1

اختيار هاريس قد لا يكفي لتجنيب الديمقراطيين الهزيمة

هل نجح انسحاب الرئيس الأميركي جو بايدن من سباق الرئاسة في تجنيب الديمقراطيين هزيمة… كانت تتجمع نُذُرها حتى من قبل «مناظرته الكارثية» مع منافسه الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب بكثير؟ الإجابة عن هذا السؤال، لا يختصرها الإجماع السريع الذي توافقت عليه تيارات الحزب لدعم كامالا هاريس، نائبة الرئيس الحالية. ذلك أن الصعوبات التي يواجهها الديمقراطيون، والأزمات التي لم يتمكنوا بعد من ابتكار الحلول لها، أكبر من أن يحتويها استعاضتهم عن مرشح مسنّ ضعيف وغير ملهم، بمرشحة شابة ملوّنة. ولكن مع ذلك، يبدو أن الديمقراطيين مقتنعون الآن بأنه باتت لديهم الفرصة لإعادة تصوير السباق على أنه تكرار لهزيمة مرشح «مهووس بالغرور والانتقام»، في حين يعيد خصومهم الجمهوريون تشكيل سياسات حزبهم، وفق أجندة قد تغير وجهه ووجهة أميركا، التي عدّها البعض، «دعوة للعودة إلى الوراء».

في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية، ثمة انزياح الجمهوريين إلى سياسات انعزالية خارجياً وحمائية اقتصادية داخلياً، معطوفة على سياسات اجتماعية يمينية متشددة، قد يكون من الصعب إقناع بعض الشارع بخطورتها. وفي المقابل، ما لم يقدم الديمقراطيون حلولاً للمشاكل التي أبعدت ولا تزال تبعد، شريحة واسعة من أبناء الطبقة العاملة إلى التصويت مرتين لمصلحة دونالد ترمب، فإنهم سيفقدون السيطرة على حملتهم.

الأمر لا يقتصر على أفراد الطبقة العاملة البيضاء الذين غادروا الحزب الديمقراطي بأعداد كبيرة خلال العقود الأخيرة، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن ترمب يُعد لاجتذاب الناخبين السود واللاتينيين من الطبقة العاملة بنسب تاريخية محتملة. ومع اعتناق ترمب ومرشحه لمنصب نائب الرئيس، جي دي فانس، لسنوات، سياسات «شعبوية» فإنهما سعيا أيضاً إلى استخدام حتى بعض الانتقادات «التقدمية» للسوق الحرة، ولو كانا سيخدمان الأثرياء في نهاية المطاف.

ترمب يهاجم هاريس خلال مهرجان انتخابي في ولاية نورث كارولينا (آب)

ولاغتنام هذه الفرصة، قد يفكر الديمقراطيون في قراءة كيف تمكّن حزبهم من التعافي من الأزمات الخطيرة في ماضيهم. ومعلوم أنه في حين كانت الانتخابات الماضية تدور حول السياسات، وليس التدهور الذهني للمرشحين والتشكيك بقدرتهم على الفوز، كما كان الحال مع بايدن في هذه الانتخابات، فإنهم لم ينجحوا إلا عندما قدّموا أجندة اقتصادية، تروّج لرأسمالية أكثر أخلاقية وأقل ضراوة وقسوة.

توحد حول «أجندة تقدمية»يقول مايكل كوزين، أستاذ التاريخ في جامعة جورجتاون، إنه منذ القرن التاسع عشر، لم ينجح الديمقراطيون في قلب هزائمهم، إلّا بعد توحيد صفوفهم خلف أجندة، قدمت مساراً مختلفاً لمعالجة الأزمات، من «الكساد الكبير» إلى التصدي للعنصرية، وكسر الخطاب الشعبوي – الذي هدف إلى كسب تأييد المزارعين وعمال المناجم – ومن ثم طرحوا حلولاً بشأن العمل والضمانات الاجتماعية والصحية والمال.

في العشرينات من القرن الماضي، دارت أزمة الديمقراطيين حول قضايا الثقافة والعِرق بدلاً من تحديد من فاز ومن خسر فيما كان آنذاك اقتصاداً مزدهراً. ولقد تطلب الأمر أسوأ كساد في تاريخ البلاد، لإعطاء الديمقراطيين الفرصة لوضع هذه الاختلافات وراء ظهورهم. وعام 1932، تحت قيادة فرانكلين روزفلت، فازوا بغالبية كبيرة في الكونغرس وأنشأوا أكبر توسع في السلطات المحلية للحكومة الفيدرالية في تاريخ الولايات المتحدة.

وبعدها، في عام 1968، بدا أن انسحاب ليندون جونسون من السباق أشبه بانسحاب جو بايدن هذا العام… إذ كان الرجلان يخطّطان للترشح لإعادة الانتخاب، لكن المعارضة الشرسة داخل حزبهما أثنتهما عن ذلك. واليوم، كما حصل سابقاً، أخذ نائب الرئيس مكانه على رأس القائمة. غير أن معارضة عودة جونسون كانت بسبب أكثر أهمية بكثير من القلق بشأن أداء الرئيس في مناظرة، أو على قدراته الجسدية والمعرفية التي قسا عليها الزمن. كان الخلاف يومذاك حول «حرب فيتنام» يقسم الديمقراطيين، والأميركيين عموماً، وهو ما أدى إلى خسارتهم أمام الجمهوريين وفوز المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون.

اصطفاف التيار التقدمياليوم، باستثناء الحرب في غزة، وانتقاد التيار التقدمي لإسرائيل، فإن الديمقراطيين متّحدون بشكل ملحوظ حول القضايا التي ركّز عليها بايدن في حملته الانتخابية. وبدا أن تمسك هذا التيار به والاصطفاف اليوم وراء نائبته كامالا هاريس، دليل على إجماع على أن «خطر» إدارة ترمب أخرى قد طغى على استيائه منهما. وفي غياب أي استثناءات تقريباً، يتفق ممثلوهم مع أعضاء الحزب في مجلسي الشيوخ والنواب، على تشجيع العمال على تشكيل النقابات ويريدون القيام باستثمارات جادة في مجال الطاقة المتجددة، ويؤيدون بالإجماع زيادة الضرائب على الأغنياء وتسليح أوكرانيا.

بيد أن تغير موقف «التيار التقدمي» بشأن هاريس – التي لطالما تعرضت للانتقادات منه – يعكس إلى حد كبير الديناميكيات السياسية المتغيرة داخل الحزب الديمقراطي نفسه. وحقاً، منذ التراجع المطّرد لدور اليساري المخضرم بيرني ساندرز وتحوّله إلى شيء من الماضي، وكون النجوم التقدميين مثل النائبة ألكساندريا أوكازيو كورتيز، ما زالوا أصغر من أن يتمكنوا من الترشح للرئاسة، لا يوجد بديل واضح عند هذا التيار. وأيضاً، مع تهميش أولويات «التقدميين» التشريعية السابقة كالتعليم الجامعي المجاني والرعاية الصحية الشاملة، واستمرار تعثر القضايا الحالية كالحرب في غزة من دون نهاية واضحة، تقلصت فرص «تيارهم» في لعب دور أكبر داخل الحزب.

ولكن إذا أعطى انسحاب بايدن الديمقراطيين فرصة لإحياء حظوظهم فيما بدا لفترة وكأنه سباق خاسر، فإنه قد لا يفعل ذلك الكثير لمعالجة الأزمة الأعمق التي واجهوها منذ أعاد ترمب تشكيل الحزب الجمهوري.

الديمقراطيون تجنّبوا الانقسامفإجماع الديمقراطيين على الدفع بكامالا هاريس خياراً لا بد منه، قد يكون جنبهم على الأقل خطر الانقسام. ورغم كونها خطيبة مفوهة، على خلفيتها بوصفها مدعية عامة وسيناتوراً سابقاً عن كاليفورنيا – كبرى الولايات الأميركية وأهمها – يظل العديد من الأميركيين ينظرون إليها على أنها «ليبرالية» و«تقدمية» تهتم بشدة بالحقوق الإنجابية والتنوع العرقي. وهم أيضاً يأخذون عليها أنها لم تظهر، حتى الآن على الأقل، قدرتها على التواصل بالقوة نفسها مع ناخبي الطبقة العاملة الذين يعتقدون أن لا الحزب الديمقراطي ولا الحكومة أظهرا الاهتمام نفسه بمشاكلهم الاقتصادية… وخوفهم من أن حياة أطفالهم قد تتعرض للخطر.

واستناداً إلى استطلاعات رأي تشير منذ عدة سنوات إلى أن أغلب الناس يعتقدون أن الولايات المتحدة «تسير على المسار الخطأ»، استخدم جي دي فانس، نائب ترمب، هذه المخاوف التي عرضها في كتابه «مرثية هيلبيلي» لتصعيد الخطاب الشعبوي، الذي عدّه البعض دعوة إلى إعادة عقارب الزمن عبر إحياء الصناعات المنقرضة، بدلاً من الاستثمار في المستقبل.

صعود المظالممع هذا، إذا اكتفت هاريس بالترويج والدفاع عن إنجازاتها وبايدن فقط، فقد تفشل في معالجة هذه المخاوف، وربما تسمح لترمب بالفوز مرة أخرى. الاعتراف باللامساواة بين الجنسين وقبول «الهويات» الجنسية، ونقد الاستعمار والعنصرية وكراهية الأجانب، وصعود حركة حماية البيئة، كلها مظالم وتحديات لشرائح واسعة تعتقد أنها تتعرّض للخطر وتدعو الساسة للعودة إلى الأنماط القديمة دفاعاً عنها. كما أن اضطرابات أخرى لعبت أيضاً دوراً في صعود هذه المظالم، من تغير المناخ والتحديات الاقتصادية التي فرضها، واستمرار التفاوت في الدخل، وموجات المهاجرين إلى أوروبا والولايات المتحدة، والانهيار الاقتصادي عام 2008، وجائحة «كوفيد-19» التي ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصادات في جميع أنحاء العالم.

ومع تصاعد الشكوى من الهجرة والمهاجرين والتغير الديموغرافي والعولمة في كل مكان، يهدّد خطاب «الشعبوية» الجديد الديمقراطيات الليبرالية القديمة. وبدا أن احتضان الناخبين الأميركيين لترمب، يشبه تحول الناخبين الفرنسيين نحو حزب «التجمّع الوطني» اليميني المناهض للمهاجرين بزعامة مارين لوبان، الذي يدّعي أنه يمثل «فرنسا الحقيقية»، ومعه صعود العديد من أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، وفق الكاتب الأميركي إدواردو بوتر.

فشل ديمقراطي

مع ذلك، فشل الديمقراطيون منذ عهد باراك أوباما في تقديم برنامج سياسي متماسك حول الوجهة التي يريدون أخذ أميركا إليها، والتكلم عن أولئك الذين يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم، وهذا، بصرف النظر عن دفاعهم عن مصالح الطبقة الوسطى والتسامح مع الاختلافات الثقافية والتحرك نحو اقتصاد أكثر خضرة.

ومع أن ترشيح كامالا هاريس قد يعطيهم الفرصة للبدء في تغيير تلك الصورة، يظل الخطر كامناً في أنهم قد يعتقدون أن الأزمة الأخيرة التي مروا بها، أمكن حلها بتغيير المرشحين من دون معالجة حالة السخط التي تعصف بالبلاد. وهذا ما بدا من خطابهم الذي عاد للتشديد على أن المهمة الرئيسية هي منع عودة ترمب. فقد التحمت الأصوات الديمقراطية في خطاب شبه موحّد لتصوير الانتخابات على «أنها بين مجرم مُدان لا يهتم إلا بنفسه ويحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بما يخص حقوقنا وبلدنا، ومدعية عامة سابقة ذكية ونائبة رئيس ناجحة تجسد إيمانناً بأن أفضل أيام أميركا لا تزال أمامنا»، على ما كتبته الثلاثاء، هيلاري كلينتون في مقالة رأي في «نيويورك تايمز».

ربما لا حاجة إلى التذكير بأن خسارة كلينتون نفسها للسباق الرئاسي أمام ترمب عام 2016، كان بسبب إحجام ناخبي ولايات ما يعرف بـ«حزام الصدأ» – حيث قاعدة العمال البيض – عن تأييدها، بعدما خسر مرشحهم بيرني ساندرز الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، الذي كان ينظر إليه على أنه مرشح واعد للدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، ومنحهم أصواتهم لترمب الذي نجح في مخاطبة هواجسهم.

فرصة هاريس

اليوم، في ضوء انتزاع هاريس – إلى حد بعيد – بطاقة الترشيح قبل انعقاد مؤتمر الحزب في 19 أغسطس (آب) المقبل، ما يوفر عليها خوض انتخابات تمهيدية جديدة والفوز فيها، فإنها تحظى بفرصة لإعادة تقديم نفسها. وخلال الأيام الأخيرة، تعززت حملتها بفضل زيادة الحماسة والدعم وجمع التبرعات الذي حقق أرقاماً قياسية خلال 48 ساعة، وكل ذلك كان مفقوداً في حملة بايدن وسط مخاوف بشأن عمره وصحته.

لكن الحزب ما زال منقسماً حيال الرد على هجمات الجمهوريين، إذ يشعر البعض بالقلق من أن الغرق في مناقشات حول العنصرية والتمييز الجنسي، يمكن أن يستهلك حملة هاريس لدى انشغالها بمخاطبة جمهور الناخبين الأوسع. ولذا تصاعدت الأصوات الديمقراطية الداعية إلى جسر الهوة إزاء الهجرة والجريمة والتضخم، التي يركز الجمهوريون عليها، بينما يتساءل آخرون، عمّا إذا كان الكلام الصارم عن الإجهاض والضرائب والعنصرية، وغير ذلك من بنود جدول الأعمال التي يسعى الديمقراطيون بشدة إلى إعادتها إلى قمة الأولويات العامة، هو الطريقة الأفضل لخوض السباق ضد ترمب. الديمقراطيون متّحدون اليوم حول القضايا التي ركّز عليها بايدن

لطّف الجمهوريون خطابهم المتشدد… بينما يبحث الديمقراطيون عن نائب لهاريس

> لا يخفى، لدى تفحّص المشهد الانتخابي الأميركي، أن الجمهوريين سعوا للاستفادة من مكاسب استطلاعات الرأي مع الأميركيين الذين كانوا مترددين في السابق تجاه دونالد ترمب، وخاصة الناخبين غير البيض. إذ أعادوا تنظيم مؤتمرهم الوطني للتأكيد على «الوحدة»، بعد محاولة الاغتيال التي تعرّض لها ترمب، وتقديمه كرجل دولة وليس محارباً للثقافة والعرق. وتضمن المؤتمر كلمات دحضت الاتهامات بالعنصرية ضد ترمب، إلى جانب عدد من المتكلمين الذين أكدوا على خلفياتهم المهاجرة وعلى أن الجمهوريين مهتمون فقط بأمن الحدود. وبينما يقلّب الديمقراطيون الأسماء لاختيار نائب الرئيس على بطاقة الاقتراع مع كمالا هاريس، برز عدد من الأسماء على رأسهم جوش شابيرو حاكم ولاية بنسلفانيا المتأرجحة. وحظي شابيرو، وهو يهودي أبيض،

بالاهتمام كونه حقق فوزاً كبيراً في انتخابات عام 2022، متغلباً على سيناتور يميني متشدد أنكر فوز بايدن في انتخابات عام 2020، ويلقى دعماً كبيراً من الرئيس السابق باراك أوباما. أيضاً، برز السيناتور مارك كيلي (من ولاية أريزونا المتأرجحة أيضاً) الذي عُدّ منافساً محتملاً في مواجهة نائب ترمب، السيناتور جي دي فانس (من ولاية أوهايو). ويقف الرجلان على النقيض في العديد من قضايا السياسة الخارجية، وخصوصاً فيما يتعلق بمسألة مساعدة أوكرانيا. وبدا كيلي مرشحاً مثالياً ضد فانس؛ للموازنة بين الحفاظ على الولايات المتأرجحة، والحفاظ على سياستهم الخارجية. واتهمه بأنه «سيتخلى» عن أوكرانيا لصالح روسيا. وأردف كيلي قائلاً، إنه «أمام ما قد يفعله ترمب وفانس للتخلي عن حليف، فهذا من شأنه أن يؤدي إلى عالم أكثر خطورة بكثير». ورغم رفضه تأكيد أن يكون من بين المرشحين، قائلاً إن الأمر يتعلق بهاريس، «المدعية العامة التي تتمتع بكل هذه الخبرة، وترمب الرجل المدان بـ34 جناية ولديه خيار بشأن المستقبل، قد يعيدنا إلى الماضي حين كنا أقل أماناً».

