1

من «العشاء الأخير» إلى تلوث نهر السين والسرقات… الأزمات تطارد أولمبياد باريس

بعد مرور نحو عشرة أيام على انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في باريس، كانت الأزمات هي العنوان الأبرز للألعاب التي انطلقت بحفل افتتاح أثار انتقادات لاذعة من مثقفين ورجال دين وسياسيين على مستوى العالم.

والأسبوع الماضي، انطلقت دورة الألعاب الأولمبية (باريس 2024) التي تستمر فعالياتها حتى 11 أغسطس (آب)، بإقامة حفل افتتاح ضخم ومبهر على ضفاف نهر السين شمال فرنسا، وسط حضور غفير من الضيوف ووفود الدول المشاركة والجماهير.

وبخلاف الدورات السابقة، دخلت الوفود المشاركة في الأولمبياد وهي تلوِّح بالأعلام على متن قوارب عبرت نهر السين، بمشاركة رياضيين من 205 دول (على 85 قارباً).

وتزامن ذلك مع تقديم عروض فنية مميزة على النهر، شارك فيها 6800 رياضي أمام معالم تاريخية في العاصمة الفرنسية.

إلا أن بعض العروض خلال حفل الافتتاح فجرت أزمة استدعت اعتذار اللجنة المنظمة، كذلك انتقد العديد من الرياضيين بعض الأمور التنظيمية ومنها تلوث نهر السين الذي يستضيف بعض منافسات السباحة، وكذلك تعرُّض بعضهم للسرقة وعدم وجود وسائل تبريد وسط الحر الشديد.

«العشاء الأخير»

تضمَّن الاحتفال الذي أُقيم الجمعة، على طول نهر السين، عرض «دراغ كوين» الذي «يحاكي لوحة العشاء الأخير» التي رسمها الفنان الإيطالي الشهير، ليوناردو دا فينشي، وجسَّد فيها المسيح مع تلاميذه وهم على مائدة طعام.

وفي اللوحة الاستعراضية التي جرى تقديمها في حفل الافتتاح، ظهر ما يبدو أنه محاكاة ساخرة لـ«العشاء الأخير»، تضمنت وجود أشخاص يعبِّرون عن المثلية.

المدير الفني لحفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية توما جولي نفى أن يكون العرض مستوحى من لوحة «العشاء الأخير» (أ.ب)

وأثار المشهد غضب الكنيسة الكاثوليكية والسياسيين من اليمين المتطرف في فرنسا وتيار اليمين المحافظ في الولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد، قال الأساقفة الكاثوليك الفرنسيون في بيان، إن الحفل «تضمَّن للأسف مشاهد تسخر من المسيحية وتستهزئ بها».

واعتذر منظمو دورة باريس 2024 لاحقاً قائلين إنه لم يكن هناك أي نيَّة لإظهار عدم الاحترام تجاه أي مجموعة دينية.

مدة «مخيفة»

نشرت صحيفة «موندو» الإسبانية رسالة من رياضي مشارك في بعثة إسبانيا إلى الألعاب الأولمبية، قال فيها إنه لم يتم إعلام الرياضيين بالكثير بخصوص حفل الافتتاح، ولكن تم إبلاغهم بمدته التي وصفها بالمخيفة، وقد تصل إلى 7 ساعات ونصف الساعة تقريباً.

واشتكت كثير من البلدان المشاركة من إجبار الرياضيين على الوقوف تحت المطر خلال حفل الافتتاح رغم خطورته على الصحة.

تلوث نهر السين

كانت نظافة مياه نهر اسين من النقاط الرئيسية في الألعاب الحالية، وقد أدى التلوّث إلى تأجيل سباق الترياثلون لفردي الرجال والسيدات لمدة 24 ساعة، الثلاثاء. وسبح الرجال والسيدات في نهاية المطاف بعد اعتبار مستويات التلوث «مطابقة».
وألغى منظّمو أولمبياد باريس، السبت، تمارين المسابقة المختلطة لرياضة الترياثلون، بعد أن لوّثت الأمطار الغزيرة الممرّ المائي بحيث لا يمكن السباحة فيه.
وحدها تمارين الركض والدراجات ستقام كما هو مقرّر، بحسب ما أعلن المنظمون في بيان.

وفي السنوات الأخيرة، أنفقت فرنسا 1.4 مليار يورو (1.5 مليار دولار) على محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وشبكة الصرف الصحي في منطقة باريس الكبرى، من أجل تحسين جودة المياه.
وللتاكيد على نظافته، سبحت وزيرة الرياضة الفرنسية إميلي أوديا كاستيرا قبل انطلاق الألعاب في مياه نهر السين، والتقطت عدسات المصورين لقطات للوزيرة الفرنسية في أثناء السباحة لفترة وجيزة في النهر الشهير بالقرب من جسري ألكسندر الثالث وأنفاليد.

أزمة مواصلات

كما انتقد عدد من الرياضيين المشاركين في الأولمبياد الصعوبات التي تواجههم أثناء التنقل من أماكن الإقامة باتجاه أماكن إقامة المنافسات.

وانتقدت السباحة الألمانية أنجيلينا كولر بطلة العالم لسباق 100 متر فراشة الوضع، قائلة: «المواصلات لم تسر على النحو المأمول في الأيام الأخيرة. إنها فوضى، وبعض السباحين يفترشون أرضية الحافلات».

وأضافت: «الجميع يعاني من تلك المشكلة، سنرى كيف سيكون الوضع في الأيام المقبلة».

وواجه المنتخب الفرنسي للمبارزة أزمة مرورية خانقة استغرقت ساعة و40 دقيقة، للوصول من القرية الأولمبية إلى موقع المنافسات.

وتسببت إقامة حاجز فحص بتقنية الرمز المربع (كيو آر) التي تسمح بالوصول إلى المنطقة في تكدس عشرات السيارات أمام الفريق الفرنسي.

الحر… والطعام

إلى ذلك، انتقد الرياضيون المصريون دورة الألعاب الأولمبية بسبب عدة أمور يرونها سلبية.

ووفقاً لتقارير إعلامية مصرية، فإن بعثة مصر هي الأكبر عربياً في الأولمبياد، ويبلغ عدد أفرادها 164 رياضياً.

وانتقدت لاعبة منتخب مصر للكرة الطائرة الشاطئية، دعاء الغباشي، العديد من الأمور التنظيمية في أولمبياد باريس، على رأسها عدم وجود وسائل لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

وقالت دعاء الغباشي في تصريحات: «تنظيم أولمبياد ريو دي جانيرو (2016) كان أفضل بكثير من أولمبياد باريس. نعاني بشدة من ارتفاع درجات الحرارة داخل الغرف بالقرية الأولمبية، حيث لا توجد مكيفات هواء، ونُضطَر لفتح النوافذ للحصول على نسمة هواء».

وأوضحت أن «التنظيم ليس مثالياً، ولا نشعر بالراحة أثناء النوم، وأحيانا لا يتوفر الطعام داخل القرية الأولمبية، وهناك كثير من الرياضيين يشتكون من سوء التنظيم».

وكان لاعب منتخب مصر لكرة اليد، علي زين، قد انتقد في وقت سابق تنظيم أولمبياد باريس كما تحدث عن أزمة الطعام أيضاً.

وقال زين في تصريحات عقب مباراة المجر في الجولة الأولى إن هناك «معاناة في توفير الطعام والمياه»، وإن هذا الأمر يعاني منه الجميع، وليس منتخب مصر فقط.

واعتبر أن «تنظيم دورة الألعاب الأفريقية أفضل من تنظيم أولمبياد باريس».

سرقات

أيضاً، قال منظمون للألعاب إن رياضيين وقعوا ضحية لعمليات سرقة في القرية الأولمبية خلال المشاركة في أولمبياد باريس، وتم إبلاغ الشرطة عن تلك الحوادث.

وكشفت وكالة «كيودو» اليابانية للأنباء، يوم الاثنين الماضي، أن لاعباً في فريق الرغبي السباعي الوطني، تعرض لسرقة خاتم زفافه وعقد ومبلغ مالي من غرفته في القرية.

كما وقع درَّاجون من سلوفاكيا ضحايا لسرقة معداتهم في القرية الأولمبية بالقرب من باريس، حسبما أفاد به صحافي من مجلة «أموري بريليه» الفرنسية، نقلاً عن مصدر في الشرطة.

وأفاد المدير الفني لمنتخب الأرجنتين الأولمبي لكرة القدم، خافيير ماسكيرانو أيضاً، بأن بعض لاعبيه تعرضوا للسرقة قبل مباراتهم الأولى الأربعاء الماضي.

ولم يتمكن المنظمون من تحديد عدد رجال الأمن المنتشرين في القرية الأولمبية، التي يُفترض أن تستوعب نحو 14 ألف رياضي على مساحة 52 هكتاراً (128.5 فدان).

صحيفة الشرق الاوسط




المشهد الانقسامي في فنزويلا يتعمّق… فأين سيقف الجيش؟

قبل خمس سنوات وستة أشهر: «ها هي فنزويلا تسقط في دوّامة لعبة الاستقطاب العالمي، بين من لا يستطيعون أن يقدّموا لرئيسها المطعون بشرعيته سوى الدعم الكلامي…، وخصوم له يحاصرونه سياسياً ويعترفون بزعيم المعارضة… رئيساً».

كان الرئيس «المنتخب» يومذاك نيكولاس مادورو والرئيس «الآخر» رئيس البرلمان خوان غوايدو، وقد اندلعت أزمة سياسية واقتصادية حادة هددت بانزلاق الدولة النفطية نحو حرب أهلية لولا دعم الجيش لمادورو الذي بقي في منصبه فيما كان الملايين من الفنزويليين يخرجون من البلاد إلى كولومبيا المجاورة وسواها هرباً من التدهور الدراماتيكي لمستوى معيشتهم بعد انهيار عملتهم البوليفار.

اليوم يتكرر المشهد إلى حد كبير: مادورو رئيس منتخب وإدموندو غونزاليس أوروتيا رئيس تعترف به دول أخرى تعتبر أن السلطات زوّرت نتائج الانتخابات. وفي واجهة المشهد أيضاً زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو التي تملك شعبية وتأثيراً كبيرين في البلاد.

