1

“البريكس” قاطرة “الجنوب العالمي” نحو نظام دولي أكثر عدالة

في السنوات الأخيرة، بدأت الكثير من الدول النامية تجأر بالشكوى من الهيمنة الغربية على النظام العالمي، وتطالب بإصلاح الخلل البنيوي في مراكز الحوكمة الدولية، مثل مجلس الأمن الدولي وصندوق النقد وغيرها، وبالتحديد بعيد اندلاع الصراع في أوكرانيا. وفي هذا المناخ عاد مصطلح “الجنوب الدولي” الى الظهور، خصوصاً مع نمو وتطور تكتل “البريكس”، الذي أسهم في رفع مستوى الطموحات للوصول الى نظام عالمي جديد أكثر عدالة.

تكتل جيوسياسي

مصطلح “الجنوب العالمي” لا يعبر عن تقسيم جغرافي معين، إنما يقصد به الدول التي تقع خارج منظومة الغرب. وغالباً ما يستخدم للإشارة الى الجزء الأكبر من البلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والتي لديها مجموعة من القواسم المشتركة الجيوسياسية والاقتصادية، وتتشارك في الأهداف المستقبلية.

عموماً مصطلح “الجنوب العالمي” ليس حديث العهد بل هو قديم، استخدمه للمرة الأولى الكاتب كارل أوغلسبي في مقالة له في المجلة الليبرالية الكاثوليكية “كومونوييل” عام 1969، اعتبر فيه أن الحرب في فيتنام كانت تتويجاً لتاريخ هيمنة دول الشمال على الجنوب العالمي. [1]

في تلك الحقبة ظهرت العديد من الهياكل والمنظمات الإقليمية في محاولة للتصدي للهيمنة الغربية بدعم سوفياتي، مثل مجموعة دول “عدم الانحياز” و”مجموعة الـ77″ وغيرها.[2] الجدير بالذكر أن “مجموعة الـ77” توسعت بتعاقب السنوات وصارت تضم 134 دولة من جميع قارات العالم، لكنها أبقت على الاسم نفسه لما يحمل من رمزيات تاريخية.

عقب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، سادت الهيمنة الغربية على النظام العالمي ذي القطب الواحد بزعامة أميركا، وراح صناع السياسات في الدول الغربية يمارسون ضغوطاً هائلة على الدول النامية، أي “الجنوب العالمي”، من أجل تحقيق مصالح دولهم تحت ستار تبني النهج الديموقراطي والليبرالية الغربية. [3]

واستمرت الحالة هذه الى أن أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعث الإرث السوفياتي في دعم تحرر الدول النامية من إسار الهيمنة الغربية ومساعدتها مالياً واقتصادياً، بأسلوب حداثي، وعبر سياسات تشاركية تهدف الى بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. وهو ما قاده الى التعاون مع الصين، ثم الهند والبرازيل، وجنوب أفريقيا في مرحلة لاحقة، من أجل إنشاء تكتل جيوسياسي جديد هو “البريكس”، ليكون القاطرة التي تقود دول الجنوب العالمي.

تراكم تاريخي

لم تستعجل روسيا ولا شركاؤها حرق المراحل، بل اتبعوا سياسة متوازنة ترتكز على التطور التدريجي والتراكم التاريخي لتكتل “البريكس”، كي يشتد عوده ويصبح أكثر صلابة وتأثيراً. وفي الوقت الذي كان الغرب يسخر عبر قادته ونخبه ووسائل إعلامه من هذا التكتل الجديد، كانت دول “البريكس” تعمل بنشاط على انتهاج سياسات منظمة للحد من الهيمنة الغربية على النظام الدولي.

بدءاً من تأسيس “بنك التنمية الجديد”، مروراً بـ”صندوق احتياطي الطوارئ”، ومن ثم إنشاء “نظام دفع عالمي متعدد الأطراف”، وصولاً الى تأسيس نظام “بريكس بلاس” الذي يتيح لدول جديدة الانضمام الى التكتل لتشكيل قوة عالمية.

بالتوازي مع رفع مستوى التعاون على مختلف الصعد مع الهياكل التنظيمية والتكتلات الإقليمية التي تتشارك وإياها نفس الأهداف. حتى صار تكتل “البريكس” يمثل قوة جيوسياسة لا يستهان بها، تمثل ربع الاقتصاد العالمي، وخمس عمليات التبادل التجاري، ونحو 40 % من سكان العالم، وباتت تشكل منافساً جدياً وحقيقياً لمجموعة الـ”G7″. [4]

عند هذه النقطة بدأت دول “البريكس” تسعى من أجل خلق هوية جامعة للتعبير عن “الجنوب العالمي”، وفتحت الباب أمام انضمام الدول التي تشاركها الأهداف نفسها عام 2023. الأمر الذي أدى الى حصول حالة استنفار بحثي شملت مختلف مراكز الأبحاث الغربية، من أجل دراسة “الجنوب العالمي” وفهم الديناميات العالمية الراهنة.

حتى أن صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية قامت بتحديد مصطلح “الجنوب العالمي” على أنه كلمة العام لسنة 2023، [5]ولا سيما أن هذا العام شهد العديد من التحولات التي تعكس تصاعد قوة وتأثير “الجنوب العالمي”، مثل طرد فرنسا من النيجر ومالي والغابون، وانحسار النفوذ الأميركي والغربي بشكل عام في القارة الأفريقية.

يقول الخبير السياسي الأميركي، سارانج شيدور، في مقالة بصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن “توسع البريكس يشكل تحديا ً كبيراً بالنسبة لأميركا التض تضعف هيمنتها العالمية تدريجياً، والجاذية المتزايدة للبريكس هي أكبر إشارة الى أن الهيمنة الأميركية آخذة في التلاشي”. [6]

جاذبية البريكس الجيو – استراتيجية

وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف قال في تصريحات صحفية: “دول الجنوب العالمي أصبحت تنتهج سياسة خارجية مستقلة، وتسترشد بالمقام الأول بمصالحها الوطنية الخاصة”. وكذلك قال وزير خارجية الصين وانغ بي: “الجنوب العالمي لم يعد الأغلبية الصامتة، بل أصبح قوة رئيسية لإصلاح النظام الدولي، ومصدر أمل في الوقت الذي يشهد فيه العالم تغيرات عميقة لم يسبق لها مثيل منذ قرون”. في حين قال وزير خارجية الهند، سوبراهمانيام جايشنكار، خلال الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة: “لقد ولت الأيام التي كانت فيها بعض الدول تضع جدول الأعمال وتتوقع من الآخرين أن ينصاعوا لذلك”. [7]

هذه التصريحات وغيرها الكثير، تشكل مفاتيح أساسية وضرورية استراتيجية “البريكس”، ومدى عزم وتصميم دوله على بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، عبر سياسات تشاركية مع دول “الجنوب العالمي”، حيث فتحت باب عضوية “البريكس” أمام دول العالم الراغبة في التخلص من الهيمنة الغربية، وكذلك تلك الراغبة في إحداث توازن في علاقاتها الدولية.

مع أن العديد من الدول قامت بتقديم طلب الانضمام الى “البريكس”، إلا أن قادة التكتل وحرصاً منهم على متابعة مسار التطور التاريخي المنظم، ارتأوا قبول طلبات 6 دول فقط في المرحلة الأولى عبر “إعلان جوهانسبرغ” في أغسطس/ آب 2023: السعودية – الإمارات – مصر – إيران – أثيوبيا – الأرجنتين، والتي تمتلك كل واحدة منها نقاط قوة تتشابه مع باقي الدول في بعضها، وتتمايز في البعض الآخر.

وفيما يعكس حجم التهديد الجيو استراتيجي الجدي الذي يشكله تكتل “البريكس” على الهيمنة الغربية، أفضت الضغوط الغربية الهائلة الى انتخاب رئيس جمهورية في الأرجنتين موالٍ للغرب بالكامل كانت من أولى قراراته الانسحاب السريع من عضوية “البريكس”. لكن تلك الخطوة لم يكن لها أي تأثير عملي على قوة “البريكس” المتصاعدة، حيث جرى قبول طلب الجزائر للانضمام الى التكتل هذا العام. [8]

بيد أن الخطوة الأبرز تتمثل في تقديم تركيا طلب الانضمام الى “البريكس”. [9]ذلك أنه في حال قبول طلبها، ستكون أول دولة تنضم الى تكتل “البريكس” من دول حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يمكن اعتباره بمثابة ضربة سياسية قوية لـ”الناتو” خصوصاً أن تركيا من مؤسسيه وتعد قوة بارزة فيه. عملية انضمام تركيا تعكس تراجع قوة “الناتو”، مقابل تصاعد قوة البريكس الجيو – استراتيجية، وهذا ما قد يفتح الطريق أمام دول آخرى في “الناتو” كي تحذو حذو تركيا.


[1] https://www.independentarabia.com/node/470236/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B3%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%AA%D9%87-%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AA%D9%87-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%9F

[2] https://www.independentarabia.com/node/496746/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-77-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A9

[3] https://www.independentarabia.com/node/470236/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B3%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%AA%D9%87-%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AA%D9%87-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%9F

[4] https://arabic.news.cn/20240108/3f6c0d3e569e479b8321f651836bc71f/c.html

[5] https://arabic.news.cn/20240108/3f6c0d3e569e479b8321f651836bc71f/c.html

[6] https://daraj.media/%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3-%D9%87%D9%84-%D9%87%D9%8A-%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7/

[7] https://www.grc.net/documents/6668526ad282eTheglobalsouthwhenillusionintersectswithThetruth2.pdf

[8] https://www.aljazeera.net/ebusiness/2024/9/2/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF

[9] https://www.aljazeera.net/ebusiness/2024/6/9/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%AA%D9%84




أوبزيرفر: غزة هي أكبر فشل لبايدن وعجزه يقود الشرق الأوسط نحو الهاوية

نشرت صحيفة “أوبزيرفر” البريطانية افتتاحية حمّلت فيها الرئيس الأمريكي جو بايدن مسؤولية الحرب المتوسعة في الشرق الأوسط.

وقالت إن قلق الرئيس الأمريكي على مستقبل الحزب الديمقراطي هو ما يحرك سياسة الاحتواء التي ينتهجها البيت الأبيض.

وأضافت أن عبارة: “وصل الشرق الأوسط إلى منعطف خطير جدا” تتكرر منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي.

ومع ذلك “فشلت 12 شهرا تقريبا من الدبلوماسية الدولية ووقف إطلاق النار المتقطع ومفاوضات الأسرى والاحتجاجات والتهديدات بالعقوبات والدعاوى القضائية والضغوط السياسية والأخلاقية على الأطراف المتحاربة بوقف المذبحة في غزة وأماكن أخرى، وهو ما يجعل هذه اللحظة محفوفة بالمخاطر الكبرى. وفي غياب الأفق ووجود مخرج واضح، وعدم وجود عملية سلام تحمل مصداقية، فإن التصعيد غير المنضبط يزداد احتمالا. والخوف والغضب والانتهازية السياسية واليأس الشديد يطغى على التفكير الهادئ والموضوعي بشأن الأفعال والعواقب. فقد تحررت كلاب الحرب من عقالها”.

