1

أي دور لـ”إسرائيل” في تصاعد العنف ضد المسلمين في بريطانيا؟

تصدرت أعمال الشغب العنصرية الأخيرة ضد المسلمين والمهاجرين في بريطانيا عناوين الصحف العالمية، لتوصف بأنها الأعنف منذ 13 عامًا، ومع ذلك، هناك جانب لم يركز عليه أحد تقريبًا، وهو كيف يحاول المؤثرون من أقصى اليمين الذين حركوا الاحتجاجات العنيفة ربط قضية معاداة المهاجرين بـ”إسرائيل”، وكيف أن معظمهم من المأجورين للدفاع عن الحرب الإسرائيلية على غزة.

الفتيل الذي أشعل العنصرية

ما شهدته بريطانيا مؤخرًا من “عنصرية متفشية” ليس سوى مثالًا على كيف أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي والكراهية اليمينية المتطرفة العنف في جميع أنحاء بريطانيا، في أعقاب هجوم وقع في 29 يوليو/تموز الماضي، وأسفر عن مقتل 3 فتيات صغيرات وإصابة 8 أطفال آخرين واثنين من البالغين في ساوثبورت بشمال إنجلترا.

حسابات يمينية على منصات التواصل استغلت الحدث، وأججت الأوضاع بزعم أن المشتبه به الرئيسي كان مهاجرًا ومسلمًا متطرفًا، وصل إلى بريطانيا بشكل غير قانوني في قارب.

انتشر هذا الخبر الكاذب بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار احتجاجات عنيفة ضد المسلمين في ساوثبورت، وهاجم المتظاهرون المناهضون للمسلمين مسجدًا محليًا، وأشعلوا النيران في المركبات، وألقوا الحجارة على الشرطة، وأصيب أكثر من 50 ضابط شرطة في الاشتباكات.

وعلى الرغم من تأكيد الشرطة لاحقًا أن الحادث لم يكن مرتبطًا بالإرهاب، وتحديد هوية المشتبه به على أنه شاب مراهق في الـ17 من عمره، ليس مسلمًا ولا حتى مهاجرًا، ولد في بريطانيا لأبوين مسيحيين من رواندا، انتشرت الاحتجاجات في أكثر من 20 مدينة بجميع أنحاء بريطانيا، وشملت هجمات عنصرية على المسلمين والبريطانيين الآسيويين والبريطانيين السود.

وتعرضت فنادق المهاجرين للهجوم، وتم اقتحام المتاجر وإشعال النار في السيارات، وامتدت الممارسات العنصرية لتشمل مقبرة إسلامية في بورنلي، حيث دنس متظاهرون شواهد بعض القبور بالطلاء، وهو ما أدى إلى تعزيز شعور الخوف والقلق في أوساط ما يناهز 4 ملايين مسلم في بريطانيا.

ووصف العديد من المحتجين أنفسهم بأنهم “وطنيون مهتمون بارتفاع مستويات الهجرة”، وهذا سرد يغذيه زعيم حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني المناهض للهجرة نايجل فاراج الذي فاز حزبه بـ4 ملايين صوت و4 مقاعد في البرلمان في الانتخابات العامة لعام 2024.

ورغم أن المشاعر المعادية للمسلمين والعرب كانت مرتفعة منذ بدأت حرب الغرب على الإرهاب، خاصة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، فإن حدة هذا الخطاب خفتت قليلًا على مدى السنوات القليلة الماضية، ومع ذلك، تصاعد الخطاب المعادي للإسلام بشكل غير مسبوق في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وفقًا لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، كان عدد الشكاوى الواردة بشأن الحوادث المعادية للإسلام في عام 2023 – التي جاءت معظمها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول – هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ مجموعة الحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين أو الاجانب الممتد على مدار 30 عامًا. ووفقًا للإحصاءات المقدمة لهذا العام، ارتفعت الحوادث المعادية للإسلام بنسبة بلغت 70% في النصف الأول من عام 2024.

وفي المملكة المتحدة، كان ارتفاع معدلات الإسلاموفوبيا أسوأ بكثير حيث تشير بيانات “وحدة الاستجابة للإسلاموفوبيا IRU”، وهي منظمة خيرية مقرها لندن، إلى ارتفاع حالات الكراهية التي سُجلت ضد المسلمين في البلاد بنسبة تزيد على 300% خلال الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

ما تخبرنا به هذه البيانات هو أن هناك زيادة كبيرة في المشاعر المعادية للمسلمين، التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالتغطية المتعلقة بالعدوان الإسرائيلي على غزة، سواء كان ذلك في وسائل الإعلام المؤسساتية المتحيزة أم على وسائل التواصل الاجتماعي التي يبدو أن غالبية الآراء المتشددة اليوم تتشكل عليها.

من يقف وراء هذا التحريض؟

مجموعات عديدة من اليمين المتطرف شاركت في أعمال الشغب أو روجت لها على وسائل التواصل، مثل الحركة البريطانية، وهي مجموعة من النازيين الجدد، ومجموعة البديل الوطني الفاشية التي تستخدم العنف، وتحاول تأجيج هذه المواجهات.

ثالث المنظمات الرئيسية التي تنسب لليمين المتطرف هي رابطة الدفاع الإنجليزية، وهي حركة عنصرية معادية للمسلمين والمهاجرين، من أبرز مؤسسيها ستيفن كريستوفر ياكسلي لينون، الذي غير اسمه الحقيقي إلى تومي روبنسون، أحد أبرز نشطاء اليمين المتطرف الموالين لـ”إسرائيل” والمعادين للإسلام.

يُتهم روبنسون بلعب دور مهم في التحريض على العنف القائم في بريطانيا، فقد استقطبت مظاهرة له ضمت العديد من أنصار “إسرائيل” حشدًا من نحو 20 ألف شخص في لندن قبل أيام قليلة من بدء أعمال الشغب، لكن روابط روبنسون بـ”إسرائيل” أعمق بكثير من اللافتات المرفوعة في مسيراته.

نون بوست
تومي روبنسون يميني متطرف متهم بالتحريض على أعمال الشغب في بريطانيا.

ساهم اليمينيون المتطرفون بما في ذلك روبنسون، في نشر اسم مزيف للمشتبه به، مدعيًا أنه طالب لجوء، رغم التشكيك في هذه المعلومات المضللة حتى على التلفزيون الإسرائيلي، لكن روبنسون ضاعف جهوده، وألقى بظلاله مرة أخرى على الحقيقة، وعمد إلى الترويج لذلك وكأنه دليل على وجود مشكلة مع طالبي اللجوء المسلمين في بريطانيا، ما أدى إلى المزيد من الاستقطاب، ومن ثم ضمان تضليل الجمهور الإسرائيلي أيضًا.

وبعد إثارة التوترات، وربط الحادث المروع بالهجرة غير الشرعية والحث على القيام بشيء حيال ذلك، سارع أمثال تومي روبنسون إلى النأي بأنفسهم عن العنف على الإنترنت، ولكنهم برروا أعمال الشغب، فلم تكن النقطة الأولى التي أثارها في مقطع الفيديو الذي تناول فيه أعمال الشغب تتعلق بالهجرة غير الشرعية، بل بحركة حماس.

وقدَّم روبنسون التفسير التالي لغضب بلطجيته وأعمال الشغب العنصرية المناهضة للمسلمين: “لماذا الناس غاضبون؟ سأخبرك لماذا هم غاضبون، لأن حماس سُمح لها بالسيطرة على لندن. الاستيلاء على عاصمتنا. كل أسبوع تُرفع أعلام داعش وحماس. تدعو إلى الجهاد. الشرطة لم تفعل شيئًا. بدلًا من ذلك ألقت القبض علي” وأضاف: “إن تصرفاتك في الأسابيع الثلاثة الماضية أو منذ السابع من أكتوبر، خلقت الآلاف من تومي روبنسون”.

هناك أيضًا سبب يدفع روبنسون إلى محاولة الإيحاء بأن أعمال الشغب تحدث بسبب استيلاء حماس على لندن، وهو ما يعني به المحتجين السلميين المؤيدين للفلسطينيين، لأن هذا في الواقع لا علاقة له بالسبب وراء حدوث أعمال الشغب العنصرية على الإطلاق.

ومن خلال إضافة المعلومات المضللة المنتشرة عبر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي اليمينية المتطرفة بأن المحتجين المؤيدين للفلسطينيين جميعهم من حماس وأنهم كانوا يحملون أيضًا أعلام داعش، فإن هذا يصب الوقود إلى النار، ويساعد في توجيه الكراهية نحو الفلسطينيين ودعم “إسرائيل”.

على خطى المنظمات الإرهابية الصهيونية

ليس من المستغرب أن يتم التحريض على أعمال العنف التي تشهدها بريطانيا، وأن تصدر هذه التصريحات العنصرية عن رجل لطالما اعتبر نفسه صهيونيًا، ويعمل لصالح “إسرائيل” كجزء من حركة الإسلاموفوبيا “المناهضة للجهاد” التي أنشأتها دولة الاحتلال، إذ صرح في وقت سابق بأنه “سيكون في الخطوط الأمامية للقتال من أجل إسرائيل”، ولكن لماذا يعتبر روبنسون مهووسًا بجعل كل قضية تتعلق بـ”إسرائيل” والسابع من أكتوبر/تشرين الأول؟

اكتسب روبنسون شهرة واسعة عندما شارك عام 2009 في تأسيس رابطة الدفاع الإنجليزية (EDL) اليمينية العنصرية المتطرفة والمعادية للإسلام بشكل صريح، والمعروفة بأعمال العنف والشغب والمسيرات العنصرية ضد المسلمين والمهاجرين، وقاد المجموعة حتى عام 2013.

بعد عامين من تأسيسها تم تسمية المنظمة باسم رابطة الدفاع الإنجليزية واليهودية، استنادًا إلى رابطة الدفاع اليهودية، وهي منظمة إرهابية صهيونية أسسها الحاخام مائير كاهانا في الولايات المتحدة على أيديولوجية يمينية متطرفة عام 1968، وكانت جزءًا رئيسيًا من أعمال البلطجة العنيفة المعادية للإسلام في شوارع بريطانيا على مدى العقد الماضي.

ومع ذلك، لم يُذكر إلا القليل عن المؤسس المشارك لرابطة الدفاع الإنجليزية، وهو بول راي، الذي عمل لصالح المخابرات الإسرائيلية، حيث قام بالتسلل والتجسس على حركة التضامن الدولية المؤيدة للفلسطينيين (ISM)، التي كانت الأمريكية راشيل كوري التي قتلت بجرافة إسرائيلية عضوًا فيها، وقدم المعلومات التي جمعها عن أعضائها إلى العديد من وكالات الاستخبارات.

في سلسلة تغريدات نُشرت على موقع إكس (تويتر سابقًا)، يكشف مغني الراب الشهير البريطاني من أصل عراقي كريم دينيس المعروف باسمه الفني “لوكي”، بالتفصيل علاقة رابطة الدفاع الإنجليزية بالحركة الصهيونية، مشيرًا إلى أن “رابطة الدفاع الإنجليزية مسجلة في سجل الشركات (موقع الحكومة البريطانية) عن طريق الجندية السابقة في جيش الاحتلال الإسرائيلي روبرتا مور”.

ووفقًا لمغني الراب الشهير المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، والذي تعرض لهجوم من جماعات اللوبي البريطانية الموالية لـ”إسرائيل”، كانت مور تخضع لتدريب عسكري في إحدى المستوطنات الإسرائيلية، وتتولى رئاسة الوحدة اليهودية في رابطة الدفاع الإنجليزية، التي كان عدد أعضائها نحو 100 عضو.

ولسنوات طويلة، نظَّمت رابطة الدفاع الإنجليزية تظاهرة داعمة لـ”إسرائيل” بالتعاون مع الاتحاد الصهيوني، وظهرت مور في صورة مع النائب السابق لرئيسه جوناثان هوفمان، وعندما سُئلت مور عما إذا كانت رابطة الدفاع الإنجليزية تستغل الحركة الصهيونية، ردت قائلة: “إذا كان هناك أي شيء، فهو أننا نستغلهم”.

في فبراير/شباط 2013، غيَّرت روبرتا مور اسم رابطة الدفاع الإنجليزية على الموقع الرسمي لسجل الشركات البريطانية إلى رابطة الدفاع اليهودية في المملكة المتحدة، واستخدمت شعار حركة كاهانا، وهي جماعة إرهابية أخرى، وظهرت روبرتا في صورة لها إلى جانب عضو الكنيست الإسرائيلي السابق موشيه فيجلين ورئيس الفرع الكندي لرابطة الدفاع اليهودية مائير وينشتاين.

كانت رابطة الدفاع اليهودية محظورة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة، ويُفهم على نطاق واسع أنها الجناح المسلح لحركة “كاخ” الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تأسست عام 1971 في “إسرائيل”، وهي من أشهر الجماعات المتطرفة التي تنادي بهدم المسجد الأقصى، وتتبع لعضو الكنيست الإسرائيلي السابق اليميني المتطرف الحاخام الأمريكي مائير كاهانا.

وعرفت كاخ بأفكارها العنصرية وسلوكها العنيف ضد الشعب الفلسطيني ودعوتها لطرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة وإيمانها بأفضلية اليهود على غيرهم، وشكلت مجموعات مسلحة للاعتداء على قرى الفلسطينيين وتخريب ممتلكاتهم، كما تبنت عمليات قتل بحقهم، وأنتجت حركات وشخصيات متطرفة أخرى من أبرزها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي انضم إليها في الـ16 من عمره، وأسس حزبًا متطرفًا يدعى “عوتسما يهوديت”.

وعندما تشكلت رابطة الدفاع الإنجليزية لأول مرة، كان أحد المتحدثين الرئيسيين في مسيراتهم هو أيضًا المدرب العسكري الإسرائيلي السابق والحاخام اليهودي الأمريكي المتطرف ناخوم شيفرين، الذي وُصف بأنه أحد كبار الناشطين في احتجاجات حركة حزب الشاي “تي بي إم” التي ظهرت في المشهد السياسي الأمريكي عام 2009.

عنصرية بتمويل إسرائيلي

كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن الناشط اليميني المتطرف يتلقى دعمًا من مجموعة واسعة من الجهات والأفراد خارج بريطانيا بما في ذلك مراكز أبحاث أمريكية ويمينيون أستراليون ومتصيدون روس.

ووفقًا للتحقيق، فإن أحد مصادر التمويل هو الملياردير الأمريكي في مجال التكنولوجيا روبرت شيلمان الذي كان – حتى وقت قريب – مديرًا لمنظمة أصدقاء قوات الدفاع الإسرائيلية، وموَّل السياسيين اليمينيين المتطرفين الهولنديين مثل النائب الهولندي المعروف بعدائه للإسلام خيرت فيلدرز.

ويمول شيلمان أيضًا مشروعات كثيرة مناهضة للإسلام، بما في ذلك مركز “هوروويتز Horowitz” الذي يُوصف بأنه “شبكة من المشروعات التي تمنح الأصوات المعادية للمسلمين والأيديولوجيات الراديكالية منصة لنشر الكراهية والتضليل الإعلامي”، كما يمول العديد من قنوات البروباغندا السياسية مثل موقع الأخبار اليميني الكندي “ريبل نيوز Rebel News”.