ايلي يوسف

صحيفة الشرق الاوسط




زيارتان في توقيت متزامن لرئيس الدوما الروسي وقائد أفريكوم الأمريكية للجزائر

ما إن غادر رئيس مجلس الدوما الروسي الجزائر في زيارة استعرض فيها تطوير العلاقات بين البلدين، حتى حلّ قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بالبلاد. ورغم عدم وجود ما يوحي بأن هذا التزامن كان مُرتبا، إلا أنه يكشف من جانب آخر تنافس البلدين على توطيد علاقاتهما مع الجزائر ومن ورائها منطقة الساحل.

وقد حظي المسؤولان الروسي والأمريكي، باستقبال على أعلى مستوى، من قبل الرئيس عبد المجيد تبون. كما كان لهما تبادل مع نظرائهم، حيث التقى رئيس مجلس الدوما الروسي مع رئيس المجلس الشعبي الوطني، وأجرى قائد أفريكوم محادثات مع رئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، تم خلالها استعراض جوانب التعاون العسكرية.

وفي تصريحاته، أكد رئيس مجلس الدوما الروسي، فولودين فياتشيسلاف فيكتوروفيتش، حرص بلاده على الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى. وذكر عقب استقباله من قبل الرئيس تبون: “تجمعنا بالجزائر مواقف متطابقة ومتقاربة فيما يخص مختلف المسائل الدولية والإقليمية ونحن نعتبر الجزائر دولة صديقة وشريكا استراتيجيا، كما أننا نحرص على أن ترتقي علاقاتنا إلى مستويات أفضل”.

وبعد أن تحدث عما اعتبرها الزيارة “التاريخية” التي قام بها الرئيس الجزائري الى روسيا العام الماضي والتي “أعطت دفعا قويا لتطوير علاقاتنا في شتى المجالات”، أوضح فيكتوروفيتش أن لقاءه مع الرئيس تبون كان “مهما ومثمرا”، تم خلاله مناقشة العديد من المواضيع التي “من شأنها تطوير علاقاتنا التي تعود إلى عهد الاتحاد السوفييتي”.

كما توقف، عند أهمية تطوير العلاقات البرلمانية بين الجزائر وروسيا، في ظل إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة الموقع من قبل الرئيسين عبد المجيد تبون وفلاديمير بوتين السنة الفارطة بموسكو. وقال في ذات الصدد :”يجب أن تساهم العلاقات البرلمانية في تطوير باقي الجوانب من علاقاتنا الثنائية التي تتطور بشكل ديناميكي ملحوظ”.

وفي لقائه الآخر مع رئيس المجلس الشعبي الوطني، ابراهيم بوغالي، قال أكد فيكتوروفيتش سعي بلاده لتطوير علاقاتها مع الجزائر عن طريق اتخاذ خطوات عملية لترجمة الاتفاق الاستراتيجي الموقع من طرف رئيسي البلدين على أرض الواقع، مؤكدا أن بعد المسافة لا يمكن أن يكون عائقا أمام الإرادة السياسية لتعزيز هذه العلاقات في ظل آفاق التعاون الواعدة.

وعلى الرغم من العلاقات القوية التي تجمع الجزائر بروسيا، التي تعتبر أكبر مصدر سلاح للبلاد، إلا أن خلافات برزت في الفترة الأخيرة حول حضور ميليشيات فاغنر في دول الساحل وليبيا، وهو أمر سبق للجزائر أن عبرت عن رفضه، كونها تعتبر أي وجود أجنبي في المنطقة، محركا لمزيد من الأزمات والحروب الداخلية.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، ذكر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن بلاده فتحت رسميّا ملف تواجد قوات فاغنر خلف حدودها الجنوبية في منطقة الساحل الإفريقي مع روسيا. وذكر، في ندوة صحافية، أنه ناقش الأمر شخصيّا مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وأبرز عطاف أنه تم “إنشاء آلية مشتركة، تضم دبلوماسيين وأمنيين، برئاسة الأمين العام لوزارة الخارجية، لوناس مقرمان، عن الجانب الجزائري، وميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية، والمبعوث الشخصي للرئيس فلاديمير بوتين، عن الطرف الروسي”. وأشار إلى أنّ اللجنة الثنائية المكلفة بمتابعة تواجد قوات فاغنر في الإقليم ستجتمع مرة أخرى في المستقبل القريب.

وكان الرئيس تبون في مقابلة له مع صحيفة لوفيغارو سنة 2022، قد انتقد بشكل غير مباشر وجود فاغنر في الساحل. وقال ردا على سؤال حول وجود رجال هذه الميليشيا بالقول “الأموال التي يكلفها هذا الوجود ستكون في وضع أفضل وأكثر فائدة لو ذهبت لتطوير منطقة الساحل”، في إشارة إلى عدم استساغة الجزائر وجود هذه القوات الأجنبية على الرغم من علاقاتها القوية مع روسيا.

وعلى الطرف الآخر، استقبل الرئيس تبون بصفته، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الفريق أول مايكل لانجلي، حسب ما أورده بيان للرئاسة الجزائرية. ولم تتسرب تفاصيل عن اللقاء، إلا أن زيارات سابقة لقائد أفريكوم، كانت تتناول دائما مواضيع التعاون العسكري والاستخباراتي والأمن في منطقة الساحل ومكافحة الإرهاب، وغيرها من المسائل ذات الطابع العسكري التقني.

وفي شباط/فبراير 2023، أشاد رئيس أركان الجيش الجزائري لدى استقباله قائد أفريكوم “بمستوى التعاون العسكري الثنائي الذي ينعكس من خلال النشاطات المختلفة، المنفذة في إطار تبادل الخبرات المتعلقة بالإرهاب، وكذا تكوين مستخدمي الجيش الجزائري والمساعدة التقنية. وعبر عن الاستعداد التام للقيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، لترقية أكثر لمجالات التعاون العسكري الثنائي، خاصة أن الحوار العسكري المشترك، الذي شرع فيه سنة 2005، يحدد أهدافا جد طموحة في هذا المجال”.

وبخصوص القضايا الدولية، أكد شنقريحة أن الجزائر تتشبث بمبدأ عدم الانحياز، وهي غيورة على تاريخها الحافل بالأمجاد والبطولات، وغيورة أيضا على استقلالها وقرارها السياسي السيد، وتتعامل، في إطار خدمة مصالحها، مع دول صديقة كثيرة تربطها معها علاقات عسكرية واقتصادية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية”. كما عبّر عن وجود إرادة من أجل إرساء تعاون يكون في مستوى طموحات الطرفين، كون “بلدينا منخرطين في مسار تحسين الوضع الأمني في القارة الإفريقية، وبإمكانهما تقديم العون والمساعدة لبعض البلدان التي هي بحاجة إليها، من أجل الاضطلاع بمهامها السيادية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالسلم والأمن”.

وكانت العلاقات الجزائرية- الروسية، موضع جدل في الكونغرس الأمريكي في بداية الحرب الروسية الأوكرانية، حيث حاول نواب أمريكيون دفع واشنطن لإصدار عقوبات ضد الجزائر بسبب مشترياتها من السلاح الروسي، معتبرين أنها بذلك تساهم في تمويل روسيا في حربها ضد أوكرانيا. لكن تلك الدعوات لم تلق أي استجابة، وحافظ البلدان على مستوى مقبول من التعاون والتبادل، على الرغم من التصادم الذي ظهر في الأشهر الأخيرة بعد انضمام الجزائر لمجلس الأمن كعضو غير دائم، بخصوص الوضع في غزة، حيث عطلت الإدارة الأمريكية عدة مشاريع قرارات تقدمت بها الجزائر لوقف العدوان في القطاع ومحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي في هذه الهيئة الأممية.

صحيفة القدس العربي




مرتزقة أكاديميون.. عن الأبحاث الممولة من الجيش في جامعة كاليفورنيا

منذ بداية اعتصامات التضامن مع فلسطين في الجامعات الأمريكية في سنة 2024، كانت مطالب الطلاب متشابهة نسبيًا على صعيدين: سحب الاستثمارات من شركات تصنيع الأسلحة والمؤسسات الصهيونية، والكشف عن الأصول والاستثمارات المؤسسية. لكن المطالب الأقل تواترًا تشير إلى علاقات الجامعات بالصناعة العسكرية عن طريق تمويل البحوث الذي تقدّمه أطراف مثل وزارة الدفاع وشركات الأسلحة الخاصة، الذي يعقّد مسألة التواطؤ المؤسسات الأخلاقي مع الإبادة الجماعية وبالتالي يعقد أيضًا مفهوم سحب الاستثمارات.

إن العديد من الطلاب الباحثين في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة يتورّطون في إضفاء الطابع المدني والتقني على الحرب بدءًا من أساس حياتهم المهنية، وهذا يعني أن المساعي الحالية لنزع السلاح وتحرير فلسطين ومكافحة الإمبريالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل الطلابي.

مع ذلك، دون نموذج منهجي لفهم مدى اتساع نطاق البحوث المموّلة من الجيش في مجمل الجامعات الأمريكية، سنفقد فهمنا لمدى انتشارها بسهولة. ودعونا نستخدم نظام جامعة كاليفورنيا كدراسة حالة لأغراض التطبيق على نطاق أوسع. وفقًا للبيانات الواردة من موقع “استكشاف المنح” التابع  لجامعة كاليفورنيا، تلقى نظام جامعة كاليفورنيا بأكمله تمويلًا مرتبطًا بالجيش بقيمة 400 مليون دولار في السنة المالية 2022-2023، و2.3 مليار دولار بين سنتي 2017 إلى 2022، و5.6 مليار دولار بين سنتي 2005 إلى 2022 من مختلف أذرع وزارة الدفاع والجهات الراعية الخاصة مثل لوكهيد مارتن وجنرال أتوميكس ورايثيون وبوينغ ووزارة الدفاع الإسرائيلية، من بين جهات أخرى لا حصر لها.

وفي الفترة من 2017 إلى 2022، حصلت جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، التي تشتهر عالميًا بأبحاثها العلمية، على 548 مليون دولار، بينما حصلت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على 309 مليون دولار، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا على 224 مليون دولار.

ووفقًا لموقع “استكشاف المنح”، فقد كان هناك 1428 منحة بحثية ممولة من الجيش في نفس الفترة، إذ حصلت جامعة كاليفورنيا في سان دييغو على 243 منحة، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على 205 منحة،وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا على 174 منحة، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي على 151 منحة، وجامعة لورانس بيركلي على 99 منحة، وهكذا. 

ويرجع أحد التعزيزات الأخيرة للأبحاث والتصنيع المرتبطين بالدفاع في جامعة كاليفورنيا إلى “قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم” الصادر سنة 2022 الذي أجاز تخصيص 52.7 مليار دولار لأبحاث أشباه الموصلات وتصنيع الرقائق. وقد ساعد هذا التمويل في تشكيل المركز العملاق للإلكترونيات الدفاعية الجاهزة والأجهزة الدقيقة المعروف باسم “دريمز”، الذي يتألف من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة كاليفورنيا في إيرفين، وجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، وجامعة جنوب كاليفورنيا. وتعمل هذه الجهات معاً على تسريع عملية تطوير النماذج الأولية واعتماد تقنيات الحرب الكهرومغناطيسية، والتي يتم فيها توظيف أشباه الموصلات التي تستخدم الموجات الكهرومغناطيسية لردع ومهاجمة الأعداء.

لا يمثل هذا النوع من التمويل البحثي الفيدرالي والخاص الانتقال التاريخي من القوى البشرية إلى التكنولوجيا الفائقة في الحرب على مستوى الرقائق الدقيقة فحسب، بل أيضًا الانتقال من العمل مع العسكريين إلى المدنيين، الذين يمثلهم في هذه الحالة الطلاب الباحثون غير المنخرطين في أي أعمال قتال.

عسكرة الجامعة

من وجهة نظر تاريخية، يمكننا تتبع نمو البحوث التكنولوجية وعسكرة الجامعات إلى بدايات الحرب الباردة. في أوائل خمسينيات القرن العشرين، تصاعدت رغبة الولايات المتحدة في موازنة الرعب المرتبط بالمخزون النووي لروسيا السوفيتية والقمر الصناعي “سبوتنيك” من خلال تقليص القوى البشرية والأنظمة غير التكنولوجية مع زيادة النفقات العسكرية في البحث العلمي والابتكار التكنولوجي، وبالتاليالج خلق نظام دفاعي يتفوق على الخصم.

وتجسدت زيادة النفقات العسكرية في قانون الأمن المتبادل الذي أصدره ترومان سنة 1951، والذي أدى إلى زيادة بنسبة 20 بالمائة في عدد العلماء والمهندسين وزيادة بنسبة 135 بالمائة في البحث والتطوير في وزارة الدفاع من أجل التسليح في الحرب الكورية. وعلى مستوى الجامعات، تم إقرار قانون التعليم الدفاعي الوطني سنة 1958، الذي كان يهدف إلى “ضمان أمن الأمة من خلال تنمية الموارد العقلية والمهارات التقنية لشبابها وشاباتها إلى أقصى حد”. ونتج عن ذلك تخصيص 450 مليار دولار في الفترة من 1959 إلى 1964 للمؤسسات من خلال القروض والزمالات والإرشاد والتعليم. 

