرقل اندماجهم في بلدهم التي لم تقم بدورها تجاههم.

حسن مراد

المصدر: صحيفة العربي الجديد




محطات في تاريخ الخلافات الإسرائيلية ـــ الأميركية

شارون كان يقول: «نحن نحكم في واشنطن»

شهد تاريخ العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية عديداً من حالات التوتر، التي بلغت حدوداً أكبر من الخلاف الحالي الناجم عن اجتياح رفح. إلا أن الحليفين عرفا دائماً «التنازل» لحلّ الإشكال. وغالباً ما كان هذا «المتنازل» هو الجانب الإسرائيلي. ومع أن بعض المراقبين عدّوا قرار الرئيس جو بايدن تجميد إرسال واحدة من شحنات الأسلحة والذخيرة إلى إسرائيل «زلزالاً سياسياً»، فإن مصادر في الجانبين تكلمت عن أنه – كالعادة – تُبذل جهود وراء الكواليس لتصحيح العلاقات بشكل فوري «كي لا يجني قادة حماس، ومن ورائهم قادة إيران وحزب الله، ربحاً سياسياً ومعنوياً». ويتضح من مسح للعلاقات بين البلدين عبر 76 سنة لإسرائيل انفجار خلافات عدة، لكن 14 منها بلغت حد الأزمة، كما هي الحال اليوم.

آثار استهداف المدمرة “ي إس إس ليبرتي” (صور سلاح البحرية الأميركي)

وقع أول خلاف كبير بين تل أبيب وواشنطن عام 1949، عندما سيطرت إسرائيل على أراضٍ مصرية بعد أشهر طويلة من وقف إطلاق النار. وحينذاك، سُوّيّ الخلافُ عندما وافقت حكومة إسرائيل برئاسة دافيد بن غوريون على الدخول في «مفاوضات رودس» لترسيم حدود وقف إطلاق النار – عبر إنشاء ما عُرف بـ«الخط الأخضر» – وهي التي أصبحت حدود إسرائيل غير الرسمية، قبل «حرب يونيو (حزيران) 1967».

ثم وقع الخلاف الثاني الكبير عام 1957، في أعقاب «حرب السويس» التي وقعت عام 1956 وعُرفت في حينه باسم «العدوان الثلاثي» على مصر. وفي حينه أطلقت إسرائيل عمليات لتثبيت احتلالها لسيناء وقطاع غزة، وبدأت تخطط للاستيطان اليهودي هناك. لكن الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور طالبها بالانسحاب فوراً، وهدد بقطع المساعدات الاقتصادية (إذ لم تكن هناك مساعدات عسكرية ذات شأن)، وفعلاً، انسحب بن غوريون وتجنب الصدام.

ديمونة… و«ليبرتي

»خلال الفترة بين 1960 و1964، نشبت أزمة على خلفية بناء المفاعل النووي الإسرائيلي في منطقة ديمونة (شمال صحراء النقب وجنوب شرقي مدينة بئر السبع) بمساعدة فرنسية. فقد فوجئت الولايات المتحدة بهذا المشروع، وطالبت إسرائيل بإخضاعه للرقابة الدولية أو الأميركية. لكن إسرائيل لم تتراجع هذه المرة، وتمسّكت برفضها أمام الرئيس آيزنهاور، ثم أمام خلفه الرئيس جون كيندي، الذي اتخذ موقفاً سلبياً أشد من حكومة إسرائيل. ثم جاء الرئيس ليندون جونسون (الذي تولّى الرئاسة إثر اغتيال كيندي) 1963، ليبدأ في إحداث انعطاف في العلاقات. وحقاً، عام 1964، وافقت إسرائيل على رقابة جزئية وسطحية ووافق جونسون على إنهاء الأزمة. وهكذا استمر عمل المفاعل النووي.حرب 1967… والسفينة «ليبرتي»

ثم في عام 1967، وقعت أزمة جديدة بين واشنطن وتل أبيب عندما أقدمت طائرات وسفن حربية إسرائيلية على قصف قطعة بحرية حربية أميركية يوم 8 يونيو 1967، وهو اليوم الثالث في «حرب يونيو».

في ذلك اليوم كانت المدمّرة الأميركية «يو إس إس ليبرتي» تبحر على بعد 13 ميلاً بحرياً قبالة العريش خارج المياه الإقليمية المصريّة بشمال شبه جزيرة سيناء. وأدى القصف الإسرائيلي إلى مقتل 34 من البحارة و171 إصابة.

الجاسوس جوناثان بولارد (رويترز)

حرب أكتوبر

عام 1973، في الأيام الأخيرة من «حرب أكتوبر (تشرين الأول)»، اخترقت إسرائيل خطوط قوات الهجوم المصرية – التي كانت قد حرّرت قسماً كبيراً من غرب سيناء – وتحقق لإسرائيل ذلك بعدما قدّمت الولايات المتحدة دعماً غير مسبوق للجيش الإسرائيلي بلغ حد إرسال طائرات حربية أميركية دخلت إلى المعركة وقادها طيارون أميركيون.

يومذاك، طوّقت القوات الإسرائيلية، المدعومة أميركياً، «الجيش الثالث» المصري وفرضت عليه حصاراً. وعندما طلب الرئيس ريتشارد نيكسون من إسرائيل فك الحصار وبدء مفاوضات لفك الاشتباك، رفضت رئيسة الحكومة الإسرائيلية غولدا مائير، الانصياع في البداية وهددت واشنطن بقطع الدعمَين السياسي والعسكري. إلا أنها تراجعت لاحقاً، وفكت الحصار وبدأت المفاوضات.

ثم في مطلع عام 1975 طلب الرئيس جيرالد فورد من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، تحويل «اتفاق فصل القوات» مع مصر إلى «اتفاق لوقف النار»، ويومها وافق رابين بشرط أن توافق مصر على إنهاء حالة الحرب. لكن الرئيس المصري أنور السادات اشترط لإنهاء حالة الحرب انسحاباً إسرائيلياً من كامل أراضي سيناء. وعلى الأثر أجرى هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأميركي) سلسلة جولات مكّوكية. ولما فشل حمّل تل أبيب مسؤولية الفشل، وبدأت واشنطن تعاقب إسرائيل. إذ أعلن الرئيس فورد عن «إعادة تقييم العلاقات الأميركية – الإسرائيلية»، وقرّر تجميد التوقيع على صفقات أسلحة جديدة، بل، وباشر مسؤولون أميركيون رسميون عقد لقاءات مع ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية… ولم تعد الإدارة الأميركية تنسّق مع إسرائيل التحضير لمؤتمر جنيف للسلام في الشرق الأوسط (لم ينعقد بالتالي).

