تخوض الشركة الترفيهية الأميركية “نتفليكس” أولى تجاربها في مجال الطهي، من خلال افتتاح أول مطعم للمنصة في لوس أنجلوس، تحت اسم “NETFLIX BITES”.
الهدف من افتتاح المطعم تقديم تجربة طعام فريدة من نوعها، بالتوازي مع مشاهدة عروضهم المفضلة على المنصة.
ووصفت “نتفليكس” المطعم بأنه بمثابة “تجربة طعام راقية” في لوس أنجلوس، تتيح المشاهدين تذوق أشهى الأطباق الفريدة لأفضل وأشهر الطهاة العالميين الذين ظهروا على المنصة.
وتعتمد تجربة منصة البث العملاقة، على قائمة مأكولات ومشروبات يقدمها أشهر الطهاة العالميين الذين ظهروا على المنصة من خلال مسلسلات أو أفلام، على سبيل المثال، السلسلة الوثائقية الأميركية “Chef’s Table” التي بثت لأول مرة على نتفليكس في نيسان 2015، وأيضاً فيلم “الطاهي-Chef”، وكذلك المسلسل التلفزيوني للمسابقات “Is It Cake” بموسميه.
كما تشارك أيضاً ناديا حسين صاحبة كتاب “ناديا مخبوزات”، مع الطاه الفرنسي جاك توريس، والطاه الأميركي أندرو سكوت زيمرن، صاحب مطعم وشخصية تلفزيونية وإذاعية، والطاهية الفرنسية دومينيك كرين، الحائزة على ثلاث نجوم من دليل ميشلان، والطاه الأميركي رودني سكوت، وغيرهم من أساطير الطهي لإنشاء قائمة مأكولات خاصة لذيذة وفريدة، وبجانب أساطير الطهي، سيقدم المطعم أيضاً قائمة من الكوكتيلات والمشروبات الخاصة، التي يصنعها خبراء المشروبات من سسلة “Drink Masters”.
يقع المطعم الجديد في فندق Short Stories Hotel في ويست هوليوود، وسيُفتح يومياً من الساعة 5 مساءً حتى 10 مساءً. ويقدم أيضاً وجبتي فطور وغداء يومي السبت والأحد.
يقول موقع «نتفليكس بايتس» على الإنترنت: «تحقق مرة أخرى قريباً للحصول على قائمة الطعام». والحجوزات مفتوحة على موقع «ريسي دوت كوم»، ويُطلَب من الزبائن دفع ودائع غير قابلة للاسترداد بقيمة 25 دولاراً للشخص الواحد يتم تضمينها بفواتير العشاء النهائية.
وتوضح إدارة المطعم عبر موقعها: «بقدر ما سيكون ذلك لذيذاً، فإن (نتفليكس بايتس) هي فرصة حصرية لتذوق الأطباق الفريدة لهؤلاء الطهاة… لكن لن يكون الطهاة أنفسهم موجودين في الموقع للقاء المعجبين».
المصدر: موقع المدى
ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟
|
يُستخدم في شتى المجالات بتكاليف منخفضة… وبمتناول الجميع
بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي بالانتشار، وسمعنا عن الكثير من الشركات التي تضيف هذه التقنية إلى خدماتها وتقدم عناصر جديدة كان من الصعب تخيلها قبل بضع سنوات. ولكن ما الذكاء الاصطناعي؟ وما نظمه وما أحدث التطويرات في الأجهزة والبرامج الذكية؟
الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة نظم الكومبيوترات لعمليات الذكاء البشري بهدف تحقيق أمر ما. وكثيراً ما تروّج الشركات لخدماتها على أنها ذكاء صناعي، ولكن حقيقة الأمر أن الكثير من تلك الخدمات تستخدم عنصراً من التقنية، مثل «تعلم الآلة». ويتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي أساساً متقدماً من العتاد الصلب Hardware المتخصص، والبرمجيات المطورة خصيصاً لهذا الغرض. ولا توجد لغة برمجة متخصصة بهذه التقنية حتى الآن، ولكنّ عدداً من اللغات يقدم أدوات مفيدة لهذا الغرض، مثل Python وJava وR و«سي بلس بلس».
وتحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟ وأسلوب رسم فنان ما مقارنةً بآخر، وهكذا. وينطبق الأمر نفسه عند تحليل النصوص والموسيقى وعروض الفيديو، وغيرها، ليتكون لدينا نظم ذكاء صناعي مختلفة متخصصة في مجالات كثيرة، وفقاً للبيانات التي تم تحليلها.
ويتم التركيز في برمجة الذكاء الاصطناعي على 4 مهارات، هي: التعلم والإدراك والتصحيح الذاتي والابتكار.
يركز جانب التعلم على الحصول على البيانات وإيجاد القوانين والروابط بينها وتحويلها إلى بيانات مفيدة. ويتم تقديم قوانين مختلفة على شكل خوارزميات Algorithm كثيرة (الخوارزمية هي نهج عمل برنامج ما لتحقيق الهدف المرغوب) حول كيفية إكمال مهمة محددة، مثل التعرف على وجود إنسان في صورة (يجب تحديد ما يصف شكل معظم البشر: العينان والفم والأنف والحاجبان والرقبة، وهكذا).
وبالنسبة إلى مهارة الإدراك، فإنها تركز على اختيار الخوارزمية الصحيحة بقوانينها المرتبطة لتحقيق الهدف المرغوب. أما التصحيح الذاتي، فتركز هذه المهارة على تعديل الخوارزميات وقوانينها بناءً على صحة المخرجات لإيجاد قوانين أكثر دقة من السابق، الأمر الذي ستنجم عنه نتائج صحيحة بنسبة أعلى في المرات المقبلة التي يعمل فيها ذلك النظام.
وتبقى المهارة الرابعة وهي الابتكار، التي تستخدم الشبكات العصبونية Neural Networks الرقمية والنظم المبنية على القوانين والبيانات الإحصائية وتقنيات أخرى بهدف إيجاد صور ونصوص وموسيقى وأفكار جديدة.
ولعلكم قد سمعتم عن بعض المفردات التقنية المتقاربة، مثل الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، وتعلم الآلة Machine Learning، والتعلم العميق Deep Learning.
تحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟
وبينما يعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه محاكاة الآلات للذكاء البشري لتحقيق هدف ما، فإن تعلم الآلة يعرَّف بأنه رفع دقة البرامج والتطبيقات في توقع النتائج بناءً على البيانات السابقة من دون برمجتها بشكل مباشر على كيفية القيام بذلك، حيث تتم هذه العملية من دون تدخل المبرمجين، ذلك أن النظام سيتعرف على الروابط بين البيانات ويستخدمها في التوقع. أما التعلم العميق، فهو جزء متخصص من تعلم الآلة مبنيٌّ على فهمنا لتركيبة الدماغ البشري. وبسبب استخدام التعلم العميق لبنية الشبكات العصبونية الرقمية أخيراً، تم إيجاد تقنيات حديثة مفيدة جداً للبشر، مثل القيادة الذاتية للسيارات وChatGPT.
ويمكن تقسيم الذكاء الاصطناعي إلى فئتين: الضعيف والقوي، بحيث يُعرّف الذكاء الاصطناعي الضعيف Weak AI، أو الذكاء الاصطناعي ضيق النطاق Narrow AI، على أنه نظام يتم تدريبه لإكمال مهمة محددة، كالروبوتات الاصطناعية والمساعدات الذكية الشخصية، مثل «سيري» من «أبل». أما الفئة الثانية فهي أكثر شمولاً ويطلق عليها مصطلح الذكاء العام الاصطناعي Artificial General Intelligence AGI، وهي عبارة عن نظام يستطيع محاكاة القدرات الإدراكية للدماغ البشري. ويستطيع هذا النظام تحليل البيانات الموجودة أمامه في مهمة جديدة كلياً عليه لم يسبق برمجته على كيفية إكمالها، وتطبيق معرفته السابقة في مجال ما على آخر لإيجاد حل صحيح ومن دون أي تدخل خارجي.
استخدامات الذكاء الاصطناعي
ولكن ما أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ في الواقع، استفدنا سابقاً من تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة في الكثير من جوانب الحياة؛ من نظم الكشف عن التحايل المالي والضريبي، وأتمتة العمليات اليومية البسيطة، وفي مراكز خدمة العملاء، وزيادة المبيعات وضبط جودة المنتجات. وتستطيع هذه التقنيات في بعض المجالات التفوق على الإنسان، خصوصاً فيما يتعلق بالأمور المتكررة أو التي تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، مثل تحليل كميات كبيرة من أوراق النماذج Form والتأكد من وجود بيانات صحيحة في حقول محددة.
ونظراً للقدرات الممتدة في إيجاد روابط بين البيانات الضخمة في أوقات قليلة، تستطيع هذه النظم تقديم معلومات غنية جداً لمديري الشركات لم يكن من الممكن لأي بشري إكمالها وإيجاد روابط بين الملايين من البيانات.
صورة تعبيرية صنعها الذكاء الاصطناعي من موقع www.picsart.com لدى استخدام كلمات مفتاحية حول الذكاء الاصطناعي والسعودية
كما يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في تطوير عملية التعليم والتسويق وتصميم المنتجات. وأصبحت هذه التقنية محوراً لتقدم الكثير من شركات التقنية الضخمة اليوم، مثل «ألفابيت Alphabet» المالكة لـ«غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميتا» المالكة لـ«فيسبوك»، وغيرها.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة العمليات بهدف زيادة كمية وأنواع المهام المنوطة به، وتحليل الصور الطبية للمساعدة في التعرف على الأمراض المختلفة وفقاً لتاريخ مرضى سابقين وتطور مراحلهم، إلى جانب الاستخدامات العسكرية في المعارك الميدانية وتحليل نزعات تحرك المشاة والآليات وفقاً لعوامل البيئة والطقس والأعداد والوقت. كما يمكن استخدامه في برامج مكافحة الجرائم الرقمية والتعرف على الرسائل التصيّدية بناءً على نص الرسالة وعنوانها وعنوان الجهة المرسلة، أو ترجمة النصوص وتفريغ المحادثات الصوتية وتحويلها إلى نصوص، والتعرف على مشاعر الطرف الثاني في الرسائل الإلكترونية. ويتم استخدام هذه التقنيات حالياً في المجالات الاصطناعية ولتحريك عناصر ثقيلة جداً في مهمات المركبات الفضائية التي تستكشف الكواكب المختلفة، أو في المركبات ذاتية القيادة للتعرف على العقبات الموجودة أمام المركبة وتجاوزها من دون المخاطرة بحياة الركاب أو المشاة من حولها.
وأخيراً شهدنا انطلاق خدمات إيجاد المحتوى متعدد الوسائط بجودة عالية «الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI»، مثل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى بشكل غير محدود وبقدرات إبداعية غير مسبوقة، وبتكلفة منخفضة جداً. ويمكن إيجاد نصوص مسرحية وصور واقعية وكتابة عدد كبير من رسائل بريد إلكتروني من دون ملاحظة الطرف الآخر أن المرسل ليس من البشر، والكثير غيرها من الخدمات الأخرى.
كما يمكن استخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي لتحليل ما إذا كان يمكن للبنك تقديم قرض لشخص ما أو تحديد السقف المالي لبطاقة ائتمانية أو الفرص الاستثمارية، أو للمساعدة في تداول الأسهم. وتستطيع هذه التقنيات المساهمة في التنبؤ بحدوث تأخير في الرحلات الدولية حسب الحالة الجوية، أو زيادة أمن الشحن البحري حسب حالة الطقس والتيارات المائية، والتنبؤ بنزعات الشراء والطلب بناءً على عوامل كثيرة جداً، إلى جانب تقديم المحامين للمشورة القانونية وفقاً لقضايا سابقة بعد تحليل تفاصيل ونتائج أحكام الكثير من القضايا والملفات السابقة.
تطويرات وآفاق واعدة
وتطورت استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير خلال الفترة السابقة، وتسارع ذلك التقدم بشكل ملحوظ. ويمكن العودة بالابتكارات النوعية لهذه التقنيات إلى عام 2012 خصوصاً شبكة «AlexNet» العصبونية التي رفعت من مستويات الأداء بشكل كبير بسبب اعتمادها على وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء لتحليل البيانات مقارنةً بالاعتماد على المعالجات التقليدية، وقدرة وحدات معالجة الرسومات على معالجة البيانات بالتوازي بكميات ضخمة وبسرعات كبيرة جداً.
وشكّل التعاون بين شركات البرمجة العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أوبين إيه آي OpenAI» من جهة، وشركات صناعة عتاد الكومبيوترات، مثل «إنفيديا Nvidia» المتخصصة في وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء، ومعالجات «إنتل» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، من جهة أخرى نواة لتشكيل قفزات متسارعة في خدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي كان من آخرها «تشات جي بي تي ChatGPT». ومن أحدث الابتكارات في أدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي تطوير «غوغل» ما تُعرف بـ«المحولات Transformers»، وهي آلية فائقة الأداء ترفع من سرعة تحليل البيانات الضخمة باستخدام مجموعات كبيرة من الكومبيوترات العادية التي تحتوي على وحدات معالجة الرسومات، الأمر الذي خفض من تكاليف تأسيس تقنيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بشكل كبير.
وطوّرت شركة «إنفيديا» كفاءة معالجة البيانات بالتوازي Parallel Processing عبر نوى وحدات معالجة الرسومات GPU الخاصة بها بشكل كبير على مستوى الدارات الإلكترونية والبرمجيات في آن واحد، مما شكّل قفزة كبيرة سرّعت من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سهولة تكامل تلك التطويرات في مراكز البيانات، والعمل مع مراكز الحوسبة السحابية لتقديم الأجهزة المتقدمة كخدمة لمن يريد، دون الحاجة لبناء مراكز متخصصة لكل شركة، وهو أمر من شأنه خفض تكاليف تبني هذه التقنية بشكل غير مسبوق.
واستطاعت هذه الشركات تطوير «محولات» توليدية مسبقة التدريب Generative Pre – trained Transformers GPT ومشاركتها مع الشركات الأخرى التي ترغب في تخصيص تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتدريب الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وما يصاحب ذلك من وقت وتكاليف كبيرة. وتستطيع الشركات المتوسطة أو الصغيرة استخدام تلك النماذج العامة وتخصيصها حسب الحاجة لقاء بضع آلاف من الدولارات، مقارنةً بـ5 إلى 10 ملايين دولار للتدريب من نقطة الصفر. ويشكّل هذا الأمر قفزة كبيرة للشركات المتخصصة نحو مباشرة العمل وتقديم خدمات ثورية بسرعات كبيرة ومخاطر منخفضة.
ومن الأمثلة على خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي AWS AI Services وGoogle Cloud AI وMicrosoft Azure AI Platform وOracle Cloud Infrastructure AI Services، والتي تزيل عبء بناء مركز بيانات متخصص بالذكاء الاصطناعي، وتقدمه كخدمة لقاء اشتراك شهري أو سنوي منخفض التكلفة. هذا، وتقدم OpenAI وNVidia خدمات متخصصة لمستخدميها، مثل نماذج ذكاء صناعي متخصصة بالصور والدردشة النصية والطب وحتى البرمجة.
وتقدم OpenAI نظام ChatGPT للمحادثة أو الدردشة الذي انتشرت شعبيته بشكل كبير بين المستخدمين في آخر بضعة أشهر، وهي الشركة نفسها التي استثمرت بها «مايكروسوفت» بقيمة 10 مليارات دولار، والتي ستضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى متصفح «إيدج Edge» ومجموعة برامج «أوفيس» المكتبية وحتى نظام التشغيل «ويندوز» لتطوير تجربة الاستخدام بشكل مبهر جداً.
من جهتها كشفت «غوغل» عن نظام الذكاء الاصطناعي «بارد Bard» للدردشة المبنيّ على عائلة LaMDA للغات التطوير، والذي من المتوقع أن يساعد في أعمال ترجمة النصوص بين اللغات بدقة عالية جداً وكتابة المحتوى المبتكر والإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص البرمجية عبر أكثر من 20 لغة برمجة، وحتى إيجاد معادلات لجداول الحسابات لتحقيق هدف حسابي ما يريده المستخدم.
هذا، وكشفت «إنفيديا» عن نظام ذكاء صناعي يستطيع إيجاد فيديوهات واقعية للغاية بمجرد كتابة وصف لها، ليقوم النظام بتوليد تلك الفيديوهات بسرعة. ومن الممكن استخدام هذا النظام في شركات صناعة الفيديوهات أو حتى في استوديوهات المسلسلات والأفلام لإضافة العناصر الرقمية إلى المشاهد المختلفة، أو حتى استبدالها بأخرى بمجرد كتابة ذلك نصياً (مثل استبدال سيارة بأخرى أو وجه ممثل بآخر، وبسرعة ودقة كبيرتين).
أخلاقيات الاستخدام
مثلها مثل أي أداة في حياتنا، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للمنفعة أو لإلحاق الأذى، وينبغي إيجاد ضوابط لاستخدامها بشكل يعود بالخير على الجميع. وكما ذكرنا سابقاً، تعتمد هذه النظم على تحليل البيانات السابقة، أي إن نتائجها مرتبطة بتلك البيانات، الأمر الذي يعني أنه سيوجد تحيز إن كانت البيانات غير شاملة لجميع العوامل المرتبطة بالمسألة التي يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لحلها، وتجب مراقبة جودة تلك البيانات التأسيسية لضمان وجود مخرجات صحيحة ومفيدة. يضاف إلى ذلك أن هذه النظم تقدم النتيجة دون ذكر كيفية الوصول إليها، ذلك أنها توجِد ترابطاً بين أعداد كبيرة من العوامل المختلفة للبيانات التي تقوم بتحليلها.