أخفت هذه التحولات في طبيعة الحرب، ولا سيما توظيفها للقوى المدنية العاملة، الفساد الأخلاقي للمؤسسة الأكاديمية. وربما يفسر ذلك الآثار التي تنزع الشرعية عن مطالبات سحب الاستثمارات من الإبادة الجماعية في الوقت الراهن.

يقول جورج ويلنيوس في كتابه “التاجر المحارب المسالم” إنه “مع تزايد الدور المدني في الحرب إلى حد كبير، أصبح رسم خط دقيق بين العمليات العسكرية وغير العسكرية أكثر صعوبة”. وهذا يعني أن العلاقات المؤسسية مع إنتاج الحرب تبدو غير مؤكدة في حين أن الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج الحرب من شركات الأسلحة الخاصة مثل شركة لوكهيد مارتن أصبح أقل وضوحا على نحو متزايد من الاستعانة بمصادر خارجية للأبحاث من جامعة عامة.

قد يكون من السهل أيضًا إخفاء الفساد الأكاديمي عن طريق التمويل العسكري للتكنولوجيات الناشئة. وفي حين أن العديد من المشاريع البحثية تدعم بشكل واضح أنظمة المهام البحرية والجوية والبرية، فإن الغالبية العظمى كما هو موضّح في ملخصاتها، قد يبدو للوهلة الأولى أنه ليس لها ارتباط مباشر بإنتاج الأسلحة. 

فعلى سبيل المثال، يهدف مشروع بعنوان “أنيون الأكسدة في كبريتيدات المعادن الانتقالية غير المتبلورة”، الذي حصل على تمويل بقيمة 2,400,000 دولار في سنة 2023 من قبل وزارة البحرية الأمريكية، إلى “المساعدة في توجيه تطوير مواد بطاريات ليثيوم أيون من الجيل التالي”. وبالنسبة للباحث الهندسي الذي تبدو أبحاثه غير مهددة بل ومفيدة للمجتمع، يعتبر تمويل وزارة الدفاع أمرًا لا غنى عنه نظرًا لاتساع نطاق الدعم الذي يقدمه.

مع ذلك، يمكن العثور على تواطئ أقل وضوحًا مع الإبادة الجماعية في عدد من عمليات التعاون البحثي لجامعة كاليفورنيا مع حلفاء الولايات المتحدة مثل “إسرائيل”. ووفقًا لموقع “استكشاف المنح”، حصلت مشاريع مثل “الردع بالوكلاء” من قسم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا سان دييغو على مبلغ 964.916 دولارًا في سنة 2016 من قبل وزارة البحرية الأمريكية. وينص ملخص المشروع على أنه يبحث في “علاقة إسرائيل مع حماس في قمع الإرهاب من غزة” وكذلك “العلاقات في مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد في أفغانستان والعراق والفلبين”. 

ويتناول كتاب نُشر لاحقًا حول هذا البحث بعنوان “قمع العنف من خلال الوكلاء المحليين” طرق تحسين استراتيجيات السياسة الخارجية من أجل فرض “السيطرة غير المباشرة” من خلال الحلفاء بالوكالة. وتم التعاقد مباشرةً على مشاريع أخرى بعنوان “الكشف عن التعليمات البرمجية الضارة في الأجهزة المدمجة باستخدام التحليل الثابت والتعلم الآلي” و”نهج عملي للملاحة تحت الماء نحو توطين الأجسام تحت الماء” لتقديم الأبحاث إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية.

علاوة على ذلك، كانت الأبحاث الممولة من وزارة الدفاع تاريخيا بمثابة التمويل الأولي للتكنولوجيات الناشئة التي يتم استخدامها في نهاية المطاف للتطبيقات العسكرية حتى قبل أن يتدخل رأس المال الاستثماري.

وفي مقابلة مع مايسون ماكلاي، وهو طالب دراسات عليا في علم النفس بجامعة كاليفورنيا، قال: بطريقة ما يمكن للمرء أن يفكر في وكالات تمويل وزارة الدفاع باعتبارها شركة استثمار رأس المال الاستثماري العسكري. كدراسة حالة، لنأخذ شركة “أوربيتال إنسايت”، التي قامت، من خلال شراكة مع جامعة كاليفورنيا في بيركلي وبتمويل قدره مليار دولار تقريبًا، بتطوير الذكاء الجغرافي المكاني من أجل “تدريب نماذج الكشف عن الأشياء في الصور الكهروضوئية”، والتي وعدت بأنها ستكون مفيدة لمجتمع لاستخبارات الدفاعية.

كما دخلوا في شراكة مع شركة إسرائيلية ناشئة لمراقبة البنية التحتية. في المراحل الأولى التي اتبعتها شركة “أوربيتال إنسايت”، قدمت جامعة كاليفورنيا أبحاثًا مهمة ممولة من وزارة الدفاع، وبمجرد أن تطورت الشركة وبدأت في تطوير الأنظمة العسكرية، قفزت شركة رأس المال الاستثماري سيكويا كابيتال، التي استثمرت فيها جامعة كاليفورنيا أيضًا، لجمع رأس المال. 

فشلت شركة “أوربيتال إنسايت” في النهاية كشركة ناشئة، وأصبحت حاليا جميع تقنياتها جزءًا من شركة تسمى “برافتير”، والتي يتمثل هدفها وفقًا لموقعها على الإنترنت، في “جعل بيانات الفضاء ورؤية الأرض أكثر قوةً ويمكن الوصول إليها من أي وقت مضى”.

ومن منظور السوق، فإن هذه التقلبات من الإنتاج العسكري إلى الإنتاج التجاري تسد الفجوة في الميل الطبيعي لصناعة الحرب نحو اقتصاد الازدهار أو الكساد. إن التمويل غير المخصص للأسلحة من وزارة الدفاع يبقي الأفراد العسكريين والباحثين الجامعيين على قيد الحياة، حيث سيكونون عاطلين عن العمل خلال فجوات التمويل في فترة ما بعد الحرب.

وفي تقرير صادر عن وكالة الحد من الأسلحة ونزع السلاح الأمريكية، ذكر جيفري فو الحاجة إلى المرونة الشخصية والمؤسسية من أجل “السماح للعلماء والمهندسين بالتحرك مع التحولات في الطلب – من الصواريخ على سبيل المثال إلى أجهزة التلفزيون أو القلوب الاصطناعية وهلم جرّ- بسرعة أكبر بكثير”. وهذا الوضع الفريد للطالب الباحث باعتباره منخرطًا في آليات السوق الخاصة التي تساهم في الحرب والسلام، يضع الشخص العادي في موقع قوة من خلال عمله.

في مقال سابق مشترك بعنوان “صناعة الحرب تستخرج العمالة الرخيصة من طلاب جامعة كاليفورنيا في سان دييغو”، أوضحت أنا ومايسون ماكلاي وآخرون كيف أن العمل البحثي في جامعة كاليفورنيا يمثّل بديلًا أرخص بكثير للموظفين المتفانين في وزارة الدفاع أو شركات الأسلحة.

وعلى الرغم من أن الإضراب الطلابي العمالي الرسمي يو أي دبليو 4811 الذي انتهى في حزيران/ يونيو الماضي، نأى بنفسه عن مطالب مخيمات التضامن الفلسطينية، إلا أن انسحاب العمال لا يزال قائمًا كأداة محتملة لسحب الاستثمارات. ويمكن أن يشمل ذلك تعديل متطلبات عقود النقابة للسماح للطلاب باختيار مصدر تمويلهم.

ويمكن أن يعمل اتحاد الطلاب على خفض التمويل المرتبط بالجيش بمرور الوقت أو وضع حد أقصى للمشاريع البحثية التي ترعاها وزارة الدفاع. ويجب ضمان التمويل الانتقالي للطلاب الباحثين الذين يختارون الانسحاب من المشاريع البحثية المرتبطة بإنتاج الأسلحة، أو وزارة الدفاع، أو مقاولي الدفاع من القطاع الخاص.

المصدر: موندويس 

ترجمة موقع نون بوست




في سراييفو ما بعد الحرب يتردد صدى التشابه مع اضطرابات الشرق الأوسط

التقيت أنا ورفيقي في فصل الربيع في سراييفو، أو سراي بوسنة بالتركية وتعني قصر أو بلاط البوسنة. كانت المدينة ذات يوم تمثّل أقصى الحدود الغربية التي وصلت إليها الإمبراطورية العثمانية في القرن الرابع عشر، تاركةً وراءها العديد من العلامات المألوفة – الأذان في المساجد، والنوافير المتدفقة في الساحات، وعددًا لا يحصى من التقاليد الصوفية – مما يجعلها نافذة فريدة على التاريخ الإسلامي في أوروبا.

واليوم، تستحضر البوسنة أيضًا ذكريات أسوأ إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. في التقارير الأخيرة، يعتبرها حلف الناتو من بين “الشركاء المعرضين للخطر” مع ازدياد تدخّل موسكو في شؤونها منذ غزو روسيا لأوكرانيا في سنة 2022.

تاريخ البوسنة وجغرافيتها السياسية مألوفة بالنسبة لي، فبعد أن شهدتُ الحرب والنزوح خلال طفولتي غير المستقرة – بين الجزائر ولبنان وسوريا والسعودية – عندما كانت عائلتي تحاول الصمود في مواجهة الحرب والركود الاقتصادي، أردت أن أرى كيف يمكن أن تبدو دولة تواجه تحديات موازية لتحديات الشرق الأوسط في أوروبا.

بينما كنت أهم بالنزول من سيارة أجرة المطار بالقرب من الفندق الذي أنزل فيه في المدينة القديمة، لاحظت الضوء الأصفر الخفيف المنبعث من مصباح الشارع المرصوف بالحصى، الذي علِق لفترة وجيزة في عجلة حقيبتي. استحوذ المشهد على سحر العالم القديم الذي ذكّرني بأماكن عثمانية أخرى مثل حلب التي دمّرتها الحرب السورية التي استمرت 13 سنة، وفكرتُ في أن سراييفو ربما تكون مثالًا لمكان ضاع في الحرب والحصار يجد طريقه للعودة من حافة الهاوية على الرغم من أنه يواجه تصدعات داخلية تفسح المجال للاستغلال الأجنبي.

كنا لا نزال في شهر رمضان خلال فترة تواجدنا هناك، وبمجرد أن جلسنا على طاولة لشخصين في الخارج، سمعنا صوت مدفع الإفطار التقليدي من بعيد، وهو مدفع ناعم أيقوني لا يزال منتشرًا في جميع أنحاء الأراضي العثمانية السابقة. ووفقًا لبيانات التعداد السكاني، فإن نصف البوسنيين تقريبًا مسلمون بينما ثلثهم من الصرب المسيحيين الأرثوذكس و15 بالمائة من الكروات الكاثوليك.

أشخاص يقومون بنزهة مسائية في مدينة سراييفو القديمة خلال شهر رمضان.

تزامنت زيارتنا أيضًا مع الذكرى السنوية لحصار سراييفو سيء السمعة، الذي بدأ بعد شهر تقريبًا من إعلان البوسنة والهرسك – إحدى الجمهوريات الست المنبثقة عن تفكك يوغوسلافيا – استقلالها في آذار/مارس 1992 في استفتاء أوصت به المجموعة الأوروبية. صوّت البوشناق – وهي تسمية يشير بها المسلمون البوسنيون إلى أنفسهم – والكروات لصالح الاستقلال، بينما عارض القوميون الصرب الاستقلال وقاطعوا التصويت مستائين من فكرة أن يصبحوا أقلية في البوسنة والهرسك التي تشكلت حديثًا.

بدت هذه الانقسامات مألوفةً، فالأشخاص الذين وُلِدوا من أمة واحدة ويتحدثون لغة واحدة يتصورون أنفسهم منفصلين عن بعضهم البعض، ومنحازين بشكل مريح لثقافة بلد أجنبي أكثر من أبناء بلدهم. في البوسنة والهرسك، يعتبر القوميون الصرب في البلاد أنفسهم على أنهم امتداد لدولة صربيا، الحليف الروسي القديم، ويشيرون إلى البوشناق بصيغة التحقير، ويطلقون عليهم اسم “الأتراك”. (وقد شكّل القوميون الصرب لاحقًا جمهورية صرب البوسنة، كاستمرار لحزبهم العسكري الذي تم دمجه في الاتفاق الثلاثي بين البوشناق والكروات والصرب في البلاد في اتفاقات دايتون التي استضافها الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون في أوهايو سنة 1995. ولا تزال جمهورية صرب البوسنة اليوم كيانًا انفصاليًا).

وفي سنة 1992، رغم التطهير العرقي الذي بدأ في الشمال، ظلّت الاحتجاجات في العاصمة سراييفو سلميةً حتى وقوع هجوم قاتل في 5 نيسان/أبريل. كان ذلك اليوم يتوافق مع عطلة نهاية الأسبوع التي تُحيي ذكرى تحرير سراييفو من ألمانيا النازية واليوم الذي كان من المقرر أن يدخل فيه استقلال البوسنة والهرسك حيز التنفيذ، كما أنه كان اليوم الأول من عيد الفطر، في عطلة لمدة ثلاثة أيام تُقام فيها الولائم والاحتفالات مع الأحباء. بدلاً من ذلك، قُتلت امرأتان بنيران قناصة في شارع لا يبعد كثيرًا عن المكان الذي كنت أتناول فيه أنا ورفيقي إفطارنا. وقد تم تخليد ذكراهما بصورة في معرض دائم في متحف الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. كانتا متعانقتين، وقد حاولتا الاحتماء ببعضهما البعض من الرصاص. واليوم، يتم تذكرهما كأول ضحايا الحصار، وهي نقطة حزينة لرحيل السلام المفترض.

ما أعقب موتهما كان ثلاث سنوات وعشرة أشهر من الحصار – أي أطول بسنةٍ من حصار لينينغراد – مما جعله لفترة من الزمن أطول حصار في العصر الحديث لعاصمة حتى حصار الغوطة (دمشق) الذي انتهى في سنة 2018 بعد خمس سنوات وأسبوع واحد.

وبعد أن كنت شاهدًا بشكل شخصي على حصار الغوطة، ومع اطلاعي على حصار سراييفو، نشأت عندي ألفة مهووسة. فالوحشية البشرية لها وجه متجانس بغض النظر عن السياق، وفي كلا الحصارين كانت هناك أزقة للقناصة حيث كان الأجداد والأمهات والأطفال يركضون للنجاة بحياتهم، وأحيانًا كان ذووهم الذين يعودون إلى جثثهم التي سقطت، يصابون ويقتلون أيضًا بنيران القناصة. كانت هناك عائلات جائعة تصطف في طوابير الخبز تنتظر دون أن تحصل على دورها، وقصفت الصواريخ منازل الناس، وحوّلت المباني السكنية إلى هياكل من الخرسانة المحطمة والفولاذ الملتوي الذي يكشف عن حياة الناس التي توقفت.

