1

ناشونال إنترست: العلاقات الأمريكية الصينية لا تزال هشة رغم زيارة بلينكن

في محاولة للحد من التوترات بين الولايات المتحدة والصين وإحياء قنوات الاتصال على أعلى مستوى بين الجانبين لتوطيد علاقاتهما المتذبذبة، زار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بكين مؤخرا. وكانت هذه هي الزيارة الأولى لوزير خارجية أمريكي للصين منذ عام 2018. كما أنه أكبر مسؤول أمريكي يزور البلاد منذ تولي جون بايدن مقاليد الرئاسة عام 2021.

ويقول الدكتور دين بي. شين أستاذ مساعد العلوم السياسية بكلية رامابو بنيوجيرسي، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنترست الأمريكية، إنه سبق هذه الزيارة لقاء بين بايدن والرئيس الصيني شي جين بينج على هامش قمة العشرين في بالي بإندونيسيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حيث اتفق الرئيسان على معالجة خلافاتهما بمسؤولية. وكان من المقرر أساسا أن يقوم بلينكن بزيارته للصين في شباط/ فبراير الماضي، ولكنه سرعان ما ألغى زيارته بسبب رصد أمريكا لمنطاد وإسقاطه، حيث تقول المخابرات الأمريكية إن المنطاد يستخدم للتجسس على أمريكا الشمالية.

وفي بكين، أوضح بلينكن أن إدارة بايدن تثمن توفر علاقات مسؤولة بين واشنطن وبكين. وحدد ثلاثة أهداف لزيارته، تعتمد جميعها على مبدأ رئيسي، مفاده “يتطلب التنافس الشديد دبلوماسية مستدامة لضمان عدم تحوله إلى مواجهة أو صراع”.

وأول هذه الأهداف ضرورة فتح خطوط الاتصال حتى يتمكن الجانبان من إدارة علاقاتهما بمسؤولية وتجنب سوء التفاهم. وثانيا، أكد بلينكن أهمية تعزيز مصالح وقيم الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، بما في ذلك “التحدث بشكل مباشر وصريح” عن هذه المخاوف مع بكين. وثالثا، يعتقد بلينكن أن بوسع الدولتين القيام بصورة مشتركة بـ” استكشاف إمكانيات التعاون بشأن التحديات العابرة للحدود”.

وليس من الواضح ما إذا كانت الدبلوماسية عالية المستوى قادرة على تغيير مسار العلاقات الأمريكية الصينية، التي لا تزال تتجه نحو عداء أكبر. ولكن على الأقل، سوف يتيح استئناف المحادثات والاتصالات للجانبين التعبير عن نواياهما بشكل أكثر وضوحا. ومن المرجح أن تمهد زيارة بلينكن الطريق أمام المزيد من الاجتماعات عالية المستوى بين واشنطن وبكين. والصين مهتمة بوجه خاص بالاجتماع بمسؤولي السياسة الاقتصادية لأمريكا الذين يعتزمون زيارتها، وذلك في ضوء التباطؤ الاقتصادي الصيني، والقلق بشأن حظر واشنطن المفروض على الاستثمارات الخارجية وتصدير التكنولوجيات المتقدمة للصين. وتردد أن شي يتطلع للقيام بأول زيارة له للولايات المتحدة منذ عام لحضور اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في سان فرانسيسكو، حيث من المتوقع أن يلتقي ببايدن.

ورغم أن وصف بايدن لشي بأنه ديكتاتور أثار استنكار بكين، أكد بايدن أمس الخميس في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في البيت الأبيض أنه لا يزال يأمل لقاء الرئيس الصيني في “الأمد القريب”.

ويقول الأكاديمي الأمريكي شين إنه رغم تفاؤل بايدن، تبقى الحقيقة الموضوعية التي مفادها أن العلاقات بين الدولتين لا تزال هشة للغاية ومستوى الثقة المتبادلة بينهما منخفض لدرجة أن أي صراعات جديدة يمكن أن تدفع وفاقهما الهش إلى حالة اختلال توازن مرة اخرى. ولا يمكن لقوة الصين وطموحاتها المتزايدة إلا أن تؤدي إلى زيادة القلق واليقظة من جانب واشنطن.

وسوف تسفر انتخابات الرئاسة في تايوان والولايات المتحدة العام المقبل، في كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/ نوفمبر على التوالي، عن حالات جديدة من الغموض، فافتراض انتخاب مرشح قومي آخر أكثر تشددا في تايوان قد يزيد من اقتناع شي بأن الموقف يتطلب المزيد من التصعيد، أو حتى غزو تايوان.

وبالنسبة لانتخابات الرئاسة الأمريكية، قد لا تكفي منافسة بايدن الشديدة مع الصين لإرضاء المشاعر المعادية للصين بين أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي وتضمن إعادة انتخابه. وسوف يؤدي وجود رئيس أكثر تشددا في البيت الأبيض إلى تقويض أسلوب التعايش الذى عمل بلينكن جاهدا لإحيائه.

ويقول شين إن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تكون أكثر بصيرة إزاء مدى وفعالية استقرار العلاقات مع الصين بعد سنوات من المواقف العدائية من الجانبين. وليس من المضمون بشكل تام ما إذا كان الرأي العام الأمريكي مستعدا لقبول نهج الرئيس وما إذا كانت بكين على استعداد حقيقي للتجاوب مع مبادرات واشنطن.

المصدر: صحيفة القدس العربي




الصين تبني أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة

تشهد الصين طفرةً كبيرةً في مشروعات البنية التحتية للطاقة، ما يتجلى في انتهاء بكين من بناء أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة، الذي تعوّل عليه في تعزيز الإنتاج وسد الطلب المحلي المتنامي على السلعتين الإستراتيجيتين.

وتشهد البلد الأكثر تعدادًا للسكان في العالم ازدهارًا كبيرًا في مشروعات النفط والغاز، التي عانت ركودًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، نتيجة إجراءات الإغلاق ذات الصلة بفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، التي قادت إلى هبوط الطلب على الطاقة، قبل رفع تلك الإجراءات في العام الماضي (2022).

وفي هذا السياق، أكملت الصين، اليوم الخميس 22 يونيو/حزيران (2023)، بناء أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة، ضمن جهودها في التوسع ببناء خطوط أنابيب وتقنيات معدات المياه العميقة الطويلة، حسبما نشر موقع قناة “سي جي تي إن” المتلفزة الصينية.

أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة

يُعد بناء أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة ركيزة أساسية لمشروع المرحلة الثانية من حقل “شينهاي-1″، أو “ديب سي-1”.

ويعد “ديب سي -1” أول حقل غاز في المياه العميقة تكتشفه وتطوره الصين بشكل مستقل، كما أنه أول منصة شبه غاطسة في العالم لإنتاج وتخزين النفط بسعة 100 ألف طن.

وقد دخل حقل “ديب سي-1” حيز التشغيل في شهر يونيو/حزيران (2021).

وبدأت أعمال البناء في مشروع المرحلة الثانية خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني (2022)، ويقع على بُعد نحو 130 كيلومترًا من مدينة سانيا الكائنة في مقاطعة هاينان بين حقل غاز “ياشينغ 13-1″، وحقل “شينهاي-1”.

ويصل أقصى عمق للتشغيل في أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة إلى نحو 1000 متر.

وما إن يدخل حيز التشغيل، من المتوقع أن يرفع مشروع المرحلة الثانية ذروة الإنتاج من حقل غاز “شينهاي-1” من 3 مليارات متر مكعب إلى 4.5 مليار متر مكعب.

أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة
جانب من خط أنابيب في المياه العميقة – الصورة من سي جي تي إن

نموذج سينوك المتطور

لتطوير مشروع المرحلة الثانية من حيث الكفاءة الاقتصادية، طرحت شركة سينوك -واحدة من كبرى شركات النفط في الصين- نموذج تطوير جديدًا، يشتمل على نظام إنتاج تحت سطح البحر، ونظام للتحكم عن بُعد في منصة شبه مغمورة في المياه العميقة، وفق ما ذكره نائب مدير قسم خطوط أنابيب المياه العميقة بمشروع المرحلة الثانية في فرع شركة سينوك الواقع في هاينان وو هولين.

وتبرز خطوط الأنابيب شبه المغمورة بصفتها شريان حياة في عملية ضمان النقل السلس للنفط والغاز من الحقول البحرية.

ويكتسب مشروع المرحلة الثانية أهمية خاصة من حيث كونه أول حقل غاز عالي الضغط في المياه العميقة بالصين.

ويشتمل النفط والغاز المستخلصان من هذا الحقل على مكونات معقدة، وتكون عُرضة لدرجات حرارة وضغط عالية، وهو ما يجعل أنابيب النفط والغاز البحرية التقليدية غير قادرة على تلبية شروط الإنتاج.

عمال يراقبون إنزال الأنابيب في المياه
عمال يراقبون إنزال الأنابيب في المياه – الصورة من “سي جي تي إن”

ونتيجة لذلك، تستعمل سينوك نموذجًا مجمعًا يتضمّن خط أنابيب مصنوعًا من الصلب بقطر كبير، يمتد بطول 114 كيلومترًا في المياه العميقة، إلى جانب خط أنابيب مركب ثنائي المعدن في المياه العميقة.