هذا الأمر قد لا يكون مفيداً في الكثير من الاستخدامات اليومية، مثل عدم القدرة على توضيح أسباب اتهام شخص بتجاوز قانوني ما، إذ لا يكفي القول إن النظام قد توصل لتلك النتيجة دون ذكر أسباب مقنعة لذلك، أو رفض مصرف طلب حصول عميل ما على بطاقة ائتمانية، مثلاً. وشهدنا نظماً تستطيع إيجاد صور وفيديوهات ملفقة باستخدام أوجه وأصوات أشخاص حقيقيين DeepFake، الأمر الذي سيصعّب على المستخدمين التأكد من صحة تلك الصور والتسجيلات الصوتية والفيديوهات، وقد يوقِع الضحايا في مشكلات كبيرة.
ويوجد الكثير من القوانين التي تحدّ من نوعية البيانات التي يمكن للشركات استخدامها، مثل القانون العام لحماية البيانات General Data Protection Regulation (GDPR)، (لائحة الاتحاد الأوروبي التي تنص على كيفية التعامل مع البيانات الشخصية)، الأمر الذي سيشكل عقبة أمام القدرة على استخدام البيانات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد يشكّل في النهاية، إلى جانب قوانين دولية أخرى، عقبة أمام تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإيجاد بيانات تأسيسية شمولية وأكثر دقة للحصول على نتائج صحيحة. كما ستشكل مسائل حقوق الملكية الفكرية عقبة كبيرة أمام تقدم هذه التقنيات، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة أسلوب رسم أو كتابة شخص ما، أو يمكن إيجاد موسيقى مشابهة جداً لأسلوب فرقة أو مغنٍّ ما وبيع تلك النتائج وجني المال.
أمر آخر لافت للانتباه هو الاستخدامات الخبيثة لهذه التقنية، حيث يمكن لمجموعة من القراصنة استخدامها للتعرف على الثغرات الموجودة في موقع حكومي أو تابع لشركة ما واختراق ذلك الموقع والدخول إلى الأجهزة الخادمة وسرقة البيانات أو جعلها رهينة لقاء فدية مالية.
عقدت «مايكروسوفت» في 2019 شراكة مع «أوبن إيه آي» مطوّر «تشات جي بي تي» (أدوبي ستوك)
تحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق عمل «مايكروسوفت» الذي أكد أن للذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في حل التحديات الاقتصادية المعقدة، وإحداث نقلة نوعية للكثير من الأعمال، وتحسين أداء المؤسسات وتجربة العملاء، وتطوير إمكانات التنبؤ والتخطيط، وذلك للمساعدة في تحسين وتعزيز حياة فئات المجتمع كافة. وأسهم الذكاء الاصطناعي في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في مختلف القطاعات على إيجاد حلول للتحديات الملحّة وابتكار طرق جديدة لتحسين سير أعمالها، ومنها الطاقة، حيث يرسم الذكاء الصناعي مستقبل هذا القطاع. وتسعى وزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية إلى توظيف الذكاء الصناعي في إدارة استهلاك الطاقة والتنبؤ بها، لتلبية طلبات الاستهلاك، وكذلك لتحديد أنماط جمع مزيج الطاقة وإدارتها وتشغيلها بما يسهم في جعلها أكثر كفاءة وأماناً.وعقدت «مايكروسوفت» في عام 2019 شراكة مع «أوبين إيه آي OpenAI»، وهو مختبر الأبحاث الذي يقف خلف برامج الدردشة «تشات بوت» و«تشات جي بي تي ChatGPT»، وكذلك مُنشئ الصور «دال – إي 2 Dall – E2» الذي يُحول النصوص الوصفية إلى صور جديدة. ونتج عن هذه الشراكة خدمة «أزور أوبن إيه آي سيرفيس Azure OpenAI Service» الجديدة التي توفر عدداً من نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل إصدارات مطورة من متصفح «إيدج» ونظام البحث «بينغ» اللذين يعملان معاً مساعدين شخصيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي. وتجاوز عدد المستخدمين لهذه التقنية 100 مليون مستخدم نشط يومياً على «بينغ» بحلول أوائل شهر مارس (آذار) الماضي. ونذكر كذلك أداة «بينغ إميج كرييتور Bing Image Creator» الجديدة التي تسمح لمستخدمي بحث «بينغ» الجديد المزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي «Bing Chat» أو متصفح «إيدج» بإنشاء صور مبتكرة بمختلف أنواعها من خلال نصوص وصفية.وأطلقت الشركة المرشد المساعد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت Microsoft 365 Copilot» الذكي لمستخدمي تطبيقات «مايكروسوفت 365» المكتبية بهدف مساعدة المستخدمين في إنتاج المحتوى، سواء كان رسائل بريد إلكتروني أم إنشاء الوثائق أم العروض التقديمية أم تلخيص المحتوى والرسائل وتحليل البيانات وجداول الحسابات، وغيرها. يضاف إلى ذلك «المرشد المساعد للنصوص البرمجية GitHub Copilot» الذي يتيح إمكانية كتابة النص البرمجي مباشرةً من خلال الأوامر الصوتية دون الحاجة إلى لوحة المفاتيح. وأشار الفريق أيضاً إلى استفادة قطاع آخر من هذه التقنية هو الرعاية الصحية، حيث يمكن تشخيص الأمراض وفحص أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير بفضل الذكاء الاصطناعي. وأسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق تقدم ملحوظ على مستوى التشخيص المبكر واكتشاف الأمراض في أولى مراحلها، وربما قبل حدوثها أو انتشارها. ونذكر كذلك الخدمات المالية، حيث أحدث الذكاء الاصطناعي موجات تغيير واسعة في قطاع الخدمات المالية وتم استخدام روبوتات الدردشة «Chatbots» لخدمة العملاء. كما أسهم الذكاء الاصطناعي في مساعدة المعلمين والمحاضرين من خلال تحريرهم من الأعمال المكتبية وتمكينهم من أتمتة العمليات اليدوية، مثل تصحيح الامتحانات وتقييم الواجبات. كما يضمن استخدام الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى التعليم عالي الجودة لجميع الطلاب في أي وقت وفي أي مكان، ودون تكبد المزيد من النفقات.ويرى الفريق أن الحقبة التالية من الذكاء الاصطناعي (نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة) ستساعد في مهام كثيرة، مثل تلخيص المحتوى وإدارة المستندات وتبسيط تدفقات المبيعات، ويمكن أن تمتد إلى مجالات كثيرة مثل تصميم جزيئات جديدة للأدوية أو إنشاء نصوص أو صور أو موسيقى أو محادثات أو رموز أو فيديوهات تحاكي إنتاج البشر. وتستخدم اليوم أكثر من 85% من شركات قائمة «Fortune 100» أدوات «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي. وترى «مايكروسوفت» أنه من المهم جداً أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ولذلك، فقد تم تصميم سياسات ولوائح «مايكروسوفت» في مجال الذكاء الاصطناعي بطريقة تراعي وتتماشى مع الأطر التنظيمية للاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
نظرة «غوغل» للذكاء الاصطناعي
يرى فريق «غوغل» أن مستقبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات اليومية كبير، لأنها تجعلها أكثر فائدة حول العالم، سواء كانت لمساعدة الأطباء في التعرف على الأمراض بشكل أسرع أو السماح للمستخدمين بالوصول إلى المعلومات بلغاتهم الأم لإطلاق العنان لإبداعاتهم، وفتح فرص جديدة من شأنها تغيير حياة الملايين. وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع فريق «غوغل»، أشار إلى أن هذه التقنية ستعالج التحديات المجتمعية التي تشمل الأزمة المناخية والتنبيه إلى الكوارث الطبيعية (مثل الفيضانات) والمساهمة في الوصول إلى اكتشافات علمية جديدة، وحتى رفع المستويات الصحية للمستخدمين. ومن الأمثلة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجات «غوغل» القدرة على البحث عن المعلومة باستخدام الصور أو صوت المستخدم، حيث تقوم النظم بتحليل الصوت والبحث عن أغنية مشابهة للحن الذي سجله المستخدم، أو تحليل صورة ما لإيجاد عناصر مشابهة لها. كما يمكن استخدام هذه الآليات إلى جانب كتابة النصوص إليها للبحث من خلال تطبيق «غوغل»، مثل كتابة «ملابس» وتصوير ورق الجدران أمام المستخدم، ليعثر محرك البحث على ملابس تحتوي على نمط مشابه لذلك الموجود في ورق الجدران الذي تم تصويره. كما تحلل تقنيات الذكاء الاصطناعي بيانات الخرائط وتقدم معلومات مفيدة للمستخدمين حول حالة الازدحام وساعات عمل المتاجر والسرعات المسموحة في الطرق المختلفة، وبشكل آلي. هذا، وتستطيع نظم الذكاء الاصطناعي تحليل محتوى الصور الموجودة في جهازه والسماح للمستخدم كتابة عبارة تصف عنصراً ما، لتعرض جميع الصور، التي تحتوي على ذلك العنصر. إلا أن الفريق أشار إلى ضرورة استكشاف القدرات الكامنة لهذه التقنية ونتائجها الإيجابية والسلبية التي تتقاطع مع التجارب البشرية. ويجب التركيز على العوامل الأخلاقية للاستخدام، الأمر الذي كشفت عنه «غوغل» في مبادئ الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، والاستخدامات المفصلة حول كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والعمليات الحكومية لتطبيقها، وهي جميعاً عوامل تُوَجِّه جهود «غوغل» في الذكاء الاصطناعي. الجدير ذكره أن «غوغل» أطلقت نظام «بارد» Bard للذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI بشكل تجريبي للسماح للمستخدمين البحث عن المعلومات بطرق مبتكرة وغير تقليدية مقارنة بالبحث التقليدي. وترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي هو تقنية أساسية وتحويلية ستقدم مزايا مساعدة عديدة للأفراد والمجتمعات من خلال قدرتها على تمكينهم وإلهامهم في جميع المجالات، ولديها القدرة في المساهمة لمعالجة أبرز التحديات التي تواجه البشرية. وتؤمن «غوغل» أنه يجب تقديم حلول صحيحة من خلال التعاون جماعياً بين الحكومات والباحثين والمطورين والأفراد والشركات والمنظمات والجهات المشرعة بهدف الحصول على ثقة العموم.
جدة – خلدون غسان سعيد
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي… تغوُّل الآلة ومسؤولية الإنسان
|
ضوابط لكبح جماح البرامج والنظم
على الرغم من أن العالم بدأ التعرف على مصطلح «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر لكلية دارتموث الأميركية في خمسينات القرن الماضي؛ فإن القضية الأخلاقية بشأن تطوراته احتاجت لعقود حتى تتبلور وتتطور، إذ تناسبت طردياً -ولا تزال- مع نمو تطبيقاته وانتشارها منذ المحاولات البسيطة الأولى حتى اللحظة التي يتفاعل فيها البشر راهناً «تشات جي بي تي» ونسخه المتلاحقة.
بالنسبة إلى العاملين في قطاع التكنولوجيا سواء على مستوى الصناعة أو الابتكار فإن ثمة وجهين لقضية «الأخلاقيات»؛ فمن جهة يدعو فريق لإخضاع التطورات المرتقبة للمسألة الأخلاقية قبل تطبيقها وعدّها معياراً حاكماً إلى حد المطالبة بـ«هدنة لحوكمة التطبيقات، لضمان عدم إضرارها بالبشر»، غير أن ذلك على الوجه الآخر «قد يعطّل أو يدفع المطورين للارتداد إلى الخلف»، وفق ما يقدر فريق آخر.
وأجمع «خبراء وأكاديميون» تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» على «أهمية وحيوية تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومدى الرفاهية والفائدة التي أضافتها لحياة الكثيرين»، غير أنهم يدعون مع ذلك إلى ضرورة وضع ضوابط أخلاقية «تضبط جماح البرامج التي تتصرف آلياً، ولكن من دون أن تتحول تلك المعايير إلى سيف على رقبة الذكاء الاصطناعي».
وكان صناع تكنولوجيا ومختصون في الذكاء الاصطناعي، قد وقَّعوا في مارس (آذار) الماضي عريضة تطالب بـ«وقف أبحاث تطوير الذكاء الاصطناعي ستة أشهر لإتاحة الفرصة نحو مزيد من الحوكمة لهذا النشاط، لضمان عدم تضرر البشر منه».
وأثارت تلك العريضة التي أعدها معهد «فيوتشر أوف لايف» غير الربحي، واقترب عدد الموقعين عليها من 3 آلاف عالم ورائد أعمال، مخاوف من أن «السباق الذي تخوضه مختبرات الذكاء الاصطناعي لتطوير ونشر عقول رقمية أكثر قوة، قد يخرج عن سيطرتها، بحيث لا يمكن لأحد، ولا حتى لمنشئوها، فهمها أو التحكم فيها بشكل موثوق».
توصيات أممية
ورغم ما يحققه الذكاء الاصطناعي من مزايا للبشرية، في تشخيص الأمراض والتنبؤ بتغيرات المناخ وغيرها من الفوائد، فإن تحدياته الأخلاقية، المتمثلة في بعض الخوارزميات المتحيزة جنسياً وعرقياً، والتهديد المحتمل لبعض تطبيقاته للخصوصية، دفعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) إلى تبني «أول اتفاق عالمي بشأن توصيات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2021، وتتمثل في 4 توصيات، أولاها: «حماية البيانات» بحيث تكون هناك إجراءات لحماية بيانات الأفراد وحقهم في التحكم بها. والثانية: «حظر استخدام نظم الذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة الجماعية» ووجوب اقتصار المسؤولية النهائية في أي مهمة على البشر بحيث لا تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي بحد ذاتها شخصية معنوية. أما الثالثة فتتمثل في «دعم وسائل الذكاء الاصطناعي التي تتسم بالكفاءة في استخدام البيانات والطاقة والموارد» لكي تسهم هذه الوسائل في التصدي لمعالجة القضايا البيئية. وجاءت التوصية الرابعة لتنص على أن تكون هناك «آلية لتقييم العواقب الأخلاقية للذكاء الاصطناعي».
دعوات متواصلة
المخاوف من الذكاء الاصطناعي «قديمة قدم المفهوم نفسه، ولكن روبوت الدردشة (تشات جي بي تي)، قرّبها كثيراً من نطاق الخيال العلمي إلى الواقع العملي» وفق ما يقول خوسيه ديلغادو، المتخصص في علم النفس التجريبي بجامعة غرناطة بإسبانيا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
الأدباء والمفكرون والفلاسفة وكذلك العلماء المتخصصون استشرفوا أهمية وجود أخلاقيات للذكاء الاصطناعي، إذ تحدث الروائي الأميركي فيرنور فينغ عام 1983، عن أن «الوجود المستقبلي للبشرية قد يعتمد على تنفيذ معايير أخلاقية راسخة في نظم الذكاء الاصطناعي نظراً لأن هذه النظم، في مرحلة ما، قد تتطابق أو تحل محل القدرات البشرية».
وحذّر الفيلسوف السويدي نيك بوستروم في عام 2018 من المخاطر المحتملة للتميز التكنولوجي في حالة تحوُّل الآلات الذكية ضد مبدعيها، أي البشر، وشدد على بناء «ذكاء صناعي ودود».
وتوافق العلماء مع المفكرين في التحذير من المخاوف الأخلاقية، فتحدثت عالمة الحاسوب الأميركية البارزة، روزاليند بيكار في عام 1997، عن أنه «كلما زادت حرية الآلة، احتاجت إلى معايير أخلاقية أكثر».
وبالعودة إلى ديلغادو، فإنه لا يُبدي شكاً في أن روبوت الدردشة «تشات جي بي تي» سينجح في تجاوز أخطائه، بل إنه يعتقد أن «التعلم الآلي قد يقوده إلى أن يكون أذكى من الإنسان، وهنا تكمن الخطورة عند توظيف الذكاء الاصطناعي في عمل مشترك مع الإنسان».
ولذلك فإن ديلغادو ينبه بشدة إلى ضرورة أن «يكون للإنسان السيطرة الكاملة والمسؤولية عن سلوك ونتائج نظم الذكاء الاصطناعي». مرجعاً ذلك إلى أنه «عند تحليل بعض الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة، وجد الباحثون أن سببها تغول الذكاء الاصطناعي، ومنها (تحطم قطار ألفيا على الطريق من مدريد إلى سانتياغو دي كومبوستيلا في إسبانيا عام 2013، وتحطم رحلة الخطوط الجوية الفرنسية 447 عام 2009، وتحطم رحلة الخطوط الجوية آسيانا 214 عام 2013)».
ويضيف: «خلص الباحثون الذين درسوا هذه الحوادث إلى أن سببها الأساسي يكمن في أن استراتيجيات التحكم باستخدام الذكاء الاصطناعي لم تكن مماثلة أو مشابهة لتلك المستخدمة من المراقبين البشريين».
وهذا التحدي الذي حدده ديلغادو في التفاعل بين البشر والذكاء الاصطناعي، خلاصته أنه «لتعزيز علاقة أخلاقية وعادلة بين البشر ونظم الذكاء الاصطناعي، من الواجب أن تستند التفاعلات إلى المبدأ الأساسي لاحترام القدرات المعرفية للبشر».