وأضافت أن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وحكومة الحرب التي يتزعمها، فتح “مرحلة جديدة” من النزاع واستهداف عناصر وقيادة حزب الله في لبنان أدى إلى تسريع انزلاق نزاع لا يرحم نحو حرب على مستوى المنطقة.

وقالت الصحيفة إن إسرائيل محقة تماما في رغبتها لتأمين حدودها الشمالية مع لبنان، حيث نزح عشرات الآلاف  بسبب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ومحقة أيضا في تحييد حزب الله، حليف إيران.

وصحيح أيضا أن نتنياهو يحتاج إلى إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه لإبقاء شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف على نفس الخط والتشبث بمنصبه، ودفع الضغوط الأمريكية التي تطالبه بما يعتبره تسوية غير مقبولة.

وقد ساعد تفجير أجهزة النداء “بيجر” على تعزيز هذا الحس الذي يخدم النفس. ففي داخل إسرائيل، يُتهم نتنياهو بمحاولة نسف اتفاق وقف إطلاق النار، والآن يواجه لبنان خطر التحول إلى غزة جديدة.

وعلقت الصحيفة أن الطريقة التي سيردّ فيها زعيم حزب الله وبشكل عملي على هجمات الأسبوع الماضي والتي قتلت العشرات وجرحت الآلاف، والتي اعترف بأنها تمثل ضربة كبيرة، ستحدد المدى الذي يسير فيه الشرق الأوسط نحو الكارثة.

فقد أقسم نصر الله على الرد بانتقام قاس، واستأنف الحزب رشقاته الصاروخية على إسرائيل وسط غارات جوية واسعة على لبنان بما فيها بيروت. وحذر نصر الله بأن أي هجوم بري إسرائيلي على جنوب لبنان سيكون “فرصة” لحزب الله لأن ينتقم.

وعلى نتنياهو الحذر، فالتدخلات الإسرائيلية السابقة خاصة عام 1982 و2006 انتهت بنتائج سيئة، في وقت أنهكت الحرب في غزة التي مضى عليها عام، الجيشَ الإسرائيلي.

وأشارت الصحيفة إلى الضربة التي تلقاها حزب الله الأسبوع الماضي من خلال تفجير أجهزة “بيجر” ثم مقتل القيادي العسكري إبراهيم عقيل في هجوم على الضاحية الجنوبية ببيروت، قائلة إنها كشفت عن محدودية قدرات الحزب، وأدت لتوتير علاقاته مع الحكومة والشعب اللبناني، وقد تقنع الحزب وداعمته إيران بالتصرف بحذر.

ومع ذلك، لا توجد إشارات عن توقف إطلاق الصواريخ باتجاه لبنان. وربما حقق نتنياهو انتصارا تكتيكيا لكنه تصرف بتعجل. فلم يعد هدفه إعادة النازحين من الشمال إلى مناطقهم وبشكل آمن، قابلا للتحقيق.

وفي ذات الوقت، تستمر الحرب المروعة في غزة، والتوصل إلى وقف إطلاق النار فيها هو المفتاح الرئيسي لمنع اندلاع حرب شاملة. ومن المؤسف أنه لا القيادة الإسرائيلية أو قيادة حماس مستعدتان لاتخاذ الخطوات المطلوبة لوقف المذبحة في غزة. ومن المؤسف أن بريطانيا، مثل الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، فشلت بممارسة الضغط الكافي على إسرائيل لوقف انتهاكها للقانون الدولي الإنساني من خلال تقييد جميع مبيعات الأسلحة الهجومية، وتأييد لائحة اتهام نتنياهو بارتكاب جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات ذات مغزى. ومن المؤسف، وإن لم يكن مفاجئا، أن إيران فشلت على نحو مماثل في كبح جماح حماس وحزب الله من أجل وقف مذبحة الشعب الفلسطيني الذي تدافع عن قضيته.

ووسط هذا الكاتالوغ المحرج من الفشل، فإن موقف الإدارة الأمريكية المتحيز والعاجز، هو الداعي على الإحباط. وتقول الصحيفة إن جو بايدن ينتمي إلى جيل أمريكي يدعم إسرائيل سواء كانت محقة أم مخطئة، لكن أوراق اعتماد الدولة اليهودية الحديثة كديمقراطية ملتزمة بالقانون، باتت موضع تساؤل خطير. فقد تغيرت جذريا، في حين لم يتغير بايدن.

لقد أعطى بايدن نتنياهو بسذاجة تفويضا مطلقا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبات يراقب برعب متزايد نتائج هذا التفويض وهي تتكشف أمامه.

وكان يجب على بايدن عمل المزيد للضغط على نتنياهو للموافقة على صفقة. فبعد كل هذا، تعتبر الولايات المتحدة الداعم المالي والعسكري الأساسي لإسرائيل. و”بدلا من ذلك، فقد تسامح وسهّل مواقفه العدوانية والعدمية وبتكلفة باهظة على المصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية، وعلى حياة الناس العاديين”.

وتقول الصحيفة إن غزة هي أكبر فشل لبايدن، بل أكبر حتى من أوكرانيا، وبدلا من القيام وعلى حال السرعة بإصلاح الضرر، يقول المسؤولون في واشنطن إن وقف إطلاق النار لن يتحقق على الأرجح قبل تولي خليفته السلطة في كانون الثاني/ يناير، ومن هنا: ما هي سياسة الولايات المتحدة؟ الجواب بكلمة واحدة، الاحتواء.

وفي ظل عجز البيت الأبيض عن وقف الحرب، يبدو أنه عازم فقط على منع انتشارها قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر، خوفا من أن تضر بفرص كامالا هاريس والديمقراطيين.

وهذه ليست سياسة على الإطلاق، بل وسيلة  للتهرب وتعطي ضوءا أخضر للمتشددين والمتطرفين من جميع الأطراف، للقيام بأسوأ ما لديهم من تهور وفظاعة. ولهذا السبب، يتأرجح الشرق الأوسط  أكثر نحو الهاوية.

صحيفة أبوزيرفر البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




بعد تفجيرات البيجر: كم من الشركات في الغرب يحركها الموساد في مجال آليات وبرامج التشفير للتواصل؟

قامت إسرائيل بتفجير أجهزة المناداة «البيجر» يوم الثلاثاء ثم ووكي توكي يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري وتسببت في جرح الآلاف ومقتل العشرات، ما يطرح علامات استفهام وشكوك كبيرة على الأجهزة والبرامج الرقمية المستعملة في الاتصال، ثم كم من شركة تجسس إسرائيلية تختبئ وراء شركات في دول ثالثة. في الوقت نفسه، هل ستؤدي هذه التطورات إلى الرهان على برامج بديلة مثلما يحدث في السلاح؟ وفي كل الحروب ومنذ القدم، تعمد الجيوش إلى ضرب أدوات التواصل بين مختلف مكونات جيش العدو بهدف ضرب التنسيق بين الوحدات، ما يعجّل بهزيمة العدو. ويدخل تنفيذ عمليتي إسرائيل يومي الثلاثاء والأربعاء في هذه الخانة، أي تصفية استباقية لما أمكن من القادة السياسيين والعسكريين لإضعاف حزب الله وزرع الرعب وغياب الثقة في القواعد، غير أنها أخطأت التقدير بسبب عدم سقوط قيادات كبرى في حزب الله خلال العمليتين بل غالبية الضحايا من المدنيين خاصة المنتمين إلى حزب الله.

وتعتبر عملية تفجير أجهزة الاتصال مثل «البيجر» معقدة، وتنقل جريدة «يديعوت أحرونوت» استنادا إلى مصادر استخبارية أمريكية أن إسرائيل خططت على مدى 15 عاما لعملية تفجير أجهزة المناداة «البيجر» السريعة. من جهة أخرى، تنفي تايوان أن تكون مصدر البيجر، والأمر نفسه مع بلغاريا بعدما أشيع استيراد هذه الأجهزة من هذا البلد الأوروبي. كما تنفي اليابان تصدير ووكي توكي المستعمل يوم الأربعاء في التفجير. ولا يمكن استبعاد عدم علم اليابان وبلغاريا باستعمال أراضيهما لعمليات مثل هذه بحكم مناورات الموساد في العالم في إنشاء شركات كثيرة كواجهة للعمليات الاستخباراتية المعقدة. ورغم كل هذا، يبقى غياب الحذر في شراء هذه الأجهزة والبرامج المستعملة فيها من مسؤولية خبراء حزب الله الذين لم يكونوا أذكياء في هذا الشأن، وهم العارفون بمدى مناورات الموساد في ملف أجهزة الاتصالات وبرامج التواصل عالميا.
ومنذ تأسيسه ومثل باقي الاستخبارات وخاصة التابعة للدول الكبرى، يسعى الموساد إلى محاولة السيطرة والتلاعب بأجهزة الاتصال لأنها طريقة فعالة للحصول على المعلومات وأشد المعلومات سرية. لهذا تستثمر الاستخبارات في الشركات الواجهة الخاصة بالتشفير وبيع معدات الاتصال وبرامج التواصل المجانية في محاولة لخداع المنافس والعدو في حالة استعمالها. ولعل من أكبر عملية تجسس في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية هي التي تتعلق باختراق المخابرات الألمانية والأمريكية ودور للموساد لشركة «كريبتو» السويسرية، التي كانت تبيع برامج وآلات التشفير لـ120 حكومة في العالم على مدى عقود، ومن ضمن الدول التي استخدمت آلات كريبتو إيران وباكستان وجميع الدول العربية. اعتقدت الدول أن مراسلاتها آمنة ومشفرة، لتنفجر الفضيحة سنة 2020 بأن كريبتو كانت تعمل بتنسيق مع المخابرات الأمريكية التي كانت تطلع على مضامين الرسائل المشفرة وتزود الموساد بكل ما يتعلق بالشرق الأوسط.
وعلى ضوء هذا، كم من الشركات التي أنشأها الموساد في عدد من مناطق العالم أوهمت دولا وهيئات وخبراء بأنها توفر السرية في الاتصالات؟ في هذا الصدد، وعلاوة على الخداع في الأجهزة، تعتبر إسرائيل من الدول الرئيسية التي تتلاعب ببرامج الاتصال وبرامج التشفير مثل VPN التي أصبحت ضرورية لحماية البيانات في شبكة الإنترنت، وكذلك الشركات التي تقدم خدمات البريد الإلكتروني الآمن. وعادة ما يتجنب الكثير من الخبراء استعمال خدمات البريد المشفر لشركات في سويسرا وإيسلندا لأن الدولتين توفران الأمن السيبراني وتحترمان الخصوصية ولا يوجد تخوف من وجود استخبارات وراءها مثل حالة كريبتو. وفي المقابل، يراهنون على خدمات البريد الإلكتروني العادي مثل جيميل وياهو وهوتميل مع تطبيق برامج مشفرة خاصة بهم. في الوقت ذاته، تدرك بعض الدول مدى تورط إسرائيل في هذه الممارسات، لهذا أنشأت ما يسمى قاموس لغة خاصة بها يستعمل القنوات العادية في التواصل ولكن تكون عملية فك معاني الكلمات صعبة للغاية، ويبقى الأسلوب الأنجع رغم أنه الأقدم في التجسس.
وفي الوقت الذاته، تحاول إسرائيل السيطرة على برامج التواصل، وكان تالمون ماركو الذي عمل في وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هو الذي أنشأ برنامج «فيبر» الذي كان الأكثر استعمالا في العالم قبل واتسآب وتلغرام. وساور الكثير من الدول القلق من خطورة البرنامج بسبب ارتباطه بإسرائيل. وكانت أصوات كثيرة قد طالبت بعدم استعمال فيبر. وعندما تخلت أغلبية العالم عن استعمال فيبر لصالح واتسآب ثم تلغرام، لجأت إسرائيل إلى اختراع برامج التجسس المتطورة على شاكلة بيغاسوس لاختراق هواتف رؤساء دول وحكومات وصحافيين وحقوقيين وقادة عسكريين بحكم عدم تحكمها في برامج مثل واتسآب وسينيال وتلغرام.
ونظرا للخطورة التي بدأت تشكلها هذه البرامج في الحروب السيبرانية خاصة في رصد واغتيال السياسيين والمقاومين مثل حالة فلسطين ولبنان، بدأ الرهان المحتشم على أجهزة وبرامج تواصل من إنتاج الصين وروسيا. ومن أبرز هذه البرامج تلغرام وهو الوحيد الذي يعتقد أنه لا تستطيع المخابرات الغربية الوصول إلى مضمونه، عكس الأخرى الأمريكية مثل سينيال وواتسآب، حيث توجد اتفاقيات سرية بين هذه الشركات والاستخبارات الغربية، للتعاون تحت مسميات شتى ومنها «حماية الأمن القومي الأمريكي». كما أن تلغرام عكس باقي البرامج، يتميز بخاصيات منها التشفير القوي للدردشات السرية، وحجم التخزين وقنوات التواصل الجماعية. وعلى ضوء هذا، يجب فهم اعتقال ثم الإفراج في فرنسا عن مخترع تلغرام بافيل دوروف نهاية شهر آب/أغسطس الماضي.
ومن باب المقارنة، وعت الكثير من الدول ومنها العربية مدى تحكم الغرب في الأسلحة التي تشتريها، وكيف لا يمكن استعمالها مثلا في مهاجمة إسرائيل. ولهذا، بدأت دول مثل السعودية ومصر تفكر في السلاح الروسي. وما يحدث في مجال الأسلحة يحدث في مجال التواصل والاتصالات، لأن جيوشا واستخبارات بدون أجهزة تواصل وبرامج اتصالات آمنة تخسر المعارك قبل بدايتها.