ويشكل خطا الأنابيب -معًا- شريانًا يتصل بمشروع المرحلة الثانية لنقل النفط والغاز.

يُشار إلى أن أطول خط أنابيب نفط وغاز في المياه العميقة يصل طوله إلى 115.5 كيلومترًا، وهو مشروع نقل رئيس يربط منصة الإنتاج البحرية في مشروع المرحلة الثانية ، بمحطة الاستقبال البحرية.

وحتى الآن بَنَت الصين خطوط أنابيب تمتد لأكثر من 9 آلاف كيلومتر، ما يعادل المسافة الواصلة من شنغهاي إلى باريس.

منظر جوي لوضع أنابيب في المياه العميقة
منظر جوي لوضع أنابيب في المياه العميقة – الصورة من “سي جي تي إن”

زيادة الطلب على النفط

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك“، أن يرتفع الطلب على النفط في الصين بواقع 800 ألف برميل يوميًا في الربع الثاني من العام الجاري (2023).

يأتي ذلك في الوقت الذي يشهد فيه قطاعا السفر البري والجوي انتعاشًا قويًا بعد سنوات من إجراءات الإغلاق الصارمة ذات الصلة بالوباء، وفق المعلومات التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.

وعالميًا، من المتوقع أن يرتفع الطلب على النفط بواقع 100 ألف برميل يوميًا، ليصل إلى مليوني برميل يوميًا خلال عام 2023، على خلفية التعافي الاقتصادي في الصين وتعافي قطاع الطيران، وفق تقديرات صادرة عن وكالة الطاقة الدولية في 15 فبراير/شباط (2023).

الإنفوغرافيك أدناه -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- يوضح توقعات الطلب العالمي على النفط والمعروض في 2023:

توقعات الطلب على النفط في 2023

صعود الطلب على الغاز

سجّل استهلاك الغاز الطبيعي في الصين زيادة بواقع 3 أضعاف إبان الأعوام الـ12 الماضية، بقيادة القطاع الصناعي في البلد الآسيوي.

وأسهم النمو الاقتصادي القوي والتحضر والسياسات البيئية، التي تدعم التحول من الفحم إلى الغاز، في تسريع وتيرة الطلب في أكبر مستهلك للطاقة حول العالم، باستثناء العام الماضي (2022)، في ظل تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

وصعد الطلب على الغاز الطبيعي في الصين بنسبة 237.5% من 10.4 مليار قدم مكعبة يوميًا في عام 2010 إلى 35.1 مليار قدم مكعبة يوميًا في عام 2022، حسب تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في 1 يونيو/حزيران (2023).

ورغم ذلك، هبط معدل استهلاك الغاز الطبيعي في الصين بنسبة 1%، ما يعادل 0.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، خلال عام 2022، مسجلًا أول تراجع سنوي منذ عام 1990، وفق بيانات أفرجت عنها إدارة معلومات الطاقة، طالعتها منصة الطاقة المتخصصة.

محمد عبد السند

المصدر: منصة الطاقة




الصين الشعبية في الشرق الأوسط

إذا حاولنا المقارنة بين القوى التي يمكن وصفها بالقوى العظمى، وكان الوصف في الماضي ينطبق على قوتين عظميين هما الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي، لا بد أن نتذكر أن الوضع قد تغير اليوم. هنالك قوة عظمى ثالثة، هي الصين الشعبية، في النظام العالمي الجديد الذي لم يتبلور كلياً بعد، وبالتالي لم يستقر فيما يتعلق بقواعده وطبيعة وأنماط تحالفاته، والعلاقات بين قواه الرئيسية: النظام الذي يعرف بنظام ما «بعد الحرب الباردة».

والبعض يرى أن الصين الشعبية حلت مكان روسيا في هذا الموقع، فيما النقاش ما زال مستمراً حول شكل النظام العالمي الذي سيستقر. فهل يكون النظام ثلاثي القطبية، وهو المرجح، أم ثنائي القطبية، حيث يرى البعض أن بكين ستحل مكان موسكو في هذا الموقع.

وإذا نظرنا إلى لعبة التنافس بين هذه القوى وبناء النفوذ أو تعزيزه في الشرق الأوسط نستطيع أن نصف الولايات المتحدة بأنها القوة المترددة في سياساتها، الأمر الذي أصاب مصداقيتها بالكثير من الضرر، والقوة المتراجعة في موقعها ونفوذها مقارنة مع الماضي القريب والبعيد. ويظهر ذلك في الفتور النسبي الذي أصاب ما عرف بعلاقاتها الخاصة في المنطقة. كما نستطيع أن نصف روسيا الاتحادية بالقوة العائدة كوريث لدور الاتحاد السوفياتي، التي أعادت بناء هذا الدور، آخذة بالطبع بعين الاعتبار المتغيرات التي حصلت على جميع المستويات الدولية وغيرها في مختلف مجالات عناصر القوة، وما يعرف بقواعد «لعبة الأمم». أما الصين الشعبية فيمكن وصفها بالقوة القادمة بدينامية كبرى ومقاربة شاملة تقوم على البراغماتية في عملية بناء علاقات جديدة من جهة، وتعزيز علاقات قائمة وإعطائها أبعاداً مختلفة من الاقتصاد، استثماراً وتجارة إلى السياسة، وإلى التعاون المتعدد الأبعاد والأوجه من جهة أخرى.

إذا قارنا في العلاقات الإقليمية بين الصين الشعبية والولايات المتحدة نرى أن الأولى تمتلك علاقات، أو تحديداً تمكنت في فترة قصيرة نسبياً، عبر «مبادرة الحزام والطريق» ودبلوماسية بكين الناشطة، من إقامة علاقات متوازنة إلى درجة كبيرة مع مختلف القوى الرئيسية في المنطقة: القوى العربية وإيران وتركيا وإسرائيل. الأمر الذي تفتقده واشنطن.

فإلى جانب تراجع الاهتمام في الشرق الأوسط والتوجه نحو منطقة الباسفيك، كما صرحت واشنطن مراراً، ولو أن الاهتمام تفرضه التطورات ولا يمكن إضعافه دون دفع ثمن لذلك، فإن ما يزيد من إضعاف الموقف الأميركي عناصر ثلاثة: أول هذه العناصر الانحياز الكلي لإسرائيل مع تداعيات ذلك على علاقاتها ودورها في المنطقة، وكذلك التوتر الأميركي – الإيراني رغم عودة الوساطة بين الطرفين، خاصة حول الشأن النووي، وأخيراً بقاء العنصر الآيديولوجي (الديمقراطي الليبرالي) الذي تلجأ إليه واشنطن في خطابها بشكل انتقائي بين الحين والآخر تجاه بعض الدول الصديقة لها لاعتبارات عديدة.

وعلى صعيد آخر، سبقت الصين الشعبية روسيا الاتحادية في انخراطها الناشط في المنطقة، رغم أن الأخيرة تمتلك علاقات شبيهة بالحالة الصينية ولكن دون الإمكانات الاقتصادية التي وظفتها وتوظفها بكين في هذا المجال. أضف أن الانشغال الروسي في الحرب الأوكرانية، الذي هو من أولوية الأولويات في الأمن القومي لموسكو وصراعها مع الحلف الغربي، قد انعكس سلباً بعض الشيء على قدرة انخراطها الناشط في المنطقة. ولا يعني ذلك تراجعاً للدور الروسي في الإقليم، خاصة في قضايا تحتل مكانة أولية في الشأن الأمني الاستراتيجي من حيث تعقيداتها وحجم تداعياتها على صعيد المنطقة.

أمثلة ثلاثة نشير إليها للدلالة على الدور الصيني الجديد في المنطقة: أولاً، دبلوماسية القمم التي استضافتها المملكة العربية السعودية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي شهدت 3 قمم: «سعودية صينية، وخليجية صينية، وعربية صينية»، والتي أسست لمقاربات جديدة في العلاقات الشاملة، كما عززت علاقات قائمة. ثانياً، الدور الصيني في استضافة ورعاية المصالحة السعودية – الإيرانية التي تؤسس لعلاقات مختلفة في المنطقة ولمسار جديد يجب البناء عليه. استضافة عكست العلاقات الخاصة التي تربط بكين بالقوتين الإقليميتين. ثالثاً، مؤتمر «الدورة العاشرة» لرجال الأعمال العرب والصينيين في الرياض يومي 11 و12 من هذا الشهر، الذي شهد نقلة نوعية في العلاقات، من حيث طبيعة وحجم الاتفاقيات التي تم التوصل إليها، والتي وصلت إلى حدود 10 مليارات دولار. الأمر الذي يعكس نوع وحجم التعاون الاقتصادي المتعدد الأوجه القائم والقادم في العلاقات العربية الصينية. أضف إلى ذلك، رسالة هامة حملتها القمة الصينية – الفلسطينية التي انعقدت في 14 من هذا الشهر في بكين، حول استعداد الصين الشعبية للعب دور توسطي للمساعدة في جهود السلام… رسالة حول رغبة بكين في الانخراط في دبلوماسية التسوية لهذا النزاع الذي يعيش الجمود الدبلوماسي الخطير في تداعياته مع أعلى درجات التوتر السياسي، وكذلك على الأرض بسبب السياسات الإسرائيلية الناشطة لاستكمال تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة، والرافضة كلياً لإعادة إحياء عملية السلام حسب المرجعيات الأممية المعروفة.