كانت الأعمال البطولية التي قام بها أشخاص عاديون مألوفة أيضًا. فقد قرأت قصة عن إسلام دوغوم داخل متحف الإبادة الجماعية في سراييفو، وهو عداء ماراثون محلي غادر سراييفو عدة مرات خلال الحرب وشارك في مسابقات دولية مختلفة، بما في ذلك ألعاب البحر الأبيض المتوسط، حاملاً علم البوسنة والهرسك. وخلال هذه الرحلات، كان يتواصل مع اللاجئين والمنفيين من بلده ويجمع المساعدات ليعود بها إلى سراييفو ويهرّبها عبر نفق الأمل الذي بُني في الأشهر الأولى من الحصار وظل الطريق الوحيد للدخول إلى المدينة أو الخروج منها حتى نهاية الحرب. وجد دوغوم نفسه من بين أكثر أبناء بلده امتيازًا بحكم قدرته على السفر، فخدم مواطنيه من خلال العمل في التهريب.

إنها قصة مألوفة للملايين على مدار العقود الأخيرة في العديد من الصراعات، إذ يجد المدنيون العاديون أنفسهم مضطرين لتهريب كل ما يحتاجونه من أدوية وأغذية وأموال على متن سياراتهم لأحبائهم العالقين في أوطانهم والذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة، بغض النظر عن مخاطر هذا النقل. أنا الآن شاهد على أصدقاء يفعلون ذلك لمساعدة أحبائهم العالقين في غزة، كما فعلت أنا مع أحبائي خلال الحرب في سوريا.

من أكثر التفاصيل المؤسفة التي صادفتني في حصار سراييفو الوجود المروّع الموثق “للسياح الذين يصطادون البشر”، وهو مصطلح مرعب صاغه المخرج السينمائي ميران زوبانيتش في فيلمه الوثائقي “رحلات سفاري سراييفو”، حيث زعم أن الأجانب الأثرياء كانوا يدفعون أموالاً مقابل إطلاق النار على الناس في سراييفو المحاصرة، وكان أحد هؤلاء “السائحين” هو الكاتب الروسي الراحل إدوارد ليمونوف، وهو منشق سوفييتي هاجر إلى الولايات المتحدة، ثم عاد إلى روسيا في سنة 1991 وأسس حزبًا قوميًا متطرفًا. ورغم أنه من غير الواضح ما إذا كان قد دفع ثمن هذه الفرصة الدنيئة، إلا أنه تم تصويره في موقع إطلاق نار صربي في 22 حزيران/يونيو 1992، وهو يقبل دعوة من الزعيم الصربي البوسني رادوفان كارادزيتش لإطلاق النار من مدفع رشاش، مصوّبًا إياه على شوارع سراييفو في الأسفل حيث أطلق عدة رصاصات، وتوقف لفترة وجيزة للسماح لكارادزيتش بضبط حامل المدفع ثلاثي القوائم قبل أن يواصل المهمة. توقفت عيناي على التلفاز الذي كان يعرض هذه اللقطات في حلقة متكررة داخل متحف الإبادة الجماعية، وحاولت أن أفهم لماذا – وكيف – يمكن لزميل كاتب يتطلب عمله تنمية الحساسية تجاه الحالة الإنسانية، أن يقسو بسهولة ليقتل بدم بارد.

أجد أن الحرب تقلب المجتمع رأسًا على عقب، ليس فقط من خلال آثار الدمار التي تتركها، وإنما أيضًا من خلال دفع ما يبقى في العادة خفيًا إلى السطح، مثل العاصفة التي تجرف الوحل من مجرى النهر. يجد المرء في هذا الوحل العلة الأخلاقية للمجتمع، والأجزاء الخفية والدنيئة من الطبيعة البشرية التي يدفعها العنف والكوارث إلى السطح. ويمكن للحرب أيضًا أن تبرز أفضل ما في الإنسانية. خلال الحرب في سوريا، رأيت كلا الأمرين في كل مكان نظرت إليه تقريبًا: رأيت أناسًا يعانون من الجوع تحت الحصار يتقاسمون الطعام القليل الذي بحوزتهم مع الآخرين، وأناس لم يكن لديهم سبب وجيه للكراهية صوّبوا سلاحهم وقتلوا أناسًا غرباء. ذات مرة رأيت مسلحًا مجنونًا يصوّب سلاحه نصف الآلي ويطلق النار على حمار لم يفعل شيئًا. وفي مرة أخرى كنت عالقًا في زحمة السير خلف شاحنة محملة بأفراد ميليشيا مسلحين عندما لاحظت أحدهم يصوّب بندقيته نحوي من مكان جلوسه على سرير الشاحنة، وهو يحدق في وجهي مبتسمًا بخبث. ربما كان يأمل أن يرى في عيني من وراء نظارتي الشمسية أي شعور مريض بالقوة كان يشعر به، لحسن الحظ، تحركت حركة المرور وصرف انتباهه شيء آخر.

بلاغاج تيكيجا (منزل صوفي) يطل على نهر بونا في البوسنة والهرسك.

استأجرت أنا ورفيقي سيارة وقدناها عبر الطرق الخلفية، وتوقفنا مرارًا للتنزه في الغابات التي كانت نقية وجميلة في جميع أنحاء البوسنة. كانت الصنابير العامة توفر المياه النقية من الجداول، ومن حولنا كانت هناك مزارع صغيرة تملكها عائلات تربي الخراف والنحل، ولم تكن حرارة الصيف قد حلت بعد، لذا بدا كل شيء مثاليًا في ظاهره.

لكن أحد الجوانب المذهلة في قيادة السيارة عبر البوسنة والهرسك هو ترسيم حدود الأراضي من قبل جمهورية صرب البوسنة الانفصالية، وقد رأينا هذا الأمر كثيرًا: علم جمهورية صرب البوسنة (الذي يشبه العلم الروسي) المرفوع على سارية فوق نصب تذكاري للحرب الصربية أو ساحة عامة يمكن رؤيته عند دخولنا إلى إحدى البلدات معلناً عن الأراضي التي تسيطر عليها جمهورية صرب البوسنة. وتواصل هذه الأراضي، التي تشغل جزءًا كبيرًا من المناطق الشمالية والجنوبية الشرقية من البوسنة والهرسك، زرع هوية متميزة ومنفصلة غارقة في القومية الصربية، وتدرّس مناهجها الخاصة بها في المدارس، بما في ذلك روايتها للحرب والحصار، والتي تنكر فيها إلى حد كبير الجرائم التي ارتكبت باسم الصرب.

تسعى صربيا إلى توحيد مناهجها المدرسية مع مناهج جمهورية صرب البوسنة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الوضع المحفوف بالمخاطر بالفعل للأمة الصربية المدعومة من روسيا داخل دولة البوسنة والهرسك، وهي الدولة التي تأمل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ذات يوم. (مع ذلك، يقول العديد من السكان المحليين إن هذا الهدف نبيل للغاية نظرا للبنية السياسية والاقتصادية الصعبة لبلادهم، حتى من دون تعقيد وجود دويلة داخل الدولة). وحتى اللافتات التي تحمل أسماء المدن على جانب الطريق تكشف عن ساحة معركة منخفضة المستوى من أجل تقسيمات إقليمية، مع كتابات على الجدران التهجئة السيريلية أو اللاتينية للمدينة. وتستخدم البوسنة والهرسك الحروف اللاتينية بينما تستخدم صربيا وجمهورية صرب البوسنة السيريلية، على الرغم من أن كلاهما، وكذلك الكروات، يتحدثان نفس اللغة السلافية، وإن كان بلهجات مختلفة قليلاً.

ذكّرتني هذه الانقسامات، إلى جانب الحكومة الفاسدة ومتعددة الطوائف، بالوضع في لبنان حيث فشلت السلطات أيضًا في توحيد المناهج المدرسية التي تُدرّس السرد الوطني. ومن خلال إحالة رواية تاريخ البلاد وحربها الأهلية إلى أهواء الرواة الطائفيين، يظل الوعد بنشوب صراع طائفي آخر في الأفق على الدوام. ويبدو أن هذا هو الحال أيضاً في البوسنة والهرسك.

في 24 أيار/ مايو، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إنشاء يوم سنوي لإحياء ذكرى مذبحة سريبرينيتسا، ما أثار استياء زعيم صربيا وصرب البوسنة ميلوراد دوديك، الذي سارع إلى عقد مؤتمر صحفي وأعلن أنه “لم تكن هناك إبادة جماعية في سريبرينيتسا”. وقالت ياسمين مويانوفيتش، عالمة سياسية ومؤلفة كتاب “البوشناق: أمة بعد الإبادة الجماعية”، لصحيفة نيو لاينز إنه ردا على تصويت الجمعية العامة، شوهدت قوات الشرطة الخاصة للجمهورية الاشتراكية الصربية منتشرة حول سربرينيتسا في استعراض للقوة. وأضافت: “من الواضح جدًا أن المقصود من ذلك هو محاولة تخويف ومضايقة وإرهاب السكان المحليين فيما يتعلق بالتصويت في الأمم المتحدة”. وأضافت مويانوفيتش أن هناك “تصاعدا مثيرا للقلق في الهجمات” ضد البوشناق العائدين إلى منازلهم في الأجزاء الشمالية والشرقية التي يديرها الصرب من البوسنة والهرسك، بعد طردهم خلال الحرب. بشكل عام، تدهور الوضع اليومي لمجتمع البوشناق في أجزاء من جمهورية صرب البوسنة وتنتشر ثقافة الخوف حيث تصاعد خطاب دوديك وسياساته خلال العام ونصف العام الماضيين”.

بينما كانت زيارتنا للبوسنة والهرسك تقترب من نهايتها، حان الوقت أخيرًا لنشهد على سربرنيتسا. لقد ذهبت إلى أماكن أخرى حيث ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وحيث لم يتحقق سوى قدر ضئيل من العدالة والمصالحة، وحيث تظل هناك حقيقة مروعة غير معترف بها وتعتبر مجرد “رأي” اعتمادًا على “الجانب الذي تقف فيه” أو حقيقة مفادها أن لا أحد يجرؤ على النطق.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قمت بزيارة مدينة حماة السورية. حدث ذلك بعد سنوات قليلة من المذبحة الشائنة التي ارتكبها نظام الأسد سنة 1982 ضد انتفاضة محلية، مما أسفر عن مقتل جماعي لأكثر من 20 ألف شخص، بما في ذلك، كما هو معتاد في أعمال الإبادة الجماعية، عائلات بأكملها. وأكثر ما أذهلني في المكان، عندما كنت أسير في شوارعه، هو مدى حذر الناس ومدى ترددهم في استقبال شخص غريب وكيف اختلف سلوكهم المشبوه عن حسن الضيافة في أماكن أخرى من البلاد.

أتذكر أحد جوانب حماة التي كانت تقشعر لها الأبدان بشكل خاص: عندما وجدت نفسي أسير فوق تلة محاطة ببناء جديد نسبيًا. كان موقع المقبرة الجماعية حيث قام النظام بإلقاء جثث القتلى بعد القتل الجماعي، ثم غطاها بالتراب وقام ببناء موقف للسيارات. إن الصمت الذي أعقب ذلك، وغياب الاحتجاجات الدولية دون عواقب لمرتكبي الجرائم أو تحقيق العدالة للضحايا، كان معلقا بثقله في الهواء.

واليوم في سوريا، والعديد من البلدات في العراق ولبنان وأماكن أخرى في المنطقة، ناهيك عن الحرب المستمرة في غزة، أصبحت حماة مجرد واحدة من بين العديد من الأماكن الحزينة. وتساءلت: هل سيطارد هذا الشعور سريبرينيتسا أيضًا؟

كان من المستحيل تفويت زيارة النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا على جانب الطريق عند اقترابنا من المدينة، حيث يوجد أكثر من 6000 قبر محدّد، بما في ذلك عدد قليل من القبور الجديدة. ومع استمرار العثور على قبور غير مميزة في جميع أنحاء البلاد، يتم استخراج الرفات والتعرف عليها قبل إعادة دفنها في المقبرة التذكارية. وصادف أنه كان ثاني أيام عيد الفطر عندما وجدنا أنفسنا هناك أنا ورفيقي. ومن حولنا، كان هناك سيل مستمر من العائلات تتوافد لزيارة أحبائهم الموتى، كما هو معتاد في العيد عند العديد من المسلمين، لأنه كما هو الحال دائمًا، يكون الموت أصعب على الأحياء.

قطة تعبر النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا.

على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك مباني مهجورة كانت تؤوي قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة، حيث انكشفت بشكل مأساوي واحدة من إخفاقات المجتمع الدولي العديدة. في الساعات الأولى من يوم 6 تموز/ يوليو 1995، هاجمت القوات الصربية سريبرينيتسا وقوات حفظ السلام الهولندية (الكتيبة الهولندية) المتمركزة هناك كجزء من قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة.

خلال الأيام القليلة التالية، سقطت القرى المحيطة ببلدة سريبرينيتسا وموقع الأمم المتحدة في أيدي القوات الصربية، على الرغم من طلبات الكتيبة الهولندية المتكرّرة للحصول على الدعم من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي – وهو الدعم الذي لم يأتِ قط لأسباب لا تزال غير واضحة. ومع تشديد القوات الصربية حصارها للمنطقة، فرّ البوشناق سيرًا على الأقدام، وشقّوا طريقهم إلى مدينة سريبرينيتسا التي سقطت في أيدي الصرب في الحادي عشر من تموز/ يوليو من تلك السنة. ولم تخف القوات الصربية نواياها، ولا طبيعة الصراع طويل الأمد لهذا الصراع.

أعلن الجنرال الصربي البوسني راتكو ملاديتش لدى دخوله المدينة التي صنفتها الأمم المتحدة منطقة آمنة: “لقد حان الوقت للانتقام من الأتراك هنا”. وكان ملاديتش يشير إلى معركة كوسوفو، حيث هزم العثمانيون أميرًا صربيًا سنة 1389. تبع ذلك المزيد من النزوح. وشكّل الرجال والفتيان البوسنيون طابورًا وانطلقوا إلى الغابة، بهدف عبور الأراضي الصربية إلى الأراضي البوسنية والهرسك الآمنة. وبدأ نحو 30 ألف امرأة وطفل ومسن التحرك نحو مجمع الأمم المتحدة بحثًا عن ملاذ ومساعدات إنسانية.

حاول الجنود الهولنديون المساعدة فقاموا بفتح فتحة في سياج مجمعهم للسماح بدخول أكبر عدد ممكن من اللاجئين، وهو عدد لم يكن كثيرًا، نظرًا للمساحة المحدودة والمراحيض الفائضة وتضاؤل ​​الإمدادات الغذائية والطبية. لقد استمروا في طلب الدعم من المجتمع الدولي – عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية والغطاء الجوي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي لم يأتِ أبدًا. (مؤخرا اعتذرت الحكومة الهولندية للمحاربين القدامى في الكتيبة الهولندية، واعترفت بأنهم أُرسلوا في مهمة “ثبت في نهاية المطاف أنها مستحيلة التنفيذ”، مع خذلان العالم لضحايا الإبادة الجماعية في سربرينيتسا “بأبشع طريقة”.