حسين مجدوبي

صحيفة القدس العربي




جرائم حرب موثقة.. كيف أفلت الجنود الأمريكيون من المحاسبة بتواطؤ الجيش؟

تنطوي الحرب على عنف لا يوصف، وكثير منه قانوني تمامًا. ومع ذلك، هناك بعض أعمال العنف بغيضة لدرجة أنها تقع خارج حدود القانون. وعندما يكون الجناة من أفراد الخدمة الأمريكية، يُفترض أن يحاسبهم الجيش الأمريكي، كما يُفترض أيضًا أن يحتفظ الجيش بسجلات المخالفات بطريقة منهجية؛ لكن الجيش فشل في القيام بذلك، مما جعل الجمهور غير قادر على معرفة ما إذا كان سيقدم الجيش أفراده إلى العدالة عن الفظائع التي ارتكبوها.

ولمعالجة هذا الفشل؛ قام فريق إعداد التقارير في برنامج “في الظلام” بتجميع أكبر مجموعة معروفة من التحقيقات في جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبت في العراق وأفغانستان منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، حيث بلغ العدد حوالي 800 حادثة في المجموع. وخلص التقرير إلى أن الجيش لا يوفر الشفافية ولا العدالة في كثير من الأحيان.

تتيح قاعدة البيانات، لأول مرة، إمكانية الاطلاع على مئات المزاعم المتعلقة بجرائم الحرب – التي تلطخ سمعة الأمة – وذلك في مكان واحد، إلى جانب نتائج التحقيقات والملاحقات القضائية. إن الصورة التي تظهر من خلال هذه المعلومات مثبطة للهمم؛ حيث إن غالبية الادعاءات المدرجة في قاعدة البيانات قد تم رفضها ببساطة من قبل المحققين. أما تلك التي لم يتم التعامل معها، فعادةً ما تُترك لتتعامل معها القيادة في نظام قضائي يمكن أن يكون متسامحًا مع المتهمين وغير مصدق للضحايا.

بدأت قاعدة البيانات بتقرير “في الظلام” عن قتل المدنيين في حديثة بالعراق في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005. ففي ذلك الصباح، أصيبت فرقة من مشاة البحرية بقيادة الرقيب فرانك ووتريتش بعبوة ناسفة بدائية الصنع، مما أدى إلى مقتل عريف بحري محبوب. وفي الساعات التي تلت ذلك، قتل جنود المارينز رجالاً ونساءً وأطفالاً في الشارع وفي المنازل المجاورة. واتُهم أربعة من هؤلاء المارينز، بمن فيهم ووتريتش، بالقتل. وأُسقطت ثلاث من قضاياهم فيما بعد، وعندما ذهب ووتريتش للمحاكمة، سُمح له بالاعتراف بالذنب في تهمة واحدة هي التقصير في أداء الواجب.

وقام القاضي بتخفيض رتبة ووتريتش. وقال هيثم فرج، محامي ووتريتش، عن الحكم: “إنها في الأساس مخالفة وقوف السيارات؛ إنها بلا معنى”. لقد أردنا أن نفهم كيف توصلت محاكمة كبيرة ومعروفة جيدًا لجرائم الحرب إلى نتيجة بهذا القدر الضئيل من الأهمية. وهل كانت هذه حالة شاذة أم أنها نموذجية في نظام القضاء العسكري؟

بدأنا بتقديم طلبات إلى الجيش بموجب قانون حرية المعلومات. ففي سنة 1974، في أعقاب المذبحة التي راح ضحيتها مئات المدنيين في ماي لاي بفيتنام، والملاحقات القضائية الفاشلة لنحو عشرين من أفراد الجيش بتهمة القتل، بدأت وزارة الدفاع في مطالبة كل فرع من فروع الجيش بالاحتفاظ بـ “مجموعة مركزية من التقارير والتحقيقات” حول مزاعم ارتكاب أفراده جرائم حرب.

ومع ذلك، عندما قدمنا طلبات للحصول على السجلات العامة لمحتويات مجموعة كل فرع، لم نحصل على الكثير في المقابل. وأرسلت لنا وزارة البحرية، التي تضم سلاح مشاة البحرية، رسالة تقول فيها إنها حددت موقع “مستودعها” ولكن “لم يكن المستودع يحتوي على أي سجلات”.

ومع عدم وجود خيار آخر، بدأنا في البحث في المقالات الإخبارية المؤرشفة، وتقارير حقوق الإنسان، والمجلات القانونية والطبية، ومستودع هائل من السجلات المتعلقة بالتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين التي حصلت عليها وحدة مكافحة التعذيب خلال أربعة عشر سنة من التقاضي.

بحثنا عن حوادث مثل إطلاق النار العشوائي على المدنيين، وقتل أو تعذيب جرحى الأعداء، وإساءة معاملة المعتقلين أو إهمالهم المتعمد، وكلها أمثلة على جرائم الحرب. لقد قصرنا بحثنا على الأحداث التي يمكن مقارنتها بشكل عام بحادثة حديثة: مزاعم العنف التي ارتكبها أفراد الخدمة الأمريكية أو الوفيات التي حدثت في العراق وأفغانستان بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001. واستثنينا الحوادث غير العنيفة، مثل سرقة القطع الأثرية وعمليات القتل بواسطة غارات الطائرات المسيرة، والتي لا يتم التعامل معها عادةً كجرائم.

وعندما اكتشفنا معلومات جديدة عن حوادث، قدمنا طلبات بموجب قانون حرية المعلومات للحصول على السجلات ذات الصلة. وفي كثير من الأحيان، قيل لنا إنه ما لم نتمكن من تقديم الأسماء، وخاصة أسماء الجناة، فإن الوكالات لن تتمكن من إجراء عمليات البحث عن الوثائق. وعندما قدمنا الأسماء؛ رفضت بعض الإدارات الإفصاح عن السجلات، متذرعةً بحقوق الخصوصية للأشخاص الذين حددنا هويتهم.

وتبين لنا أن العديد من القضايا تم التعامل معها بشكل غير قضائي، حيث اعتُبرت مسائل شخصية في الأساس، وأن تلك السجلات معفاة من قانون حرية المعلومات. كما أن القضايا التي انتهت بالتبرئة أو الرفض كانت معفاة أيضًا، وغالبًا ما يتم إتلاف الملفات المتعلقة بها. وبالتالي؛ فإن العديد من السجلات الأساسية التي يمكن الوصول إليها بسهولة في أي محكمة مدنية في أمريكا تبقى بعيدة المنال في نظام القضاء العسكري.

وبمساعدة فريق متخصص في قضايا قانون حرية المعلومات، رفعنا دعاوى قضائية ضد الجيش مرارًا وتكرارًا. وعلى مدى أربع سنوات؛ قدمت لنا الوكالات ما يكفي من الوثائق التي ساعدتنا، بمساعدة مصادر أخرى، في تجميع مجموعة تضم 781 جريمة حرب محتملة، ارتُكبت ضد أكثر من 1800 ضحية مزعومة، والتي أخذها الجيش الأمريكي على محمل الجد بما يكفي للتحقيق فيها.

ولتحليل قاعدة البيانات، استشرنا جون رومان، الباحث في مركز أبحاث القانون الجنائي بجامعة شيكاغو، والمتخصص في التحليل الكمي لنظام العدالة الجنائية المدنية. وأبدى رومان انزعاجه من النتائج. وقال رومان: “لقد وصل الأمر إلى حد التساؤل عما إذا كانت العدالة تشكل أولوية هنا أم أن هناك أمرً آخر يشكل أولوية أكبر من العدالة”.

ومن بين الحالات الـ781 التي توصلنا إليها، رفض المحققون ما لا يقل عن 65 بالمائة من هذه الحالات، لأنهم لم يصدقوا أن جريمة ما قد وقعت. وكان الجنود يعودون إلى الولايات المتحدة ويعترفون ـ أمام النساء والعاملين في مجال الرعاية الصحية ومسؤولي مقابلات التوظيف ـ بأنهم قتلوا مدنيين أو سجناء، ولكن المحققين العسكريين كانوا يجدون أن هذه المزاعم لا يمكن إثباتها.