إن الدور الصيني الناشط والمتنوع في علاقاته ومضامينه، كما أشرنا سابقاً في الشرق الأوسط، الذي يعزز الوجود الصيني في منطقة تحتل أهمية استراتيجية خاصة أيضاً على المستوى الدولي بسبب موقع المنطقة كنقطة تواصل بين القارات الثلاث الآسيوية والأوروبية والأفريقية، يؤشر بشكل كبير أيضاً على مكانة الصين الشعبية التي تتكرس كل يوم على مستوى النظام العالمي الذي يتشكل.

ناصيف حتّي – وزير خارجية لبنان الأسبق

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




لتحفيز النمو.. الصين تخفض الفائدة على الإقراض

البنك المركزي الصيني يخفض أسعار الفائدة الأمر الذي سوف يحسن ظروف الإقراض للشركات الصغيرة والمتوسطة، وينعكس تعزيزاً للاقتصاد وتحفيزاً للنمو.


تدخّل المصرف المركزي الصيني، اليوم الثلاثاء، لتحفيز النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مخفضاً سعرَي فائدة مرجعيَين، بعد خطوات عدة مماثلة، في الأسابيع الأخيرة.

وخفض المركزي السعر الأساسي للقرض لمدة عام واحد، وهو معدل الفائدة المرجعي، لأفضل الأسعار التي يمكن للبنوك أن تقدّمها للشركات والأسر، من 3,65% إلى 3,55%، فيما خُفّض معدّل الفائدة المرجعي على خمسة أعوام، في قروض الرهن العقاري من 4,3% إلى 4,2%، حسبما أعلن البنك المركزي على موقعه الإلكتروني.

وتتابع الأسواق عن كثب هذين المعدلين، وهما اليوم عند أدنى مستوياتهما. وسبق أن خُفّضا في آب/أغسطس 2022. ويُفترض أن يحثّ هذا القرار، الذي كانت تنتظره الأسواق، البنوك التجارية على منح المزيد من القروض وبفوائد أعلى.

ومن المتوقع أن يدعم هذا الإجراء النشاط الاقتصادي. ويتعارض هذا الإجراء مع الإجراءات التي تتخذها الاقتصادات الرئيسية في العالم، عادة، التي ترفع أسعار الفائدة لكبح التضخم.

وخفض المركزي الصيني الأسبوع الفائت، سعر الفائدة على قروض البنك المركزي الصيني لمدة عام واحد للمؤسسات المالية إلى 2,65% (مقابل 2,75% سابقاً).

ويعمل البنك المركزي الصيني على تحسين ظروف الإقراض للشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال توجيه البنوك لزيادة القروض وتخفيض تكاليف الإقراض.

ويأمل البنك المركزي أن يساعد هذا الإجراء في تعزيز الاقتصاد، من خلال دعم الإنفاق والاستثمار وتوفير فرص عمل جديدة.

وتتطلّع الحكومة الصينية إلى تنشيط الاستهلاك الداخلي والتوسّع في الاستثمارات في البنى التحتية، مثل مشاريع الطرق والسكك الحديدية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بهدف تحقيق نمو اقتصادي قويّ ومستدام.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقّع بداية العام الحالي أن تعزز الصين النمو العالمي خلال العام. خاصة مع ناتج محلي إجمالي يتجاوز 120 تريليون يوان (17.9 تريليون دولار)، ونظام صناعي يعد الأكثر اكتمالاً في العالم، وسلاسل تصنيع وإمداد مرنة، ما يؤهله للحفاظ على نمو سليم ومستدام. 
وحدّدت بكين لنفسها هدفاً موضوعياً على صعيد النمو، يبلغ نحو 5% هذا العام، في تقارب مع النسبة التي توقّعها صندوق النقد الدولي البالغة 5,2%.

المصدر: موقع الميادين




تطور العلاقات الصينية – العربية

هبة علوي

مركز الدراسات المصرية، جامعة تشنغتشو




لـ”إثارة مخاوف حقيقية”.. وزير خارجية أمريكا يمضى أكثر من 5 ساعات في اجتماعه مع نظيره الصيني

التقى وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بوزير الخارجية الصيني تشين غانغ لأكثر من خمس ساعات، الأحد، وفقا

لما ذكرته وزارة الخارجية الأمريكية.

سافر بلينكن إلى بكين في زيارة عالية المخاطر في نهاية هذا الأسبوع تهدف إلى إعادة العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين إلى مسارها ومناقشة موضوعات، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا.

اختتم لقاء بلينكين الأولي مع زميله الدبلوماسي بعد خمس ساعات ونصف في الساعة الثامنة مساءً بالتوقيت المحلي (8 صباحًا بالتوقيت الشرقي). وقالت وزارة الخارجية للصحفيين إنه انتقل بعد ذلك إلى عشاء عمل.

أشار المسؤولون من الحكومتين إلى توقعات منخفضة للزيارة، لكن بلينكن تعهد بإثارة “مخاوفنا الحقيقية للغاية بشأن مجموعة من القضايا”، بما في ذلك الغزو الروسي.

بلينكن هو أول وزير خارجية يسافر إلى الصين منذ خمس سنوات وأكبر مسؤول أمريكي يقوم بمثل هذه المهمة منذ تولى الرئيس جو بايدن منصبه.

بينما سعت بكين إلى لعب دور صانع السلام بين موسكو وكييف، قُوبلت رسائل الصين بشكوك كبيرة من قبل المسؤولين الأمريكيين والقادة الغربيين الآخرين.

أصدرت الصين ورقة غامضة الصياغة حول “تسوية سياسية” للصراع، لكنها تعرضت لانتقادات لعدم دعوتها روسيا لسحب قواتها من الأراضي الأوكرانية، كما فعلت كييف وأكثر من 100 حكومة حول العالم.

وأثار مسؤولون غربيون مخاوف في وقت سابق من هذا العام من أن الصين قد تدرس تقديم مساعدة عسكرية قاتلة لروسيا، وهو اتهام نفته بكين.

في أبريل/ نيسان، قال مسؤولون كبار بوزارة الخزانة الأمريكية إنهم لم يروا دليلاً على أن الصين تقدم مساعدة مكثفة لروسيا في حربها في أوكرانيا، لكن المسؤولين لا يزالون حذرون مع توطيد العلاقات بين البلدين.

المصدر: موقع CNN بالعربية




الولايات المتحدة تخسر جنوب العالم.. النفوذ الصيني يصل إلى 61 دولة

حذر خبراء من خسارة الولايات المتحدة لنفوذها التقليدي في العديد من الدول في جنوب الكرة الأرضية، لصالح الصين التي تتوسع في العديد من الدول عبر تقديم مساعدات واستثمارات تجارية.

وقال الأكاديميون، كولين ميسل وجوناثان موير وماثيو بوروز، في مقال مشترك في موقع “ذا هيل“؛ إن الولايات المتحدة بمسارها الحالي ستخسر نفوذها لصالح الصين؛ باعتبار الأخيرة المؤثر الرائد في العالم خلال الخمس وعشرين سنة القادمة.

ووفقا لدراسة أجراها الأكاديميون الثلاثة حول التأثير بين الدول منذ عام 1960 فصاعدا، مع التوقعات حتى منتصف القرن، عبر الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، شملت الدراسة تغلغل الصين بشكل خاص أفريقيا ووسط وجنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى تآكل المزايا الأمريكية تقريبا في أماكن أخرى.

وأكدوا أن الشرق الأوسط لم يعد محصورا بالكامل في مجال نفوذ الولايات المتحدة في ضوء الانقلاب الدبلوماسي الأخير للصين، الذي أعاد العلاقات السعودية والإيرانية ودخول السعودية المرتقب في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، والتي أشار إليها البعض باسم “شبه تحالف” من عدة دول أوراسية كبيرة. 

ولفت المقال إلى أن الدعم الغربي لأوكرانيا قد خلق الظروف لتحقيق المزيد من المكاسب الجيوسياسية للصين في أفريقيا، ومن المتوقع إعادة توجيه الأموال الغربية التي كانت مخصصة سابقا للمساعدات الإنسانية في القارة نحو كييف، ويبدو أن بكين مستعدة لسد هذه الفجوة بمبادرة التنمية العالمية الخاصة بها.

ولفت الأكاديميون الثلاثة إلى سبب تفوق الصين الدائم، وهي الخسارة المستمرة لتأثير الولايات المتحدة لصالح الصين على مدى العقدين الماضيين، هي الخلفية الدرامية لفشل الولايات المتحدة والغرب في قيادة الرأي العام العالمي بشأن أوكرانيا. 