ولقد استمرت هذه الحال، حتى رضخ رابين. وفي أغسطس (آب) استأنف كيسنجر جولاته المكّوكية لأسبوعين، وأسفرت عن اتفاق جديد بين مصر إسرائيل، يؤكد أن البلدين يحرصان على تسوية الصراع بالطرق السلمية. وانسحبت إسرائيل إلى خط العريش – رأس محمد.

المصاحة التاريخية في كامب ديفيد بين السادات وبيغن برعاية كارتر (غيتي)

«كامب ديفيد»

في عام 1978، بدأ الرئيس جيمي كارتر محاولاته للسلام بين مصر وإسرائيل. إلا أنه قبل «مؤتمر كامب ديفيد» اصطدم برفض إسرائيلي مطلبين مصريَّين: الأول إنشاء مكتب ارتباط مصري في قطاع غزة تمهيداً لإنهاء الاحتلال. والثاني بدء مشروع استخراج النفط مقابل سيناء.

عندها حضر كارتر إلى القدس واجتمع بالحكومة الإسرائيلية، وراح يهدّد: «لقد وعدت السادات بأن توافقوا ولن أسمح لكم بتخييب أملي»… بيد أن هذا الضغط لم ينجح. وفي كامب ديفيد جدّد كارتر تهديده لرئيس الحكومة الإسرائيلي مناحم بيغن بـ«إعادة النظر في العلاقات بين البلدين». ومع أن الخلافات طويت إثر نجاح المؤتمر، ذكر باحثون أن كارتر «تكلم مع قادة إسرائيل بعدائية وفوقية واضحة»… و«أنه لو فشلت المفاوضات لكانت فعلاً بداية أزمة تاريخية». ولقد نُشرت اقتباسات من بيغن بلغت حد اعتبار كارتر «معادياً للسامية»، واقتباسات من كارتر تعدّ بيغن «كذاباً محترفاً ومتغطرساً».

ولاحقاً، وقفت غالبية اليهود الأميركيين ضد إعادة انتخاب كارتر لفترة رئاسية ثانية – إذ هبط تصويت اليهود له من 71 في المائة عام 1976 إلى 45 في المائة عام 1980 -. إلا أن الرئيس رونالد ريغان الذي حظي عام 1980 بتأييد الغالبية اليهودية، وبشكل خاص حكومة بيغن، دخل في صدامات عدة مع إسرائيل. ذلك أنه، عام 1981 قرّر ريغان إبرام صفقة لبيع طائرات «آواكس» للمملكة العربية السعودية، واعترضت إسرائيل بحجة أن الصفقة تمس بأمنها، وجنّدت عدداً من «اللوبيات» لمحاربتها، ومع أنها أغضبت ريغان، فإن ضغوطها فشلت… ونُفّذت الصفقة.

وعام 1981 أيضاً، دمّرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي قرب بغداد، من دون التنسيق مع واشنطن. ومجدداً غضب ريغان وقرّر تجميد قرار تسليم إسرائيل طائرات «إف 16». وفقط بعد 6 أشهر حصل تفاهم بينهما أعاد تسليم أول دفعة من الطائرات.

لكن ريغان عاد فاضطر إلى تجميد القسم الثاني من صفقة الطائرات عام 1982، عندما رفض بيغن خطة السلام التي اقترحها لتسوية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فقد تضمّنت الخطة الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وإنشاء كيان فلسطيني مستقل فيها. لكن غضب ريغن استغرق 3 أشهر، وطوى خطته وأعاد التفاهم مع بيغن.

الجاسوس بولارد

عام 1985 نشبت أزمة جديدة في العلاقات عندما أُلقي القبض على جوناثان بولارد، وهو محلل استخبارات مدني في القوات البحرية الأميركية، بتهمة التجسس واستغلال منصبه لتسريب معلومات لصالح إسرائيل. ولقد تنازل بولارد عن الحق في المحاكمة مقابل القيود المفروضة على الحكم، وأقرّ بأنه مذنب، فأدين لكونه جاسوساً لحساب إسرائيل، ثم حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في عام 1986، بينما نفت إسرائيل حتى عام 1998 أن يكون بولارد جاسوساً لحسابها.

مشروعات شمير الاستيطانية

عام 1991 كان «بطل تأزم العلاقات» رئيس الوزراء إسحق شمير، الذي عُدّ أسوأ رئيس حكومة في التاريخ الإسرائيلي (بعد بنيامين نتنياهو). إذ أعلن شمير مشروعات عدة لتوسيع الاستيطان وقت التحضير لـ«مؤتمر مدريد للسلام»، ما أثار غضب الرئيس جورج بوش «الأب». لكن شمير استرضاه، بأن حضر بنفسه المؤتمر الذي عُقد على مستوى وزراء الخارجية، وكان برفقته نتنياهو، الذي كان نائباً لوزير الخارجية وناطقاً بلسان الوفد الإسرائيلي.

مع هذا، ضُبِط شمير وهو يروي لمسؤولين أنه إنما وافق على خوض مسار مدريد كي يماطل في المفاوضات إلى أبد الآبدين. عندها فقط أدركت واشنطن أن شمير يجهض المشروع، فقرّر بوش سلسلة عقوبات أقساها القرار بإلغاء الضمانات الأميركية لإسرائيل بقيمة 10 مليارات دولار. وأحدث هذا القرار «زلزالاً» في إسرائيل يُعزى إليه سقوط شمير في الانتخابات اللاحقة وانتخاب إسحق رابين مكانه.