الإنسان الاستثنائي
ولا يتعارض التحدي السابق مع تحدٍّ ثانٍ، حدده أوزليم غاريباي، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الاصطناعية ونظم الإدارة بجامعة كاليفورنيا الأميركية، وهو «الذكاء الاصطناعي المسؤول» الذي يعني برأيه أن «يكون داعماً لرفاهية الإنسان، ولكن بطريقة تتماشى مع القيم البشرية».
ويقول غاريباي لـ«الشرق الأوسط»: «في إطار هذا التحدي، يمكن أن تقدم الروبوتات الذكية حلولاً طبية لبعض أشكال الإعاقة، لكن لا ينبغي أن يتطور الأمر إلى (تأليه التقنية) واستخدامها لبناء (الإنسان الاستثنائي أو الفائق) عبر تحسين مواصفاته وتعزيز ذاكرته مثلاً باستخدام شرائح إلكترونية».
بعُد أو تحدٍّ آخر لفت إليه مارك أنطوان ديلاك، الأستاذ المساعد المتخصص في الأخلاقيات والفلسفة السياسية في جامعة مونتريال بكندا، في مقال نشره بمجلة «رسالة اليونيسكو» التابعة للمنظمة الأممية في مارس 2018، لافتاً إلى «البرمجيات التي يتمّ تطبيقها بالفعل في الكثير من البلدان لتحديد «السلوك الإرهابي» أو «الشخصيّة الإجرامية» لدى الأفراد، باستخدام تقنية التعرّف على ملامح الوجه. وقال إن باحثَين من جامعة «ستانفورد» بالولايات المتحدة تعرضا للذعر «من هذا الانبعاث الجديد لنظرية الفراسة التي تحلل شخصية الفرد اعتماداً على معالم وجهه وتعابيره».
لكنّ الفراسة المنحازة لم تكن أمنية وقائية فقط، بل إن تطبيقات التوظيف تمارس جانباً من هذا، إذ كشفت دراسة لدورية «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» (يُصدرها معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا») في فبراير (شباط) 2022 أن مواقع مثل «لينكد إن» تسعى «لإزالة بعض برمجياتها الخاصة بمقابلات العمل، والتي كانت تتحيز ضد أصحاب الهمم، والنساء المرشحات للعمل».
استخدام الأسلحة
ويقول يوشوا بنجيو، وهو عالم كندي من أبرز متخصصي الحاسوب المعاصرين، وحاصل على جائزة «تورنغ» 2018 (يُنظر إليها بوصفها موازية لجائزة «نوبل» في علوم الحاسب) لـ«الشرق الأوسط»، إنه يجب العمل على «منع تصميم نظم الذكاء الاصطناعي التي تنطوي على مخاطر عالية للغاية مثل النظم التي يمكنها استخدام الأسلحة».
ويضيف بنجيو أن «نظم الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحقق فوائد جمّة للبشرية، كما يمكن لتطبيقاتها أن تكون مفيدة في تحقيق الرعاية الصحية، لكن من جهة أخرى يمكن تطوير نظم تستخدم الأسلحة، وهذا ما يجب العمل على حظره».
ومن التحديات الأخرى التي يجب التعامل معها الحرص على «تأمين الخصوصية»، بحيث لا تنتهكها نظم الذكاء الاصطناعي، وهو أحد الأسباب التي دعت إيطاليا إلى حظر «تشات جي بي تي»، وانضمت إليها إسبانيا وفرنسا.
وأعلن «مجلس حماية البيانات الأوروبي»، عن إنشاء فريق لتعزيز تبادل المعلومات بشأن أي إجراءات يمكن اتخاذها تجاه «تشات جي بي تي»، وأفاد المجلس في 14 أبريل (نيسان) الماضي بأنه يؤيد «التقنيات المبتكرة في الذكاء الاصطناعي»، لكنه شدد على أنها «يجب أن تكون دائماً متوافقة مع حقوق الناس وحرياتهم».
و«يَجمع تطبيق (تشات جي بي تي) البيانات الشخصية ويعالجها لتدريب خوارزمياته، وهذا انتهاك واضح للخصوصية»، كما يقول دومينيكو تاليا، أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية، لـ«الشرق الأوسط».
ويضيف تاليا: «أنا مع هذا التطبيق وما يقدمه من مزايا لحياة البشر، لكن في الوقت نفسه لا أقبل أن يتم جمع بياناتي الشخصية عند تفاعلي معه».
معاهدات دولية
التحديات السابقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يرى بنجيو، أنه «يجب التعامل معها في إطار قوانين وتشريعات ملزمة، وليس عبر التنظيم الذاتي»، ويضيف: «الأمر أشبه بالقيادة، سواء كان ذلك على الجانب الأيسر أو الأيمن، حيث يجب على الجميع القيادة بنفس الطريقة، وإلا سنكون في ورطة».
كما يلفت إلى أن «هناك مشروع قانون (بشأن الذكاء الاصطناعي) قيد الإعداد في الاتحاد الأوروبي، كما سيتم إقرار قانون قريباً في كندا، ولكنّ ذلك لا يُغني عن إصدار معاهدات دولية مماثلة لما حدث مع (المخاطر النووية)، و(الاستنساخ البشري)».
وبينما أصدرت «يونيسكو» توصياتها بشان التحديات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي قبل أقل من عامين، فإن هناك أكثر من 40 دولة تعمل مع المنظمة لتطوير «ضوابط وتوازنات الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني».
ودعت المنظمة الأممية جميع البلدان للانضمام إلى الحركة التي تقودها لبناء «ذكاء صناعي أخلاقي»، مشيرةً في بيان نشرته في 30 مارس الماضي، إلى أنه «سيتم تقديم تقرير مرحلي عمّا تحقق في هذا الإطار خلال (منتدى اليونيسكو العالمي) حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بسلوفينيا في ديسمبر (كانون الأول) المقبل».
مركز «ليفرهيوم»… نداء ستيفن هوكينغ لأنسنة الذكاء الاصطناعي
أسسه الفيزيائي البارز عام 2016
الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ خلال حفل افتتاح «ليفرهيوم» عام 2016 (جامعة كمبردج)
«من المرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي أفضل أو أسوأ شيء يحدث للبشرية على الإطلاق، لذلك فهناك قيمة كبيرة في تصحيحه»، عبر هذه النداء، وقبل وفاته بعامين، حاول العالم البريطاني البارز ستيفن هوكينغ (1942: 2018) تلخيص دعوته إلى «أنسنه الذكاء الاصطناعي». وإفادة هوكينغ التي جاءت خلال افتتاح «مركز ليفرهيوم لمستقبل الذكاء الاصطناعي» بجامعة كمبردج البريطانية (عام 2016) تعكس جانباً من عمل المركز الذي يتخصص في «مستقبل الذكاء الاصطناعي»، ومع ذلك فإنه يحرص على إظهار البعد الإنساني في اهتماماته وأوراقه البحثية الصادرة عنه. وتجمع الأبحاث التي يصدرها «ليفرهيوم» بين أكاديميين من تخصصات متنوعة؛ مثل: «التعلم الآلي، والفلسفة، والتاريخ، والهندسة، وغيرها»، وذلك بهدف «استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي على المدى القصير والطويل، وضمان استخدامه لصالح البشرية»، وهو الهدف الذي حدده البروفسور هوكينغ، عند افتتاح المركز الذي تم تمويل إنشائه بمنحة 10 ملايين جنيه إسترليني. وكذلك قال ستيفن كيف، مدير المركز في حفل افتتاحه، إننا «بحاجة إلى ذكاء صناعي يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، لا أن يحل محلنا»، مضيفاً أنه يجب العمل على «ضمان أن تكون للنظم الاصطناعية الذكية أهداف تتماشى مع القيم الإنسانية، والتأكد من أن أجهزة الكومبيوتر لا تتطور تلقائياً في اتجاهات جديدة غير مرحب بها». وخلال الأبحاث الأحدث لـ«ليفرهيوم»، سعى المتخصصون إلى «رصد التحيز الجنسي للرجل عن طريق إنشاء صورة نمطية ثقافية حول سيطرة الرجال على مجال الذكاء الصناعي»، الأمر الذي قد يؤدي، وفق تقديرهم، إلى «مزيد من النقص في عدد النساء العاملات بالمجال، فضلاً عن تسرب التحيز إلى الخوارزميات الموضوعة مثلاً لاختيار العاملين الجدد في أي مؤسسة». وخلال الدراسة المنشورة في 13 فبراير (شباط) الماضي بدورية «Public Understanding of Science»، حصر باحثو «ليفرهيوم» 142 عملاً سينمائياً خلال قرن (1920: 2020) تطرقت للذكاء الاصطناعي، وحددوا 116 شخصية ظهرت كمحترفة بالمجال، وكان من بينهم 92 في المائة من الرجال، بينما تقدر النسبة الفعلية للرجال في القطاع بـ78 في المائة. وأبدى الباحثون مخاوفهم من أن الخيال العلمي يشكل الواقع، وقد يساعد «ترسيخ هذا الوضع عبر السينما، إلى تهميش المرأة في منتجات الذكاء الاصطناعي». كما تمكن مشروع بحثي آخر أطلقه المركز خلال الفترة من 2018 إلى 2022 تحت عنوان «السرديات العالمية الذكاء الاصطناعي»، من رصد الروايات الخيالية للذكاء الاصطناعي وتحديد القيم والمصالح التي توجهها، وتحليل تأثيرها على الخيال العام والقبول العام، وعلى صانعي السياسات والحكومات.
القاهرة – حازم بدر
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
مسار إفلاس الدول: ربع دول العالم مهدد بالإفلاس (2 من 2)
|
محمد النوري – مكرم عمر المسعدي
يُمثل إفلاس الدولة إعلانًا عن فشل الحكومة في سداد أقساط الديون والفوائد عند استحقاقها. ولا يُشترط للإفلاس الجمع بين عدم سداد الديون المستحقة للدائنين والإعلان الرسمي من الحكومة بأنها لن تسدد الديون المُستحقة؛ إذ تتجه بعض الحكومات إلى عدم التصريح بهذه الحالة تلافيًا لردود الفعل الشعبية. ويمكن أن تبلغ أوضاع بعض الدول، على اختلاف قوتها، مرحلة الإفلاس بتوافر موجبات وفواعل مالية واقتصادية وسياسية دافعة للأزمة ومغذية للفشل. وقد شمل تاريخ الإفلاس خلال القرنين الماضيين ما يقرب من نصف دول القارة الأوروبية و40% من دول إفريقيا و30% من دول آسيا ومعظم دول أميركا الجنوبية.
عاشت بعض الدول عمليات إفلاس متتالية على غرار الإكوادور، التي أعلنت إفلاسها في عشر مناسبات، كما أعلنت كل من البرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي وكوستاريكا وإسبانيا وروسيا إفلاسها تسع مرات. أما ألمانيا فقد عرفت الإفلاس ثماني مرات، وبذلك احتلت الصدارة بين الدول الاقتصادية الكبرى التي أفلست، تليها الولايات المتحدة خمس مرات والصين والمملكة المتحدة أربع مرات. أما اليابان فقد أفلست مرتين، وفي العام 2001 أعلنت الأرجنتين أيضًا إفلاسها(1).
حالات إفلاس الدول خلال الفترة بين 1900 و2001
الدول المُفلسة
عدد حالات الإفلاس
1
الإكوادور
10 مرات
2
البرازيلالمكسيكأوروغوايتشيليكوستاريكاإسبانياروسيا
9 مرات
3
ألمانيا
8 مرات
4
بوليفيا
6 مرات
5
الولايات المتحدة الأميركية
5 مرات
6
الصين والمملكة المتحدة
4 مرات
7
اليابان
مرتين
8
الأرجنتين
مرة واحدة
المصدر: (The Business Standard)
وقد حذَّر رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 من أن أكثر من 50 من أفقر البلدان النامية معرض لخطر التخلف عن سداد ديونه ومهدد بالإفلاس الفعلي ما لم يقدم العالم الغني مساعدة عاجلة. وبيَّن أن 54 دولة، أي ما يقرب من 28% من دول العالم على قائمة المنظمة الأممية، تواجه ارتفاع احتمالية التخلف عن الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية(2). وبما أن الإفلاس قد طرق أبواب معظم الدول في العالم على اختلاف أحجامها وقدراتها الاقتصادية وامتداداتها الجيوسياسية، يجدر التطرق إلى التجارب الحديثة في الإفلاس، واستعراض الدول المُهددة حاليًّا بالإفلاس في كل من أوروبا وأميركا الجنوبية وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية.
1. أشهر حالات الإفلاس
تظل أشهر حالات الإفلاس في العقود القليلة الماضية التي كانت لها تأثيرات داخلية عميقة وانعكاسات خارجية كبيرة هي حالات المكسيك والأرجنتين وفنزويلا واليونان ولبنان. فيما يلي استعراض لتلك الحالات وقراءة في أسباب إفلاسها وآثاره:
اليونان
شهدت اليونان في العام 2010، أزمة خانقة بسبب الإفراط في الديون التي بلغت في مجملها 948 مليار يورو، وهو ما يشكِّل نسبة 400% من الناتج الإجمالي للبلاد؛ وهذه نسبة مرتفعة جدًّا، خاصة إذا ما اعتبرنا ما يصاحبها من التزامات وأعباء مالية أخرى تجعلها من أقسى الديون شروطًا وأعلاها فائدة لكونها كانت تتم تحت ظروف اقتصادية وسياسية ضاغطة. اتسمت هذه الأزمة بالإنفاق العالي على التسلح، إضافة إلى التسيب والفساد الإداري والبيروقراطية والمحسوبية السياسية وعجز الدولة عن تطبيق القانون لحسابات سياسية واجتماعية وخشيتها من سطوة النقابات. وبما أن أزمة الديون السيادية اليونانية شكلت أزمة مالية هيكلية هددت المنظومة الاقتصادية والمالية لمنطقة اليورو، فقد طُرحت مسألة خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي توقِّيًا لارتداداتها الإقليمية. في الوقت ذاته، اندفع الاتحاد الأوروبي إلى المسارعة بإنقاذ الموقف تجنبًا للانهيار التام، بالتوازي مع التزام الحكومة اليونانية بخطة تقشف لثلاث سنوات متتالية تهدف إلى خفض العجز في الميزانية إلى غاية عام 2015.
الأرجنتين
شهدت الأرجنتين أزمة غير مسبوقة بين عامي 1998 و2002 عُرفت بأزمة “كساد الأرجنتين العظيم”، أدت إلى تراجع النمو بنسبة 28% واتساع دائرة الفقر وارتفاع معدل البطالة الذي تجاوز 20%. فأعلنت الدولة إفلاسها عام 2001 بعد أن بلغت ديونها 145 مليار دولار وأصبحت عاجزة عن تسديدها. خلال تلك الأزمة وقع التفويت في 40% من الشركات المملوكة للدولة و90% من القطاع المصرفي مقابل إيرادات إجمالية بلغت نحو 49 مليار دولار. ولكن تلك المبالغ لم تنفق لمعالجة أسباب الأزمة أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل أُنفقت على خدمة الديون التي تعود في أغلبها إلى المستثمرين الأجانب(3). وقد تسببت الأزمة في اضطرابات سياسية واقتصادية عصفت بالبلاد وأدت إلى سقوط الحكومة وفرار الرئيس إلى الخارج. وكان لإفلاس الأرجنتين تداعيات إقليمية حيث تسببت تلك الأزمة في إفلاس دول أخرى مجاورة.
المكسيك
أعلنت المكسيك إفلاسها، عام 1994، إثر أكبر أزمة مالية مرت بها البلاد، إلى جانب عدد من بلدان أميركا اللاتينية؛ ما أثَّر على مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي. تفجرت تلك الأزمة عقب إجراءات متسرعة أقدمت عليها الحكومة بضغط من صندوق النقد الدولي، من بينها تعويم مفاجئ وغير مخطط له للعملة الوطنية (البيزو) مقابل الدولار الأميركي؛ ما أدى إلى هروب مكثف لرؤوس الأموال وانهيار العديد من البنوك المحلية، فتفاقمت معدلات الفقر لتتجاوز 60%، ووصلت نسبة البطالة إلى 70%(4). وكانت المكسيك، قبل ذلك، قد تخلفت عن سداد قرض حكومي بقيمة 80 مليار دولار في العام 1982 وسط ارتفاع الدَّيْن العام بوتيرة سريعة بسبب برامج التوسع المالي الهائلة لإدارة الرئيس لويس إتشيفيريا. حدثت تلك الأزمة في أعقاب الصدمة النفطية في أواخر السبعينات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فانخفضت قيمة البيزو المكسيكي بنسبة 50%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11%، ما تسبب في تخلف المكسيك عن سداد ديونها للولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي.
فنزويلا
شهدت فنزويلا بدورها أزمة وُصفت بالاستثنائية من حيث الحجم والتأثيرات التي خلَّفتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد أفرزت معدلات تضخم خيالية وغير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي للدول (10 ملايين بالمئة)، وذلك بسبب الاعتماد على اقتصاد ريعي، تحديدًا قطاع النفط، بنسبة 96%. وقد عُرفت تلك الفترة بإدارة سيئة لقطاع الطاقة والاقتصاد عمومًا. ومع الانهيار المفاجئ لأسعار النفط والإفراط في الاستدانة، أعلنت الدولة إفلاسها عام 2016.