وهناك لقطات لملاديتش وهو يخاطب اللاجئين، ويعدهم بعدم تعرض أي منهم للأذى لأنهم كانوا على وشك أن يتم نقلهم (قسرا) في حافلات خارج الأراضي الصربية – وهي الوعود التي لم يكن لديه أي نية للوفاء بها. واقترح أن يذهب النساء والأطفال أولاً، من أجل الفروسية، كما أشار ضمنًا. ولكن في الواقع، كان لديه خطط أخرى للرجال. بدأت حافلات الإخلاء في الوصول، ومع وقوف قوات حفظ السلام التابعة للكتيبة الهولندية، بدأ الصرب فصل الرجال والفتيان عن بقية اللاجئين. كما أسر الصرب الآلاف من الرجال والفتيان البوسنيين من الطابور الذي انطلق سيرًا على الأقدام إلى الغابة.

على امتداد الأيام القليلة التالية، أعدمت القوات الصربية بشكل منهجي وبدم بارد نحو 8000 رجل وصبي بوسني. لقد فعلوا ذلك في المروج والمزارع العسكرية وفي المباني المدرسية المهجورة وداخل المراكز الثقافية السابقة. وروى الناجون في وقت لاحق قصصهم المرعبة خلال شهاداتهم في لاهاي.

تمكنت أنا ورفيقي من دخول المجمّع المهجور تقريبًا، والمغلق أمام الجمهور، وسرنا عبر بعض مبانيه غير السليمة التي ظلت قائمة دون تغيير منذ الحرب. داخل أحد المستودعات، برزت حفرة مربعة داكنة مملوءة بالمياه في الأرضية الخرسانية الناعمة ولكن القذرة. كان هناك حيوان بحجم خنزير يطفو على سطحه، منتفخ وميت منذ فترة غير معروفة من الوقت. لقد بدا ذلك كناية مناسبة عن الفظائع التي شهدها هذا المكان، الفظائع التي عجزت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عن منعها.

أطلال مقر الكتيبة الهولندية في سريبرينيتسا.

بينما تستمر البوسنة والهرسك في مواجهة إنكار الإبادة الجماعية، والخلافة بين الفصائل، والتدخل الأجنبي المتزايد، ماذا يخبئ المستقبل؟ هل هي دولة فاشلة مثل بعض الدول التي كنت أعتبرها موطني ذات يوم؟ لقد طرحت هذا السؤال على بيتر ليبمان، مؤلّف كتاب “النجاة من السلام: النضال من أجل التعافي بعد الحرب في البوسنة والهرسك”. وأجاب قائلا: “الإجابة المختصرة هي أن البوسنة والهرسك هي شكل خاص من أشكال الدولة المختلة التي يحكمها ساسة محليّون فاسدون في ظل التمكين الكامل من المسؤولين الدوليين”. وأضاف ليبمان أن البلاد لا تزال “في شكل ما بعد الحرب ولم تتح لها الفرصة بعد لتكون دولة، لذلك لا يمكن أن تكون دولة فاشلة بالتعريف الكلاسيكي”.

ربما يعبر أحد المشاعر التي لاحظناها أنا ورفيقي أثناء التنزه عن المزاج العام السائد في البلاد. وجاء ذلك ردًا على تساؤل السائحين بصوت عالٍ، باللغة الإنجليزية، عما إذا كان بإمكانهم ركن سياراتهم بالقرب من بداية الطريق فأتى شرطي وقال “نعم، نعم، لا بأس” ثم تعطيه 10 قروش. وأكد لهم رجل محلي في منتصف العمر بضحكة مكتومة “هذه البوسنة. إنه الغرب المتوحش”. وكان ذلك أيضًا مألوفًا.

رشا العاص

موقع نون بوست




اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

يصر ديفرين، سائق الأجرة البريطاني، على أن يشير بيده لمحدّثه إلى مساحات خضر على جانبي الطريق بين لندن ومدينة ستانستد (شمال شرقي العاصمة البريطانية) قائلاً: «هذه الحقول مزروعة بالقمح». كلما انكشفت للطريق السريع مساحة خضراء، كرر ديفرين جملته: «حقول قمح، بدأ بعضها يميل إلى الاصفرار». ثم يفسّر إصراره على الإشارة إلى ذلك بأنها المرة الأولى التي يرى فيها مساحات مزروعة بالقمح في هذه المنطقة، عازياً لجوء بريطانيا إلى زراعتها إلى الحرب الروسية ـــ الأوكرانية.

ثم يخوض مع محدثه في حوار عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد بعد انتهاء فترة كورونا، إذ أصبح جنيهاً ونصف الجنيه سعر كل سلعة كانت تباع بجنيه واحد قبل سنة ونصف السنة. ويقول ديفرين ساخراً: «هل تعيد حقول القمح هذه الأسعار إلى ما كانت عليه؟ كل شيء في هذه البلاد، من السلعة البسيطة إلى إيجار المنازل، ارتفع سعره نحو 50 في المائة، فيما الرواتب لا تزال على حالها». ويضيف: «كذلك ارتفعت الرسوم الحكومية وأقساط الجامعات، وكأن الحكومة تريد استرداد المبالغ الطائلة التي أنفقتها خلال إغلاق (كورونا) على الناس والشركات».

ما يتمناه ديفرين وكل البريطانيين وسواهم من سكان دول العالم يحتاج إلى «معجزة مالية ونقدية»، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي إسلام الشافعي لـ«الشرق الأوسط».

ويوجز الشافعي، الذي يتابع الاقتصاد العالمي من مكان إقامته في نيويورك، ما أصاب العالم خلال هاتين السنتين بالأرقام والوقائع، قائلاً: «تسببت الحرب الروسية ــ الأوكرانية في مشكلات للاقتصاد العالمي أدت إلى تباطئه، خصوصاً أن هذا الضغط جاء بعد الخروج من فترة كورونا التي أحدثت أزمة في سلاسل الإمداد وحالة من التضخم في كثير من الاقتصادات الكبرى. وعلى سبيل المثال، وصل التضخم في بريطانيا إلى 11 في المائة، وهذا من أعلى معدلات التضخم المتوقعة لدولة صناعية مثل بريطانيا لكنه عاد وانخفض إلى 2 في المائة في مايو (أيار) الماضي فيما سمي إعجازاً نقدياً ومالياً.

ذلك مع العلم أن انخفاض التضخم لم ينعكس على السلة الاستهلاكية للبريطانيين التي ترتفع سلعها بوتيرة بطيئة. وكذلك أصاب التضخم أميركا، إذ توقع البنك الدولي تراجع الاقتصاد الأميركي من 5.7 في المائة إلى 1.6 في المائة، وتراجع الاقتصاد الصيني، (مصنع العالم) من 8.1 في المائة إلى 3.2 في المائة».

وبعد كورونا فوراً، جاءت الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وهما دولتان ذواتا مشاركة كبيرة جداً في حجم التجارة العالمية، فتعاظمت مشكلة الإمدادات وتعطلت سلاسلها نتيجة الحرب التي لم تقتصر تداعياتها على مسألة الحبوب وزيوت الطعام، بل على سبيل المثال أيضاً تسببت في إغلاق جزئي لصناعة السيارات في ألمانيا، وكذلك تأثرت كثيراً صناعة الحديد والصلب في اليابان. حصلت اضطرابات كثيرة عالمية في الصادرات السلعية، كما حصل ارتفاع كبير في كلفة النقل، إذ فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على الطائرات والشاحنات في روسيا ما رفع تكلفة النقل 60 في المائة.

وهذا ما تؤكده دراسة حديثة نشرها «مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية»، إذ أكد أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت مزيداً من الأعباء على الاقتصاد العالمي؛ فارتفعت الديون، وزاد حجم الاستثمارات الخاصة المتعثرة، وشهدت التجارة الدولية أبطأ معدل للنمو لم تشهده منذ خمسة عقود، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة جعل من الصعب على الحكومات والشركات الخاصة الحصول على الائتمان وتجنب التخلف عن السداد. ويزداد ذلك بشكل خاص بالنسبة للعديد من الاقتصادات ذات الدخل المنخفض مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وابتعاد المستثمرين عن الأسواق الناشئة خوفاً من التوقعات العالمية الضعيفة بالفعل، والانكماش الإقليمي.

وتفيد الدراسة بأن الديون الحالية، وخاصة في شكل سندات حكومية وصكوك، تتعرض لضربة قوية بالفعل مع انخفاض قيمتها في التداول، حيث تفيد التقارير بأن السندات السيادية في بعض الدول الأوروبية كانت من بين أسوأ السندات العالمية أداءً خلال تلك الفترة المواكبة لبداية حرب إسرائيل على غزة. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للحكومات ذات التصنيفات الائتمانية الجيدة إلى الممتازة، فإن الحكومات ذات الائتمان الأضعف ستشهد خصم الديون الحالية في التداول، ويصبح الوصول إلى الديون الجديدة أكثر تكلفة، وربما أكثر صعوبة في جذب المستثمرين.

إشارة أخرى للتأثير الاقتصادي ستكون في صناديق المؤشرات للأسهم في الأسواق الناشئة، مما يعني أن الشركات المدرجة في البورصات الإقليمية مدرجة في المؤشرات الرئيسية، مثل مؤشر MSCI. وقد انخفضت أسهم الأسواق الناشئة في MSCI بنسبة 1 في المائة تقريباً في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بسبب التوترات في الشرق الأوسط والصراع المحتمل.

لاعبان كبيران

للحرب الروسية تكلفة كبيرة على أكثر من صعيد، وتقدر بمليارات الدولارات. وفيما لم تعلن الدول الخسائر التي تكبدتها، فإن «سكاي نيوز» نقلت في فبراير (شباط) الماضي تصريحاً لمسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية (لم تذكر اسمه) قال فيه إن روسيا أنفقت على الأرجح 211 مليار دولار على تجهيز أفراد قواتها ونشرهم وصيانة أسلحتهم لتنفيذ عمليات في أوكرانيا، وإن موسكو خسرت أكثر من 10 مليارات دولار بسبب إلغاء صفقات أسلحة أو تأجيلها، مضيفاً أن «الحرب كلفت روسيا نحو 1.3 تريليون دولار من النمو الاقتصادي المتوقع حتى عام 2026».

جاء التصريح الأميركي فيما كانت إدارة الرئيس جو بايدن تمارس ضغوطاً على مجلس النواب الأميركي لقبول حزمة من المساعدات الأمنية الدولية بقيمة 95 مليار دولار لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان.

لماذا كان للحرب الروسية ــ الأوكرانية كل هذا التأثير؟ يضيف الشافعي قائلاً: «لأن روسيا وأوكرانيا لاعبان دوليان كبيران في الاقتصاد العالمي؛ يسيطران على 53 في المائة من التجارة العالمية لزيت الطعام والحبوب، ويستحوذان على 27 في المائة من تجارة القمح العالمية. وهذه نسب كبيرة جداً. ويضاف إلى ذلك توقف صادرات النفط الروسي، التي تشكل 12 في المائة من السوق العالمية للنفط، وكذلك المشتقات النفطية التي تشكل 15 في المائة من تجارة العالم. توقّف هذه الصادرات أدى إلى عجز كبير، ومن ثم ارتفاع كبير في الأسعار. أوروبا تستورد 45 في المائة من حاجتها للنفط والغاز من روسيا، وتوقف ذلك ينعكس ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.

إلا أن الغاز والنفط الروسيين استمرا، رغم الحرب، في التدفق إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب الأوكرانية إلى مصافي التكرير في التشيك وسلوفاكيا والمجر». ووفق تقرير لمجلة «إيكونوميست»، فإن أوروبا كانت تعتمد على روسيا في 40 في المائة إلى 45 في المائة من وارداتها من الغاز ونحو ربع نفطها. ومنذ ذلك الحين، حاولت روسيا التنمر على أوروبا لإسقاط العقوبات الاقتصادية عن طريق خنق الإمدادات. لكن أوروبا، بدورها، فصلت نفسها تقريباً عن الطاقة الروسية. لكن ليس بالكامل، إذ يواصل الجانبان الالتزام باتفاق نقل الغاز الذي تم التوصل إليه بوساطة من الاتحاد الأوروبي لعام 2019 الذي تنتهي مدته نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتسدل معه واحدة من أقدم وأكبر الروابط الاقتصادية بين روسيا وأوروبا من خلال نقل الغاز. كييف من جهتها أعلنت أنها لن تمدد الاتفاق مع شركة «غازبروم» الروسية، فيما أكد مسؤولون روس أنه لا مفاوضات جارية مع أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي.

الأمن الغذائي

أما بالنسبة إلى الغذاء، فيقول الشافعي: «كل دولة تأثرت بحسب اعتمادها على نفسها، وبحسب علاقتها في الاستيراد من روسيا أو أوكرانيا. دول الشرق الأوسط تعتمد بنسبة 75 في المائة من وارداتها من القمح على أوكرانيا وروسيا. أضف إلى ذلك، محاولة الغرب مساندة أوكرانيا ضد روسيا، وهي أصلاً خرجت من فترة كورونا منهكة». وأضاف: «بالتزامن مع ذلك، ارتفعت أصوات في بريطانيا تطالب بخفض ميزانية الدفاع من أجل التخلص من حالة التضخم، على اعتبار أن بريطانيا لا تملك ما يكفي لإمداد أوكرانيا بالسلاح، فيما أميركا تعاني من ديون تبلغ 33 تريليون دولار ومشكلات داخلية وتضخم، وهي مطالبة بإمداد أوكرانيا للوقوف أمام روسيا التي تعد خصماً غير سهل. الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن نقاط الضعف في التصنيع العسكري في دول الاتحاد الاوروبي وأميركا أيضاً. وكل ذلك شكل ضغوطاً رهيبة على ميزانيتها التي كانت أصلاً مضغوطة».

من جانبه، يؤكد الخبير الدولي في الأمن الغذائي مهاب فؤاد الأعور لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الأمن الغذائي العالمي تتأثر بشكل كبير في الجائحات والأزمات العالمية بين الدول، مشيراً إلى أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تركت صدمة في أسواق السلع الغذائية وأضعفت التعافي عقب جائحة كورونا، حيث أسهمت في حدوث ركود اقتصادي وارتفاع للأسعار خلال الأعوام الماضية متأثرة بضعف الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والطاقة، وتقويض فرص العمل والدخل للأشخاص الأكثر ضعفاً، وهو ما حال دون حدوث انخفاض في معدلات الجوع المستهدفة عالمياً، حيث توقع التقرير الأخير حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أن يعاني ما يقرب من 600 مليون شخص من نقص تغذية مزمن في عام 2030. وهو ما يزيد بنحو 23 مليوناً لو لم تحدث الأزمة الروسية الأوكرانية.