نحن نسيطر على أميركا

بعدها، في ظل حكم أرئيل شارون، أيضاً بدأت العلاقات بشكل سلبي، لكنها تحسّنت بعد قبوله بالانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية وفق خطة الانفصال. ومن الدلائل على الخلافات، روى المؤرخ توم سيجف أنه، يوم 3 أكتوبر 2001، دعا شارون المجلس الوزاريّ – الأمنيّ المُصغّر في حكومته إلى اجتماع لتدارس الدعوة الأميركيّة لإسرائيل بوقف إطلاق النار في الضفّة الغربيّة المُحتلّة. وخلال النقاش اعترض شمعون بيريس، على اتخاذ أي إجراء يستفزّ الحلفاء في واشنطن، إلا أن شارون ردّ عليه «لا تقلق يا عزيزي بشأن الضغط الأميركيّ، نحن الشعب اليهوديّ نُسيطر على أميركا، والأميركيون يعرفون ذلك. القدس: نظير مجلي

نتنياهو (آ ف ب/غيتي)

عهد بنيامين نتنياهو… شهد أسوأ فترات عاشتها العلاقات

يبقى أن أسوأ فترة مرَّت فيها علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل هي فترة – أو فترات – حكم بنيامين نتنياهو. والواقع أنه من أول أيام انتخاب نتنياهو لرئاسة الوزراء، في أول مرة، بعد اغتيال إسحق رابين، وهو يخوض معارك ابتزازية متتالية مع الإدارات الأميركية. وبدأ ذلك المسلسل عام 1996، عندما انتخب وحاول التلاعب في تنفيذ «اتفاقيات أوسلو». وللعلم، في تلك الفترة كان نتنياهو يتصرف كرئيس حكومة قوي، لم تكن قد أُعدت ضده لوائح اتهام بالفساد وخيانة الأمانة وتلقي الرشى، ولم يكن يخشى كما هو اليوم الحكم عليه بالسجن. فقبل بدء محاكمته (عام 2020)، كان نتنياهو شخصية مختلفة. لقد تطاول نتنياهو على واشنطن، وأخذ صوته يرتفع ويشتد بالتدريج، لكن الأميركيين في عام 1996 أوقفوه عند حده، وأخذوا يُسمِعونه تهديدات بوقف المساعدات، فألقى خطاباً قال فيه إنه ينوي التنازل عن هذه المساعدات، وإن وضع إسرائيل الاقتصادي جيد ولا تحتاج إليها. بيد أن الرئيس بيل كلينتون ردَّ عليه بإرسال وفد رفيع ليفاوض على إنهاء هذه المساعدات… ووصل الوفد فعلاً، فتراجع نتنياهو. مع هذا أصر الأميركيون على إلغاء المساعدات المالية، وتحوّلت المساعدات إلى عسكرية. وهكذا عاد نتنياهو وسار بتنفيذ قسم من «اتفاقيات أوسلو»، خصوصاً بعد «حرب النفق» تحت المسجد الأقصى، في سبتمبر (أيلول) 1997، التي استمرت 3 أيام، وقُتِل فيها 100 جندي فلسطيني و17 جندياً إسرائيلياً. وحينذاك دعا كلينتون كلاً من نتنياهو والرئيس ياسر عرفات إلى واشنطن، بمشاركة الملك حسين، وجرى التوقيع على «اتفاقية الخليل» (انسحبت إسرائيل من مساحة 85 في المائة من مدينة الخليل)، ولاحقاً انسحبت من 13 في المائة من الضفة الغربية. في عام 2010، تفجر خلاف جديد في عهد نتنياهو، إذ بدا يخطط لشن حرب على إيران ووقفت واشنطن ضده. لكن نتنياهو خاض معركة خاسرة من البداية لأن جميع قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية عارضوه (الجيش والموساد وأمان والشاباك). واكتشف عندها وجود مفاوضات سرية بين واشنطن وطهران لتوقيع «الاتفاق النووي». وعندها راح يحارب «الاتفاق» سياسياً، ودخل في صدام مباشر مع الرئيس باراك أوباما، لدرجة التدخل في انتخابات الرئاسة لإسقاط أوباما. كذلك ألقى خطاباً ضد «الاتفاق النووي» في الكونغرس عام 2015 من دون ترتيب مع البيت الأبيض. وتعمق الخلاف لدرجة أن أوباما لم يستخدم «الفيتو» في قرار مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان. ولكن عندما فاز دونالد ترمب بالحكم، ازدهرت العلاقات الثنائية، وحقق نتنياهو إنجازات لسياسة اليمين، كالاعتراف بضم الجولان السوري لإسرائيل، وإعلان «صفقة القرن»، ومعاقبة رفض الفلسطينيين لها بالاعتراف بضم القدس لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وإغلاق القنصلية الأميركية التي تخدم الفلسطينيين، وإغلاق مكاتب منظمة التحرير في واشنطن. ومع سقوط ترمب، عادت العلاقات إلى التوتر، بسبب إجهاض نتنياهو كل المحاولات للعودة إلى المسار السياسي. هذه المرة، وقف الرئيس جو بايدن ضد نتنياهو، بسبب خطته الانقلابية على منظومة الحكم، ورفض استقبال نتنياهو في البيت الأبيض، بل ودعم علناً حملة الاحتجاج ضد الحكومة وخطتها الانقلابية. وبحسب قادة حملة الاحتجاج، فإن تلك «المعركة» اقتربت من نهايتها، وكادت تسقط حكم نتنياهو، لولا هجوم «حماس»، في أكتوبر (تشرين الأول). هنا حاول بايدن إظهار الدعم المطلق لإسرائيل رغم خلافاته مع نتنياهو، قائلاً إنه يفرق بين حكومة إسرائيل وشعب إسرائيل. وظل الدعم مطلقاً، رغم أن الرد الإسرائيلي على هجوم «حماس» كان مرعباً، واستخدمت فيه أدوات تدمير وقتل وحشية، غالبيتها من صنع أميركي. وأيضاً حضر بايدن لإسرائيل ليعلن مدى انتمائه إلى الصهيونية، ونظم جسراً جوياً وآخر بحرياً شمل 130 شحنة أسلحة وذخيرة، وبينها أسلحة تُستخدم للمرة الأولى. وقدم دعماً بقيمة 14.3 مليار دولار ليصبح مجموع ما قدمته واشنطن لإسرائيل منذ قيامها نحو 170 مليار دولار، بجانب منح إسرائيل غطاءً سياسياً وإعلامياً واستخبارياً وقضائياً. لكن نتنياهو ووزراءه من اليمين المتطرف لم يرضوا ولم يشبعوا. ولم يتردد بعضهم في اتهام بايدن وأركان فريقه بدعم وتشجيع «حماس». واليوم، يقود نتنياهو حملة للتصوير إسرائيل «وحيدة بلا أصدقاء»… لكنه قادر على قيادتها في معركة الاعتماد على الذات، أي من دون واشنطن.