الواقع أن فنزويلا تعرف انقساماً منذ انتخاب الزعيم اليساري هوغو شافيز أواخر القرن العشرين، بين المواطنين من الطبقة المتوسطة وما فوق الذين عارضوا الرئيسين تشافيز (توفي عام 2013) وخليفته نيكولاس مادورو، وبين الطبقة الفقيرة التي ناصرت الزعيمين الشعبويين. أما اليوم فيبدو أن المشهد السياسي تغير، بمعنى أن أكثرية المواطنين تعارض السلطة. فقد تظاهر سكان الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة كاراكاس بالتكافل والتضامن مع سكان المدينة الأكثر ثراءً، وواجهوا معاً قوات الأمن التي استعملت معهم القمع العنيف.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (أ.ب)

قال نيكولاس مادورو من قصر «ميرافلوريس» في كاراكاس، إنه لن يسمح باندلاع حرب أهلية، واتّهم «يداً أجنبية» باستهداف الاقتصاد والوقوف وراء الاحتجاجات الأخيرة، وتعهد عدم السماح للبلاد بالسقوط في أيدي «الإمبريالية والفاشية والمجرمين». وجزم بأنه لن يكون هناك تسامح مع المتظاهرين الذين يرتكبون أعمال عنف مؤكداً أنه يعرف من يحرّضهم ويموّلهم.

وأضاف في تلميح واضح إلى الولايات المتحدة: « إذا أرادت الإمبراطورية المضي قدماً في مخططها الإجرامي، فإننا سندافع عن وطننا حتى النهاية (…). سنحمي كل شعبنا. ومهما فعلنا، فإننا نفعل ذلك لحماية عمالنا وموظفينا وتجارنا وشعبنا».

إذا كان من المتوقع أن يلوم مادورو واشنطن ويحمّلها مسؤولية الأزمة الطويلة، ويشبّه ما حصل في فنزويلا بالحصار الأميركي الطويل لكوبا، فإن المؤكد أن الانقسامات والاضطرابات التي تمخضت عنها الانتخابات الرئاسية تضرب الاستقرار وتقوّض الجهود لإنهاض الاقتصاد المنهك. والمؤكد ايضاً أن سبحة الدول التي ستعترف بإدموندو غونزاليس أوروتيا رئيساً ستكرّ بعد أن بدأت ذلك الولايات المتحدة. وبالتالي سيكون لفنزويلا مجدداً «رئيسان» وتتجدد الأزمة التي لم تؤدِّ في المرة الأولى إلى سقوط مادورو و«التشافيزية»، فيما انتهى مع مرور الوقت دور خوان غوايدو بعدما تخلت عنه واشنطن.

فهل يسقط نيكولاس مادورو هذه المرة بناءً على تغيّر المعطيات والديناميكيات داخل المجتمع الفنزويلي واتحاد القوى المعارضة في جبهة واحدة؟

الجيش ثم الجيش

لا بد من أن تتجه الأنظار إلى المؤسسة العسكرية الفنزويلية التي تضطلع بدور حاسم في مختلف مناحي الحياة في الدولة. فبعد سنوات من التلقين العقائدي الذي بدأ في عهد هوغو تشافيز (ترأس البلاد بين 1999 و2013) والنفوذ السياسي والاقتصادي المتزايد، أصبح الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى جزءاً راسخاً من الدولة العميقة. ويتولى جنرالات العديد من الوزارات ويديرون شركة النفط الوطنية، ولا توجد أي مصالح وأعمال لا تتمتع فيها الأجهزة الأمنية بنفوذ كبير ودور مؤثر.

زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو والمرشح الرئاسي إدموندو غونزاليس في لقاء شعبي حاشد بعد الانتخابات في كاراكاس (أ.ف.ب)

بالتالي، كان الجيش في السنوات الأخيرة داعماً أساسياً للسلطة السياسية، وعقبة كأداء في وجه التغيير. وبناء على ذلك، قال مادورو إن القوات المسلحة «الثورية» تدعمه «لأننا نجسّد اتحاداً مدنياً – عسكرياً – أمنياً مثاليّاً».

في المقابل، لم تبقَ المعارضة مكتوفة الأيدي، فقد تعهدت ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة التي مُنعت من خوض السباق الانتخابي بعد فوزها الساحق في الانتخابات التمهيدية في تشرين الأول (أكتوبر) بزعم أنها «دعمت العقوبات الأميركية، وكانت متورطة في فساد»، بجعل المؤسسة العسكرية أكثر احترافية وأفضل تجهيزاً من غير أن تنسى إغراء العسكريين برواتب أعلى. وقالت في شريط فيديو طويل توجهت به إلى العسكريين: «سنعمل لإعادة المؤسسات إلى مسارها الصحيح… لا تخذلونا. لن نخذلكم».

ولا شك في أن هذا الكلام يرمي إلى جذب المؤسسات العسكرية وإقناعها بأن التغيير السياسي سيكون مفيداً لها. وربما وجدت المعارضة مؤشرات إيجابية في قول وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز قُبيل الانتخابات: «أياً يكن الفائز فليبدأ مشروعه للحكم، ومن لم يفز فليذهب ليستريح».

إلا أن هذا الكلام لا يعني ابتعاداً حتمياً للمؤسسة العسكرية عن مادورو، فلعبة المصالح كبيرة والأوراق لم تُكشف كلها بعد. ويجب ألا ننسى البعد الخارجي، فمقابل العداء الأميركي لمادورو، هناك دعم روسي وصيني له.

يبقى أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في رسم المستقبل، مع التسليم بأن المؤشرات تبدو سلبية وتشي بأن البلاد ستنقسم على نفسها بحدّة غير مسبوقة، وهنا يبرز دور الجيش أكثر فأكثر، فهل سيبقى سنداً لمادورو حفاظاً على مصالحه، أم سيبتعد عن سفينة يرى كثيرون أنها ستغرق حتماً؟

انطوان الحاج

صحيفة الشرق الاوسط




انتخابات فنزويلا…الفتنة الدامية أو نهاية الثورة البوليفارية

مع انتصاف ليل الأحد الفائت كانت قد انقضت ست ساعات على إقفال آخر صناديق الاقتراع في العاصمة الفنزويلية كاراكاس عندما أعلن المجلس الوطني الانتخابي فوز الرئيس اليساري نيكولاس مادورو بولاية رئاسية ثالثة إثر حصوله على 51 في المائة من الأصوات مقابل 44 في المائة نالها مرشح المعارضة الموحدة إدموندو غونزاليس. وجاء في بيان الهيئة الانتخابية، التي يسيطر عليها الحزب الحاكم، أن النتيجة باتت بحكم النهائية بعد فرز 80 في المائة من الأصوات، وأن نسبة المشاركة في التصويت بلغت 59 في المائة.

مارينا كورينا، زعيمة المعارضة الفنزويلية، مع مرشحها الرئاسي إدموندو غوزنزاليس (إيبا – إيفي)

المعارضة ترفض النتيجة

بعد صدور بيان الهيئة الانتخابية سارعت المعارضة التي تقودها ماريا كارينا، التي كانت المحكمة الانتخابية قد نزعت عنها أهلية الترشح، إلى رفض النتيجة التي وصفتها بأنها «انتهاك صارخ للحقيقة». وشددت على إدانتها «التلاعب بالفرز»، بينما راحت عواصم إقليمية وأوروبية تطالب بالكشف عن مضابط جميع أقلام الاقتراع للتحقق من النتائج. وحقاً، طلب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن «نشر نتائج التصويت مفصلة مع السندات الثبوتية أمام المراقبين الدوليين»، وفي حين شكّك الرئيس التشيلي (اليساري) غابرييل بوريتش بصدقية النتائج الرسمية، قائلاً: «على نظام مادورو أن يعرف بأنه من الصعب جداً تصديق النتائج التي أعلن عنها»، أكّد أن تشيلي لن تعترف بها ما لم يجرِ التحقّق منها على يد جهات مستقلة ومحايدة.

ما يُذكر أنه قبل صدور بيان المجلس الانتخابي الذي أعلن فوز مادورو قبل نهاية عملية الفرز، كانت المعارضة اليمينية والليبرالية الفنزويلية قد شكت من أن الهيئة الانتخابية لم تطلعها سوى على 30 في المائة من المضابط بعدما توقفت عمليتا طبعها وتوزيعها. وأفاد مراقبون بأنه مع ظهور النتائج الأولى كان القلق قد بلغ ذروته في أوساط النظام، وراحت قيادات رسمية تدلي بتصريحات توحي بفوز مادورو مع أن عملية الفرز كانت لا تزال في بداياتها.

ومنذ فجر الاثنين بدأت بلدان أميركية لاتينية عدة، بينها البيرو والأوروغواي وكوستاريكا، تعرب عن شكها بشفافية النتائج، في حين كانت برقيات التهنئة تتوالى من كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا وهوندوراس. لكن اثنتين من الدول الوازنة في المنطقة، البرازيل والمكسيك، اللتان تربط حكومتيها علاقات جيدة مع نظام مادورو، التزمتا الصمت لساعات طويلة، مع أن وزير الخارجية البرازيلي سلسو اموريم كان ضمن فريق المراقبين الدوليين الذين أشرفوا ميدانياً على سير الانتخابات وعمليات الفرز. كذلك كان الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا قد أعرب منذ أيام عن أنه «شعر بالخوف من التصريحات التي صدرت عن مادورو وقال فيها إن فنزويلا ستشهد حمام دم في حال فوز المعارضة»، وحثّ الرئيس الفنزويلي على احترام العملية الانتخابية والرحيل في حال الخسارة.

وبينما صدر بيان عن لويس موريّو، وزير خارجية كولومبيا المجاورة لفنزويلا – والتي تربطها بها علاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية وثيقة – طالب بتدقيق مستقل في نتائج الانتخابات، أعربت كوبا عن تهنئتها بلسان وزير خارجيتها برونو رودريغيز، الذي قال: «لا بد من احترام إرادة الشعب الفنزويلي».

وخارج أميركا اللاتينية، طالب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، جوزيب بورّيل، من جهته السلطات الفنزويلية «بأقصى درجات الشفافية في عملية الفرز»، داعياً إلى «احترام إرادة الناخبين» بالكشف عن مضابط جميع أقلام الاقتراع.