ويقول الأعور: «إن دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على روسيا وأوكرانيا، حيث تأتي مصر في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تعتمد على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بما يساوي 23 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2020، وتليها السعودية بمبلغ 17 مليار دولار في الفترة نفسها، وبعدها تركيا بحوالي 12.5 مليار دولار، ثم المغرب بمبلغ 8.7 مليار دولار، والإمارات بـ6.1 مليار دولار، والجزائر بمبلغ 5.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2017، ثم تونس والسودان والأردن واليمن وليبيا وفلسطين والكويت وقطر وعمان».

اتفاق الحبوب

وكانت روسيا وافقت على صفقة مع أوكرانيا، بوساطة تركيا والأمم المتحدة، تقضي بتسهيل مرور الصادرات الزراعية الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود لمدة عام انتهى في يوليو (تموز) 2023. وتجرى حالياً مفاوضات لإعادة تفعيل الاتفاق الذي قضى بعودة حجم صادرات الحبوب الأوكرانية إلى مستوى ما قبل الحرب؛ أي تصدير 5 ملايين طن متري شهرياً، وتضمن الاتفاق عدة بنود وقَّع عليها الأطراف الأربعة.

ونصَّ الاتفاق على أنه يقضي بتفتيش السفن المشاركة في تصدير الحبوب الأوكرانية عند الدخول والخروج من البحر الأسود للتأكد من عدم حمل أسلحة على متنها، وهذا ما قد أعلن عنه أطراف الاتفاق، كما تضمن الاتفاق أنه تُصدر الحبوب من خلال ثلاثة موانئ بحرية هي: أوديسا، ووچورنوموركس، ويوزهنو، على أن تكون تلك الموانئ مطلة على البحر الأسود، وأهم تلك الموانئ ميناء أوديسا الذي يطل على البحر الأسود.

متى التعافي؟

هل هناك أمل بالتعافي القريب؟ يجيب الشافعي: «التعافي يكون في كل دولة بحسب وضعها وإمكاناتها وقدراتها على التعامل مع الصدمة. هناك دول بدأت تتحدث عن تعاف مثل بريطانيا التي أفادت آخر الأرقام بأن التضخم فيها نزل من 11 في المائة إلى 2 في المائة، وهذا أكبر معدل هبوط للتضخم على مدار 50 سنة، لكن التأثير سيبقى قوياً ما دامت هاتان الحربان قائمتين».

عمال يجلسون أمام لافتة كُتب عليها: «أوقفوا وحش التضخم» في ميناء هامبورغ (رويترز)

أما الأعور فيؤكد أن «الأزمة تسببت في تباطؤ التعافي في عام 2022 بنسبة نقطة مئوية واحدة حيث سجل 3.4 نقطة مئوية فقط. كما أن مؤشر منظمة الفاو لأسعار الأغذية قفز لأعلى مستوى له على الإطلاق في مارس (آذار) 2022. وهو ما رفع فاتورة واردات الأغذية في العالم لأعلى مستوى لها في 2022، كما شهدت فاتورة واردات المدخلات الزراعية العالمية زيادة بنسبة 48 في المائة لتصل إلى 424 مليار دولار أمريكي في العام نفسه. وارتفعت معدلات التضخم طوال عام 2022 في جميع الاقتصادات تقريباً، وتجاوز التضخم الكلي العالمي 9 في المائة خلال النصف الثاني من العام، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1995».

وتأتي أهمية الأزمة لكونها شملت اثنين من منتجي السلع الرئيسيين في العالم، حيث كانا في 2021 من بين أكبر ثلاثة مصدرين عالميين للقمح والذرة وبذور اللفت وأقراص بذور دوار الشمس. كما أن روسيا تعدّ مصدراً بارزاً للأسمدة. وفي الفترة بين عامي 2016 و2021، أنتجت أوكرانيا وروسيا أكثر من 50 في المائة من إمدادات العالم من بذور دوار الشمس، و19 في المائة من الشعير في العالم، و14 في المائة من القمح، و30 في المائة من صادرات القمح العالمية، مع اعتماد ما لا يقل عن 50 دولة على روسيا وأوكرانيا للحصول على 30 في المائة أو أكثر من إمدادات القمح.

وفي تقرير منفصل، رفعت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو)، توقعاتها للإنتاج العالمي من الحبوب في 2024 بنحو 7.9 طن بزيادة 0.3 في المائة لتصل إلى 2.854 مليار طن بزيادة طفيفة على مستويات 2023 ليسجل أعلى مستويات له على الإطلاق.

ويضيف الأعور: «تم اتخاذ إجراءات لمواجهة التحديات عبر استراتيجيات لتغيير النظم الغذائية والعمل على توفير أنظمة غذائية صحية مستدامة وميسورة التكلفة، وتشمل دمج السياسات الإنسانية والإنمائية وسياسات بناء السلام في المناطق المتضررة من الصراعات، وتعزيز قدرة الفئات الأكثر تضرراً على مواجهة الأزمات الاقتصادية، والمشاركة في إدارة سلاسل الإمداد الغذائي لخفض تكاليف المواد الغذائية، وحل مشكلة الفقر وعدم المساواة، وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلك لتعزيز الأنماط الغذائية ذات الآثار الإيجابية على صحة الإنسان والبيئة، فضلاً عن السياسات التي تم اتخاذها في كل بلد على حدة لمواجهة تلك المشكلات».

النداءات الإنسانية

أطفال فلسطينيون يبحثون عن بقايا طعام في القمامة في منطقة دير البلح بعد انتشار المجاعة جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة (دي بي أي)

الأزمات التي تعاني منها الدول، خصوصاً الدول المانحة، انعكست سلباً على مساعدة الفئات الأكثر تضرراً من الحروب. ويقول الشافعي: «في بداية الحرب الروسية – الاوكرانية غادر أوكرانيا 7 ملايين شخص إلى دول أوروبا. والأمم المتحدة تقول إن هناك 15 مليوناً في حاجة إلى الغوث. ومن ثم فهذه الحرب سببت ضغطاً شديداً على هذه الدول التي لديها مشكلاتها ومصاعبها المالية، ما جعل نداءات الأمم المتحدة لتمويل اللاجئين تقابل باستجابات ضعيفة جداً. وإذا أضفت إلى ذلك حركة اللجوء الفلسطيني الآن والاحتياج الإنساني نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة وضرب منظمة أونروا وما إلى ذلك، فهي تحتاج إلى مصاريف أكثر ودعم أكبر».

تأثير حرب غزة

وبالنسبة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن تأثيرها المباشر والكبير كان على إسرائيل نفسها، إذ تعطل الاقتصاد الإسرائيلي وتكبد خسائر فادحة، حيث أظهرت معطيات بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى نهاية مارس 2024، بلغت أكثر من 270 مليار شيقل (73 مليار دولار).

وبحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، فإن كلفة الحرب اليومية منذ 7 أكتوبر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2023، بلغت مليار شيقل يومياً (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيقل (94 مليون دولار).

لكن تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي نتج عن الهجمات المستمرة لـ«الحوثيين» (الانقلابيين اليمنيين) على السفن في البحر الأحمر، ما تسبب في تراجع حركة مرور السفن بشكل كبير، وانخفض حجم التجارة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره السفن للوصول إلى قناة السويس من المحيط الهندي، بنسبة كبيرة.

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس المصرية أسامة ربيع، في أحدث بيان، بأن عدد السفن التي تستخدم القناة انخفض إلى 20148 سفينة في عام 2023-2024 من 25911 سفينة في العام المالي الذي سبقه 2022-2023، وبالتالي تراجعت إيراداتها إلى 7.2 مليار دولار من 9.4 مليار دولار .

وقدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ومركزها باريس)، الاثنين 5 فبراير 2024، أنّ الارتفاع الأخير في أسعار الشحن البحري قد يؤدي إلى زيادة تضخم أسعار الواردات في بلدان المنظّمة الثمانية والثلاثين بنحو 5 نقاط مئوية إذا استمرت هذه الزيادة بأسعار الشحن، وفق ما نقلت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية المختصّة بالاقتصاد.

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

يعلق الشافعي على ذلك بالقول: «بالنسبة إلى حرب غزة ما كان ليكون لها تأثير دولي لولا التحرك الإيراني في الأساس، الذي ينفذه الحوثيون في البحر الأحمر، لعرقلة الملاحة فيه. قناة السويس يمر فيها 12 في المائة من التجارة العالمية، ومن هنا جاء التأثير على 12 في المائة من حركة التجارة العالمية. ووفق بيانات هيئة قناة السويس، فإن مرور السفن ناقلات المستوعبات انخفض بنسبة 67 في المائة، ومن ثم فإن هذه السفن أصبحت تتفادى المرور في البحر الأحمر وتذهب عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد كلفة النقل نتيجة زيادة المسافة التي أصبحت تقطعها 6 آلاف كيلومتر و15 يوماً في الملاحة، ومن ثمّ زيادة في استهلاك الوقود والوقت في إيصال البضائع، ما انعكس سلباً على التجارة العالمية، إضافة إلى تسديد المستهلكين هذه الأثمان الإضافية».

وعلى الرغم من تأزم الأوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم، فإن صندوق النقد الدولي يرى أن هناك تعافياً عالمياً مطرداً «لكنه بطيء ويختلف من منطقة إلى أخرى». ويقول الصندوق في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي 2024 – 2025» الصادر في أبريل (نيسان) الماضي: «تشير تنبؤات السيناريو الأساسي إلى استمرار نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وتراجع التضخم العالمي باطراد، من 6.8 في المائة في 2023 إلى 5.9 في المائة في 2024، و4.5 في المائة في 2025، مع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات التضخم المستهدفة في وقت أقرب من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ومن المتوقع بوجه عام أن يشهد التضخم الأساسي تراجعاً بشكل أكثر تدرجاً.

مالك القعقور

صحيفة الشرق الاوسط




«حزب ترمب الجمهوري»… جديد الأولويات ومتعدد الأعراق

أورين كاس، المستشار الاقتصادي السابق لحملة المرشح الجمهوري الرئاسي السابق السيناتور ميت رومني الرئاسية، توقّع في سنوات سابقة «نشوء تيار محافظ متعدّد الأعراق منسجم مع الطبقة العاملة كأساس لحزب جمهوري فعلي، يمكن أن يحقق غالبية حاكمة دائمة». لكنه قال بالأمس إن ما سمعه مجتمع الأعمال في وول ستريت، في مؤتمر الحزب «ينبغي أن يُشعرهم بالفزع والقلق العميقين».

وحقاً، يرى مراقبون ومحللون أن ما يجري اليوم من تغييرات على بنية الحزب الجمهوري الأميركي وخطابه، هو نتيجة تلاقي التغيّرات الاقتصادية والديموغرافية والثقافية، بما في ذلك الحركة العمالية الصاعدة حديثاً، التي يجد الحزب الجمهوري نفسه منجذباً إليها بشكل متزايد، على الأقل اسمياً. وهذا التطوّر، خاصة، أدى إلى تسريع مغازلته لها، من خلال محاولته تجديد نفسه عبر خطاب شعبوي. وهنا يعلق النائب الجمهوري اليميني جيم جوردان موضحاً: «أعتقد أن الرئيس ترمب جعل حزبنا كما كان ينبغي أن يكون عليه دائماً… حزب شعبوي متجذّر في المبادئ المحافظة».

في وضع كهذا، كان جي دي فانس هو الخيار الأكثر تميّزاً الذي يمكن أن يتخذه ترمب، من أجل الدفع بخطابه السياسي ومحاولته توسيع «الترامبية» السياسية على المدى الطويل. وحقاً، بعد ما يقرب من تسع سنوات، تحول ترمب إلى الوجه الوحيد للسياسة الجمهورية والزعيم بلا منازع لحركة «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى».

ومن جهة ثانية، مع اختيار ترمب لفانس، بدا أنه يدفع به ليكون طليعة القيادة السياسية الجديدة والشابة للحزب الجمهوري، رافعاً إياه إلى مكانة بارزة على المستوى الوطني في حركة سياسية كانت تختمر على اليمين منذ عدة سنوات.

تسمية فانس لنيابة الرئيس خلال فعاليات المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الأميركي في ميلووكي (سي إن إن)

ومع تعريف نفسه بأنه عضو في «يمين ما بعد الليبرالية»، بات فانس أول مرشح جمهوري لمثل هذا المنصب الرفيع، يعلن انتماءه لهذا التيار الجديد. وفي حين يشترك أتباع «ما بعد الليبرالية» في الاهتمام ببناء مجتمعات قوية، وبسياسات اقتصادية حمائية قد تساعد في كسب تأييد البيئات العمالية التي مزّقها نقل وظائف التصنيع إلى الخارج، فإنهم يضيفون أيضاً ثقلاً فلسفياً إلى هجوم ترمب على «الدولة العميقة». وفي ظل القيد الدستوري الذي يمنع أي شخص من تولي الرئاسة الأميركية أكثر من فترتين، فرضت هذه الفترة القصيرة أهمية إضافية إلى مسألة ما سيأتي بعد ذلك بالنسبة لـ«الترامبية»، الحركة التي ارتبطت بترمب الذي نجح في تحويل الحزب الجمهوري بشكل كامل. وبالتالي، من المنطقي، أن جي دي فانس، ابن الـ39 سنة، سيكون على الفور المرشح الأوفر حظاً للسباق الرئاسي الجهوري لعام 2028، وقد لا يترك البيت الأبيض إلّا في عام 2037، إذا فاز مرتين بالرئاسة.

في الحقيقة، لا يُنظر الآن إلى فانس بصفته سياسياً فحسب، بل بصفته مثقّفاً قادراً على صياغة فلسفة حكم، إلى الحد الذي وصفه فيه الحركي والمفكر اليميني ستيف بانون – كبير مستشاري ترمب السابق -، بأنه «كما كان القديس بولس بالنسبة ليسوع المسيح، فإن فانس المتحول المتحمس، سينشر إنجيل الترمبية أبعد من ترمب نفسه».

وبالفعل، يأمل الجمهوريون في أن يؤدي اختيار هذا السياسي العصامي الشاب إلى تعزيز التوجهات الديموغرافية الجديدة للحزب لدى الطبقة العاملة، والشباب، وبخاصة، بعدما روى في كتابه «مرثاة هيلبيلي»، الذي حولته منصة «نيتفليكس» إلى فيلم بالاسم نفسه عام 2020، نشأته الصعبة في المناطق الفقيرة في ولايتي أوهايو وكنتاكي. ومن ثم أصبح كتابه الأكثر مبيعاً والأكثر قراءة تقريباً، حتى من قبل الليبراليين، الذين يسعون إلى فهم كيف أخفق الديمقراطيون في الانتخابات التي خرج فيها الناخبون البيض من الطبقة العاملة بأعداد قياسية لانتخاب ترمب… وهذا ما حصل فعلاً يومذاك، ولا سيما، في ولايات «الصدأ» التي أصبحت متأرجحة، وقد تحسم نتيجة السباق الرئاسي هذا العام.