وبتمويل من شيلمان، دفع “ريبل نيوز” لروبنسون راتبًا قدره 5 آلاف جنيه إسترليني شهريًا، لكن صحيفة “تايمز” البريطانية تحدثت إلى زميلة سابقة عملت عن كثب إلى جانب روبنسون، تدعى لوسي براون، وقالت إن شيلمان ساعد في دفع راتب روبنسون الذي يصل إلى 5 أرقام شهريًا للعمل هناك.

بالإضافة إلى ذلك، حصل صحفي “ريبل نيوز” على أموال من منظمة أخرى مؤيدة لـ”إسرائيل”، حيث اعترفت مؤسسة الفكر المسماة منتدى الشرق الأوسط، بتنظيم مسيرة يمينية متطرفة مؤيدة لروبنسون في لندن، ودفع 60 ألف دولار على الأقل كنفقات قانونية بعد اعتقاله بتهمة ازدراء المحكمة في عام 2018، لبثه مقطع فيديو مباشر على فيسبوك للمتهمين المتورطين في عصابة التحرش الجنسي، منتهكًا حظر التغطية الإعلامية للمحاكمة، ومع ذلك، قضى شهرين فقط من عقوبته البالغة 13 شهرًا.

مدير مركز الأبحاث المحافظ المؤيد لـ”إسرائيل” هو جريج رومان، وهو موظف سابق في الحكومة الإسرائيلية ومنسق سابق للأنشطة في الضفة الغربية لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وقد صرح بأنهم يساعدون روبنسون من خلال تمويل دفاعه القانوني، وممارسة الضغوط الخارجية على الحكومة البريطانية من أجل سلامته، وتنظيم المسيرات لدعمه.

كان روبنسون – وربما لا يزال – يتلقى التمويل من منظمات مؤيدة لـ”إسرائيل” ومعادية للمسلمين، ففي عام 2016، سافر إلى “إسرائيل” في جولة عسكرية، وظهر على دبابة إسرائيلية وهو يحمل بندقية وارتدى قميصًا مكتوبًا عليه جيش الدفاع الإسرائيلي، في الضفة الغربية، بل وقام أيضًا بزيارة مخيم للاجئين في بيت لحم.

نون بوست
صورة تظهر تومي روبنسون يقف على دبابة إسرائيلية وهو يحمل سلاحًا في أثناء رحلة إلى “إسرائيل”.

على الرغم من هذه الجولة التي قال عنها إنه “استفاد كثيرًا من التجول حول هذا المكان”، فقد أطلق مؤخرًا على فلسطين “المدينة المليئة بالطفيليات والإرهابيين الإسلاميين المتأصلين”، وكتب فوق ملصق يحمل علم فلسطين: “اللعنة على فلسطين” و”هل تحبهم؟ اذهب إلى الجحيم وادعمهم”.

ووفقًا لأستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة بريستول الإنجليزية ديفيد مولر، فإن روبنسون يعد جزءًا من برنامج المؤثرين عبر الإنترنت الذي تموله “إسرائيل”، ويظهر كضيف دائم على شاشات القنوات الإسرائيلية والغربية المؤيدة للاحتلال بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، للترويج للدعاية الصهيونية، التي تعتبر التصدي للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وزرع الإسلاموفوبيا هدفين مهمين ومترابطين.

وبذلك، يكفي أن نقول إن روبنسون لديه تاريخ طويل في تلقي الأموال من الصهاينة، بالإضافة إلى حقيقة أن اليمينيين المتطرفين مرتبطون بشكل مباشر برابطة الدفاع الإنجليزية العنصرية، وليس من المستغرب إذًا أن يلجأ إلى استخدام خطاب معاد للفلسطينيين لا علاقة له بالموضوع في تعليقاته على أعمال الشغب التي ساعد في تشجيعها، في حين يستمر في تبريرها، على الرغم من حرصه على عدم تأييد العنف.

شبكة يمينية معادية للمسلمين

إذا نظرنا أيضًا إلى مجموعة الشخصيات اليمينية المتطرفة الأخرى التي ظهرت مؤخرًا على نطاق واسع في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ما أثار مشاعر معادية للمسلمين، فسوف نجد أنهم يعملون دائمًا على ربط “إسرائيل” بأي نقاط معادية للمهاجرين يتبنونها.

ولنتأمل هنا على سبيل المثال الكاتب البريطاني اليميني المشهور بدعمه للاحتلال الإسرائيلي دوغلاس موراي، الذي ظهر من العدم ليقدم دعاية معدة بعناية عن الشرق الأوسط والمسلمين وطالبي اللجوء وما يسمى بـ”القيم الغربية”، ومن مؤلفاته كتاب “الحرب على الغرب”.

سافر موراي إلى “إسرائيل” التي يعتبرها “مثالًا يجب أن تحتذي به بقية دول العالم الديمقراطية”، وأصبح مدافعًا بارزًا عن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة، في حين كان يروج لخدع الدعاية التي روجت لها “إسرائيل” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

في فبراير/شباط الماضي، رفض موظفو مسارح نيماكس بلندن العمل على نشاط جمع تمويلات كان يعتزم موراي تنظيمه لصالح جنود جيش الاحتلال، رغم تعهد إدارة المسارح لهم بـ3 أضعاف الأجر، وبدلًا من ذلك، اتهمه متظاهرون أمام المسرح بتمويل الإبادة.

نون بوست
الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ (يمين) مع الكاتب البريطاني اليميني المشهور بدعمه للاحتلال دوغلاس موراي

إذا أخذنا آخرين، مثل كاتي هوبكنز، وهي شخصية يمينية متطرفة ومذيعة معروفة بوصف المهاجرين بـ”الصراصير” و”الحشرات” في الصحف الوطنية، نجد أنهم أيضًا يربطون رسائلهم المناهضة للإسلام والهجرة بنقاط نقاش مؤيدة لـ”إسرائيل”.

إلى جانب روبنسون، كانت هوبكنز واحدة من الشخصيات الرئيسية التي ساهمت في بدء أعمال الشغب العنصرية، وكانت تستخدم حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي التي يتابعها أكثر من مليوني شخص للمساعدة في نشر المعلومات المضللة وحشد المسيرات العنصرية، ولا يزال مقطع الفيديو الذي أطلقت فيه اسمًا عربيًا على قاتل الأطفال في ساوثبورت منشورًا على الإنترنت.

مثل روبنسون، كانت هوبكنز زميلة في “ريبل نيوز”، وواحدة من الذين اصطحبتهم وسيلة الإعلام اليمينية الكندية الممولة من شيلمان، في رحلة مدفوعة إلى “إسرائيل”، ونشرت صورًا لها وهي ترتدي زي جيش الاحتلال الإسرائيلي، ووصفت رحلتها بكلمات عنصرية: “كل ما أستطيع سماعه هو نداء الصلاة، أشعر كأنني أتعرض للتعذيب في زنزانة على يد تنظيم القاعدة”.

وتدير كاتي مجموعة أخرى معادية للمسلمين تسمى مركز ديفيد هورويتز للحرية، وتتحدث بانتظام في الفعاليات التي ينظمها المركز، وتتلقى أجرًا مقابل إلقاء خطابات عنصرية ساخرة بعد العشاء ونشر الكراهية ضد المسلمين، ففي إحداها تقول بسخرية: “على عكس أصدقائي المسلمين الذين لديهم 15 طفلًا تحت سن الثالثة، أنا أمزح، أنا أمزح، ليس لدي أي أصدقاء مسلمين”.

بخلاف هؤلاء الذين يبعدون آلاف الكيلومترات عن “إسرائيل”، اتُهم نائب رئيس بلدية القدس، أرييه كينج، بمحاولة إثارة أعمال شغب وتوترات اليمين المتطرف في بريطانيا بعد نشره مرارًا وتكرارًا في الأيام الأخيرة صورًا ومقاطع فيديو تغذي الكراهية وتسيء إلى المجتمع الإسلامي في بريطانيا، مدعيًا ​​أن مقاتلي حماس الذين قتلوا مدنيين إسرائيليين في 7 أكتوبر/تشرين الأول مدعومون من المسلمين في بريطانيا.

كينج، مؤسس منظمة استيطانية تسمى “صندوق أرض إسرائيل”، صاحب تاريخ طويل من الكراهية ضد المسلمين، ومعروف بعمله على توطين الإسرائيليين بشكل غير قانوني في القدس الشرقية المحتلة وطرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، واتهمه المنتقدون على نطاق واسع بالعنصرية، وقد رد على اتهام بأنه كان يحاول إثارة حرب عرقية، مدعيًا أنه كان يحاول إنقاذ إنجلترا من الحركة الإسلامية المتطرفة.

وبينما كانت الهجمات العنصرية والمناهضة للمسلمين تجتاح المدن والبلدات في أنحاء مختلفة من المدن البريطانية، نشر كينج صورة كاريكاتورية تُظهر رجلًا أسمر اللون ذا مظهر مسلم ولحية وقلنسوة يحتضن ضابط شرطة بريطاني أبيض، يضع ذراعيه حول المسلم، قال الشرطي: “معًا سنجعل هذا البلد ملكك”، وكان المسلم يقول: “شكرًا لك على كونك ضعيفًا جدًا”.

وبشكل عام، تحولت السياسة الإسرائيلية تحت قيادة رؤساء مثل بنيامين نتنياهو إلى اليمين بشكل أكبر من خلال تشكيل تحالفات مع شخصيات اليمين المتطرف على مستوى العالم، وهذا يشمل العلاقات مع زعماء مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذين تعرضوا أيضًا لانتقادات بسبب آرائهم عن الإسلام والهجرة.

لا شيء يحدث بالصدفة

السؤال الآن: ما الذي يربط “إسرائيل” بمثيري العنف العنصري الأخير في بريطانيا؟ تكمن الإجابة في شبكة عالمية من السياسيين المناهضين للمسلمين والمؤيدين لـ”إسرائيل” ومراكز البحوث والأثرياء الذين يمولون نشاطًا مناهضًا للمسلمين في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، ويروجون لشخصيات اليمين المتطرف الرائدة في بريطانيا التي تشوه سمعة المسلمين والمهاجرين غير البيض، تمامًا مثل القادة الإسرائيليين الذين شوهوا سمعة الفلسطينيين الذين هم أيضًا مسلمون.

كما أن شخصيات مثل تومي روبنسون وكيتي هوبكنز لم يحرضوا ويحشدوا للعنف العنصري الأخير فحسب، بل كانوا أيضًا يحرضون ضد المسلمين والمهاجرين لعقود من الزمن، وهذا التوجه هو جزء من اتجاه أوسع، حيث يرى اليمين المتطرف في أوروبا “إسرائيل” كمدافع عن الحضارة الغربية ضد التهديدات الإسلامية المزعومة.

ويعتبر روبنسون نفسه من أشد المؤيدين لـ”إسرائيل”، ويؤيد السياسة الإسرائيلية، ففي عام 2004، بدأ طريقه في الحزب الوطني البريطاني الفاشي، الذي تشكل من حزب الجبهة الوطنية البريطانية التي بدأ في الظهور سبعينيات القرن الماضي من أقصى اليمين وتأثر بالفكر الفاشي، وتبنى الترويج لأفكار مناهضة للهجرة والتعددية الثقافية، كما ترأس الفرع البريطاني لحركة أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب (بيغيدا) المعادية للإسلام، التي تأسست في ألمانيا.

كانت كلتا الحركتين معاديتين للسامية وعنصريتين بشدة، لكنهما أقرب إلى أيديولوجيات الفاشية مثل النازية، والآن أصبحت الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين هي الأجندة الأساسية لهذه المجموعات، وجعلتهم معاداتهم للإسلام حلفاء طبيعيين لأيديولوجيات أخرى مثل الصهيونية في “إسرائيل” أو القومية الهندوسية في الهند.

لذا فإن الحرب في غزة واحتلال فلسطين والموجة الأخيرة من العنف العنصري في بريطانيا مرتبطة بشبكة من المنظمات المؤيدة لـ”إسرائيل” والمعادية للمسلمين، التي تروج للكراهية ضد المسلمين في بريطانيا بينما تدعم التطهير العرقي والاحتلال العسكري للمسلمين في فلسطين.

لا شيء من كل هذا يحدث بالصدفة، فالدور الذي تلعبه “إسرائيل” في دعم هذه الشخصيات المعادية للإسلام أو استخدام المؤثرين من اليمين المتطرف لتبني نقاط حوار معادية للفلسطينيين، هو جزء من حملة طويلة لإثارة الكراهية ضد المسلمين وطالبي اللجوء مع ربط هذه الكراهية بدعم “إسرائيل”.

وفي حين أن أعمال الشغب العنصرية في بريطانيا قد لا تكون ناجمة بشكل مباشر عن تمويل اللوبي الصهيوني لشخصيات اليمين المتطرف، فإن هؤلاء الأفراد موجودون بسبب الدعم المالي الكبير الذي يتلقونه في المقام الأول.

وهنا يمكن القول إن إثارة مشاعر الإسلاموفوبيا بين الناس الذين يتسمون بالفعل بالعنصرية الواضحة، وتوجيه هذا الغضب نحو الفلسطينيين، هو جزء واضح من أجندة معينة، وعلى الرغم من الروابط الواضحة بين اليمين المتطرف و”إسرائيل”، فإن هناك صمتًا شبه كامل في وسائل الإعلام الرسمية فيما يتعلق بهذه القضية.

ومع استمرار الحرب في غزة، من المتوقع أن تستمر التعبئة اليمينية المتطرفة في بريطانيا التي ستحتاج الآن إلى معالجة المعلومات المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والكراهية اليمينية المتطرفة التي أدت إلى اندلاع أسوأ اضطرابات في البلاد منذ أكثر من عقد من الزمان.

إسراء سيد

موقع نون بوست




الانتخابات الأمريكية: سياسة الديمقراطيين تجاه غزة تنفّر النّاخبين العرب

خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان في شباط/فبراير الماضي، كان لدى حركة غير الملتزمين رسالة بسيطة للرئيس جو بايدن: نفّذ حظر الأسلحة على إسرائيل وإلا لن نصوت لك – مما قد يتسبب في خسارتك ولاية متأرجحة رئيسية في تشرين الثاني/ نوفمبر. وفعلًا اختار أكثر من 100 ألف ديمقراطي في ميشيغان – ما يقارب 13 بالمائة من الذين صوتوا – عدم الالتزام.

لقد أثّرت حرب إسرائيل المستمرة في غزة على مشاعر 390 ألف أمريكي عربي في ميشيغان الذين أعربوا باستمرار عن شكواهم من قيام بايدن وإدارته بتزويد إسرائيل بشحنات الأسلحة غير المحدودة، التي يقولون إنها تمكّن إسرائيل من ارتكاب إبادة جماعية. وبسبب عمليات نقل الأسلحة تلك يرى الناخبون الفلسطينيون والعرب في ميشيغان أن الولايات المتحدة مسؤولةٌ بشكل مباشر عن الموت والدمار والخراب الذي أطلقته إسرائيل في غزة، وقد تم تحويل هذا الغضب إلى عمل وتعبئة سياسيين.