تحية لتشافيز في ذكرى ولادته الـ70

وبعد الإعلان عن النتائج صباح الاثنين توجّه مادورو من القصر الحكومي إلى «ثكنة الجبل»، حيث ضريح الرئيس الراحل هوغو تشافيز للاحتفال بذكرى مولده في اليوم نفسه الذي أجريت فيه الانتخابات، وقال: «هذا الفوز هو تكريم لقائدنا في ذكرى ميلاده السبعين». لكن زعيمة المعارضة مارينا كورينا، كانت تواصل التأكيد: «نحن من فاز في الانتخابات، والكل يعرف ذلك… الفوز كان كاسحاً في جميع الولايات، والبيانات التي في حوزتنا تبيّن بما لا يترك مجالاً للشك أن غونزاليس نال 70 في المائة من الأصوات مقابل 30 في المائة لمادورو». وأردفت أن المعارضة «على أتمّ الاستعداد للدفاع عن الحقيقة؛ لأن ما حصل ليس مجرد تزوير آخر، بل هو انتهاك صارخ للإرادة الشعبية».

في أي حال، بعد تطوّرات اليوم الأول بعد الإعلان عن نتيجة الانتخابات، ظلت الأمور محصورة ضمن الإطار السياسي. إذ تراوحت بين تأكيد المعارضة على فوز مرشحها وتنديدها بالتلاعب بعملية الفرز وتزوير النتائج، ومطالبة عواصم إقليمية ودولية بإعادة الفرز تحت إشراف مراقبين محايدين، واستدعاء سفراء عدد من الدول الأميركية اللاتينية بعدما دعت «منظمة البلدان الأميركية» مادورو إلى الاعتراف بهزيمته أو الدعوة لإجراء انتخابات جديدة، في موقف انتقده الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. لكن، لاحقاً، دخلت الأزمة مرحلة جديدة على وقع الاحتجاجات الشعبية التي عمّت جميع أنحاء البلاد وتخللتها أعمال عنف وصدامات بين المتظاهرين والقوى الأمنية أوقعت حتى الآن أكثر من 15 قتيلاً ومئات الجرحى.

غضب شعبي… وتطورات متسارعة

وبينما كان الغضب الشعبي يجتاح المدن الفنزويلية، حيث أسقط المتظاهرون تماثيل للرئيس السابق هوغو تشافيز وبتروا رأس أحدها وجرّوه في الشوارع، كان الرئيس الأميركي جو بايدن يجري اتصالاً مطولاً مع نظيره البرازيلي لولا حول الوضع في فنزويلا. ولقد وصفه بيان صدر لاحقاً عن البيت الأبيض بأنه يشكّل «لحظة حرجة جداً بالنسبة للديمقراطية والاستقرار في شبه القارة». ثم اتفق الطرفان الأميركي والبرازيلي على مواصلة التنسيق الوثيق حول الوضع الفنزويلي مع الجهات الإقليمية والدولية. غير أن البيرو ذهبت أبعد؛ إذ اعترفت بمرشح المعارضة غونزاليس رئيساً جديداً لفنزويلا، وعرضت كوستاريكا اللجوء السياسي لمرشح المعارضة ولزعيمتها كورينا، بعد الدعوات التي صدرت عن قيادات في النظام الفنزويلي لاعتقالهما وإحالتهما إلى المحاكمة بتهمة التحريض على أعمال العنف وزعزعة السلم الأهلي.

كذلك، تزامنت إدانة «منظمة البلدان الأميركية» مع إعلان «مركز كارتر»، – الذي سمحت له الحكومة الفنزويلية بمراقبة العملية الانتخابية – عجزه عن التحقق من نتائج الانتخابات التي قال إنها «افتقدت أدنى درجات الشفافية». واعتبر لويس ألماغرو، الأمين العام لـ«المنظمة» أن إصرار مادورو على رفض الاعتراف بهزيمته «يترك أمامه مخرجاً واحداً من الأزمة هو الدعوة لإجراء انتخابات جديدة بإشراف مراقبين من الاتحاد الأوروبي و(منظمة البلدان الأميركية) وهيئة انتخابية جديدة مستقلة».

ومنذ صباح الأربعاء، تسارعت التطورات بشكل يبعث على القلق والخوف من صدامات دامية بين الأجهزة الأمنية والمحتجين، لا سيما بعد إعلان وزير الدفاع فلاديمير بادرينو «تأييد القوات المسلحة بلا شرط لمادورو»، وتحذيره من أن الجيش «سيتصرف بحزم من أجل صون السلم الداخلي في البلاد». في المقابل، أمام إصرار مادورو على موقفه أعلن لناطق بلسان البيت الأبيض «أن صبر واشنطن والأسرة الدولية بدأ ينفد»، وتابع القول إن مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس «فاز بفارق ملايين الأصوات على مادورو المنتهية ولايته»، وتزامن هذا الموقف من واشنطن، مع حض زعيمة المعارضة اليمينية أنصارها على مواصلة التحرك للضغط على النظام من أجل إجباره على التراجع وتسليم السلطة لمرشحها، وتشديدها على أنها لن تلجأ إلى أي بلد وستواصل النضال بجانب مؤيديها.

أخيراً، مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، بما في ذلك من حكومات يسارية كحكومات البرازيل وكولومبيا وتشيلي والمكسيك، ردّ مادورو بقوله أمام صحافيين إنه جاهز لتقديم جميع سجلات التصويت، والتجاوب مع استدعائه للتحقيق من لدن الهيئة الانتخابية حول كل ما يتعلق بعملية الفرز. لكن مراقبين في العاصمة الفنزويلية يستبعدون تراجع مادورو عن موقفه بعدما ضمن تأييد الجيش؛ لأنه يدرك جيداً مدى أهمية هذه الانتخابات بالنسبة لاستمرارية «الثورة البوليفارية» التي أطلقها هوغو تشافيز منذ 25 سنة، وأيضاً بالنسبة لمستقبله السياسي ومصيره القانوني. دخلت الأزمة مرحلة جديدة على وقع الاحتجاجات الشعبية التي عمّت

جميع أنحاء البلاد

مادورو… جدار الثورة الأخير

> عندما قام الضابط الفنزويلي هوغو تشافيز بمحاولته الانقلابية ضد حكم الاشتراكي المعتدل كارلوس أندريس بيريز يوم 3 فبراير (شباط) 1992، وانتهت بفشلها سريعاً بعد وقوع عشرات القتلى في محيط القصر الرئاسي، كان نيكولاس مادورو في الثلاثين من عمره ويعمل سائقاً لإحدى قاطرات مترو العاصمة الفنزويلية كاراكاس. بعد تلك المحاولة دخل تشافيز السجن، حيث كان يمضي وقته بمطالعة أعمال وسيرة بطل التحرير الأميركي اللاتيني سيمون بوليفار، ويجري «محاورات» وهمية مع تمثال صغير له صُنع من الجبس الأبيض، كما يروي كاتب سيرته. تلك كانت بذرة «الأسطورة» التي نمت مع خروج تشافيز من السجن نتيجة عفو رئاسي بعد سنتين من اعتقاله، ثم تأسيسه «حزب الجمهورية الخامسة» وفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 1998. أما مادورو، فمنذ وصوله إلى الحكم في انتخابات عام 2013، حاول الارتقاء بمسيرته إلى مستوى تشافيز الذي كان بلغ من الشهرة و«الكاريزما» ما جعله أقرب الزعماء إلى ملهمه الراحل فيدل كاسترو. وللعلم، كان تشافيز يزور كاسترو في هافانا عشرات المرات كل سنة، ويضخّ في عروق الثورة الكوبية المترهلة الملايين من عائدات النفط بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بيد أن المقارنة بين تشافيز ومادورو كانت مستحيلة منذ بدايتها رغم المحاولات الكثيرة التي بذلها الأخير منذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى عام 2013. إذ تلقى مادورو علومه الابتدائية والثانوية عند الراهبات، ونشأ في عائلة من الطبقة المتوسطة، حيث كان والده ناشطاً يسارياً في حزب «العصبة الاشتراكية»، الذي انضمّ إليه نيكولاس لاحقاً، قبل أن يسافر إلى كوبا ويلتحق بمعهد إعداد الكوادر السياسية اليسارية في هافانا الذي أسسه فيدل كاسترو. وبعد عودته إلى كاراكاس انخرط مادورو في الحركة التي كان أسسها تشافيز بمساعدة مستشارين كوبيين. ومن ثم ساهم إلى جانب طارق صعب وآخرين في تنظيم الحملة التي أثمرت في نهايتها الحصول على عفو رئاسي للإفراج عن هوغو تشافيز بعد اعتقاله إثر محاولة الانقلاب الفاشلة. شغل مادورو مناصب عدة في كنف زعامة تشافيز، فكان نائباً ثم رئيساً للبرلمان، ووزيراً للخارجية، ونائباً لرئيس الجمهورية ورئيساً للحزب الاشتراكي الموحّد.

تشافيز مع «أستاذه» فيدل كاسترو (أ.ب)

وفي عام 2012 عندما كان تشافير في آخر مراحل المرض الذي قضى عليه دعا أنصاره إلى تأييد مادورو في الانتخابات الرئاسية المقررة في العام التالي. وفعلاً، يوم 14 أبريل (نيسان) 2013 انتُخب مادورو رئيساً للجمهورية، ثم أعيد انتخابه عام 2018 في انتخابات لم تشارك فيها المعارضة ورفضت دول كثيرة الاعتراف بشرعيتها، على غرار ما حصل مع نتائج انتخابات الأحد الماضي التي قد تكون إما «رصاصة الرحمة» في جسم الثورة البوليفارية، أو شرارة أزمة دامية كما حذّر مادورو قبل أيام في حال فوز المعارضة.

شوقي الريس

صحيفة الشرق الاوسط




اشتراكية الصين… تناقضات رأسمالية الدولة وأيديولوجيا الحزب الحاكم

تتعايش رأسمالية الدولة في الصين مع أيديولوحيا الحزب الشيوعي الحاكم، رغم التناقضات التي تزداد في بلد يقوم خطابه على سياسة الرخاء المشترك، بينما تتركز الثروة في يد فئة محددة من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الخاصة.

 دفع الطالب الفلسطيني المقيم في الصين محمد خليفة، “ثمنا باهظا” جراء إطلاق الرئيس شي جين بينغ، حملة ضد الدروس الخصوصية نهاية عام 2020، ضمن سياسة محاربة “المظاهر الرأسمالية في المجتمع”، ما اضطره إلى مغادرة البلاد وخسارة عامين من دراسة الطب التقليدي، بعدما فقد مصدر دخله الذي استعان به من أجل تغطية تكاليف الإقامة ونفقات التعليم، عبر تدريس الإنكليزية بواسطة تطبيقات الإنترنت، لطلاب المرحلة الابتدائية.