كما أبلغ المعتقلون في سجن أبو غريب عن تعرضهم للإساءة من قِبَل حراسهم، ولكن المحققين لم يجدوا أدلة كافية تؤكد حدوث ذلك. وكان المدنيون الذين كانوا يقودون سياراتهم بسرعة مفرطة أو يتصرفون بتهور يُقتَلون بالرصاص عند اقترابهم من نقاط تفتيش المرور، واعتبر المحققون أن هذه عمليات القتل تشكل تصعيدًا مقبولاً لاستخدام القوة، كما عُثر على شباب فاقدين للوعي في سجن معسكر بوكا، وعُزِيَت وفاتهم إلى أسباب طبيعية.

ولكن في 151 حالة، وجد المحققون أسبابًا محتملة للاعتقاد بأن جريمة قد وقعت، أو أن قواعد الاشتباك قد انتهكت، أو أن استخدام القوة لم يكن مبررًا. وتشمل هذه الحالات حالة اغتصاب الجنود لفتاة تبلغ من العمر أربعة عشر سنة ثم قتلها هي وعائلتها، ومقتل رجل على يد جندي من القوات الخاصة الأمريكية والذي قطع أذن ضحيته واحتفظ بها، والقسوة في التعامل مع المعتقلين في سجن أبو غريب وفي مركز الاحتجاز في قاعدة باغرام الجوية.

وكانت هذه جرائم – حتى نظام العدالة العسكرية الذي يعاني من صعوبة جمع الأدلة في مناطق الحرب والتسامح مع الأخطاء القاتلة في الحكم – قد حددها باعتبارها جرائم تستحق الملاحقة القضائية أو العقوبة. ولكن حتى في هذه الحالات، كانت المساءلة الحقيقية نادرة.

لقد حددنا 572 متهمًا مرتبطين بهذه القضايا الجنائية الـ151. ولم تتم إدانة سوى 130 منهم. وتُظهِر السجلات أنهم نادرًا ما تلقوا أحكامًا بالسجن لفترات طويلة. وفي كثير من الأحيان، كانت قضاياهم تُدار من قِبَل القادة، الذين يتمتعون بسلطة تقديرية واسعة لمعاقبة قواتهم بواجبات إضافية، أو خفض رتبهم، أو توبيخهم، متجنبين بذلك الملاحقة القضائية الرسمية بالكامل. (ولم يواجه القادة أنفسهم أبدًا تقريبًا عواقب أفعال مرؤوسيهم السيئة).

ويبدو أن أقل من واحد من كل خمسة متهمين حُكِم عليهم بأي نوع من أنواع الحبس، وكان متوسط الحكم ثمانية أشهر فقط. وقال رومان: “إن معدلات الإدانة ومعدل الحكم على هذه الأنواع من الجرائم الخطيرة للغاية أقل كثيرًا مما قد تراه في النظام المدني”.

لقد أرسلنا ملخصات لنتائجنا إلى الجيش والبحرية وسلاح مشاة البحرية والقوات الجوية، وطلبنا فرصة لتقديم تفاصيل تحليلنا إلى قادتهم. ولم يقبل أي منهم العرض. ورد الجيش بأنه “يلزم الجنود والمدنيين في الجيش بأعلى معايير السلوك الشخصي”، كما لم يستجب سلاح مشاة البحرية للرد.

إن ما ننشره ليس سجلاً كاملاً للفظائع التي ارتكبتها القوات العسكرية منذ 11 أيلول/ سبتمبر، فمن المستحيل أن نعرفها جميعًا. وهذا مستودع لـ 781 جريمة حرب محتملة حقق فيها الجيش الأميركي وتمكنا من تحديدها. ويمكنك استكشاف فهرس المعلومات حول الحوادث، ونتائج التحقيق، ونتائج التحكيم، والمواد المصدرية التي نعتمد عليها.

وفيما يلي نعرض روايات مفصلة عن الـ 151 حالة حددها المحققون على أنها جنائية. فلكل منها قصتها الخاصة، ولكن الكثير منها تبدأ وتنتهي بنفس الطريقة: بعمل مروع ارتكبه أفراد من الجيش ثم عوقبوا عليه بشكل خفيف أو لم يعاقبوا عليه على الإطلاق.

151 حالة

572 متهمًا

130 مدانًا

طبيعة الحادث الموقع الخدمة
الاعتداء 56  – السرقة 6جريمة قتل 39 – اختطاف 2إساءة 30 – الاعتداء الجنسي 1جرائم قتل متعددة 17 العراق 119أفغانستان 30غير معروف 2 الجيش 125مشاة البحرية 19البحرية 6غير معروف 1

المصدر: نيويوركر

ترجمة: موقع نون بوست




فورين بوليسي: قيادة منظمة الدول الأمريكية تواصل في تحد لرغبات أعضائها دعم حرب نتنياهو في غزة

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أعدته فرنسيشكا إيمانويل قالت فيه إن موقف منظمة الدول الأمريكية المؤيد لإسرائيل قد يؤدي لتلاشي شرعيتها في الجزء الغربي من الكرة الأرضية.

وأوضحت أن دول أمريكا اللاتينية والكاريبية ظلت طوال الحرب على غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر في مقدمة الجهود العالمية لوقف حمام الدم في غزة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين. واستدعت الكثير من دول المنطقة سفراءها أو قطعت علاقاتها مع إسرائيل بسبب الحرب وأكثر من أي مكان في العالم بما فيه العالم العربي ودول الساحل والصحراء الإفريقية. ووصف المسؤولون في نصف دول أمريكا اللاتينية والكاريبي أفعال إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية، واتخذ بعضهم خطوات للضغط على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية العشوائية هناك. وكانت كولومبيا مثلا من بين الدول الأكثر نقدا لإسرائيل في أمريكا اللاتينية، وعلقت مشتريات السلاح منها وأوقفت تصدير الفحم الحجري إلى إسرائيل التي كانت تشتري 50% منه سنويا.

ورغم المواقف التي أبدتها دول المنطقة من الحرب، إلا أن المنظمة التي تتخذ مقرا لها في العاصمة الأمريكية واشنطن ويطلق عليها “منظمة الدول الأمريكية”، وهي المنبر الرئيسي للحوار في النصف الغربي للكرة الأرضية لم تعبر عن هذه المشاعر المؤيدة للحق الفلسطيني.

ورأت الكاتبة أن تباين موقف المنظمة سيؤدي لتآكل شرعيتها في المنطقة وقد يدفع الدول إلى المنظمات الأخرى البديلة التي لا تمارس فيها الولايات المتحدة تأثيرا كبيرا.

تباين موقف المنظمة سيؤدي لتآكل شرعيتها في المنطقة وقد يدفع الدول إلى المنظمات الأخرى البديلة التي لا تمارس فيها الولايات المتحدة تأثيرا كبيرا

وقد شجب الأمين العام للمنظمة لويس ألماغرو هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي قتل فيها 1,200 شخص في جنوب إسرائيل، واصفا الهجمات بالإرهابية وأكد على حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها. لكنه لم يقل شيئا منذ ذلك الوقت ومع ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين إلى أكثر من 40,000 والحاجة لحماية حقوق المدنيين الفلسطينيين، ولم يشجب التقارير عن التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين. ويعتبر موقف ألماغرو متناقضا مع نظيره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي طالب بوقف فوري للنار في غزة.

ولا يتناقض موقف ألماغرو الداعم لإسرائيل وحقها بالدفاع عن النفس مع المبادئ المعلنة لمنظمة الدول الأمريكية للدفاع عن حقوق الإنسان، بل تعتبر مواقفه انفصاما بين قيادة المنظمة وقرارات التصويت التي اتخذتها غالبية الدول الأعضاء فيها.

فمن بين ثلاثة قرارات عن إسرائيل- فلسطين ناقشتها الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأشهر الـ11 الماضية، اثنان منها يتعلقان بهدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وثالث يتعلق بعضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، عارضت ثلاث دول في المنظمة القرارين الأولين، وعارضت اثنتان القرار الثالث. وكانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي عارضت القرارات الثلاثة.

ولعبت منظمة الدول الأمريكية في أثناء الحرب الباردة دورا في شرعنة الأنظمة الاستبدادية مثل نظام أوغستو بينوشه في تشيلي، حيث عقدت مؤتمرها السنوي عام 1979 في العاصمة سانتياغو. وانحازت منظمة الدول الأمريكية إلى تدخلات عسكرية معادية للديمقراطية دعمتها ونفذتها الولايات المتحدة مثل الانقلاب العسكري في غواتيمالا عام 1954.

وبعد عقود من الزمان، يبدو أن المحافظين الجدد وغيرهم من الفصائل المتشددة في واشنطن والحلفاء في مختلف أنحاء الأمريكيتين، لا يزالون يتمتعون بنفوذ في على المنظمة، الأمر الذي يعوق قدرتها على العمل كهيئة ديمقراطية حقيقية متعددة الأطراف تمثل البلدان الواقعة في النصف الغربي للكرة الأرضية.

يبدو أن المحافظين الجدد وغيرهم من الفصائل المتشددة في واشنطن والحلفاء في مختلف أنحاء الأمريكيتين، لا يزالون يتمتعون بنفوذ كبير في المنظمة، الأمر الذي يعوق قدرتها على العمل كهيئة ديمقراطية حقيقية متعددة الأطراف

وتقول المجلة إن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل والمصدر الرئيسي للدعم العسكري والاقتصادي والسياسي، هي المساهم المالي الأكبر في منظمة الدول الأمريكية، مما يمنح واشنطن نفوذا كبيرا على أجندتها. ومع ذلك، فإن هذا النفوذ وحده لا يفسر أبدا، الموقف المتصلب الذي تتبناه قيادة منظمة الدول الأمريكية من الحرب. بل وهناك شبكة عابرة للدول من السياسيين والناشطين اليمينين المتطرفين والمنظمات التي تمارس وخلال الفترتين لألماغرو دورا كبيرا على المنظمة المتعددة الأطراف، وذلك بحسب عدد كبير من المسؤولين البارزين الحاليين والسابقين في منظمة الدول الأمريكية.

ففي عام 2020، استقبل الماغرو زعيم فوكس، الحزب اليميني المتطرف في إسبانيا، سانتياغو أبسكال في الأمانة العام لمنظمة الدول الأمريكية في واشنطن. وأشاد أبسكال بالمنظمة كجسر مهم للمنظمات السياسية التي تحمل أفكارا تعارض “اليسار المتطرف”. وحاول الحصول على دعم الماغرو لدعم “منتدى مدريد” الناشئ، وهو تحالف ينسق الجهود المحافظة لمعارضة الحركات التقدمية في جميع أنحاء العالم. ويضم المنتدى الرئيس الأرجنتيني المتطرف خافيير ميلي، ويحظى بشكل مستمر بالعلاقة مع الأمانة العامة لمنظمة الدول الأمريكية، كما بدا في اجتماع عقد في شهر آذار/مارس بواشنطن.