جنوب العالم
ووفق المقال، لا يثق جنوب العالم في تقسيم إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للعالم إلى ديمقراطية مقابل استبدادية. بالنسبة لهم، العالم متعدد الأقطاب بالفعل، والولايات المتحدة وأوروبا مجرد أحد الأقطاب.

وبدلا من ذلك، يرى الجمهور الغربي أن العالم مقسم إلى قسمين -كتلة غربية وكتلة روسية صينية-، ويعتقدون أنه من الواجب الأخلاقي لبقية العالم أن يدعم الغرب.

ومع ذلك، يقول المقال؛ إن الإخفاقات الاستراتيجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، وسوء الإدارة الموازية للرئيس الصيني شي جين بينغ لوباء كوفيد، قد تركت نافذة ضيقة من الفرص للولايات المتحدة لاستعادة الأرضية الاستراتيجية المفقودة على مدى السنوات الخمس المقبلة تقريبا.

وتباطأ صعود الصين وتسارع تراجع روسيا بسبب الضربات الأخيرة التي تعرضت لها اقتصادات كل منهما. ولتحقيق أقصى استفادة من هذه المهلة المؤقتة من التراجع الأمريكي النسبي، يجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة التخلي عن سياسات التجارة الحمائية المنقولة من إدارة ترامب.

كما يجب عليهم إعادة توجيه الجهود الدبلوماسية الأمريكية على نطاق أوسع، والعمل عن كثب وجدية مع القادة في الجنوب العالمي. وبدون هذه الجهود، قد تواجه استراتيجية الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ على سبيل المثال رياحا معاكسة متزايدة. وفقا للكتاب الثلاثة.‌

المصدر: موقع The Hill

ترجمة: موقع عربي 21




توجّه الصين نحو الشرق الأوسط

يناقش عبد الله باعبود، في مقابلة معه، دور بيجينغ المتنامي في منطقة الخليج، حيث تكمن أولويتها في إرساء الاستقرار.


عبد الله باعبود باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، وأستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية، وأستاذ زائر في كلية البحوث الدولية والتعليم في جامعة واسيدا في طوكيو. نشر مؤخرًا مقالًا لكارنيغي بعنوان “لماذا تبرز الصين كمروِّج أساسي للاستقرار في مضيق هرمز“. أجرت “ديوان” مقابلة معه في أواخر أيار/مايو لمناقشة مقاله هذا والاطّلاع على وجهة نظره عمومًا حيال الدور المتغيّر للصين في الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه دول الخليج.

مايكل يونغ: كتبتَ مؤخرًا مقالًا حول دور الصين في مضيق هرمز. ما هي فكرتك الأساسية فيه وما أبرز الخلاصات التي توصّلت إليها؟

عبد الله باعبود: جادلتُ بأن الصين، نظرًا إلى اعتمادها على منطقة الخليج للحصول على كمية كبيرة من النفط والغاز، لديها مصلحة وازنة في الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة، وخير مثال على ذلك توسّطها مؤخرًا في اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران. تتيح منطقة الخليج فرصة مهمّة للصين في تنافسها الجيو-استراتيجي العالمي مع الولايات المتحدة. فعلى خلاف واشنطن، تتمتع بيجينغ بعلاقات ثنائية وثيقة مع الدول الواقعة على جانبَي مضيق هرمز. وستصبح الصين، مع تنامي مصالحها في المنطقة، طرفًا فاعلًا أساسيًا في أمن المضيق. وهذا ما أكّده الاتفاق السعودي الإيراني، إذ ساهم في نزع فتيل التشنّجات في مضيق هرمز والمنطقة الأوسع.

يُضاف إلى ذلك أن الوجود العسكري للولايات المتحدة وحلفائها في المضيق شجّع الصين على المشاركة في تحمّل عبء الحفاظ على أمن المنطقة لحماية مصالحها التجارية، ولا سيما أن بيجينغ عُرضة للتأثّر بشدّة من الاختلالات التي قد تطرأ على الإمدادات النفطية. وأظهرت المساعي التي بذلتها الصين في تسهيل ولادة الاتفاق بين السعودية وإيران أن بيجينغ تعوّل على النفوذ الاقتصادي الذي تتمتّع به في المنطقة لتعزيز دورها في التأثير على الديناميكيات الأمنية الإقليمية، ومدّ جسور دبلوماسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية من أجل حماية مصالحها التجارية. لم تعد الصين “راكبًا بالمجّان”، كما وصفها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، يعمل تحت المظلّة الأمنية الأميركية والغربية.

يونغ: هل يمكن أن تخبرنا ما يعنيه، من الناحية العملية، واقع أن الصين كانت الراعي الرسمي للمصالحة بين السعودية وإيران؟ وكيف يمكن أن تؤثّر بيجينغ على عملية تطبيق الاتفاق أو عدمه؟

باعبود: حقّقت الصين إنجازًا ملحوظًا على مستوى الديناميكيات الأمنية في منطقة الخليج، من خلال توسّطها في إبرام الاتفاق بين إيران والسعودية. صحيحٌ أن طهران والرياض كانتا تسعيان على ما يبدو إلى تخفيف حدّة التوترات بينهما عقب جولات عدّة من المحادثات التي سهّلتها كلٌّ من عُمان والعراق، إلا أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما لم يكن متوقعًا في هذا الوقت القريب، ولا سيما أن النزاع في اليمن لا يزال من دون حلّ.

اعتمدت الصين منذ فترة طويلة استراتيجية التوازن الدبلوماسي الحذر في الشرق الأوسط، محافظةً على علاقات جيدة مع الدول الإقليمية كافة. مع ذلك، شكّل توسّطها في إبرام اتفاق المصالحة بين طهران والرياض خروجًا عن هذا النهج المعتاد، إذ باتت بيجينغ تؤدّي اليوم دورًا أكبر في دعم عملية السلام بين الأفرقاء المتخاصمين في المنطقة. وقد أسهم توقيعها اتفاقيتَي شراكة استراتيجية شاملة مع إيران والسعودية في العامَين 2021 و2022 على التوالي، فضلًا عن كونها شريكًا تجاريًا أساسيًا للدولتَين، في تحقيقها موقعًا فريدًا قادرًا على التأثير بنتائج اتفاق المصالحة.

في الواقع، تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، ومستهلكًا أساسيًا للنفط السعودي والإيراني. إضافةً إلى ذلك، أجرى الصينيون استثمارات كبيرة في مشاريع بنى تحتية ضخمة في البلدَين.

وعلى الرغم من أن نجاح المصالحة سيعتمد في نهاية المطاف على مدى استعداد طهران والرياض لتقديم تنازلات، قد يكون نفوذ بيجينغ الاقتصادي فعّالًا في دفع عملية تنفيذ الاتفاق قدمًا. تخوض السعودية راهنًا عملية إصلاح اقتصادي سريع لتحقيق أهداف رؤية العام 2030، فيما تتخبّط إيران في ظل تدهور أوضاعها الاقتصادية نتيجة العقوبات المتنامية التي فرضتها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ولا شكّ من أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين وتوسيع استثماراتها في الدولتَين سيزيدان من جاذبية المصالحة.

يونغ: كيف تندرج منطقة الخليج الأوسع ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وبأي طريقة يهدّد ذلك دور الولايات المتحدة في المنطقة؟

باعبود: لقد اتّسعت مصالح الصين في منطقة الخليج، متجاوزةً حاجاتها في مجال الطاقة لتشمل مجموعة أوسع من الأنشطة الاقتصادية، ما دفع بيجينغ إلى النظر إلى المنطقة على أنها ذات أهمية استراتيجية. ويشير تنامي حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة، ولا سيما في مشاريع البنى التحتية الكبرى مثل الاتصالات والخدمات اللوجستية، إلى الأهمية التي تتمتّع بها منطقة الخليج الأوسع في مبادرة الحزام والطريق الصينية. يؤدّي الشرق الأوسط، بفضل موقعه الاستراتيجي عند تقاطع أفريقيا وآسيا وأوروبا، دورًا أساسيًا في طموحات بيجينغ العالمية، ويُعدّ محوريًا في التنافس المتنامي بين قوتَين عظيمتَين هما الصين والولايات المتحدة. وعلى الرغم من الانسحاب العسكري الأميركي المتصوّر من الشرق الأوسط، تسعى واشنطن إلى إثبات التزامها المتواصل بأمن حلفائها في المنطقة، حيث لا تزال تحتفظ بوجود عسكري ملحوظ.

على الرغم من أن نفوذ الصين العسكري في المنطقة محدود، تشعر واشنطن بالقلق حيال الانخراط المتزايد للشركات الصينية في شراكات في مجالَي الموانئ والتكنولوجيا، بما فيها مشاريع البنى التحتية للاتصالات، مثل إنشاء شبكات الجيل الخامس التي تشارك فيها شركة هواوي الصينية. وقد وجّهت واشنطن تحذيرات إلى حلفائها بأن التعاون مع مثل هذه الشركات قد يعرّض آفاق التعاون الأمني المستقبلي مع الولايات المتحدة للخطر. لكن، على الرغم من تنامي حدّة المنافسة بين بيجينغ وواشنطن، للجانبَين مصلحة في صون أمن المنطقة واستقرارها، ما قد يفسح المجال أمام تعاون محتمل بينهما.