لبنان
تعد لبنان الدولة العربية الأولى في قافلة الدول المفلسة أو المتخلفة عن السداد وذلك عقب أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى تراكم الديون التي بلغت نسبة 170% من الناتج الإجمالي الخام. بدأت الأزمة بانهيار القطاع البنكي، العصب الرئيسي للاقتصاد القائم على القطاع الخدماتي بالأساس، ومن ثم انهارت العملة الوطنية، ما انعكس سلبًا على التحويلات المالية للبنانيين المقيمين في الخارج وتفاقم ظاهرة الفقر في المجتمع بشكل غير مسبوق. وقد أدى هذا الوضع المتفجر إلى إعلان الحكومة، أولًا، عن الإفلاس عبر محافظ البنك المركزي(5)، ثم تداركت ذلك بالتراجع عن الإعلان والاستعاضة بعبارة “التخلف عن السداد”، من أجل تخفيف الوطأة وتجنب الهزة التي قد تقود إلى المزيد من الغليان الشعبي والانفجار الاجتماعي. ولكن الأحداث اللاحقة التي مرت بها البلاد أثبتت حقيقة الإفلاس ولم يجد الإنكار نفعًا. ولا يزال لبنان غير قادر على الخروج من عنق الزجاجة ولا تزال مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي بين أخذ وردٍّ لتحديد طريقة توزيع الخسائر بين الدائنين الدوليين والبنوك التجارية والمودعين والدولة ممثلة في المصرف المركزي. ولن تكون عملية الخروج من النفق دون كلفة سياسية نظرًا للشروط المجحفة التي تفرضها الجهات الدائنة عبر صندوق النقد الدولي وتدخله في الشؤون الداخلية بشكل يمس السيادة الوطنية للبلاد.
ويمكن تفسير أزمة الديون في لبنان بسببين تنظيميين وهيكليين، أولهما: السماح للبنوك التجارية اللبنانية بالمضاربة في العملات الصعبة المحولة من المغتربين في الخارج على صكوك الدين السيادية المقومة بالليرة اللبنانية بأسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي يمنحها مصرف لبنان المركزي، وثانيهما: الفساد المستشري في المؤسسات المالية والتنفيذية اللبنانية، خاصة تلك التي تتعلق بمشاريع التنمية لمرحلة ما بعد الحرب(6).
إلى جانب هذه الحالات المشهورة، شهدت عدة دول في مختلف مناطق العالم حالات تخلف عن السداد المفضي إلى الإفلاس، نستعرضها فيما يلي:
2. مسار إفلاس الدول في أوروبا
بالإضافة إلى الحالة اليونانية، تُعد أيسلندا وروسيا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا أبرز الدول الأوروبية التي أفلست أو يتهددها خطر الإفلاس. وتُعرف الدول الثلاث الأخيرة، إلى جانب اليونان وإيرلندا، بمجموعة دول “البيغس” (PIIGS)، وهو مصطلح يُستخدم من قبل محللي السندات الدوليين، للإشارة إلى الدول الأوروبية الأكثر مديونية والمرشحة للإفلاس.
أيسلندا
أفلست أيسلندا في العام 2008 بعدما بلغت ديونها 85 مليار دولار وجفَّت سوق الائتمان العالمية في أعقاب الانهيار الذي شهده القطاع المالي الأميركي. وقد نمت الفقاعة المصرفية إلى درجة أنه بحلول عام 2008، كان على النظام المصرفي ديون تعادل 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأيسلندا. ومع انهيار أكبر ثلاثة بنوك فيما اعتُبر أكبر انهيار مصرفي منهجي في التاريخ، سقطت البلاد في ركود، وانكمش اقتصادها بنسبة 10% خلال العامين التاليين. ومن المثير للاهتمام، أن أيسلندا حققت انتعاشًا قويًّا بعد الأزمة، فاستقر معدل البطالة عند 4%. وبحلول العام 2014، أصبح اقتصادها أكبر بنسبة 1% مما كان عليه قبل عام 2008.
روسيا
تاريخيًّا، أعلنت روسيا إفلاسها 9 مرات، كان آخرها عام 1998 بدين قدره 17 مليار دولار، بعدما بدأت آثار الأزمة المالية الآسيوية وانخفاض الطلب على النفط في الضغط على الاقتصاد الروسي الذي تكبد ديونًا دولية هائلة وكان يعاني أصلًا من انخفاض الإنتاجية الوطنية. وأدت أزمة الروبل في السنة ذاتها إلى خسارة سوق الأسهم الروسية 75% من قيمتها، ووصل التضخم إلى 80% مع فرار المستثمرين من السوق. ولم تتمكن روسيا إلا من سداد أقل من 10 مليارات دولار من ديونها البالغة 17 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، فانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 5.3% ووصلت البطالة إلى 13%.
دول “البيغس” (PIIGS)
“البيغس” اختصار للبرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا، وهي الدول ذات الاقتصادات الأضعف في منطقة اليورو خلال أزمة الديون الأوروبية في العام 2012(7). في تلك الفترة، حظيت الدول الخمس باهتمام خاص من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب ضعف الناتج الاقتصادي وغياب الاستقرار المالي، ما زاد الشكوك حول قدرة تلك الدول على سداد مستحقات حاملي السندات، وأثار مخاوف من تخلفها عن سداد ديونها. وباستثناء اليونان، التي استطاعت بعد بلوغها حافة الإفلاس التحكم في مديونيتها بفضل المساعدة الاستثنائية التي منحها إياها الاتحاد الأوروبي خشية انتشار العدوى إلى باقي دول الاتحاد، لا تزال أزمة الديون السيادية في باقي دول هذه المجموعة قائمة. فبالرغم من الانخفاض الملحوظ قياسًا بعام 2012، الذي سجل اندلاع أزمة الديون الأوروبية، لا تزال هذه الدول معرضة لتكرار نفس الأزمة بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من جهة، وبسبب السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي المتجهة منذ العام 2022 نحو ترفيع متواصل في سعر الفائدة. وقد أدت تلك السياسة إلى إفلاس ثلاثة بنوك مهمة في الولايات المتحدة، إلى جانب بنك كريدي سويس السويسري في العام 2023. ولا يزال معدل الدين الخارجي بالنسبة للناتج الإجمالي في هذه الدول مرتفعًا جدًّا؛ حيث يبلغ في إيطاليا 144% والبرتغال 113.9% وإسبانيا 113.2%. وهذه المستويات تؤشر على سوء إدارة المديونية في تلك الدول، وعلى بلوغها مرحلة متقدمة عادة ما تسبق مرحلة العجز عن السداد. وقد أشارت دراسة صادرة عن البنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2019، إلى أن ما يقرب من نصف الزيادات في معدلات الديون تنتهي بأزمات مالية. ويعود الأمر بدرجة كبيرة إلى سوء إدارة الديون التي ينتج عنها انهيار في أسعار السلع الأساسية والتباطؤ الاقتصادي الحاد، والتخلف عن السداد ومن ثم التورط في أزمة ديون جديدة(8)، أي الدخول في مسار الإفلاس والدوران في “حلقة الموت”.
3. مسار إفلاس الدول في إفريقيا
كينيا
طبقًا لوكالة موديز، تصنَّف كينيا ضمن البلدان الأكثر عرضة للخطر بسبب حجم الديون المستحقة بالنسبة لاحتياطياتها، وتفاقم التحديات المالية من حيث استقرار أعباء الديون. فكينيا تُنفق ما يقرب من 30% من إيراداتها المالية على مدفوعات الفائدة. وقد فقدت سنداتها التي تقدر بقيمة 2 مليار دولار مستحقة لعام 2024، أي ما يقرب من نصف قيمتها. ولا يمكن لهذه الدولة، في الوقت الراهن، الوصول إلى أسواق المال العالمية(9).
غانا
تمر غانا بأسوأ أزمة اقتصادية؛ حيث ارتفعت ديونها، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، إلى ما يقرب من 85%، وقد فقدت عملتها (السيدي الغاني) نحو 60% من قيمتها في العام 2023. ويتجاوز إنفاقها على مدفوعات فوائد الديون نصف عائدات الخزانة من الضرائب. كما يبلغ معدل التضخم 31%(10). وقد تخلفت في العام 2022 عن سداد غالبية ديونها الخارجية، ولا تزال بحاجة إلى مفاوضات تسوية مع حاملي السندات الدوليين من القطاع الخاص. وفي الوقت الراهن، تتفاوض الحكومة الغانية مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد وإعادة هيكلة ديونها الخارجية. ورغم توصلها لاتفاق أولي مع الصندوق على مستوى الخبراء في ديسمبر/كانون الأول الماضي للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، إلا أن هذا الاتفاق يشهد تعثرًا؛ ما دفعها إلى التوجه شرقا إلى الصين للبحث عن حل بديل لتسوية ديونها.
مصر
بدورها، تشهد مصر أزمة اقتصادية ومالية عميقة لا يعكسها فقط حجم المديونية العامة التي تُعتبر الأضخم في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، فقد تضاعفت تلك المديونية ثماني مرات خلال العشرية الماضية (من 54 إلى 391 مليار دولار، منها 163 مليار دولار ديونًا خارجية). ويكشف العديد من المؤشرات عن أزمة مالية خانقة وعجز في الموازنة وركود اقتصادي، إلى جانب تضاؤل الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة وانهيار قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي. يضاف إلى ذلك نزوح الأموال الساخنة إلى الخارج وارتفاع أسعار النفط والحبوب، والآثار السلبية للحرب في أوكرانيا على القطاع السياحي.
تؤكد هذه المؤشرات جميعها أن الوضع الاقتصادي المصري بالغ التعقيد؛ ما جعل بعض التقارير الدولية يضع مصر في الترتيب الخامس عالميًّا في قائمة الدول المهددة بشكل جدي بالإفلاس. كما تشير التوقعات إلى أن مصر ستعجز عن سداد ديونها الخارجية خلال الفترة المقبلة بسبب كثرة القروض وفشل الدولة في توفير السيولة مقابل تراكم الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. فقد بلغت تلك النسبة 93% عام 2022، وهي أعلى بكثير من الحدود الآمنة. في المقابل، تواصَلَ انهيار الجنيه المصري، فارتفعت الأسعار بمستويات غير مسبوقة وبلغ معدل التضخم 14.9%. وعلى الرغم من الإمدادات المتواصلة من صندوق النقد الدولي لإنقاذ الاقتصاد المصري، فإن مصر تحاول جاهدة الإفلات من فخ الإفلاس بكل الوسائل ومهما كانت التكاليف، بما في ذلك التمادي في عملية تدوير القروض، أي الاقتراض من جديد لتأمين سداد أقساط وفوائد القروض السابقة. وقد بلغت قيمة تلك القروض 28 مليار دولار؛ ما يضع مصر في المرتبة الثانية عالميًّا في حجم الاقتراض من الصندوق بعد الأرجنتين.
تونس
يمر الاقتصاد التونسي بمرحلة حرجة بسبب المصاعب والمشكلات المالية، خصوصًا بعد إعلان الوكالة الدولية للترقيم، موديز، تخفيض الترقيم السيادي للدولة للمرة العاشرة على التوالي. لكن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة؛ حيث شمل التخفيض أيضًا المؤسسات المالية الرئيسية بما في ذلك البنك المركزي، إلى جانب أهم أربعة بنوك تجارية، إلى درجة متدنية جدًّا في السلم المعتمد لتصنيف الدول وهي (س أأ2) مع آفاق سلبية. وتبدو سبل الإنقاذ وتفادي الكارثة منعدمة بعدما تخلى صندوق النقد الدولي عن الطلب التونسي لتوقيع الاتفاق الذي كان من المفترض إبرامه، في ديسمبر/كانون الأول 2022. في المقابل، ثمة نوع من التعنت السياسي من أعلى هرم الدولة التونسية في القبول بشروط الصندوق من أجل المرور إلى التوقيع. وبالتالي، لا غرابة أن يكثر الحديث عن قرب الإعلان عن الإفلاس، ويذهب البعض إلى اتهام الحكومة بالتكتم على الوضع الحقيقي للاقتصاد خصوصًا بعد الزيارة المريبة لمدير الخزانة الفرنسية ورئيس نادي باريس المتخصص في إعادة جدولة ديون الدول المفلسة أو على وشك الإفلاس، وهي الزيارة الثانية لتونس في ظل تعتيم رسمي على دواعيها الحقيقية وتداعياتها المستقبلية.
تؤكد هذه المؤشرات أن تونس في طريقها للإفلاس، أو هي في وضع إفلاس غير معلن، وذلك للأسباب الموضوعية التالية:
– تخفيض الترقيم السيادي للبلاد من قبل كبرى وكالات التصنيف العالمية موديز إلى درجة (س أأ2) مع آفاق سلبية، بما يؤشر إلى إمكانية تنزيلها إلى أدنى من ذلك، أي التصنيف الخاص بالدول المفلسة حقيقةً أو حكمًا. ويعتبر هذا التخفيض بمنزلة تحذير للأطراف الدائنة لتونس وللأسواق المالية الدولية والمؤسسات المالية والمستثمرين عمومًا بأن البلاد مرشحة للتعثر في تسديد ديونها باعتبارها “ذات مخاطر عالية جدًّا”.
– ارتفاع الأسعار بشكل فاحش، وهو ما جعل معدل التضخم يتجاوز، لأول مرة، سقف 11% معدلًا عامًّا لكل أصناف المواد ويبلغ 39.8% للمواد الغذائية. وإلى ارتفاع الأسعار، بات التونسيون يعانون من ندرة أو اختفاء عدد متزايد من المواد الأساسية من الأسواق، في مقدمتها الزيت والسكر والأرز والدقيق والحليب، وكذلك المياه المعدنية والمشروبات الغازية والحلويات الصناعية والدواجن، فضلًا عن فقدان أغلب المواد التي تحظى بدعم الدولة. أما إجمالي الزيادات في سعر الوقود فقد بلغ حوالي 20% خلال العام 2013.
– اعتماد مفرط على الجباية وتوسع ملحوظ في النفقات. وقد بلغت نسبة الموارد الجبائية 87% من إجمالي ميزانية 2023، وهي نسبة عالية جدًّا وغير مسبوقة في تاريخ المالية العمومية بالبلاد. ويعود هذا الارتفاع إلى إقرار حزمة من الضرائب الجديدة على الأفراد والمؤسسات أهمها إحداث ضريبة على الثروة والترفيع في ضريبة القيمة المضافة من 13% إلى 19% لبعض المهن الحرة. بسبب ذلك، ارتفع معدل الضغط الجبائي إلى أكثر من 25%، وهو الأعلى عربيًّا وإفريقيًّا. في المقابل، تقلصت نفقات الدعم بنسبة 25% للمحروقات و30% للمواد الأساسية، كما تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة ليصل مستوى 96 يومًا فقط، مع غياب الرؤية الشاملة لمعالجة هذه الأزمات.
– ارتفاع نسبة المديونية بشقيها، الداخلي والخارجي، لتبلغ مستوى غير مسبوق قياسًا إلى الناتج الإجمالي (ما بين 90% و100% حسب مختلف التقديرات). وأصبحت ميزانية الدولة، التي تعاني من عجز يقترب من 10%، في حاجة ماسَّة إلى تعبئة موارد اقتراض بقيمة 24.5 مليار دينار منها 66.2% مرتبطة بالاقتراض الخارجي.
– تفاقم العجز التجاري بشكل قياسي بلغ 25.2 مليار دينار (8.18 مليارات دولار)، في العام 2023، مقابل 16.2 مليار دينار (5.22 مليارات دولار)، في العام 2021، بزيادة قدرها ثلاثة مليارات دولار، جرَّاء الارتفاع الحاد للواردات، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.
4. مسار إفلاس الدول في آسيا
سريلانكا
أصبحت سريلانكا أحدث مثال على إفلاس الدول بعد فشلها في تسديد القروض الأجنبية. وقد اعترف رئيس الوزراء السريلانكي، رانيل ويكرمسينغ، بالإفلاس وأخبر البرلمان بأن الأزمة الاقتصادية ستستمر حتى نهاية العام 2024 على أقل تقدير. وكانت الحكومة قد أعلنت، في أبريل/نيسان 2023، تعليقًا مؤقتًا لسداد جميع الديون الخارجية البالغة 51 مليار دولار، كما أعلنت أنها تتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة إنقاذ محتملة.
وقد نجم الانهيار المالي الذي واجهته الحكومة جزئيًّا عن التأثير المباشر لأزمة “كورونا” وتراجع مداخيل السياحة، لكنه تفاقم بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي والتخفيضات الضريبية التي أدت إلى تآكل إيرادات الدولة. وكان من أسبابه أيضًا سداد الديون الضخمة للصين وبلوغ احتياطيات النقد الأجنبي أدنى مستوياتها منذ عقد. في غضون ذلك، ارتفع التضخم مدفوعًا بطباعة النقود لسداد القروض المحلية والسندات الأجنبية، فيما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية الصالحة للاستخدام إلى أقل من 50 مليون دولار في بداية مايو/أيار الماضي. أما بخصوص خدمة الدين الخارجي، فعلى سريلانكا أن تدفع نحو 7 مليارات دولار متبقية من عام 2022، إلى جانب 25 مليار دولار مستحقة بين عامي 2024 و2026.