وعملت المنظمة طوال فترة رئاسة الماغرو على بناء علاقات قوية مع الحكومة الإسرائيلية والشبكات اليمينية التي تدعم عملياتها العسكرية المستمرة واحتلالها للأراضي الفلسطينية.

وفي عام 2017، وبعد وقت قصير من صدور تقرير للأمم المتحدة يتهم إسرائيل بإنشاء “نظام فصل عنصري” ضد الفلسطينيين، سافر ألماغرو إلى القدس وأشاد بحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كشريك إقليمي رئيسي، مشيرا إلى “التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان”.

كما ظهر الأمين العام لمنظمة الدول الأمريكية بشكل رسمي غير مسبوق في مؤتمرات لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) وهي مجموعة الضغط المؤيدة لإسرائيل والتي من المتوقع أن تنفق 100 مليون دولار هذا العام لهزيمة المرشحين التقدميين للكونغرس الأمريكي.

وقد ظهرت هذه الروابط الوثيقة بين منظمة الدول الأمريكية وإسرائيل عبر سياسات تكشف عن تحيز مثير للقلق. ففي عام 2019، تبنى ألماغرو تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست المثير للجدل لمعاداة السامية بالنسبة لمنظمة الدول الأمريكية، والذي تم نشره عالميا لقمع الانتقادات الموجهة لإسرائيل. ولم تتبن الأمم المتحدة ولا أي من منظمات حقوق الإنسان الدولية الرائدة تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست.

وفي عام 2021، قام الأمين العام للمنظمة باستحداث “مفوضية لمراقبة ومكافحة معاداة السامية” بدون أن يستحدث أدوارا مماثلة في داخل أمانته لمعالجة العنصرية ضد السود الأصليين في نصف الكرة الغربي الذين كانوا ضحايا لظلم تاريخي صارخ ومنهجي، وهم في كثير من الأحيان أهداف لجرائم الكراهية اليوم – بما في ذلك في الولايات المتحدة. كما ويمثلون معا تجمعا سكانيا هو أكبر بنسبة 3000% من اليهود في المنطقة. وأشار المسؤولون في منظمة الدول الأمريكية الذين تمت استشارتهم لهذا المقال إلى أن المنظمة فقدت نزاهتها السياسية على مدى العقد الماضي.

وعلى النقيض من ألماغرو، حافظ سلفه، خوسيه ميغيل إنسولزا، الذي قاد المنظمة من عام 2005 إلى 2015، على نهج متوازن بإدانة الأعمال العسكرية الإسرائيلية ودعم دعوات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار خلال الحرب التي استمرت خمسين يوما في غزة في عام 2014.

وعملت منظمة الدول الأمريكية في ظل إنسولزا، على بناء منبر يمكن من خلاله التعبير عن وجهات نظر مختلفة بشأن الصراع، بما يتماشى بشكل وثيق مع المبادئ الديمقراطية للمنظمة. وهذه المرة، كرمت الجماعات التي تدعم حرب إسرائيل في غزة ألماغرو. ففي نيسان/أبريل، منحته المنظمة جائزة “لعمله في مكافحة معاداة السامية”. وقد هيمن على الحدث، الذي أقيم في مقر منظمة الدول الأمريكية في واشنطن، متحدثون من أقصى اليمين نددوا بالحكومات الإقليمية التي استخدمت التدابير الدبلوماسية لمحاولة تحقيق وقف إطلاق نار دائم في غزة. وكان من بين الحاضرين النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار المدافعة القوية عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي أشارت ضمنا إلى أن ستة رؤساء من أمريكا اللاتينية حرضوا على جرائم الكراهية ضد اليهود بمعارضتهم الصريحة للحرب بين إسرائيل وحماس.

وقبل خمسة أشهر فقط، في مقطع فيديو قدمته لتأييد المرشح آنذاك – والرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف الآن – خافيير ميلي، أشادت سالازار بالأرجنتين لأنها “عرق واحد”، مستشهدة بالفكرة العنصرية الزائفة بأن الأرجنتين بلد ينحدر من الأوروبيين البيض ويمحو سكانها السود والسكان الأصليين.

في الوقت الحالي، لا تفكر أي دولة عضو في منظمة الدول الأمريكية بمناقشة الحرب في غزة داخل المنظمة. وبدلا من ذلك، لجأت العديد من الدول إلى تجمعات إقليمية أخرى، مثل مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنظمة البحر الكاريبي

وفي الوقت الحالي، لا تفكر أي دولة عضو في منظمة الدول الأمريكية بمناقشة الحرب في غزة داخل المنظمة. وبدلا من ذلك، لجأت العديد من الدول إلى تجمعات إقليمية أخرى، مثل مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنظمة البحر الكاريبي، وهي منظمة متعددة الأطراف تضم جميع بلدان الأمريكيتين باستثناء الولايات المتحدة وكندا، حيث دعت 24 دولة إلى وقف فوري لإطلاق النار في وقت مبكر من شهر أذار/مارس.

وفي تموز/يوليو، استخدمت البرازيل نفوذها الإقليمي بتحالف ميركوسور لتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع السلطة الوطنية الفلسطينية. وحتى مجموعة دول البحر الكاريبي المكونة من 14 دولة والتي كانت لوقت قريب مترددة بالتعبير عن مواقف واضحة من النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، بسبب التأثير الأمريكي، اتحدت ضمن منظمة مجتمع الكاريبي واعترفت بدولة فلسطين وعارضت الحرب. واعترفت 32 دولة من بين 35 دولة في الأمريكيتين بدولة فلسطين، اعترفت أربع منها بفلسطين بعد اندلاع الحرب في غزة العام الماضي.

واصلت المنظمة في ظل قيادة لويس الماغرو الانحراف بعيدا عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تأسست من أجل الدفاع عنها

ولكن قيادة منظمة الدول الأمريكية واصلت، وفي تحد لرغبات الدول الأعضاء بتقديم الغطاء الدبلوماسي للعنف الذي ترتكبه حكومة نتنياهو، التي تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية في محكمة العدل الدولية – وهي القضية التي تدعمها سبع دول من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

وتختم المجلة تحليلها بالقول إن المنظمة واصلت وفي ظل قيادة الماغرو الانحراف بعيدا عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي من المفترض أنها تأسست من أجل الدفاع عنها. وإذا ظلت منظمة الدول الأمريكية على مسارها الحالي، متجاهلة بل وحتى معارضة لآراء العديد من أعضائها، فمن المرجح أن ينظر إليها وبشكل متزايد بأنها غير مهمة وفي معظم أنحاء المنطقة.

مجلة فورين بوليسي

ترجمة ابراهيم درويش




فشل أميركا في عزل روسيا إعلامياً يدفع الغرب الى التضييق على حرية التعبير

سعت أميركا الى عزل روسيا منذ ما قبل اندلاع الصراع في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، لكنها زادت من حجم ضغوطها وسياساتها الرامية الى عزل روسيا سياسياً وثقافياً وإعلامياً عن الدوائر الجيوسياسية القريبة منها والبعيدة بشكل مكثف يتطور باضطراد، دون أن يؤدي الى نتائج ملموسة، بما يثبت عدم فعالية السياسات الأميركية والغربية تجاه روسيا.

أحدث الإشارات في هذا الصدد تتمثل في القمة الإعلامية لمجموعة البريكس المزمع عقدها في موسكو من 13 الى 17 سبتمبر/ أيلول الجاري. تعد هذه القمة هي السادسة من نوعها، وهي تمهد لعقد القمة السنوية لزعماء وقادة دول البريكس في الشهر المقبل.

عقدت القمة الإعلامية الأولى في بكين عام 2009، فيما عقدت القمة الثانية في موسكو عام 2012، بمبادرة من وكالة تاس الروسية. عام 2016 عقدت القمة لثالثة في العاصمة القطرية الدوحة، وبسبب جائحة كورونا عقدت القمة الخامسة عبر تقنية الأونلاين. وصولاً الى القمة السادسة التي انعقدت في مدينة غوانغتشو الصينية العام الماضي.

يعكس توالي القمم الإعلامية وتراجع الفجوة الزمنية بينها، حيث باتت ذات طابع سنوي، الى الاهتمام العالمي المتزايد بتقصي أخبار تكتل البريكس، والحصول على المزيد من المعلومات والتقارير الإعلامية عن دولها، ولا سيما المؤسسة بينها وبشكل خاص روسيا والصين.

وهذا ما يمكن تبينه من خلال زيادة إقبال المشاركين في القمة الإعلامية السادسة في موسكو من الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام من مختلف أصقاع المعمورة. هذا الإقبال الإعلامي الكثيف يدحض الدعاية التي يروجها الإعلام الغربي حول افتقار روسيا الى حرية التعبير، ويقوض استراتيجيات الغرب وعلى رأسه أميركا في عزل روسيا. والحال أن روسيا حولت محاولات عزلها من قبل الغرب الى فرص لتطوير علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ولا سيما تلك التي لا تخضع لتأثير النفوذ الأميركي.

وهنا لا بد من التذكير بأن واحداً من أهم المبادئ الصحفية الراسخة في عالم الإعلام هي دوره في تقديم رواية موضوعية، وتفسير واضح وصادق وخالي من التحيز السياسي لأي طرف في الأحداث الجارية، بالإضافة الى تقديم التحليلات الموضوعية والعميقة التي تساعد صناع القرار في الدول على تحديد ورسم السياسات الخارجية لدولهم بشكل أكثر موثوقية. ولأن الإعلام يعد من أبرز أدوات العلاقات الدولية، فإن الإعلام الموضوعي يدخل ضمن أشكال وأنماط العلاقات الدولية التي تعد من المبادئ التي يسعى تكتل البريكس الى تحقيقها، أجل إعادة التوازن الى النظام العالمي وتقليص تدخل الغرب في شؤون الدول الفقيرة والنامية.

تظهر القمة الإعلامية السادسة لتكتل البريكس بأن العالم المعاصر يتوق الى الخروج من الأحادية القطبية وتأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. لكن ذلك يستفز الغرب ويدفعه الى تشديد الضغوط على الصحفيين ووسائل الإعلام على اختلاف أنواعها الناعمة، من أجل حجب المواد الإعلامية الموضوعية المتعلقة بالشأن الروسي، سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، مقابل إتاحة الفرصة للمواد المتحيزة والمؤدلجة الحافلة بالمزاعم والأكاذيب، بهدف تشويه صورة روسيا في العقل الجمعي الغربي.

في المنتدى الاقتصادي الشرقي الذي عقد من أيام قليلة في مدينة فلاديفوستوك في الشرق الأقصى الروسي، كان من المتوقع حضور عدد كبير من الصحفيين الغربيين عطفاً على الطلبات التي قدموها الى السلطات الروسية. لكن عددهم كان أقل من المتوقع، وذلك نتيجة قيام السلطات الغربية بتوجيه تحذيرات الى كل الصحفيين تفيد بحرمانهم من الدعم القنصلي في الأراضي الروسية، وبأن الرحلة ستكون على مسؤوليتهم الشخصية. وهذا ما دفع بالكثير من الصحفيين الى الإحجام عن الحضور، ليس بدافع الخوف، بل لأنهم التقطوا الرسالة الكامنة خلف هذه الرسائل: “لا تذهبوا الى روسيا”.