ومن وجهة نظر الدولة، فإن ما يقوم به خليفة، وغيره من العاملين عبر تطبيقات التعليم الإلكتروني، يتعارض مع “البناء الاشتراكي الصيني” وهو مصطلح برز لأول مرة في خطاب ألقاه الزعيم الراحل دينغ شياو بينغ، في حفل افتتاح المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر/أيلول 1982، ويهدف حسب أستاذ الدراسات السياسية في جامعة جينان (شرق البلاد)، شياو لونغ، إلى محاربة قطاعات تصفها الدولة بالرأسمالية من بينها “العملات الرقمية والدروس الخصوصية والألعاب الإلكترونية وشركات الإنترنت”، إذ استهدفتها حملة حكومية لأنها “مصادر أساسية لتعاظم الثروة وتركزها في يد فئة محددة من المجتمع وتناقض مبادئ الاشتراكية الصينية”.

وتطورت فعاليات الحملة إلى مواجهة مع القطاع الخاص، وتحديداً كبرى الشركات التكنولوجية وكانت الأهداف المعلنة تقويض الممارسات غير التنافسية، ما تسبب في خسائر كبيرة لهذه القطاعات قُدرت بمليارات الدولارات، من بينها على سبيل المثال ما جرى في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020 بعدما أعاقت الصين إدراج أسهم مجموعة “آنت جروب”، عملاقة التكنولوجيا المالية، في بورصة هونغ كونغ والتي تقدر قيمتها بـ 37 مليار دولار، وفق إفادة شياو لونغ، وتذرعت الحكومة بأن السياسات المعروفة بـ”التخفيض المزدوج”، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين من أجل تحقيق مبدأ الرخاء المشترك عبر منع  الأنشطة التي تستنزف أفراد المجتمع، لكن ما جرى أسفر عن فقدان عشرات الآلاف وظائفهم في قطاعات متنوعة منها التعليم جراء إغلاق مئات المراكز التي تقدم تلك الخدمات، كما يقول دونغ يي عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة جينان، (حكومية في جنوب الصين).

الاشتراكية ذات الخصائص الصينية

برزت معالم ما يسمى بـ”البناء الاشتراكي في عصر الانفتاح” بعد ما بدأت الصين في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان أول ظهور لمصطلح “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” ضمن خطاب ألقاه الزعيم الراحل دينغ شياو بينغ، في حفل افتتاح المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1982، كما يقول شياو لونغ، موضحا أن المصطلح عنى آنذاك عملية تحول السياسات الاقتصادية باتجاه الرأسمالية.

وجاء إطلاق المصطلح ضمن دفاع الحزب عن هويته الشيوعية بعد تعرضه لهجوم من العقائديين المعارضين لفكرة الانفتاح على العالم الخارجي وعلى رأسهم هو تشياو مو، وو لينغ شي، وهو شنغ، مستشارو بينغ، الذين اختلفوا معه بشأن الهوية الأيديولوجية للحزب.

يضيف شياو لونغ أن الحزب قال إن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية تقوم على بعض مفاهيم اقتصاد السوق في ظل استمرار وهيمنة الأيديولوجية التوجيهية الشيوعية وحكم الحزب الواحد القائم على الماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ، بينما كان الحزب قد التزم خلال حقبة الستينيات والسبعينيات بالاقتصاد الموجّه مسيطرا على الشركات الكبرى، ولكن في ظل التحولات الجديدة تمتعت الشركات بهامش من الحرية، من أجل توجيه رسالة إلى الغرب بأن الصين منفتحة ومتحررة بالرغم من احتكار الحزب للسلطة السياسية، كما يقول شياو لونغ ومؤيدو التحديث الاشتراكي ومن بينهم الباحث المختص في الدراسات الشيوعية بمركز النجمة الحمراء (غير حكومي في بكين)، لاو بينغ، والذي يرى أن ما جرى ساهم في تطوير نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، عبر إنشاء قطاعات جديدة، حققت خلال فترة قصيرة طفرة كبيرة وضرب مثالا عمليا بالدراجات التشاركية، أوفو وموبايك، وسيلة المواصلات الأكثر استخداماً في الصين، مستدلا بتقرير صادر عن مركز معلومات وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي في 6 سبتمبر الماضي، توصل إلى أن حجم المعاملات في سوق الاقتصاد التشاركي خلال عام 2022 بلغ حوالي 3.832 مليارات يوان (530 مليون دولار).

تناقضات رأسمالية

يعتبر لاو بينغ، أن التساؤلات حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وإذا ما كانت الصين دولة رأسمالية بغطاء اشتراكي؟ هي مؤشر على سوء تقدير وفهم للمصطلح، مضيفا: “هناك من يصف ما يجري بأنه “اشتراكية رأسمالية”، و”رأسمالية الدولة”، و”رأسمالية بيروقراطية”، هذه التصنيفات خاطئة تماماً، وهدف ما يجري خلق آلية تقوم على خصائص مميزة وفقاً لظروف وروح العصر وبالتالي فإنها ليست عقيدة أخرى أو أي مذهب آخر”.

لكن مظاهر الرأسمالية المتفشية داخل المجتمع الصيني تعطي رسالة مختلفة للداخل والخارج عما قاله بينغ، عبر عدة أوجه، أبرزها: تعاظم الثروة وتركيزها في يد فئة محددة من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الخاصة. فحسب قائمة “فوربس” لأغنى أثرياء العالم لعام 2024 والتي نُشرت في الثاني من إبريل/نيسان احتلت الصين المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، بواقع 473 مليارديراً تبلغ قيمة ثرواتهم مجتمعة 1.7 تريليون دولار، وفي قائمة أخرى لأغنى النساء لعام 2024، احتلت الصين المرتبة الأولى من حيث عدد المليارديرات بواقع 43 امرأة من أصل مائة سيدة، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بواقع 30 امرأة.

وتتركز الثروة في ثلاث مدن، هي: شينزن وبكين وشانغهاي، وفق رصد مؤسسة “هورون” الصينية التي تصدر قائمة سنوية لأثرياء العالم، بينما يوجد 600 مليون صيني من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وهو رقم يمثل حوالي 43 في المائة من تعداد الشعب الصيني البالغ 1.4 مليار نسمة، الأمر الذي يشير إلى الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع.

تتركز الثروة في ثلاث مدن هي شينزن وبكين وشانغهاي

وأثار إعلان الرقم السابق جدلا كبيرا بعدما كشف عنه رئيس الوزراء السابق لي كه تشيانغ، في 28 مايو/أيار عام 2020 خلال المؤتمر الصحافي للدورة الثالثة للمجلس الوطني الثالث عشر لنواب الشعب، ولمواجهة الجدل المجتمعي، عكفت وسائل إعلام رسمية تابعة للحزب الحاكم، على تحليل الأرقام لتجميل الصورة بما لا يتعارض مع خطط الحكومة لانتشال أكبر عدد من السكان من تحت خط الفقر، إذ قالت صحيفة شينخوا الحكومية بأنه يجب أن ندرك أن متوسط الدخل الشهري لـ 600 مليون شخص يبلغ حوالي 1000 يوان (ما يعادل 137 دولاراً)، ويضم هؤلاء العاملين وغير العاملين مثل كبار السن والأطفال.

لكن استطلاعا أجراه معهد توزيع الدخل بجامعة بكين للمعلمين، (مؤسسة حكومية)، ضمن التقرير السنوي لتوزيع الدخل في عام 2021، توصل إلى أن حوالي 964 مليون شخص في الصين يكسبون أقل من 2000 يوان شهرياً (280 دولاراً) بإجمالي مليار شخص، ما يعني أن حوالي 72 في المائة من الصينيين يدخلون ضمن فئة ذوي الدخل المحدود، وما كان من السلطات إلا أن حذفت التقرير من جميع المواقع الإلكترونية، غير أنه عاد وظهر في وقت لاحق إذ نشرته الجمعية الصينية للضمان الاجتماعي (مؤسسة حكومية) على موقعها الإلكتروني بتاريخ 27 ديسمبر/كانون الأول 2023، ويفسر لي ين تشين، المختص في تحليل البيانات المالية، في مؤسسة تاي بو البحثية المستقلة ومقرها هونغ كونغ، ما جرى بأن الصين دأبت على إخفاء البيانات المتعلقة بمستويات الفقر في البلاد، ضمن توجيهات من الحزب بعدم بث الأخبار السلبية.

72 % من الصينيين يصنفون ضمن فئة ذوي الدخل المحدود

وأضاف أن نسب الفقر العالية في المجتمع الصيني تتعارض مع خطاب الرئيس شي جين بينغ، بشأن الاشتراكية والرخاء الاجتماعي، وتظهر الوجه الحقيقي لرأسمالية الصين التي تأبى إلا أن تقدم نفسها على أنها دولة اشتراكية. وتابع أنه قد تكون بكين قطعت خطوات ملحوظة في الحد من الفقر، لكن التحديات لا تزال قائمة، ويشكل عدم المساواة في الدخل مصدر قلق السلطات، إذ تتمتع المناطق الحضرية بمستويات معيشة أعلى من المناطق الريفية الأمر الذي يفاقم اتساع تفاوت الثروة في البلاد، إذ بلغ متوسط الدخل الشهري المتاح للفرد في المناطق الحضرية 4780 يواناً (659 دولارا)، في حين لم يتجاوز متوسط الدخل الشهري للفرد في الريف 1640 يوانا (226 دولارا)، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصادرة في عام 2023.

التوسع غير المحدود لرأس المال

في خطاب ألقاه الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للشؤون المالية والاقتصادية في أغسطس/آب 2020، تناول ما وصفه بسياسة الرخاء المشترك، قائلا إنه يجب على كوادر الحزب أن يعارضوا بحزم التوسع غير المحدود لرأس المال، ويدعموا الدور المهيمن للقطاع العام.

وقال شي إن الصين تواجه تحدياً جديداً بعد عقود من النمو السريع، يتمثل في “التناقض بين التنمية غير المتوازنة واحتياجات الناس المتزايدة من أجل حياة أفضل”. وأضاف بأن الصين ستولي اهتماماً متزايداً للرقابة على الشركات وتوجيهها بما يخدم دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة في البلاد.

في أعقاب ذلك، شهدت الصين حملة شرسة ضد إمبراطورية شركات الإنترنت التجارية المملوكة للملياردير جاك ما، ما أدى إلى اختفائه إلى حد كبير عن الأضواء، أيضاً تم استهداف صناعة التدريس عبر الإنترنت في البلاد، وتقييد الوصول إلى الألعاب الإلكترونية. وكذلك استدعى البنك المركزي الصيني مسؤولين تنفيذيين لشركات عملاقة من أجل إطلاعهم على عمليات هيكلة جديدة.