باكستان
تواجه باكستان أزمة مركبة تضعها في نظر المراقبين في قائمة الدول المهددة جديًّا بالإفلاس، على الرغم من إذعانها لشروط صندوق النقد الدولي للحصول على خط إقراضي جديد من جهة، واستمرارها في الاعتماد على الصين لتأمين ما تبقى من حاجياتها التمويلية من جهة أخرى. ومع ذلك، لم تسعف هذه القروض المزدوجة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني من اختلالات هيكلية عميقة. فقد ارتفعت الديون إلى مستوى غير مسبوق لتبلغ 270 مليار دولار، منها أكثر من 100 مليار دولار ديونًا خارجية و30 مليار دولار ديونًا صينية. وتمثل هذه الديون 74% من الناتج الإجمالي المحلي. ويعاني الاقتصاد الباكستاني من مصاعب أخرى، منها ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت مستويات قياسية منذ 50 عامًا لتصل عام 2022 إلى 41%. إلى جانب ذلك، تضاءل احتياطي البلاد من العملات الأجنبية إلى نحو 3.7 مليارات دولار فقط، وهو مبلغ لا يكاد يكفي لسد حاجيات البلاد لبضعة أسابيع من أجل تأمين واردات الطاقة والحفاظ على سير العمل في مؤسسات الدولة(11).
ومع خفض قيمة العملة المحلية (الروبية) أمام العملات الأجنبية ورفع أسعار الوقود وتقليص دعم المواد الغذائية وفرض المزيد من الضرائب وزيادة أسعار الفائدة إلى 20%، تشتد الضغوط المعيشية ويتضاعف مستوى الفقر. وقد أدت هذه المصاعب إلى تخفيض الترقيم السيادي لباكستان إلى أدنى الدرجات (س أأ3)؛ وهو ما يضعها على حافة الإفلاس. وتقدِّر وكالة موديز احتياجات التمويل الخارجي لباكستان بـ11 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز بكثير حزمة الإنقاذ المقترحة من الصندوق (في حدود 1.1 مليار دولار) والقرض الصيني (700 مليون دولار)، وهذا الوضع يجعل الدائنين يستعدون لاحتمال تخلف الدولة عن السداد.
5. سيناريوهات ما بعد الإفلاس: مآلات ومعالجات
مهما كانت صحة التقديرات التي تشير إلى حالة الإفلاس الفعلية لمختلف الدول التي تم التركيز عليها في هذه الورقة، والتي تتباين في حدة الأوضاع وشدة المصاعب التي تمر بها، فإن القاسم المشترك الذي يربط بينها هو طبيعة المناخ المفضي إلى الإفلاس سواء وقع الإعلان عنه أو التكتم عليه لاعتبارات سياسية واجتماعية. وبالتالي، فإن معظم تلك البلدان تتوافر فيها علامات الإفلاس التي شهدها المسار العام الذي سلكته دول عديدة أعلنت سابقًا عن إفلاسها. من الناحية العملية، تبدأ مرحلة ما بعد الإعلان عن الإفلاس بتعليق السداد وإعلام الأطراف الدائنة بذلك ثم الشروع في عملية هيكلة الديون وجدولتها، إلى جانب الدخول في مفاوضات جديدة مع الصندوق النقد الدولي. وعمومًا، لا تخرج الصورة عن السيناريوهات الثلاثة التالية:
سيناريو التحكم
في هذا السيناريو تتمكن الدولة من التحكم في الوضع الجديد عبر تدخل طرف أو أكثر من الدول الصديقة لمساعدتها، على غرار المثال اليوناني، الذي تمكن من التغلب على ظروف الإفلاس بتدخل قوي من الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك التدخل ضمن خطة إنقاذ عاجلة خوفًا من توسع دائرة الأزمة وانتقالها إلى بلدان أوروبية أخرى. ودامت تلك الخطة خمس سنوات، ما بين 2010 و2015. ويتطلب هذا السيناريو حكومة وطنية رشيدة تتخذ سياسات اقتصادية فعالة تعالج جذور الأزمة التي أدت إلى الإفلاس، وأن تكون حكومة توافقية بعيدة عن التجاذبات السياسية والنزاعات الحزبية. غير أن سيناريو التحكم في مرحلة ما بعد الإفلاس لا يكتمل بين يوم وليلة، بل يستغرق سنوات للخروج من هذه الأزمة؛ ما يجعل جيلًا بأكمله يعاني لعقود طويلة.
سيناريو الانفلات
يحصل سيناريو الانفلات حين تفشل الدولة في إدارة مرحلة الإفلاس، وغالبًا ما تتوسع دائرة الأزمة في حالة الانفلات، لتتخذ أبعادًا إقليمية ودولية. من أمثلة هذا السيناريو ما حصل في الأرجنتين التي أعلنت إفلاسها عام 2001 إثر أزمة سياسية واقتصادية عنيفة عصفت بالبلاد وأجبرت الرئيس على الفرار إلى الخارج. وأدت تداعيات إفلاس الأرجنتين إلى إفلاس دول أخرى مثل الإكوادور والبرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي. ولم تتمكن الأرجنتين من التغلب على الأزمة إلا بتدخل قوي من صندوق النقد الدولي بضخ حوالي 57 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأرجنتيني والحد من تأثيرات الأزمة.
سيناريو التعايش
في هذا السيناريو تتعايش الدولة مع حالة الإفلاس غير المعلن إلى حين، وتحاول إدارة الأزمة الاقتصادية بجملة من الإسعافات الاستثنائية في انتظار اتضاح الأمور والاتجاه نحو أحد الخيارين السابقين، إما التحكم في الأوضاع والتوصل إلى خطة إنقاذ عبر تدخل صندوق النقد الدولي أو مؤسسات مالية أخرى، أو عبر تمويلات ثنائية بطرق خاصة، أو التوجه نحو نادي باريس أو نادي لندن لإعادة جدولة الديون. وفي كل الأحوال لا يتم ذلك إلا بتوجيه من صندوق النقد الدولي وتعليماته، على غرار ما يحدث منذ نحو سنتين مع كل من لبنان وكوستاريكا.
في كل هذه السيناريوهات، تبرز الأهمية المحورية لصندوق النقد الدولي. فالمرور عبره والتفاهم معه على المعالجة المطلوبة أمر لا مفر منه من أجل إعادة هيكلة الديون بشكل يحفظ ضمان مصلحة الجهات الدائنة ويسهِّل تجاوز تداعيات الأزمة.
6. خلاصات
نخلص مما سبق إلى جملة من الدروس المستفادة من تجارب الدول التي وصلت إلى حالة الإفلاس، سواء أعلنت عنها أم تكتمت عليها. فالسبب الرئيس لما قبل الإفلاس هو المديونية، والنتيجة لما بعد الإفلاس هي كذلك المديونية، أي الوقوع في نفس الفخ من جديد وتكرار التجربة عدة مرات. فالمديونية عنوان لخارطة طريق واحدة ومتشابهة في كل الحالات، وبالتالي لا غرابة أن تشهد بعض الدول حالات إفلاس متكررة في التاريخ كما حدث في الإكوادور (10 مرات)، البرازيل (9 مرات)، تشيلي (9 مرات)، كوستاريكا (9 مرات)، إسبانيا (9 مرات)، بوليفيا (6 مرات)، الولايات المتحدة (5 مرات)، وغيرها(13). والواضح من هذا التكرار أن الدول المعنية لم تستوعب الدرس ولم تستخلص العبرة لتبحث عن حلول بديلة لمعالجة أزماتها الهيكلية بدلًا من العودة إلى الوصفات الجاهزة التي يقدمها الصندوق للجميع بغض النظر عن خصوصيات كل بلد وقدراته. فالكثير من تلك البلدان لا يحرص على الاعتماد على الذات وتنمية فرص الاقتدار وتثمين الإمكانات والثروات المحلية التي تستنزفها القوى الأجنبية في أغلب الحالات كما أن كثيرًا من الدول التي بلغت مرحلة الإفلاس فشلت في توسيع شراكاتها الإقليمية والدولية وتنويع مصادر تمويل اقتصاداتها، خلافًا لما قامت به دول صاعدة أخرى عاشت نفس الأزمة وعانت من نفس الصعوبات مثلما كانت الحال في كوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا وغيرها.
أما من حيث المقدمات التي تسبق مرحلة الإفلاس، فتتمثل غالبًا في اجتماع ثلاث أزمات (مالية واقتصادية وسياسية) في نفس الوقت، بحيث تغذي كل منها الأخرى فينجم عن ذلك التفاعل أزمة مركبة. وما لم يحصل تفكيك تلك الأزمات والتوجه إلى معالجة كل منها على حدة، لاسيما الأزمة السياسية التي هي رأس الداء ومنبع الدواء، فإن الطريق إلى الإفلاس سيكون مفتوحًا على مصراعيه دون عراقيل.
أما بشأن العلاقة بين أولوية الداخل والخارج في عمليات الإصلاح، فيتبين من تجارب الدول التي أفلست أن أغلبها لم يتجه إلى تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الذاتية النابعة من الداخل، بل اضطر إلى الإذعان لتلك الإصلاحات تحت ضغوط خارجية مفروضة من صندوق النقد الدولي وغالبًا ما تأتي تلك الإصلاحات متأخرة وفي وقت غير مناسب ويتم تنزيلها كرهًا لا طوعًا بعد استفحال الأزمة وتعمقها.
وما يزيد من تعميق تلك الأزمات حالة الإنكار التي تعيشها بعض الدول التي تسير في مسار الإفلاس. فإنكار الواقع وعدم الاعتراف بحقيقة الوضع يجعل التعاطي مع حالة الإفلاس يأتي بنتائج عكسية فلا يقع الإعداد الجيد لتعزيز القدرة على التفاوض مع الدائنين وتحسين شروط إعادة هيكلة الديون والعمل على الحط من الفوائد الباهظة المصاحبة لها وتأجيل البعض. في المقابل، يهيمن الغموض وعدم اليقين على المناخات الداخلية، فيصعب التعامل مع الواقع الجديد والتحكم في مساراته في انتظار التوصل إلى المعالجة المناسبة بأقل كلفة ممكنة.
(6) إلياس بانتيكاس، تخلف لبنان عن سداد ديونه العامة: التجربة اليونانية تظهر أن السبب مهم بقدر أهمية العلاج، كلية القانون، جامعة حمد بن خليفة، 23 سبتمبر/أيلول 2021.
(7) Marcin Szczepanskim, European Parliamentary Research Service, A Decade On from the Crisis: Main Responses and Remaining Challenges, PE 642.253, October 2019.
(8) World Bank: Global Waves of Debt: Causes and Consequences, p. 19, December 2019.
(9) Reuters, Debt Crisis: Which Countries are at Risk of Defaulting? Global Economy, 15 July 2022.
(10) The World Bank: The World Bank Group Aims to Help Ghana towards Creating a Dynamic and Diversified Economy, Greener Job Opportunities, for a More Resilient and Inclusive Society.
مسار إفلاس الدول: الأسباب والتجليات والانعكاسات (1 من 2)
|
محمد النوري – مكرم محمد المسعدي
يكتسي البحث في مسار إفلاس الدول في الظرف الراهن أهمية بالغة نظرًا لتفاقم أزمة الديون السيادية في مناطق عديدة من العالم جرَّاء التداعيات المتراكمة للأزمة المالية الجاثمة على الاقتصاد العالمي والتي ضاعفت من مخاطرها الأزمة الوبائية الكونية والحرب الروسية-الأوكرانية. وقد أدى ذلك بوكالات الترقيم السيادي إلى تخفيض تصنيف عدد من الدول ذات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحرجة إلى أدنى درجات السلَّم الائتماني؛ الأمر الذي يضعها على أبواب الإفلاس المالي، سواء أعلنت عنه تلك الدول أو تكتمت عليه إلى حين، بهدف تخفيف تداعيات الإعلان واستتباعاته على أوضاعها الداخلية.
وتزداد الحاجة لتناول هذا الموضوع كونه يمثل أبرز التحديات التي تواجهها مختلف اقتصادات العالم، لاسيما النامي منها في المستقبل المنظور، وذلك من أجل استكشاف مخاطره السيادية من جهة، وللتعرف على السيناريوهات المحتملة لمصير الدول المقبلة على الإفلاس السيادي وتأثيراتها على العلاقات الدولية. يضاف إلى ذلك، أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب الأسواق المالية ووكالات الترقيم السيادي في نحت مستقبل الدول المتعثرة عن سداد ديونها.
فماذا يعني إفلاس الدول تحديدًا؟ وما أبرز أسبابه ومقدماته وتجلياته؟ وما تداعياته على الدولة والمجتمع؟ وما المآلات التي يقود إليها، والتجارب المختلفة في معالجة استتباعاته؟ تحاول هذه الورقة الإجابة على هذه الأسئلة، وفي السياق ذاته، تقدم تحليلًا لواقع الدول المُهدَّدة بالإفلاس في العالم.
متى تُصبح الدولة مُفلسة؟
وفق تعريف معهد التمويل الدولي(1)، يعني إفلاس الدولة أو “الإفلاس السيادي” (Sovereign default) أن الدولة أصبحت غير قادرة على الوفاء بديونها ومستحقاتها الخارجية من أقساط وفوائد بشكل عام؛ وهو ما يعني ضمنيًّا عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الداخلية من حيث تسديد نفقات التسيير من أجور ونفقات توريد لحاجياتها الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بمستلزمات الأمن الغذائي والأمن الصحي. ويمكن أن يتم ذلك بإعلان رسمي من حكومة تلك الدولة، أو حتى من دون إعلان رسمي من خلال مجرد “التخلف عن السداد”. بعبارة أخرى، يعكس الإفلاس السيادي فشل حكومة دولة في سداد دينها بالكامل. وقد يرافق ذلك الفشل إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد أو رفض السداد الجزئي لديونها، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة(2). كما يعني الإفلاس، فضلًا عن التخلف عن السداد والعجز عن توفير مستلزمات تسيير الدولة وتمويل ما تستورده من السلع والمواد الأساسية، الفشل في الحصول على أموال من جهات خارجية لتأمين تلك المستحقات(3). ويعني الإفلاس أخيرًا، اضطرار الدولة المفلسة، في بعض الحالات، لنقل قوتها وقدرتها السيادية إلى جهات عالمية، لتتمكن تلك الجهات من التحكم في الاقتصاد، من أجل تحصيل الديون. وفي حال إعلان الإفلاس دون تمكين الدائنين من التحكم في الاقتصاد، أو عدم الإذعان لتطبيق الشروط اللازمة للتأكد من القدرة على جمع الأصول المالية الخاصة بالدولة، والكافية لسداد ثمن الديون، فإن ذلك يعني أن الدولة ستقع في خطر عدم القدرة على الاستدانة في المستقبل من أي جهة تمويلية نظرًا لتضامن الجهات الدائنة فيما بينها.
أولًا: مقدمات الإفلاس
تسبق حالة الإفلاس الفعلي للدولة مظاهر عامة، وإن كانت تختلف من دولة إلى أخرى. ويمكن إجمال السمات الأساسية لتلك المقدمات فيما يلي:
استفحال الأزمة المالية، التي غالبًا ما تجتمع مع أزمة سياسية واجتماعية تعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي وتفاقم الاحتقان الاجتماعي وضبابية الرؤية للمستقبل.
ضعف الحكومة القائمة على تسيير شؤون الدولة وحصول تغييرات متكررة فيها بما يؤشر على عجز ملحوظ في إدارة المالية العامة وتأمين مستلزماتها.
العجز عن توفير الخدمات والمرافق العامة بانتظام كانقطاع الكهرباء والماء وإمدادات الطاقة وشح في المحروقات وغيرها مما يولِّد حالة من الهلع الاجتماعي خوفًا من فقدان تلك الخدمات.
فقدان، أو اختفاء عدد من المواد الأساسية من أغذية وأدوية، وتفشي الاحتكار فيها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ولجوء الناس إلى الشراء غير المنظم والاستهلاك غير الرشيد.
تضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع أسعار الصرف وشيوع عمليات سحب الودائع من البنوك، وبالتالي تقلص السيولة.
لجوء الحكومة إلى طباعة النقود لتغطية العجز بطرق ملتوية مثل إصدار السندات قصيرة الأجل من قبل البنك المركزي وتسييلها لدى البنوك التجارية، ما يستنزف رصيد السيولة البنكية ويؤدي إلى تراجع الاستثمار لغياب التمويل، ويسهم في تغذية معدلات التضخم التي تشهد ارتفاعًا غير مسبوق.
ثانيًا: أسباب الإفلاس
تتعدد العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار اقتصاد أي دولة، ولكن السياسة النقدية الضعيفة تبقى أهم هذه العوامل المُحدِّدة لمسارات تأزم وضعها المالي. وبشكل عام، هناك أسباب داخلية للإفلاس وأسباب خارجية:
الأسباب الداخلية
عادة ما تكون العلل التي تصيب الاقتصادات الوطنية ناتجة عن عوامل داخلية مباشرة وغير مباشرة، وتتمثل الأسباب الداخلية في:
تفاقم المديونية والاعتماد الكبير على الاقتراض، ولاسيما الاقتراض الأجنبي حيث يتم يتجاوز السقف المتعارف عليه دوليًّا، أي 60%(5). فمستويات الدَّين المُرتفعة، رغم أنها ليست دائمًا سمة من سمات الاقتصادات الهشة، يُمكن أن تُسهم في تدني التصنيف الائتماني للبلدان. فقد كانت ديون أربعة بلدان من مجموعة السبع تساوي أكثر من 75% من الناتج المحلي الإجمالي، أما في جامايكا واليونان، فقد تجاوز الدَّين 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
تعطيل تدابير التقشف والتوسع في الإنفاق والترفيع في الميزانية العامة دون مراعاة القدرة على سد الفجوة المالية المترتبة عن تلك السياسة التي يمكن أن تؤدي إلى المزيد من الاعتماد على الجباية لتغطية العجز بما يسهم في ارتفاع معدل الضغط الجبائي وإرهاق الافراد والمؤسسات.