يونغ: أشرْتَ إلى أن استجابة الولايات المتحدة للتقدّم الذي تحرزه الصين في الخليج ستتمثّل على الأرجح في دعم الاتفاقات الابراهيمية ومحاولة تحقيق تطبيعٍ للعلاقات بين السعودية وإسرائيل. ما مدى واقعية ذلك، وهل من شأن هذه المساعي أن تقوّض استراتيجية الصين، نظرًا إلى أن الرياض لن تقطع على الأرجح علاقتها مع بيجينغ؟

باعبود: وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطبيع العلاقات مع السعودية على قائمة الأهداف الأساسية لسياسته الخارجية. تُمثّل الاتفاقات الابراهيمية للولايات المتحدة فرصة لإحراز تقدّم أكبر على صعيد التعاون بين إسرائيل ودول الخليج، ما قد يُفسح المجال أمام تعاون أمني أكبر بين هذه الدول التي ترى جميعها أن إيران تمثّل تهديدًا إقليميًا كبيرًا. قد يعود هذا السيناريو بالفائدة على واشنطن من خلال توفير حماية أفضل لأمن إسرائيل القومي في مواجهة إيران، ويعزّز في الوقت نفسه محور حلفاء واشنطن في المنطقة.

وفيما من المستبعد أن يعرقل هذا السيناريو اتفاق المصالحة الذي توسّطت الصين في إبرامه بين السعودية وإيران، قد يضع بعض العقبات في وجه مصالح بيجينغ الإقليمية. فتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج قد يؤثّر على مصالح الصين من خلال عزل إيران سياسيًا عن المنظومة الأمنية الإقليمية. صحيحٌ أن السعودية عازمة على تحفيف حدّة التوترات الإقليمية مع إيران، إلا أن الرياض لا تزال تعتبر طهران خصمًا أساسيًا. وقد تؤدي مواءمة المصالح بين السعودية وإسرائيل، من خلال تهميش إيران وإثباط محاولات دمجها في اقتصاد المنطقة، إلى عرقلة طموحات الصين الرامية إلى إنشاء منطقة نفوذ خاصة بها في الخليج، ما يضعف مبادرة الحزام والطريق الصينية.

مع ذلك، ذكرت تقارير أن السعودية فرضت شروطًا محدّدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل – منها توثيق التعاون الدفاعي الأميركي، وتوفير ضمانات أمنية أميركية، وتخفيف القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الأميركية إلى المملكة، والحصول على المساعدة الأميركية في تنفيذ مشروع نووي مدني – يُرجّح أن تواجه معارضة من الكونغرس في واشنطن. علاوةً على ذلك، أدّى تزايد أعمال العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ أن تسلّمت السلطة حكومة يمينية متطرّفة برئاسة نتنياهو في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إلى تراجع إمكانية قبول السعودية والعالم الإسلامي الأوسع باتفاق مع إسرائيل.

يونغ: يبدو أن الصين لا تستطيع أن تتنافس مع الولايات المتحدة على المستوى الأمني. لماذا هذا الأمر مهم، وكيف تتوقع أن تعالج الصين هذا الوضع؟

باعبود: على الرغم من أن الجيش الصيني يحتلّ المرتبة الأولى عالميًا من حيث عدد القوات العاملة في الخدمة، فإن خبرات الصين العسكرية وإمكانياتها البحرية والجوية لا تزال متأخرة عن نظيرتها الأميركية بشكل كبير. فعمليات تمديد النفوذ الأميركي لا تزال بلا منازع، نظرًا إلى شبكتها الواسعة من القواعد البحرية المنتشرة خارج الأراضي الأميركية، في حين أن القاعدة العسكرية للصين في جيبوتي هي قاعدتها الوحيدة خارج حدودها. إضافةً إلى ذلك، لا تستطيع الصين بعد التنافس مع هيمنة واشنطن على سوق السلاح العالمي، إذ بلغت حصة الولايات المتحدة من تجارة الأسلحة العالمية 40 في المئة بين 2018 و2022، مقارنةً مع 5.2 في المئة للصين.

مع ذلك، حقّقت الصين اختراقات مُلفتة في سوق السلاح في الشرق الأوسط على مدى العقد الفائت، بما في ذلك إبرام اتفاقات مهمة في المجال الدفاعي مع حلفاء بارزين للولايات المتحدة مثل مصر والسعودية. وفيما تسعى دول خليجية عدة إلى تنويع شبكة مورّدي الأسلحة لديها والحدّ من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، ستحاول الصين حتمًا زيادة حصّتها في سوق السلاح المدرّ للربح في المنطقة. وستعمل كذلك على إقامة شبكة من القواعد العسكرية خارج حدودها، مع تركيز خاص على منطقة الشرق الأوسط، كما أظهر الجدل الذي أثارته الأنباء عن بدء بيجينغ بمشروع بناء قاعدة عسكرية في ميناء خليفة في أبوظبي.

لا تبدو الصين على عجلة من أمرها لتحلّ مكان الولايات المتحدة، وهذا ليس هدفها على الأرجح. لكن مزيج نفوذها الاقتصادي والسياسي ومصالحها الأمنية والاستراتيجية سيؤدّي إلى تكثيف انخراطها في الأمن الإقليمي. بصرف النظر عن التنافس بين هاتَين القوتَين العظيمتَين، قد يعود الانخراط الأمني المتزايد للصين في منطقة الخليج بالفائدة على الأمن الإقليمي والعالمي.


مايكل يونغ – مدير التحرير في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط

المصدر: مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط




لماذا تبرز الصين كمروِّج أساسي للاستقرار في مضيق هرمز

نظرًا إلى اعتماد الصين على دول الخليج للحصول على كمية كبيرة من النفط والغاز، لديها مصلحة وازنة في الحفاظ على الأمن في المنطقة. ومن هذا المنطلق، عمدت إلى التوسّط مؤخرًا في اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران.


يُعَدّ مضيق هرمز أهم ممرّ للطاقة في العالم، إذ يشكِّل نقطة التقاء بين الخليج العربي وخليج عُمان. عالميًا، يمرّ أكثر من سدس النفط وثلث الغاز الطبيعي المُسال عبر هذا المضيق الضيّق. وفيما يمكن تجاوز معظم نقاط الاختناق باستخدام طرق شحن أخرى، ليست لمضيق هرمز بدائل عملية. فيمكن أن تتصاعد حادثة ما في البحر، سواء كانت متعمّدة أو غير مقصودة، وتتحوّل سريعًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة تهدّد إمدادات النفط والشحن التجاري. كان المضيق ساحةً للتوترات في الأعوام الأخيرة، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، ما تطلّب وجودًا عسكريًا خارجيًا زاد من احتمال نشوب نزاع.

باتت الصين، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الخليجي الذي شكّل أكثر من 50 في المئة من الواردات الصينية في الربع الأول من العام 2022. وفي العام 2021، استوردت الصين كمية هائلة من النفط الخام بقيمة 128 مليار دولار أميركي من بلدان خليجية قرب مضيق هرمز، ما يعادل ثلاثة أضعاف الكمية التي استوردتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعَين. وقد صنّفت وزارة الدفاع الأميركية المضيق بأنه “منطقة تركيز معروفة” للمخطّطين العسكريين الصينيين. ويمثّل الشرق الأوسط، بفضل موقعه الاستراتيجي عند تقاطع أفريقيا وآسيا وأوروبا، عنصرًا أساسيًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية. علاوةً على ذلك، تتيح منطقة الخليج فرصة مهمّة للصين في تنافسها الجيو-استراتيجي العالمي مع الولايات المتحدة. فعلى خلاف واشنطن، تتمتع بيجينغ بعلاقات ثنائية وثيقة مع الدول الواقعة على جانبَي مضيق هرمز. وستصبح الصين، مع تنامي مصالحها في المنطقة، طرفًا فاعلًا أساسيًا في أمن المضيق. وهذا ما أكّده اتفاق المصالحة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي أُبرم بوساطة صينية في 10 آذار/مارس 2023، وساهم في المساعي التي تبذلها بيجينغ لنزع فتيل التشنّجات في مضيق هرمز والمنطقة الأوسع.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

يبلغ طول مضيق هرمز نحو155 كيلومترًا وعرضه حوالى 34 كيلومترًا عند نقطته الأضيق. شُحِن نحو 21 مليون برميل من النفط يوميًا عبر هذه البوّابة المحورية في العام 2020، وهو العام الذي تتوافر عنه آخر الأرقام. الخيارات التي تسمح بتجاوز هذا المضيق محدودة، ويُشار إلى أن السعودية والإمارات العربية المتحدة هما الدولتان الوحيدتان اللتان لديهما خطوط أنابيب يمكنها شحن النفط الخام إلى خارج منطقة الخليج. ووفقًا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن76 في المئة من النفط الخام والمكثّفات التي مرّت عبر المضيق في العام 2018 كانت وجهتها الأسواق الآسيوية، وبصورة خاصّة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إذ استحوذت هذه البلدان على 65 في المئة من مجموع كميات النفط التي شُحِنت عبر المضيق في ذلك العام. في المقابل، استوردت الولايات المتحدة نحو 1.4 مليون برميل نفط في اليوم عبر مضيق هرمز في العام 2018، ما شكّل حوالى 18 في المئة من مجموع واردات النفط الخام الأميركية.