لكن ذلك لم ينعكس على أرض الواقع كما يرى لي ين تشين، ظلت الرأسمالية الصينية ملمحاً بارزاً. ففي عام 2021، أي بعد عام من إطلاق الحملة، احتلت الصين المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في قائمة نشرتها فوربس كأكثر الدول التي لديها مليارديرات في العالم بواقع 698 مليارديراً، بزيادة 84 مليارديراً عن العام السابق، ونتيجة للمكاسب التي حققتها الصين، أصبحت بكين موطنا لعدد أكبر من المليارديرات من أي مكان في العالم، متجاوزة مدينة نيويورك.

وفي رده على سؤال حول حرية التملك والتوسع الرأسمالي للشركات الصينية وتعارض ذلك مع سياسات الحزب الشيوعي، قال لي ين تشين، بأن حملة الرئيس شي جاءت في هذا الإطار لأن توسع رأس المال الخاص يحرج الحزب ورؤية شي لمفهوم الرخاء المشترك. لكنه لفت إلى أن هذه الحملة لم تمض إلى نهايتها، وعادت هذه الشركات إلى التغول المالي بعد رفع القيود الحزبية على عملياتها مطلع عام 2022.

وفي تبرير ذلك قال: تعتبر التكنولوجيا الصينية أساس المنافسة الاقتصادية مع الغرب، وأي قيود عليها سيضعف مركز وموقع الصين، وحسب الرئيس شي، فإن تمويل تحول الصين إلى مركز عالمي للإبداع في مجال التكنولوجيا الفائقة يشكل أهمية مركزية للدفاع الوطني. لذلك كان لا بد من تحرير اقتصاد السوق بما يخدم أجندة الحزب.

لماذا لم تنجح الصين في بناء مجتمع اشتراكي؟

بالنسبة إلى لي ين تشين، فإن الصين جادة في بناء مجتمع اشتراكي، لكنها تواجه تحدي تعزيز المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الغرب. وبالتالي فإن أي قيود على توسع رأس المال من شأنه أن يعيق مسيرة التنمية، وهنا سيكون قادة الحزب الشيوعي أمام مفاضلة بين تحقيق الرخاء المشترك من خلال إيجاد توازن في امتلاك الثروة، أو المضي قدماً في المنافسة الاقتصادية مع الغرب على حساب صورة الصين الاشتراكية. وأضاف: ربما تكون مزاوجة الصين بين الرأسمالية والاشتراكية سبباً في تجنب الدولة مصير الاتحاد السوفييتي الذي دفع ثمن التخطيط المركزي للاقتصاد ما أدى إلى انهياره.

وأضاف بأن هذه الحقيقة جعلت المحافظين في الحزب الشيوعي يتفهمون الجوهر الرأسمالي للاشتراكية الصينية باعتبارها صمام أمان وحصناً منيعاً ضد انهيار الحزب على غرار نظيره السوفييتي، خاصة أنه جرى اتخاذ قرارات تتيح للشعب الاستفادة من رأس المال، من بينها دعم الشركات الناشئة، وتقليص النفوذ الاقتصادي للشركات الكبرى، ومكافحة التوسع غير المنظم لرؤوس الأموال، لكن الصين لم تجن ثمار ذلك، بحكم حجم العمليات الضخم للشركات الصينية العملاقة التي لا يمكن منافستها بأي شكل من الأشكال.

لكن شياو لونغ، يقول حتى وإن كانت بكين قد قطعت أشواطاً كبيرة في تحول الشعب الصيني إلى مجتمع اشتراكي، إلا أن تنفيذ مبدأ “الرخاء المشترك” يصعب تحقيقه من الناحية العملية بسبب الفجوة الكبيرة في التنمية بين الريف والمناطق الحضرية. وأضاف بأن إحدى معضلات تطبيق هذا المبدأ هي نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في الصين، والذي يشترط أن يتمتع الفرد بمزايا الضمان الاجتماعي في مسقط رأسه فقط، ما يعني أن المهاجرين من العمال والموظفين لن يتمتعوا في المدن بأي مزايا اجتماعية، مثل توفر التعليم لأبنائهم إلى جانب الخدمات الصحية، وفي حال إلغاء النظام سيزيد التوسع الحضري وينعش الطلب على العقارات، لكن ذلك سيأتي على حساب التنمية في الريف. ما يعني أننا لا نزال أمام نفس التحدي في كيفية تحقيق التوازن بين الريف والمدينة، والتوجه الرأسمالي لدولة يحكمها حزب شيوعي.

علي ابو مريحيل

صحيفة العربي الجديد




ميديابارت: لهذا تحول موقف فرنسا من الصحراء الغربية.. وهل يمكن أن يتغير؟

اعتبر موقع “ميديابارت” الفرنسي في تقرير بعنوان الصحراء الغربية.. أسباب التحول الفرنسي، أن تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب، أن الصحراء الغربية، هي جزء من السيادة المغربية، يشكل نقطة تحول تاريخية في العلاقات الفرنسية المغربية، وانتصاراً دبلوماسياً كبيراً للمغرب الذي يعمل من أجل الاعتراف بسيادته على هذه المساحة البالغة 266 ألف كيلومتر مربع الواقعة على حافة المحيط الأطلسيفبعد الولايات المتحدة 2020 وإسبانيا 2022، انتهت فرنسا إلى توضيح موقفها.حتى لو كان ذلك يعني إثارة غضب الجزائر التي سحبت مباشرة سفيرها من باريس.

 وأوضح “ميديابارت، أنه في شهر فبراير/شباط الماضي، مهد ستيفان سيجورنيه، وزير الخارجية الفرنسي المعين حديثا، الطريق خلال زيارته للمغرب، حيث قال وقتها: “إن الصحراء قضية وجودية بالنسبة للمغرب، وفرنسا تعرف ذلكلقد حان الوقت الآن للمضي قدما“. وذكرت أن الملك محمد السادس تلقى الرسالة بشكل واضح وردّ عليها برسالة رحبت بـموقف فرنسا الواضح والقوي” بشأن “موضوع الصحراء المغربية، ولذلك فإن إيمانويل ماكرون مدعو إلى زيارة دولة” تهدف إلى تعزيز الشراكة الاستثنائية التي بنيت منذ عقود على الصداقة والثقة.

 وينقل “ميديابارت” عن المعطي منجب، المؤرخ المغربي والناشط في مجال حقوق الإنسان (الذي تم العفو عنه من قبل الملك منذ أيام)، قوله“ماكرون هو أول رئيس يولد بعد تصفية الاستعمار. وبالنسبة له، مصلحة فرنسا الاقتصادية تأتي في المقام الأول، وهي موجودة في المغرب، الذي يعد شريكا ممتازا، على عكس الجزائر”وبالنسبة لباسكال بونيفاس، مؤسس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس)، فإن رسالة إيمانويل ماكرون هي اعتراف ضمني، مضيفاًربما ينتظر ليرى ما إذا كان موقعه الجديد سيجلب شيئا للجانب المغربي ليحتفظ بإعلان الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء خلال زيارته للمغرب”.

 في أبريل/نيسان، تحدث وزير التجارة الخارجية الفرنسية، فرانك ريستر، عن الفرص الاقتصادية خلال زيارة للمغربوتم فتح الباب أمام استثمارات الوكالة الفرنسية للتنمية في الصحراء الغربيةوبحسب صحيفة لوموند، فقد اهتم إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي لإيمانويل ماكرون، باستقبال رؤساء عدة مجموعات فرنسية كبيرة مقيمة بالمغرب، لإبلاغهم بالموقف الفرنسي الجديد.

 واعتبر باسكال بونيفاس أن فرنسا امتنعت عن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء لأنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدةلكنها أرادت الآن اللحاق بإسبانيا والولايات المتحدة، وكانتا أعربتا بالفعل عن دعمهما لسيادة المغرب على الصحراء، في عامي 2022 و2020 على التوالي”.

 ويذكر التقرير بأنه في السنوات الأخيرة، عانت فرنسا والمغرب من أزمة تلو الأخرىففي عام 2021، أدى الكشف عن استعمال المغرب لبرنامج “بيغاسوس” للتجسس في فرنسا، إلى أزمة. كما شعر المغاربة بالإهانة بسبب القيود المفروضة على منح تأشيرات السفر إلى فرنسا. وأخيرا، عندما ضرب أكبر زلزال في تاريخ البلاد الأطلس الكبير، في سبتمبر الماضي، لم يقبل المغرب المساعدة التي قدمتها فرنسا، مفضلاً دولة قطر أو حتى إسبانيا.

 بالنسبة للمعطي منجب، كان المغرب بحاجة إلى تسويق خطاب قومي للشعب، وإظهار قدرته على معارضة فرنسا، مستعمره السابقويتذكر قائلاًكانت الصحافة القريبة من السلطة قاسية للغاية مع فرنسا”.

 ولفت الموقع إلى تواجد ثلاثة وزراء من الحكومة الفرنسية، وهم جيرالد دارمانان وأورور بيرجي وستيفان سيجورنيه ، في سفارة المغرب بباريس مساء الثلاثاء، للاحتفال بمرور خمسة وعشرين عامًا على حكم محمد السادس. وكذلك حضرت أودري أزولاي، وزيرة الثقافة السابقة في عهد فرانسوا هولاند، والمديرة الحالية لـ”اليونسكو”.

 وقال الموقع إن الصحراء الغربية بمياهها الغنية بالأسماك وأراضيها المخصصة للزراعة ورواسب الفوسفات، تشكل قضية حاسمة بالنسبة للرباط، إلى حد جعلها أولوية مطلقة في دبلوماسيتهاوذهبت بعض الدول، مثل السنغال والإمارات العربية المتحدة والغابون، إلى حد إنشاء قنصليات في العيون أو الداخلة، وهما مدينتان في الصحراء الغربية.

 وأشار إلى أن الملك محمد السادس كان واضحا في 2022 عندما قالقضية الصحراء هي المنظور الذي ينظر من خلاله المغرب إلى محيطه الدولي، وهذا مهما كان الثمن”ولفت إلى أنه عام 2020، كان لا بد من دفع ثمن اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء المغربية من خلال التوقيع على اتفاقيات أبراهام، لتطبيع العلاقات المغربية الإسرائيليةوهذا ما يفسر أيضًا، بالنسبة للمعطي منجب، أهمية الخطاب الوطني المغربيإنها مسألة مواجهة هذا التطبيع، الذي لا يحظى بشعبية كبيرة، بل وأكثر من ذلك منذ 7 أكتوبرالمجتمع المدني المغربي يظهر بشكل مكثف ومنتظم دعمه للقضية الفلسطينية وينتقد التطبيع باعتباره خيانة.