تضخم كتلة الأجور قياسًا بالناتج الإجمالي بشكل يثقل كاهل الدولة ويعرضها لابتزاز النقابات العمالية والمطالب الاجتماعية المشطة.
اعتماد سياسة نقدية غير حصيفة تعتمد آليًّا على الترفيع في أسعار الفائدة؛ ما يسهم غالبًا في تغذية التضخم وإعاقة الاستثمار وتفشي الفقر والبطالة.
الاستمرار في الاقتراض للاستهلاك بدل الاستثمار والإفراط في اللجوء للتمويل الداخلي بما يؤدي إلى شح السيولة ويدفع الحكومة إلى السحب من احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية لسداد الديون.
استفحال المُعضلات الهيكلية التي تنخر النظام الاقتصادي لمدة طويلة وتحول دون تطوره ونهضته من مديونية وعجز في الميزانية وعجز في الميزان التجاري.
ضعف قدرة الدولة على التحكم في مواردها وثرواتها وفشلها في إدارتها بطريقة رشيدة تحول دون التدخل الأجنبي للسيطرة عليها وتوظيفها لغير صالح الدولة المالك الحقيقي لتلك الثروات(6).
تخلُّف الإصلاحات الاقتصادية الضرورية مثل تصحيح الاختلالات وترشيد النفقات وحوكمة المنشآت العامة وإصلاح منظومتي الدعم والجباية في اتجاه تقليص معدلات الضغط الجبائي ومحاربة الفساد.
تخلف الإنتاج وتراجع الإنتاجية بسبب تعطل محركات النمو الأساسية على غرار الاستهلاك والاستثمار والتصدير، وبالتالي تقلص الموارد الذاتية وخصوصًا من العملات الأجنبية(7).
الصراعات السياسية وعدم الاستقرار الحكومي؛ إذ غالبًا ما تؤدي الصراعات السياسية الداخلية إلى إضعاف الاقتصاد وخلق حالة من عدم اليقين وزيادة المخاطر. كما أن التغييرات الحكومية المستمرة أو المفاجئة على صعيد النظام السياسي قد تدفع الحكومات الجديدة إلى التشكيك في شرعية الديون السابقة وربما التوقف عن سدادها.
الأسباب الخارجية
اقتراض الأموال من سوق السندات الدولية، وتكون هذه العملية أكثر تكلفة بكثير بالنسبة إلى البلدان ذات التصنيف الائتماني الضعيف. فالمستثمرون يحتاجون إلى عوائد أكبر على ما يرون أنه استثمارات أكثر خطورة، وبالتالي يفرضون معدلات فائدة أعلى نتيجة لذلك. على سبيل المثال، يبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لمدة 10 سنوات 2.16٪ فقط. على النقيض من ذلك، فإن السندات المماثلة التي أصدرتها جامايكا مؤخرًا تدفع 6.44٪ سنويًّا. وقد وصلت عائدات السندات الحكومية اليونانية لمدة 10 سنوات إلى 29٪ في أوائل عام 2012، قبل أن تتخلف اليونان عن سداد ديونها مباشرة(4).
ضعف الاستثمار الأجنبي الذي يُعد أمرًا حيويًّا لأغلب البلدان، لاسيما النامية منها. ولتعزيز اهتمام المستثمرين، تستخدم البلدان الساعية لجلب الاستثمارات الأجنبية إستراتيجيات متعددة. وفي كثير من الأحيان، تصدر تلك البلدان سندات بعملات أخرى أكثر أمانًا لتكون أكثر قدرة على المنافسة في أسواق السندات الدولية، وقد أصدرت دول مثل الأرجنتين وجامايكا وبليز وأوكرانيا سندات بعملات دول أخرى. فعادة ما تكون معدلات التضخم للعملات المشتركة مثل الدولار والين واليورو أقل بكثير وأكثر استقرارًا من عملات البلدان المصدرة للسندات؛ وهذا يعني أن المستثمرين لا يحتاجون إلى القلق بشأن خسارة استثماراتهم لقيمتها.
تراجع الترقيم السيادي للدولة، فالتصنيف الدوري الذي تجريه وكالات التصنيف العالمية له أهمية كبرى. وإذا تراجعت دولة إلى أدنى درجات السلم مثل الأخيرة أو ما قبلها فإن ذلك يحول دون الوصول إلى مصادر التمويل الدولية.
منهج الإقراض غير الحكيم وغير المنتج، فإذا اتجه الإقراض للمشروعات غير المنتجة مثل المشروعات الخدمية غير ذات العائد وأفرطت الدولة في هذه السياسة فإن من شأن أن ذلك يسرِّع الوقوع في التعثر والتخلف عن السداد على غرار ما حدث في معظم دول أميركا الجنوبية التي وقعت في الإفلاس السيادي والبعض منها عدة مرات.
تأثير الظروف الاقتصادية العالمية، فالركود العالمي وما يصحبه من تراجع في النمو ينعكس بالضرورة سلبًا على اقتصادات البلدان المتعثرة ماليًّا. فعلى صعيد الصادرات ينخفض التصدير نحو الأسواق الخارجية، وعلى صعيد الواردات تضطرب سلاسل التوريد وترتفع نسب التضخم.
تداعيات الحروب بين الدول المُصدِّرة للمواد الأساسية، على غرار ما حدث في الحرب الروسية-الأوكرانية؛ حيث تفاقمت أزمة الاحتياجات من السلع الزراعية وفي مقدمتها الحبوب. وقد تجلت تلك التداعيات بوضوح على اقتصادات البلدان المستوردة لتلك السلع، وهي في أغلبها بلدان نامية مهددة بالإفلاس أو تعاني من أزمات مالية مثل مصر وباكستان وتونس وإثيوبيا والسلفادور وغانا والسودان وسوريا والأردن.
ثالثًا: “حلقة الموت” أو طريق الإفلاس
تصف حلقة “الموت” أو “حلقة العذاب” أو “الدوم لوب” (Doom Loop) الوضعية التي يؤدي فيها أحد الإجراءات أو العوامل السلبية إلى تشغيل عامل سلبي آخر، والذي بدوره يؤدي إلى تشغيل عامل سلبي آخر أو يتسبب في تفاقم العامل السلبي الأول. وتتواصل الدورة السلبية باستمرار في حلقة مُفرغة يصبح فيها الاتجاه التنازلي معززًا ذاتيًّا(8). تنطبق وضعية “حلقة الموت” بدقة على أزمة الديون اليونانية في عام 2009، حيث كشفت الحكومة اليونانية الجديدة أن الحكومات السابقة قد أخطأت في الإبلاغ عن المعلومات المالية الوطنية. وفي عام 2010، كشفت الحكومة عن عجز في الميزانية بمستويات صادمة، كانت أسوأ بكثير مما كان متوقعًا؛ فقد تجاوزت نسبة العجز في تقديرات أولية 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم وقع تعديلها لاحقًا لتصل إلى 15.4%. وبالتالي ارتفعت تكاليف الاقتراض في اليونان وخفضت وكالات التصنيف الائتماني الديون الحكومية للبلاد إلى مرتبة عالية المخاطر(9).
وقد أدى الكشف عن عجز أعلى من المتوقع إلى انحسار ثقة المستثمرين وانتشار الخوف بشأن مستويات الديون المرتفعة في بلدان منطقة اليورو الأخرى. وتباينت ردود فعل الجهات المالية المختصة حول خطط الاستجابة المالية العاجلة والآجلة. ومع انتشار المخاوف بشأن الديون السيادية في منطقة اليورو أصبح المقرضون يطالبون بمعدلات فائدة أعلى على الديون السيادية لأية دولة في الاتحاد الأوروبي، خاصة منها ذات الأسس الاقتصادية الضعيفة؛ ما زاد من صعوبة توفير الموارد اللازمة لتمويل عجز ميزانياتها. وقد حدا هذا الوضع ببعض الدول إلى الزيادة في الضرائب وخفض الإنفاق؛ ما أدى إلى تباطؤ اقتصاداتها المحلية.
تبعًا لذلك، شهد العديد من البلدان، بما في ذلك اليونان وأيرلندا والبرتغال، تخفيضًا في تصنيف ديونها السيادية من قبل وكالات التصنيف الائتماني الدولية؛ ما أدى إلى تضاعف مخاوف المستثمرين الذين سارعوا إلى بيع سنداتهم التي تمتلكها البنوك المحلية (10). ومع انخفاض قيم السندات، أصبحت البنوك المحلية تعاني من خسائر فادحة، وعانت الموارد المالية الحكومية من الضغط المتزايد بسبب التهديد بخطة إنقاذ البنوك المحتملة؛ ما جعل ديونها أكثر خطورة وخلق المزيد من الخسائر لتلك البنوك(11). ومن أجل كسر “حلقة الموت” التي انتشرت بالفعل وخلقت أزمة الديون السيادية الأوروبية، في أواخر عام 2010، صوَّت البرلمان الأوروبي لإنشاء “النظام الأوروبي للرقابة المالية” الذي أوكلت له مهمة الإشراف المالي المتسق والمناسب في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي(12). وفي السياق ذاته، تلقت اليونان العديد من عمليات الإنقاذ من كل من البنك المركزي الأوروبي (ECB) وصندوق النقد الدولي (IMF) خلال السنوات التالية مقابل إجراءات التقشف التي خفضت الإنفاق العام ورفعت الضرائب.
من خلال ما تقدم، يتبين أن كسر “حلقة الموت” يكون عادةً من خلال التدخل الخارجي لتوفير التمويل لوقف الدورة، مصحوبًا بإجراءات أخرى لاستعادة الصحة المالية الوطنية.
رابعًا: تجليات الإفلاس
يتجلى الإفلاس السيادي للدول، سواء باعتباره مسارًا له مقدماته وأسبابه وعوامله التي تقود إلى الإعلان عنه من خلال التخلف عن السداد أو رفضه بشكل مطلق، أو باعتباره حالة زمنية محددة تفصح فيه الدولة المفلسة عن ذلك، في جملة من المظاهر والعلامات التي ترتبط من حيث المضمون بالمقدمات والأسباب، بل هي نتيجة لها. ويمكن حصر تلك التجليات في النقاط التالية:
عجز الدولة عن تغطية احتياجاتها التمويلية من نفقات تشغيل وخدمة الدين لمدة محدودة تقدر عمومًا بستة أشهر لدفع رواتب موظفيها وتشغيل مصانعها وغير ذلك من الخدمات العامة.
تكرر حالة التعثر عن سداد الديون، وهو ما يعبَّر عنه اقتصاديًّا بـ”كرة ثلج الديون”، أي إنه كلما زاد التعثر والتخلف عن السداد زادت خدمة الدين وارتفعت نسبة الفائدة على الديون التي ستحصل عليها. ومن شأن ذلك الزيادة في حجم المديونية، وهكذا إلى أن تصل الدولة إلى مرحلة لا تستطيع فيها سداد تلك الفوائد.
غياب مصادر التمويل الخارجية، وفي حال وجودها يكون الإقراض بشروط مجحفة للغاية بسبب تدني الترقيم السيادي الناتج عن تخفيضات متتالية. في هذه الحال، لا تحظى الدولة بأية جدارة ائتمانية في الأسواق المالية.
ارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية، وتحديدًا الغذائية، وتراكم الضغوط الاقتصادية الأخرى الناجمة عن التضخم بصورة لا تتناسب مع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الناس.
اللجوء المتكرر إلى الترفيع في الأداءات الجبائية وتوسيعها بشكل يؤدي إلى ارتفاع معدل الضغط الجبائي بشكل يرهق كاهل المطالبين بالأداء.
اضطرار الدولة إلى إعلان حالة التقشف ليس بغرض التنمية ولكن من أجل سداد الديون الخارجية.
ارتفاع نسق الاحتقان السياسي والاجتماعي بما يهدد حالة الاستقرار ويدفع البلاد نحو أزمة اقتصادية حادة، مدفوعة بجملة من العوامل الداخلية والخارجية، تعبِّر عنها المؤشرات الاقتصادية السلبية.
باختصار، يحدث إفلاس الدول عندما تجتمع عدة أزمات مع بعضها البعض، وهي: عجز الدولة عن سداد أقساط قروضها لعدم توافر الأموال، وعجزها عن سداد قيمة وارداتها من السلع والخدمات، والعجز عن دفع رواتب الموظفين، والعجز عن السيطرة على العملة المحلية وفقدان الاحتياطيات الأجنبية الضرورية.
خامسًا: تداعيات الإفلاس
لا شك أن التكتم على الإفلاس وتأجيل إعلانه يمكِّن الدولة من تقسيط تأثير التداعيات الداخلية على الأفراد والمؤسسات، ولكنه لا يقدم حلًّا للأزمة ولا يحول دون التداعيات الخارجية على صعيد الأسواق الدولية ووكالات التصنيف الائتماني والمستثمرين. فمن التداعيات الداخلية السريعة لحالة الإفلاس حدوث رجَّة قوية في النظام الاقتصادي من شأنها أن تدفع إلى حركة واسعة لسحب الأموال من البنوك تحوطًا من قبل المودعين من انهيار النظام البنكي، وهو ما حدث، على سبيل المثال، في حالتي اليونان ولبنان وقبل ذلك الأرجنتين. يلي ذلك تدهور سريع لسعر صرف العملة المحلية مع ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار. في هذه الحال، يلجأ أصحاب الأموال المسحوبة إلى ملاذات خارجية أكثر أمانًا. ومن أجل وقف تدهور قيمة العملة والحد من سحوبات الأموال، تلجأ الحكومة المتعثرة في سداد ديونها إلى إغلاق بعض البنوك وفرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ومن التداعيات الداخلية كذلك، عجز الدولة عن دفع أجور الموظفين وسداد تكاليف شحن السلع المستوردة من الخارج؛ الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على المواطن وعلى قدرته الشرائية.
أما على الصعيد الخارجي فتنعكس الرجة الاقتصادية على مستوى الأسواق المالية الدولية التي تلجأ بالضرورة إلى فرض إجراءات سريعة للتخلص من سندات الدولة المفلسة التي تشهد انهيارًا في قيمتها. يعقب ذلك مفاوضات بين الدولة المفلسة والجهات الدائنة بغرض التوصل إلى إعادة جدولة لديونها بشروط عادة ما تكون مكلفة. فالدولة المفلسة تبحث عن سبل لإنقاذ اقتصادها بأي ثمن كان. ومن التداعيات الخارجية أيضًا، ونتيجة للتعثر في سداد الديون، تصدر وكالات التصنيف الائتماني تحذيرات بشأن الاستثمار في الدولة المفلسة، ما يزيد من صعوبة الاقتراض من جديد.
عندما تفلس دولة وتتخلف عن سداد قروضها، قد تحاول البنوك المركزية جذب مستثمرين أجانب إضافيين من خلال رفع أسعار الفائدة على سندات الدولة. فعلى سبيل المثال، رفع البنك المركزي الأيسلندي سعر الفائدة الأساسي إلى 18% في عام 2008، بينما عرضت فنزويلا فائدة بنسبة 20% على أمل بيع سنداتها. وتؤثر مثل هذه الارتفاعات الكبيرة في أسعار الفائدة سلبًا على التصنيفات الائتمانية للبلدان نفسها، وغالبًا ما تؤدي إلى شطب المقرضين القروض التي لم تعد الدول قادرة على سدادها.
عندما يصل بلد ما إلى مرحلة الإفلاس، فإن التضخم الهائل هو النتيجة المحتملة للمستهلكين والشركات. فغالبًا ما تنخفض أسعار الأسهم وتنهار قيمة العملة الوطنية. وفي بعض الحالات، يمكن أن تحدث اضطرابات اجتماعية، على غرار ما حدث في الأرجنتين، عام 2001، حين قام السكان الغاضبون بأعمال شغب ونهبوا محلات التسوق، أو ما وقع في أيسلندا عام 2008، حيث اضطر رئيس البنك المركزي للاستقالة بعد أزمة كلفت الآلاف من الأيسلنديين وظائفهم ومدخراتهم المالية. لقد تسبب انهيار البنوك الأيسلندية في فقد 50.000 شخص مدخراتهم، وأصبح 25% من مالكي المنازل في حالة تخلف عن سداد الرهن العقاري، ووجد المواطنون أنفسهم أمام إجبارية إعادة تقييم مزايا الإنفاق الباذخ والاقتراض والاستهلاك والمضاربة(13).
(4) David McDonald, What Happens When a Country Declares Bankruptcy? An Economic Perspective on the Leading Causes of Financial Instability, Medium Journal, 13 March 2017.
(5) Edward Chancellor, Reflections on the Sovereign Debt Crisis, Value Investing World, 9 July 2010.