علماً أن روسيا أبدت ترحيبها بكافة وسائل الإعلام غير المنحازة، وكذلك الحال بالنسبة الى الصحفيين. وأكبر مثال على ذلك هو الصحفي الأميركي تاكر كارلسون الذي حضر الى روسيا وأجرى مقابلة مع الرئيس فلاديمير بوتين حطمت الأرقام القياسية على صعيد المشاهدات، بما يعكس توق جماهير الغرب للاستماع الى وجهة نظر روسيا وروايتها للأحداث.

الشهرة التي حظي بها كارلسون وزيادة عدد متابعيه بشكل قياسي، دفعت بالكثير من الصحفيين والإعلاميين الى إبداء الرغبة في تقديم مواد إعلامية عن روسيا، بما يمكنهم من صنع اسم لأنفسهم في عالم الصحافة والإعلام والارتقاء في المهنة، لكن العقبات التي يواجهونها في بلدانهم وتقييد حرية التعبير يجعلهم مترددين.

إزاء ما سبق، فإن اتهام مصادرة حرية التعبير الذي يحاول الغرب إسقاطه على روسيا، وعلى كل دولة غير خاضعة لنفوذه وتأثيره، يصبح اكثر انطباقاً على دول الغرب ولا سيما مع حجب وسائل الإعلام الروسية والضغوط غير القانونية والأخلاقية التي تمارس على مؤسس منصة تيليغرام الروسي.




من هو ميشال بارنييه الذي عيّنه ماكرون رئيساً للحكومة الفرنسية؟

مع تعيينه من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيساً للحكومة اليوم (الخميس)، يضع الرئيس الفرنسي حداً لشهرين من البحث عن تشكيل حكومة، تأخرت بفعل نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي لم تأت بأغلبية حزبية قادرة بمفردها على تعيين رئيس للوزراء.

فمن هو ميشال بارنييه المفاوض السابق للاتحاد الأوروبي في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع كبير مفاوضي المفوضية الأوروبية ميشال بارنييه في قصر الإليزيه بباريس يوم 31 يناير 2020 قبل ساعات قليلة من خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

أبرز مهامه

ولد ميشال بارنييه في 9 يناير (كانون الثاني) سنة 1951 في لا ترونش، إحدى ضواحي مدينة غرونوبل الفرنسية الألبية، حسب وكالة «رويترز» للأنباء.

تخرج العام 1972 من ESCP، وهو معهد لإدارة الأعمال الأوروبية في باريس، وفق موقع البرلمان الأوروبي.

انتخب عضواً في البرلمان الفرنسي سنة 1978 وعمره آنذاك 27 عاماً، ممثلاً لمنطقة سافوا الديغولية التي تميل نحو يمين الوسط.

شارك عام 1992 في تنظيم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في ألبرتفيل في دائرته الانتخابية، وهو الحدث الذي لا يزال محورياً لصورته العامة، وفق «رويترز».

شغل منصب وزير البيئة بين العامين 1993 و1995، ووزير فرنسا لأوروبا بين 1995 و1997.

تولى منصب مفوّض السياسة الإقليمية للاتحاد الأوروبي (1999 – 2004)، وهو منصب مسؤول عن المنح والإعانات التي تمثّل ثلث ميزانية الاتحاد.

تولى وزارة الخارجية الفرنسية (2004 – 2005)، ووزيراً للزراعة (2007 – 2009)، وانتخب عضواً في البرلمان الأوروبي (2009 – 2010).

شغل منصب مفوّض الاتحاد الأوروبي للسوق الداخلية والخدمات (2010 – 2014). تفاوض على تنظيم جديد واسع النطاق للأسواق المالية الأوروبية بعد الانهيار العالمي، بما في ذلك الإصلاحات غير الشعبية في مدينة لندن.

تم تعيينه عام 2016 مفاوضاً للاتحاد الأوروبي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء بريطانيا على الخروج من الكتلة فيما عُرف ببريكست.

فشل سنة 2021 في محاولة الحصول على ترشيح حزبه المحافظ للانتخابات الرئاسية لعام 2022.

رئيس فريق العمل للعلاقات مع المملكة المتحدة ميشال بارنييه خلال جلسة تصوير في 11 مايو 2021 في باريس (أ.ف.ب)

أنشطة أخرى:

بحسب موقع البرلمان الأوروبي، من أبرز المناصب الأخرى التي تولاها ميشال بارنييه:

رئيس الجمعية الفرنسية لمجلس البلديات والمناطق الأوروبية (1997 – 1999).

عضو في «مجلس الدولة» الفرنسي (2005 – 2016).

مستشار خاص لرئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه مانويل باروسو. قدّم تقرير «من أجل قوة حماية مدنية أوروبية: مساعدة أوروبا».

مستشار سياسي لحزب «الجمهوريين» منذ العام 2006. وتجدر الإشارة إلى أنّ حزب «الجمهوريين» محسوب على يمين الوسط.

نائب رئيس حزب الشعب الأوروبي (2006 – 2015).

رئيس مجموعة حزب الشعب الأوروبي المعنية بقضايا الدفاع والأمن الأوروبيين (2015).

لميشال بارنييه 10 مؤلّفات في السياسة والبيئة والاقتصاد بين العامين 1985 و2014، بحسب موقع البرلمان الأوروبي.

ميشال بارنييه من حزب «الجمهوريين» الفرنسي المحافظ يصل لحضور اجتماع طارئ دعا إليه زعماء حزب الجمهوريين في باريس 12 يونيو 2024 (رويترز)

طمأنة بروكسل

كتبت صحيفة «لوموند» الفرنسية، اليوم (الخميس)، في تعريفها بميشال بارنييه:

«أصبح (ميشال بارنييه) المفاوض السابق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رئيساً للوزراء، عن عمر يناهز 73 عاماً، في خضم أزمة سياسية، مع مهمة دقيقة تتمثل في إيجاد طريق في الجمعية الوطنية (البرلمان) المنقسمة إلى ثلاث كتل، في أعقاب الانتخابات التشريعية للبرلمان في 30 يونيو (حزيران) و7 يوليو (تموز). ومن شأن خبرته الطويلة في ألغاز السلطة أن تساعده في مهمته».

وأضاف التقرير: «ميشال بارنييه، الذي سيتعين عليه طمأنة بروكسل، في حين أن فرنسا مستهدفة منذ يونيو بإجراءات العجز العام المفرط، يحظى باحترام على الساحة الأوروبية، التي عمل فيها لمدة خمسة عشر عاماً، حتى اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي تم الحصول عليه بعد صراع شاق في ديسمبر (كانون الأول) 2020».

وأشاد أعضاء اللجنة المفاوضة السبعة والعشرون بالمفوض الأوروبي السابق ميشال بارنييه، مركّزين على مهارته في إيجاد التوافق، وصبره ومثابرته، عندما كان المفاوض المعيّن لإتمام اتفاق، وفق «لوموند»، حتى أنّ رئيس الوزراء المجري المثير للجدل، فيكتور أوربان، يقدره. وقال عنه كليمان بون، وزير الدولة للشؤون الأوروبية آنذاك، في عام 2021: «إنه مفاوض جيد وشامل، وكان قريباً جداً منا».

شادي عبد الساتر

صحيفة الشرق الاوسط




“حزب البديل من أجل ألمانيا” يريد علاقات قوية مع بوتين

صعود اليمين المتطرف الألماني

يبدو أن اليمين المتطرف في ألمانيا قد حقق أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، حيث فاز في تصويت إقليمي في شرق البلاد يوم الأحد، وفقًا لتوقعات أولية.

بوتين هو الرابح الأكبر
وقد تكون النتيجة بمثابة “انتصار معنوي” للرئيس الروسي فلاديمير بوتن الذي عمل خلال الحرب الباردة جاسوسا لجهاز الاستخبارات السوفييتية في دريسدن في ألمانيا الشرقية آنذاك.

ويؤيد كل من حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إقامة علاقات قوية مع الكرملين، ويريدان وقف المساعدات العسكرية الألمانية لأوكرانيا.

إن حقيقة أن أكثر من 30% من الناخبين في كلتا الولايتين أيدوا حزب البديل من أجل ألمانيا، رغم ذلك، تشير إلى انعدام الثقة على نطاق واسع في الأحزاب والمؤسسات الرئيسية، وخاصة في شرق ألمانيا. وتُظهِر استطلاعات الرأي أن حزب البديل من أجل ألمانيا يتقدم أيضاً في ولاية براندنبورغ الشرقية، حيث سيتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر).

ضربة قوية للمركز السياسي الألماني
ووفقاً لتقرير “بوليتيكو” فإن انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية أثناء الحرب الباردة، يمثل ضربة قوية للمركز السياسي في ألمانيا ــ وخاصة للأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم بقيادة المستشار أولاف شولتز، والتي يبدو أنها عانت من خسائر كبيرة.

لقد جاء حزب البديل من أجل ألمانيا في المرتبة الأولى في ولاية تورينجيا بحوالي 33% من الأصوات، وفقًا للتوقعات الأولية. وإذا صمدت هذه النتيجة، فسوف تدفع إلى الكثير من البحث في الذات حول كيفية فشل الوسط في وقف عودة اليمين المتطرف إلى الظهور في الانتخابات على الرغم من التطرف المتزايد لحزب البديل من أجل ألمانيا.

وقالت أليس فايدل، إحدى القيادات الوطنية لحزب البديل من أجل ألمانيا: “بالنسبة لنا، إنه نجاح تاريخي”.

وفي ولاية ساكسونيا الأكثر اكتظاظا بالسكان، يبدو أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) من يمين الوسط قد نجح في صد اليمين المتطرف من خلال احتلاله المركز الأول بنحو 32% من الأصوات، في حين جاء حزب البديل من أجل ألمانيا في المرتبة الثانية بفارق ضئيل.

ويبدو أن الأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم ــ الحزب الديمقراطي الاجتماعي اليساري الوسطي الذي ينتمي إليه شولتز، والخضر، والحزب الديمقراطي الحر المحافظ مالياً ــ قد تكبدت خسائر كبيرة في انتخابات الأحد.

ففي تورينجيا على سبيل المثال، يبدو أن الخضر والحزب الديمقراطي الحر قد خرجا من برلمان الولاية بعد فشلهما في تلبية الحد الأدنى المطلوب للفوز بمقاعد.

الحزب الإشتراكي.. أكبر خسارة منذ 100 عام
ورغم أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي خسر قدراً أقل من الأرض في الانتخابات، فإن نتيجته كانت بائسة.

فقد خسر الحزب بالفعل قدراً كبيراً من أهميته في شرق ألمانيا، وهو الآن في طريقه إلى الخروج من أسوأ أداء له في انتخابات وطنية منذ أكثر من قرن من الزمان، في الانتخابات الأوروبية في حزيران (يونيو).