إن غضب هؤلاء الناخبين موجّه عن حق إلى الديمقراطيين الذين يدّعون أنهم يؤيدون حقوق الفلسطينيين ولكنهم غالبًا ما يتعاونون مع نظرائهم الجمهوريين المتشددين لحرمان الفلسطينيين من حرياتهم. وقد أثرت عدة أشهر من المعارضة التي قادها الفلسطينيون والعرب الأمريكيون، بالإضافة إلى الطلاب المحتجين وغيرهم من الديمقراطيين المعارضين للحرب، على أرقام استطلاعات الرأي التي أجراها بايدن في تموز/ يوليو، مما أثار الشكوك حول فرص الرئيس في الفوز في ولاية ميشيغان.

ومع أن بايدن لم يعد على رأس قائمة مرشحي الحزب الديمقراطي، إلا أن العديد من الناخبين الأمريكيين العرب غير الملتزمين في ميشيغان ما زالوا لا يدعمون هاريس. وقال معظمهم لمجلة “فورين بوليسي” إنهم يخططون للتصويت كغير الملتزمين إذا أتيحت لهم الفرصة، في حين قالت فئات أصغر من الناخبين إنهم قد يمتنعون عن التصويت أو يستكشفون خيارات الطرف الثالث في تشرين الثاني/نوفمبر.

ظهر هذا الشعور بوضوح في إحدى فعاليات حملة هاريس الانتخابية في وقت سابق من هذا الشهر، عندما تجمع 15 ألف شخص في محطة صاخبة للحملة في مطار ديترويت. وخلال خطاب هاريس، هتف اثنان من المتظاهرين: “كامالا، كامالا، لا يمكنك الاختباء! لن نصوت للإبادة الجماعية!”. فقدت نائب الرئيس صبرها ووبّختهم قائلةً: “أتعلمون؟ إذا كنتم تريدون فوز دونالد ترامب، فقولوا ذلك وإلا سأواصل أتحدث”.

من بين المتظاهرين الذين وجهت هاريس توبيخها لهم سلمى حمامي، وهي أمريكية من أصل فلسطيني ورئيسة منظمة طلاب متحالفون من أجل الحرية والمساواة ورئيسة تحالف التحرير في جامعة ميشيغان. ووفقًا لما قالته حمامي لمجلة “فورين بوليسي: “كان من الممكن أن تكون هذه لحظةً مناسبة لها للتعبير عن دعمها للفلسطينيين وقول “حسنًا، سأتخذ إجراءات وأقوم بتغييرات”. بدلاً من ذلك، قللت هاريس من شأننا واستخدمت حدثها كمنصة لتقول: “أنتم عالقون معي ولن نفعل شيئًا لمساعدة الفلسطينيين””.

على الرغم من أن استطلاعات الرأي تتوقع حاليًا فوز هاريس في ولاية ميشيغان، إلا أنه لا ينبغي لنائب الرئيس أن تشعر بالراحة بسرعة كبيرة إذ لا يزال تقدمها ضئيلاً، وسيكون من الحكمة ألا تستهين بالناخبين الأمريكيين العرب. عزّزت ليلى العابد، الرئيسة المشاركة للحركة الوطنية لغير الملتزمين، هذه الفكرة في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو يوم الإثنين. قالت العابد في مؤتمر صحفي: “[هاريس] معرضة لخطر خسارة الولايات المتأرجحة الرئيسية. في الوقت الحالي، لا يمكن لغالبية الناخبين في ميشيغان… أن يدعموا نائب الرئيس هاريس. ما نحتاجه الآن هو تغيير السياسة”.

في نفس التجمع الذي واجهت فيه حمامي هاريس، تمكنت العابد وعباس علوية، أحد مؤسسي حركة غير الملتزمين، من تأمين لقاء قصير مع نائب الرئيس. وهناك، أشارت هاريس إلى أن الديمقراطيين يجب أن يكونوا منفتحين على إجراء محادثة حول فرض حظر على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، على حد قولهم. وحسب ما ورد، قالت العابد لهاريس: “يريد ناخبو ميشيغان دعمك، لكننا بحاجة إلى سياسة تنقذ الأرواح في غزة الآن”.

يثير النهجان المتناقضان – الاحتجاجات المزعجة أو المشاركة المباشرة مع قادة الحزب الديمقراطي – سؤالاً حول أي استراتيجية هي الأكثر فعالية؟ بالنسبة لمعظم الناخبين الأمريكيين العرب في ميشيغان، يظل التصويت كغير الملتزم هو الهدف.

يصوّت بعض أفراد الجالية العربية الأمريكية كغير الملتزمين باعتبارها فرصة للتعبير عن مخاوفهم من أن هاريس لن تكون مختلفة عن بايدن في مسألة تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل. ومن بين 70 ناخبًا أمريكيًا عربيًا محتملًا تحدثوا مع مجلة فورين بوليسي، أشار 65 منهم إلى التزامات هاريس تجاه إسرائيل عندما كانت نائبًا لبايدن قبل أربع سنوات. وخلال تلك الحملة، صرّحت هاريس بأن إدارة بايدن ستواصل تزويد إسرائيل بالمساعدات العسكرية غير المشروطة.

وحسب ما أفاد به العديد من العرب الأمريكيين، فإن تعاطف هاريس المعلن مع الفلسطينيين في غزة لا يُترجم إلى تغييرات حقيقية في السياسة تجاه إسرائيل. فعند لقائها برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهر الماضي، تحدثت هاريس بصرامة وسلطت الضوء على معاناة الفلسطينيين في غزة. كما أعربت هاريس عن دعمها لإنهاء الحرب. ومع ذلك، بالنسبة للفلسطينيين الأمريكيين مثل أمين، الذي فضّل حجب اسم عائلته، فإن فشل هاريس في الضغط من أجل التغيير يجعلها امتدادًا لسياسات بايدن ومتواطئة بشكل مباشر في معاناة الفلسطينيين. وقال: “لا نريد مجرد كلمات لطيفة، لأن حياة الفلسطينيين ليست شيئًا يمكن الاستخفاف به”.

يعتقد العديد من الناخبين غير الملتزمين أن دعم هاريس للمساعدات العسكرية لإسرائيل لن يتغير إلا إذا أُجبرت على ذلك من قبل الناخبين غير الملتزمين الذين يمارسون ضغوطًا سياسية، على أمل أن يؤدي هذا الضغط، على المدى الطويل، إلى كسر الوضع الراهن المتمثل في دعم واشنطن الثابت لإسرائيل وترجيح الكفة لصالح الفلسطينيين. وبالفعل أدت جهود الحركة إلى تنظيم المؤتمر الديمقراطي في شيكاغو لأول جلسة نقاش حول حقوق الإنسان الفلسطيني.

حسب ساماريا بزي، وهي أمريكية من أصل لبناني، فإن هناك عاملًا آخر يحفّز الناخبين على معارضة هاريس وهو الاعتقاد بأن الحركة غير الملتزمة يمكن استغلالها لإظهار إحباطهم بشأن الاضطرار إلى الاختيار بين “أهون الشرين” (هاريس والرئيس السابق دونالد ترامب). وقالت بزي إنها قد تصوّت لصالح مرشحة الحزب الأخضر جيل شتاين بسبب موقف شتاين من فلسطين. (قبل بضعة أسابيع، بدا أن ستاين تحظى بشعبية كبيرة في ميشيغان. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته لجنة مكافحة التمييز العربية الأمريكية في أواخر تموز/يوليو أن 45 بالمائة من الأمريكيين العرب على مستوى البلاد سيصوتون لصالح شتاين. مع ذلك، أعرب معظم الناخبين الذين تحدثوا مع فورين بوليسي عن القليل من الدعم لشتاين، مشيرين بدلاً من ذلك إلى أنهم يفضلون التصويت كغير ملتزمين أو عدم التصويت على الإطلاق في تشرين الثاني/نوفمبر.)

قالت فرح خان، المتحدثة باسم حركة التخلي عن هاريس (حركة التخلي عن بايدن سابقًا)، لفورين بوليسي إنه من خلال التصويت كغير ملتزم أو لحزب ثالث، يمكن للناخبين “كسر عقلية التصويت لأهون الشرين. نحن بحاجة إلى مرشحين جيدين. نحن بحاجة إلى انتخاب مسؤولين يستحقون أصواتنا”. وتعتقد خان أن حركة غير الملتزمين قد مكنت الجالية العربية الأمريكية في ميشيغان من امتلاك وكالة سياسية وقوة لم تكن تملكها من قبل. وقالت خان: “لقد أصبحنا تهديدًا سياسيًا ملموسًا. ليس لدينا القدرة على وضع شخص ما في المنصب، ولكن لدينا القدرة على إخراجه. نحن لم نكن نعلم أن بإمكاننا القيام بذلك. نحن الآن على دراية بهذه القوة ويجب أن نستخدمها”.

هناك شريحة صغيرة من المجتمع ترى أن التأثير على الحزب من الداخل، بدلاً من الاحتجاج من الخارج، هو التكتيك الأكثر فعالية. ففي مقابلة مع مجلة +972 قال وليد شهيد، مدير التواصل في حركة ديمقراطيي العدالة وأحد مؤسسي حركة غير ملتزمين: “تحتاج حركة حقوق الفلسطينيين إلى زيادة نفوذها وقوتها في الحزب الديمقراطي”.وأضاف شهيد: “يجب على الديمقراطيين التقدميين والشباب والديمقراطيين العرب والمسلمين توفير نوع من البنية التحتية التي يمكن أن تضاهي مستوى التأثير الذي تتمتع به المنظمات المؤيدة لإسرائيل”.

ويرى شهيد بوادر نجاح إلى حد ما، بدءًا من خطاب هاريس في مدينة سيلما بولاية ألاباما الذي ألمحت فيه إلى موقف أكثر تقدمية من القضايا الفلسطينية إلى عمل المنظمين. وأشار شهيد إلى أنه كان “متشككًا في رغبة الحزب الديمقراطي والبيت الأبيض في الاستجابة لتنظيم المسلمين الأمريكيين والعرب الأمريكيين …. لكنني فوجئت بذلك بسرور”.

يصرّ ناخبون آخرون غير ملتزمين على ضرورة الاستفادة من الحركة بطريقة تجعل الأمريكيين الآخرين ينضمون إليها. فوفقًا لماثيو بيتي، الصحفي في مجلة “ريزون”، والذي لا ينتمي إلى الحركة، فإن أولئك الذين اختاروا العمل مع القادة الديمقراطيين لإحداث التغيير قد اتخذوا خيارًا ذكيًا، مما يسمح للحركة بأن تكون جزءًا من الحزب ويحميها من الاتهامات بأنها تساعد ترامب على الفوز. وقال بيتي: “إحدى التهم التي تُوجّه إلى اليساريين وحلفائهم هي أنهم على استعداد لإفشال الانتخابات لصالح الجمهوريين بدافع الانتقام. وقد كان الاحتشاد خلف حركة غير الملتزمين ردًا ذكيًا، حيث أرسلوا رسالة مفادها أنهم جزء من التحالف الديمقراطي ومستعدون للعمل مع الحزب ولكنهم بحاجة إلى مقعد على الطاولة في المقابل”.

بغض النظر عما إذا كانت حركة غير الملتزمين ستختار في نهاية المطاف الاحتجاج العلني أو الضغط الداخلي على الديمقراطيين، فإن لجوء هاريس إلى تهديد المتظاهرين المؤيدين لفلسطين باحتمال تولي ترامب رئاسة ثانية في وقت سابق من هذا الشهر لن يكسبها أصوات الناخبين وذلك لأن هناك شعورًا واسع الانتشار بين الناخبين غير الملتزمين لم يلاحظه خبراء وسائل الإعلام الوطنية: فيما يتعلق بقضية فلسطين، لا يقتصر الأمر على عدم رؤية الأمريكيين العرب في ميشيغان لأي فرق بين هاريس وبايدن، بل إنهم لا يرون أيضًا كيف تختلف هاريس اختلافًا كبيرًا عن ترامب.

وفي حين يدرك الفلسطينيون وغيرهم من العرب الأمريكيين أن رئاسة ترامب قد تكون أكثر خطورة بالنسبة لهم بالنظر إلى أنه وعد بإعادة العمل بحظره سيئ السمعة على المسلمين ومنع اللاجئين من غزة من دخول الولايات المتحدة، فهم ليسوا على استعداد لإعطاء فرصة للديمقراطيين. وقد أشار الذين قابلتهم مجلة “فورين بوليسي” إلى أن كلاً من هاريس وبايدن قد طبقا سياسات ترامب الصارمة المعادية للفلسطينيين بمجرد مغادرته.

فقد طبّق وزير خارجية ترامب مايك بومبيو “مبدأ بومبيو” سيئ السمعة، الذي أكد أن المستوطنات لم تعد غير قانونية، وهو ما يعد خروجًا عن السياسة الأمريكية القائمة منذ فترة طويلة – ووصل الأمر إلى حد فرض وضع علامة “صُنع في إسرائيل” على البضائع المنتجة في المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلال فترة ولايته، نقلت الحكومة الأمريكية السفارة الإسرائيلية إلى القدس، وسحبت التمويل من الأونروا، وكالة الأمم المتحدة التي تركز على اللاجئين الفلسطينيين.

وحسب ما يسارع الناخبون غير الملتزمين بالإشارة إليه، فإن ما يقارب ست سنوات قد مرت ولا تزال إدارة بايدن تطبق العديد من هذه السياسات بشكل فعال حتى اليوم. ولم يتم إعادة فتح القنصلية الفلسطينية في القدس، ولا يزال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن مغلقًا، ولا تزال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لا تحظى بالتمويل الأمريكي المناسب. وبصفتها نائبًا لبايدن، لم تتحدث هاريس ضد هذه السياسات ولم توضح ما إذا كانت ستلغيها إذا تم انتخابها.

من خلال مواصلة الضغط على هاريس، يشعر الناخبون غير الملتزمين بأنهم قد يكونون قادرين على تغيير موقفها. قالت سابا سعيد، طالبة في السنة الرابعة في جامعة ولاية ميشيغان ورئيسة الجمعية الثقافية في الجامعة: “أنت تريد أن تحاول أن تحب هاريس بل وأن تدعمها، لكن استمرارها هي وبايدن في العديد من سياسات ترامب هو علامة تحذير كبيرة. إذا لم تقم هاريس بإعادة تمويل الأونروا وإنهاء سياسات عهد ترامب، فحظًا موفقًا لها في تشرين الثاني/نوفمبر”.

قام رجل فلسطيني من مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، تعود جذور عائلته إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية، ولكنه فقد أيضًا أفرادًا من عائلته في غزة، بتقديم تشبيه كئيب لتعزيز رؤية الناخبين العرب لهاريس وترامب. قال الرجل الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لتجنب صعوبات السفر إلى المنطقة في المستقبل: “قال شاعر فلسطيني شهير ذات مرة: “يمكن للقاتل أن يخنقك بوشاح حريري أو يمكن أن يحطم رأسك بفأس”. كامالا هي صاحبة الوشاح الحريري. قد لا ترحلني، لكنها ستظل ترسل القنابل إلى إسرائيل لقتل شعبي في غزة. ترامب لديه الفأس. سيُرحّلني أنا وشعبي على حد سواء، ثم سيعطي إسرائيل القنابل لقتلنا. ولكن ما الفرق بينهما؟ في كلتا الحالتين، نحن أموات”.