يبلغ عرض قنوات الشحن في المضيق التي يمكن أن تتسع لناقلات النفط العملاقة ميلَين بحريَّين فقط، لذا تُضطرّ السفن إلى المرور عبر المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية. وقد هدّدت إيران في مناسبات عدّة بإغلاق الممر، ولكن الإقدام على هذه الخطوة بشكل أُحادي يمثّل انتهاكًا للقانون الدولي نظرًا إلى أن سلطنة عُمان تُقاسمها السلطة على المجرى المائي. ولكن المضيق ظلّ موئلًا أساسيًا للنزاعات منذ العام 1987 وما يُسمّى بـ”حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين استهدفت بغداد سفن الشحن الإيرانية. وفي الآونة الأخيرة، تحوّل المضيق إلى حلبة أساسية للمواجهة البحرية بين واشنطن وطهران، إذ اتهمت الولايات المتحدة الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري الإيراني بمضايقة سفنها العاملة في المضيق.

بما أن مضيق هرمز هو ممرٌّ عالمي للطاقة، يُعَدّ أمنه ضروريًا لحسن سير الاقتصاد العالمي. فقد استخدمت إيران بصورة خاصة موقعها عند المضيق لردع الولايات المتحدة وحلفائها من خلال مهاجمة سفن تجارية وعسكرية تعبر المجرى المائي. وأدّى تصاعد التشنّجات بين إيران والغرب، ولا سيما مع تقدّم طهران في برنامج التخصيب النووي، إلى تعزيز الانتشار العسكري في المضيق. فالأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين ينشط بصورة خاصة هناك، حيث يشارك في مساعدة البحّارة، وحماية البنى التحتية، وردع القراصنة، فضلًا عن العمليات القتالية. وفي كانون الثاني/يناير 2012، استخدمت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قناة سرّية للتواصل مع إيران من أجل تحذير مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي، من أن إغلاق مضيق هرمز هو “خط أحمر” ستردّ عليه واشنطن بقوّة. وكان ذلك بعد أربع سنوات من التحذير الذي وجّهه قائد الأسطول الخامس منبِّهًا إلى أن إغلاق المضيق سيُعتبَر عملًا حربيًا.

تشارك القوات البحرية الأميركية في عددٍ من فرق العمل البحرية المتعدّدة الجنسيات في المنطقة، وتشمل القوات البحرية المشتركة التي تضم 34 بلدًا وتتمركز في البحرين، والتحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية المؤلَّف من 11 بلدًا، وذراعه العملياتي المتمثّل بفريق عمل التحالف المعروف بـ”سنتينل”، والمتمركز أيضًا في البحرين. وعمدت بعثة التوعية البحرية في مضيق هرمز التي تقودها أوروبا وتضم تسعة بلدان، والتي أُنشئت بناءً على اقتراح فرنسي وتتّخذ من الإمارات مقرًّا لها، إلى زيادة نشاطها في الحفاظ على حرّية الملاحة في المضيق منذ كانون الثاني/يناير 2020. وشاركت سفن حربية صينية وروسية أيضًا في تدريبات بحرية مشتركة مع إيران في خليج عُمان، فيما نشرت اليابان وكوريا الجنوبية سفنًا حربية للدفاع عن سفنها التجارية. سلّط الوزير المسؤول عن الشوؤن الخارجية السابق يوسف بن علوي، في كلمة أمام مؤتمر الأمن في ميونخ في شباط/فبراير 2020، الضوء على مخاوف مسقط من خطر وقوع “خطأ” بسبب تزايد أعداد السفن التابعة للقوات البحرية في المضيق. والحال هو أن القوات البحرية الأميركية والإيرانية تسبّبت بوقوع حوادث خطيرة عدّة على مر العقود، مثل قيام السفينة الحربية الأميركية USS Vincennes بإسقاط طائرة مدنية إيرانية في تموز/يوليو 1988. ففي ظل تنامي الانتشار العسكري الخارجي في المضيق، من شأن أي خطأ أو سوء تقدير أن يقود سريعًا إلى التصعيد.

كذلك، تصاعدت التشنّجات البحرية بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر الأولى من العام 2023. ففي 20 نيسان/أبريل، قال قائد بحري إيراني إنّ غوّاصة أميركيةخرقت المياه الإقليمية الإيرانية وأرغمتها البحرية الإيرانية على الصعود إلى سطح المياه. لكن واشنطن نفت ذلك. وبعد أسبوع، أقدمت القوات البحرية الإيرانية على احتجاز ناقلة نفط ترفع علم جزر مارشال في المياه الدولية لخليج عُمان. قال التلفزيون الرسمي الإيراني إن الناقلة تجاهلت النداءات اللاسلكية بعد اصطدامها بسفينة إيرانية. وأشارت بعض المصادر إلى أن هذا التحرّك الإيراني انطلق ربما من دوافع انتقامية ردًّا على مصادرة الولايات المتحدة ناقلة نفط إيرانية كانت متّجهة إلى الصين قبل ذلك بأيام. ووقعت حادثة مشابهة أخرى في 3 أيار/مايو، حين عمدت زوارق إيرانية سريعة تابعة للقوات البحرية إلى محاصرة ناقلة النفط اليونانية Niovi التي ترفع علم بنما، مرغمةً إياها على التوجّه إلى المياه الإقليمية الإيرانية قبالة مدينة بندر عباس. وقد راقبت الصين بحذر هذه الحوادث، نظرًا إلى أن اقتصادها يعوّل بقوّة على التدفّق السلس للنفط عبر المضيق.

المصلحة الصينية في أمن المضيق

مع تنامي اعتماد الصين على النفط الخليجي، ازدادت أيضًا مصلحتها الاستراتيجية المتمثّلة في صون الأمن والاستقرار في مضيق هرمز. يُضاف إلى ذلك أن الوجود العسكري للولايات المتحدة وحلفائها في المضيق شجّع الصين على توسيع تأثيرها في المنطقة لحماية مصالحها التجارية. وفيما تتشارك بيجينغ وواشنطن الرغبة في ضمان عبور النفط بحرّية، تُعتبر الصين عُرضة للتأثّر بشدّة من الاختلالات التي قد تطرأ على الإمدادات النفطية من المنطقة، ولا سيما أنها تخطّت الولايات المتحدة لتصبح المستورد السنوي الأول للنفط الخام في العالم في العام 2017. لذلك، يُعدّ ضمان إمدادات النفط بصورة مطّردة أساسيًا لأمن الطاقة في الصين.

خلال السنوات القليلة الماضية، تمكّنت الصين من الالتفاف على العقوبات الأميركية من أجل استيراد النفط الإيراني. فإيران هي ثالث أكبر مورّد للنفط إلى الصين بعد روسيا والسعودية. ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على قطاع النفط الإيراني عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران في أيار/مايو 2018، خفّضت طهران إلى حدٍّ كبير أسعار نفطها بمقدار25 في المئة على الأقل. تُعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، فضلًا عن أنها أكبر شريك تجاري للجمهورية الإسلامية. وهي استفادت بشكل كبير من الحظر الأميركي على النفط الإيراني، ومن قيام مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي بوضع حدٍّ أقصى لسعر النفط الروسي ردًّا على الحرب الروسية الأوكرانية. يُضاف إلى ذلك أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أُبرمت لمدّة 25 عامًا بين الصين وإيران في آذار/مارس 2021، والتي تشمل بيع النفط الإيراني إلى الصين بأسعار مخفّضة مقابل إجراء الصين استثمارات في إيران، أدّت إلى توسيع بصمة بيجينغ الاقتصادية في المنطقة، ممهدةً الطريق ربما لتعزيز نفوذها العسكري.

وعلى الجانب الآخر من مضيق هرمز، نسجت الصين بتأنٍّ علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي الست، أي البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات. صحيحٌ أن هذه العلاقات كانت ترتكز في بادئ الأمر على صادرات النفط والغاز من هذه الدول، لكن نطاق التعاون الاقتصادي الصيني معها اتّسع بوتيرة متسارعة ليشمل قطاعات مثل البنى التحتية، والتمويل، والاتصالات، واستكشاف الفضاء، والطاقة المتجدّدة، والطاقة النووية، وحتى تصنيع الأسلحة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2022، وقّعت الصين والسعودية اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة تضمّنت 34 اتفاقًا في مجالَي الطاقة والاستثمار في قطاعات شتّى. علاوةً على ذلك، وتماشيًا مع مبادرة الحزام والطريق، استثمرت الصين مليارات الدولارات في موانئ عدة في المنطقة، على غرار ميناءَي خليفة والفجيرة في الإمارات، وميناء الدقم الجديد في عُمان، وميناء تشابهار في إيران، وميناء جوادر في باكستان. وفي العام 2012، أنجزت الشركة الصينية للهندسة والإنشاءات النفطية بناء خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي ينقل النفط لمسافة 380 كيلومترًا من أبوظبي عبر الداخل الإماراتي وصولًا إلى ميناء الفجيرة، متجنّبًا بالتالي المرور عبر مضيق هرمز. وفي الوقت الراهن، تشارك الشركات الصينية في بناء شبكة الاتحاد للسكك الحديدية في الإمارات، التي ستربط الموانئ الإماراتية بمراكز تجارية وصناعية مهمة في مختلف أنحاء منطقة الخليج.