نظير مجلي

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




أندريه بيلوسوف… خبير اقتصادي ناجح يتربّع على مقعد وزير الدفاع في روسيا

العنوان الرئيسي الذي لفت الأنظار في المناقلات والتعيينات التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فور تسلمه رسمياً مهام ولايته الرئاسية الخامسة، لم يكن إقالة سيرغي شويغو وزير دفاعه لسنوات طويلة وصديقه المقرب، بل تعيين أندريه بيلوسوف رجل الاقتصاد الذي عمل لسنوات طويلة بصمت، بعيداً عن الأضواء، حتى إن كثيرين من الروس لا يكادون يعرفون على وجه الدقة طبيعة المهام الكبرى التي كُلّف بتنفيذها في مرحلة تُعد الأصعب في تاريخ روسيا المعاصر. وهكذا انهالت التعليقات، من كل صوب وحدب، وسارع مسؤولون ووسائل إعلام بارزة لإطلاق وصفات جاهزة، لتفسير قرار وضع الخبير الاقتصادي على مقعد وزير الدفاع. بعضهم رأى في القرار دليلاً على «يأس» فلاديمير بوتين، وفق واشنطن. في حين انبرى محللون لتكرار مقولة إن إسناد الكرملين وزارة الدفاع إلى رجل «لم يلبس قط البدلة العسكرية» يضع علامات استفهام كبرى حول قدرته على قيادة الجيش في ظروف معركة مصيرية بالنسبة إلى روسيا.

خلافاً للتكهنات الكثيرة خارج الحدود، وبعيداً عن مصنع القرار الروسي، بدا الكرملين واثقاً من خياراته الأخيرة، ومقتنعاً بأن من شأن اختيار أندريه بيلوسوف لقيادة وزارة الدفاع «إعادة تشغيل» القطاعات الصناعية والاقتصادية كلها في إطار «اقتصاد الحرب» وتحت شعار توجيه مقدرات البلاد لـ«خدمة المعركة».

ولكن مَن بيلوسوف؟ ولماذا حظيَ بثقة بوتين الواسعة، وبات بين الأسماء البارزة على لوائح العقوبات الغربية؟ وفي التساؤلات أيضاً: ماذا سيفعل خبير الاقتصاد الذي فضَّل طويلاً أن يعمل بصمت خلف الأضواء، في منصب وزير الدفاع الروسي؟

خبير ابن خبير

كان أندريه بيلوسوف، وهو نجل خبير اقتصادي سوفياتي بارز، يعمل في الأوساط الأكاديمية قبل ضمه إلى الحكومة عام 1999، واستمر في مناصب اقتصادية، منها وزير التنمية الاقتصادية، والمستشار الاقتصادي لبوتين، حتى شغل عام 2020 منصب النائب الأول لرئيس الوزراء، في مرحلة صعبة للغاية خلال مواجهة تداعيات تفشي «كوفيد – 19» على المجتمع والاقتصاد. وطوال تلك الفترة، دعا بيلوسوف باستمرار إلى دور قوي للدولة في الاقتصاد، وإلى تحفيز نموها عبر الاستثمارات، وأسعار الفائدة المنخفضة، والسياسات المالية والائتمانية الناعمة.

وُلد أندريه بيلوسوف عام 1959 في موسكو لعائلة الاقتصادي ريم ألكساندروفيتش بيلوسوف، وعالمة الكيمياء الإشعاعية أليسا بافلوفنا بيلوسوفا. وكان الأب خبيراً اقتصادياً مرموقاً يُعد -وفقاً لتقارير- «مؤسس» المدرسة العلمية السوفياتية في مجال التسعير والإدارة، وكان أحد المشاركين في إعداد «إصلاحات كوسيغين»، نسبةً إلى رئيس الوزراء السوفياتي أليكسي كوسيغين الذي قاد مرحلة من التغييرات الاقتصادية هدفت إلى توسيع اللامركزية في تبني القرارات الاقتصادية. أما الأم فكانت عالمة في مجال الكيمياء الإشعاعية، ودرّست لسنوات طويلة كيمياء العناصر النادرة.

تميُّز أكاديمي وبحثي

في هذا الوسط الأكاديمي العلمي شبّ الابن أندريه، مما ترك انعكاسات مهمة على كل مراحل حياته العملية لاحقاً، لجهة الرصانة في أداء عمله والاهتمام بكل التفاصيل، فضلاً عن روح الابتكار في نشاطه المهني.

وبعد التخرّج في المدرسة الثانية للفيزياء والرياضيات، التحق أندريه بكلية الاقتصاد في جامعة موسكو الحكومية، وتخرّج فيها بمرتبة الشرف عام 1981 متخصصاً بـ«التحكم الآلي الاقتصادي». وهناك برزت مواهبه باكراً جداً، ففي أثناء دراسته، بدأ التعاون مع مجموعة من الاقتصاديين البارزين تحت قيادة ألكسندر أنشيشكين، الذي كان في 1977 – 1981 رئيساً لقسم تخطيط الاقتصاد الوطني لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو الحكومية.

ولاحقاً، عمل بيلوسوف في «معهد الاقتصاد وتوقّع التقدم العلمي والتكنولوجي» التابع لأكاديمية العلوم في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، الذي أُسس عام 1986 على أساس عديد من الأقسام العلمية لمعهد الاقتصاد المركزي، وفيه شغل على التوالي مناصب باحث مبتدئ، فباحث، فباحث كبير. ولقد تركّزت أولوياته البحثية على رصد اتجاهات الاقتصاد الكلي، فضلاً عن التضخّم والأزمة الهيكلية في الاقتصادات على النمط السوفياتي. وبهذا المعنى أدرك باكراً مشكلات الاقتصاد الاشتراكي، لكنه في الوقت ذاته، ظل مؤمناً بنظريات سيطرة الدولة على المقدرات الاقتصادية والتشغيلية.

عام 1991 المفصليّ

كان عام 1991 حاسماً لبيلوسوف كما كان حاسماً لمصير البلاد كلها. وحينذاك عُيّن رئيساً لمختبر التحليل وتوقُّع عمليات الاقتصاد الكلي في معهد الاقتصاد والتكنولوجيا التابع لأكاديمية العلوم، وسرعان ما أصبح عضواً في المجموعة التحليلية لجمعية السياسة الخارجية التي شُكلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991، وعُرفت باسم «مجموعة بيسميرتنيخ»، (على اسم مؤسسها وزير خارجية اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابق ألكسندر بيسميرتنيخ).

في تلك المرحلة كان الاتحاد السوفياتي قد لفظ أنفاسه الأخيرة. لكن الرجل واصل مساره بشكل ثابت، وأسس عام 2000 «مركز الدراسات والتوقّع (أو الرصد)» الذي لعب أدواراً مهمة في المرحلة اللاحقة، رشّحته بقوة ليغدو أحد أبرز رجال الاقتصاد في عهد بوتين. إذ أعدَّ تقريراً بالغ الأهمية عام 2005 حول «الاتجاهات طويلة المدى في الاقتصاد الروسي: سيناريوهات التنمية الاقتصادية لروسيا حتى عام 2020». وتوقّع التقرير حدوث الأزمة الاقتصادية عام 2008، كما أشار إلى احتمال حدوث ركود اقتصادي في 2011 – 2012 وفشل نظام الإدارة العامة. وكلها توقّعات جسّدتها التطوّرات اللاحقة.