(6) وقد أشار إلى ذلك بالتفصيل الاقتصادي الأميركي، جون بيركنز، في كتابه الشهير “الاغتيال الاقتصادي للأمم: السياسات الاقتصادية للتحكم في الأضعف”، حين سرد فيه قصة نهب الولايات المتحدة لثروات أميركا اللاتينية، مثل فنزويلا والبرازيل والمكسيك والسلفادور، وهي دول كلها أعلنت إفلاسها فيما بعد:
(10) Fitch Ratings, Rating Action Commentary, Fitch Downgrades Ireland’s Sovereign Rating to ‘AA-‘; Outlook Stable, 04 November 2009.
(11) International Monetary Fund, Article IV Consultation, Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Italy, IMF Country Report No. 19/40, 2018.
(12) Karin Hobelsberger, Christopher Kok and Francesco Paolo Mongelli, A Tale of Three Crises: Synergies between European Central Bank Tasks, European Central Bank Occasional Paper Series No 305, September 2022.
(13) Roger Boyes, Meltdown Iceland, Lessons on the World Financial Crisis from a Small Bankrupt Island, Bloomsbury USA, 2009.
المصدر: موقع الجزيرة للدراسات
مجموعة بريكس وآفاق انضمام دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
|
علي نور الدين
حتّى اللحظة، أعربت 19 دولة عن اهتمامها بالانضمام إلى مجموعة دول بريكس، التي تقتصر عضويتها اليوم على كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.
ومن بين الدول المرشّحة للانضمام، تبرز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كل من المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة ومصر والبحرين وإيران. وهذا ما يطرح السؤال عن أسباب اهتمام كلّ من هذه الدول بالانضمام إلى المجموعة، ونوعيّة المكاسب التي يمكن أن تحققها هذه الدول من خطوة من هذا النوع.
ففي الوقت الراهن، لا يمكن فصل نشاط مجموعة بريكس عن محاولات تحدّي الهيمنة الغربيّة، وهيمنة الولايات المتحدة الأميركيّة بالتحديد، على النظام المالي العالمي. وهذا ما تحاول المجموعة القيام به من خلال إنشاء وسيلة بديلة لسداد المدفوعات التجاريّة، باستخدام عملة موحّدة بديلة عن الدولار الأميركي.
ومن المفترض أن يتم طرح هذه الفكرة في قمّة المجموعة المقبلة في جنوب أفريقيا، خلال شهر تمّوز/يوليو 2023. وفي حال نجاح هذه الخطوة، ستكون المجموعة قد تمكّنت ولأوّل مرّة من خلق أداة تداول جديدة، لا تخضع للقيود أو العقوبات الأميركيّة، ولا تمرّ بالضرورة بالمصارف المراسلة الأميركيّة، كما هي الحال مع الدولار اليوم.
وفي الوقت عينه، تراهن بريكس على تطوير بنك التنمية الجديد، وهو بنك متعدّد الأطراف أسسته المجموعة عينها بهدف تمويل المشاريع العامّة والخاصّة، من خلال القروض والمساهمات المباشرة.
مع الإشارة إلى أنّ البنك وافق عام 2021 على قبول عضوية كل من مصر والإمارات العربيّة المتحدة، كخطوة تمهّد لقبول الدولتين في مجموعة بريكس. وتسعى المجموعة إلى تعزيز دور هذا البنك كبديل عن المؤسسات الماليّة الدوليّة الأخرى، التي تهيمن على قراراتها الولايات المتحدة الأميركيّة، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وإلى جانب هذا كلّه، تسعى دول المجموعة منذ سنوات إلى تطوير نظام مالي جديد لإدارة التحاويل بين المصارف التجاريّة، كبديل عن نظام السويفت الذي يربط اليوم بين المصارف العالميّة. وهذه الخطوة، ستمنع الدول الغربيّة من عزل مصارف معيّنة عن نظام التداولات الماليّة العالميّة، كما فعلت مع بعض المصارف الروسيّة في بدايات الحرب في أوكرانيا.
باختصار، تحاول دول مجموعة بريكس الانتقال إلى نظام اقتصادي دولي رديف، عبر توفير بدائل عمّا تعتبره هذه الدول أدوات للهيمنة الماليّة الغربيّة. وهذا الهدف، يتقاطع اليوم –ولأسباب مختلفة- مع أهداف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تحاول الانضمام إلى مجموعة بريكس.
مصر: تنويع مصادر التمويل والاقتراض
كما هو معلوم، تواجه مصر حاليًا مصاعب اقتصاديّة، نتيجة ارتفاع حجم مديونيّة الدولة مقارنة بحجم الاقتصاد، بالإضافة إلى محدوديّة احتياطات العملات الأجنبيّة المتوفّرة، لتمويل سداد الديون الخارجيّة مع الفوائد خلال السنوات المقبلة. وفي هذا الوقت، تعاني مصر من تزايد الضغوط على ميزان مدفوعاتها، جرّاء ارتفاع الفوائد في الدول الغربيّة، وتزايد معدّلات التضخّم العالميّة التي ترفع فاتورة الاستيراد.
وهذا ما فرض على الدولة المصريّة اللجوء إلى صندوق النقد مرّة أخرى، للحصول على تمويل جديد عام 2023، وبشروط صارمة شملت خفض قيمة الجينيه المصري أمام الدولار الأميركي، وخصخصة مجموعة من الشركات المملوكة من الدولة والجيش. كما تسعى مصر في الوقت الراهن إلى استقدام المزيد من الرساميل والاستثمارات الأجنبيّة، وخصوصًا الخليجيّة، لضخ المزيد من السيولة بالعملات الأجنبيّة داخل السوق المصريّة.
الانضمام إلى مجموعة بريكس، سيسمح لمصر بتنويع مصادر القروض التي تحتاج إليها بشدّة في الوقت الراهن، بدل الارتهان لشروط وموافقات صندوق النقد الدولي وحده. وهذا بالذات ما يفترض أن يؤمّنه بنك التنمية الجديد، الذي حرصت مصر على الانضمام إليه قبل الانضمام إلى مجموعة بريكس عينها. كما سيسمح وجود هذه الخيارات البديلة لمصر بفرض شروطها بشكل أفضل، وبقدرة تفاوضيّة أقوى، عند طلب أي رزم تمويليّة من صندوق النقد أو البنك الدولي في المستقبل.
وبالنسبة إلى الاستثمارات الأجنبيّة، فستتمكّن مصر من استقدام المزيد من الرساميل من دول المجموعة، وخصوصًا إذا ما تم إنشاء أدوات دفع جديدة تسهّل إجراءات التحويلات الماليّة ما بين مصر ودول المجموعة. ومن المعلوم أن مصر سعت في العديد من المحطّات إلى تقديم التسهيلات الكفيلة باستقطاب الرساميل الصينيّة بالتحديد، لاستثمارها في مشاريع البنية التحتيّة.
إيران: تلافي العقوبات الغربيّة
بالنسبة إلى إيران، تمثّل العقوبات الغربيّة الهاجس الاقتصادي الأساسي، الذي يحول دون اتصالها ماليًا بشكل طبيعي مع النظام المالي العالمي. كما يحول هذا العامل دون تلقّي إيران الاستثمارات الأجنبيّة التي تحتاجها، وخصوصًا في مجال الطاقة. وللالتفاف على العقوبات الغربيّة، تضطر إيران اليوم إلى تكبّد خسائر من قيمة النفط والغاز الذي تبيعه، عبر عرضه في السوق السوداء، وبأسعار تقل عن الأسعار الرائجة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ فرض العقوبات على روسيا، واضطرار الشركات الروسيّة لعرض حسومات مقابل بيع نفطها في السوق السوداء، فرض على الإيرانيين تقديم حسومات أكبر لمنافسة النفط الروسي، ما زاد من كلفة العقوبات على إيران.
هكذا، تمثّل مشاريع مجموعة بريكس فرصة لا تثمّن بالنسبة للإيرانيين، وخصوصًا إذا نجحت هذه المشاريع بتكوين وسائط دفع بديلة وشرعيّة لبيع النفط، من دون المرور بالمصارف الغربيّة، ولا الارتهان للتداول بالدولار الأميركي. كما سيسمح هذا النوع من المشاريع باستقدام الاستثمار الأجنبي الذي تحتاجه إيران بشدّة في مشاريع الطاقة.
إذ ستمكّن أنظمة الدفع البديلة شركات دول مجموعة البريكس من العمل داخل إيران، من دون تمرير عمليّاتها الماليّة بالأنظمة الماليّة الغربيّة. مع الإشارة إلى أنّ العقبة الأساسيّة التي تمنع دخول هذه الشركات حاليًا إلى إيران، تكمن في عدم وجود عملة دوليّة ونظام دفع عالمي يسمحان بإجراء العمليّات مع إيران، في ظل العقوبات المفروضة عليها.
أمّا إذا انضمّت السعوديّة والإمارات إلى المجموعة، فتراهن إيران على الاستفادة من رساميل هذه الدول، الباحثة أساسًا عن أسواق مغرية للاستثمار. ورغم وجود العقوبات الغربيّة، ستحاول إيران الحصول على رساميل رجال الأعمال الخليجيين، من خلال وسائل الدفع والعملة البديلة، غير الخاضعين للرقابة الغربيّة، بخلاف ما هو الحال اليوم مع الدولار. مع الإشارة إلى أنّ هذا الرهان يتزامن اليوم مع تطبيع العلاقات ما بين إيران والسعوديّة، برعاية صينيّة لافتة للانتباه.
السعوديّة والإمارات والبحرين: تنويع العلاقات الاقتصاديّة
كما هو واضح، تسعى دول الخليج مؤخرًا، وخصوصًا السعوديّة والإمارات، إلى تنويع علاقاتها الاقتصاديّة والسياسيّة، عبر البحث عن الشراكات الاستثماريّة مع الصين بالتحديد. كما تسعى السعودية إلى بناء تعاون وتحالف وثيق مع روسيا في سوق الطاقة، من خلال تنسيق الخطوات داخل مجموعة أوبيك+.
وجميع هذه الخطوات، تعكس سعي السعوديّة والإمارات، ومعهما البحرين، إلى تقليص ارتهانهم المالي والاقتصادي وحتّى السياسي لدول الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، التي كانت تُعد حليف المملكة العربيّة السعوديّة التاريخي.
هذا المشهد، يتكامل اليوم مع سعي الدول الثلاث إلى الانضمام إلى مجموعة بريكس. ومن المعلوم أن الدول الثلاث ستتمكّن من إيجاد فرص استثماريّة مغرية في دول المجموعة، في حين أن دول الخليج تنعم اليوم بفوائض ماليّة تفرض البحث عن فرص من هذا النوع، بعد ارتفاع أسعار النفط.
بالتأكيد، كل ما سبق ذكره يبقى في خانة الرهانات والتمنيات، بانتظار قمة مجموعة البريكس المقبلة في شهر تمّوز/يوليو 2023، والتي يفترض أن يتبيّن خلالها مدى استعداد المجموعة لقبول عضويّة كل هذه الدول.
كما ستبقى كل هذه التوقّعات رهينة نجاح مجموعة البريكس بإطلاق عملتها الخاصّة، ونظام التحويلات الجديد، الأمر الذي لم يحصل بعد حتّى اللحظة.
لكنّ الأكيد هو أن جميع دول مجموعة بريكس، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي طلبت الانضمام إلى المجموعة، تتشارك هدف خلق نظام مالي عالمي متعدّد الأقطاب، بدل ما تعتبره هذه الدول أحاديّة قطبيّة مهيمنة اليوم.
المصدر: موقع fanack.com
توقعات بإلغاء 80% من الوظائف خلال سنوات نتيجة تطور الذكاء الاصطناعي
|
قال الخبير الرقمي الأمريكي بِن غورتزل، إن الذكاء الاصطناعي قد يطيح بنحو 80 بالمئة من الوظائف حول العالم، لكنه اعتبر أنه “أمر جيد”، مؤكدا أن الوصول إلى ابتكار آلات بذكاء البشر أمر ممكن خلال السنوات المقبلة.
ويعود الفضل إلى غورتزل في ما يُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي العام” (AIG)، وهي تكنولوجيا رئيسية تتمتع بقدرات معرفية بشرية، وهي قابلة للتطوير “في غضون بضع سنوات”. وهو أيضاً وراء منصة “سنغولاريتي نت” (SingularityNET) المخصصة للتطوير اللامركزي والمفتوح للذكاء الاصطناعي، وفق “فرانس برس”.
ورأى الخبير الأمريكي أن “تشات جي بي تي” ليس خطيراً، لأنه لا يملك القدرة على التفكير المعقد المتعدد الخطوات، ولا على ابتكار أشياء جديدة خارج البيانات التي يتلقاها.
واعتبر أنه لا ينبغي حظر “تشات جي بي تي”، وذلك ردا على الدعوات لتجميد الأبحاث في المنصة لمدة ستة أشهر، وقال: “أعتقد أننا يجب أن نعيش في مجتمع حر”.
وقال الخبير في مقابلة مع “فرانس برس”: “أعتقد أن الزمن سيتجاوز الـ80 في المئة من الوظائف التي يتولاها البشر في ظل النُظُم الجديدة من نوع تشات جي بي تي المتوقع طرحها، لكنني لا أرى خطراً في ذلك، بل حسنة. إنه أمر جيد. سيجد الناس أشياء أفضل يقومون بها، من الممكن أتمتة كل المهام الإدارية تقريباً”.
وأضاف: “ستتمثل المشكلة في المرحلة الانتقالية، عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في جعل الزمن يتجاوز الوظائف تباعاً (…) لا أعرف كيف سنحل المشاكل الاجتماعية الناتجة من ذلك”.
وأوضح أن الروبوتات يمكنها أن تفعل الكثير من الأشياء الجيدة، معتبرا أن اعتماد روبوتات شبيهة بالبشر في مراكز العناية بكبار السن، تساعد المسنين في الإجابة عن أسئلتهم، والاستماع إلى قصصهم، ومساعدتهم على الاتصال بأبنائهم أو إجراء عمليات شراء عبر الإنترنت، يساهم في تحسين حياتهم.
وبين أن إلغاء مثل هذه الوظائف لا يؤثر على البشر، إذ لا يوجد عدد كافٍ من المتقدمين للعمل في مجال التمريض، معتبرا أن التعليم يمكن أن يكون أيضاً مجالاً مهماً للروبوتات البشرية الشكل، وكذلك الأعمال المنزلية.
وحول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي بحيث يكون له تأثير إيجابي على الناس، قال الخبير الأمريكي، إنه يجب أن تكون الحوكمة تشاركية، وإشراك السكان، بطريقة ما، وهذا ممكن تقنياً. المشكلة هي أن الشركات التي تمول معظم الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي لا تهتم بالصالح العام. ما تريده هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية للمساهمين فيها.
وصفة طالبان للتعليم: كلاشينكوف وتفجيرات
|
المصدر: موقع صحيفة فورين بوليسي -Foreign Policy
تثير التعديلات التي أجرتها حركة طالبان على المناهج الدراسية في أفغانستان جدلاً واسعاً خاصة وانه قد جاء بعيد إعلانها عن منع الفتيات من التعليم الجامعي وحصره بالشبان فقط. وتقول صحيفة فورين بوليسي أن “الأولاد يتم اختطافهم أو شراؤهم من عائلات فقيرة لإجبارهم على الذهاب إلى المدارس”.
النص المترجم:
معظم المدارس في أفغانستان عبارة عن بنادق كلاشينكوف وتفجيرات انتحارية. هذه هي وصفة طالبان للتعليم. في حين أن حظر أفغانستان للنساء والفتيات من الحياة العامة، وخاصة الفصول الدراسية، هو جزء كبير من سلب طالبان للحرية منذ أن استعادوا السلطة قبل ما يقرب من عامين. والمشكلة الأكبر من ان الفتيات لا يستطعن الذهاب إلى المدرسة، هي الأولاد الذين يفعلون ذلك.
كثير من الناس الذين فروا من أفغانستان منذ عودة طالبان في آب/ أغسطس 2021 يرتجفون من ذكرى تعليمهم في ظل النظام الأخير للمتطرفين، بين عامي 1996 و2001.
حولت طالبان المدارس في جميع أنحاء البلاد إلى مدارس دينية، ومؤسسات لتعلم القرآن عن ظهر قلب (باللغة العربية، بطبيعة الحال، وليس الباشتو)، كما ذكرت الأمم المتحدة. إنهم ليسوا علماء بل قاذفات قنابل: سوف يظهرون بدون مهارات، ولا توجد وسيلة للمنافسة في اقتصاد حديث ورقمي ومتكامل.
يمكنك بناء مجتمع أو كسره من خلال نظام التعليم، وطالبان تعرف ذلك. قالت لورين أوتس، أخصائية تربوية على دراية بالنظام في أفغانستان، “هناك منظور سياسي واقعي هنا، وينبغي أن يكون هناك قلق من أن هذا عنصر رئيسي في دولة إرهابية”.
طالبان، التي يعني اسمها، للمفارقة، “الطلاب”، كانت في حالة حرب مع التعليم منذ سنوات. أعلنت حركة طالبان عزمها على افراغ التعليم من مضمونه، في تقرير صدر في كانون الأول/ ديسمبر 2020 من قبل “لجنة مراجعة المناهج الدراسية الحديثة” أثناء استعدادهم للعودة إلى السلطة التي مهدها استسلام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في وقت سابق من ذلك العام.
قال المفتش العام المختص بإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) إن طالبان وجدت أن منهج الجمهورية منحرف عن “القيم الإسلامية”، ويروج لموضوعات “غير إسلامية” مثل الموسيقى والديمقراطية، ويعكس التأثيرات الأجنبية.