المصدر: فورين بوليسي

ترجمة عبد الحليم عبد الرحمن

موقع نون بوست




موقع أمريكي: واشنطن تعطي مزيدا من الوقت للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بمحادثات وقف إطلاق النار

نشر موقع “إنترسبت” الأمريكي مقالا، للمحلل والمدافع عن حقوق الإنسان سانجيف بيري، بعنوان مفصل “محادثات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة لا تؤدي إلا إلى شراء المزيد من الوقت للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل”، أكد فيه أنه بالنسبة لأي شخص يتابع بانتباه، فقد أصبح من الواضح تماما الآن، أن محادثات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة في غزة، أصبحت أداة لإدامة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف أن ما يسمّى بمفاوضات وقف إطلاق النار هي شكل من أشكال التمويه الذي يستخدمه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ونائبته كامالا هاريس (مرشحة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية) لصرف الانتباه عن حقيقة دعمهما للفظائع الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة”. واعتبر أن “مجرد استخدام كلمة “وقف إطلاق النار” لوصف ما تسعى إليه إدارة بايدن، هو في حد ذاته شكل من أشكال العنف اللغوي”.

وشدد على “أن أحدث مسودة لمقترح وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تؤيد بشكل أساسي استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة دون وقف دائم للحرب. ولكن حتى هذا كان على ما يبدو تنازلا كبيرا بالنسبة لنتنياهو، ولهذا السبب يُقال إنه يواصل تقويضه”.

وأضاف أنه “في الوقت نفسه، قبل أسبوع واحد فقط، أعلنت وزارة الخارجية عن بيع 20 مليار دولار أخرى من الأسلحة الأمريكية لإسرائيل. إن الشروط سيئة النية في أحدث اقتراح ليست سوى البداية”.

من غير المرجح أن توافق حماس على الشروط الجديدة التي وضعها بلينكن على الطاولة، وهذا الرفض بدوره سيمكن بايدن وهاريس وبلينكن ونتنياهو من إلقاء اللوم على حماس

ووفقه “فمن غير المرجح أن توافق حماس على الشروط الجديدة التي وضعها بلينكن على الطاولة، وهذا الرفض بدوره سيمكن بايدن وهاريس وبلينكن ونتنياهو من إلقاء اللوم على حماس بشكل أكبر لرفض السلام. وهذا من شأنه أن يمنح نتنياهو المزيد من الوقت لمواصلة قصف وتجويع وقتل الفلسطينيين”.

وبرأيه “تتكرر الدورة مرة أخرى، مع عودة بلينكن قريبا إلى الشرق الأوسط، لجولة أخرى، من مفاوضات وقف إطلاق النار المزعومة، بينما تستمر الولايات المتحدة في إرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل لحربها”.

وبحسبه “فإن كسر هذه الدائرة الساخرة يتطلب الصدق بشأن دور بايدن وهاريس في هذه المهزلة الملطخة بالدماء”، مبرزا أنه “في حين يتحمّل بايدن المسؤولية النهائية عن دعم أمريكا الكامل للعنف الإسرائيلي، فقد دعمت هاريس مرارا وتكرارا استمرار الرئيس في تسليح إسرائيل”.

وأضاف: “من خلال عملية تفاوض احتيالية لا تنتهي أبدا لوقف إطلاق النار، مكّن كل من بايدن وهاريس الحزب الديمقراطي الأوسع من تجنب الاعتراف بالواقع المروع المتمثل في مسؤولية قادة إسرائيل عن الإبادة الجماعية”.

وأكد الكاتب “أن القوة الدافعة وراء كل هذا هي جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بشبكتها الواسعة من المانحين ذوي الثروات العالية. ويلتزم العديد من الساسة بنقاط الحوار التي تطرحها جماعات الضغط من أجل تجنب مقصلتها”.

وشدد بيري على أن “بايدن وهاريس مستمران في التظاهر بأنهما وسيطان للسلام بينما يرسلان مليارات الدولارات من الأسلحة إلى الجنود الإسرائيليين”.

واعتبر أن “هذا الخيال له جذور عميقة، تعود إلى ما يسمى بعملية أوسلو للسلام، والتي منحت إسرائيل عقودا من الوقت لسرقة الأراضي الفلسطينية وتوسيع حدودها من خلال بناء المستوطنات الإسرائيلية اليهودية في جميع أنحاء الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة”.

موقع انترسبت الاميركي

ترجمة صحيفة القدس العربي




بعد اعتقاله في فرنسا… ماذا نعرف عن مؤسس تطبيق «تلغرام» بافيل دوروف؟

جرى اعتقال الملياردير الروسي بافيل دوروف، مؤسس تطبيق الرسائل المشفرة «تلغرام»، بعد هبوط طائرته الخاصة في مطار «لوبورجيه» على مشارف العاصمة الفرنسية باريس.

ونقلت وسائل إعلام فرنسية أنه قُبض على دوروف (39 عاماً) بموجب مذكرة تفتيش أصدرها بحقه محققون فرنسيون على خلفية انتهاكات مختلفة منسوبة إلى تطبيق «تلغرام».

وكان دوروف قد وصل إلى فرنسا قادماً من أذربيجان. وأُلقي القبض عليه بين الساعة السابعة والنصف والثامنة مساءً برفقة حارسه الشخصي ومساعدته، وفق ما أوضح مصدر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت إذاعة «تي إف1» أنه قد يُفتح تحقيق أولي مع الملياردير الفرنسي الروسي دوروف بدءاً من اليوم الأحد.

تطبيق «المعركة الافتراضية»

وبافيل دوروف رجل أعمال روسي المولد. وفي مجال التكنولوجيا اشتهر بتأسيس تطبيق «تلغرام»، وقد حصل على الجنسية الفرنسية في عام 2021.

ويعدّ «تلغرام» أحد أكثر التطبيقات تحميلاً في العالم، مع توقعات بأن يصل إلى نحو مليار مستخدم في غضون عام، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية، والتطبيق يتنافس مع منصات مثل «واتساب» و«إنستغرام» و«تيك توك».

مؤسس تطبيق «تلغرام» بافيل دوروف (أ.ف.ب)

ويشتهر «تلغرام» بميزات الخصوصية القوية، وقد جمع قاعدة مستخدمين كبيرة، خصوصاً في روسيا وأوكرانيا ودول سوفياتية سابقة أخرى، كما يُستخدم التطبيق في روسيا، ويستخدم من قبل كثير من السلطات والسياسيين للتواصل.

وأصبح «تلغرام» قناة لنقل المعلومات المتعلقة بالصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا، حيث يستخدمه الجانبان على نطاق واسع، مما دفع بعض المحللين إلى وصفه بأنه «ساحة معركة افتراضية»، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

مغادرة روسيا وحظر «تلغرام»

وغادر دوروف روسيا في عام 2014 بعد رفضه الامتثال لمطالب الحكومة بإغلاق مجموعات المعارضة على «فكونتاكتي»؛ منصة التواصل الاجتماعي التي شارك في تأسيسها.

وكان دوروف قد ابتكر «تلغرام» بمشاركة شقيقه نيكولاي. وبعد رحيل دوروف عن روسيا، باع «فكونتاكتي» وانتقل إلى مكان آخر، وأنشأ في النهاية «تلغرام» في دبي عام 2017.

بافيل دوروف مؤسس تطبيق «تلغرام»… (حسابه على التطبيق)

حُظر تطبيق «تلغرام» في روسيا عام 2018، بعد رفض سابق من دوروف تسليم بيانات المستخدمين. ولكن أُلغي الحظر في عام 2021. وعلى الرغم من التزام الأخوين دوروف بحماية بيانات المستخدمين، فإنهما قد واجها انتقادات لعدم تعاملهما بشكل متسق مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وفق ما أفاد تقرير من شبكة «سكاي نيوز» البريطانية.

100 طفل دون زواج

وقدرت مجلة «فوربس» ثروة دوروف بنحو 15.5 مليار دولار. وعلى الرغم من ثروته، فإن دوروف تحدث كثيراً عن أسلوب حياته البسيط؛ ففي مقابلة أجراها معه الصحافي الأميركي تاكر كارلسون، في أبريل (نيسان) الماضي، أكد على رغبته في الحرية على حساب الممتلكات المادية.

وأشار دوروف في حواره مع كارلسون إلى أنه لا يملك سوى القليل من المال والـ«بتكوين»، متجنباً العقارات والطائرات النفاثة واليخوت.

بافيل دوروف (تلغرام)

وزعم دوروف، في منشور على «تلغرام»، أنه أنجب ما لا يقل عن 100 طفل في 12 دولة من خلال التبرع بالحيوانات المنوية. وذكر دوروف أنه قبل 15 عاماً، طلب منه صديق مقرب التبرع بالحيوانات المنوية. وكتب عبر «تلغرام»: «لقد اكتشفت للتو أن لديّ أكثر من 100 طفل بيولوجي. كيف يكون هذا ممكناً لشخص لم يتزوج مطلقاً ويفضل العيش بمفرده؟».

اتهامات قضائية… وانتقادات لاعتقاله

يتهم القضاء الفرنسي دوروف بعدم اتخاذ إجراءات ضد الاستعمال المسيء لتطبيقه من جانب بعض المستخدمين.

وقال أحد المحققين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يكفي إفلاتاً لـ(تلغرام) من العقاب»، مبدياً دهشته من أن الملياردير قرر المجيء إلى باريس رغم علمه بأنه مطلوب في فرنسا. وقال أحد المصادر المطلعة على الملف، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه فعل ذلك «ربما بدافع الشعور بالإفلات من العقاب».

وفي الوقت نفسه، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن قلقها بشأن اعتقال دوروف، وذكرت أنها تتخذ خطوات لتوضيح الموقف. كما تساءلت عما إذا كانت المنظمات غير الحكومية الغربية ستتدخل نيابة عن دوروف.

وكتبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على «تلغرام» متسائلة عما إذا كانت منظمات حقوق الإنسان الغربية ستلتزم الصمت بشأن اعتقال دوروف.

وأدان كثير من المسؤولين الروس اعتقال رجل الأعمال البارز، كما وضع مالك موقع «إكس»، الملياردير الأميركي إيلون ماسك، علامة تصنيف على أحد المنشورات #freepavel، وفي منشور آخر كتب: «وجهة نظر: إنه عام 2030 في أوروبا وتُعدَم لإعجابك بميم (منشور ساخر)».

ويعتقد المعلق الأميركي تاكر كارلسون في مقال له على موقع «إكس» أن دوروف محتجز في فرنسا بسبب رفضه «فرض الرقابة على الحقيقة».

كما سارع ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، وكثير من السياسيين الروس الآخرين، إلى اتهام فرنسا بالتصرف بدكتاتورية. وكتب أوليانوف على موقع «إكس»: «لا يزال بعض السذج لا يفهمون أنهم إذا لعبوا دوراً أشد أو أقل وضوحاً في الفضاء الدولي للمعلومات، فليس من الآمن لهم زيارة بلدان تتجه نحو أن تكون مجتمعات أكثر شمولية».

يسرا سلامة

صحيفة الشرق الاوسط




محمد يونس… حامل «جائزة نوبل للسلام» و«مصرفي الفقراء» يتولّى حكم بنغلاديش

في محاولة لسد الفراغ القيادي في بنغلاديش، ولو بصفة مؤقتة، عُيّنَ محمد يونس الحائز على «جائزة نوبل» والخبير الاقتصادي، كبير مستشاري الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش، وذلك بعدما أدّت انتفاضة شعبية واسعة إلى الإطاحة برئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، وهروبها إلى الهند. وحقاً، أصدر رئيس البلاد، محمد شهاب الدين، قراراً بحل البرلمان البنغالي. وأدت حكومة مؤقتة مكوّنة من 17 عضواً برئاسة يونس اليمين الدستورية يوم 8 أغسطس (آب) الحالي، بعدما تخلّت حسينة عن منصبها، وغادرت إثر أسابيع من الاحتجاجات الطلابية والغضب من نظام الحصص الذي يقتطع نسبة كبيرة من الوظائف الحكومية. وكانت حدة المظاهرات قد اشتدت وتوسّعت إلى تحدٍّ أعنف وأوسع لحكم حسينة الذي اتهم بـ«التسلّط» الزائد. وقُتل في أعمال العنف 400 متظاهر، في حين خلق الفراغ في السلطة تميزاً بالعنف في أجزاء مختلفة من البلاد.

https://imasdk.googleapis.com/js/core/bridge3.660.0_en.html#goog_1012298815

يتولّى الدكتور محمد يونس (84 سنة) قيادة الحكومة المؤقتة في بنغلاديش، وسط شعور عام للمواطنين باشمئزاز عام إزاء الأحزاب السياسية في البلاد. ويتوقع الخبراء السياسيون أنه في تفويضه المحدود زعيماً مؤقتاً، فإنه يواجه مهمات صعبة، أبرزها: إعادة إرساء القانون والنظام، وإعادة بناء الثقة في الدولة، والعمل بفاعلية مع الجيش، وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة. وبالفعل، طلب يونس بعد توليه الرئاسة من المتظاهرين الابتعاد عن العنف، وهدّد بأنه سيستقيل إن لم يمتثلوا.

تعهّدات تغييرية

للعلم، سبق للدكتور يونس وصف الشيخة حسينة بأنها «ديكتاتورة». وعدَّ الإطاحة بها أخيراً «تحريراً ثانياً» لبنغلاديش، عندما علّق «لقد تحررت بنغلاديش… نحن بلد حر الآن».

وحقاً، دعا يونس إلى إجراء تغييرات شاملة قبل إجراء الانتخابات العامة المقبلة، متعهداً: «سننظم انتخابات حرة وتشاركية نزيهة في أسرع وقت ممكن، لاستكمال مهمتنا في إقرار إصلاحات حيوية في لجنة الانتخابات والقضاء والإدارة المدنية وقوات الأمن ووسائل الإعلام». وأردف: «وتُجري حكومتنا أيضاً تغييرات اقتصادية بعيدة المدى؛ هدفها استعادة استقرار الاقتصاد الكلي ودعم النمو، لا سيما أنه في جهدها الحثيث للبقاء في السلطة دمرت ديكتاتورية الشيخة حسينة كل مؤسسات البلاد».

يونس وصف القضاء بأنه «منهار»، واتهم الحكومة السابقة بأنها «سمحت للمحسوبية السياسية بسرقة البنوك ونهب خزائن الدولة»، ورحّب بقرار الأمم المتحدة إرسال بعثة تقصّي حقائق للتحقيق في أحداث العنف الأخيرة، متعهداً بالتعاون الكامل مع التحقيق الدولي.

وحول التطوّرات الأخيرة التي حملت يونس إلى السلطة، قال هارش فاردان شرينغلا، وزير الخارجية الهندي السابق، والمبعوث الهندي السابق إلى بنغلاديش: «إن الاحتجاجات الطلابية الأولية كانت مدفوعة بمظالم مشروعة، خصوصاً ما يتعلق بنظام الحصص وفرص العمل، ولكن سرعان ما تسللت عناصر متشددة إلى الحركة، بينها (الجماعة الإسلامية) وجناحها الشبابي (إسلامي شهاترا شيبير)، ومن ثم اختطفت هذه الجماعات الاحتجاجات، وحوّلتها إلى هجمات عنيفة موجهة ضد الدولة. ومن ثم، فإن تحقيق الاستقرار لا يكمن في معالجة الاقتصاد فحسب، بل أيضاً في فرض الأمن والثقة».