ولكن، لعل من المفارقات هنا أن الرجل الذي يحظى حالياً بثقة مطلقة من جانب بوتين، عمل لسنوات طويلة بمنح مالية من جانب الولايات المتحدة؛ إذ تلقى بيلوسوف منحاً من «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية». والمفارقة الأهم، أن الذين يحصلون على هذه المنحة اليوم يُدرجون فوراً على لائحة «العملاء الأجانب» ويُحظر تعيينهم في مناصب حكومية.

في عام 2004، نشر بيلوسوف بأموال أميركية تقريراً بعنوان: «تنمية الاقتصاد الروسي على المدى المتوسط: تحليل التهديدات»، محللاً حالة الدفاع عن روسيا. وفي العام التالي، عُيّن مديراً لمشروع «شروط تحقيق المزايا التنافسية للاقتصاد الروسي (النهج الهيكلي الكلي)» الذي أُطلق أيضاً بأموال أميركية.

بيد أن تلك المرحلة من حياته لم تؤثر في مسيرته السياسية. فعام 1999 أصبح عضواً في مجلس إدارة وزارة الاقتصاد، وعمل مستشاراً لعدد من رؤساء الحكومة الروسية: يفغيني بريماكوف، وسيرغي ستيباشين، وميخائيل كاسيانوف، وميخائيل فرادكوف.

في الخدمة العامة

دخل بيلوسوف الخدمة العامة، رسمياً عام 2006، وتولّى منصب نائب وزير التنمية الاقتصادية. وفي هذا المنصب أشرف على كتلة الاقتصاد الكلي، بما في ذلك قضايا تحسين مناخ الاستثمار، وتنفيذ البرامج المستهدفة الفيدرالية، والأنشطة الاستثمارية لـ«مصرف التجارة الدولي» أكبر مصرف حكومي في البلاد. وتحت قيادته طُوّر عام 2020 مفهوم التنمية الاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى.

لكنَّ النقلة الرئيسية في الجهاز الحكومي لبيلوسوف جاءت عام 2008، عندما عيّنه بوتين (رئيس الوزراء آنذاك) مديراً لدائرة الاقتصاد والمالية التابع لمجلس الوزراء. وفي تلك الفترة بين 2008 و2012، التي أمضاها بوتين رئيساً للوزراء قبل عودته رئيساً إلى الكرملين، بدأ العمل المباشر مع بيلوسوف، الذي حظي بثقة كبرى من بوتين وصار من الدائرة المقربة إليه، وغدا مع النائب الأول لرئيس الوزراء إيغور شوفالوف، ووزيرة التنمية الاقتصادية إلفيرا نابيولينا، المسؤولين عن صياغة الأجندة الاقتصادية للحكومة. وبالإضافة إلى ذلك، صار مسؤولاً عن القضايا المتعلقة بإعداد الميزانية والاستثمار العام وتحسين مناخ الاستثمار. وبمشاركته، أُسّست وكالة المبادرات الاستراتيجية وأُطلقت ما تسمى «المبادرة الوطنية لريادة الأعمال» على أساسها، هادفةً إلى تحسين ظروف ممارسة الأعمال التجارية في روسيا.

وزيراً للتنمية الاقتصادية

وبعدها، فور عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012، عيّن بيلوسوف وزيراً للتنمية الاقتصادية، ثم مساعداً للرئيس الروسي للشؤون الاقتصادية. قبل أن يغدو عام 2020 نائباً أول لرئيس الوزراء ومسؤولاً مباشراً عن القطاع الاقتصادي في الحكومة. ومن هذا المنصب واجه الرجل تفشي «كوفيد – 19»، وأظهر براعةً في تقليص الأضرار على الاقتصاد، كما واجه لاحقاً تداعيات رُزم العقوبات التي انهالت على روسيا بعد قرار إطلاق الحرب في أوكرانيا في 2022.

وبناءً عليه، يمكن القول إن أندريه بيلوسوف «مهندس سياسات التطوير ومواجهة العقوبات» والمخطِّط الأبرز للسياسات الاقتصادية. فقد تعامل مع مشكلات السوق وعدّل التدابير لدعم الشركات الروسية في ظروف الحصار. وساهم في تحسين مناخ الاستثمار وتقليص تداعيات العقوبات، خصوصاً من خلال برامج أطلقها بشأن حماية وتشجيع الاستثمار في الظروف الراهنة، لا سيما على صعيد الضرائب والرسوم الجمركية وتعويض تكاليف أضرار البنى التحتية.

أيضاً، يُعد بيلوسوف مُطلق مشاريع تعديل مسار سلاسل التوريد، وقد أسهم في «طرح» الهيكل اللوجيستي الجديد، وبناء ممرّات نقل لإعادة توجيه التجارة الخارجية لروسيا ومنها وآليات التعامل مع أسواق جديدة.

وكان أحد مشاريع بيلوسوف الأخيرة، بصفته النائب الأول لرئيس الحكومة، بلوَرة استراتيجية «السيادة التكنولوجية» القائمة على ضمان تنمية الاقتصاد الروسي في المجالات الرئيسية، بالاعتماد على موارده العلمية والتكنولوجية الخاصة. وتحديداً، أعدَّ مفهوماً للتطور التكنولوجي في الاتحاد الروسي ينصّ على تقليص الفجوة بين العلم والإنتاج في إطار مشاريع الابتكار الكبيرة بمشاركة الدولة، وتطوير آليات لدعم الابتكار في الاتحاد الروسي -في مفهوم التقنيات الحيوية (المطلوبة الآن) والتقنيات الشاملة (تقنيات المستقبل الواعدة).