قال أوتس إنهم لم يتمكنوا بعد من طباعة كتب مدرسية جديدة، لأن لديهم القليل من الوقت والمال. وقالت لمجلة فورين بوليسي إن أيديولوجية طالبان هي الآن جزء من “الجو الثقافي حيث يضطر المعلمون إلى تدريس مناهج معتمدة من طالبان”.
يتضمن هذا المنهج المحدث، اعتبارًا من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وفقًا لصحيفة Hasht-e-Sabh، تفويضًا بـ “إزالة صور جميع الكائنات الحية، ونشر الجهاد، وتبرير العنف وسفك الدماء والتدمير، وحظر أي دعوة للديمقراطية وحقوق الإنسان. ومعارضة تعليم المرأة وحريتها، ونشر رواية طالبان للتاريخ، والتركيز على العالم الإسلامي وتجاهل العالم غير الإسلامي، وخاصة الغرب…لا توجد طريقة أكثر فاعلية لتلقين عقيدة المجتمع من خلال نظام التعليم. قال أوتس: “البنية التحتية موجودة بالفعل، لذا فأنت تستخدمها لنشر رسالتك”.
لديهم حقول خصبة. معدل الإلمام بالقراءة والكتابة المنخفض في أفغانستان – أقل من 40% يعني أن قدرة الطلاب على مواجهة الأيديولوجيا أو وضعها في سياقها، محدودة. أصبح الناس في بلجيكا وبريطانيا وكندا متطرفين على الرغم من العيش في بيئات تقدم جميع الأدوات للتخفيف من التطرف. لكن في دول مثل أفغانستان، يكون الأمر أسهل بكثير، قال أوتس.
معظم الطلاب ليسوا تلاميذ متحمسين. تؤكد التقارير أن الأولاد يتم اختطافهم أو شراؤهم من عائلات فقيرة لإجبارهم على الذهاب إلى المدارس. ماكماستر، الجنرال السابق بالجيش الأمريكي الذي خدم لفترة وجيزة كأحد مستشاري الأمن القومي لترامب، وصف شبكة من المدارس الدينية في أفغانستان وباكستان بأنها “مصانع تديم الجهل وتثير الكراهية لإنتاج إرهابيين”. ما يصل إلى مليون فتى في أي وقت يتعلمون القليل، لكنهم يتعلمون طريقهم حول الكلاشينكوف، وكذلك القنابل اليدوية وقاذفات الصواريخ والمدافع الرشاشة.
قال عبد الله خنجاني، نائب وزير السلام السابق، إن التلقين سيؤدي إلى رد فعل سلبي. سوف يؤدي ذلك إلى زيادة تطرف الراديكاليين. وأضاف “يمكن لأفغانستان أن تصبح أرضًا خصبة، تعزز وتصدّر الراديكالية والمتطرفين إلى المناطق المجاورة وحتى مناطق أبعد”.
انتخابات الإعادة في تركيا: هل تكون فوزًا مؤجلًا لأردوغان؟
|
سعيد الحاج
أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية والتشريعية التي منحت أغلبية البرلمان لتحالف الجمهور الحاكم، دون أن تحسم انتخابات الرئاسة ما دعا للاحتكام لجولة إعادة بعد أسبوعين.
تشكِّل انتخابات الإعادة استحقاقًا مستقلًّا قائمًا بذاته لا يبني على الجولة الأولى الاعتيادية، بما يعني نظريًّا احتمال تغير النتيجة بشكل جذري لصالح أحد الطرفين، تحديدًا الخاسر منهما. بيد أن الرئيس التركي يملك أفضلية ملحوظة في جولة الإعادة تجعل كفته ترجح كثيرًا على كفة منافسه، تبعًا لعدة عوامل تشير إليها الورقة.
يعني ذلك أن تحالف الشعب المعارض سيكون بعد انتخابات الإعادة أمام سيناريو خسارة كل من الرئاسة والبرلمان، بعد أن كان يطمح للفوز بالرئاسة من الجولة الأولى وبأغلبية مريحة في البرلمان تمكِّنه من تحقيق الهدف الذي تشكَّل لأجله وهو العودة بالبلاد للنظام البرلماني؛ ما يفتح الباب على انعكاسات هذه الهزيمة، من حيث تماسك التحالف ووحدته من جهة، وارتدادات النتائج داخل بعض الأحزاب وفي المقدمة منها الشعب الجمهوري من جهة ثانية.
مقدمة
هذه هي الانتخابات الرئاسية الثالثة التي يخوضها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. في 2014، فاز أردوغان بالرئاسة من الجولة الأولى وبفارق كبير عن منافسيه بعد حصوله على نسبة 51.79%من الأصوات، متقدمًا على المرشح التوافقي لحزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية، أكمل الدين إحسان أوغلو، الذي حصل على نسبة 38.4%، ومرشح حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، الذي حصل على نسبة 9.7% من الأصوات(1).
وفي 2018، فاز أردوغان كذلك من الجولة الأولى بعد حصوله على نسبة 52.5% من الأصوات، متقدمًا على أقرب منافسيه مرشح حزب الشعب الجمهوري، محرم إينجه، الذي حصل على نسبة 30.6%، ثم مرشح الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، الذي حصل على 8.4%(2).
في الانتخابات الحالية، فرضت التحالفات الانتخابية نفسها بشكل ملحوظ؛ حيث كان المرشحون الرئاسيون الأربعة انعكاسًا لمنظومة التحالفات القائمة؛ فتنافس أردوغان، مرشح تحالف الجمهور الحاكم، وكمال كليتشدار أوغلو، مرشح تحالف الشعب المعارض، ومحرم إينجه، رئيس حزب البلد، وسنان أوغان، مرشح تحالف الأجداد اليميني(3).
في الانتخابات الرئاسية، لم يستطع أي من المرشحين الثلاثة تجاوز نسبة 50% من الأصوات في الجولة الأولى، فأعلنت اللجنة العليا للانتخابات عن إجراء جولة إعادة في الثامن والعشرين من الشهر الجاري(7).
أظهرت النتائج الأولية تقدم الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية رغم تراجعهما عن نتائج انتخابات عام 2018؛ حيث تراجع أردوغان بنسبة 3% والحزب بنسبة 7%.
ثبَّتت النتائج توازنًا نسبيًّا بين التحالف الحاكم والمعارضة بشقَّيْها، تحالف الشعب وتحالف العمل والحرية، حيث حصل تحالف الجمهور على أغلبية بسيطة فقط في البرلمان وبتراجع 22 مقعدًا، كما أنها المرة الأولى التي لا يحسم فيها الرئيس التركي الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، فضلًا عن أن كليتشدار أوغلو حقق نسبة غير مسبوقة أمام أردوغان.
ومن المؤشرات المهمة لمخرجات الانتخابات تفوق كليتشدار أوغلو على أردوغان في عدد مهم من المدن الكبرى، في مقدمتها إسطنبول وأنقرة، بينما تقدم العدالة والتنمية وتحالف الجمهور في معظمها بما فيها إسطنبول وأنقرة كذلك؛ ما يعني أن السبب الرئيس لتفوق كليتشدار أوغلو فيها هو منظومة التحالفات، ولاسيما “الصوت الكردي” أو أنصار حزب الشعوب الديمقراطي.
جولة إعادة
ستنظم انتخابات الإعادة بين أردوغان وكليتشدار أوغلو في الـ 28 من الشهر الحالي أي بعد أسبوعين من الجولة الأولى، ليكون الأعلى أصواتًا بينهما الرئيس المقبل لتركيا. المدة القصيرة التي تفصل بين الموعدين لا تسمح بحملة انتخابية تقليدية وشاملة. في هذه المدة الوجيزة ستُبنى إستراتيجية المرشحَيْن على مبدأ الحفاظ على أصوات الجولة الأولى ومحاولة كسب أصوات جديدة عبر التأثير على فئة المترددين و/أو الذي قاطعوا الجولة الأولى، فضلًا عمن صوتوا للمرشح الثالث، سنان أوغان. بيد أن نسبة المشاركة المرتفعة جدًّا، والتي بلغت قريبًا من 90%(8)، لا تمنح المتنافسَيْن مجالًا واسعًا للمناورة فيما يتعلق بالمقاطعين.
العوامل التقليدية المؤثرة في تصويت الناخبين، من اقتصاد وزلزال ولاجئين ومنظومة التحالفات وما إلى ذلك(9)، تبقى ماثلة، لكنها ضعيفة التأثير في شرائح جديدة، لاسيما مع ضيق الوقت. لذلك يجدر البحث في عوامل مستجدة، بعد إعلان النتائج، قد تملك تأثيرًا أكبر.
ثمة عوامل قد ترجِّح الكفة لصالح كليتشدار أوغلو أو على أقل تقدير يمكن أن يحاول الاستفادة منها، في مقدمتها محاولة إقناع الناخبين بضرورة التوازن بين السلطات، بحيث يكون الرئيس من تحالف وأغلبية البرلمان من تحالف آخر، وبالتالي ضرورة انتخابه لئلا يتفرد تحالف الجمهور بالرئاسة والبرلمان معًا.
ورغم أن كليتشدار أوغلو لم يفز بالانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى كما كان يطمح وكما أظهرت بعض استطلاعات الرأي غير الدقيقة، إلا أنه حقق نتيجة غير مسبوقة بالنسبة للمعارضة من حيث نسبة التصويت (44.8%) وكذلك منع أردوغان من الفوز من الجولة الأولى. قد يشكِّل ذلك دافعًا لأنصاره في جولة الإعادة، كما أن الفرصة ما زالت قائمة أمامه للفوز بالرئاسة خصوصًا إذا ما حصل تراخٍ وعزوف بين أنصار الرئيس التركي في الإعادة.
أما الفرصة الأفضل التي تتبدى أمام كليتشدار أوغلو فهي محاولة كسب أنصار جدد، مثل أنصار المرشح المنسحب، محرم إينجه، حيث لم يكن تعامله مع انسحاب الأخير مشجعًا لهم على ذلك(10)، فضلًا عن إمكانية التفاهم مع المرشح الثالث، سنان أوغان، الذي حصل على نسبة 5% تبدو كافية نظريًّا لتعديل الكفة مع أردوغان في حال صوَّت جميع أنصاره لصالح كليتشدار أوغلو.
في المقابل، ثمة عوامل لصالح أردوغان أو يمكن له استثمارها. أولها: الفارق الكبير في الأصوات عن كليتشدار أوغلو في الجولة الأولى، فليس من السهل على الأخير الحصول على مليونين ونصف مليون صوت خلال أسبوعين.
كما أن فوز تحالف الجمهور بأغلبية البرلمان يعد عاملًا مهمًّا لصالح الرئيس التركي. سيبني الأخير جزءًا مهمًّا من خطابه خلال الحملة الانتخابية على ضرورة التناغم -لا التوازن- بين الرئاسة والبرلمان تجنبًا للصدام والأزمات المحتملة. وهي سردية ستلقى تجاوبًا لدى كثير من الناخبين؛ إذ إن التصويت لصالح أردوغان ينم عن تقديمهم مبدأ الاستقرار على التجديد.
كما أن لهذه النتيجة تأثيرات إيجابية على معنويات التحالف الحاكم وسلبية على تحالف المعارضة ومعسكر كليتشدار أوغلو، وقد بدأت بعض مؤشرات ذلك من خلال استقالات في حزبَيْ الشعب الجمهوري والجيد(11).
إضافة لذلك، يتوقع أن تكون المشاركة في جولة الإعادة أقل من الجولة الأولى. فأتراك الخارج يواجهون تحديات لوجستية تتعلق ببُعد مراكز التصويت ومشقة التنقل وكلفته، وفي الداخل يواجه الناخبون في مناطق الزلزال صعوبات مشابهة. كما أن دوافع أنصار حزب الشعوب الديمقراطي والأحزاب المنضوية في تحالف الشعب ستكون أقل في جولة الإعادة بعد انتهاء معركة البرلمان.
أخيرًا، لا نرجح أن يكون لأوغان تأثير كبير في جولة الإعادة، فهو لا يملك كتلة تصويتية يمكنه التحكم بتوجهاتها؛ إذ إن جزءًا غير يسير ممن صوتوا له هم من الرافضين لكل من أردوغان وكليتشدار أوغلو أو من الذين انضموا له بعد انسحاب إينجه. كما أن خلفيته وأنصارِه القوميةَ قد تحول دون تصويتهم لكليتشدار أوغلو بسبب تعاونه مع الشعوب الديمقراطي، حتى ولو دعاهم أوغان لذلك. وعليه، فمن صوتوا لأوغان في الجولة الأولى أقرب لمقاطعة الإعادة أو التصويت لأردوغان من التصويت لخصمه.
سيحرص كل من أردوغان وكليتشدار أوغلو على لقاء أوغان ومحاولة إقناعه بدعم أحدهما في جولة الإعادة، وقد تواصل الطرفان معه فعلًا لكن سقف شروطه المرتفع(12) ومسارعته لطرحها قبل يوم الاقتراع قد يحولان دون إمكانية تفاهمه مع أي منهما وبالتالي التزام الحياد مرحليًّا.
أحد أهم نقاط ضعف كليتشدار أوغلو في جولة الإعادة أن فوز التحالف الحاكم بأغلبية البرلمان يفقده عمود حملته الانتخابية والفكرة الأهم التي أُنشئ التحالف من أجلها، وهي إعادة النظام البرلماني في البلاد والتي لم تعد ممكنة. كما أنه سيحتاج لتعديل خطاب رحيل النظام القائم والحلول مكانه لخطاب التعاون مع البرلمان إن فاز بالرئاسة. هذا التغير الراديكالي في الرؤية والخطاب والأسلوب لن يكون سهلًا ومن الصعب أن يؤتي أكله في الوقت القصير المتاح، فضلًا عن أنه قد يُغضب بعض أنصار الرجل ويدفعهم للعزوف عن المشاركة في الانتخابات.
وفي الخلاصة، وبالنظر لمجمل العوامل المؤثرة في اتجاهات التصويت في جولة الإعادة، تبدو فرص الرئيس التركي أوفر بكثير من خصمه، بل قد يكفيه الاحتفاظ بالأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى خصوصًا إذا ضمن عدم دعم أوغان لخصمه بالحد الأدنى.
خاتمة
لم تَحسِم جولة الانتخابات الأخيرة السؤال الأهم المتعلق باسم الرئيس المقبل للبلاد، والتي تُحكَم وفق نظام رئاسي يمنح منصب الرئيس صلاحيات واسعة جدًّا. يملك أردوغان فرصة كبيرة في الفوز بولاية إضافية بالاستفادة من عدة عوامل في مقدمتها نتائج الانتخابات التشريعية وتركيبة البرلمان المقبل.
وقد أغلقت النتائج الصادرة ملف العودة للنظام البرلماني، المشروع الرئيس لكليتشدار أوغلو وعموم المعارضة، لسنوات خمس قادمة بالحد الأدنى. كما أنها تفتتح مرحلة جديدة في الحياة السياسية التركية؛ حيث يتوقع أن يكون لخسارة المعارضة تداعيات مهمة على صعيد تماسك الطاولة السداسية واستقرار بعض الأحزاب، لاسيما إذا ما فاز أردوغان بالرئاسة في الإعادة.
كما سيكون على الأخير والحزب الحاكم القيام بمراجعات حقيقية للبحث في أسباب التراجع المستمر في درجة تأييدهم بين الناخبين في السنوات الأخيرة والعمل على التجاوب مع التصويت الاحتجاجي الذي تكرر في الانتخابات الأخيرة.
تركيا: رجب طيب أردوغان يفوز في الانتخابات الرئاسية بغالبية الأصوات، فرانس 24، 10 أغسطس/آب 2014 (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MxkChD
النتائج النهائية للانتخابات التركية: أردوغان رئيسًا والعدالة والتنمية يتصدر البرلمان، وكالة أنباء الأناضول، 4 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2018)، https://bit.ly/3WaeJdq
سعيد الحاج، الانتخابات التركية: حملات ساخنة وفرص متقاربة، مركز الجزيرة للدراسات، 10 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MzFSDe
حسب النتائج الأولية، بينما ستصدر النتائج الرسمية النهاية بعد البت في الطعون المقدمة للجنة العليا للانتخابات خلال أيام.
انسحب محرم إينجه من السباق الرئاسي بعد أن أقرت اللجنة العليا للانتخابات القائمة النهائية للمرشحين، وبعد أن بدأ التصويت لأتراك الخارج.
حسب النتائج الأولية، بينما ستصدر النتائج الرسمية النهاية بعد البت في الطعون المقدمة للجنة العليا للانتخابات خلال أيام.
انتخابات تركيا.. جولة إعادة بين أردوغان وكليتشدار أوغلو في 28 مايو، الجزيرة نت، 15 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MdlFC4
المصدر السابق.
سعيد الحاج، العوامل المؤثرة في نتائج الانتخابات التركية، الجزيرة نت، 25 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/42G7dcx
أول تعليق من أردوغان على انسحاب محرم إينجه.. ماذا قال كليتشدار أوغلو؟، عربي 21، 11 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MbJQRd
استقالة نائب مرشح المعارضة التركية كلجدار أوغلو على خلفية نتائج الانتخابات، العربي الجديد، 16 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/42Z1BtQ
صانع الملوك في تركيا يضع 5 شروط قبل دعمه لأي من المرشحين المتنافسين.. ما هي؟، رأي اليوم، 16 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3OdnDVt