ألمحت وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الصين تسعى إلى إرساء وجود عسكري مديد لها في المنطقة، وذكرت أن الإمارات هي من بين الدول التي تدرس بيجينغ إمكانية تنفيذ هذه الخطة فيها. وفي العام 2021، أصبح ميناء خليفة في قلب الجدل، حين رصدت وكالة الاستخبارات الأميركية أن الصين بدأت سرًّا ببناء منشأة عسكرية فيه. يُذكر أن واشنطن وجهّت تحذيرًا إلى الإمارات بشأن الأنشطة الصينية، ما أدّى على ما يبدو إلى توقّف أعمال البناء. تجدر الإشارة إلى أن الصين، على خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك قوة عسكرية دائمة في المنطقة، لكن سفن القوات البحرية الصينية تشارك منذ العام 2008 في مهمّات حراسة لمكافحة أعمال القرصنة، وترسو في موانئ إقليمية عدة. وقد أسهمت هذه الاستخدامات للموانئ في تعزيز دبلوماسية الصين العسكرية، وسمحت في الوقت نفسه بإعادة إمداد سفن القوات البحرية العاملة في البحار المحيطة.

تسعى الصين إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، إلا أنها تفتقر إلى الخبرات والتجهيزات العسكرية اللازمة لمنافسة الولايات المتحدة في موقع الجهة الضامنة لأمن المنطقة. مع ذلك، أدّى الانسحاب العسكري الأميركي المتصوّر من الشرق الأوسط، وسط توجّه بوصلة أولويات واشنطن نحو آسيا، إلى منح الصين فرصة لاكتساب موطئ قدم في المنطقة. وأسفرت العلاقات الباردة بين إدارة جو بايدن من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى عن تحوّل ملحوظ في سياسات كلٍّ من الرياض وأبوظبي. وبما أن دول الخليج لم تعد راضية عن التطمينات الأمنية الأميركية، لجأت بشكل متزايد إلى التحوّط الاستراتيجي في علاقاتها الثنائية مع واشنطن وبيجينغ، مفسحةً المجال أمام انخراط دبلوماسي صيني أكبر. لكن احتمال أن يؤدّي تنامي النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي الصيني في المنطقة إلى تعاظم نفوذ بيجينغ العسكري، فهذا أمرٌ يعتمد في المقام الأول على مدى وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها الأمنية تجاه حلفائها في مجلس التعاون الخليجي.

تأثير المصالحة بين السعودية وإيران

في مطلع العام 2023، كشفت الصين عن دورها الدبلوماسي المنتامي حين توسّطت في إبرام اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران. ولا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا الاتفاق. صحيحٌ أن إيران والسعودية كانتا تسعيان إلى تخفيف حدّة التوترات بينهما عقب جولات عدّة من المحادثات التي سهّلتها كلٌّ من عُمان والعراق، إلا أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض لم يكن متوقعًا في وقت قريب جدًّا، ولا سيما أن النزاع في اليمن لا يزال من دون حلّ.

وصف أوباما الصين بأنها “راكب بالمجّان” في العام 2014، ووُجِّهت على نحو متزايد دعوات إلى بيجينغ للمشاركة في تحمّل أعباء الحفاظ على الأمن العالمي، لذا شكّل دورها في تسهيل إبرام اتفاق بين السعودية وإيران إنجازًا مهمًا. وفي حال أفضى هذا الاتفاق إلى إرساء تقارب مستدام بين الرياض وطهران، فستُثبت بيجينغ أن تأثيرها في منطقة الخليج لا يقتصر على المجال الاقتصادي فحسب. وعلى الرغم من أن البيان الثلاثي المشترك لكلٍّ من إيران والسعودية والصين لم يأتِ على ذكر مسائل محدّدة على السعودية وإيران حلّها، فإنّ الجانبَين أعربا عن “رغبتهما في حل الخلافات بينهما من خلال الحوار والدبلوماسية”. ستتمثّل الخطوة الأولى من الاتفاق في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجانبَين، على الرغم من أن تأثير ذلك على الصراعَين اليمني والسوري – ولا سيما في أعقاب المصالحة بين السعودية وسورية وإعادة سورية إلى كنف جامعة الدول العربية – لا يزال غير واضح المعالم. وكذلك الأمر أيضًا بالنسبة إلى انخراط الصين في العملية التفاوضية بين السعودية وإيران ومدى قدرتها على دفع الرياض وطهران إلى تقديم تنازلات.

أما الاختبار الحقيقي لمدى فعالية الاتفاق فيتمثّل في وقْعه على الصراع في اليمن. قد يكون لإيران تأثيرٌ على حركة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، لدفعها إلى الحدّ من هجماتها على الدول المجاورة، لكن قدرتها على تحريك الديناميكيات اليمنية المحلية محدودة أكثر على الأرجح. مع ذلك، تبدو السعودية عازمةً على سحب قواتها من الصراع اليمني المُهلك والمُكلف، فيما ترمي إيران إلى خفض وتائر التوترات الإقليمية وسط استمرار الاضطرابات المحلية التي تشهدها، وتدهور أوضاعها الاقتصادية نتيجة العقوبات الأميركية.

يُعدّ فرض العقوبات على إيران في صُلب المقاربة الأمنية التي تنتهجها الولايات المتحدة في الخليج. وقد ساندت واشنطن في الوقت نفسه منافسَي إيران الإقليميَّين، أي السعودية وإسرائيل، من خلال مبيعات الأسلحة والدعم العملياتي. وعلى الرغم من أن الاتفاق النووي الذي أُبرم في العام 2015 أحرز بعض النجاح في الحدّ من أنشطة التخصيب النووي الإيراني، فإنه لم يؤثّر كثيرًا في التقليل من الممارسات الإيرانية التخريبية في الشرق الأوسط. علاوةً على ذلك، أدّى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في كانون الثاني/يناير 2020 إلى تأجيج جذوة العداوات الإقليمية. وعلى الرغم من النفوذ العسكري الأميركي في المنطقة، واجهت واشنطن صعوبات في مسائل عدّة، سواء في بناء كتلة موحّدة لمواجهة الصين، وفي حشد الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وحتى في إقناع حلفائها بالتعاون من أجل خفض أسعار النفط. أما الصين، مع أنها لا تملك وجودًا عسكريًا في المنطقة، فقد كانت حريصةً على إقامة علاقات متوازنة مع إيران من جهة وخصوم طهران الإقليميين من جهة أخرى، ما أتاح لبيجينغ أن تؤدّي دور وساطة سيصبّ في نهاية المطاف في خدمة مصالحها الاقتصادية الإقليمية.

يُضاف إلى ذلك أن الطبيعة السلطوية للحكومة الصينية والتزامها بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولا سيما في قضايا حقوق الإنسان، يكسبان بيجينغ ميزة تفاضلية كبيرة مقابل واشنطن على مستوى التعاون مع بلدان الشرق الأوسط. فقد دفع قرار واشنطن تجميد مبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات بشكل مؤقت، وتعليقها صفقة بيع طائرات مقاتلة من طراز إف-35 إلى الإمارات، بكلًّ من الرياض وأبوظبي إلى البحث عن جهات مورِّدة بديلة، ومن ضمنها الصين. مع ذلك، وعلى الرغم من إحراز بيجينغ بعض التقدّم في ولوج سوق السلاح الإقليمي، فهي لا تستطيع بعد التفوّق على الولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى في توريد السلاح إلى المنطقة.

وعلى الرغم من تركيز واشنطن المتزايد على احتواء المساعي التوسّعية الصينية في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، فهي لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط، وتحديدًا منطقة الخليج، باعتبارها ميدان التنافس الاستراتيجي مع بيجينغ. تسعى الولايات المتحدة، من خلال ما عُرف بالاتفاقات الابراهيمية التي أدّت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعددٍ من الدول العربية، إلى تشكيل كتلة تضم حلفاءها الإقليميين بهدف الوقوف في وجه المصالح الإيرانية والصينية، والروسية بدرجة أقل، في منطقة الشرق الأوسط الأوسع حيث لا تزال واشنطن تتمتع بنفوذ كبير بفضل وجودها العسكري وتفوّق السلاح الأميركي. وعلى الرغم من الفتور الذي لا يزال يخيّم على العلاقات بين إدارة بايدن وكلٍّ من السعودية والإمارات، فإن السماح ببيع أسلحة أميركية متطوّرة لهذَين البلدَين، مثل طائرات من طراز إف-35، من شأنه أن يظهر التزام واشنطن تجاه حلفائها الإقليميين.