ماذا سيفعل الآن في وزارة الدفاع؟

يرى البعض أن أهمية تعيين بيلوسوف وزيراً للدفاع تكمن في ضرورة التعامل مع متطلبات تسخير موارد الدولة الروسية لخدمة الجبهة، وفي الوقت ذاته تحاشي إهمال القطاعات الأخرى التي تؤثر بشكل مباشر على الجبهة الداخلية. فالدولة تستثمر حالياً موارد هائلة في الصناعة العسكرية وفي بعض قطاعات الصناعة المدنية المرتبطة بها والضرورية جداً لسد الفجوات الحاصلة بسبب العقوبات. وبالتالي، طبيعي أن تتمثل الاستراتيجية العسكرية للسلطات الروسية في تقليص الخسائر على كل المستويات. وكذلك يجب إيلاء أقصى قدر من الاهتمام للخدمات اللوجيستية، مع المحافظة على أعلى درجة ممكنة من الشفافية وخفض مخاطر الفساد في الظروف الراهنة… وهو أمر برع فيه بيلوسوف.

اليوم يقول خبراء إن التكليف أشبه بعملية «إعادة تشغيل» السلطة التنفيذية برمّتها. وقد يكون تعليق ديمتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، الأكثر وضوحاً ودقة عندما قال: «في ساحة المعركة، الفائز الآن هو الطرف الأكثر انفتاحاً على الابتكار والتنفيذ الأكثر كفاءة».

لشرح هذه الفكرة قال بيسكوف: «موازنة وزارة الدفاع والكتلة الأمنية كانت في الآونة الأخيرة في حدود 3 في المائة، ثم ارتفعت إلى 3.4 في المائة. وفي الآونة الأخيرة وصلت إلى 6.7 في المائة. وليس خافياً أن وزارة الدفاع مسؤولة عن تقديم جميع الطلبات للصناعة. وهذا ليس رقماً حاسماً بعد، فهو ماضٍ باتجاه تصاعدي (…) لأسباب جيوسياسية معروفة. إننا نقترب تدريجياً من الوضع الذي كان عليه في منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت حصة الإنفاق على الكتلة الأمنية العسكرية أكثر من 7 في المائة. هذا مهم للغاية، ويتطلّب موقفاً خاصاً لجهة ضرورات الدمج بين متطلبات اقتصاد كتلة القطاع العسكري مع اقتصاد البلاد ككل».

إذاً، مهمة أندريه بيلوسوف، كاقتصادي متخصّص ورؤيوي استراتيجي، هي بناء أساس اقتصادي وبنية تحتية للجيش للقتال على المستوى التكنولوجي المناسب، وإحلال نظم جديدة توازن بين المتطلبات العسكرية في المرحلة الراهنة لخدمة الجبهة مع حاجات القطاعات الاقتصادية والصناعية في البلاد.

ولذا كان بدهياً أن يُجمل بيلوسوف، في أثناء عرض ترشيحه لتولي وزارة الدفاع في مجلس الفيدرالية (الشيوخ)، المهمة الرئيسية التي كُلّف بها في «تحقيق النصر في ساحة المعركة في أوكرانيا بأقل قدر من الخسائر في القوات». فضلاً عن التركيز «على حاجة القطاع العسكري إلى مزيد من الكفاءة والابتكار لتحقيق أهدافه».

وباختصار، يبدو من تعيين بيلوسوف أن بوتين يريد سيطرة أوثق على الإنفاق الدفاعي القياسي في روسيا، وإطلاق عملية إصلاح واسعة تقود إلى تعزيز قدرات البلاد الصناعية في مرحلة الحرب وما بعدها. يمكن القول إن أندريه بيلوسوف «مهندس سياسات التطوير ومواجهة العقوبات» والمخطِّط الأبرز للسياسات الاقتصادية الروسية

رائد جبر

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




أزمة ثقافيّة عميقة في الغرب

فجرتها حرب غزة وتعددت منصاتها بالجامعات ومعارض الكتب

يعتزم وزير مالية يوناني سابق، ومؤلف عدة كتب واسعة الانتشار، ومرشح دائم للانتخابات الأوروبيّة، رفع دعوى على السلطات الألمانية بعدما فرضت عليه حظراً لمدة عام من التحدث في أنشطة عامة على الأراضي الألمانية، أو حتى افتراضياً في حال تم تنظيم النشاط من قبل جهة ألمانية. وقال يانيس فاروفاكيس إنّه سيلجأ بداية إلى المحاكم المحليّة في ألمانيا، وإذا تطلب الأمر إلى أعلى المحاكم الأوروبيّة لحقوق الإنسان.

وكان فاروفاكيس يعتزم المشاركة في مؤتمر للتضامن مع الفلسطينيين من تنظيم جهات يسارية ويهودية ألمانية، وألغي في اللحظة الأخيرة من قبل السلطات، وبمحض القوة، بحجة أنّه مخالف للقوانين التي تحظر معاداة الساميّة في ألمانيا. واقتحم رجال الشرطة مقر المؤتمر بعدما قطعوا الكهرباء عنه، وطردوا الجمهور المحدود الذي سمح له بالدخول إليه، واعتقلوا عشرات، بمن فيهم شاب يهودي كان يحمل لوحة تقول «يهود ضدّ المذبحة». وسخر الشاب من معتقليه بسؤالهم عما إذا كان تغيير اللوحة إلى «يهود مع المذبحة» كفيل بإطلاق سراحه.

ولم يقتصر الأمر على فاروفاكيس، بل ومنع آخرون من دخول الأراضي الألمانية وأعيدوا من مطار برلين لمنع مشاركتهم في ذات المؤتمر، ومنهم الطبيب البريطاني الفلسطيني الأصل غسّان أبو ستة الذي خدم في مستشفيات غزة متطوعاً لما يقرب من الشهرين، وكان يعتزم الإدلاء بشهادته عن انطباعاته أثناء ذلك، وأيضاً السياسي الإيرلندي ريتشارد بويد باريت. واكتشف أبو ستة لاحقاً أن الحظر الذي فرضته السلطات الألمانية عليه لمدة عام له مفاعيل تمتد عبر الاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين، إذ منع لاحقاً من الدخول إلى الأراضي الفرنسية، وأعيد إلى لندن رغم أنه كان يحمل دعوة للتحدث أمام مجلس الشيوخ الفرنسيّ.