النشأة والمسيرة

ولد الدكتور محمد يونس عام 1940، لأسرة بنغالية مسلمة إبان الحكم الاستعماري البريطاني لشبه القارة الهندية، في قرية باثوا، القريبة من مدينة تشيتاغونغ الساحلية، ثاني كبرى مدن بنغلاديش، وقاعدة جنوب شرقها.

محمد هو الابن الثالث من بين 9 أطفال في عائلة تجارية، وكان والداه يعملان في مجال تجارة المصوغات والمجوهرات. وهو يَنسب الفضل إلى والدته، صوفيا خاتون، لإلهامه بمساعدة الفقراء. وفي سيرته الذاتية «مصرفي الفقراء» قال عنها: «كانت دائماً تضع المال جانباً من أجل أي أقارب فقراء يزوروننا من قرى بعيدة. لقد كانت من خلال اهتمامها بالفقراء والمحرومين، هي التي ساعدتني على اكتشاف مصيري».

وأكمل محمد يونس مرحلة الدراسة الجامعية الأولى متخصصاً في الاقتصاد بجامعة «دكا» بالعاصمة، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة «فاندربيلت» العريقة بولاية تينيسي في الولايات المتحدة. ثم عمل أستاذاً مساعداً في جامعة ولاية تينيسي الوسطى القريبة، وعاد بعد ذلك لتدريس الاقتصاد في جامعة تشيتاغونغ. وفي الفترة الفاصلة، التقى امرأة روسية تُدعى فيرا فورستينكو، التي تزوّجها، وأنجب منها طفلة واحدة سميَّاها مونيكا يونس -وهي مغنية أوبرا شهيرة في الولايات المتحدة- ثم انفصلا بعد ذلك، ومن ثم، تزوّج من زوجته الثانية أفروزي يونس، وهي باحثة في علم الفيزياء بجامعة مانشستر البريطانية، التي أصبحت لاحقاً أستاذة في جامعة جاهانغيربور. ووُلدت ابنتهما دينا أفروز يونس عام 1986.

أما عن أبرز أقاربه الآخرين، فمن إخوته الكبار محمد جهانغير (توفي عام 2019)، وكان ناشطاً اجتماعياً ومذيعاً تلفزيونياً، في حين أخاه الأصغر، الدكتور محمد إبراهيم، أكاديمي لامع، ومؤسس «مركز التعليم الجماهيري للعلوم»، الذي يقدم تعليم العلوم للفتيات الصغيرات في القرى.

نشاطه السياسي

مع اندلاع حرب استقلال بنغلاديش (انفصالها عن باكستان) عام 1971، أدار محمد يونس مركز اتصالات للبنغاليين الذين كانوا ينتظرون الأخبار خارج البلاد. وأطلق نشرة أخبار بنغلاديش في ناشفيل، عاصمة ولاية تينيسي الأميركية، لزيادة الدعم للحركة. ومع قمع القوات الباكستانية حركة الاستقلال (الانفصال)، شارك يونس -الذي كان آنذاك أستاذاً في الولايات المتحدة- في المعركة من الخارج، وحثّ البيت الأبيض على الاعتراف رسمياً ببنغلاديش. وعندما تحقق الاستقلال، عاد يونس إلى الوطن للانضمام إلى الحكومة الجديدة موظفاً في لجنة التخطيط الحكومية، قبل أن تحبطه البيروقراطية المستشرية. ولاحقاً التحق يونس بالعمل الأكاديمي رئيساً لقسم الاقتصاد في إحدى الجامعات المحلية. إلا أنه مع اجتياح المجاعة بنغلاديش عام 1974، أعرب عن شعوره بالرهبة من تدريس «نظريات الاقتصاد الأنيقة»، وسط مجاعة واسعة النطاق، مفضّلاً أن يكون «ذا فائدة لبعض الناس».

ولقد كتب في سيرته الذاتية «بعد عودتي إلى الديار من عدة سنوات في الولايات المتحدة، وجدت صعوبة في تدريس نظريات الاقتصاد الأنيقة داخل قاعات الدراسة الجامعية، على خلفية المجاعة الرهيبة التي ضربت بنغلاديش. وفجأة، شعرت بخواء هذه النظريات في وجه المجاعات والفقر، وأدركت أن الحكومة عاجزة عن سد حاجات الفقراء، ومن ثم فكرت… لماذا لا يستطيع هؤلاء الفقراء تحسين حياتهم الخاصة بأنفسهم؟».

وهكذا، عام 1976، أثناء زيارة له إلى إحدى القرى، أدرك أن الناس يحتاجون معظم الأحيان إلى قروض صغيرة غير تقليدية للصمود مالياً، وتنمية أعمالهم التجارية، ما خلق عنده فكرة القروض الصغيرة. وفعلاً، بدأ إقراض نساء القرى مبالغ صغيرة من ماله الخاص، متيحاً لهن شراء الخيزران لاستخدامه في صنع الأثاث. ولاحقاً، حصل على قروض من بنوك أكبر، وأعاد توزيع المال على شكل قروض صغيرة للفقراء.

ومع نمو المبادرة، ظهرت مجموعة تضم عدداً من الشركات العاملة في صيد الأسماك والزراعة والائتمان المرتبط بالاتصالات ومساعدة الفقراء. وأخيراً، عندما وجد يونس أن الدولة غير راغبة في زيادة حجم القروض الصغيرة المقدمة للفقراء، أسّس مشروعه الاجتماعي الذي عرف بـ«بنك غرامين» (بنك القرية).

مع اجتياح المجاعة بنغلاديش عام 1974 أعرب يونس عن شعوره

بالرهبة من تدريس «نظريات الاقتصاد الأنيقة»

وسط مجاعة واسعة النطاق

«بنك غرامين»

أسّس يونس «بنك غرامين» عام 1983، ليكون مؤسسة تُقرض المال للفئات الأكثر حاجة، من دون الحاجة إلى ضمانات، وأعرب عن اعتقاده بأن تأمين رأس المال اللازم لأي شخص يرغب في إنشاء مشروع تجاري سيساعد في انتشال المستفيدين من الفقر. في البداية، كان من المفترض تقسيم القروض بالتساوي بين الرجال والنساء، لكن يونس سرعان ما لاحظ أن الأموال تُنفق بشكل مختلف: إذ كانت أولويات الرجال إنفاق المال خارج المنزل، في حين أن النساء يعملن على تعظيم العائد من الأموال، ويواصلن الاستثمار في مشاريع جديدة، ويُنفقن المال على الأسرة. وبناءً عليه، بدأ «بنك غرامين» التركيز في المقام الأول على النساء اللاتي سيطلقن مشاريع تجارية صغيرة، مثل تأجير الهاتف المحمول الوحيد في القرية، أو فتح متجر صغير، أو شراء الماشية. وكُنّ يسددن القروض على نحو موثوق به، وغالباً ما يأخذن قروضاً أكبر للسماح لهن بالتوسّع.

اليوم، يُعد «بنك غرامين» عملاقاً مالياً يضم 23 ألف موظف، وعنده 11 مليون مقترض، في 94 بالمائة من قرى بنغلاديش، وقد صرف تراكمياً نحو 39 مليار دولار في شكل قروض؛ معظمها للنساء الفقيرات. كما صار التمويل متناهي الصغر ظاهرة دولية. وبإلهام من البنك، أُطلقت أكثر من 100 دولة نامية في جميع أنحاء العالم خدمات الائتمان الصغير. وإضافة إلى «بنك غرامين»، أنشأ يونس شركات فرعية أخرى مثل «غرامين فون»، وهي أكبر خدمة للهواتف في بنغلاديش، ومنذ ذلك الحين، تقود الشركة قطاع الاتصالات في بنغلاديش، وتخدم أكثر من 85 مليون عميل.

«نوبل»… وأكثر

وبفضل نجاح «بنك غرامين»، منح الدكتور يونس عام 2006 «جائزة نوبل للسلام»، وإلى جانب «جائزة نوبل»، حصل يونس عام 2009 على «وسام الحرية الرئاسي» الأميركي، و«الميدالية الذهبية للكونغرس» عام 2010. وعلى صعيد التقديرات والتكريمات، حاز يونس على عدة جوائز أخرى مرموقة، ونحو 50 درجة دكتوراه فخرية من جامعات من 20 دولة، و113 جائزة دولية من 26 دولة، بما في ذلك أوسمة الدولة من 10 دول. أصدرت الحكومة البنغلاديشية طابعاً تذكارياً تكريماً لـ«جائزة نوبل» التي حصل عليها.

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط




الشيخة حسينة ومحمد يونس… الطريق إلى الصدام الأخير

تدريجياً، تعود بنغلاديش البالغ عدد سكانها 170 مليون نسمة، جلّهم من المسلمين، إلى الحياة الطبيعية بعد أشهر من الفوضى والاحتجاجات، واستقالة كبار المسؤولين من الشرطة والقضاء وجهاز الخدمة المدنية. ولقد أُطلق سراح معظم أولئك الذين اعتُقلوا إبان الاحتجاجات، وكذلك بعض السجناء السياسيين المحتجزين، بما في ذلك البيجوم خالدة ضياء، المنافسة السياسية التقليدية للشيخة حسينة، رئيسة الحكومة السابقة. وللعلم، نشأت بنغلاديش إثر حرب الانفصال عن باكستان عام 1971. ولكن تأسيس الدولة كان أمراً بالغ الصعوبة، إذ قُتل ما يقرب من 3 ملايين شخص في الحرب، ونزح نحو 10 ملايين شخص إلى الهند، مع نزوح ما يقرب من 30 مليون شخص داخلياً بسبب الصراع. وفاقم من متاعب البلاد السياسية والأمنية أنها تعاني وضعاً محفوفاً بالمخاطر، وحدوداً جغرافية هشة، وتضربها الأعاصير العاتية بانتظام، في حين تشعر في الوقت نفسه بالتأثير المباشر لتغير المناخ وارتفاع مستويات سطح البحر.

وأما بالنسبة للدكتور محمد يونس، ففي حين كان محل إعجاب في مختلف أنحاء العالم لمساعدته الملايين من الناس على الخروج من براثن الفقر، فإنه في وطنه بنغلاديش، أكسبته شخصيته العامة عداء رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، ابنة مؤسس البلاد الشيخ مجيب الرحمن، التي اتهمته ذات مرة بامتصاص دماء الفقراء. وجاء أول اتهام بالاختلاس بحق يونس عام 2010، عندما اتهم توم هاينمان، مخرج الأفلام الوثائقية الدنماركي، الدكتور يونس و«بنك غرامين» في أحد أفلامه بتحويل ملايين الدولارات من أموال المساعدات التي قدمتها الوكالة النرويجية للتعاون الإنمائي (نوراد). وكان عنوان ذلك الفيلم «متورط في الائتمان الصغير».

على الأثر، بدأت حكومة حسينة التحقيقات في أنشطة يونس، وأقصتْه عن منصب المدير الإداري للبنك إثر مزاعم بانتهاك قواعد التقاعد، وكان قد تجاوز ستين عاماً في ذلك الوقت. وأيَّدت محكمة بنغلاديش العليا قرار فصله في أبريل (نيسان) 2011.

الشيخة حسينة واجد… طي صفحة تاريخية وعائلية (روبترز)

يومذاك، اتهمت حسينة «بنك غرامين» باجتذاب مبالغ ضخمة من المساعدات من البلدان الغربية «من دون حدوث تغيير ملموس على أرض الواقع». وتصاعد التأزم في يناير (كانون الثاني) 2024 عندما اتُّهم يونس وثلاثة من زملائه من شركة «غرامين تيليكوم»، وهي واحدة من شركاته العديدة، بانتهاك قوانين العمل لصالح موظفيهم. ويومها حُكم عليهم بالسجن ستة أشهر، لكنَّ محكمة العمل أفرجت عنهم بكفالة، مما أتاح لهم الوقت للاستئناف أمام محكمة أعلى. وفي حينه، علّقت «منظمة العفو الدولية» بالقول إن إدانة يونس كانت «رمزاً لحالة حقوق الإنسان المحاصرة» في بنغلاديش. ولاحقاً، في يونيو (حزيران)، وجهت المحكمة إلى يونس تهمة اختلاس 2.2 مليون دولار من صندوق رعاية العمال التابع لشركة الاتصالات الخاصة به.

معلّقون ومفكّرون سياسيون رأوا أن جذور الصراع بين يونس وحسينة ترجع إلى عام 2007، عندما أعلن يونس اعتزامه تشكيل حزب سياسي، بينما أقدمت حكومة مدعومة من الجيش على سجن حسينة. والمفارقة هنا، أنه قبل ذلك، كان يونس من مناصري والد حسينة، الشيخ مجيب الرحمن. بل وعيّن يونس حسينة -مع السيدة الأميركية الأولى هيلاري كلينتون- رئيساً مشاركاً لـ«قمة الائتمان الصغير» التي عُقدت بين 2 و4 فبراير (شباط) عام 1997، وحينذاك لم يكن لدى حسينة سوى الثناء على يونس والإعجاب به.

مع كل ذلك، انتهت هذه العلاقة الطويلة عام 2007 بعدما كشف يونس عن نيته تشكيل حزب سياسي باسم «ناغوريك شاكتي» (سلطة المواطن) لإنهاء ثقافة الصدام السياسي في بنغلاديش، التي تخللتها فترات من الاضطرابات وفترات من الحكم العسكري.

صحيفة الشرق الاوسط




فرنسا في مواجهة مأزق البرلمان المُعلق والغموض السياسي

بعد انتهاء الهدنة السياسية التي كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلنها بسبب الألعاب الأولمبية 2024، عادت الأنظار من جديد إلى «قصر ماتينيون»، حيث مقر رئاسة الوزراء، في انتظار قرار تعيين رئيس حكومة جديد. ذلك أنه بعد مرور أكثر من شهر على استقالة حكومة غبريال آتال لم يُقدم ماكرون بعد على تشكيل الحكومة العتيدة. وبالمناسبة، لم يسبق في تاريخ فرنسا أن استغرق رئيس جمهورية كل هذا الوقت لتعيين رئيس حكومة بعد انتخابات تشريعية. وأيضاً، لم يسبق أن انتُخبت جمعية وطنية (مجلس نواب) مشرذمة كالجمعية الحالية التي لم تتبلور فيها أي غالبية، ما حمل البعض على وصفها بأنها «جمعية خارجة تماماً عن تقاليد الجمهورية الخامسة، ولا أحد يعرف حقاً كيف يقاربها».

لوسي كاستيه (آ ف ب/غيتي)

تتوزّع مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة على 3 تشكيلات سياسية كبرى، هي تحالف «الجبهة الشعبية» اليساري الذي حصل على 182 مقعداً، يليه تحالف «معاً من أجل الجمهورية» الوسطي الموالي للرئيس ماكرون برصيد 168 مقعداً، ثم تكتل اليمين المتطرف الذي يمثله «التجمّع الوطني» وحلفاؤه بـ143 مقعداً، وعلى مسافة بعدها يأتي «حزب الجمهوريين» اليميني بـ60 مقعداً.