ترمب اختار فانس للدفع بـ«الترمبية» قدماً… وتغيير هوية حزب ريغان

لسنوات عدة، كان الحزب الجمهوري الأميركي يمرّ بتغيير جذري، حيث يتبنى بشكل متزايد الشعبوية الاقتصادية في الداخل والانعزالية في الخارج، ويغيّر مواقفه في العديد من القضايا الاجتماعية. ثم إنه لم يعد فقط حذِراً من بعض المصالح التجارية الكبرى، بل صار معادياً لها. لا، بل أكثر من ذلك، إذ عمل على طرح نفسه ليكون حزب الطبقة العاملة، وكل ذلك تحت شعار «أميركا أولاً». ومع أن الرئيس السابق دونالد ترمب عاد، خلال رئاسته الأولى، إلى آيديولوجية الحزب الجمهوري الأكثر تقليدية بشأن بعض القضايا، فإن اختياره جيمس ديفيد «جي دي» فانس نائباً له على بطاقة الانتخابات الرئاسية المقبلة، هو الذي يمكن، في نهاية المطاف، أن يعزّز مسار الحزب نحو مرحلة جديدة مختلفة. وهذا ما يبدو أنه حدث في مؤتمر الحزب الذي انعقد خلال الأيام القليلة الماضية في مدينة ميلووكي؛ كبرى مدن ولاية ويسكونسن.

الواقع أنه خلال مؤتمر الحزب الجمهوري بميلووكي، لم يقتصر الأمر على اختيار السيناتور جي دي فانس، المعارض لتقديم الولايات المتحدة مساعدات لأوكرانيا، بل تبني الحزب أيضاً خطاباً اجتماعياً مخففاً، بجانب انتقاد الشركات الكبرى، وهو ما عدّه البعض إشارة إلى تراجع دور الإيفانجيليين البروتستانت المتشددين في رسم سياسات الجمهوريين.

ومن فوق منصة المؤتمر، خرج برنامج الحزب خالياً من أي ذكر لـ«الزواج بين رجل وامرأة»، الذي يندرج كعنصر أساسي في مبادئ الحزب منذ فترة طويلة، لمصلحة تعزيز «ثقافة تقدّر قدسية الزواج» و«الدور التأسيسي للعائلات». الأمر الذي رحّب به الجمهوريون المؤيدون لمجتمع المثليين وعدّوه انتصاراً، في حين رآه كثيرون بمثابة ضربة للجناح المحافظ المتشدّد في الحزب، ومن صفوفه قال السيناتور المحافظ السابق، ريك سانتوروم: «هذا برنامج حزب المحافظين البريطاني. هذه ليست منصة محافظة. ترمب يستهدف الوسط مباشرة».

من جهة ثانية، قال مارك شورت، الذي شغل منصب كبير موظفي مايك بنس، نائب ترمب السابق، الذي اختاره عام 2016 للحصول على دعم الإيفانجيليين: «أعتقد أن ما نشهده، الآن، هو هجوم مباشر كامل على التيار المحافظ… يمكنك أن تنظر إلى المنصة، وهي تبتعد عن قضايا مثل الحياة والزواج التقليدي، وتتبنّى التعريفات الجمركية في جميع المجالات». وأردف: «أشعر بأن الحزب ذهب خطوة أخرى إلى الأمام، عندما يكون لديك متحدثون يقولون بشكل أساسي إن (الناتو) كان مخطئاً في موقفه من غزو بوتين لأوكرانيا، ويصفون مَن يخلقون فرص العمل بأنهم (خنازير الشركات)». وخلص إلى القول: «هذا خروج هائل عما كان عليه حزبنا، ولا أعتقد أنه وصفة للنجاح».

ولكن من جي دي فانس؟

بطاقة شخصية وعائلية

وُلد جيمس ديفيد فانس في مدينة ميدلتاون، بجنوب غربي ولاية أوهايو، وأمضى جزءاً من طفولته في مدينة جاكسون، بولاية كنتاكي.

وعلى أثر طلاق والديه تولّى تربيته جدُّه لأمه، بينما كانت الأم تعاني إدمان المخدرات. وبعد تخرّجه في المدرسة الثانوية بمدينة ميدلتاون، التحق بسلاح مشاة البحرية «المارينز»، وخدم 4 سنوات في العراق بمهامّ إدارية، ما مكّنه من توفير كلفة دراسته الجامعية.

وبالفعل، في أعقاب تسريحه من الخدمة العسكرية التحق بجامعة ولاية أوهايو، ثم بكلية الحقوق في جامعة ييل الشهيرة. وبعد تخرّجه عمل في شركة «باي بال»، للملياردير بيتر ثيل، الذي كان شريكاً مع إيلون ماسك فيها. ثم أسّس فانس شركته الخاصة للعمل في رأس المال الاستثماري، ثم رشح نفسه عام 2022 لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، وفاز بالمقعد.

زوجته، أوشا تشيلوكوري فانس، تتحدر من أصول هندية، فولداها مهاجران من الهند. ولقد درست الحقوق في جامعة ييل، وتابعت دراسات عليا في جامعة كمبريدج ببريطانيا. وحققت في مجال المحاماة مسيرة مهنية جداً، وعملت كاتبة لدى قاضي المحكمة العليا جون روبرتس، وقاضي المحكمة العليا بريت كافانو. وفي كتابه «مرثية هيلبيلي» وصفها فانس بأنها «مرشدته الروحية» التي ساعدته على النجاح.

قضايا حملته الانتخابية

يركّز المتابعون، اليوم، على نظرة فانس إلى القضايا التي يرجّح أن تكون محوَر حملته الانتخابية مع ترمب، خلال الأشهر المقبلة، وقد تُهيمن على سياسات البيت الأبيض، في حال فازا بالسباق.

بدايةً، يعارض فانس حقوق الإجهاض بشدة، حتى في حالة سفاح القربى أو الاغتصاب، لكنه مع استثناءات للحالات التي تكون فيها حياة الأم في خطر. وكان قد أشاد بقرار المحكمة العليا الأميركية التي أبطلت هذا الحق، وكان عنواناً رئيساً لترشحه لعضوية مجلس الشيوخ عام 2022، لكنه، رغم ذلك، التحق بموقف ترمب الذي يعارض حظر الإجهاض على المستوى الفيدرالي ويتركه للولايات.

قضية الهجرة كانت أيضاً في طليعة اهتمامات حملته عام 2022، وعكست آراؤه، إلى حد كبير، آراء ترمب، فهو مع إكمال بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وأعلن أنه «سيعارض كل محاولة لمنح العفو للمهاجرين غير الشرعيين، الذين عدَّهم مصدراً للعمالة الرخيصة التي تُخفّض أجور العمال الأميركيين، وتأتي على حساب 7 ملايين أميركي خرجوا من سوق العمل». ثم إنه يفضل ما سمّاه «النظام القائم على الجدارة للمهاجرين»، الساعين إلى الاستقرار في أميركا، قائلاً إن الحدود المفتوحة مصدر للمخدّرات غير المشروعة وتدفق «مزيد من الناخبين الديمقراطيين إلى هذا البلد».

فانس يدعم بقوة، في المقابل، فرض تعرفات واسعة النطاق، خاصة على البضائع المستوردة من الصين؛ «لأنها تشكل تهديداً غير عادل للوظائف والتجارة الأميركية». ولقد قال: «نحن بحاجة إلى حماية الصناعات الأميركية من كل منافسة». ويتوافق موقفه هذا، إلى حد كبير، مع ترمب، الذي اقترح فرض تعرفة جمركية قد تصل إلى 100 في المائة، على بعض البضائع الصينية، وتعرفات شاملة بنسبة 10 في المائة على كل البضائع الواردة إلى البلاد.

وحول البيئة، يرى فانس أن «تغير المناخ لا يشكل تهديداً»، مشككاً في الإجماع العلمي على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض ناجم عن النشاط البشري، ولذا يؤيد بقوة صناعة النفط والغاز التي تهيمن على ولايته أوهايو، ويعارض توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية.

إرث الريغانية

على صعيد آخر، أكثر ما يثير قلق الخائفين على إرث «الريغانية» من فانس مواقفه في السياسة الخارجية، إذ إنه من أبرز «حمائم» الأمن القومي في الحزب، ويعزّز يد القوى الانعزالية الحريصة على التراجع عن إجماع الحزب الجمهوري المتشدد الذي استمر منذ عهد رونالد ريغان. وإذا ما فاز ترمب في الانتخابات، فسيحظى أنصار الإحجام عن التدخل الخارجي بنصير قوي وصريح لهم إلى جانب ترمب.

ومثالاً، فانس من أبرز المعارضين لدعم أوكرانيا في الحرب مع روسيا. وسبق له أن قال، في مقابلة إذاعية مع الحركي اليميني المتشدد ستيفن بانون: «أعتقد أنه من السخف أن نركز على هذه الحدود في أوكرانيا». وتابع: «يجب أن أكون صادقاً معك، لا يهمُّني حقاً ما يمكن أن يحدث لأوكرانيا…». وفعلاً، قاد فانس، قبل أشهر، معركة فاشلة في مجلس الشيوخ؛ لمنع إرسال حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 60 مليار دولار لأوكرانيا. وكتب، في مقالة رأي بالـ«نيويورك تايمز»، موضحاً: «لقد صوتت ضد هذه الحزمة في مجلس الشيوخ، وما زلت معارضاً لأي اقتراح للولايات المتحدة لمواصلة تمويل هذه الحرب.. بايدن فشل في توضيح حتى الحقائق الأساسية حول ما تحتاج إليه أوكرانيا، وكيف ستغيّر هذه المساعدة الواقع على الأرض».

وعلى مواقف كهذه اتهمته ليز تشيني – التي كانت زعيمة كتلة الجمهوريين بمجلس النواب قبل إقالتها لمعارضتها ترمب – على منصة «إكس»، بـ«أنه يستسلم لروسيا ويضحّي بحريّة حلفائنا في أوكرانيا.. لم يعد حزب ترمب الجمهوري هو حزب لنكولن أو ريغان أو الدستور». غير أن فانس أكد أن تقديم المساعدات لأوكرانيا يتماشى تماماً مع إرث رونالد ريغان. وشرح: «انظر، أعتقد أن ريغان كان رئيساً عظيماً، لكنه أيضاً تولى الرئاسة قبل 40 أو 45 سنة في بلد مختلف تماماً».

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن فانس مؤيد ثابت متحمس لإسرائيل، قبل وطوال حربها في غزة، ودافع عن سياساتها في مواجهة الانتقادات المتزايدة بشأن عدد القتلى المدنيين الفلسطينيين. وعندما نظر أعضاء مجلس الشيوخ في مشروع قانون ينص على توفير مساعدات عسكرية لكل من إسرائيل وأوكرانيا، رفض فانس ذلك، وكتب: «لدى إسرائيل هدف يمكن تحقيقه.. أما أوكرانيا فلا».

ثم إنه ردَّد تصريحات رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، عن «الحاجة إلى القضاء على (حماس)»، بعد هجوم «حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وهاجم الرئيس جو بايدن؛ لتأخيره شحن الأسلحة إلى إسرائيل، معترفاً بالضحايا المدنيين في غزة، لكنه ألقى اللوم على «حماس» وليس على إسرائيل.

وأخيراً، بشأن علاقة فانس بترمب، تجدر الإشارة إلى أنه أعاد تشكيل نفسه تماماً باعتباره نصيراً متحمساً لحركة «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» الترمبية، إذ إنه لم يدعم ترمب في السابق، ولم يصوِّت له عام 2016، بل ذهب أبعد ملمّحاً بأنه يمكن أن يكون «هتلر أميركا»، منتقداً خطاباته المناهضة للمهاجرين والمسلمين، لكنه تحوّل فجأة إلى أحد أبرز المدافعين عنه، قائلاً إنه «كان مخطئاً» في تقييم سياساته.

أيضاً أيّد فانس ادعاءات ترمب بتزوير انتخابات 2020، وشكّك في أن (نائب الرئيس) مايك بنس كان في خطر، لأنه رفض، بصفته رئيساً لمجلس الشيوخ، منع التصويت الذي يؤكد صحة فوز بايدن. ومما صرّح به فانس، لشبكة «سي إن إن» قوله: «أعتقد أن أهل السياسة يحبّون المبالغة في الأمور من وقت لآخر. يوم 6 يناير كان يوماً سيئاً، لكن فكرة أن دونالد ترمب عرّض حياة أي شخص للخطر عندما طلب منهم الاحتجاج سلمياً فكرة سخيفة»… وقد حظي بعدها بدعمه للترشح في مجلس الشيوخ عام 2022.

ايلي يوسف

الشرق الاوسط




سيناريوهات تنحي بايدن: بين خيار هاريس والمؤتمر المفتوح

تتصاعد الضغوط على الرئيس الأميركي جو بايدن للتنحي عن السباق الرئاسي في مواجهة الرئيس السابق والمرشح الجمهوري دونالد ترمب، بعد تراجع حظوظه في استطلاعات الرأي.

وبينما أعلنت مديرة حملة بايدن الانتخابية، الجمعة، أن الرئيس الأميركي باقٍ «بالتأكيد» في السباق إلى البيت الأبيض، اتّسعت لائحة كبار الديمقراطيين الداعين لانسحابه، لتشمل رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، النائب الديمقراطي البارز آدم شيف، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وحتى الرئيس باراك أوباما الذي شكّك في قدرة بايدن على الفوز، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وقالت مديرة حملة بايدن، جين أومالي ديلون لقناة «إم إس إن بي سي»، إن «جو بايدن أكثر تصميماً من أي وقت مضى على التغلب على دونالد ترمب». وأضافت: «الرئيس هو قائد حملتنا والبلاد»، مضيفة «من الواضح… أنه أفضل شخص لمواجهة ترمب». ومع ذلك، أقرت مديرة الحملة بأن الأسابيع الماضية كانت «صعبة» بالنسبة لفريق الحملة، وقالت: «شهدنا دون شك بعض التراجع في الدعم، لكنها حركة محدودة».

وبينما تشير كل التوقعات إلى أن مشوار الرئيس الأميركي جو بايدن نحو ولاية ثانية شارف على نهايته، تزداد التساؤلات حول الخطوات المقبلة التي ستتبع هذه اللحظة غير المسبوقة في التاريخ الأميركي.

يقول جون مالكوم، المدعي العام الفيدرالي السابق ونائب رئيس معهد الحكومة الدستورية في «هيرتاج»، إنه على الرغم من أن هذه ستكون المرة الأولى في التاريخ التي يتنحى فيها رئيس حالي، فإنه سبق لرؤساء آخرين أن قرروا عدم خوض ولاية ثانية. وأوضح في حديث مع «الشرق الأوسط»: «لقد قرّر رؤساء مثل ليندون جونسون الانسحاب من السباق لولاية ثانية بعد فوزه في انتخابات نيوهامبشير التمهيدية، لكن ما لم يحدث من قبل هو أن يقرر رئيس الانسحاب بعد تأمين ترشيح حزبه الرسمي في الانتخابات التمهيدية».