وقال كيفن كونيرت، الأمين العام للحزب: “بالنسبة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، هذه ليست أمسية للاحتفال”.

هل يتولى اليمين المتطرف السلطة؟
على الرغم من الأداء القوي لحزب البديل من أجل ألمانيا، فمن غير المرجح أن يتولى الحزب السلطة. فقد رفضت جميع الأحزاب الأخرى التي بدت وكأنها فازت بمقاعد في برلمانات الولايات في السابق الدخول في ائتلاف مع حزب البديل من أجل ألمانيا.

ولكن في تورينجيا، يمتلك الحزب أكثر من ثلث المقاعد، مما يسمح له بمنع قرارات معينة مثل تعيين قضاة في المحكمة الدستورية للولاية.

قد تستغرق عملية بناء الائتلاف أسابيع أو أشهر، نظراً للحسابات الانتخابية المعقدة ــ وقد تؤدي إلى تحالفات سياسية غريبة، حيث من المرجح أن يجد المحافظون الوسطيون أنفسهم يحكمون مع حزب يساري شعبوي بقيادة شيوعي سابق.

الهجرة وقود القرار الانتخابي
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الهجرة كانت من بين القضايا التي شغلت أذهان الناخبين. فقد أشار الناخبون في كل من تورينجيا وساكسونيا إلى الهجرة باعتبارها واحدة من القضايا الثلاث الأولى في أذهانهم، بالإضافة إلى الجريمة و”الحماية الاجتماعية”.

ووفقاً لاستطلاع رأي للتلفزيون العام الألماني، وافق 81% من الناخبين على العبارة التالية: “نحن في حاجة إلى سياسة لجوء ولاجئين مختلفة تماماً حتى يأتي إلينا عدد أقل من الناس”.

“السكين السوري” وتأثيره على الانتخابات
وجاء التصويت بعد هجوم بسكين مميت في مدينة زولينجن بغرب ألمانيا قبل عدة أيام، والذي جدد نقاشًا وطنيًا مشحونًا حول الهجرة والجريمة. ويُتهم المشتبه به في القضية، وهو رجل سوري يشتبه في أنه عضو في تنظيم الدولة الإسلامية، بقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العديد من الأشخاص الآخرين.

ووصف شولتز الهجوم بأنه “إرهاب”، وقبل الانتخابات الشرقية، أعلن وزراء في حكومته عن سلسلة من تدابير الهجرة الأكثر صرامة، وتعهدوا بترحيل المهاجرين الذين يرتكبون جرائم عنيفة وخفض المزايا لطالبي اللجوء في بعض الحالات.

اليمين المتطرف “شبابي”
وحقق حزب البديل من أجل ألمانيا مكاسب هائلة خاصة بين الناخبين الشباب في كلتا الولايتين، وفقًا لبيانات المسح الأولية . ففي تورينجيا، احتل الحزب المركز الأول بنسبة 37% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا، بزيادة قدرها 20 نقطة مئوية تقريبًا مقارنة بالانتخابات المحلية السابقة في عام 2019.

وفي ساكسونيا، فاز حزب البديل من أجل ألمانيا بنسبة 31% من الناخبين في تلك الفئة العمرية، بزيادة قدرها 14 نقطة مئوية مقارنة بعام 2019.

وأسعدت النتيجة بيورن هوكه، زعيم حزب البديل لألمانيا في تورينجيا، والذي يعتبر واحدا من أكثر السياسيين تطرفا في الحزب، والذي أدين مرتين من قبل محكمة ألمانية بتهمة استخدام الخطاب النازي عمدا، وقال هوكه في تصريح على شاشة التلفزيون العام عن النتيجة: “أنا أكثر من سعيد”.

صحيفة بوليتيكو




ميديا بارت: الغموض يحيط بملايين اليوروهات من الأسلحة الفرنسية التي سُلّمت لإسرائيل

تحت عنوان “الغموض يحيط بملايين اليوروهات من الأسلحة الفرنسية التي سُلّمت لإسرائيل”، وعلى خلفية إعلان المملكة المتحدة أنها ستعلّق جزئياً تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، كشف موقع  “ميديا بارت” الإخباري- الاستقصائي الفرنسي عن مضمون تقرير حكومي فرنسي بشأن تسليم فرنسا باريس أسلحة بقيمة 30 مليون يورو لإسرائيل في عام 2023، قائلاً إن الحكومة الفرنسية ما تزال ترفض القول ما إذا كانت عمليات تسليم معينة قد تمت بعد بدء الحرب في غزة، وربما تم استخدامها لاستهداف المدنيين.

على الرغم من الأدلة المتراكمة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة، فإن فرنسا لم تعلن قط حظرًا كليًا أو جزئيًا على شحنات الأسلحة إلى تل أبيب

وأوضح “ميديا بارت” أن فرنسا وقّعت على العديد من النصوص (بما في ذلك معاهدة تجارة الأسلحة) التي تحظر عليها تسليم الأسلحة إذا كان هناك خطر استخدامها لارتكاب جرائم حرب، أو هجمات موجهة ضد المدنيين. لكن من الواضح أنها لا تتوصل إلى نفس الاستنتاجات.. فعلى الرغم من الأدلة المتراكمة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة منذ خريف عام 2023 بعد مجازر 7 أكتوبر، إلا أن فرنسا لم تعلن قط حظرًا كليًا أو جزئيًا على شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، يقول “ميديا بارت”.

وتؤكد الحكومة الفرنسية- يوضح الموقع الفرنسي- أنها تسلّم الأسلحة لإسرائيل لأغراض دفاعية فقط، لكنها لا توفر وسيلة للتحقّق من ذلك: على الرغم من الطلبات المتكررة من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، فإن القائمة الدقيقة للأسلحة التي باعتها و/أو سلّمتها فرنسا إلى إسرائيل ما تزال غير معروفة.

والأكثر إثارة للدهشة- يقول “ميديا بارت”- أن الحكومة لا تحترم حتى القواعد القليلة التي وضعتها لنفسها من أجل ضمان الشفافية (النسبية) في مبيعاتها من الأسلحة. ففي حين أن السلطة التنفيذية الفرنسية مطالبة بتقديم تقرير إلى البرلمان كل عام، قبل الأول من يونيو/حزيران، حول صادرات الأسلحة الفرنسية، فإن تقرير 2024 (الذي يغطي صادرات 2023) لم يتم تقديمه رسميًا بعد في الدورة النصفية، ولم يتم نشره للعامة.

ويقول “ميديا بارت”، الذي تمكّن من الحصول عليه، إن هذه الوثيقة المؤلفة، من 135 صفحة، تبدأ بنص طويل يشيد بسياسة التصدير “المتماسكة” والخاضعة لرقابة صارمة، والتي تتضمن بشكل عابر الأرقام المضخمة عن عمد للمساعدات العسكرية الفرنسية لأوكرانيا.

يكشف هذا التقرير أولاً أن مبيعات الأسلحة الفرنسية آخذة في الانخفاض: 8.2 مليار يورو من الطلبات المسجلة في عام 2023، مقارنة بـ 27  مليارًا في عام 2022. وهو تطور يمكن تفسيره بالمبيعات الاستثنائية (لا سيّما طائرات رافال إلى الإمارات العربية المتحدة) لعام 2022.

تكمن الفائدة الحقيقية لهذا التقرير في مَلاحقِهِ، وبشكل أكثر دقة في الجداول الطويلة التي تلخّص عدد وكمية تراخيص التصدير (الوثيقة التي بدونها يستحيل أيّ بيع للأسلحة) التي منحتها الحكومة الفرنسية، بالإضافة إلى المبلغ باليورو للمعدات التي تم تسليمها فعليًا للسنة المعنية – لأن كل ترخيص لا يؤدي بالضرورة إلى البيع، وفي حالة البيع، قد لا يكون التسليم ساريًا إلا بعد سنوات، يوضّح “ميديا بارت”.

لكن قبل كل شيء- يواصل الموقع الفرنسي- ترفع الوثيقة جزءًا من الحجاب عن السياسة الفرنسية المتمثلة في تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.. نعلم أنه في عام 2023، سلمت فرنسا 30 مليون يورو من المعدات العسكرية. وبما أن الأشهر المعنية غير محددة، فمن المستحيل معرفة ما إذا كانت هذه الشحنات قد استمرت بعد شن الأعمال الانتقامية الإسرائيلية الوحشية في قطاع غزة. كما صدقت فرنسا، حتى عام 2023، على طلبات إسرائيلية بقيمة 20 مليون يورو من المصنّعين الفرنسيين، ومنحت 75 ترخيصَ تصدير لإسرائيل، بقيمة إجمالية 176 مليون يورو. تتعلق هذه التراخيص على وجه الخصوص بفئات المعدات المعروفة باسم ML2 ، وML4 (قنابل وطوربيدات وصواريخ وقذائف وأجهزة أخرى) والشحنات المتفجرة ML6 .. إلخ.

لن تؤدي جميع هذه التراخيص إلى المبيعات. لكن الحقيقة تبقى: بدون مزيد من التفاصيل من السلطات الفرنسية، من الصعب أن نفهم كيف تمكّنت باريس من الحصول على ضمانة بعدم استخدام أي شيء في هذه الترسانة لارتكاب جرائم في غزة، يقول “ميديا بارت”.

ميديا بارت: بدون مزيد من التفاصيل من السلطات الفرنسية، من الصعب أن نفهم كيف تمكّنت باريس من الحصول على ضمانة بعدم استخدام أي شيء في هذه الترسانة لارتكاب جرائم في غزة

يضاف إلى كل ذلك بيع المعدات العسكرية: ما يسمى بالسلع “ذات الاستخدام المزدوج”، أي المنتجات التي تعتبر حساسة لأنه يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء. فهي ذات طبيعة متنوعة للغاية: طائرات بدون طيار يمكن استخدامها للترفيه، أو لإسقاط الذخائر، وسلالات فيروسية يمكن استخدامها للبحث الطبي أو لتطوير سلاح بكتريولوجي، ومفاصل تستخدم في مصنع مدني، أو في محطة طاقة نووية، يوضح “ميديا بارت”.

في عام 2024، تم إنشاء لجنة برلمانية مسؤولة عن تحليل ومراقبة صادرات الأسلحة الفرنسية، التي وعدت بها لسنوات عديدة. وتم تعيين أعضائها في شهر أبريل/نيسان .

ومنذ قرار الحل المفاجئ الذي قرره إيمانويل ماكرون، للجمعية الوطنية، ظلت هذه اللجنة في عداد المفقودين، يشير “ميديا بارت”.

موقع ميديا بارت الفرنسي

ترجمة صحيفة القدس العربي




دونالد ترمب… من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

يوصَف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بأنه «سريع البديهة»، حتى مع أزيز الرصاص.