وهكذا، نظراً لإخفاق كل من الكتل السياسية في جمع العدد المطلوب من المقاعد لضمان الغالبية المطلقة، وهو 289 مقعداً، من مجموع 577، وجدت البلاد نفسها أمام ما يسمى بمعضلة «البرلمان المعلّق». وهذا يعني احتمال فشل أي كتلة في الحصول على الدعم من الغالبية المطلقة، وبالتالي التعرّض لحجب الثقة الفوري والدخول في مأزق قد يّشل عمل الحكومة وتسيير مؤسسات الدولة.

بنجامان مولير، أستاذ القانون الدستوري في جامعة باريس – السوربون، صرح لصحيفة «ليبيراسيون» شارحاً: «إنها وضعية مضطربة للغاية لأن التصويت بحجب الثقة قد يحدث تكراراً بما أن المطلوب لتحقيق ذلك هو عُشر أعضاء البرلمان فقط». وتابع أن «وضعية كهذه قد تؤدي إلى تعاقب سريع لعدة حكومات، تسقط واحدة تلو أخرى، مع ما قد يترتّب عليه من فوضى سياسية وتعليق لملفات مهمة لا تحتمل التأخير كالهجرة وملف التقاعد والبطالة».

ضغوط اليسار

من جهة ثانية، رغم إعلان الرئيس ماكرون نيته في التمهل، يبقى حسم الموقف أمراً لا بد منه. ولذا تحرّك، فدعا رؤساء الكتل النيابية والتشكيلات السياسية المُمثلة في البرلمان الفرنسي أخيراً إلى مباحثات من أجل التوصل إلى اتفاق بخصوص تشكيل الحكومة العتيدة. خطوة الرئيس هذه حرّكتها الضغوط الشديدة الذي يمارسها تحالف اليسار لتعيين رئيس حكومة، علماً بأن شخصيات بارزة من اليسار أعربت بالفعل عن استيائها من مماطلة الرئيس. واقترح النائب السابق لحزب «فرنسا الأبيّة» اليساري أدريان كاتونس تنظيم مسيرة احتجاجية في اتجاه مقر الحكومة (قصر ماتينيون) إذ نشر على منصّة «إكس» ما يلي: «إنذار! ماكرون يريد أن يسرق منا الفوز، وهو يراوغ من أجل عرقلة تطبيق برنامج الجبهة الوطنية. صاحب السيادة الوحيد هو الشعب وهو الوحيد القادر على إيقافه، فلماذا لا ننظم مسيرة شعبية كبيرة نحو ماتينيون؟».

الفكرة لقيت أصداء عند شخصيات أخرى، كالنائب لوي بوايار الذي دافع عنها بعدما كان قد اتهم حزب «فرنسا الأبية» بمحاولة زرع الفوضى وتكرار «سيناريو» أحداث «الكابيتول»، مقرّ مجلسي الكونغرس الأميركي، في قلب العاصمة الفرنسية. وصّرح هذا الأخير لقناة «بي إف إم» الإخبارية بالقول: «أنا خائف على بلادي. نحن أمام رئيس جمهورية خسر رهان الانتخابات، لكنه يواصل تنسيق التحالفات وكأن الشعب الفرنسي لم يقترع. وحين ندعو لتنظيم مسيرة للمطالبة باحترام الديمقراطية، يقال لنا أنتم تحثّون على الفوضى، بينما الفوضى الحقيقية هي ما يفعله الرئيس الذي لا يحترم الديمقراطية، وكأنه يريد من الفرنسيين أن يمحوا من ذاكراتهم أنهم شاركوا في انتخابات تشريعية مبكرة».

شخصيات أخرى، كأبرز زعماء تحالف اليسار جان لوك ميلونشون، وماتيلد بانو رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب «فرنسا الأبية»، وإيمانويل بومبار الناطق الرسمي باسم الحزب ذهبوا أبعد من ذلك، إذ نشروا بياناً في صحيفة «لا تريبون» يوم 18 أغسطس (آب) الحالي بعنوان «إقالة الرئيس بدلاً من الرضوخ»، ورد فيه تهديد واضح باللجوء إلى المادة 68 من الدستور الفرنسي التي تنّص على إمكانية طلب إقالة الرئيس بتهمة الإخفاق في مهامه، منها الامتناع عن تعيين رئيس حكومة. وممّا تضمنه البيان المنشور في «لا تريبون» قول أصحابه إنه تجب «معاقبة» المتسبب في إساءة استخدام السلطة. ولكن هنا، لا يشارك حزب اليسار الاشتراكي حلفاءه فكرة «الإقالة»، وبدلاً من ذلك أعلن أوليفييه فور، زعيم الكتلة الحزبية، أنه في حالة ما إذا رفض الرئيس تعيين الشخصية التي اختارها تحالف اليسار رئيساً للحكومة العتيدة فإن الحزب سيستعمل ورقة «حجب الثقة».

لوسي كاستيه… الخيار الوحيد!

في هذا السياق، وباعتبار أن «الجبهة الشعبية» هي اليوم القوة السياسية الأكبر تمثيلاً في البرلمان، فإن التقليد المتداول في السياسة الفرنسية هو أن يختار رئيس الجمهورية رئيساً للحكومة من هذه المجموعة. ولذا اقترحت قوى «الجبهة»، بعد مشاورات حثيثة استغرقت أسبوعين اسم لوسي كاستيه (37 سنة)، وهي موظفة عالية الرتبة في بلدية باريس، رئيسة للحكومة العتيدة. وحقاً، أطلقت كاستيه حملة إعلامية واسعة لتقديم نفسها إلى الفرنسيين على أساس أنها شخصية من المجتمع المدني، وبالتالي، غير معروفة على نطاق شعبي. وشرحت بالتفصيل في حوار على صفحات صحيفة «ليبيراسيون» الاستراتيجية التي تنوي اعتمادها للحكم، حتى دون أغلبية مطلقة. وفي مقال آخر بصحيفة «لا تريبون» قدّمت كاستيه خطّتها لإنعاش الاقتصاد الفرنسي الذي يشهد حالياً ركوداً، كما استضافتها وسائل إعلام سمعية وبصرية، وشاركت في المشاورات التي نظمتها الرئاسة. ولكن، مع أن كاستيه تبدو مستّعدة لتسلّم مهامها، فالأمور ليست بهذه البساطة، فالرئيس ماكرون لا يعدّ أن هناك فائزاً في هذه الانتخابات. وأعلن هذا في رسالة إلى الفرنسيين يوم 10 يوليو (تموز) حين قال حرفياً: «لم يفز أحد في هذه الانتخابات». ومن هذا المنطلق، يتجه ماكرون نحو اختيار شخصية يرى أنها تستطيع قيادة حكومة تمثل بأفضل صورة القوى السياسية الرئيسة في البلاد، رافضاً الاكتفاء باقتراح تحالف اليسار. عدة أسماء وردت في هذا السياق، أهمها شخصية كزافييه برتران، السياسي البارز في حزب «التجمع الجمهوري» (اليمين) وكان قد رحّب بالفكرة، إذ أكّد عبر عمود في صحيفة «لو فيغارو» يوم 6 أغسطس الحالي أنه «جاهز للتحدي». كذلك من الأسماء التي تملك حظاً طيباً في ترؤس الحكومة اسم برنار كازنوف، وهو رئيس حكومة من عهد رئاسة فرنسوا هولند، وهو ينتمي كهولند للحزب الاشتراكي ويتمتع بخبرة كبيرة، وهو أيضاً رحّب بالفكرة، فأجاب على سؤال طرحه إعلامي بأنه «سيكون دائماً جاهزاً». غير أن أياً من الشخصيات المتداولة أسماؤها لم تحظَ بموافقة اليسار الذي لا يزال متشبثاً بخيار كاستيه، على اعتبار أنها «الأكثر شرعية» من وجهة نظرهم.

ماذا يقول القانون؟

في سياق موازٍ، خلال حوار مع صحيفة «لي زيكو» أوضح جوليان بوني، أستاذ القانون في جامعة مونبلييه، أنه «لا شيء في الدستور الفرنسي يُلزم الرئيس بتعيين مرشحة تحالف اليسار، فهو قانونياً حّر في التصرف، بيد أن واقع النتائج الانتخابية قد يفرض قيوداً بحكم أنه تعبير عن الإرادة الشعبية». وأردف بوني: «لكن إذا افترضنا أن الرئيس أقدم على تعيين شخصية من خارج تحالف اليسار، فإن الحكومة ستكون بالتأكيد قصيرة الأجل، لأنها ستكون معرضة لتصويت الغالبية من أجل إسقاطها».

وأضاف خبير قانوني آخر، هو بنجامان موريل من جامعة باريس – السوربون، في مداخلة على قناة « بوبليك سينا»، ما يلي: «جرت العادة أن يُعين رئيس الجمهورية رئيساً للحكومة من الكتلة السياسية التي تتمتع بالغالبية المطلقة، وهذا ليس وضعنا اليوم… فـ(الجبهة الشعبية) تشكل غالبية جّد نسبية، وهذا أمر غير مسبوق. ففي الانتخابات التي نظمت في 1988 و1993 ظهرت غالبية نسبية أيضاً، لكنها كانت واسعة جداً، أما اليوم فإن (الجبهة الشعبية) ينقصها أكثر من 100 مقعد للوصول إلى الغالبية المطلقة».

إلى متى يستطيع الرئيس الاستمرار في مشاوراته قبل إعلان قرار التعيين؟ حتى بالنسبة لهذه النقطة لا يبدو أن الدستور الفرنسي قد حدّد مدة معينة للتفكير، وهو ما يستغله الرئيس ماكرون من أجل المماطلة وربح الوقت.

في عمود بصحيفة «لوموند» تحت عنوان «يجب على إيمانويل ماكرون أن يتوقف عن المماطلة» نقرأ ما يلي: «مرت أكثر من 6 أسابيع على الانتخابات التشريعية، ولا توجد بعد حكومة في فرنسا (…) مثل هذه الوضعية توّلد عواقب خطيرة، فبحجة تصريف الشؤون الجارية، تتخذ الحكومة المستقيلة، من دون أي شرعية ديمقراطية قرارات مهمة، كتلك التي تخص الميزانية المالية لـ2025».

وبالفعل، كانت قضية الميزانية بالذات موضوع جدل كبير، بعدما وجّه غبريال آتال، المكلف منذ 16 يوليو بتصريف الأعمال، الرسائل التي تحدد سقف الأموال والوظائف الممنوحة لكل وزارة، في مبادرة أوضح مكتبه أن هدفها السماح للفريق الحكومي المقبل بوضع ميزانية، بينما ندّد اليسار بـ«فضيحة حقيقية» وخطوة «مذهلة»، منتقداً الاستمرار في سياسة «التقشف».

البعض انتقد أيضاً قلة احترام الجدول الزمني في إقرار ميزانية 2025، الحاصل تقليدياً في منتصف أغسطس الحالي، ودراستها في البرلمان في الأول من أكتوبر (تشرين الأول). إلا أن الأمر مختلف اليوم، بما أن الحكومة الانتقالية لم تقدّم الوثائق في الوقت المطلوب، ما يُعدّ إنذاراً سيئاً تتلقاه الأسواق المالية من فرنسا، حيث تؤثر الشكوك السياسية سلباً على الأوضاع الاقتصادية.

فريق آخر من المراقبين يرى أن ماكرون يماطل في اتخاذ قرار التعيين لأنه يرفض مواجهة الحقيقة، وكأن الانتخابات التي دعا هو إليها لم تحدث، وبذا يُبقي على سياسته الراهنة دون إحداث أي تغيير. كذلك، من الواضح أن الرئيس يريد «كسب الوقت»، لإضعاف حزب «فرنسا الأبيّة» أكبر قوى المعارضة، مراهناً على «انقسامات اليسار»، وآملاً بأنه مع مرور الوقت سيتصّدع صرح التحالف اليساري وسيضطر الاشتراكيون والخُضر للانفصال عن «فرنسا الأبيّة» للدخول إلى الائتلاف الحكومي.

انيسة مخالدي

صحيفة الشرق الاوسط




تيم والز «ابن الريف الأميركي» يبحث عن تحالف جديد للديمقراطيين

يوم الاثنين المقبل، الموافق 19 أغسطس (آب) الحالي، ينعقد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي الأميركي «رسمياً»، لتثبيت ترشيح كامالا هاريس ونائبها تيم والز حاكم ولاية مينيسوتا على بطاقة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك في أجواء سيطغى عليها الطابع الاحتفالي، بعدما اختارهما مندوبو الحزب في اجتماع «افتراضي» في وقت سابق. وفي حين يرجح الديمقراطيون أن تحافظ هاريس على الزخم الذي اكتسبوه منذ انسحاب الرئيس جو بايدن من السباق، وسط أجواء «عاطفية» افتقدها الحزب منذ فترة طويلة، فهم يراهنون أيضاً على الدور المرشح للعبه والز، شخصياً، في الحفاظ على هذا الزخم الذي طرأ على مزاج الناخبين. فبجانب قدرات الرجل الخطابية وشخصيته المحبّبة، قد تلعب جذوره المتواضعة نسبياً في تمكين الديمقراطيين من كسب أصوات بعض الولايات المتأرجحة، ولا سيما ولايات ما يسمى اليوم «الجدار الأزرق»، بل قد تكون مؤشراً على تحوّلات كبيرة داخل الحزب الديمقراطي.

ولد تيموثي (تيم) جيمس والز عام 1964، في بلدة ويست بوينت بولاية نبراسكا، ونشأ فيها على المذهب الكاثوليكي. وهو من عائلة تتحدر من أصول ألمانية وسويدية وآيرلندية. الأم فيها دارلين روز ريمان سيدة منزل، أما الأب جيمس والز فكان مدرّساً ومدير مدرسة، ومحارباً قديماً في الجيش الأميركي، خدم إبان الحرب الكورية. وفي عام 1867، هاجر جدّ والز الأكبر، سيباستيان، من كوبنهايم في دوقية بادن الكبرى بألمانيا، إلى الولايات المتحدة، وكانت إحدى جداته سويدية، وله جدة أخرى آيرلندية.

بعد المدرسة الثانوية، خدم تيم والز في الحرس الوطني للجيش لمدة 24 سنة، درس خلالها لفترة في جامعة هيوستن بولاية تكساس، وعمل في أحد المصانع. ولاحقاً، تخرّج في كلية تشادرون ستيت، وهي كلية جامعية صغيرة في ريف ولاية نبراسكا، قبل أن ينتقل إلى ولاية مينيسوتا عام 1996. وقبل الترشح للكونغرس، عمل مدرّساً لمادة الدراسات الاجتماعية بإحدى المدارس الثانوية ومدرباً لكرة القدم.

عام 2006، قرّر والز الترشح لعضوية مجلس النواب الأميركي، بعد إبعاده هو وبعض الطلاب عن إحدى فعاليات حملة جورج بوش «الابن» عام 2004، بمجرد اكتشاف المنظّمين أنهم ديمقراطيون. وحقاً، فاز يومها عن دائرة الكونغرس الأولى في مينيسوتا، متغلباً على منافس جمهوري شغل المنصب لـ6 فترات. ثم أعيد انتخاب والز لمجلس النواب 5 مرات قبل انتخابه حاكماً لمينيسوتا عام 2018، وثانية عام 2022.