 واعتبر “ميديابارت” أنه مع فرنسا سيكون المغرب قادرا على الاعتماد على الدعم المعزز من دولة هي عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة… باستثناء، ربما، إذا غيرت الحكومة موقفها السياسي، وانتقد جزء من اليسار الأزمة التي اندلعت مع الجزائر.

موقع ميديا بارت الفرنسي

ترجمة صحيفة القدس العربي




فيلادلفيا انكوير: جوش شابيرو المرشح لمنصب نائب هاريس هاجم الفلسطينيين وقال ذات مرة إن السلام لن يأتي أبداً للشرق الأوسط

كتب حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو بصحيفة جامعية في عام 1993 أن السلام “لن يأتي أبدا” إلى الشرق الأوسط وأعرب عن شكوكه حول جدوى حل الدولتين ، واصفا الفلسطينيين بأنهم “ذوو عقلية قتالية للغاية” للتعايش مع إسرائيل.

شابيرو: “الفلسطينيون لن يتعايشوا بسلام”، “ليس لديهم القدرات لإقامة وطنهم الخاص وإنجاحه حتى بمساعدة إسرائيل والولايات المتحدة. إنهم ذوو عقلية قتالية للغاية بحيث لا يمكنهم إنشاء وطن مسالم خاص بهم “

ولكن صحيفة ” فيلادلفيا انكوير” لاحظت أن هذه الآراء التي تعود إلى عقود تتعارض مع مواقف شابيرو اليوم – فهو يدعم حل الدولتين في المنطقة – حيث يتم فحصه ليكون المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس.

وبحسب ما ورد، في مقال الرأي، الذي حمل عنوان “السلام غير ممكن”، قال شابيرو، الذي كان آنذاك طالبا يبلغ من العمر 20 عاما في جامعة روتشستر، إن الاتفاق التفاوضي بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين لن ينهي الصراع في المنطقة، وكتب: “باستخدام التاريخ كسابقة، فإن السلام بين العرب والإسرائيليين يكاد يكون مستحيلا ولن يأتي أبدا”.

ووصف العالم العربي بأنه منقسم، وكتب أن الزعيم الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات كان في خطر التعرض للاغتيال “من قبل زملائه العرب المحاربين”.

وكتب شابيرو، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي : “الفلسطينيون لن يتعايشوا بسلام”، “ليس لديهم القدرات لإقامة وطنهم الخاص وإنجاحه حتى بمساعدة إسرائيل والولايات المتحدة. إنهم ذوو عقلية قتالية للغاية بحيث لا يمكنهم إنشاء وطن مسالم خاص بهم “.

و تم نشر المقال الافتتاحي في كامبوس تايمز ، الصحيفة الطلابية في الجامعة حيث كان شابيرو رئيسا للهيئة الطلابية.

وفي المقال، قال شابيرو إن عرفات كان “طاغية مغرور متعطش للسلطة ويواجه خطر الاغتيال على يد زملائه العرب المحاربين لأنه لا يمثل رأي الأغلبية”.

 وكتب أن “الطريقة الوحيدة لنجاح ‘خطة السلام’ هي إذا لم يدمرها الفلسطينيون”.

وكتب شابيرو “أجد أنه من غير العملي الاعتقاد بأن فصائل العرب يمكن أن تتحد بأعجوبة في سلام ، حتى يتمكنوا من التعايش مع إسرائيل”.

الحاكم مدرج في القائمة المختصرة ليكون في منصب نائب كامالا هاريس – وهو قرار من المتوقع أن تتخذه في الأيام المقبلة – وإذا تم انتخاب شابيرو سيكون أول نائب يهودي للرئيس في البلاد.

وزعم مانويل بوندر، المتحدث باسم شابيرو، في بيان أن موقف الحاكم قد تغير على مدى العقود الثلاثة الماضية، وأشار إلى دعمه لحل الدولتين.

وقال بوندر: “لقد بنى الحاكم شابيرو علاقات وثيقة وذات مغزى وغنية بالمعلومات مع العديد من قادة الجالية المسلمة الأمريكية والعربية الأمريكية والمسيحية الفلسطينية واليهودية في جميع أنحاء ولاية بنسلفانيا”. “يقدر الحاكم بشكل كبير وجهات نظرهم والخبرات التي تعلمها على مر السنين – ونتيجة لذلك ، كما هو الحال مع العديد من القضايا ، تطورت وجهات نظره حول الشرق الأوسط إلى المنصب الذي يشغله اليوم”.

في تصريحات للصحافيين يوم الجمعة، كرر شابيرو أن العمود الصحفي لا يمثل معتقداته اليوم.

 وقال في مؤتمر صحافي غير ذي صلة في مقاطعة ديلاوير :” كان عمري 20 عاما ، لقد قلت لسنوات، سنوات قبل 7 أكتوبر، أنني أؤيد حل الدولتين – الإسرائيليون والفلسطينيون الذين يعيشون بسلام جنبا إلى جنب، وأن يكونوا قادرين على تحديد مستقبلهم ومصيرهم”، وفقاتً لصحيفة “فيلادلفيا انكوير”.

شابيرو: على الرغم من شكوكي كيهودي ومتطوع سابق في الجيش الإسرائيلي، آمل بشدة وأدعو الله أن تنجح ‘خطة السلام’ هذه

ومع بروز شابيرو كواحد من المرشحين الأوفر حظا لترشيح نائب الرئيس، عارضته الجماعات المتضامنة مع فلسطين ، مشيرة إلى آرائه حول الحرب في غزة. وكان مؤيدا ثابتا لإسرائيل، وأدان الاحتجاجات في ديسمبر خارج مطعم  مملوك لإسرائيليين باعتبارها معادية للسامية ودعا الشرطة في مايو إلى إنهاء مخيم احتجاج في جامعة بنسلفانيا.

كما انتقد شابيرو بشدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه “قوة خطيرة ومدمرة” و”أحد أسوأ القادة في كل العصور”. في تصريحات للصحفيين الأسبوع الماضي، قال إن المعاناة الواسعة النطاق في غزة غير مقبولة، ودعا إلى حل الدولتين.

وقال شابيرو : “أنا شخص كان دائما يأمل أن يأتي السلام إلى الشرق الأوسط”.

واختتم شابيرو حديثه قائلا: “على الرغم من شكوكي كيهودي ومتطوع سابق في الجيش الإسرائيلي، آمل بشدة وأدعو الله أن تنجح ‘خطة السلام’ هذه. التاريخ لا يصنع بالمصافحة الدبلوماسية بين زعيمين سياسيين، بل عندما يتحلى خصمان قديمان بالشجاعة للتوقف عن الكراهية، والبدء في الشفاء والوجود في سلام وهدوء”.

رائد صالحة

صحيفة القدس العربي




أوكرانيا تقاتل على طريقة الناتو

حول وضع القوات المسلحة الأوكرانية اليوم، ولماذا لا تنجح التكتيكات الغربية في ساحة المعركة، كتب الخبير العسكري غينادي أليوخين، في “إزفيستيا”:

منذ التسعينيات، بدأت أوكرانيا في إعادة بناء مجمعها الصناعي العسكري وفقًا لمعايير الناتو.

ففي غضون عامين ونصف العام، أعيد تشكيل أوكرانيا، من دولة مستقلة إلى دولة قائمةعلى حساب المانحين الأجانب حصرًا. يأتي نحو 65% من ميزانية أوكرانيا من المساعدات المالية الغربية.

واليوم، لا توجد مؤسسة حكومية واحدة قادرة على العمل بشكل مستقل، من دون مشاركة المستشارين العسكريين الأجانب في أنشطتها أو إدارتها.

تم نقل معظم وظائف البلاد إلى ما وراء حدود أوكرانيا، ولا تعمل سوى الآلة العسكرية الأوكرانية بشكل مباشر على أراضيها، وتجري إعادة إنتاجها من خلال التعبئة الكاملة. هذا كله يسمح بتحديد حالة القوات المسلحة الأوكرانية وكونها في طريق مسدود استراتيجيًا.

بعد أن وجدت نفسها في جيش استعماري منذ العام 2014، تفتقر القوات المسلحة الأوكرانية إلى مدرسة عسكرية خاصة بها وفكر استراتيجي وطني. فعلى مدى عشر سنوات، ينسخون بشكل أعمى مناهج الغرب العسكرية ويتعلمونها على عجل. ومن خلال التحول إلى الأنظمة القتالية الأجنبية والتنظيم والمعايير والمفاهيم الاستراتيجية، قامت كييف بتفكيك المدرسة العسكرية التي ورثتها من الجيش السوفييتي بالكامل.

ولكن تبين أن هذا كله غير فعال، لأن استراتيجية حلف شمال الأطلسي تقوم على تجربة الحروب مع عدو ضعيف مثل العراق والخليج ويوغوسلافيا. الآن، تُجري المقرات الأمريكية تحليلاً وبحثًا مؤلمًا للرد على التحدي الروسي.

روسيا اليوم




بوتين واسترتيجية الإنجازات الروسية أمام العالم

أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم أول أمس الخميس توجيهاته لإعداد استراتيجية عرض إنجازات روسيا في قطاعات الاقتصاد والثقافة في الفعاليات الدولية الرئيسية.

إلا أن ما طرأ بذهني حين قرأت الخبر هو أن إنجازات روسيا تتخطى القطاعات الاقتصادية والثقافية والعلمية والتكنولوجية وفي قطاع الدفاع والأسلحة المتطورة وغيرها، وعدت بالذاكرة إلى كتابي الذي صدر عام 1987، عن دار “التقدم”، واخترت له عنوان “السوفيت بين اليوم والغد”، وحاولت من خلاله شرح أهمية عملية التغيير التي قررت موسكو أن تقوم بها وسميت “البيريسترويكا” أو إعادة البناء، وكان هدفها الأخذ بزمام المبادرة لبدء إنهاء الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، بين الإمبريالية والاشتراكية، وإنهاء صراع التسلح المميت، والهرولة المجنونة في امتلاك الرؤوس النووية بين قطبي العالم حينها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية.

كان هدف “البيريسترويكا” الانتقال إلى عالم جديد يسوده السلام والاستقرار والأمن بعيدا عن المجابهة، عالم يسعى لازدهار ورخاء الشعوب والحفاظ على الطبيعة والموارد البشرية والسعي نحو العدالة في توزيعها، ليعم الرخاء الجميع.

ومنذ ذلك الحين كتبت مئات المقالات وأدليت بمئات التصريحات لوسائل الإعلام المختلفة في هذا السياق، حتى ظهر في العام الماضي كتاب جديد لي اخترت له عنوان “من ضدنا”، تناولت فيه تلك النقاط الخفية على جيل ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وربما يكون في الثلاثينات من عمره الآن، ليعرف أهمية الدور العظيم الذي قامت وتقوم به روسيا لإنقاذ العالم بالانتقال إلى أجواء دولية جديدة تخدم البشرية والطبيعة.

وفي “من ضدنا” سعيت إلى فضح محاولات الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لإعاقة مسيرة السعي للانتقال إلى العالم الجديد متعدد الأقطاب، وكشفت عما تعنيه الأحادية القطبية اليوم، وحاجة الشعوب إلى الانتقال إلى التعددية القطبية.

إن إنجازات روسيا في السياسة الدولية هائلة ومؤثرة، وربما لم يحن الوقت بعد لإدراك تأثيرها اليوم، لكن كل شيء بالقطع سيتضح خلال الأعوام المقبلة:

أولا: لقد أفشلت روسيا كافة المخططات التي سعت لإضعافها وتفتيتها والقضاء عليها كدولة عظمى، بغرض نهب مواردها الهائلة، بدءا بتوسع “الناتو”، مرورا بوعود أوكرانيا وجورجيا بالانضمام إلى الحلف في 2008، وحرب أوسيتيا الجنوبية، ثم الانقلاب في كييف 2014، وانتهاء بأحداث أوكرانيا والعملية العسكرية الروسية الخاصة هناك.

ثانيا: إنشاء مجموعة “بريكس”، وتعزيز دور منظمة “شنغهاي للتعاون” اللتان تدعمان الانتقاء إلى أجواء دولية جديدة بعيدا عن سيطرة جهة أو جهات معينة على العالم.

ثالثا: بدء العالم فعليا لعملية الانتقال من هيمنة الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، وعمليا يمكننا القول الآن إننا توصلنا إلى أجواء التعددية القطبية مع بقاء بعض التفاصيل التي ستعيد للأمم المتحدة وضعها الطبيعي، الذي يحتم احترام ميثاقها، وتنفيذ قراراتها.

رابعا: لقد تم تفادي الكثير من الصدامات والتوترات بفضل روسيا وسياساتها الرشيدة خلال السنوات العشر الأخيرة، وكان من الممكن أن تزداد رقعة التوترات، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

خامسا: حافظت روسيا على استقرارها الاقتصادي برغم حزمات العقوبات والحصار الاقتصادي غير المسبوق في التاريخ، بل وتجاوزت كل تداعيات العقوبات الأمريكية الغربية ضدها، وهو ما شجع دولا كثيرة لإعادة النظر في هيمنة الولايات المتحدة والغرب على الاقتصاد العالمي، وطرح أسئلة كثيرة على آليات الاقتصاد العالمي ومستقبله.

سادسا: تعززت إنجازات روسيا خلال الأعوام الأخيرة في مجال الفضاء، وأعلنت روسيا عدم سماحها لأي جهة باستخدام مجال الفضاء سوى للأغراض السلمية، وهو ضمان هام جدا لحماية الأمن العالمي، ولحماية كوكبنا من الدمار.

سابعا وأخيرا: استعادة قدرات الجيش الروسي من حيث الأفراد والعتاد والتحديث التقني الذي مكّن روسيا ويمكنها من مواجهة “الناتو” بأيدي أوكرانيا، وسيمكنها من هزيمة الحلف حال حدوث أي مواجهة، ضمانا لحماية الأمن القومي الروسي، ودعما لأجواء العالم الجديد متعدد القطبية.

أعرف أن هناك من لا يوافقني الرأي في كتاباتي المدافعة عن سياسة روسيا، وتفكك المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي، ثم حل حلف “وارسو” العسكري، لكني أتوجه لهؤلاء مطالبا بتصور أي وضع خطير كان سيكون عليه العالم والكرة الأرضية الآن لو استمرت سياسة الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، والتي كانت مصحوبة بسباق للتسلح النووي، وجعلت العالم بأكمله “على كف عفريت” كما يقولون.

نعم، قدمت روسيا تنازلات كثيرة لخدمة الأمن والسلام العالمي، ونعم، قوبلت بعض هذه التنازلات في أحيان كثيرة بدرجة من الاستهتار وعدم الفهم وعدم الإدراك لخطورة الوضع، إلا أنه، وبرغم كل السياسات العدائية التي تنتهجها الولايات المتحدة والغرب ضد روسيا، يبقى الوضع الدولي أكثر أمنا، ومسيرة الانتقال إلى الأجواء الدولية التعددية ماضية في طريقها، ولن يكون هناك أي خيار آخر للولايات المتحدة والمنظومة الغربية سوى الرضوخ لهذه التغيرات التي سيشارك فيها العالم، وهو ما بدأ يحدث برغم عدم وجود أي علاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وبرغم كل المقاومة من الولايات المتحدة وتوابعها.

وفي سياق متصل استمعنا إلى وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف الذي يزور فينتيان عاصمة لاوس لحضور اجتماع بصيغة “روسيا-آسيان”، ضمن الفعاليات الوزارية للرابطة، وأكد على مواصلة تعزيز التنسيق في مجال الأمن بين روسيا ورابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، حيث تابع: “خلال أكثر من ثلاثة عقود، أصبحت علاقاتنا شاملة حقا، ويجري عمل هادف لتعميق التنسيق في مجالات السياسة والأمن لمواجهة التحديات والتهديدات الحديثة. ونحن نرى ديناميكيات إيجابية في المجالات العملية، بما في ذلك في مجالات الاقتصاد والطاقة والزراعة والتعليم”.

كنا نأمل أن يتحول العالم إلى عالم أكثر أمنا وتعاونا من خلال إنهاء الهيمنة الأحادية عن طريق التفاهم والمشاركة الجماعية، لكن للأسف لم يحدث ذلك منذ ثلاثين عاما، إلا أنه يتحقق اليوم باستعادة روسيا وضعها كدولة نووية عظمى، وبالتعاون مع الصين ومجموعة كبيرة من دول الجنوب العالمي وأمريكا اللاتينية، وهو أيضا يعد من إنجازات روسيا في حشد الجميع وراء قضية واحدة عادلة.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

روسيا اليوم




سنوات المحافظين الـ14 الأخيرة غيّرت الكثير في بريطانيا

شهدت السنوات الـ14 الأخيرة تغيّرات مهمة على مشهد الساحة السياسية البريطانية أثّرت في كيميائها داخلياً وبدلت الكثير من الأولويات والمقاربات لمعظم القضايا الدولية.

والواقع، أن نهاية حكم العمّال قبل 14 سنة لم تشهد صدمة انتقال آيديولوجية، لسببين مهمين: السبب الأول أن ذلك الحكم، الذي بدأ عام 1997، اتسم بحقبة «اعتدال واقعي» تمثلت بحكومتي توني بلير وغوردون براون بعيداً عن الخط الاشتراكي الراديكالي الذي ساد الحزب تحت قيادتي مايكل فوت (1980 – 1983) وجيريمي كوربن (2015 – 2020)، وكذلك كان غريمه حزب المحافظين نفسه تحت قيادة «المعتدل» ديفيد كاميرون. والسبب الآخر، أنه حتى مع نهاية عهد حكومة براون، عجز كاميرون عن الانفراد بالحكم؛ ما اضطره إلى تشكيل ائتلاف «يمين وسط» مع حزب الديمقراطيين الأحرار.

بوريس جونسون (رويترز)

غير أن مرحلة «الاعتدالين» العمالي، ثم المحافظ انتهت مع نجاح يمين المحافظين المتطرف في ابتزاز كاميرون ودفعه إلى طرح مسألة الخروج من أوروبا (بريكست) في استفتاء شعبي ما كان يتوقع أن ينتهي بالتصويت الشعبي على الخروج. لكن هذا ما حصل، فاستقال كاميرون وتولت خلافته لمرحلة قصيرة تيريزا ماي – المقربة من تياره «المعتدل» – لكن فترة حكمها كانت سنوات التمهيد للابتعاد عن أوروبا وتشديد قبضة اليمين المتطرف على الحزب. وهذا أيضاً ما حصل، مع انتخاب بوريس جونسون زعيماً وتوليه على الأثر رئاسة الحكومة، قبل أن تطيحه وصدقيته مشاكل وحزازات وفضائح فاقمتها ظروف جائحة «كوفيد – 19».

تيريزا ماي (رويترز)

والأسوأ، أن إطاحة جونسون، من ناحية راكمت المشاكل – وكثرة منها نابعة عن عواقب «بريكست» الاقتصادية –، ومن ناحية ثانية زادت تشدد المتشددين الهاربين بـ«دوغماتيتهم» اليمينية إلى الأمام… ما أدى إلى تعاقب 4 رؤساء حكومات محافظة في بريطانيا خلال 5 سنوات، إحداها لم تعش شهرين من الزمن. وانتهت، بالتالي، مرحلة رهان «مؤسسة السلطة» على حزب المحافظين؛ إذ رحبت بـ«صفحة جديدة» يمثل فيها العمال السير كير ستارمر، وهو زعيم معتدل ومقبول على شاكلة توني بلير، يرتاح له مجتمع المال والأعمال، ويطمئن إليه محور واشنطن – تل أبيب – حلف شمال الأطلسي (ناتو).

صحيفة الشرق الاوسط




ديفيد لامي… وجه الدبلوماسية البريطانية الجديد يواجه قضايا عالمية شائكة

ديفيد لامي، وزير الخارجية الجديد، هو «ذراع» كير ستارمر اليمنى على المستوى الدولي، ومنه يتوقّع العالم أن يسمع عن توجهات حكومة بريطانية جديدة تتمتع بتفويض عريض يتيح لها حرية التصرف مع الخصوم والأصدقاء.

النشأة والبداية

ولد ديفيد ليندون لامي يوم 19 يوليو (تموز) 1972 في حي هولواي، بشمال وسط العاصمة البريطانية لندن، لأسرة سوداء تتحدّر من غيانا (أميركا الجنوبية). وترعرع مع إخوته الأربعة في حي توتنهام المجاور برعاية أمه وحدها؛ إذ غادر أبوه منزل الأسرة عندما كان ديفيد في الثانية عشرة من العمر، وترك هذا الأمر تأثيراً بالغاً في حياته لجهة اهتمامه الشديد بالعناية بالأطفال. وفي أثناء دراسته في مدرسته الأولى بلندن، وكان يومذاك في العاشرة من عمره، حصل على منحة دراسية كورالية للإنشاد في كاتدرائية بيتربورو (شرق إنجلترا)، وكانت الدراسة في مدرسة «كينغز سكول» الخاصة في مدينة بيتربورو.

بعد إكمال لامي تعليمه المتوسط والثانوي في مدرسة «كينغز سكول» – بيتربورو، التحق بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية «سواس» العريق في جامعة لندن، ومنه تخرّج مُجازاً بالحقوق، وانتمى لنقابة المحامين في إنجلترا وويلز عام 1994. ثم درس في جامعة هارفارد الأميركية الشهيرة، وأكمل هناك شهادة الماجستير في القانون. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه كان أول بريطاني أسود يتخرّج في كلية الحقوق بجامعة هارفارد. وبعد الماجستير عمل محامياً في مكتب شركة هوارد رايس القانونية بولاية كاليفورنيا عامي 1997 – 1998، ثم شركة دي جي فريمان بين عامي 1998 و2000. كما كان لفترة قصيرة أستاذاً زائراً للمارساة المحاماة في «سواس» بلندن.

وأما بالنسبة لحياته الزوجية، فإنه تزوّج عام 2005 من الرسامة نيكولا غرين ورزقا بصبيين وبنت. وهو يصف نفسه بأنه مسيحي ومتحدر من أصل أفريقي… وبريطاني وإنجليزي ولندني وأوروبي، كما أنه يحمل جنسية مزدوجة غيانية – بريطانية.

لامي السياسي الطموح

منذ مرحلة الشباب المبكّر انتسب لامي إلى حزب العمال ونشط في صفوفه. وفي عام 2000 دخل «مجلس لندن التمثيلي»، وانتقل بعد ذلك في عام 2002 ليشغل مقعد دائرة منطقة توتنهام، بشمال لندن، عبر انتخاب فرعي أجري لملء شغور المقعد البرلماني إثر وفاة شاغله النائب الأسود العمالي اليساري بيرني غرانت. ويومذاك، في 22 يونيو (حزيران) 2002 حصل على 53.5 في المائة من الأصوات، ومتغلباً على أقريب منافسيه بفارق 5646 صوتاً، وغدا، بالتالي، وهو في سن السابعة والعشرين أصغر أعضاء مجلس العموم سناً… واحتفظ بهذا اللقب حتى انتخاب النائبة سارة تيثر في العام التالي.

ولقد احتفظ لامي بهذا المقعد منذ ذلك الحين، كما أنه شغل عدة مناصب وزارية ثانوية في حكومتي بلير وبراون بين عامي 2002 و2010؛ إذ عيّنه بلير عام 2002 مساعد وزير دولة بوزارة الصحة العامة، وعام 2003 أصبح مساعد وزير دولة للشؤون الدستورية. ثم عيّن وزير دولة في وزارة الثقافة عام 2005، ثم نائب وزير دولة للابتكار والجامعات والمهارات عام 2007، وبين عامي 2008 و2010 شغل لامي منصب وزير دولة للتعليم العالي.

الابتعاد التدريجي عن اليسار

بعد خسارة حزب العمال انتخابات 2010، أيّد لامي انتخاب إد ميليباند لزعامة الحزب، لكنه لم يدخل «حكومة الظل»، مفضلاً البقاء خارج الصفوف القيادية. وخلال هذه الفترة كانت توجهات لامي السياسية لا تزال تعتبر عن قناعات يسارية، وهذا بالتوازي مع الصعود الحثيث للتيار اليساري المتشدد، الذي تجسّد عام 2015 بانتخاب اليساري المخضرم جيريمي كوربن زعيماً.

في عام 2012، أيّد لامي ترشيح عمدة لندن الكبرى اليساري كين ليفينغستون لتولي منصب رئيس بلدية العاصمة، بل كان ضمن فريق مستشاريه ومعاونيه. وبعدها، عام 2014 أعلن عن رغبته بالترشح لمنصب رئيس البلدية، وقال إنه يخطّط لخوض المنافسة عام 2016. ولكن خلال الانتخابات العامة عام 2015 أعيد انتخابه نائباً في مجلس العموم، معزّزاً غالبيته بحصوله على نسبة 67.3 من أصوات دائرته، ومتقدّماً على أقرب منافسيه بأكثر من 23560.

حتى بعد هزيمة حزب العمال في تلك الانتخابات، كان لامي واحداً من 36 نائباً رشحوا جيريمي كوربن لزعامة الحزب… وكان محسوباً أحد أصدقائه. إلا أن طموحه لرئاسة بلدية لندن تعرض لانتكاسة كبرى عندما حل رابعاً بين المرشحين العماليين في التصويت الترشيحي، وفي نهاية المطاف فاز برئاسة البلدية متصدّر المنافسين صديق خان، الذي ما زال يشغل المنصب.

عند هذه المحطة بدأ تحول لامي – وبعض أترابه من اليساريين – التدريجي نحو الاعتدال والوسط. وتجلّى هذا التحوّل في تأييده لتوليّ ستارمر، الشخصية القانونية ذات التوجهات الوسطية، خلال انتخابات الزعامة عام 2020. ويُذكر أن انتخابات عام 2019 شهدت هزيمة مريرة للعمال، أنهت حقبة كورين واليسار لمصلحة التيار الوسطي المدعوم بقوة من مناصري إسرائيل داخل الحزب. وبالفعل، أثمر ولاء لامي للزعيم الجديد – المقرب جداً من إسرائيل – وخطه السياسي عندما عيّن في «حكومة الظل» لحقيبة العدل وكبير القانونيين. ولاحقاً، في التعديل الذي أجري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، انتقل لتولي حقيبة وزارة الخارجية في «حكومة الظل».

تعيينه وزيراً للخارجية

في أعقاب فوز العمال الساحق بالانتخابات الأخيرة، واحتفاظ لامي بمقعده في توتنهام، بشمال لندن، أسند رئيس الوزراء الجديد ستارمر إليه منصب وزير الخارجية رسمياً. وجاء هذا التعيين على الرغم من أن لجنة تحقيق اكتشفت عام 2022 ارتكابه من دون قصد مخالفة مسلكية، واضطر على الأثر إلى تقديم كتاب اعتذار عن المخالفة إلى مفوضة المعايير البرلمانية. أما على الصعيد السياسي، فمنذ تولي لامي منصبه الوزاري الجديد، كان بين أبرز مواقفه تأييده الصريح لأوكرانيا في الحرب الروسية عليها، ودعمه حرب إسرائيل ضد حركة «حماس»، وهو في هذا الشأن، على الرغم من تأييده وقف إطلاق النار في غزة، فإنه مثل ستارمر، ما زال يربطه بإطلاق جميع الرهائن.

الموقف من إسرائيل

أيضاً حول موضوع إسرائيل والقضية الفلسطينية، تجدر الإشارة إلى أن ديفيد لامي يُعد من أكثر أعضاء الحكومة العمالية الجديدة تلقياً للدعم المالي من جماعة «أصدقاء إسرائيل في حزب العمال». وهو، بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) في غلاف قطاع غزة، زار إسرائيل في أواخر العام الفائت، تحديداً يوم 19 نوفمبر 2023، وهناك اجتمع برئيس الدولة الإسرائيلي إسحق هرتسوغ ووزير الخارجية إيلي كوهين.

وخلال ذلك الشهر، اعتبر لامي الغارة الإسرائيلية على أحد مخيمات اللاجئين في قطاع غزة «عملية مبرّرة». على الأثر، اتسمت بالسلبية علاقته بالشارع البريطاني المؤيد للقضية الفلسطينية، والمعارض لاستمرار الأعمال التهجيرية الدامية في القطاع، وأيضاً في الضفة الغربية. ومجدداً زار لامي إسرائيل يوم 14 يوليو (تموز) الحالي، والتقى في أثناء الزيارة بعائلات الرهائن الإسرائيليين الذين اختطفتهم «حماس»، وكرر من هناك المطالبة بوقف لإطلاق النار في غزة مشروط بالإفراج عن جميع الرهائن.

… ومن أوكرانيا

أما ما يخصّ أوكرانيا وانعكاسات حربها على المشهد الأوروبي، فكانت من أولى مهام ديفيد لامي وزياراته الخارجية بصفته وزيراً للخارجية البريطانية، اجتماعه بنظرائه: البولندي رادوسواف سيكورسكي، والألمانية آنالينا بيربوك، والسويدي توبياس بيلستروم، لمناقشة الوضع ومستجدات الحرب الروسية إلى جانب مواضيع أخرى. وحول علاقة بريطانيا – ما بعد «بريكست» (الخروج من الاتحاد الأوروبي)، شدد لامي الوزير لنظرائه الأوروبيين على أن الحكومة الجديدة في لندن حريصة على «إعادة ضبط» علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تعزيز الخطط الخاصة بالأمن المشترك، وسياسات الطاقة، وأزمة تغير المناخ، ومواجهة الجوائح والأوبئة، والهجرة غير الشرعية.

ديفيد لامي، الذي يتمتع بخبرة سياسية وقانونية كبيرة، لديه أيضاً – كما سبقت الإشارة – اهتمامات أكاديمية وثقافية. وكان قد نشر خلال نوفمبر 2011 كتاباً بعنوان «بعيداً عن الرماد: بريطانيا في أعقاب اضطراب الشوارع»، تناول فيه الاضطرابات التي اجتاحت بعض المدن الإنجليزية عام 2011. ثم نشر كتاباً ثانياً من تأليفه بعنوان «قبائل» ناقش فيه أزمة الانقسامات الاجتماعية، ومدى الحاجة إلى الانتماء. ومن جهة ثانية، ظهر مقدِّماً خلال الفترة بين عامي 2022 و2024 في برنامج تلفزيوني قبل ظهر أيام الأحد. وهنا، نشير إلى أن المعلومات الموثقة عنه تفيد بأنه تلقى بين عامي 2019 و2024 أعلى دخل مادي بين النواب العماليين، إلى جانب مرتبه نائباً في مجلس العموم. من أبرز مواقف لامي في منصبه الوزاري

تأييده الصريح لأوكرانيا في الحرب الروسية عليها،

ودعمه حرب إسرائيل ضد «حماس»

صحيفة الشرق الاوسط