في اللحظة التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال، في يوليو (تموز) الماضي في بنسلفانيا، ارتمى أرضاً فَنَجا. ثم نهض مُدمىً، ليرفع قبضته هاتفاً لجمهوره الواسع: «قاتِلوا، قاتِلوا، قاتِلوا!» من أجل «فوزي» في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، و«عودتي» إلى البيت الأبيض.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي ينجو فيها مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات المقبلة. لكن صاحب الشخصية الاستثنائية، الذي وفد من عالم الأعمال والعقارات في نيويورك إلى الحياة السياسية الأميركية في واشنطن، لم تربكه حتى الرصاصة التي لامست الجزء الأعلى من أذنه اليمنى بدل أن تخترق رأسه وتصرعه. بل أعطت ربما الصورة الأوضح عنه لأنصاره، بصموده مهما بلغت محاولات إسقاطه سياسياً وقضائياً ومالياً وحتى اجتماعياً.

ولم يعد غريباً أن يواجه ترمب الكثير من التحديات، وعدداً قياسياً من المتاعب القانونية والقضائية منذ اقتحامه الحلبة السياسية.

يقرأ الأميركيون الذين يشكلون قاعدة ترمب الشعبية، وغالبيتهم من البيض الذي يمثّلون 61 في المائة من مجموع الشعب الأميركي، شعاراته الشعبوية بشكل متمايز. يعكس شعاره الرئيسي «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، («ماغا» اختصاراً)، وجهة نظر تفيد بأن «عظمة» الولايات المتحدة تَضمر ليس بسبب صعود الأمم الأخرى، ومنها الصين وروسيا خصوصاً، بل بسبب «مؤامرة» متواصلة لـ«تسميم» المجتمعات الأميركية بموجات مهاجرين غير شرعيين من ألوان مختلفة، يطغى عليهم «المجرمون» و«العاطلون عن العمل» و«المتاجرون» بالبشر وبالمخدرات و«الهاربون» من بلدانهم الفاشلة عبر الحدود «السائبة» لأميركا. يعتقد بعضهم أن التغيّر الديمغرافي أدى عام 2008 إلى وصول رجل أسود (باراك أوباما) إلى البيت الأبيض، ويُنذر عام 2024 بوصول امرأة من أصول أفريقية وآسيوية (كامالا هاريس) إلى الوظيفة التي لطالما كانت مخصصة للرجال البيض. في المقابل، يُفضّل بعض ناخبيه تجاوز تصريحاته وتصرفاته «المثيرة للجدل»، ليركّزوا بدل ذلك على إنجازاته الاقتصادية وسياساته في ملفّات الأمن والسياسة الخارجية.

إجلاء ترمب من فوق المنصة بعد إصابته خلال التجمع الانتخابي في بنسلفانيا بعد إطلاق النار عليه وإصابته بأذنه يوليو 2024 (رويترز)

«دون كيشوتي»

تثير سيرة ترمب الكثير من علامات التعجب والتساؤل، وأحياناً السخرية بين خصومه، في عدد من المسائل والمواضيع التي يقاربها. يتهمونه بأنه «دون كيشوتي»، لكنه لا يكترث إلا قليلاً بالأمور والقضايا التي لا تخصه مع هذه الشريحة الاجتماعية من الأميركيين. وعندما يفعل، يرد غالباً بتغريدة حادة، أو بتصريحات مثيرة.

يحاول ترمب في انتخابات عام 2024 تكرار تجربته الانتخابية الناجحة عام 2016. ورغم «طرده» المؤقت من منصة «تويتر»، (الاسم السابق لـ«إكس»)، بعد خسارته انتخابات عام 2020، عثر ترمب على وسائل مختلفة لمهاجمة خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء حاولوا من دون جدوى إقصاءه عن الحلبة السياسية الأميركية. وأنشأ منصته «تروث سوشيال»، واستخدم فيها بفاعلية استثنائية الكلمات الحادة لمواجهة الحملة الضارية ضده، من خلال عديد من القضايا التي تلاحقه منذ كان رئيساً عبر محاولتَي عزل فاشلتين في الكونغرس على خلفية دعمه المزعوم لمصالح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم بتهمة السعي إلى قلب نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس جو بايدن (واشنطن العاصمة وجورجيا)، وكذلك بتهمة النقل غير المشروع لوثائق سريّة للغاية من البيت الأبيض في واشنطن إلى بيته الخاص في مارالاغو (فلوريدا)، بالإضافة إلى إدانته بارتكاب جنايات على خلفية علاقة مزعومة مع ممثلة إباحية (نيويورك).

مَن ترمب؟

قبل أن يترشح في المرة الأولى للانتخابات الرئاسية، كان ترمب من أشهر المليارديرات الأميركيين وأكثرهم حيوية. ورث الثروة عن أبيه وصنع الشهرة من خلال برنامجه «ذا أبرانتيس» للمبتدئين والمبتدئات في تلفزيون الواقع. وعندما بدأ يتحدث عن طموحاته الرئاسية قبل عام 2016، رأى القريبون منه أن هذا الطموح «بعيد المنال» أمام كل السياسيين الذين نافسوه، وغالبهم أكثر حنكة منه سياسياً في السباق التمهيدي للجمهوريين، وكذلك أمام منافسته الديمقراطية عامذاك هيلاري كلينتون. ورغم إسقاطه في المواجهة الرئاسية التالية عام 2020 مع منافسه جو بايدن، عاد عام 2024 إلى الحلبة ليستعيد «النتائج المسروقة» منه قبل أربعة أعوام.

حياة مثيرة

في صغره، كان لدى ترمب، الطفل الرابع لرجل الأعمال العقاري في نيويورك فريد ترمب، طموح أن يتسلم وظيفة متدنية داخل شركة والده. لكن رغم ثروة الأسرة، أُرسل إلى الأكاديمية العسكرية عندما بلغ من العمر 13 عاماً، وبدأت تظهر علامات على سوء السلوك. ثم التحق بجامعة بنسلفانيا، وصار المرشح المفضل لخلافة والده بعدما قرر شقيقه الأكبر فريد الابن أن يصير طياراً. لكنّ هذا الأخير توفي عن 43 عاماً بسبب معاقرته الخمر. ويقول ترمب إنه دخل في سوق العقارات بقرض «صغير» قيمته مليون دولار من والده، قبل أن ينضم الى الشركة ليساعد في إدارة المحفظة الواسعة لوالده من مشاريع الإسكان في أحياء مدينة نيويورك، ثم سيطر على الشركة وسماها «منظمة ترمب» عام 1971.

بعد وفاة والده عام 1999، غيّر ترمب أعمال عائلته من وحدات الإسكان في بروكلين وكوينز إلى المشاريع الجذابة في مانهاتن، فبنى فندق «غراند هايات» على أنقاض فندق الكومودور المتهدم و«برج ترمب» الفاخر والمكون من 68 طابقاً في الجادة الخامسة. ثم أنشأ علامات تجارية عديدة، وأبرزها بين عامي 1996 و2015، حين كان مالكاً لمسابقات ملكة جمال الكون وملكة جمال الولايات المتحدة وملكة جمال المراهقات. وخلال هذه المرحلة، ظهر للمرة الأولى عام 2003 في برنامج تلفزيون الواقع على شبكة «إن بي سي»، حيث يتنافس المتسابقون للحصول على وظيفة إدارية داخل مؤسسة ترمب.

وتفيد مجلة «فوربس» الأميركية بأن صافي ثروة ترمب يبلغ بضعة مليارات دولار، لكنه يُصرّ على أن قيمتها تستحق أكثر من عشرة مليارات دولار.

رغم أنه تزوج ثلاث مرات، لا تزال زوجته الأولى الرياضية وعارضة الأزياء التشيكية إيفانا زيلنيكوفا هي الأشهر. وأنجب منها ثلاثة أطفال، هم: دونالد جونيور وإيفانكا وإريك. وأدت دعوى الطلاق بينهما عام 1990، إلى ظهور عديد من القصص المثيرة عن ترمب في الصحف الشعبية. ثم تزوج من الممثلة مارلا مابلز عام 1993، وأنجب منها ابنة سمياها تيفاني، قبل أن ينفصلا عام 1999. وعام 2005، تزوج من العارضة ميلانيا كناوس وأنجب منها ابناً سمياه بارون وليام. ولا يزال أولاده من زواجه الأول يساعدون في إدارة شركته المعروفة باسم «منظمة ترمب».

ترمب يتفاعل مع أنصاره خلال فعالية انتخابية بأريزونا 23 أغسطس (د.ب.أ)

طموحات قديمة… جديدة

عبّر ترمب عن اهتمامه بالترشح للرئاسة الأميركية في وقت مُبكّر يعود إلى عام 1987، ودخل إلى هذا السباق للمرة الأولى عام 2000 مرشحاً عن حزب الإصلاح. وبعد عام 2008، صار الأكثر صراحةً بين أعضاء حركة «بيرث»، التي تساءلت عما إذا كان الرئيس باراك أوباما وُلد في الولايات المتحدة. وعندما دخل السباق إلى البيت الأبيض مجدداً عام 2016، قال في خطاب: «نحن بحاجة إلى شخص ما يتسلّم هذا البلد بالمعنى الحرفي للكلمة، ويجعله عظيماً مرة أخرى. يمكننا أن نفعل ذلك».

ووعد منذ ذلك الحين بأنه سيرفع شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، ثم أدار حملة مثيرة مبنية على وعود بتعزيز الاقتصاد الأميركي، وبناء جدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، وحظر هجرة مواطني دول ذات غالبية مسلمة.

منذ ذلك التاريخ، يحمل ترمب شعاره الذي ازداد بريقاً مع مصادقة الجمهوريين خلال مؤتمرهم في يوليو (تموز) الماضي في ميلووكي، ويسكونسن، على ترشيحه مع السيناتور جاي دي فانس، في المواجهة التي يتوقع أن تزداد حدة وقسوة مع تسلم نائبة الرئيس كامالا هاريس، شعلة الرئاسة مع مرشحها لمنصب الرئيس حاكم مينيسوتا تيم والز، من المؤتمر الوطني العام للحزب الديمقراطي في شيكاغو، إلينوي.

كما في السابق، يثابر ترمب لتحدي استطلاعات الرأي، التي كانت تُرجّح فوز هيلاري كلينتون عام 2016 وفوزه هو عام 2020، مؤكِّداً أن الوجه الآخر لشعاره، وهو «أميركا أولاً»، سيكون بمثابة «تجفيف المستنقع» السياسي الآسن في واشنطن.

بعد فوزه المذهل عام 2016، دخل ترمب التاريخ لأنه الرئيس الأميركي الأول الذي لم يتقلد منصباً منتخباً أو يخدم في الجيش قبل أن يؤدي اليمين الدستورية بوصفه الرئيس الـ45 للولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017. وإذا فاز هذه المرة، فسيدخل إلى البيت الأبيض، مُدركاً القدرات المذهلة التي يحظى بها أي رئيس أميركي.

كثيرون يعتقدون أن ترمب عائد. وهذا ما يدفعهم إلى نصح الآخرين بـ«شدّ الأحزمة».

علي بردى

صحيفة الشرق الاوسط