بالطبع، لم تكن حالة المؤتمر الألماني المتضامن مع الفلسطينيين أول الأحداث المثيرة للجدل التي تسببت فيها الحرب الإسرائيليّة على غزة، وقطعاً لن تكون آخرها، إذ انسحبت على مجمل الأنشطة الثقافية والفنية والموسيقيّة، وتعددت ساحاتها من الجامعات إلى معارض الكتب، ومن المهرجانات الثقافيّة إلى الحفلات الموسيقيّة، ومن الجوائز الأدبيّة إلى الأمسيات الشعريّة، ومن صفحات الصحف إلى أروقة المحاكم، كما اتسع نطاقها ليشمل كل الغرب تقريباً من أقصى الساحل الغربيّ للولايات المتحدة، إلى شرقي أستراليا، مروراً بعواصم الغرب الثقافية، وحواضره الأكاديمية في برلين، وباريس، ولندن، وأمستردام، وبروكسل، حتى يمكننا الزّعم اليوم بأن الغرب يعيش في خضم أزمة ثقافية عميقة هزّت وجدانه، وأقلقت مزاجه، إذ وجد نفسه بعد سنوات من التمدد مرتاحاً على أريكة ناصر الحريّات، ومتعهد نشر الديمقراطيّات إلى شعوب العالم (المتخلفة) متلبساً بأسوأ ما يمكن أن يتخيله عقل عن أداء الديكتاتوريات المدان كما لو كان فصلاً في رواية جورج أورويل الشهيرة 1984: اقتحام الجامعات، واعتقال آلاف الطلاب المحتجين وأساتذتهم بعد تعرضهم لضرب وحشي، وطرد أساتذة جامعيين وفلاسفة بارزين من مناصبهم التعليمية لتوقيعهم قبل سنوات أحياناً على عرائض تؤيد تحقيق سلام عادل للفلسطينيين، وفرض أحكام قاسية بالسجن والغرامة لدى استخدام جمل كلامية محددة في العلن، وتورط صحف عالمية في نشر وتزوير تحقيقات حول مجريات الحرب على غزة، والكشف عن تعليمات مشددة للصحافيين بانتقاء حذر وموجه للتعبيرات التي يمكن أو لا يمكن تداولها عند الكتابة عن الأحداث، وسحب جوائز، أو وقف التمويل، أو إلغاء أنشطة، أو معارض بحسب تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي للأشخاص المستهدفين، سواء بعد اندلاع الحرب الحالية، أو حتى من سنوات طويلة، وغيرها.

أعراض أزمة الغرب هذه تجاوزت سريعاً حدود الانقسامات التقليدية في الديمقراطيات بين السلطات والمواطنين، وبين النخب والأكثريات، إلى شقاق عميق داخل النخب نفسها السياسية والأكاديمية والاقتصاديّة، وفي قلب مختلف الطبقات، والفئات العرقية والدينية –حتى بين اليهود الغربيين أنفسهم-، وبدأت تستدعي نوعاً من تباين مجتمعي يتجاوز صراعات الهويات الثقافية والجندرية التي سادت طوال عقد سابق، إلى تموضعات لا مألوفة في السياقات الغربيّة تبدأ من الموقف السياسي المعلن من (إسرائيل) مقابل الفلسطينيين، ولا تنتهي عند الخيارات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وحتى الفنيّة.

الذين تابعوا الانتخابات البلدية الأخيرة في بريطانيا مثلاً لاحظوا دون شك كيف ساهم موقف حكومة حزب المحافظين المؤيّد بشكل عام لـ(إسرائيل) في تكريس تراجع شعبية مرشحيه إلى مستويات متدنية تاريخياً في كثير من المواقع التي طالما عدت معاقل مغلقة لهم، وفي الوقت نفسه، حرمت حزب «العمال» المعارض من تحقيق المكاسب التي كان يمكن أن يحققها، وأيضاً بسبب موقف قياداته المعادية للفلسطينيين، وهو ما أتاح للعديد من المرشحين المستقلين وفي الأحزاب الثانوية -مثل الخضر، والليبراليين الديمقراطيين- تحقيق نتائج ممتازة في مجالس وبلديات عدة على برامج انتخابيّة أعلنت دون مواربة دعمها للشعب الفلسطيني. واعترف مديرو حملة حزب «العمال» بما أسموه «تأثير غزّة» على توجهات قطاعات عريضة من الناخبين البريطانيين، لا سيما أولئك المتحدرون من أصول مهاجرة مسلمين، وعرباً، وأفارقة، وغيرهم، وقدروا أن 20 في المائة من الأصوات قد تكون فقدت في البلديات التي فاز بها العمال بسبب مرتبط بمواقف قيادة الحزب من غزة، هذا سوى المجالس والبلديات التي انتهت بيد المستقلين والأحزاب الأخرى. وكان الحزب نفسه قد خسر أيضاً سيطرته على عدد من المجالس البلدية المهمة (مثل مدينة أكسفورد مثلاً) حتى قبل الانتخابات الأخيرة، بعدما استقال شاغلوها من عضوية حزب «العمال»، وأعلنوا استقلالهم عنه احتجاجاً على ما وصفوه بتواطؤ زعيم الحزب مع الدولة العبرية. ومع أن مراكز الأبحاث التي تراقب الانتخابات البريطانية قللت من المدى الممكن لتأثير غزة على الانتخابات البرلمانية العامة المقبلة في المملكة، التي ستجرى في أيّ وقت خلال الأشهر الستة المقبلة، فإنها توقعت أن ما يتراوح بين 6 – 10 مقاعد على الأقل قد تكون خارج قدرة الحزبين الكبيرين (المحافظين والعمال) على الفوز، ولمصلحة مرشحين مستقلين، أو من أحزاب صغيرة أقرب لتأييد الفلسطينيين. وبحسب التوقعات الحالية، فإن البرلمان الذي قد يتمخض عن الانتخابات المقبلة سيكون على الأغلب معلقاً لا هيمنة كبيرة لحزب واحد عليه، ما يزيد من تأثير كتلة «غزة» على عمليات اتخاذ القرار في قلب المؤسسة التشريعية الأهم في النظام السياسي البريطاني، وبالتالي الخيارات الاقتصادية، والدّبلوماسية، والدّولية التي يمكن أن تقدم عليها الحكومة البريطانية مستقبلاً.

تَوَسُّع نطاق الأزمة إلى مساحة الخيارات العامة –كتلك الاقتصادية المتعلقة بماهية الاستثمار العام على سبيل المثال- أخذت شكلها الأوضح إلى الآن في مطالبات طلاب الجامعات المحتجين في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيرلندا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها بسحب أموال وقفيات الجامعات التي يتم استثمارها في إسرائيل، أو في شركات تمدها بالأسلحة والتقنيات ذات الاستخدام العسكريّ -وتقدر في الولايات المتحدة وحدها بـ500 مليار دولار. ويصر الطلاب أيضاً على أن تنفذ جامعاتهم مقاطعة أكاديمية للجامعات ومراكز الأبحاث في الدولة العبرية بوصفها شريكة في المجهود الحربي للجيش الإسرائيلي، وأن تلغي أي اتفاقات قائمة، سواء مباشرة بين الجامعات، أو عبر شراكات حكومية، وترتيبات أممية. ويجب ألا ننسى هنا أن هؤلاء الطلاب يدرسون في جامعات النخبة الغربية التي تجهز كوادر وقيادات المستقبل.

تقول لوري أندرسون، وهي فنانة موسيقيّة طليعيّة: إنها جاءت إلى برلين في بداية شبابها –في التسعينات من القرن الماضي-، لأن المدينة كانت في وقت ما منارة للحريّات، وحاضنة للتجارب الفنيّة، لكنها الآن تعتقد بأن المشهد انقلب كليّة بعد انطلاق الحرب على غزة. دُعيت أندرسون مؤخراً لتولي منصب أكاديمي مرموق في إحدى المدارس الفنية العريقة بألمانيا، قبل أن تستجوبها المدرسة حول أفكارها السياسيّة بسبب توقيعها -ضمن ستة عشر ألف فنان ومثقف وأكاديمي آخرين- على رسالة مفتوحة، عمرها عامان، نددت بسياسات الفصل العنصري التي تمارسها (إسرائيل) في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولذلك قررت أندرسون الانسحاب، والتخلي عن المنصب.

أندرسون، وخيبة أملها لما انتهت إليه الديمقراطية الغربيّة ليست سوى واحدة من ملايين الأشخاص في الغرب الذين تغيّرت نظرتهم إلى محيطهم الثقافي والاجتماعي بصفة جذريّة خلال أشهر قليلة. ومن المؤكد أن هذه التحولات العريضة ستكون لها مترتبات مباشرة، سياسياً واقتصادياً، وأخرى طويلة المدى بشأن المنطق الفلسفي في نظم الديمقراطيات الغربيّة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. إنها إرهاصات موت نظام ثقافي استنفد أغراضه، وتشكل صعب لنظام آخر جديد لا ندرك صورته بعد، لكننا، دون شك، سنرى كثيراً من الوحوش لحين اكتمال ولادته –كما كان يقول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي.

ندى حطيط

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




البحرية الصينية تزداد قوة بشكل يثير الإعجاب

ما التقنيات الجديدة والمثيرة للإعجاب التي أضافتها البحرية الصينية على سفنها الحربية؟ جيمس هولمز – ناشيونال إنترست

قامت حاملة الطائرات فوجيان، ثالث حاملة طائرات صينية، بجولتها الأولى من التجارب البحرية في الأول من مايو، ولا تزال في البحر حتى كتابة هذه السطور. لقد تم تحقيق الكثير من التقدم التكنولوجي الواضح في الناقل الجديد. واختار صناع السفن المقاليع الكهرومغناطيسية، مما يشير إلى أن البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي قد حققت قفزة للتكافؤ مع البحرية الأمريكية في تقنيات معينة.

يثير هذا الإنجاز الهندسي الإعجاب؛ إذ أن تقنيات الإطلاق الكهرومغناطيسي والاسترداد ومصاعد الأسلحة تم تضمينها في الآونة الأخيرة فقط في أول حاملة طائرات أمريكية USS Gerald R. Ford. وكان إتقان تقنية Gee-whiz أمرًا صعبًا للغاية. ومع ذلك، ربما يكون مهندسو البحرية الصينية قد نجحوا في تحقيق ذلك.

وتمتلك القوات البحرية لجيش التحرير الشعبي الآن ما يكفي من هياكل حاملات الطائرات للاحتفاظ بمجموعة واحدة أو مجموعتين من حاملات الطائرات في البحر في جميع الأوقات إذا أمرت القيادة العليا بذلك.

وبعبارة أخرى، مع نسبة 3:2 بين حاملات الطائرات الصالحة للقتال والجاهزة للاستخدام، فإن بحرية جيش التحرير الشعبي الصيني قد تكون عثرت على إيقاعها في طيران الحاملات، مما يفتح آفاقًا استراتيجية جديدة لنظام الحزب الشيوعي الصيني في بكين.

إن كيفية استخدام القيادة لأسطول حاملات طائرات كامل في وقت السلم أمر يستحق المراقبة للحصول على أدلة حول كيفية استخدام الأسطول في وقت الحرب.

وأحد الأشياء المثيرة للإعجاب فيما يتعلق بتعزيز القوات البحرية الصينية هو انفتاحها على تجربة الأسطول، وقدرة القيادة على دمج أفضل ما في كل تصميم وتجاهل الأسوأ. وبالتالي أدت هذه التوليفة إلى ظهور منصة مناسبة للإنتاج الضخم، ثم اتجهت الساحات الصينية إلى تصنيع الهياكل مثل النقانق.

قد لا تكون فوجيان كبيرة مثل طائرات البحرية الأمريكية من طراز نيميتز أو فورد، كما أنها لا تعمل بالطاقة النووية. ولكن قد لا تحتاج الصين عسكريا إلى سفينة عملاقة تزن 100 ألف طن لتحقيق أهدافها في منطقة المحيط الهادي الهندية، رغم أنها قد ترغب بذلك كرمز للقوة العظمى، لا سيما أن السفن تعبرعن الأفكار المتعلقة بالعظمة والبراعة القتالية.

وفي الوقت نفسه يعد إحصاء الخصائص التقنية طريقة مجردة بشكل خطير لقياس الإمكانات العسكرية. فالمعارك لا تحدث على صفحات الكتب؛ بل في بيئات جيوفيزيائية حقيقية حيث يحاول الخصوم الحقيقيون فرض إرادتهم على بعضهم.

إن المقارنات البسيطة بين حاملة وأخرى تسيء إلى فهم طبيعة الحرب المستقبلية في غرب المحيط الهادئ على وجه الخصوص. فساحات القتال المحتملة تقع في المحيط الهادئ في مضيق تايوان وبحر الصين. وهذا هو المكان الذي يحتاج فيه جيش التحرير الشعبي إلى استخدام قوة قتالية حاسمة لتحقيق النجاح.

في هذه المياه والسماء القريبة من الشاطئ سوف تخوض حاملات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي معركة تحت ظل حاملة الطائرات العملاقة غير القابلة للغرق والتي تسمى “حصن الصين”. وستضيف الطائرات الحربية والصواريخ الأرضية قوتها القتالية إلى الأسطول الحامل. ففي نهاية المطاف، وحدة القوة القتالية هي ما يهم، بغض النظر عما إذا كانت تأتي من طائر حربي يطفو مطاره أم لا.

المصدر: ناشيونال إنترست

ترجمة: روسيا اليوم