ماذا بعد قرار التنحي؟

لافتة انتخابية تطالب بطرد بايدن في المؤتمر الوطني الجمهوري الخميس (رويترز)

فعلياً، أمام بايدن خياران في حال قرر الانسحاب؛ إمّا التخلي عن مهامه بوصفه رئيساً، وتسليم شعلة الرئاسة لنائبته كامالا هاريس التي ستكمل عهده في البيت الأبيض ومشواره لانتزاع ولاية ثانية، وإما الإعلان عن انسحابه من السباق الرئاسي لولاية ثانية وتأييد بديل له.

ولكل من الخيارين تظهر تحديات كبيرة، هنا أبرزها:

-خيار تسليم مهامه لنائبته

قد يكون هذا الخيار هو الأمثل دستورياً في ظاهره، كما فعل الرئيس السابق ريتشارد نيكسون عند استقالته عبر تسليم نائبه جيرالد فورد سدة الرئاسة. لكن من ينظر في تفاصيل الدستور يرى أن المعضلة الأساسية هنا هي في اختيار نائب للرئيس بدلاً من هاريس. فأي خيار سيحتاج إلى تصويت الكونغرس عليه، إذا ما حدث تحت التعديل الـ25، مع احتمال أن يكون صاحب المنصب رئيس مجلس النواب بحكم موقعه الثالث في التراتبية لاستلام الحكم. في هذه الحالة، وبما أن رئيس مجلس النواب هو الجمهوري مايك جونسون، فالأرجح أن يجري تجنب هذا السيناريو.

-خيار «المؤتمر المفتوح»

يطرح هذا الخيار احتمالين اثنين. الأول هو إعلان بايدن عن انسحابه وتأييد هاريس للاستمرار في السباق على رأس البطاقة الديمقراطية، وهذا الخيار المرجح وفق الكثيرين. السبب هو أن تأييده لهاريس سوف يحفز مندوبي الحزب للتصويت لصالحها في المؤتمر الحزبي الوطني الذي سينعقد في 19 أغسطس (آب) بشيكاغو، ما يُعزّز من حظوظها في الحصول على إجماع الحزب، وإظهاره بصورة موحدة بعد الانقسامات التي خيمت عليه إثر الجدل المحيط بتنحي بايدن.

أما السيناريو الثاني فيتمثّل في انسحاب بايدن، وترك الباب مفتوحاً أمام لائحة بُدلاء مفتوحة. ما يرمي الكرة في ملعب مندوبي الحزب الذين أصبحوا غير ملتزمين، بمجرد إعلانه عن الانسحاب. ويوضّح مالكوم: «عندما ينسحب بايدن، يصبح مندوبو الحزب غير ملتزمين. حينها، ينعقد المؤتمر الحزبي المفتوح، حيث يستمر المندوبون بالتصويت إلى أن يفوز مرشح بالأصوات المطلوبة لانتزاع الترشيح». وأشار مالكوم إلى عقد الكثير من المؤتمرات الوطنية «المفتوحة»، كان آخرها في عام 1952 في المؤتمر الوطني الديمقراطي.

أين تذهب أموال المانحين؟

صورة أرشيفية لأوباما وبايدن خلال تنصيب الرئيس السابق ترمب في 20 يناير 2017 (أ.ف.ب)

هذا هو السؤال الأهم الذي سيحدد على الأرجح خيار الديمقراطيين؛ فقد جمعت اللجنة الانتخابية لبايدن وهاريس أكثر من 120 مليون دولار منذ بدء السباق، وبما أن البطاقة تحمل اسم الاثنين، فهذا يعني أن هاريس يمكنها أن تحتفظ بالأموال. هذا ما أكده مالكوم، الذي قال: «إذا أصبحت هاريس هي المرشحة، فستحصل على الأموال، وإلا فستذهب هذه المبالغ إلى اللجنة الوطنية الديمقراطية التي يمكنها أن تخصص المبالغ إلى المرشح الجديد بشكل متفرق بسبب القوانين المالية المرتبطة بالانتخابات». وهذا بحد ذاته قد يكون العامل الأساسي وراء اختيار بايدن لهاريس بوصفه خليفة له.

رنا أبتر

صحيفة الشرق الأوسط




جون أفريك: بين الناتو والمغرب العربي شراكة ذات ملامح غامضة

قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إن بلدان شمال إفريقيا، من خلال موقعها المركزي وقربها من السواحل الأوروبية، تهدف إلى التعاون مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) العسكري الغربي، وليس الانضمام إليه، وهو فارق بسيط يولد الاحتكاك وسوء الفهم.

فبين 9 و11 تموز/يوليو الجاري، احتفل الناتو بشمعته الخامسة والسبعين وسط مناخ من التوتر مع روسيا. قبل ثلاثة أرباع قرن من الزمان، وفي خضم الحرب الباردة، أقسمت اثنتا عشرة دولة غربية الولاء المتبادل في حالة وقوع عدوان. واليوم، ومع الحرب في أوكرانيا، عاد التحالف الأطلسي مرة أخرى إلى قلب اللعبة، باحثاً عن حلفاء غير غربيين، وخاصة في منطقة استراتيجية مثل حوض البحر الأبيض المتوسط، تضيف الأسبوعية الفرنسية.

الحوار المتوسطي

وباعتبار السويد الدولة الثانية والثلاثين التي تنضم إلى الحلف، فإن الأخير يواصل نموه. خاصة وأن بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق، مثل أوكرانيا والبوسنة والهرسك وجورجيا، ما تزال تطرق أبوابه باستمرار. ومن ناحية أخرى، فإن بلدان المغرب العربي ليست جزءا من حلف الأطلسي لأنها لا تنتمي بشكل كامل إلى شمال الأطلسي.

إنها مسألة جغرافية، ولكن ليس ذلك فحسب – توضح “جون أفريك” – فإذا كانت البلدان المطلة على شمال البحر الأبيض المتوسط ​​مندمجة في أغلبها في حلف شمال الأطلسي، فإن هذا ليس هو الحال بالنسبة لأي من البلدان المطلة على الجنوب. ومع ذلك، لا تتوقف الجغرافيا السياسية ولا الجيواستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط ​​فجأة في وسط حوض البحر الأبيض المتوسط. ولذلك فمن الصعب عدم الاعتماد على دول المغرب العربي لضمان أمن الجناح الجنوبي للحلف. وقد تمت منذ عام 1994 متابعة الحوار المتوسطي عن كثب بين الحلف ودول المغرب العربي وإسرائيل والأردن.

“تتبادل دول المنطقة المتقدمة خبراتها وممارساتها الجيدة ومعارفها مع حلف شمال الأطلسي لمنع التطرف العنيف ومكافحة هذه الظاهرة، وحماية البنى التحتية الحيوية للطاقة، والدفاع المضاد للصواريخ أو الأمن السيبراني، لتجنب ذكر بعض الأمثلة فقط.. هذه التبادلات ضرورية لفهم أفضل للتهديدات المشتركة”.

وينص نظام الحلف الأساسي على منح وضع قانوني خاص لبعض البلدان، دون الترحيب بها في حظيرته. “لم يواجه المغرب أي صعوبة في الحصول على وضع الحليف المتميز من خارج حلف شمال الأطلسي، وبالتالي استفاد من الأموال اللازمة لتمويل معدات عسكرية جديدة”. وتتمتع المملكة بوضع حليف رئيسي، ولا يمكنها المشاركة في مناورات حلف الأطلسي واستضافة طائراتها أو سفنها في قواعده الجوية أو البحرية فحسب، بل يمكنها أيضًا المشاركة عسكريًا في عمليات حفظ السلام، كما حدث في يوغوسلافيا السابقة في التسعينيات.

من الحرب الباردة إلى الحرب ضد الإرهاب

ويحتل المغرب العربي – تتابع “جون أفريك”- موقعاً استراتيجياً أكثر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، حيث يشكل البحر الأبيض المتوسط ​​مركز ثقل أساسي في نظام عالمي يقع على مفترق طرق ثلاث قارات […] ومن هنا تأتي المصلحة الجيواستراتيجية في جعل المغرب شريكا متميزا في الحرب ضد التهديدات الأمنية (الأمن الصعب) وكذلك التهديدات الديموغرافية والهجرة (الأمن الناعم) […] ويجد الناتو نفسه في مواجهة الجماعات الإرهابية التي يحتمل أن تكون قادرة على تجهيز نفسها بالتكنولوجيا العسكرية التي تمكنها من ضرب الأراضي الأوروبية.

المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الكبير

ومضت “جون أفريك” قائلة إنه بعد هجمات 11 سبتمبر، أصبح الأمن “الصارم والناعم” وجهين لعملة واحدة. وفي اليوم التالي للهجوم على نيويورك، وبقوة معاهدة واشنطن الموقعة في 4 أبريل 1949، عزز الحلف الأطلسي وجوده في البحر الأبيض المتوسط. الهدف الأول: مضيق جبل طارق حيث تتم حراسة السفن الآن. فالحروب التي اندلعت في أفغانستان، ثم في العراق، لن تؤدي إلا إلى تعزيز الطبيعة الاستراتيجية للمنطقة، الأمر الذي يتطلب المزيد من التعاون مع بلدان المغرب العربي. وبدأت جزائر بوتفليقة، التي خرجت من سنواتها المظلمة وبدأت تظهر مهاراتها في مكافحة الإرهاب، بدأت تنضم إلى الحوار المتوسطي.

لكن مجالات المواجهة الجديدة هذه تربك أيضاً القضية – توضح “جون أفريك” – من يسيطر على البحر الأبيض المتوسط، حلف شمال الأطلسي أم واشنطن؟ من الصعب تسوية الأمور، خاصة وأن مشروع الشرق الأوسط الكبير المحافظ جداً، والذي أحياه الرئيس جورج دبليو بوش، لا يوضح الأمور. ويبدو أن هذا “الشرق الأوسط الكبير” يعمل على تفكيك بلدان المغرب العربي إلى مساحة واسعة تمتد من تركيا إلى أفغانستان عبر بلاد ما بين النهرين. وذلك كاف لزيادة البلبلة بين بلدان المغرب العربي والشرق الأوسط التي لا تملك نفس الأولويات الاستراتيجية، ناهيك عن الأولويات السياسية أو الاقتصادية.

واعتبرت “جون أفريك” أن الخطابات، مثل خطاب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بين عامي 2004 و2009، الهولندي جان دي هوب شيفر، لا تهدف إلى تهدئة المخاوف السياسية لدول المغرب العربي. ففي 6 أبريل/نيسان 2006، أعلن لصحيفة “لوماتان” المغربية أن “التعاون العملي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع تكثيف الحوار السياسي بينما نعمل على إثراء علاقتنا”، وهنا تكمن المشكلة. فلا المغرب، ولا تونس، ولا الجزائر، ولا حتى موريتانيا، التي ما تزال ذاكرتها مصابة بجراح بسبب الاستعمار الفرنسي، على استعداد لقبول التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، مهما كانت طبيعته أو نطاقه. ناهيك عن إسرائيل، التي تشكل نقطة الخلاف في هذه المجموعة بأكملها والتي يعتبرها الناتو عضواً محتملاً في المستقبل. الأمر الذي، كما يمكن أن تتخيل، يثير الاستغراب والرفض في العديد من العواصم العربية والشمال إفريقية.

مجلة جون أفريك الفرنسية




رياح معاكسة تهب على كييف.. إشارة زيلينسكي الغريبة “خدعة” أم “اعتراف بالضعف”؟

نشرت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية تقريرا تحت عنوان “إشارة زيلينسكي الغريبة “خدعة” أم “اعتراف بالضعف؟”، تطرق من خلاله إلى دعوة زيلينسكي روسيا للمشاركة في القمة حول الصراع الأوكراني.

وتقول الصحيفة الفرنسية إن فلاديمير زيلينسكي كان يستبعد دائما هذا الاحتمال.

وتضيف “لو باريزيان” في تقريرها: “المحرمات تتبدد في أوكرانيا.. فاجأ زيلينسكي الجميع يوم الاثنين بقوله إنه يود حضور ممثلين عن روسيا في القمة المقبلة حول الصراع دون تحديد أي موعد”.

ويؤكد فيليب ميجولت مدير المركز الأوروبي للتحليل الاستراتيجي (CEAS)، أن “زيلينسكي يدرك حتما أن الوقت قد حان لتغيير الموقف من المفاوضات وأن الوضع ينقلب ضده بشدة”.

ويشير الخبير إلى أن الجيش الروسي يتقدم بشكل منهجي على طول خط المواجهة بأكمله ويسحق القوات الأوكرانية ويبسط سيطرته على مواقع جديدة.

من جهته ذكر إيمانويل دوبوي رئيس معهد الاستشراف والأمن في أوروبا (IPSE)، أن دعوة زيلينسكي “تهدف إلى إظهار أنه يلتقي مع الروس في منتصف الطريق دون التنازل عن الشروط التي طرحها سابقا’.

ويضيف دوبوي “إن الفشل في فتح الباب يثبت أننا لا نغلقه.. فبدلا من “الاعتراف بالضعف” سيكون الأمر في المقام الأول مسألة تحميل روسيا المسؤولية وفي حالة الانشقاق، فإن موقف موسكو وليس كييف هو الذي سيحكم عليه بأنه يأتي بنتائج عكسية”.

وتوضح الصحيفة في تقريرها أن الرياح المعاكسة التي تهب على كييف تأتي أيضا من عملية إعادة تشكيل سياسية كبرى على نطاق عالمي، فوفي الولايات المتحدة تمكن زيلينسكي من رؤية الصعوبات المتزايدة التي يواجهها حليفه جو بايدن.

وفي الأسبوع الماضي خلال قمة الناتو، أشاد الديمقراطي البالغ من العمر 81 عاما بـ”شجاعته” و”تصميمه” قبل أن يناديه بـ”الرئيس بوتين”! خطأ فادح جديد في سباقه للبيت الأبيض”.

وتشير الصحيفة أيضا إلى نجاة ترامب من محاولة اغتيال بل وأكثر من ذلك إعلان دونالد ترامب اختيار السيناتور عن ولاية أوهايو جيمس ديفيد فانس ليكون نائبا له وهي إشارة مثيرة للقلق حسب المصدر ذاته.

كما أن هنغاريا تتولى رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي في الأول من يوليو، علما أن رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان يقود مهمة للسلام لحل النزاع في أوكرانيا.

وتؤكد الصحيفة الفرنسية أنه وفي كل مكان تتزايد الضغوط لذلك، قد يرغب زيلينسكي في “إعطاء علامات حسن النية” لشركائه.

المصدر: صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية