1

“المرصد الأورومتوسطي” يدعو للتحقيق في استخدام الرصيف الأمريكي العائم لأغراض عسكرية وشن الهجوم على النصيرات

ندّد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بشدة بالمجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، وتطرق إلى تقارير عن احتمال استخدام إسرائيل الرصيف الأمريكي العائم المخصص لنقل إمدادات إنسانية إلى غزة لأغراض عسكرية.

وقال الأورومتوسطي، في بيان صحافي، إن أكثر من مائتي فلسطيني قتلوا وأصيب مئات آخرين بجروح، غالبيتهم من النساء والأطفال في إحصائية أولية قابلة للزيادة مع استمرار عمليات الانتشال، بفعل هجمات جوية وبرية وبحرية شنها الجيش الإسرائيلي بشكل مكثف وعنيف على مدار نحو ساعتين على منطقة “السوق المركزي”، الذي يضج بالآلاف من السكان يومياً في مخيم النصيرات والمناطق المحيطة، وطالت لاحقاً أغلب مناطق وسط قطاع غزة.

أكد المرصد الأورومتوسطي أن التظاهر باستخدام وسائل النقل المخصصة للمساعدات الإنسانية، وارتداء لباس العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية كغطاء، يشكل جريمة غدر

وعقب الهجمات واسعة النطاق، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته، بالتنسيق مع جهاز الأمن العام (الشاباك)، والشرطة الإسرائيلية (اليمام)، تمكّنت من استعادة أربعة محتجزين إسرائيليين، في عملية نفذتها قوات خاصة في مخيم النصيرات.

وقال الأورومتوسطي إن العملية المذكورة للجيش الإسرائيلي اتسمت بشن هجمات جوية ومدفعية عشوائية كثيفة للتغطية على انسحاب القوات الإسرائيلية التي أسفرت عن خسائر مفرطة في أرواح المدنيين وإيقاع عدد كبير من الإصابات بينهم، وإلحاقها أضراراً واسعة بالأعيان المدنية، بما يشكل مخالفة جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وبما يشمل مبادئ الإنسانية والتمييز والضرورة العسكرية والتناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة.

ونقل المرصد شهادة عن ناصر غبن (45 عاماً)، وهو نازح من مدينة غزة إلى مخيم النصيرات، أكد فيها لفريق الأورومتوسطي أن أصوات إطلاق النار خلال الهجوم على المخيم كانت غير معهودة، واتسمت بالعشوائية المفرطة بالتزامن مع استهداف جوي ومدفعي لعدد كبير من المباني والشقق السكنية.

وذكر غبن أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي المكثف على منطقة سوق النصيرات أثناء تواجده مع أحد أقاربه بغرض شراء بعض احتياجاتهم من الطعام، وأنه خلال هروبه من منطقة الحدث شاهد عشرات الجثث الملقاة في الطريق بعضها تحول إلى أشلاء متقطعة ومنها ما يعود لأطفال صغار.

من جهته، قال شاب يدعى فيصل، وطلب عدم ذكر اسمه كاملاً، لفريق الأورومتوسطي إن طائرات حربية ومسيرات إسرائيلية شنت هجمات مكثفة أولاً في المناطق المنطقة الشمالية الغربية من مخيم النصيرات، ومن ثم توسعت الهجمات لتطال مناطق أكبر في المخيم، بما في ذلك إطلاق عشوائي لقذائف مدفعية من دبابات كانت تتمركز عند مدخل مخيم البريج ومنطقة شارع العودة شمال شرق النصيرات.

وأضاف أن القصف الإسرائيلي المكثف أكره آلاف المدنيين على محاولة النزوح من مخيم النصيرات هرباً من حدة الاستهداف العشوائي واسع النطاق، غير أنه تم ملاحقة العديد بإطلاق النار من مسيرات (كواد كابتر) والقذائف المدفعية، ما أدى إلى انتشار الجثث والمصابين في كل مكان، لا سيما في منطقة شارع “جولس” وسط المخيم.

وتطرق الأورومتوسطي إلى إعلان مسؤول أمريكي، بحسب ما نشره موقع (Axios) الأمريكي، بأن “خلية الرهائن” الأمريكية في إسرائيل دعمت جهود استعادة المحتجزين الأربعة من قطاع غزة، فيما أوردت وسائل إعلام إسرائيلية أن شاحنة إسرائيلية انطلقت من منطقة الرصيف الأمريكي العائم قبالة ساحل بحر قطاع غزة، تحت ستار نقل إمدادات إنسانية، بينما كانت تقل قوات إسرائيلية خاصة نفذت عملية استعادة المحتجزين الأربعة.

طالب “الأورومتوسطي” بمساءلة ومحاسبة واشنطن باعتبارها شريكاً رئيسياً في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية

ونقل التقرير الحقوقي ما ذكرته إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن “الخلية الأمريكية لعبت دوراً حاسماً في تخليص الرهائن، وتم استخدام تكنولوجيا أمريكية فائقة الدقة لم تستخدم قبل ذلك في عملية تحرير الرهائن”، وقد نشرت مقاطع فيديو للشاحنة، وسيارة من نوع “كادي” لحظة التسلّل قبل الحادثة.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن التظاهر باستخدام وسائل النقل المخصصة للمساعدات الإنسانية، وارتداء لباس العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية كغطاء، يشكل جريمة غدر وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني. ويصنف ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة الغدر كجريمة حرب.

وأكد المرصد أنه ينبغي التحقيق في احتمال استخدام الرصيف الأمريكي العائم، الذي أعلنت واشنطن جاهزيته لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة في 17 أيار/مايو الماضي، قبل أن يتم الإعلان عن تعطّله بعد أيام من ذلك لأغراض عسكرية والمساهمة في جرائم قتل مدنيين فلسطينيين.

وشدد على رفض تمادي الجيش الإسرائيلي في استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر وقوة تدميرية عشوائية ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وارتكاب مجازر بشكل يومي دون مبرر، منذ بدء هجماته العسكرية على قطاع غزة.

وجدد التأكيد على الهجمات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وما تخلّفه من نتائج وآثار بإحصائيات مفزعة من أعداد الضحايا وشدة التدمير تؤكد أنّ ما فعلته إسرائيل ولا تزال يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قائمة بحد ذاتها، وتأتي في إطار جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد السكان الفلسطينيين في قطاع غزة منذ تسعة أشهر، بما يتطلب تفعيل مستويات التحقيقات الدولية والقانونية والقضائية كافة وآليات المساءلة والعمل الجدي على محاسبة القادة والجنود الإسرائيليين وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، وتعويض الضحايا وعائلاتهم وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وطالب الأورومتوسطي بمساءلة ومحاسبة الولايات المتحدة الأمريكية “باعتبارها شريكاً رئيسياً في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية، وذلك لتقديمها مختلف أشكال الدعم العسكري واللوجستي والعملياتي والمالي لإسرائيل في هجومها العسكري على القطاع، وبما يشمل مساءلة ومحاسبة كافة المسؤولين الأمريكيين الذين شاركوا في اتخاذ القرارات ذات الصلة جنائياً”.

كما جدد مطالبته لجميع الدول بتحمل مسؤولياتها الدولية بفرض العقوبات الفعالة على إسرائيل، ووقف كافة أشكال الدعم والتعاون السياسي والمالي والعسكري المقدمة إليها، بما يشمل التوقف الفوري عن عمليات نقل الأسلحة إليها، بما في ذلك تراخيص التصدير والمساعدات العسكرية.




مجلة أمريكية: دعوة نتنياهو للكونغرس بمثابة فيلم رعب سيئ

نشرت مجلة “ذا نيشن” الأمريكية، تقريرا بعنوان “دعوة نتنياهو للكونغرس بمثابة فيلم رعب سيئ” قالت فيه إنه بعد “أن وحّد الجمهوريون والديمقراطيون المنافقون قواهم للترحيب برئيس الوزراء الإسرائيلي في الكونغرس الأمريكي، بدأ التقدميون التعهد بمقاطعة خطابه فيه”.

وأكد الكاتب جون نيكولوس على أن دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي للتحدّث أمام الكونغرس الأمريكي، تؤكد نفاق القادة الأمريكيين من الحزبين الذين دافعوا عن نتنياهو رغم أنه مجرم حرب يواجه احتمالية توجيه أمر بالقبض عليه من قِبل المحكمة الجنائية الدولية.

وأشار إلى أن الديمقراطية ديليا راميريز، التي برزت كواحدة من أكثر المدافعين المثابرين عن حقوق الإنسان الدولية في الكابيتول هيل، ردّت على قرار قادة مجلسي النواب والشيوخ بدعوة نتنياهو لإلقاء كلمة في جلسة مشتركة للكونغرس، بملاحظة تلخص تخلي كبار الجمهوريين والديمقراطيين عن ضميرهم، وفشلهم في محاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي على العدوان في غزة، الذي أودى بحياة ما يقرب من 37,000 فلسطيني من الرجال والنساء والأطفال.

إلقاء مجرم حرب كلمة أمام الكونغرس أشبه بحبكة ملتوية لفيلم رعب سيئ، وتلخص تخلي كبار الجمهوريين والديمقراطيين عن ضميرهم، وفشلهم في محاسبة نتنياهو

وقالت راميريز إن إلقاء مجرم حرب كلمة أمام الكونغرس يوم الخميس، الموافق 13 من الشهر الجاري، أشبه بحبكة ملتوية لفيلم رعب سيئ، وسط تقارير صحافية تفيد بأن نتنياهو قد قَبِل دعوة من رئيس مجلس النواب مايك جونسون، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل لإلقاء كلمة أمام السلطة التشريعية.

وأشار الكاتب إلى أن التقارير ذكرت في البداية أن خطاب نتنياهو سيُلقى في 13 حزيران/ يونيو، لكن هذا يوم عطلة يهودية، لذا سارع مكتب جونسون إلى اختيار موعد جديد وفي وقت متأخر من يوم الخميس، وتم الإعلان عن الموعد الجديد: 24 تموز/ يوليو.

واعتبر الكاتب أن تغيير الجدول الزمني لا يغير حقيقة أن الخطاب يقلق أعضاء الكونغرس الذين يحترمون سيادة القانون ويريدون تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط. فنتنياهو، المنبوذ سياسيا والمبتلى بالفضائح، والذي أشعل عقابه الجماعي للمدنيين في غزة احتجاجات في إسرائيل وحول العالم، يواجه احتمال الملاحقة الجنائية على أفعاله؛ حيث أشار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان في 20 أيار/ مايو الماضي، إلى سعيه لإصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار ملاحقة قضائية أوسع نطاقا تستهدف أيضا وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت، وثلاثة من قادة حركة حماس.

ولفت إلى أن معظم المسؤولين الأمريكيين هاجموا المحكمة، بمن فيهم الرئيس بايدن، بدلا من الرد باحترام القانون الدولي ودور المحكمة الجنائية الدولية الحيوي في دعم حقوق الإنسان. وتحرك الجمهوريون في الكونغرس لفرض عقوبات على المحكمة؛ حيث أعلن رئيس مجلس النواب أنه يجب معاقبة المحكمة على هذا العمل. وفي يوم الثلاثاء، وافق مجلس النواب على هذه العقوبة التي من شأنها إلغاء التأشيرات الأمريكية للمسؤولين المرتبطين بـ”الجنائية الدولية” ومنع دخول محامي المحكمة وغيرهم إلى الولايات المتحدة.

وذكر أنه في رفضٍ موازٍ لسلطة المحكمة الجنائية الدولية، التي لم تتبنها الولايات المتحدة بشكل رسمي قط؛ فقد وجّه قادة الكونغرس من الديمقراطيين والجمهوريين الدعوة إلى نتنياهو.

وشدد أنه سيتحتم على الأعضاء المسؤولين في الكونغرس أن يتعاملوا مع الظرف المخزي الذي سيحدث إذا وصل نتنياهو إلى واشنطن، هل سيشاركون في احتجاج رمزي على ظهوره؟ هل يريدون مقاطعته؟ وما هي الاعتراضات المحددة التي يريدون إثارتها، في الوقت الذي أثارت فيه الغارات الجوية الإسرائيلية على مدينة رفح في غزة، رعب حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن عن وجوب وقف هذه العمليات، ودعا إلى “الاحترام الكامل للقانون الدولي والوقف الفوري لإطلاق النار”.

من المرجح أن قادة المجلسين سيحمون نتنياهو من أي مساءلة، رغم احتمالية أن يحدث نوع من الاحتجاج داخل الجلسة

وذكر الكاتب أنه وفقا للنائب الأمريكي مارك بوكان، وهو أحد أكثر المنتقدين لنتنياهو ولسياسات الولايات المتحدة بشأن فلسطين، فإنه يجب الضغط على نتنياهو للجلوس مع أعضاء الكونغرس ومواجهة أسئلة صريحة حول أفعاله.

وبحسب الكاتب، فإنه من المرجح أن قادة المجلسين سيحمون نتنياهو من أي مساءلة، رغم احتمالية أن يحدث نوع من الاحتجاج داخل الجلسة، كما أن هناك احتمالا لحدوث احتجاجات ومؤتمرات صحافية تدين ظهور نتنياهو في خارج مبنى الكابيتول، وقد يغتنم بعض الأعضاء الفرصة للتعبير عن اعتراضات واضحة على الدعوة وعلى سياسات نتنياهو.

وذكر الكاتب بأن آخر مرة خاطب فيها نتنياهو الكونغرس كانت في سنة 2015، عندما دعاه الجمهوريون في وقت تصاعدت فيه التوترات بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس السابق باراك أوباما بشأن المفاوضات الأمريكية مع إيران، واختار ما لا يقل عن 50 عضوا ديمقراطيا في مجلس النواب، وثمانية أعضاء في مجلس الشيوخ عدم حضور الجلسة. والجدير بالذكر أن نائب الرئيس آنذاك، جو بايدن، لم يحضر الخطاب أيضا.

وقد أشار العديد من الأعضاء الديمقراطيين الرئيسيين في الكونغرس إلى أنهم في الغالب لن يحضروا خطاب نتنياهو هذه المرة، بما في ذلك النائب عن ولاية ماساتشوستس جيم ماكغفرن، وهو نائب ديمقراطي بارز في لجنة القوانين بمجلس النواب، وأحد أكثر المدافعين المتحمسين عن حقوق الإنسان في المجلس؛ حيث أفاد ماكغفرن، الذي قاطع ظهور نتنياهو في 2015، أنه سيبتعد عن خطاب هذه السنة أيضا، موضحا أنه يتمنى لو لم يحدث ذلك.

ونوه إلى أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ الذين لن يرحبوا بنتنياهو، هو عضو مجلس الشيوخ المستقل عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، والذي أعلن -فور قبول رئيس الوزراء الإسرائيلي الدعوة- أنه لن يحضر بالتأكيد، وأن نتنياهو مجرم حرب لا ينبغي دعوته لإلقاء كلمة أمام اجتماع مشترك للكونغرس.

وأضاف ساندرز أن “إسرائيل كان لها الحق في الدفاع عن نفسها، إلا أنها لا تملك الحق في خوض الحرب ضد الشعب الفلسطيني برمّته، ولا يحق لها أن تقتل أكثر من 34 ألف مدني وتجرح أكثر من 80 ألفاً، ولا يحق لها أن تيتّم 19000 طفل، ولا يحق لها تهجير 75% من سكان غزة من منازلهم. ولا يحق لها أيضا تدمير ما يزيد على 60% من المساكن في غزة، ولا يحق لها تدمير البنية التحتية المدنية وطمس شبكات المياه والصرف الصحي، وحرمان سكان غزة من الكهرباء. ولا يحق لها تدمير نظام الرعاية الصحية في غزة، وإخراج 26 مستشفى من الخدمة وقتل أكثر من 400 عامل في مجال الرعاية الصحية، ولا يحق لها قصف 12 جامعة و56 مدرسة في غزة، أو أن تحرم 625 ألف طفل في غزة من فرصة التعليم.

وتابع بأنها لا تملك الحق في منع المساعدات الإنسانية من الوصول إلى سكان غزة اليائسين، ما يخلق الظروف الملائمة للمجاعة، وليس من حقها أن تحكم على مئات الآلاف من الأطفال بالموت جوعا، وهذا انتهاك واضح للقانون الأمريكي والدولي.

وذكر أن هذا التصريح أثار توبيخا من رئيس مجلس النواب جونسون، الذي اتهم ساندرز بـ”ترديد حديث حماس كالببغاء”، مؤكدا أن على الديمقراطيين أن يختاروا بين الوقوف إلى جانب أهم حليف لهم في الشرق الأوسط كما جرت العادة في واشنطن، أو الانحياز إلى جانب حماس وآيات الله في إيران.

ولفت الكاتب إلى أن جونسون كان مخطئا بشكل كبير، فساندرز أمريكي يهودي فقد الكثير من أفراد عائلته الممتدة في المحرقة، وعاش ذات مرة في مستوطنة إسرائيلية، وهو ناقد ثابت لحماس، واصفا إياها بأنها منظمة إرهابية، واعتراضاته على سياسات نتنياهو تحاكي اعتراضات عدد متزايد من قادة العالم من الدول التي كانت تاريخيا متعاطفة مع إسرائيل، بالإضافة إلى جماعات أمريكية مثل “حاخامات من أجل وقف إطلاق النار” و”الصوت اليهودي من أجل العمل من أجل السلام” التي وصفت الدعوة بأنها “تصرف آخر مثير للغضب من قيادة الكونغرس يظهر دعمهم الكامل للإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني”.

ساندرز: منع المساعدات الإنسانية وخلق الظروف المواتية للمجاعة ليس فقط عملاً بالغ القسوة، ولكنه انتهاك للقانون الأمريكي والدولي وجريمة حرب.

ونوه إلى أن ساندرز وجّه ردا لاذعا على جونسون في خطاب ألقاه بمجلس الشيوخ، مؤكدا أنه عند التفكير في الحكمة من دعوة السيد نتنياهو لإلقاء كلمة أمام مجلسي الكونغرس، يجب تذكر أن حكومته تعمدت منع وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة اليائسين، الأمر الذي خلق فوق كل شيء آخر ظروف المجاعة.

وأضاف ساندرز أن منع المساعدات الإنسانية وخلق الظروف المواتية للمجاعة ليس فقط عملاً بالغ القسوة، ولكنه انتهاك للقانون الأمريكي والدولي وجريمة حرب.

وختم الكاتب تقريره بقول ساندرز، وهو يعرض صورا لأطفال غزة الذين يعانون من سوء التغذية، إنه يود إخبار رئيس مجلس النواب جونسون أنه عندما يحضر حفلات عشاء جمع التبرعات مع أصدقائه المليارديرات، ويأكلون شرائح اللحم الفاخرة وغيرها من الأطعمة، يجب أن يتذكروا هذه الصور من غزة.

واختتم السيناتور كلامه معلنا بهدوء أن هؤلاء الأطفال وآلافاً آخرين هم نتيجة مباشرة لسياسات نتنياهو، الرجل الذي دعاه رئيس مجلس النواب جونسون، لمخاطبة الكونغرس.

مجلة “ذا نيشن” الأميركية

القدس العربي




ضابط سابق في المخابرات الأمريكية: حماس ليست هي القضية.. والإرهاب بدأ مع إسرائيل

نشرت مجلة ” ناشونال إنترست” الأمريكية مقالا بعنوان “حماس ليست هي القضية” لضابط المخابرات الأمريكي السابق بول بيلار، أكد فيه أنه “ما لم تغير إسرائيل سياسة الاحتلال التي تنتهجها، فعليها أن تتوقع المزيد من المقاومة العنيفة بصرف النظر عما إذا كانت حماس قد دُمرت أم لا”.
وبدأ الكاتب مقاله بالتأكيد على الخلفية وأنه بعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي، تتلاشى الذكريات، مما أدى إلى عدم فهم كثيرين لجذور وطبيعة ما يجري في قطاع غزة. وأشار إلى أن الكثير من الخطابات على مدى الأشهر الثمانية الماضية، حاولت محو الذكريات بشكل أكثر جذرية، من خلال التظاهر بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بدأ في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكما لو أن هجوم حماس على جنوب إسرائيل كان صاعقة من السماء لا مبرر لها سوى الكراهية الفطرية غير المبررة للإسرائيليين.
وشدد الكاتب أن المرء لا يحتاج إلى العودة بعيدا في تاريخ الصراع بحثا عن منظور يقوض هذا الوصف، إذ قُتل 1632 فلسطينيا بين عامي 2014 و2023، على يد الإسرائيليين وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، مقابل 155 إسرائيليا على أيدي الفلسطينيين. وهذا أكثر من ضحايا هجوم حماس الذي قدّرته الحكومة الإسرائيلية بنحو 1200 شخص.
ولفت إلى بيلار إلى أنه بالعودة أبعد في تاريخ الصراع، يمكن فهم طبيعة وأسباب “العنف” الفلسطيني ضد إسرائيل، حيث أدرك الصهاينة في وقت مبكر، أن مشروعهم يتضمن بالضرورة استخدام العنف ضد الشعب الذي يعيش في فلسطين، فكانت المذابح والتهجير الجماعي، وهي تجربة جماعية مؤلمة تعيش عليها النكبة كجزء من الوعي الوطني الفلسطيني، وكان الإرهاب آنذاك إلى حد كبير من عمل مجموعات قادها رئيسا الوزراء الإسرائيليان مناحيم بيغن وإسحق شامير.
ويشير الكاتب إلى أنه بالنسبة للعديد من الأمريكيين اليوم، فقد غُرس فيهم أن الإرهاب الدولي مرتبط بالتنظيمات الفلسطينية، والزعم أنها قامت بالعديد من الهجمات التي احتلت العناوين الرئيسية في زمن مضى، مثل عمليات اختطاف طائرات ركاب متعددة ومتزامنة، وقتل رياضيين إسرائيليين في أولمبياد ميونخ عام 1972.
وذكر الكاتب أن الجماعات الفلسطينية التي نفذت تلك الهجمات شملت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والصاعقة وحركة فتح، وجماعات منشقة مثل أيلول الأسود، وكانت تمثل مجموعة متنوعة من الأيديولوجيات والتوجهات السياسية، التي لم يوحدها إلا الغضب المشترك من القهر الإسرائيلي لإخوانهم الفلسطينيين، وقد كانوا في الغالب علمانيين وليسوا إسلاميين.
وينوه إلى أنه “لم يكن لحماس، التي لم تتأسس إلا عام 1987، أي دور في أي من هذا، ولذلك يقتضي أن ينظر المرء إلى مَن يسبب المشكلة المتكررة بدلا من الاستمرار في إلقاء اللوم على الآخرين”.
ويؤكد الضابط السابق في المخابرات الأمريكية، أنه إذا صدقنا كلام القادة الإسرائيليين بأن الهدف المعلن من مواصلة عدوانهم على قطاع غزة هو “تدمير حماس”، فلا بد أن ندرك أن هذا الهدف مضلل على مستويات متعددة، لأن حماس ليست جيشا نظاميا يحسُب تدميره بعدد الكتائب التي تم استئصالها، بل هي حركة وأيديولوجية ووسيلة للتعبير عن عدم الرضا عن القهر الذي تمارسه إسرائيل.
وبحسب بيلار، فإن سلوك إسرائيل في غزة أدى لزيادة شعبية حماس بين الفلسطينيين؛ لأنهم رأوا فيها المجموعة الأكثر صدقا في الوقوف بوجه إسرائيل، خلافا للسلطة الفلسطينية التي لا يرون فيها إلا مجرد أداة مساعدة للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية.
ويؤكد أنه لم تصبح حماس كما هي اليوم بسبب شيء في جيناتها، بل بسبب الظروف التي أخضعت لها إسرائيل الشعبَ الفلسطيني، وإذا اختفت حماس غدا، فإن جماعات أخرى سوف تستخدم العنف كوسيلة للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، كما فعلت ذلك مجموعات سابقة نشطت في الستينات والسبعينات.
وخلص الضابط السابق في المخابرات الأمريكية للقول إن المعاناة التي تحمّلها سكان قطاع غزة خلال الأشهر الـ8 الماضية، ستخزّن في الوعي الفلسطيني إلى جانب نكبة الأربعينات، والغزوات الإسرائيلية، لإدامة الغضب الفلسطيني وتحفيز تلك الجماعات المستقبلية، ولن تنتهي هذه القصة المأساوية بتدمير أي جماعة بعينها، بل فقط بتقرير مصير الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال.
والكاتب بول ر. بيلار، تقاعد في عام 2005 بعد ثمانية وعشرين عاما من العمل في مجتمع الاستخبارات الأمريكي، حيث كان آخر منصب له هو ضابط المخابرات الوطنية للشرق الأدنى وجنوب آسيا. وفي وقت سابق، شغل مجموعة متنوعة من المناصب التحليلية والإدارية، بما في ذلك منصب رئيس الوحدات التحليلية في وكالة المخابرات المركزية، والتي تغطي أجزاء من الشرق الأدنى والخليج العربي وجنوب آسيا. أحدث كتاب له هو “ما وراء حافة الماء: كيف تفسد الحزبية السياسة الخارجية للولايات المتحدة”.

مجلة “ناشونال انترست” الأميركية

ترجمة: القدس العربي




الولايات المتحدة الأمريكية تلعب أوراقها الأخيرة: حجز حرية التنقل انطلاقًا من حرية الكلمة الحرة

خاص الوطنية
د. زكريا حمودان

ضمن مشاركته في فعاليات المنتدى الاقتصادي في سانت بطرسبورغ كان من المفترض أن يتوجه الضابط السابق للاستخبارات العسكرية الأميركية سكوت رايتر إلى روسيا من أجل المشاركة في المنتدى الاقتصادي الدولي العلني، الواضح والصريح في جمهورية روسيا الاتحادية، وتفاجأ بممثلين عن الخارجية الأميركية يطلبون منه تسليم جواز سفره والنزول عن الطائرة (بحسب ما اتى في موقع روسيا اليوم https://www.rt.com/news/598711-us-seizes-scott-ritters-passport/) مقيدين حريته دون اي سبب يذكر، في تقييدٍ واضح لحريته الشخصية وحرية تنقله، وحرية مشاركته الفكرية في المنتدى الاقتصادي الذي لا يتضمن أي بعد أمني او حتى سياسي مباشر.
أن تكون ضابطاً أمريكياً سابقاً ليس امراً يسمح للولايات المتحدة الأمريكية أن تمنع تنقلك او أن تحتجز حريتك دون اي إنذار مسبق لا بل عن سابق إصرار وتصميم.
اذا اردنا مقارنة ما يحصل اليوم من حجز للحريات وتضييق على الصحفيين والمفكرين، وحجب حرية التعبير بالإضافة الى حجب التلفزيونات والصحف وكل وسائل التعبير، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي الغير مؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية، وجميع الوسائل التي تساهم في نشر حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في منطقة الشرق الاوسط وفي العالم، وسرقة ثروات الشعوب وتدمير حقوق الإنسان وحجز للحريات، نجد أمامنا نموذج غير مسبوق لقمع الحريات والحقوق، في مخالفة واضحة وصريحة لحقوق الإنسان ولجميع القوانين الدولية.
اسئلة عديدة نطرحها بعد توقيف الضابط سكوت رايتر وأهمها حول ضرورة البحث عم عالم جديد خارج القطبية الأمريكية والعنصرية والاستكبار الغربي في مواجهة الحريات وتحرر الشعوب، لا بل يجب ان نطرح إشكالية تحرر الشعوب الغربية من قمع دولها وقمع الولايات المتحدة الأمريكية سواء للشعب الأمريكي او حتى للدول الاوروبية التي ادخلتها الولايات المتحدة الأمريكية في صراع غير مفهوم مع روسيا من خلال الحرب الأوكرانية، في سيطرة واضحة وصريحة للولايات المتحدة الأمريكية على السياسات الغربية و الاوروبية.
هناك خشية كبيرة حول مستقبل العالم الذي نعيش فيه اليوم في ظل الغطرسة الأمريكية، وفي ظل ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من قمع للحريات وسكوت عن جرائم تحصل في شرق المتوسط و في العالم، وسبقتها جرائم أخرى حصلت كالحرب في سوريا ونشر الإرهاب في سوريا والعراق، والحرب في أفغانستان والحروب في شمال أفريقيا بالإضافة الى سرقة ثروات الشعوب في وسط وجنوب أفريقيا مقابل تحقيق اهداف استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية.




من أجل جيوبولتيك خاصة بدول الجنوب

يعيش العالم تطورات سياسية هائلة في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، حيث تشابكت جائحة كورونا أو كوفيد 19 مع الحروب التي اندلعت في أوكرانيا وفلسطين، وارتفاع حدة المواجهة بين الثنائي روسيا – الصين في مواجهة الغرب. وأصبح عنوان مختلف أبحاث مراكز التفكير الاستراتيجي، البحث في موضوع انتقال ثقل العالم من المحيط الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة إلى المحيط الهادئ بزعامة الصين والدول التي ستدور في فلك هذا أو ذاك.
وعملية الانتقال هذه والتحولات التي يعيشها العالم تشكل تحديا حقيقيا للدراسات الجيوسياسية أو جيوبولتيك، وذلك لأن إيقاع التغيير سريع ومكثف ويحمل مفاجآت، وما زال ثقل العالم متمركزا نسبيا في الغرب، وما زال الباحثون يعتمدون في دراساتهم على النظريات التي أنتجها باحثون غربيون بالأساس أمثال، فريدريك راتزل وألفريد ماهان وهالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان ضمن آخرين.
وتعد الجيوسياسية مادة أو تخصصا يجمع من كل التخصصات، إذ تتطلب الدراسات الجيوسياسية معرفة لا بأس بها بعلوم مثل، الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والصناعات الحربية وعلم الاجتماع. ورغم شيوع استعمال جيوبولتيك، وهو تركيب لكلمتي الأرض والسياسة مع دلالة عسكرية والأمن القومي، إلا أن الباحثين يستعملون مثلا جيوإكونومي بمعنى «جيواقتصاد» و»جيو إعلام». وتوجد دراسات جيوسياسية مكتوبة من زاوية اقتصادية أكثر من زاوية سياسية أو من زاوية ثقافية أكثر من سياسية. ويبقى هدف الدراسات الجيوسياسية هو المساعدة على اتخاذ القرار، لاسيما بالنسبة للحكومات، وتصبح ضرورية عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات الحاسمة في العلاقات الدولية، وفيما يتعلق بالجانب العسكري وضمان الأمن القومي ومكانة وسط الأمم. وعادة ما ترتبط هذه القرارات زمنيا بالمدى المتوسط والبعيد، لأنه إذا أردنا تعريفا ميدانيا لهذا التخصص فهو، دراسة المستقبل السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي لأمة في علاقاتها بباقي الأمم، سواء في محيطها المباشر أو غير المباشر والبعيد جغرافيا، إذ لا يمكن إنجاز دراسة جيوسياسية حول دولة افريقية معينة، من دون ليس فقط دراسة علاقاتها بمحيطها الافريقي، بل بدول من حجم الصين والولايات المتحدة رغم البعد الجغرافي. وتعتبر مراكز التفكير الاستراتيجي مرادفا للدراسات الجيوسياسية بامتياز، وتنتج الكثير من الدراسات وفق نظريات مرتبطة في العمق عموما برؤية ومصالح الدول التي ينتمي إليها الباحثون. وهذا التخصص هو أقرب إلى التاريخ من حيث الهوية، توجد نظريات وتصورات للتاريخ، لكن كل دولة تتوفر على رؤية معينة للتاريخ، تتماشى وهويتها الوطنية وإرثها الحضاري. وهذا لا يحصل في حالة جيوبولتيك عموما، فهذا التخصص حديث وهو من اختصاص الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم القوى الكبرى الجديدة مثل الصين وروسيا. لهذه القوى تصورات جيوسياسية خاصة بها بينما غالبية دول العالم تفتقر لتصور محدد.

مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري

وانتبهت دول الجنوب الى أهمية الدراسات الجيوسياسية، وأصبحت كل دولة تريد صياغة خريطة طريق جيوسياسية خاصة بها للمستقبل. وتصطدم هذه التطلعات بعائقين الأول، يتجلى في ضعف الدراسات الجيوسياسية في دول الجنوب بحكم محدودية دور الجامعة، التي تبقى حديثة التأسيس بعد الاستقلال عموما. ويتمثل العائق الثاني، في قلة الباحثين القادرين على صياغة نظريات خاصة بالجنوب باستقلالية عن السلطة السياسية، ومن دون السقوط في البروباغندا، وهذا يفتح الباب أمام أشباه الخبراء، إذ أن معظم نظريات جيوبولتيك من إنتاج مفكرين ينتمون الى الدول الكبرى، وهي ترسم معالم الحفاظ على التفوق ومواجهة المنافسين والانتشار في العالم. وعليه، مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري والأهداف المسطرة مستقبلا ضمن قضايا أخرى. علاوة على هذا، نظريات الغرب تهدف إلى الحفاظ على قوة الغرب، بينما دول الجنوب تحتاج لمفكرين يصيغون نظريات تعمل على صعود الجنوب واكتسابه القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. ولهذا، فهذه الدراسات تتطلب أولا تطوير نظريات تتعلق بالعلاقات الإقليمية لدول الجنوب من خلال بناء التجمعات الإقليمية، ثم صياغة العلاقات مع القوى الكبرى. واللافت في كثير من الدراسات الجيوسياسية هو انتقاد الغرب والترحيب في المقابل بالصين وروسيا، وكأن قدر الجنوب بدوله وشعوبه هو البحث الدائم عن وصي، بدل التفكير انطلاقا من مصالح الجنوب. ويعد انتقاد الغرب واعتبار الصين بديلا، عملية تغيير وصي بوصي آخر. ولا تعد الصين نموذجا للديمقراطية وسيادة القانون، فهي دولة تفتقر للديمقراطية الداخلية، ولكنها منصفة في علاقاتها الخارجية، بينما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تمارس ديمقراطية داخلية متطورة لصالح شعوبها وغير منصفة في علاقاتها الخارجية، بل منحازة في الكثير من الملفات مثلما يحدث الآن في حرب قطاع غزة. ودائما تساعد محطات تاريخية لفهم ظهور وعي بقضايا معينة، ونجد المنعطف الحقيقي بشأن رؤية جيوسياسية في الجنوب مستقلة عن الشمال، ولا تعتمد الشعارات السياسية التي كانت جوفاء في الغالب بعد الاستقلال، في حادثين، كورونا وحرب أوكرانيا – روسيا. علاقة بالحدث الأول، وجدت معظم دول العالم الثالث نفسها محرومة من الكثير من المواد، خاصة الطبية، حيث كل الدول الغربية وروسيا والصين فضلت تلبية حاجياتها أولا قبل التفكير في الآخر. وهنا بدأ التفكير في بناء الذات الوطنية، ما تطلب البحث عن مفكرين وباحثين مختصين في الجيوسياسة. وتجلى الحدث الثاني في رفض معظم دول العالم الثالث الانضمام الى المخطط الغربي لإدانة روسيا في الحرب الأوكرانية، وهذا يعني أنه يجب على الغرب عدم تعميم مشاكله. وكان المفكر والسياسي الفرنسي دومينيك فيلبان قد صرح وقتها «الجنوب لا ينضم إلينا لأن هذه الحرب ليس حربه».
ومقارنة بين دول الجنوب، تنفرد تلك التي لديها مشاريع طموحة مثل تركيا والبرازيل وإيران وجنوب افريقيا وإندونيسيا، بإنتاج فكر جيوسياسي متميز يتماشى ومشاريع أممها وأوطانها، من خلال أجندة مواضيع دقيقة هي الطاقة النووية السلمية والصناعة الحربية والصناعة المدينة المتقدمة واستقلالية القرار السياسي.

حسين مجدوبي – كاتب مغربي

صحيفة القدس العربي




كاتب بريطاني: “عنصرية وإسلاموفوبيا”.. زعيم حزب العمال يرسم “مخططا مرعبا” للمملكة المتحدة

قال الكاتب الصحافي بيتر أوبورن بمقال نشره موقع “ميدل إيست آي” إن زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر يرسم مخططا مرعبا لبريطانيا باختياره فتح معركة مع اليسار  داخل حزبه.

وأشار إلى أن المعلقين السياسيين عبروا عن صدمتهم واستغرابهم من استهداف ستارمر وسط الحملات الانتخابية اليسار في داخل الحزب.

ويرى أن استغراب المعلقين نابع من عدم اهتمامهم بما يجري، فمن الواضح أن زعيم العمال يقود آلة سياسية لا إنسانية لا ترحم. فقبل عامين بثت قناة الجزيرة سلسلة من خمس حلقات تحت عنوان “ملفات العمال”. وكشفت فيها عن الحقيقة القاتمة في داخل حزب ستارمر. وقام التحقيق الاستقصائي المذهل على ملفات ووثائق سرية داخل الحزب وقدم أدلة ثرية وشهادات شخصية تظهر أن آلة الحزب تنمرت على أعضاء الحزب وتلاعبت وبطريقة مخزية بالديمقراطية الداخلية للحزب. وما هو صادم في تحقيق الجزيرة هو كشفه عن القصة المخفية للعنصرية ضد السود والإسلاموفوبيا في مقرات العمال.

وأكد الكاتب على أنه كالعادة تجاهلت الصحف الرئيسية تحقيق “الجزيرة”. وبدلا من ذلك ابتلع الصحافيون السذج رواية ستارمر أن العمال الجدد تحت قيادته أعاد الحزب لفطرته السليمة وطريقه الصحيح بعد جيرمي كوربن.

ما علينا إلا أخذ مثال واحد وهي الطريقة التي عوملت فيها دايان أبوت، أول نائبة سوداء تدخل البرلمان البريطاني، وكانت عضوا بارزا في حكومة ظل العمال تحت قيادة كوربن

وهو سرد أثبت تحقيق الجزيرة خطله، كما قال الكاتب، الذي أضاف “ما علينا إلا أخذ مثال واحد وهي الطريقة التي عوملت فيها دايان أبوت، أول نائبة سوداء تدخل البرلمان البريطاني، وكانت عضوا بارزا في حكومة ظل العمال تحت قيادة كوربن. وكانت مكروهة بشدة من البيروقراطية اليمينية التي سيطرت على الحزب في سنوات كوربن الأولى”. وكشفت “ملفات العمال” رسائل واتساب بين مجموعات إدارية بارزة، حيث كتبت مسؤولة بارزة عن أبوت “تجعلني حقا أشعر بالغثيان” وكتبت أخرى “أبوت مقرفة في الحقيقة”.

وذكر الكاتب أنه عندما قابل فريق الجزيرة أبوت قالت عن كاتبة الرسالة “يبدو أنها تعبر عن كراهيتها للمرأة السوداء مما يعني أن حزب العمال ليس مكانا آمنا للمرأة السوداء”.

 وأشار إلى أن الطريقة التي عوملت فيها آبوت ليس المثال الوحيد للعنصرية في داخل حزب العمال. فقد كشفت “ملفات العمال” عن دوسيه سري استخدم لطرد حوالي 5,000 من أعضاء الحزب المسلمين الذين اتهموا بمحاولة “اختراق” الحزب في نيوهام. وقال واحد ممن وردت أسماؤهم في الدوسيه للجزيرة “يبدو أن أحدا يعمل داخل الحزب ضد الأقليات العرقية”، وعندما طلبت الجزيرة من الحزب التعليق، نفى وجود العنصرية داخل حزبه.

وأكد الكاتب أن موثوقية “ملفات العمال” تقوت عندما أصدر المحامي مارتن فورد تقريرا عام 2022 عن معاداة السامية وأشكال التمييز الأخرى داخل حزب العمال. ووجد فورد الذي كلفه ستارمر بإجراء التحقيق “مشاكل خطيرة في التمييز” داخل حزب العمال، بما في ذلك مواقف فصائلية غير حساسة” بين مجموعات واتساب.  وحدد تقريره “هيكلية عنصرية” داخل حزب العمال، حيث كانت معاداة السامية أخطر من الأشكال الأخرى للعنصرية. ولم يتحرك ستارمر لتنفيذ توصيات فورد، ولم يكن يتعرض لضغوط كبيرة لعمل هذا.

وذكر الكاتب أنه مع أن الإعلام لم يتجاهل كليا تقرير فورد كتجاهله تحقيق الجزيرة، إلا أن الإعلام أساء تفسير ما ورد فيه واعتبره تافها. ومهما كان دافع ستارمر لعدم تطبيق ما ورد في تقرير فورد، إلا أن عرض نفسه لاتهامات بأنه منح ضوءا أخضر بأن سلوكا كهذا قد يمر بدون عقاب.

ويرى أوبورن أن طريقة معاملة فايزة شاهين (المسلمة)، التي تم استبعادها بطريقة مفاجئة لتمثل الحزب في منطقة تيشنغورد وغرين فورد الأسبوع الماضي، تقدم فهما وصورة واضحة في سياق ما ورد بـ “ملفات العمال” قبل عامين. وقال الكاتب “حتى يكون الواحد منصفا فالعنصرية واحتقار الأقليات الذي فضحته سلسلة “ملفات العمال” كانت من عمل الاتجاه اليميني الذي كره كوربن وسابق لقيادته. لكن لا أحد يعفيه من المسؤولية عن الثقافة المسمومة وغير الديمقراطية التي عادت وبانتقام في ظل قيادته. وقام الحزب بتصنيف عدد من المنظمات اليسارية بغير المرغوبة، ويتم طرد أي عضو عمالي لو عبر عن تعاطف مع واحدة منها. وتمت إضافة بند إلى قواعد الحزب “لا تنطبق مبادئ العدالة الطبيعية والإنصاف على من جمدت عضويته”، وهذا أمر مثير في حزب يزعم أنه ديمقراطي”.

ويعتقد أوبورن أن الحزب سيطرت عليه شلة من المتطرفين اليمينيين الذين لا يبالون بتاريخ الحزب المجيد وتقاليده الديمقراطية ويحتقرون الأقليات العرقية. ومن المنطق طرح سؤال عن سبب تجاهل الإعلام هذه العنصرية العارية.

 وبحسبه الجواب هو أن معظم الإعلام يشترك مع مواقف حزب ستارمر: العنصرية السامة ضد السود واحتقار المسلمين ودعمهم المطلق لإسرائيل رغم جرائمها ضد الفلسطينيين وعبادتهم للسلطة مهما كان الثمن، ولا نحتاج لذكر الشمولية البدهية واحتقار أبسط قواعد اللياقة. فالطريقة التي عامل فيها ستارمر آبوت وشاهين هي رسالة للإعلام المتطرف أنه معها ويستحق الدعم منها.

 وبهذه الطريقة، فهو يفتح، وفق الكاتب، طريقا للتحالف مع إعلام ميردوك مع اقتراب الانتخابات العامة. وهناك مقاربة لهذه الإستراتيجية التي تخدم مصالح القادة، بتلك التي قادتها مجموعة صغيرة ممولة بشكل جيد في حزب المحافظين، وحصلت على نصائح من دومينك كامينغز، مستشار رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، باستهداف من لا يشتركون معها بالرأي واستبعدت كينيث كلارك وروري ستيورات ودومينك غريف من انتخابات 2019.

وذكر أن حزب المحافظين خسر روحه وأصبح بيد مجموعة من المتطرفين اليمنيين، ولو نجا فربما تحول إلى نسخة من حزب البديل الألماني المتطرف أو التجمع الوطني الفرنسي اليميني, ولدى ستارمر ما يقابل كومينغز وهو مستشاره مورغان سويني، غير المعروف، ولكنه سيصبح قريبا مثل بيتر ماندلسون في ظل حكومة توني بلير.

وفي النهاية يعتقد أن أحداث الأسبوع الماضي تقترح أمرا مهما وهو أن ستارمر هو مخلوق ناتج عن مشروع سياسي لا يفهمه بدرجة كبيرة.

وفي هذا السياق قالت صحيفة “صاندي تايمز” إن حزب العمال عرض على النواب الذين لا يريدهم التقاعد والحصول على لقب لورد، في محاولة من ستارمر مكافأة حلفائه. ونقلت عن عدد من  النواب المحسوبين على اليسار قولهم إنهم تلقوا ومنذ الإعلان عن موعد الانتخابات العامة أنهم سيرفعون لمجلس اللوردات لو تخلوا عن مقاعدهم. ويقوم الحزب بترفيع الموالين لستارمر وترشيحهم في المقاعد الآمنة.

حزب المحافظين خسر روحه وأصبح بيد مجموعة من المتطرفين اليمينيين، ولو نجا فربما تحول إلى نسخة من حزب البديل الألماني المتطرف أو التجمع الوطني الفرنسي

ورفض ستارمر يوم السبت التعليق على موضوع آبوت، زاعما أنه تعامل معه يوم الجمعة. ولا يعرف إن كانت سترشح نفسها عن منطقتها في شرق لندن، هاكني وستوك نيوتن او تقبل عرض مجلس اللوردات.

 ومن المتوقع أن يغرق ستارمر مجلس اللوردات بأعضاء عماليين جدد لو فاز في الانتخابات. ومع أنه تعهد بإلغاء اللوردات إلا مطلعين في داخل الحزب، قالوا إنه مضطر لتعيين لوردات عماليين حتى لا تتصادم حكومته مع الغرفة العليا في البرلمان. وهو بحاجة للوردات كي يصوتوا على إلغاء المجلس. وفي الوقت الحالي هناك 172 لوردا عماليا مقابل 277 لوردا محافظا، مما يعني أن المحافظين هم الغالبية إلا في حالة ترشيح ستارمر 100 عضو آخرين. وقال نائب عمالي سابق عرضت عليه عضوية مجلس اللوردات “عرضوا علي مقعدا في مجلس اللوردات لأن بعض الأولاد الصغار يريدون مقعدي”. وقال مصدر آخر “عرضت عضوية اللوردات بعد الإعلان عن الانتخابات العامة وبدأ عدد من الأشخاص يعلنون عن عدم ترشحهم رغم تأكيدهم على الترشح”. ومن بين من عرض عليهم لقب لورد، آبوت التي أعيدت لها العضوية في الحزب بدون معرفة  إن كان سيسمح لها بالترشح مرة أخرى. ويتُهم ستارمر بعملية تطهير لليساريين وبعدما أخبر عدد من رموز الحزب أنه لن يسمح لهم بالترشح على تذكرة الحزب. وقال مصدر في حزب العمال أن آبوت عرضت عليها فكرة التقاعد بهدوء والذهاب إلى مجلس اللوردات.

 إلا أن اليسار العمالي يخشى من عملية تطهير جديدة عند لقاء اللجنة التنفيذية الوطنية يوم الثلاثاء لتأكيد قائمة المرشحين النهائية. ومن بين هؤلاء كيت أوسامور، العضو السابق في حكومة كوربن والتي أعيدت قبل فترة لحزب العمال بعد التحقيق معها لدعوتها لإحياء ذكرى غزة كإبادة مثل اليوم التذكاري للهولوكوست. واتهم النقاد حزب العمال بأنه يستبعد المرشحين من الأقليات العرقية مثل فايزة شاهين (المسلمة) التي منعت الأسبوع الماضي من تمثيل دائرة في شمال- شرق لندن.

موقع ميديل إيست أي

ترجمة ابراهيم درويش




قراءة في رؤية شي جينبينغ لتحديات بكين في العصر الجديد

تلعب الصين دوراً متزايد الأهمية في الفضاء الدولي، كما أنها بالتوازي مع اهتماماتها التنموية مع العالم العربي تنشط في المجال السياسي. وكان من المحطات اللافتة أخيراً دعوة الرئيس الصيني شي جينبينغ يوم أول من أمس إلى عقد مؤتمر للسلام لإنهاء الحرب بين إسرائيل و«حماس»، وذلك خلال خطاب توجّه به إلى القادة العرب في إطار منتدى يهدف لتعزيز العلاقات مع المنطقة. ما لا يحتاج إلى تذكير، أن الصين لطالما استوردت النفط الخام من الشرق الأوسط، ثم جاءت مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (عام 2013)، لتدق جدياً أبواب الشرق الأوسط. وعلى الصعيد السياسي، سعت الصين تحت قيادة شي جينبينغ «البراغماتية» إلى توسيع نفوذها خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة مما يراه مراقبون أخطاء ارتكبتها كل من الولايات المتحدة وروسيا في تعاملها مع بعض ملفات المنطقة الساخنة مثل فلسطين وسوريا. والواقع أن وراء «البراغماتية» الصينية في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية تقف خلفها قيادة حزبية قوية ورؤيوية شرّعت الأبواب لإصلاحات اقتصادية وتنمية مستدامة من دون إغفال الدور الرائد للحكومة بمقترحاتها وتوجيهاتها نحو الأهداف المعدّة؛ إن في الاقتصاد أو المجتمع، مع التركيز على تعزيز وتطوير التكنولوجيا بوصفها مدخلاً لتحقيق التقدم والتنمية.

جسر خليج جياوجو … من التحفة الهندسية المهمة (رويترز)

من المفهوم أن الفلسفة الشيوعية الصينية تمحورت طويلاً حول دور الحزب الشيوعي الصيني بصفته قائداً ومحرّكاً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي. وهنا أكد شي جينبينغ، أمين عام الحزب، «أهمية التمسك بالمبادئ الشيوعية التقليدية وتطويرها بما يتناسب مع الواقع الصيني الحديث وتحدياته». وبالطبع، شدد على أهمية دور الحزب في تحقيق التوازن بين التطور الاقتصادي والمحافظة على القيم والمبادئ الشيوعية.

إلا أن وراء الأسس الفلسفية لـ«الاشتراكية الصينية» تاريخاً طويلاً من التطوّر الفكري والسياسي في البلاد، وجمع فيه بين الشق العقائدي والتقاليد الثقافية. واليوم تظهر نتائج المرونة الحزبية التي أفضت إلى التطور والتكيف ليتناسب مع الوضع الصيني الفريد. وكل هذا من دون المساس بكون الحزب الشيوعي الصيني المحرّك الرئيس للتغيير الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

ووفق مناصري تجربة الصين، يؤكد شي جينبينغ أهمية دور الحزب في توجيه المجتمع نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة، كما أنه يرى من الضروري تطوير المبادئ الشيوعية التقليدية بما يتلاءم مع الواقع الصيني الحديث وتحدياته.

وفي هذا المجال، يسعى شي إلى استخدام التراث الثقافي الصيني منصةً لبناء مستقبل أفضل، مع تطوير وتحسين نموذج الاقتصاد الاشتراكي ليكون أكثر فاعلية وتوجهاً نحو العدالة الاجتماعية، وفي الوقت عينه يركز الأمين العام على أهمية الحفاظ على القيم والمبادئ الشيوعية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، ويؤمن بأن التوازن بين التطور الاقتصادي والمحافظة على القيم الثقافية والاجتماعية هو الطريق لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي في البلاد.

تحقيق التنمية الاقتصادية

هنا يشير المراقبون المقرّبون من بكين إلى أنه بفضل الرهان على نجاح التوجيه الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية، حققت الصين نمواً اقتصادياً كبيراً خلال العقود الأخيرة؛ إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد مستويات قياسية، ما جعلها واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم.

والحقيقة أن تحقيق التنمية الاقتصادية كان يعدّ من أولويات الحكومة الصينية في فترة حكم شي جينبينغ. ذلك أنه منذ تولي شي السلطة في عام 2012، قاد الزعيم الصيني جهوداً دؤوبة لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. ثم إن الحكومة واصلت في الوقت عينه سياسات الإصلاح والانفتاح التي كانت قد بدأت في أواخر السبعينيات، ولكن تحت قيادة شي جارٍ حالياً تعزيز هذه السياسات وتوسيع نطاقها.

وفي التفاصيل، جرى اتخاذ إجراءات لتحسين بيئة الاستثمار وتشجيع الابتكار وتطوير القطاعات الحديثة مثل التكنولوجيا والابتكار، وتعزيزاً للبنية التحتية خصّصت الحكومة الصينية موارد كبيرة لتطوير البنية التحتية في البلاد، بما في ذلك الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ. وأيضاً حسّنت البنية التحتية لتعزيز الربط بين المدن والمناطق الريفية وتسهيل التجارة والنقل، وأُنجز تقدم لافت على صعيد رفع مستوى المعيشة للشعب الصيني إبان فترة حكم شي.

ومن ثم، نجحت السلطات في خلق فرص العمل، وتحسين الرواتب، وتوسيع نطاق التأمينات الاجتماعية ليشمل مزيداً من المواطنين، وإذ ركّزت الحكومة تحت قيادة شي بينغ على تحويل الاقتصاد الصيني نحو الابتكار والتكنولوجيا، جرى دعم الشركات الناشئة وتشجيع البحث والتطوير، وسُجّل تحقيق تقدمٍ مهمٍّ في مجالات مثل التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. وبناءً على هذا، أدت كل هذه السياسات المعتمدة والجهود الاقتصادية المبذولة إلى تعزيز دور الصين في الاقتصاد العالمي، بل لقد أصبحت الصين أكبر مشتر للسلع العالمية، ومن أهم المصدرين للاستثمار الخارجي.

تطوير التكنولوجيا والابتكار

وحقاً، يتفق متابعون وخبراء على أنه عبر توجيه القيادة الحالية اهتمامها نحو تعزيز الابتكار وبناء اقتصاد مبتكِر، شهدت الصين تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا والابتكار، تمكنت بفضلها من أن تغدو قوة رائدة في مجالات عدة تشمل التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة.

وراهناً، تعدّ الصين ضمن طليعة دول العالم في مجال التكنولوجيا الرقمية، حيث تمتلك شركاتها العديد من الابتكارات في مجال الدفع الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والتطبيقات الذكية. ومن بين أبرز الشركات الصينية الرائدة في هذا المجال «تينسنت»، و«علي بابا». كذلك تُعَد الصين من أبرز الدول التي تستثمر بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير تقنياته وتطبيقاته في مختلف الصناعات، مثل الصحة والتعليم والتصنيع والزراعة، وتعدّ شركات مثل باتا وهواوي من أبرز الشركات الطليعية المتقدمة في هذا المجال.

وبالنظر إلى التزايد الكبير في الطلب على الطاقة والمخاوف المتزايدة بشأن التغير المناخي، ركّزت الصين على تطوير تكنولوجيا الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية النظيفة، وهو ما يعكس التزام البلاد بالتنمية المستدامة.

والى جانب التركيز على التكنولوجيا الحديثة، تعمل الصين أيضاً على تحسين وتطوير الصناعات التقليدية من خلال التبني والتكامل مع التكنولوجيا الجديدة، ما يعزّز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. وكذلك تقوم الحكومة راهناً بدعم الابتكار والبحث العلمي من خلال توفير الدعم المالي والتسهيلات للشركات والمؤسسات البحثية، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار من خلال تطبيق السياسات والحوافز المناسبة.

الرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

مكافحة الفقر وتحسين مستوى المعيشة

ووفق تخطيط القيادة الحالية، وبناء على توجيهاتها، نجحت الصين في تبني العديد من السياسات والبرامج التي تهدف إلى مكافحة الفقر بفاعلية، وتحقيق التنمية المستدامة، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

وفي هذا الصدد، اعتمدت الصين سياسات اقتصادية شاملة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة ومكافحة الفقر، مثل سياسات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الصناعات الحديثة. وأيضاً، اضطلعت الحكومة بتنفيذ برامج اجتماعية وتنموية موجهة لمكافحة الفقر، مثل برنامج الحماية الاجتماعية، وبرنامج الرعاية الصحية الشاملة، وبرنامج الإسكان الاجتماعي، كما شهدت الصين جهوداً كبيرة في تطوير البنية التحتية في المناطق الريفية، مثل بناء الطرق والجسور، وتوفير الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، مما ساهم في تحسين جودة حياة السكان وتعزيز فرص العمل.

ويضاف إلى كل ما سبق، صب الاهتمام على تشجيع الاستثمارات في المناطق الفقيرة، وتقديم الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق مشاريع تنموية تهدف إلى خلق فرص عمل جديدة للمواطنين، مع إيلاء الدولة اهتماماً كبيراً لتحسين جودة التعليم، وتقديم التدريب المهني، بهدف زيادة فرص العمل، وتمكين الفرد وتحسين مستوى المعيشة.

شهدت الصين تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا والابتكار بتوجيه من القيادة الحالية التي تعمل

على بناء اقتصاد مبتكِر

التأثير الدولي والدبلوماسية النشطة

أما على صعيد السياسة الدولية، فإن القيادة الصينية في بكين نجحت في إحداث اختراقات في عدد من مناطق العالم عبر مبادرات لافتة عزّزت دور الصين على الساحة الدولية، حيث أصبحت شريكاً أساسياً في مجالات الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والتنمية المستدامة. وتحت إشراف شي صارت شريكاً بارزاً في مجالات الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والتنمية المستدامة. وأدت الدبلوماسية النشطة والمؤثرة للصين إلى تعزيز التعاون الدولي وتحقيق مكاسب مهمة على المستوى العالمي، وتجلّى هذا بتعزيز الصين التجارة الدولية من خلال شراكات قوية مع دول ومنظمات دولية، وإسهامها في تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، وخلق فرص العمل، والالتزام بتقديم الدعم والمساهمة في جهود التنمية المستدامة على الصعيدين الوطني والدولي. وأبرز المبادرات التي اعتمدتها أو شاركت فيها بكين بغية تعزيز التضامن الدولي والإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، «مبادرة الحزام والطريق»، و«مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة السلام العالمية»، و«مبادرة الحضارة العالمية: مع تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للدول المحتاجة في مختلف أنحاء العالم، مما يعكس التزامها بالتضامن الإنساني والمسؤولية الدولية، وتعزيز القيادة الدولية في مواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ والفقر والأمن العالمي بالشراكة مع الدول الأخرى؛ لإيجاد حلول شاملة ومستدامة.

مبادرات مهمة

«مبادرة السلام العالمية» تعدّ إحدى الأولويات الرئيسة في السياسة الخارجية الحالية للصين؛ إذ تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل حل النزاعات الدولية بوسائل سلمية، والتصدي للتهديدات الأمنية العالمية مثل الإرهاب والتطرف، وتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي. بفضل هذه المبادرة، شاركت بكين بفاعلية في الجهود الدولية لحل النزاعات والأزمات، وساهمت في إرساء قواعد اللعبة الدولية العادلة والمساواة.

ومن خلال «مبادرة التنمية العالمية» تسعى بكين إلى دعم التنمية المستدامة في العالم، وتحقيق الشمولية الاجتماعية والاقتصادية. وتشمل هذه المبادرة توجيه استثمارات هائلة نحو المشاريع التنموية في الدول النامية، وتقديم المساعدات الإنسانية والتقنية، وتبادل الخبرات في مجالات التنمية الزراعية والصحية والبنية التحتية.

وفيما يتعلق بتعزيز التبادل الحضاري والثقافي بين الشعوب بوصفه وسيلةً لتعزيز التفاهم والتسامح العالميين، تشمل «مبادرة الحضارة العالمية» تنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، وتبادل الزيارات الثقافية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب الدوليين، وترويج الفنون والثقافات الشعبية.

أما «مبادرة الحزام والطريق» فتعدّ، بلا أدنى شك، إحدى أبرز المبادرات الاقتصادية والتجارية التي أطلقتها بكين، وهي تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والدول الأخرى. وبفضل هذه المبادرة، تم تنفيذ مشاريع ضخمة للبنية التحتية في العديد من الدول، مما ساهم في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز التجارة والاستثمارات المشتركة.

… التحديات والتطلعات المستقبلية

في المقابل، على الرغم من الإنجازات الهائلة التي تحققت في السنوات الأخيرة، فإنه لا تزال هناك تحديات تستلزم التفكير الاستراتيجي والتصدي لها بحكمة. وتشمل هذه التحديات تحسين البيئة والتصدي لتغير المناخ، ومواجهة التحديات الديمغرافية، وتعزيز الابتكار والابتكار التكنولوجي، ومكافحة الفساد، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على القيم والمبادئ الاجتماعية.

روبوتات تجمع سيارات كهربائية في إقليم جيجيانغ الصيني (رويترز)

حول تطور العلاقات العربية ــ الصينية

> منذ بداية عام 2021، التزمت القيادة الصينية طرح مبادرات وأفكار جديدة تتناول القضايا العربية الرئيسية. وساعد هذا الأمر على فتح الأبواب أمام تنظيم انعقاد «القمة العربية – الصينية الأولى» في ديسمبر (كانون الأول) 2022 في العاصمة السعودية الرياض. وراهناً في أولويات التعامل الصيني مع القضايا السياسية التي تشغل العالم العربي، اعتماد خطة من خمس نقاط الهدف منها تحقيق الاستقرار والأمن الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط، والدفع باتجاه «حل الدولتين» حيال القضية الفلسطينية، وتوليفة مقترحات تضم أربع نقاط لحل الأزمة السورية وتداعياتها. مع ملاحظة أن الأجواء في بكين لا تريد الاكتفاء بالدور الصيني التاريخي إزاء الشرق الأوسط الذي تبلور بعد «مؤتمر باندونغ» في عقد الخمسينات من القرن الماضي، بل وجود حرص استراتيجي على الذهاب أبعد في تعزيز العلاقات مع العالم العربي.الجدير بالذكر أن فاتحة التقدم في هذا الاتجاه كانت عام 2018 على الاتفاق العربي – الصيني على بناء «شراكة استراتيجية»، ومن ثم أثمرت هذه الخطوة «القمة العربية – الصينية الأولى» عام 2022، وكان الأمل وطيداً، ولا يزال، في أن يؤسس هذا الإنجاز إطاراً تنموياً استراتيجياً يربط بين الحضارتين الصينية والعربية والإسلامية.وهنا، توفر مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، من دون أدنى شك، فرصاً مهمة وواعدة للدول العربية، في طليعتها الانفتاح الواسع على استقبال الاستثمارات الصينية في المنطقة. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى مشاريع واسعة النطاق تسبق وتلي المراحل الأولية للمبادرة، والاستثمارات الصينية المباشرة عبر القروض والمنح، ومشاريع النفط والغاز، والتصنيع، والطاقة المتجددة، وعلوم التكنولوجيا الفائقة. وبالتوازي، من تأثيرات المبادرة مجالات تطوير الخدمات التي تقدمها الدولة المشاركة في قطاعات مثل الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والمشاريع التنموية والأمن، ناهيك بإمكانية توفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب في الدول العربية من خلال مختلف مشاريع البنية التحتية والاستثمارية.

* رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني – الصيني/ رئيس معهد طريق الحرير
للدراسات والأبحاث – كونفوشيوس




الانتخابات الهندية ودلالاتها الجيوسياسية داخل النظام العالمي

تمتد التبعات الجيوسياسية للانتخابات الهندية، التي هي الأكبر على الإطلاق في العالم، إلى ما وراء حدود الهند. ومع اقتراب فترة ولاية ثالثة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي، تستحوذ هذه الانتخابات على اهتمام دبلوماسي عالمي؛ نظراً لتداعياتها على الاستقرار الإقليمي والعالمي. وكذلك تزداد أهمية نتائجها في ضوء إلى النفوذ الهندي المتنامي على الساحة الدولية. ولكون الهند الدولة الأولى من حيث عدد السكان في العالم، وواحدة من أكبر أسواقه الاستهلاكية، يرى الخبراء المراقبون أنه عندما يتعلق الأمر بالتحديات الكبرى التي يواجهها العالم كالحرب الروسية – الأوكرانية، وأوضاع الشرق الأوسط الساخنة، وملف الصين وتايوان، بجانب التغييرات المناخية والإرهاب والاقتصاد العالمي، يبدو من الصعب التفكير في حلول لأي من هذه القضايا العابرة للحدود من دون مشاركة فاعلة من الهند.

الانتخابات الهندية 2024 آفاقيبدو فوز رئيس الوزراء الهندي اليميني ناريندرا مودي شبه مؤكد بولاية ثالثة، وهذا الأمر يستوجب فهماً أعمق لأهداف السياسة الخارجية لنيودلهي في الفترة المقبلة، وكيف ترغب في تشكيل العلاقات الدولية وكذلك التحولات الدبلوماسية المحتملة.

وبما يخصّ الحرب الروسية – الأوكرانية ظهر جانبان من مواقف مودي أثناء حملته الانتخابية الأخيرة أمام رئيسي روسيا فلاديمير بوتين وأوكرانيا فولوديمير زيلينسكي. الأول – كما نشر الزعيم الهندي على موقع «إكس» – أنه ناقش موضوع تعزيز شراكة الهند مع البلدين. أما الآخر، فكان عملياً طمأنة الزعيمين إلى أن نيودلهي لا تزال ملتزمة بمساعدة موسكو وكييف على إيجاد حل سلمي للصراع بينهما.

وعلى صعيد الشرق الأوسط، أرسل مودي مستشاره للأمن الوطني، أجيت دوفال، إلى إسرائيل ليبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بأنه لا ينبغي له أن يعتبر دعم الهند له أمراً مفروغاً منه، وناشده ألا يتجاهل الاحتجاجات الدولية المتزايدة على الحملة العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في غزة. وهنا، عبّر المحلل السياسي الهندي ناريش كوشيك، عن اعتقاده بأن مودي، عبْر تناوله صراعين عالميين رئيسيين، «حتى أثناء انخراطه بعمق في حملة الانتخابات العامة في الداخل، يظهر للجميع أنه يتعامل بجدية مع مسؤولية الهند على الساحة الدولية. والأهم من ذلك، أنه يكشف عن أن العالم هو الآخر، يأخذه على محمل الجد، وأن الهند تحت قيادته أصبحت لاعباً عالمياً مهماً».

الجدير بالذكر، هنا، أن الهند كانت القوة الكبرى الوحيدة، التي حافظت على حيادها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا قبل سنتين. وعلى الرغم من العلاقات التاريخية الوثيقة التي لنيودلهي بموسكو، تكلم مودي بنبرة حازمة إلى بوتين في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأخبره أن الوقت ليس مناسباً للحرب؛ الأمر الذي حظي إشادة القوى الغربية على نطاق واسع. وأيضاً، تحترم القيادة الإسرائيلية، آراء مودي، لا سيما وأنه كان أول زعيم غير غربي يدين هجوم جماعة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويعتبره «عملاً إرهابياً».

من جهة ثانية، بفضل تمتع الهند باقتصاد أقوى، أتيحت فرص جديدة ليس فقط لها، بل كذلك للدول الأخرى الراغبة في الاستفادة من سوقها الضخمة. وهذا يتطلّب بالضرورة مناخاً سياسياً مستقراً وصديقاً للأعمال. ولقد وفّر الزعيم الهندي اليميني ذلك. واليوم يُعد الاقتصاد الهندي سبباً بارزاً آخر يدفع العالم لأن يولي اهتماماً وثيقاً بالبلاد. والحقيقة، أن الأمر لا يتعلق بحجم الهند فحسب، بل أيضاً لكون اقتصادها الأسرع نمواً بين اقتصادات الدول الكبرى. ومعلومٌ، أن الحرب في أوكرانيا أثرت سلباً على معظم الاقتصادات الأوروبية، في حين يعاني الاقتصاد الصيني – ثاني أكبر اقتصادات العالم – من تداعيات جائحة «كوفيد – 19».

تنافس موسكو وواشنطن

ناريش كوشيك يرى أن الخلاف الأخير بين الولايات المتحدة وروسيا حول الانتخابات الهندية، «يُعد مؤشراً واضحاً على الأهمية الجيوسياسية لهذه الانتخابات». وكانت واشنطن قد اضطرت أخيراً إلى إعلان رفضها الرسمي كلام الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، بشأن تدخل اميركي مزعوم في الانتخابات الهندية. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميللر، في توضيح للموقف: «لا، بالطبع، نحن لا نقحم أنفسنا في الانتخابات بالهند… كما أننا لا نقحم أنفسنا في الانتخابات بأي مكان في العالم». إلا أن السؤال هنا، هو إذا كان من المتوقع على نطاق واسع أن يفوز مودي، وحزبه «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي، بالانتخابات، فلماذا تستحوذ الانتخابات الهندية على اهتمام دولي واسع النطاق؟

لقد حافظت الهند على صفتها كدولة ديمقراطية منذ الانتخابات الأولى التي شهدتها في الفترة 1951 – 1952، في وجه التحديات الكثيرة التي واجهتها. ومع أن تجربتها ليست خالية من العيوب، فإن الحكومات على مستوى الولايات الهندي، وأيضاً على المستوى المركزي، يجري تغييرها عن طريق الاقتراع. وبناءً عليه؛ تعد الهند الديمقراطية الوحيدة غير الغربية التي أنجزت ذلك مراراً وتكراراً على مر السنين. وعلى الرغم من الانتقادات المتزايدة، لا يزال الدستور في الهند يحظى بالاحترام على نطاق واسع، وتتولى سلطة قضائية مستقلة حماية مواده بقوة.

التحديات أمام مودي في جنوب الهندلقد فرض رئيس الوزراء ناريندرا مودي سيطرة شبه كاملة على الساحة السياسية الهندية منذ صعوده إلى السلطة قبل عشر سنوات، مع استثناء واحد يتمثل بفشل في الفوز في ولايات الجنوب، الأكثر ثراءً في البلاد، التي كانت معقلاً لأحزاب إقليمية أو حزب «المؤتمر». وللعلم، فإن أكبر المكوّنات العرقية – اللغوية في ولايات الجنوب الخمس ذات الغالبية العرقية الدرافيدية، هي: التيلوغو (ولايتا أندرا براديش وتيلانغانا) والتاميل (ولاية تاميل نادو مع أقليات في ولايات مجاورة) والكانادا (ولاية كارناتاكا) والمالايالام (ولاية كيرالا ومقاطعتا لاخشاذويب وبونديشيري).

في ظل هذا الوضع، يواجه حزب «بهاراتيا جاناتا»، الممثل الرئيسي للعرقية الهندية الهندوسية المتركّزة في ولايات ما يسمى «الحزام الهندي»، صعوبات في اختراق معظم الولايات الجنوبية. واليوم يلاحَظ أن حركة «هندوتفا» القومية الهندوسية الهندية – التي تشكّل صلب تأييد حزب «بهاراتيا جانا» – تحاول التخفيف من غلوّ خطابها القومية العرقية الهندية وحدّته – بأمل جذب جمهور أوسع. وفعلاً، ركز مودي اهتمامه وأنظار تحالفه (التحالف الوطني الديمقراطي)، الذي يشكل «بهاراتيا جاناتا» حزبه الأكبر، في هذه الانتخابات… على محاولة اختراق الولايات الجنوبية، ما يشير إلى تحوّل استراتيجي في التواصل السياسي وأولويات الحكم.

والواقع، أن ولايات جنوب الهند الدرافيدية الخمس تشكّل معاً نحو 20 في المائة من إجمالي سكان البلاد، وفيها 30 في المائة من اقتصادها. وهي تعدّ القلب النابض لقطاعي التصنيع والتكنولوجيا الفائقة في الهند (بالأخص مدينتا بنغالور وحيدر آباد). كما تحظى المرأة فيها بتمكين على مستوى فرص التعليم والتوظيف، ولديها تاريخ طويل من السياسات التقدمية، وبالذات ولاية كيرالا.

وفي هذا الصدد، قال الصحافي مونيش شاندرا باندي: «الاندفاع نحو الجنوب لا يقتصر على السياسة الداخلية، بل يحمل كذلك أهمية جيوسياسية. فمع تزايد نفوذ الصين في منطقة المحيط الهندي، يكتسب الخط الساحلي الجنوبي أهمية استراتيجية متزايدة. وبالتالي، من شأن تعزيز النفوذ داخل الولايات الجنوبية، خاصة تاميل نادو، منح الهند ميزة استراتيجية في مجالي الأمن البحري والتعاون الإقليمي». وفعلاً، خلال الحملة الانتخابية، زار مودي أكثر من 12 مرة ولايات الجنوب خلال الأسابيع القليلة الماضية، في محاولة لتحسين حظوظ حزب «بهاراتيا جاناتا» في الجنوب، حيث تعرّض هذا الحزب لتجاهل كبير حتى عام 2019، عندما تجاوز حاجز 300 في الـ«لوك سابها» (مجلس النواب). مع ذلك، فإن جهود رئيس الوزراء لاختراق الجنوب لا تخلو من تحديات ومصاعب. ولا شك، أن التنوع اللغوي والثقافي، والهويات الإقليمية الراسخة، والانتماءات السياسية التاريخية، عقبات جّديّة أمام طموحات حزب عرقي هندوسي متشدد مثل «بهاراتيا جاناتا». ثم أن معالجة القضايا والحساسيات الخاصة في كل ولاية تتطلب اتباع نهج دقيق ومرن.

قادة حزب المؤتمر المعارض (من الشمال إلى اليمين) سونيا غاندي وماليكارجون خارج وراهول غاندي يحملون بيانات انتخابية (آ ب)

الجغرافيا السياسية لسياسة «هندوتفا»

راهناً، يُنظر إلى ناريندرا مودي، على نطاق واسع، باعتباره رمز «هندوتفا» في الهند، خاصةً أن سياساته تهدف إلى تعزيز مكانة الغالبية الهندوسية في بلد تشكّل فيه نحو 80 في المائة من السكان. إذ يقول منتقدو مودي وحزبه إن حكمه عزّز عودة ظهور «هندوتفا»، تلك الآيديولوجية القومية المتشددة التي تقوم على الإيمان بوجوب أن يكون للهندوس السيطرة الكاملة على الهند. واليوم، تدخل الهند هذه الانتخابات في ظل حالة من الاستقطاب والانقسام العميقين.

وما يُذكر أنه في وقت سابق من السنة، دشّن مودي معبد «هندو رام» في مدينة أيوديا، في الموقع حيث كان يقوم المسجد البابري التاريخي، ولقد شكّل هذا الحدث المستفز لمشاعر الأقلية المسلمة الانطلاقة غير الرسمية لحملة الانتخابات العامة لـ«بهاراتيا جاناتا»؛ إذ ألهب بناء المعبد على أنقاض المسجد المشاعر القومية الهندوسية في جميع أنحاء البلاد… وطبعاً قاد «بهاراتيا جاناتا» الاحتفالات. وفي المقابل، قاطع حزب المعارضة الرئيسي، حزب «المؤتمر الوطني الهندي»، الاحتفال، متهماً «بهاراتيا جاناتا» بتسييس الدين، علماً بأن نحو 200 مليون مسلم يعتبرون الهند وطنهم، وهؤلاء يشكلون ثالث أكبر مجتمع من المسلمين في العالم، وتحمل رفاهيتهم واهتماماتهم تبعات جيوسياسية.

دور مودي… شخصياً

وفي تجمع انتخابي عُقد في فترة قريبة، أشار مودي إلى المسلمين باعتبارهم «متسللين» و«أولئك الذين لديهم عدد أكبر من الأطفال»، كما حذّر من أن حزب «المؤتمر» المعارض سيعيد توزيع ثروة البلاد على المسلمين. وفي سياق التحريض العدائي المكشوف، نشر «بهاراتيا جاناتا» ايضاً مقطع فيديو بالرسوم المتحركة يزعم أن حزب «المؤتمر» سينتزع ثروات غير المسلمين ويوزّعها على المسلمين، الذين شبّههم بـ«الغزاة والإرهابيين واللصوص». وبعد أيام، اتهم مودي حزب «المؤتمر» بالدعوة إلى «جهاد التصويت»، وهي «نظرية مؤامرة» قديمة لطالما روّج لها القوميون الهندوس. وعليه، تقدمت أحزاب المعارضة بشكوى ضد مودي، لدى لجنة الانتخابات الهندية. وبالفعل، أزيل الفيديو.

هذا، ويقول زعماء بالمعارضة ومعلقون سياسيون إن رئيس الوزراء مودي ومعه ساسة من حزبه يواصلون نشر الكراهية الصارخة للإسلام والمسلمين. وقد انتقدوا لجنة الانتخابات صراحة لتأخرها باتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. ومن جانبهم، يشعر زعماء مسلمون بالقلق إزاء المسلمين بتمثيل كافٍ داخل البرلمان الهندي. وتكشف الأرقام عن أن هناك 27 نائباً مسلماً فقط في مجلس النواب المؤلف من 543 مقعداً في البرلمان، وليس بين هؤلاء أي نائب من نواب «بهاراتيا جاناتا» البالغ عددهم 310 نواب.في هذا الصدد، قال ضياء الإسلام، وهو مؤلّف كتاب عن المسلمين في الهند، إن المسلمين «وضعوا ثقتهم على مدى عقود في الأحزاب العلمانية؛ ما أسفر عن غياب حاد للقيادة الإسلامية». وفي ظل رئاسة مودي للوزراء، أصبحت سياسة «هندوتفا» جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي – القانوني – السياسي في الهند. وعلى المستوى الوطني، تضمن ذلك إلغاء وضع الولاية لكشمير، التي كانت سابقاً الولاية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة في الهند. وكذلك طبّقت الحكومة قانون الجنسية المثير للجدل، الذي يتهمه معنيون بحقوق الإنسان بالتمييز ضد المسلمين، وهو يمنع المسلمين المضطهدين (وحدهم بين الأقليات الدينية الأخرى، بما فيها الأقليات المسيحية) في البلدان المجاورة من طلب اللجوء في الهند. وقد أثار هذا في السابق احتجاجات على مستوى البلاد عام 2019.

فرض ناريندرا مودي سيطرة شبه كاملة على الساحة السياسية الهندية

منذ صعوده إلى السلطة قبل عشر سنوات

مع استثناء واحد يتمثل في فشله بالفوز

في ولايات الجنوب

طابور ناخبين أمام أحد مراكز الاقتراع (آ ف ب)

تأثير الشتات الهندي على الانتخابات

> مع وجود نحو 18 مليون هندي يعيشون في الخارج، فإن الهند لديها أكبر جالية خارج أراضيها في العالم. ويعتبر الهنود غير المقيمين – أولئك الذين ما زالوا يحملون جوازات سفر هندية، لكنهم يعيشون في الخارج – مؤهلين للتصويت في الانتخابات. وكشفت تقارير إعلامية، عن أن كثيرين منهم سافروا جواً إلى الهند للتصويت؛ لأن التصويت الإلكتروني أو التصويت بالوكالة لم يُتح لهم بعد. وبشكل عام، تتمتع قوة الشتات الهندية الضخمة بأهمية جيوسياسية كبيرة في الانتخابات. وحسب المحلل السياسي مانيش شيبر، فإن «الشتات الهندي يمثل مجتمعاً كبيراً، ويشكل قوة متنامية لحشد الدعم في الداخل والخارج. وتنخرط الغالبية في أربعة مواضيع واسعة عندما يتعلق الأمر بالحملات الانتخابية: جمع الأموال للأحزاب السياسية، وتوفير الخدمات الفنية حول كيفية إدارة حملة فعالة، والتطوع لحملات التعبئة على الأرض في الهند، وممارسة الضغط. وخبرتهم تعني أنهم قادرون على توفير دفعة إضافية للحملات الانتخابية». مثلما كانت الحال داخل الهند، كان حزب «بهاراتيا جاناتا» الأكثر منهجية ونجاحاً هنا مقارنة بمنافسيه. ولذا؛ يعتبر هذا الشتات بمثابة سلاح سرّي لمودي، وإذا فاز بولاية ثالثة – كما يبدو مرجّحاً – فإن جزءاً من الفضل وراء ذلك سيعود إلى الشتات. والملاحظ أنه على امتداد السنوات العشر الماضية، حرص مودي على التودّد إلى المغتربين الهنود، وعقد تجمّعات حاشدة في دول منها الولايات المتحدة، وبريطانيا وأستراليا والعديد من الدول الأوروبية وشرق الأوسطية، حضرها الهنود بكثافة.ويعتقد عدد من محللي استطلاعات الرأي أنه خلال الفترة التي سبقت الانتخابات العامة لعام 2024، عاد ما يقدر بنحو 10 آلاف من مجموعة «أصدقاء حزب بهاراتيا جاناتا» في الخارج إلى الهند، للمشاركة في حملات على الأرض.

مودي أمام التداعيات الجيوسياسية لقمع المعارضة

> خلال في الفترة السابقة للانتخابات، اعتقل المسؤول الأول عن دلهي، أرفيند كيجريوال، على خلفية قضية تتعلق بالمشروبات الكحولية. وبعد أسابيع من الاعتقال، أمرت المحكمة العليا بإطلاق سراحه بكفالة. ولقد اتهم حزب «المؤتمر» المعارض، حكومة مودي اليمينية بتدمير قدرته على تنظيم حملات انتخابية، بسبب تجميد حساباته المصرفية في خضم نزاع ضريبي يعود للعام 2018 – 2019. واليوم، يمثّل حزبا «آم أدامي» و«المؤتمر» جزءاً من كتلة المعارضة الرئيسية في البلاد، في مواجهة مودي و«التحالف الوطني الديمقراطي» الذي يقوده. وأيضاً ألقت مديرية الإنفاذ القبض على هيمانت سورين، المسؤول الأول السابق عن ولاية جهارخاند، وعضو حزب المعارضة «جهارخاند موكتي مورتشا»، بناءً على اتهامات بموجب قانون مكافحة غسل الأموال، ولا يزال في السجن. وفي ضوء ذلك، انتقدت الولايات المتحدة وألمانيا الحكومة الهندية بسبب «قمع المعارضة». كذلك تناولت الأمم المتحدة عبر تصريحات مسؤوليها هذه الحملة ضد المعارضة.ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، قال إن الوزارة تتابع عن قرب التقارير الواردة عن اعتقال كيجريوال. وأكد، رداً على استفسار عبر البريد الإلكتروني حول هذه القضية: «نحن نشجع على إجراء عملية قانونية عادلة وشفافة وفي الوقت المناسب لكيجريوال». وجاءت التصريحات الأميركية بعدما أثارت تصريحات مماثلة من ألمانيا انتقادات من نيودلهي، التي استدعت مبعوث ألمانيا للاحتجاج على تصريحات حكومته.أما وزارة الخارجية الهندية، فادعت أن «العمليات القانونية في الهند تقوم على سلطة قضائية مستقلة ملتزمة بالنتائج الموضوعية وفي الوقت المناسب». وتابعت: «في الدبلوماسية، يُتوقع من الدول أن تحترم سيادة الدول الأخرى وشؤونها الداخلية. وتتجلّى هذه المسؤولية بشكل أكبر في حالة الديمقراطيات الشقيقة. وإلا قد ينتهي الأمر إلى إرساء سوابق غير صحية».

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط




سايمون هاريس… أصغر زعيم في تاريخ آيرلندا…أحد الثلاثي الأوروبي الداعم لقيام دولة فلسطين

طرح الإعلان «الثلاثي» من حكومات النرويج وإسبانيا وجمهورية آيرلندا عن قرارها كل على حدة بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين علامات استفهام في الأوساط السياسية الداعمة لإسرائيل والمناوئة للقضية الفلسطينية إلا أنه حظي بترحيب واسع في الضفة المقابلة والواقع أن هذا الموقف جاء مبنياً على سلسلة مواقف اعتراضية اتخذتها تباعاً بصورة تصعيدية الدول الأوروبية الثلاث منذ حوّلت «حكومة الحرب» الإسرائيلية «الردّ» على عملية «طوفان الأقصى» التي شنّتها حركة «حماس» على غلاف قطاع غزة إلى حرب تهجير وتدمير مفتوحة راح ضحيتها أكثر من 35 ألف قتيل ومئات ألوف المصابين ناهيك من تحويل مدن القطاع ومؤسساته إلى أنقاض

في ما يخصّ مواقف جمهورية آيرلندا من حرب تهجير قطاع غزة، صدر أول موقف من رئيس الحكومة السابق الدكتور ليو فارادكار في ديسمبر (كانون الأول) الماضي خلال قمة الاتحاد الأوروبي، عندما طالب زملاءه القادة الأوروبيين بتبني موقف حازم باتجاه فرض وقف حرب غزة.

وأضاف فارادكار أن الاتحاد «فقد صدقيته بسبب عجزه عن أخذ موقف أكثر قوة وحدّة» إزاء ما يحدث في غزة. وغمز من قناة «ازدواجية المعايير»، قبل أن تتضامن آيرلندا مع إسبانيا وبلجيكا ومالطا في المطالبة بمناقشة جدية للأمر في ظل تفاقم الوضع الإنساني في القطاع.

بعد ذلك، في مارس (آذار) الماضي، صعّد فارادكار مواقفه في مستهل جولته الأميركية، عندما قال: «إن قتل أعداد هائلة من أطفال غزة سيقضّ مضاجع العالم إذا ظل صامتاً في وجه العقاب الجماعي المستمر الذي تمارسه إسرائيل». واستنكر بشدة في كلمة له بمدينة بوسطن قائلاً: «حياة الطفل هي أكبر النعم على الإطلاق. الطفولة يجب أن تكون نعمة. لكن اليوم في غزة بالنسبة لكثيرين نراها حكم إعدام ونقمة». ثم كرّر مواقفه المطالبة بوقف كامل وفوري للحرب بعد أيام قليلة خلال لقائه بالرئيس جو بايدن في البيت الأبيض.

إلا أن فارادكار استقال من منصبه خلال فترة قصيرة من عودته إلى بلاده لـ«أسباب خاصة» أثير حولها لغط. وعلى الإثر، انتخب حزب «فين غايل» الحاكم النائب والوزير الشاب سايمون هاريس خلفاً له في قيادة الحزب ورئاسة الحكومة.

هاريس (37 سنة) قُيض له بالأمس أن يكمِل ما مهّد له سلفه، وأن يكون الزعيم الآيرلندي الذي يعلن اعترف بلاده رسمياً بدولة فلسطين.

من هو هاريس؟

ولد سايمون هاريس يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1986 في بلدة غرايستونز، وهي منتجع على الساحل الشرقي للجزيرة الآيرلندية، في مقاطعة ويكلو، الواقعة إلى الجنوب من العاصمة دبلن. وبهذه المقاطعة ارتبطت حياته السياسية منذ شقّ طريقه في عالم السياسة عام 2009.

سايمون هو الابن الأكبر بين 3 أولاد (صبيان وبنت) لعائلة بارت وماري هاريس. ولقد تلقى تعليمه في إحدى مدارس غرايستونز الثانوية، وفيها لمع في التمثيل، وأعد مسرحية وهو ابن 13 سنة. وحين بدأ شغفه بالسياسة في سن الـ15 سنة، تواءم هذا الشغف مع تعاطفه مع ذوي الحاجات الخاصة عندما أسس رابطة تهدف لمساعدة أهالي الأطفال المُعانين من إعاقتي التوحّد ونقص التركيز، وللعلم فإن شقيقه هو ممّن يعانون من التوحّد. وكذلك كان من اهتمامات تلك الرابطة التواصل مع الشخصيات السياسة ودفعها إلى دعم هؤلاء المعانين والمحرومين وتأمين تعليم الأطفال منهم.

وبما يخص حياة هاريس الأسرية، فإنه متزوّج من كوفه ويد، وهي ممرضة في قسم أمراض القلب، ولديهما صبي وبنت. وعلى الصعيد الشخصي، فإنه يعاني من «مرض كرون» (الالتهاب المزمن في الجهاز الهضمي).

التعليم… والانطلاقة السياسية

أما بالنسبة لدراسته الجامعية، فإنه بدأ في تخصص الصحافة والأدب الفرنسي في معهد دبلن للتكنولوجيا، غير أنه لم يتابع، بل غادر الدراسة في السنة الثانية، ليركّز مسيرته على السياسة. وبالفعل، في انتخابات عام 2002، نشط سايمون هاريس ضمن صفوف حزب «فيانا فويل» (قومي على يمين الوسط)، إلا أنه انتقل خلال سنة واحدة إلى حزب «فيني غايل» (يمين ليبرالي) وانتخب في تنظيمه الشبابي.

وفي حزبه الجديد، بدأ عام 2008 رحلته مساعداً لزميلته الوزيرة المستقبلية فرانسيس فيتزجيرالد عندما كانت عضواً في مجلس الشيوخ (أحد مجلسي البرلمان). وفي العام التالي، خلال الانتخابات المحلية، انتخب عضواً في المجلس المحلي لمقاطعة ويكلو، وكان لافتاً أنه حصل على أعلى نسبة تأييد بين كل أعضاء المجالس المنتخبة على امتداد آيرلندا، كما انتخب عضواً في بلدية غرايستونز.

من البرلمان إلى الوزارة

عام 2011، انتخب هاريس، وهو لا يزال في الرابعة والعشرين من العمر نائباً في مجلس النواب الآيرلندي عن ويكلو… وكان يومذاك أصغر نواب البرلمان سناً. وفي مجلس النواب صقل خبراته عبر شغله مهاماً في بعض اللجان البرلمانية المتخصصة، ومنها الاقتصاد والصحة.

وفي عام 2014، خطا هاريس خطوة كبيرة أخرى عندما عيّن وزير دولة في وزارة المالية. وتسارع الصعود عندما رقّي عام 2016، في أعقاب تشكيل حزب «فيني غايل» حكومة أقلية، ليصبح وزيراً للصحة، ولاحقاً، مع تشكيل الحكومة الائتلافية عام 2020 انتقل من وزارة الصحة ليتولى وزارة التعليم الإضافي والعالي والبحث والابتكار والعلوم. ومن ثم تولى أيضاً بصفة مؤقتة حقيبة وزارة العدل بين ديسمبر 2022 ويونيو (حزيران) 2023 عندما حصلت زميلته الوزيرة هيلين ماكينتي على إجازة أمومة.

رئيساً في سن الـ37

وأخيراً، بعد الاستقالة المفاجئة لفارادكار يوم 20 مارس الماضي، دُعي حزبه «فيني غايل»، وفق التدابير المألوفة والمتبعة لانتخاب زعيم جديد، مع العلم أن الزعيم المستقيل تعهّد بالتخلي عن رئاسة الحكومة فور انتخاب خلف له على قمة الحزب. وفي اليوم التالي، فتح باب الترشيح إلا أنه بحلول بعد ظهر ذلك اليوم كان أكثر من نصف عدد أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب قد أعلنوا تأييدهم لاختيار سايمون هاريس، وأبعد كل وزراء الحزب أنفسهم عن المنافسة. وهكذا صار هاريس المرشح الوحيد، وبالتالي الزعيم الفعلي بالتزكية، يوم 24 مارس الذي كان قد حُدد كمهلة أخيرة لقبول الترشيحات، خلال اجتماع رسمي للقيادة الحزبية في اليوم ذاته، عقد بمدينة آثلون بشمال وسط البلاد. ومن ثم يوم 9 أبريل (نيسان) بعد عطلة عيد الفصح الماضي، عيّن رسمياً بصفته زعيم الحزب الحاكم رئيساً جديداً للحكومة وهو لا يزال في السابعة والثلاثين من العمر… وبذا بات رئيس الحكومة الأصغر سناً في تاريخ البلاد.

حزب «فيني غايل» في سطور

> حزب «فيني غايل» (أي العشيرة أو الأمة الآيرلندية) حزب يميني ليبرالي مسيحي التوجهات، يمتلك اليوم ثالث أكبر عدد من المقاعد داخل مجلس النواب الآيرلندي وأكبر تمثيل نيابي آيرلندي في البرلمان الأوروبي.

> أسس يوم 8 سبتمبر (أيلول) 1933 من اندماج 3 جماعات نشطت إبان النضال الاستقلالي عن بريطانيا، أيّد أعضاؤها «الاتفاقية الأنجلو آيرلندية» إبان النزاع الأهلي الآيرلندي بين الاستقلاليين المعتدلين والمتشددين، وعدّ هؤلاء أنفسهم مناصرين للزعيم الراحل المعتدل مايكل كولينز الذي اغتاله رافضو «الاتفاقية».

> بعد الاستقلال تناوب الحزب مع حزب «فيانا فويل» الأكثر تشدداً قومياً، والذي انشق مثله، تحت قيادة زعيمه البارز إيمون دي فاليرا، عن حزب «شين فين» أقدم القوى الاستقلالية.

> اضطر للتحالف غير مرة مع حزب العمال الآيرلندي (يسار الوسط) في ائتلافات حكومية ضد «فيانا فويل»، وخرج منهم زعماء بارزون، من أهمهم ليام كوسغريف (ابن وليم توماس كوسغريف أول رئيس للمجلس التنفيذي لدولة آيرلندا الحرة)، وجون كوستيللو، والدكتور غاريث فيتزجيرالد، والدكتور ليو فارادكار، أول رئيس من أصل هندي يتولى السلطة في آيرلندا.

صحيفة الشرق الاوسط




التطرّف اليميني الأوروبي من الهامش… إلى قلب الساحة السياسية

يشهد العالم -وأوروبا خصوصاً- منذ سنوات مساراً سياسياً دؤوباً لتشكيل «تحالف» دولي يضمّ كوكبة غير متجانسة من القوى والأحزاب القومية والشعبوية والمتطرفة والمناهضة للفكر الليبرالي تناصب العداء لكل ما هو يساري أو تقدمي، وهدفها الانقضاض على مراكز السلطة على الصعيد العالمي.

لقد حدد هذا «التحالف» هدفه المقبل في انتخابات البرلمان الأوروبي المقرّر أن تبدأ في السادس من الشهر الحالي وتستمر حتى التاسع منه. ويتوقع كثيرون أن تكون نتائجها حاسمة في رسم معالم الطريق التي سيسلكها الاتحاد في السنوات الخمس المقبلة عبر عدة محطات مفصلية.

من هذا المنطلق كان انعقاد «المنتدى» الذي نظّمه حزب «فوكس» Vox الإسباني بنهاية الأسبوع الماضي في مدريد ليكون منصة انطلاق حملته الانتخابية للبرلمان الأوروبي بمشاركة قيادات اليمين المتطرّف في بلدان الاتحاد… من المجري فيكتور أوربان والإيطالية جورجيا ميلوني إلى البولندي ماتيوش مورافيسكي والفرنسية مارين لوبان والبرتغالي آندريه فنتورا. وبجانب هؤلاء سجّل حضور لافت لوزير الشتات الإسرائيلي وعدد من أعضاء الحزب الجمهوري الموالين لدونالد ترمب، والرئيس الأرجنتيني خافير ميلي الذي أمضى ثلاثة أيام في مدريد من غير أن يطلب مقابلة العاهل الإسباني فيليبي السادس أو رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز الذي تسببت تصريحاته حول قرينته التي وصفها بـ«الفاسدة» بأزمة دبلوماسية بين البلدين ما زالت تتفاعل إلى اليوم.

ميلوني (رويترز)

«المنتدى» أظهر كيف أن هذه المجموعة غير المتجانسة من القوى السياسية «حيّدت» نقاط التباين والاختلاف بينها، وأعطت الأولوية للهدف الذي يجمع بينها في هذه المرحلة، أي: كسر الحواجز الفاصلة بين الأحزاب اليمينية المحافظة وتلك اليمينية المتطرفة للوصول إلى السلطة وفرض برنامجها السياسي بعد الانتخابات المقبلة، فضلاً عن إعلان «المانيفست اليميني المتطرف» تحت شعار «صون الهوية الوطنية وسيادة الدول الأعضاء»، والتعاقد الباطني لإدارة ملف الهجرة غير الشرعية، كما فعلت بريطانيا في رواندا، أو إيطاليا في ألبانيا، وهولندا بعد فوز خيرت ويلدرز، وإعادة النظر في «الميثاق الأوروبي الأخضر».

جمع «المنتدى»، الذي نظمه «فوكس» في مدريد/ جميع الأحزاب التي تنادي جهراً بالحفاظ على «نقاء العرق الأوروبي» الأبيض والمسيحي، الذي شكّل -إلى جانب نهمها للسلطة- القاسم المشترك الذي سمح بإبطال مفاعيل التناقضات الكثيرة بين أطيافها. وإلاّ، فكيف يمكن تفسير هذا التحالف بين العائلات السياسية التي تنهج سياسة أطلسية في «حرب أوكرانيا» مثل ميلوني أو حزب القانون والعدالة البولندي… وتلك التي لا تخفي تعاطفها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثل مارين لوبان وماتيو سالفيني وفيكتور أوربان. أو كيف يمكن تفسير التناقضات الداخلية مثل مطالبة البرتغالي آندريه فنتورا زعيم حزب «شيغا» العنصري الذي يطالب بوقف «المدّ الإسلامي والمسلم لإنقاذ مستقبل حضارتنا»، بينما تهاجم هذه الأحزاب «مناهضة السامية» المزعومة ضد اليهود رغم سجلها الحافل بمعاداة السامية.

لقد كان «منتدى» مدريد موعداً مع ظاهرة معقدة ومتنامية، متعددة الأوجه ومثيرة للقلق، جمعت بين الفاشيين الجدد والديماغوجيين والشعبويين. وتمكنت من نسج شعارات بسيطة في سردية متماسكة ترسّخ وتتفاعل بسهولة مع المخاوف التي تثيرها التحديات المعاصرة.

فيلدرز (رويترز)

لكن ما يبعث أكثر على القلق، هو أن هذا التماسك في مواقف اليمين المتطرف -برغم تبايناته- يقابله ارتباك وبلبلة في أوساط اليمين المحافظ الذي ما زال يتلعثم في تحديد معالم أوروبا التي يريد… ومع من يريد بناءها. فجميع الاستطلاعات التي نشرت حتى اليوم تشير إلى صعود القوى اليمينية المتطرفة في انتخابات البرلمان الأوروبي بعد أسبوعين، رغم الانتكاسات التي أصابت بعضها أخيراً كما في بولندا علـى سبيل المثال.

اليوم ترجح التوقعات أن يفوز اليمين المتطرف بالمركز الأول في إيطاليا وفرنسا وهولندا والمجر والنمسا، وأن يحلّ ثانياً في ألمانيا، وأن يحصل على ما يزيد عن 180 مقعداً من أصل 720.

مثل هذه النتيجة تعطي اليمين المتطرف قدرة فاعلة على التأثير في الولاية الاشتراعية الأوروبية المقبلة التي من المقرر أن تبتّ عدداً من المشاريع والملفات المفصلية في الاتحاد. وسيكون في مقدورها مثلاً إبطاء الانتقال إلى «الاقتصاد الأخضر»، أو الميثاق الأوروبي الجديد حول سيادة القانون، أو توسعة الاتحاد نحو بلدان أوروبا الشرقية، وفي المقابل الدفع باتجاه سياسة أكثر تشدداً في ملف الهجرة.

وليس مستبعداً في ظروف كهذه تعثّر الدعم الأوروبي لأوكرانيا، خاصة، بعد علامات التردد، والوهن الذي ظهرت عليه في الآونة الأخيرة، أو في الموقف الأوروبي من الحرب على غزة، الذي دخل مرحلة جديدة بعد اعتراف إسبانيا والنرويج وآيرلندا بالدولة الفلسطينية.

صحيفة الشرق الاوسط