طاقة جديدة

عموماً يندر أن يغيّر المرشحون لمنصب نائب الرئيس معادلات المعركة الرئاسية بشكل جذري. لكن والز، منذ اليوم الأول لاختياره، بدا أنه يمنح الديمقراطيين دفعة جديدة من الطاقة. وهذا ما أظهرته ردود الفعل بشكل خاص على وسائل التواصل الاجتماعي، حين حصدت منشوراته على منصة «تيك توك»، خلال ساعات من اختياره، أكثر من 43 مليون مشاهدة، جاءت نسبة 69 في المائة منها من مقاطع فيديو أنتجها منشئو محتوى «تقدميون» و28 في المائة جاءت من منشئي محتوى مستقلين سياسياً، وفقاً لشركة «كريدو آي كيو» المتخصصة في تحليل وسائل التواصل الاجتماعي. وبين ليلة وضحاها، تحوّل والز من شخصية «مغمورة» إلى اسم مألوف… في ظاهرة شبّهها البعض بجائحة «فيروسية».

يقول البعض إن الديمقراطيين، لعقود من الزمن، كانوا – كما يبدو – بحاجة إلى شخص مثل والز يستطيع التأكيد عملياً أن الطبقة العاملة البيضاء في الريف ليست كتلة واحدة. يضاف إلى ذلك تبيان أن وسط هذه الطبقة توجد أقلية كبيرة من العقلاء الذين يظلون، حتى في ظروفهم الاقتصادية الضعيفة، رافضين التأثر بالمحرّضين الذين يلقون باللوم على المهاجرين… بينما يجمعون ثروات الشركات.

شراكة سياسية جديدة

حقاً، عدّ كثيرون اختيار هاريس لوالز مراجعة «عميقة» أجراها الديمقراطيون بهدف تشكيل شراكة جديدة سترسم مسيرة الحزب الديمقراطي، ليس لانتخابات 2024 فقط، بل ربما مستقبله أيضاً.

فخلال العقود الأخيرة، لم يحظ الحزب الديمقراطي بجاذبية مباشرة عند الطبقة العاملة الريفية البيضاء، وغالباً ما شدّد مرشحوه على أنهم يمثلون مصالح «الطبقة الوسطى» التي تتمركز في المدن والمناطق الساحلية. إذ كانوا بالكاد يتطرقون إلى أبناء «الطبقة العاملة» المقيمين في الضواحي والأرياف وما يعانونه، جرّاء التحولات التكنولوجية والاقتصادية والإنتاجية، التي دفعت بهم إلى «الفقر».

في المقابل، منذ ذلك الوقت، ومع تحوّل هذه الطبقة إلى أهم كتلة سكانية «متأرجحة»، عمل الجمهوريون على استمالتها عبر خطاب شعبوي تجييشي، مستغلّين ظروفها الاقتصادية الصعبة، لقلب ما كان يسمى «ولايات الجدار الأزرق» – أو «ولايات الصدأ» – وانتزاع أصواتها من الديمقراطيين. وبالفعل، عندما صعد والز مع هاريس إلى منصة الحملة الانتخابية في بنسلفانيا، إحدى ولايات الجدار الأزرق، كانت المرة الأولى منذ زمن بعيد التي يتكلّم فيها سياسي ديمقراطي قيادي عن الطبقة العاملة والفقر في البلاد. وكان واضحاً أنه لا يريد إضاعة الفرصة في استغلال جذوره الطبقية والاجتماعية، لتقديم صورة جديدة عن التحالف الذي يطمع الديمقراطيون اليوم ببنائه.

بين الريف والمدينة

لقد بدا أن هاريس، عبر اختيارها لتيم والز، لا تسعى جدياً إلى تغيير مسار حزبها فقط، بل ربما الولايات المتحدة أيضاً. فوالز كان من الديمقراطيين القلائل الذين انتقدوا الحزب بصدق وصراحة عندما وصفه إبان فترة عضويته في مجلس النواب الأميركي بأنه بات «حزب المدن والساحل».

وبالتالي، تظهر هاريس الآن كأنها، وحزبها، تردّ من جهة اليسار على الحزب الجمهوري الذي انزاح أكثر نحو اليمين، آيديولوجياً واجتماعياً وعرقياً، وعبّر عنه جزئياً في مؤتمره الوطني، حين اختار إلى جانب دونالد ترمب، نائبه جي دي فانس، الآتي من أصول لا تختلف كثيراً عن أصول والز. فهاريس أرادت والز إلى جانبها كشخص من ولاية زراعية في الغرب الأوسط، يستطيع أن يتكلم بثقة وأصالة عن الحقائق التي تعتقد أن ترمب ونائبه فانس لن يتكلّما عنها.

الديمقراطيون يرون أن أميركا الريفية الحقيقية متنوعة، على الرغم من كل العنصرية الصاخبة وكراهية المثلية الجنسية والشوفينية التي يتّسم بها الحزب الجمهوري اليوم، والتي بفضلها هيمن على الانتخابات خارج المناطق الحضرية.

كذلك يؤمن الديمقراطيون بأن أرياف البلاد مليئة بالمهاجرين والملوّنين والمثليين والمتحولين جنسياً والسكان الأصليين، حتى المغايرين جنسياً، الذين يعيشون مع البيض، ويعملون معاً بسعادة.

واستطراداً يعدّون أن الحقوق الإنجابية، وتشريع الماريغوانا القانونية، والمدارس العامة، والإجازات الطبية والعائلية مدفوعة الأجر، والتحقق من خلفية شراء الأسلحة، تحظى بدعم كثير من الناخبين عبر الخطوط الحزبية، حتى الأرياف التي تصوت للجمهوريين، وأن للمزارعين ومربّي الماشية ومشرفي الأراضي مصلحة حاسمة في معالجة تغير المناخ، ولو لم يستخدموا اللغة ذاتها التي يستخدمها الناشطون في مجال البيئة.

سجلّ محفّز للديمقراطيين

أيضاً يرى العديد من المشرّعين الديمقراطيين أن كل ما يجسّده سجل والز منذ بدأ حياته السياسية، يمثّل توازناً يمكن أن يساعد ويعزز جاذبية الحزب. إذ صوّت في مجلس النواب بشكل دائم، كديمقراطي معتدل، ثم بصفته حاكم ولاية وقّع على مشاريع القوانين التقدمية لتصبح قانوناً.

ومع أن والز يقتني السلاح، لكنه شدد على أن سكان ولايته – التي يحكمها منذ عام 2019 – يؤمنون أيضاً بـ«قوانين خفض العنف المسلح ذات المنطق السليم». موضحاً: «أنا محارب قديم، وصياد، وأمتلك السلاح. لكنني أيضاً أب، ولسنوات طويلة كنت مُدرِّساً. أعرف أن قواعد السلامة الأساسية المرتبطة باستخدام السلاح ليست تهديداً لحقوقي، فالأمر مرتبط بالحفاظ على سلامة أطفالنا».

ثم إن والز عمل ضمن تحالف من الحزبين، على تمرير تفويضات لمساعدة المزارعين، وعلى ضمان احتفاظ أعضاء الحرس الوطني برعايتهم الصحية عند الاستجابة لحالات الطوارئ في الولاية، رداً على الحملة التي شنت ضده بعد الاحتجاجات التي اندلعت عندما قتل شرطي أبيض الرجل الأسود جورج فلويد.

نصير للفقراء

أكثر من هذا، مرّر والز تشريعات واسعة النطاق، أثارت حماسة الديمقراطيين وغضب الجمهوريين، حين وقّع على قانون حماية الإجهاض، وأكبر ائتمان ضريبي للأطفال في البلاد، ووجبة إفطار وغداء مجانية في مدارس معينة، وإجازة عائلية وطبية مدفوعة الأجر «التي لا يستطيع أي فقير أن يرفضها». كما وقّع على أمر تنفيذي يحمي رعاية التحوّل بين الجنسين.

وفي هذا الصدد، عدّد ديمقراطيون، عملوا سابقاً معه، كياسته ودرايته وذكاءه الحاد بين الأسباب التي تسهّل تواصله مع الناس عبر الخطوط الحزبية. وسرعان ما أثبت ذلك فعلياً، بعد تكراره وصف الرئيس السابق دونالد ترمب وزميله في البطاقة الجمهورية فانس بأنهما أناس «غريبو الأطوار»، ليتحول الوصف إلى اتجاه (ترند) ينتقدهما بوصفهما لا يمثلان القيم الأميركية.

وهكذا، من نافل القول إن اختيار والز أدى إلى إنعاش آمال الديمقراطيين في التمسك بساحات معركة «الجدار الأزرق» الحاسمة والمناطق المتأرجحة، أي ولايات مينيسوتا وويسكونسن وميشيغان وبنسلفانيا. وعبر تمتعه وهاريس بتأييد كاسح من التيار اليساري في الحزب ربما ضمنا ألا تتكرر هزيمة هيلاري كلينتون عام 2016، التي تُعزى إلى إحجام ناخبيه، وخصوصاً الشباب منهم، عن تأييدها.

وهذا ما يراه السيناتور «التقدمي» بيرني ساندرز الذي قال: «أعتقد أن الديمقراطيين كانوا ضعفاء للغاية في أرياف ولاية بنسلفانيا وفي جميع أنحاء هذا البلد. وأعتقد أن والز سيكون رصيداً حقيقياً آتياً من ولاية ريفية للفوز بالدعم الذي تحتاجه في بنسلفانيا وفي جميع أنحاء الغرب الأوسط وأجزاء أخرى من البلاد».

وللعلم، مع أن مينيسوتا، موطن فالز، لم تصوّت للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية منذ عام 1972، فاز ترمب بمقاطعات ريفية فيها، وبولايات ويسكونسن وميشيغان وبنسلفانيا عام 2016، التي تعد مهمة لانتصار هاريس بعد أن قلبها بايدن في 2020.

السياسة الخارجية

يعد تيم والز يعد من أنصار ما يطلق عليه «المعسكر الواقعي» في السياسة الخارجية، وهو يدعم التعاون العالمي، وبخاصة مع الشركاء الأوروبيين، والاستثمار في العولمة كنموذج اقتصادي لنشر الرخاء وتحويل الصراع إلى تنافس. ويرى أن «العلاقة مع الصين لا ينبغي أن تكون على شكل خصومة»، وأن ثمة كثيراً من «مجالات التعاون» بين البلدين. ويؤيد بقوة مواصلة أميركا دعم أوكرانيا في «حربها الدفاعية» ضد روسيا.

أخيراً، بالنسبة للشرق الأوسط، يلتزم والز بالدفاع عن إسرائيل، لكنه يرفض تحوله إلى رخصة للتعدّي على حقوق المدنيين الفلسطينيين، ولذا يدعم حل الدولتين، لينعكس موقفه هذا بتراجع نسبة «غير الملتزمين» في الولايات المتأرجحة. ويُذكر أنه عارض حرب العراق ودعا إلى سحب القوات الأميركية منه، وطالب باستخدام الدبلوماسية في سوريا بدلاً من التورط في حربها الأهلية. وعارض الضربات الأميركية الجوية هناك في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ودعم الاتفاق النووي مع إيران.

ايلي يوسف

صحيفة الشرق الاوسط




الشيخة حسينة واجد «وارثة» زعامة بنغلاديش تودّع السلطة بعد حكم استمر 15 سنة متصلة

انزلقت بنغلاديش، إحدى أكبر دول العالم الإسلامي والقارة الآسيوية، من حيث عدد السكان، خلال الأسبوع الماضي إلى حالة من الفوضى. وفي تحوّل دراماتيكي استقالت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، بعد حكم استمر 15 سنة، وفرّت من البلاد. وبفرارها في اللحظة الأخيرة إلى الهند، نجت من غضب آلاف المحتجين الذين اقتحموا مقر إقامتها الرسمي. وما يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها الشيخة حسينة إلى الهند؛ إذ وجدت نفسها وشقيقتها ريحانة في الهند قبل 49 سنة. ففي عام 1975، طلبت حسينة وريحانة مساعدة نيودلهي بعدما قتل عسكريون متمردون والدهما الشيخ مجيب الرحمن مع سبعة من أفراد الأسرة، بينهم أخوهما راسل البالغ 10 سنوات. ونجحت حسينة في الهروب؛ لأنها كانت في ألمانيا مع زوجها وريحانة. ومن جهته، أكد قائد الجيش، وقر الزمان، الذي تربطه بحسينة أواصر عائلية، باعتباره زوج ابنة عمها، أن الشيخة استقالت من منصبها رئيسةً للوزراء وغادرت البلاد. وأردف إن حكومة مؤقتة قيد التشكيل، طالباً من الشعب التعاون سلمياً.

على الرغم من رحيل الشيخة حسينة واجد واستيلاء الجيش على السلطة في بنغلاديش، استمرت أعمال العنف والتخريب في جميع أنحاء البلاد. وأعقب ذلك الاتفاق على تعيين الدكتور محمد يونس، الخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، رئيساً للحكومة المؤقتة بالبلاد، وفقاً لما أعلنه السكرتير الصحافي للرئيس محمد شهاب الدين.

هذا، وأبدى يونس استعداده لتشكيل حكومة مؤقتة، مقدّراً «ثقة المحتجين الذين يتمنون لي قيادة الحكومة المؤقتة». ودعا إلى إجراء «انتخابات حرة».

الشيخة حسينة ونسبها

وُلدت الشيخة حسينة لعائلة مسلمة في شرق البنغال عام 1947، أي ما كانت تعرف بباكستان الشرقية، لأبويها البيجوم الشيخة فضيلة النساء مجيب (المتحدرة من أصل بغدادي عراقي) والشيخ مجيب الرحمن، ابن أسرة شيخ، والأب المؤسس لبنغلاديش وأول رئيس للبلاد. وداخل حرم جامعة دكا، كبرى جامعات البلاد والعاصمة، صعد نجم حسينة قياديةً طلابيةً نشطة.

ثم تزوّجت حسينة من عالم فيزياء بنغلاديشي محترم اسمه محمد واجد ميا، الذي تولى لفترة رئاسة هيئة الطاقة الذرية في بنغلاديش. وتوفي ميا، عام 2009 عن عمر يناهز 67 سنة بعد مرض طويل. ولقد أنجب الزوجان ولداً سمَّياه ساجيب جوي (53 سنة) وبنتاً هي سايما (51 سنة).

تأسيس بنغلاديش

بعد تأسيس بنغلاديش المستقلة، في أعقاب انفصال باكستان الشرقية عن باكستان (باكستان الغربية في حينه) تسلّل التوتر إلى صفوف الجيش جرّاء شعور العسكريين الذين رفضوا التمرّد على وحدة باكستان – قبل الحرب – بالتمييز ضدهم. ثم دفع تزايد السخط على الشيخ مجيب الرحمن وحزبه «رابطة عوامي»، بعض الجنود الشباب إلى اغتياله وعائلته بالكامل؛ ما مهّد الطريق لانقلاب عسكري.

يومذاك، نجت حسينة وشقيقتها ريحانة من الموت لأنهما كانتا في ألمانيا، برفقة زوج حسينة الفيزيائي الراحل واجد مياه. وبالتالي، لم تتمكنا من العودة إلى بنغلاديش، الغارقة بالفوضى والدماء.

وفي مقابلة أُجريت معها، روت حسينة أهوال عام 1975، قائلة: «لقد حدث ذلك فجأة. قبل 15 يوماً فقط، غادرت أنا وأختي البلاد، وذهبنا إلى ألمانيا حيث كان زوجي العالم النووي يجري أبحاثه ما بعد الدكتوراه هناك. ولأن زوجي كان مقيماً في الخارج، اعتدت أن أعيش في المنزل نفسه (مع والديّ). في ذلك اليوم، كان الجميع هناك: والدي، وأمي، وإخوتي الثلاثة، وزوجاتهم. كان الجميع هناك. وجاءوا إلى المطار جميعاً لتوديعنا. كان ذلك هو اليوم الأخير لنا معاً، كما تعلمون. لقد قتلوا 18 فرداً من عائلتي، بما في ذلك شقيقي الأصغر 10 سنوات».

وتابعت حسينة إن رئيسة الوزراء الهندية السابقة أنديرا غاندي أبلغتها استعداد الهند منحها الأمن والمأوى. وبالفعل، انتقلت إلى دلهي، وعاشت هي وباقي عائلتها، الذين قدِموا إلى الهند بعد علمهم بالمجزرة، في منزل بالعاصمة الهندية تحت حراسة أمنية مشددة؛ خوفاً على حياتهم.

وذكرت حسينة أنها وأفراد أسرتها اضطروا إلى تغيير أسمائهم كي يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة في المنفى، والنجاة من المصير الذي لقيه والداها وأقاربها الآخرون. ومع أنها فكرت في العودة إلى بنغلاديش، بيد أنها لم تفكر قط في تحمل «مسؤولية مثل هذا الحزب الضخم».

في المعترك السياسي

في ثمانينات القرن العشرين، أخذت الأمور تتغيّر. إذ سافرت الشيخة حسينة إلى بلدان عدة، وألقت كلمة في اجتماع عام يوم 16 من أغسطس (آب) 1980 في لندن، مطالبة بمحاكمة قتلة أسرتها. وجاء ذلك بعدما طالبت شقيقتها بالأمر ذاته في خطاب ألقته في السويد. وواصلت حسينة حملتها لتقديم قتلة أسرتها إلى العدالة، وقد شاركت فيها شخصيات مرموقة. وفي هذا الوقت، أعلنت «رابطة عوامي» حسينة زعيمة للحزب أثناء غيابها.

وفي نهاية المطاف، أنهت الشيخة حسينة بالفعل، منفاها في العاصمة الهندية، وعادت إلى بنغلاديش يوم مايو (أيار) 1981.

كانت فترة ولاية حسينة في رئاسة حزب «رابطة عوامي» بمثابة بداية كفاح دام عقداً شهد إخضاعها لفترات طويلة من الإقامة الجبرية. ففي نوفمبر (تشرين الأول) 1987، تعرّضت للاستهداف من جانب الديكتاتور العسكري الجنرال محمد حسين إرشاد.

التنافس «الثنائي» مع خالدة ضياء

بعدها، فاجأت حسينة كثيرين عندما انضمت إلى البيجوم خالدة ضياء – أرملة قائد الجيش السابق ومؤسس «الحزب الوطني البنغلاديشي»، ضياء الرحمن – بهدف إطاحة إرشاد. وبحلول عام 1990، خرج مئات الآلاف إلى شوارع العاصمة دكا للمطالبة باستقالة إرشاد.

ومع أن إرشاد حاول التشبث بالسلطة بإعلان حالة الطوارئ، فإنه أُجبِر بالنتيجة على الاستقالة. لكن «الاتفاق» بين الشيخة حسينة والبيجوم خالدة لم يطُل. ومنذ ذلك الحين، هيمنت العائلتان المتنافستان على الساحة السياسية في البلاد. ولقد قبعت خالدة قيد الإقامة الجبرية، تقاوم ما تقول إنها اتهامات فساد ملفقة، حتى أُطلق سراحها، الاثنين الماضي؛ بناءً على أوامر الرئيس محمد شهاب الدين.

للعلم، في عام 1991، «استولى الحزب الوطني البنغلاديشي» على السلطة، وأصبحت الشيخة حسينة زعيمة المعارضة الرئيسية. لكن الإعصار الذي ضرب بنغلاديش عام 1991 وأسفر عن مقتل 140000 شخص، أعطى مسيرة حسينة دفعاً جديداً. وبعد خمس سنوات، عام 1996، نُصّبت رئيسة وزراء لبنغلاديش.

وطبقاً لتقارير صحافية يعتد بها، شهدت ولاية حسينة الأولى خطوات كبيرة في اتجاه تحرير الاقتصاد وتعزيز الاستثمارات الأجنبية ورفع مستويات المعيشة، بما في ذلك تحسين مجالي الرعاية الصحية والتعليم. أيضاً، تحولت بنغلاديش قوةً بارزةً على صعيد الصناعة العالمية للملابس. لكن مع ذلك، رغم هذه الإنجازات، فقدت حسينة السلطة عام 2001 لصالح البيجوم خالدة. وأدى التنافس بين السيدتين، الذي أطلق عليه «البيجومات المتصارعات»، إلى اشتعال صراع سياسي كبير، شهد أعمال عنف وقتل خارج نطاق القضاء. بعدها، عام 2004، نجت حسينة بأعجوبة من محاولة اغتيال إثر انفجار قنبلة يدوية في تجمع جماهيري. وعام 2007، حكمت كل من حسينة وخالدة بالسجن بتهم فساد بعد انقلاب عسكري ذلك العام. إلا أن التهم أسقطت لاحقاً فأتيح لهما التنافس في الانتخابات التالية. وأخيراً، عام 2008، حققت الشيخة حسينة نصراً انتخابياً كبيراً، وظلت في منصبها حتى اضطرارها إلى الاستقالة هذا الشهر.

وداعها للساحة السياسية

من جهته، قال ساجيب (جوي)، نجل الشيخة حسينة ومستشارها، في مقابلة إنها لن تعود إلى السياسة مرة أخرى، وأكد أنها غادرت البلاد من أجل سلامتها؛ بناءً على إصرار عائلتها. وتابع ساجيب، المقيم بريطانيا، إن والدته «كانت محبطة للغاية من شعب بنغلاديش؛ بسبب طريقة معاملتهم لها، بعدما فعلت الكثير من أجله».

وتابع أن أمه «عندما تولت السلطة كانت بنغلاديش تُعدّ دولة فاشلة ودولة فقيرة، أما اليوم، فتعتبر من نمور آسيا الصاعدة». وأردف: «إنها تشعر بخيبة أمل كبيرة، ولن تعود إلى السياسة، فهي تبلغ من العمر 77 سنة وكانت هذه ستكون ولايتها الأخيرة. كونها ستتقاعد بعد ذلك على أي حال». واختتم كلامه بمرارة: «اتخذ الناس خيارهم، وسيحصلون على القيادة التي يستحقون. لقد مرّت عائلتي بهذا ثلاث مرات – ثلاثة انقلابات، وانتهى الأمر من وجهة نظرنا. لقد سئمنا من إنقاذ بنغلاديش».

ما يجدر ذكره، أن بنغلاديش، التي كانت إحدى أفقر دول العالم عندما استقلت عن باكستان عام 1971، شهدت نمواً بمعدل يزيد على 6 في المائة سنوياً منذ عام 2009. وانخفضت فيها معدلات الفقر بشكل حاد، فبات بمقدور أكثر من 95 في المائة من سكان البلاد البالغ عددهم 170 مليون نسمة، الحصول على الكهرباء، مع تجاوز نصيب الفرد في الدخل نظيره في الهند عام 2021.

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط




“البريكس”: إنشاء نظام دفع عالمي متعدد الأطراف لزيادة الضغط على الدولار الأميركي

بالتزامن مع الإعلان عن تأسيس صندوق احتياطي الطوارئ للبريكس خلال القمة السنوية السابعة التي عقدت في يوليو/ تموز 2015 في مدينة “أوفا” بجمهورية “باشكورستان” الذاتية ضمن الاتحاد الروسي، بدأ قادة الدول الأعضاء مشاورات لإنشاء نظام دفع عالمي متعدد الأطراف، يكون بديلاً لنظام الاتصالات المالية بين البنوك العالمية “سويفت”. هذا النظام المزمع تأسيسه يروم الانتقال الى إجراء تسويات بالعملات الوطنية للدول الأعضاء، الأمر الذي من شأنه أن يوفر قدراً أكبر من الضمان والاستقلالية لدول “البريكس”.[1]

“بريكس باي”

من ضمن الخطوات الاستراتيجية التي تنتهجها لتحقيق هدفها الرئيس، والمتمثل بإنهاء الأحادية القطبية الأميركية بغية الانتقال الى نظام عالمي جديد متعدد، تسعى دول “البريكس” الى الابتعاد عن منظومة المراسلات المصرفية العالمية المعروفة “سويفت” التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية.

على أن تقوم دول المجموعة بإنشاء نظام دفع دولي بديل يعرف حالياً بـ”بريكس باي” (BRIX PAY)، ويستند على أساس أصول رقمية المعروفة بتقنية “بلوك شين” (Blockchain).

هذه الآلية اللامركزية المرنة ستتضمن عملات متعددة، وستسهم في تعزيز النفوذ الاقتصادي لـ”البريكس”، وتسريع عملية الوصول الى إنشاء عملة فوق وطنية بما يمهد الطريق للتخلص من هيمنة الدولار الاقتصادية والجيوسياسية، والتخلص من سيف العقوبات الأميركية والغربية الملسط فوق دول بعينها لإخصاع قرارها السياسي وتقويض سيادتها.

تتمحور فكرة الآلية حول إنشاء منصة خاصة ضمن تكتل “البريكس” تقوم على أساس العملات الرقمية من أجل تنفيذ التسويات المالية، بما يكسر احتكار نظام “سويفت” الغربي للعمليات المالية في العالم.

يبين رئيس مركز أبحاث “بريكس” في معهد “بحوث التنمية” بجامعة “فودان” الصينية، شين يي، أن هذه الآلية الجديدة “تعزز القدرة على السداد وتقوي الثبات الاقتصادي تجاه الغموض وعدم اليقين والصدمات الخارجية”.[2]

في حين قال المدير التنفيذي لشركة “برافيكا” المتخصصة في تطبيقات “البلوك تشين”، محمد عبده، في تصريحاات لوكالة “سبوتنيك” أن “تقنية البلوك تشين تتميز بسرعة عمليات التسوية في المعاملات المالية بين البلدان، والتي تستغرق وقتاً طويلاً في الأنظمة الحالية السائدة، بحيث يمكنها تقليل الزمن بأكثر من 90 %”. [3]

مرونة جاذبة

وبيّن الخبير التكنولوجي أن ذلك “سيقلل الرسوم الخاصة بالتحويلات المالية بنسبة كبيرة جداً، بما سيؤدي الى تخفيض أسعار البضائع التي كان يتم تحمليها رسوم التحويلات. ولهذا صارت العديد من الدول تبدي اهتماماً بإطلاق مشروعات خاصة بالعملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية”.

وكان وزير المالية الروسي الأسبق، ووزير الدفاع الحالي، أنطون سيلوانوف، كشف في فبراير/ شباط الماضي عن خطة لـ”البريكس” لإنشاء منصة لتنفيذ التسويات التجارية بين الدول الأعضاء في المجموعة. بالإضافة الى إنشاء منصة على أساس العملات الرقمية لتنفيذ التسويات المالية بين دول المجموعة. [4]

وفي شهر مارس/ آذار الماضي، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانوناً يسمح باستخدام الأصول المالية الرقمية في المدفوعات الدولية، وذلك بهدف تسهيل تنفيذ التعاملات المالية للشركات الروسية في ظل العقوبات الغربية والأميركية. [5]

كما سمح المرسوم باستخدام الأصول المالية الرقمية في المدفوعات وعند استيراد وتصدير السلع والأعمال والخدمات وأعمال الملكية الفكرية. وبذا تكون روسيا قدمت تجربة عملانية لهذا النموذج من أجل اعتماده في القمة السنوية لـ”البريكس” في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل التي ستستضيفها مدينة “قازان” الروسية.

وتندرج هذه الخطوات المفصلية ضمن الأهداف التي أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  أنه يسعى الى تحقيقها خلال رئاسته لتكتل “البريكس”. ويأتي على رأسها توسيع استخدام عملات دول المجموعة، وزيادة دور “البريكس” في النظام المالي الدولي.

الثالثة

تتيح هذه المرونة، والآليات اللامركزية التي تتضمن عملات متعددة، تجاوز العقوبات والعراقيل الغربية. كما أنها تعزز من موثوقية “البريكس” على الصعيد العالمي، وخصوصاً لدى الاقتصادات الناشئة ودول “الجنوب العالمي”. الأمر الذي يمهد لظهور عملة “فوق وطنية” مع ما يمثل ذلك من تهديد جدي لمكانة الدولار الأميركي كعملة عالمية.[6]

في المقابل، ونتيجة إمعان أميركا في استخدام الدولار كأداة لفرض العقوبات وتسعير الأزمات الاقتصادية وإثقال كاهل الشعوب، فإن العديد من دول العالم، وعلى رأسها دول تكتل “البريكس” تعمل على زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة الدولية، خصوصاً مع وصول الدين العام الأميركي الى مستويات كارثية تهدد مكانة الدولار، ومعها هالة الاستقرار المزيفة للأسواق العالمية.

ويبرز في هذا الإطار التبادل التجاري الروسي – الصيني كأنموذج ناجح وراسخ، بعدما أصبحت 95 % من المعاملات التجارية بين القوتين الدوليتين تتم بـ”الروبل” العملة الوطنية الروسية، و”اليوان” العملة الوطنية الصينية.

ويذهب بعض خبراء الاقتصاد الى ترجيح قيام “البريكس” في المستقبل بإنشاء عملة جديدة لاستخدامها في مدفوعات التجارة أو عملة مشفرة للتجارة الدولية. وكل ذلك من أجل تشكيل واقع جيوسياسي جديد، والتخلص من الهيمنة الأميركية.

الى ذلك، كشفت رئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكو في مؤتمر صحفي مطلع أغسطس/ آب 2024، أن “نظام الحوالات المستقل “بريكس باي” تخطى الإطار النظري وانتقل الى مرحلة التطبيق”. وأشارت ماتفيينكو الى أن “قادة دول تكتل “البريكس” سيبحثون خلال القمة السنوية في مدينة “قازان” الروسية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، هذا النظام والإطار الزمني لإطلاقه”. [7]


[1] https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2023/5/4/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D8%B9%D9%89-%D9%84%D9%83%D8%B3%D8%B1-%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9

[2] https://arabic.rt.com/business/1550122-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%B7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1/

[3] https://sarabic.ae/20240326/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%8A-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%B7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1–%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D8%AA%D9%87–1087407858.html

[4] https://arabic.rt.com/business/1546135-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%81%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9/

[5] https://arabic.rt.com/business/1546135-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%81%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9/

[6] https://arabic.rt.com/business/1550122-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%B7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1/

[7] https://lebanoneconomy.net/%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86%D9%83%D9%88-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%88/?amp=1