مع ذلك، حدث بالفعل تبدُّل ما في المواقف الإقليمية. فكما أظهرت المصالحة بين السعودية وإيران، ترى دول المنطقة مزايا تُجنى من عدم الاعتماد على قوة عظمى واحدة، والاستفادة من التنافس بين مختلف القوى العظمى. وسيستمرّ هذا الوضع فيما تحاول دول الشرق الأوسط التوصّل إلى توازن جديد بين بعضها البعض بعد عقود من الصراعات والهيمنة الأميركية. وستكون الصين على الأرجح في قلب عملية إعادة الاصطفاف هذه التي تشهدها المنطقة.

خاتمة

قد يؤدّي خفض وتائر التوتر الإقليمي نتيجةً للاتفاق الذي أُبرم بوساطة الصين بين السعودية وإيران إلى منح بيجينغ دورًا متميّزًا في مستقبل المنظومة الأمنية الإقليمية. مع ذلك، تدرك الصين أنها لا تستطيع في الوقت الراهن منافسة الهيمنة العسكرية الأميركية. مع ذلك، أظهرت المساعي التي بذلتها الصين في تسهيل ولادة الاتفاق بين السعودية وإيران أن بيجينغ تعوّل على النفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به في المنطقة لتعزيز دورها في التأثير على الديناميكيات الأمنية الإقليمية، ومدّ جسور دبلوماسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية من أجل حماية مصالحها التجارية.

لا يعكس الاتفاق السعودي الإيراني سوى جزءٍ واحد من طموحات بيجينغ الأوسع في الشرق الأوسط. ومن شأن نجاح الاتفاق أن يولّد سلسلةً من النتائج الطويلة الأمد التي لن تقتصر على المنطقة فحسب بل ستطال أيضًا مستقبل التنافس بين قوتَين عظيمتَين هما الصين والولايات المتحدة. ومن أجل الوقوف في وجه المصالح الصينية، ستستمر واشنطن في دعم الاتفاقات الابراهيمية، مركِّزةً على أولوية تحقيق تطبيعٍ للعلاقات بين السعودية وإسرائيل. وسيسمح ذلك بتشكيل كتلة متراصّة من الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، ما قد يفضي إلى حدوث تعاون أمني أكبر في مواجهة إيران من جهة، واحتواء النفوذ الصيني المتنامي من جهة أخرى.


عبد الله باعبود باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط وأستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية وأستاذ زائر في كلية البحوث الدولية في جامعة واسيدا طوكيو.

المصدر: مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط




التنين الصيني مارد أيقظته امبريالة الغرب

“لقد ولى إلى غير رجعة الزمن الذي كان يمكن فيه أن يُداس الشعب الصيني وأن يُعاني وأن يُضطهد”

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الصيني شي جينبينغ شعبه في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي في يوليو (تموز) 2021، مذكراً إياهم بما شهدته الصين من حروب أفيون واستعمار غربي في حقبة ما زالت آثارها ترسم نظرة بكين للغرب وتقود عملية الصعود والتوسع الصيني في العالم.

تأسيس جمهورية الصين الشعبية

عام 1949 كان مفصلياً في تاريخ الصين، ما قبله ليس كما بعده. قبل هذا التاريخ، وعلى الرغم من النزاعات الداخلية، كانت الصين تعد منارة الديمقراطية في آسيا بحسب وصف فرانك ديكوتير، الأستاذ بجامعة هونغ كونغ ومؤلف سلسلة “ثلاثية شعب” التي توثق تأثير الشيوعية على حياة الناس في الصين.  ففي عام 1948، استطاعت لجنة كبرى تضم 1400 مندوب ممثل عن جميع الأحزاب في البلاد، أن تصيغ دستوراً جامعاً. لكن استيلاء الميليشيات العسكرية الشيوعية على السلطة في عام 1949، وضع حداً لهذه الآمال الطموحة. 

أصبح ماو تسي تونغ رئيس الحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية الوليدة ورئيس اللجنة العسكرية التي تقود جيش التحرير الشعبي، فتم تعقب المنظمات غير التابعة للحزب الشيوعي، من منظمات دينية وخيرية ومدنية وجمعيات طلابية وغرف تجارية وغيرها، وفرت حكومة حزب الكومينتاغ ورئيسها تشانغ كاي شيك إلى تايوان، حيث استمر التنافس بين المعسكرين حول السلطة في إطار الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من عقدين. ومنذ ذلك الحين، ما زالت تايوان، الجزيرة الواقعة في الجنوب الغربي قبالة سواحل الصين، موضع نزاع بين سلطات الجزيرة المنتخبة ديمقراطياً، وبكين التي تصر على أنها جزء من الدولة الصينية ولا بد من إعادتها إلى سيادتها. 

سعى الزعيم الشيوعي إلى إعادة بناء الصين عبر خطط تنموية ثورية كانت تهدف لتطوير الصناعة بالتوازي مع الزراعة لتجاوز الغرب، معتمداً على نظرية القوى المنتجة لبناء القدرات البلاد الاقتصادية. وبالفعل، شهدت الخطة الخمسية الأولى للصين نجاحاً كبيراً في البداية من خلال الاستثمار في المصانع المملوكة للدولة، التي قدمت منتجات مهمة، مثل الجرارات والآلات والأسمدة الكيماوية، بمساعدة المخططين السوفيات. وبالأرقام، توسع الاقتصاد الصيني الإجمالي بنحو تسعة في المئة سنوياً، مع ارتفاع الإنتاج الزراعي بنسبة أربعة في المئة تقريباً سنوياً، فيما بلغ الإنتاج الصناعي 19 في المئة من ناتج البلاد.

القفزة العظيمة للأمام

أطلق ماو الخطة الخمسية الثانية تحت عنوان “القفزة العظيمة للأمام”، لكن سرعان ما تحولت إلى كارثة أسفرت عن مقتل ما يقدر بـ30 مليون مواطن بسبب الجوع بين عامي 1960 و1962، وفق جمعية الدراسات الآسيوية. 

بموجب الخطة، جرى تسريع عملية النهوض الاقتصادي من خلال العمل القسري واستغلال الفلاحين في العمل الصناعي وبناء البنية التحتية، والتركيز على زيادة صادرات الحبوب واستبدال بعض المحاصيل الغذائية بمحاصيل أخرى مثل القطن والشاي، ما أدى إلى تناقص احتياطيات الغذاء في الريف وبدء موجة من الموت بسبب الجوع.

عدم احترام أو فهم ماو للعلم كان أحد الأسباب الأساسية للمجاعة العظمى في الصين، فتحت حجة أنه “يجب على الإنسان قهر الطبيعة”، أطلق الزعيم الصيني حملة “الآفات الأربع” التي استهدفت القضاء على العصافير والقوارض والذباب والبعوض، معتقداً أنها تتغذى على الحبوب. 

تسببت حملة “الآفات الأربع” في الإخلال بالنظام البيئي وانتشار الحشرات وأسراب الجراد التي قضت بدورها على مساحات زراعية واسعة.

الثورة الثقافية البروليتارية العظمى

فشل “القفزة العظيمة للأمام” دفع ماو إلى الانسحاب من المواقع التنفيذية في السلطة والاكتفاء برئاسة الحزب الشيوعي، فيما تولى شؤون الإدارة اليومية الرئيس ليو شاوشي والأمين العام للحزب دنغ شياو بينغ. كان ليو ودنغ يؤيدان تخفيف قبضة الحزب وتنفيذ إصلاحات سوقية خفيفة ووضع نظام ثقافي أكثر ليناً، كل ذلك في إطار لينيني مألوف. لكن ماو وأتباعه لم يتقبلوا مثل هذا التحرر بسهولة، وراحوا في المقابل يدعمون مزيداً من العمل السياسي للحيلولة دون تخلي الصين عن ثورتها.

ومع تصاعد الخلاف بين الجهتين، أشعل ماو فتيل “الثورة الثقافية البروليتارية العظمى” في مايو (أيار) 1966 باعتبارها حرباً طبقية ضد فصيل من القادة داخل الحزب الشيوعي وصفهم بـ”سالكي الطريق الرأسمالي”، وطلب من الشعب التخلص من “الباليات الأربع”، وهي العادات والتقاليد والثقافة والأفكار القديمة. إثر ذلك، تشكلت مجموعات شبه عسكرية من الطلاب المؤيدين لماو سُميت “الحرس الأحمر”، لتغرق معها الصين في دوامة من الفوضى والعنف استمرت أكثر من 10 سنوات وأسفرت عن مقتل نحو مليون ونصف المليون شخص وسجن وتعذيب ملايين آخرين، حتى وفاة ماو في سبتمبر (أيلول) 1976. 

على رغم المآسي التي عرفتها الصين في ظل حكم ماو، فإنها استطاعت استعادة عضويتها في الأمم المتحدة، إذ وافقت الجمعية العامة عام 1971 على نقل عضوية مجلس الأمن من تايوان الخاضعة لحكومة الكومنتاغ، إلى جمهورية الصين الشعبية باعتبار الصين الموحدة الكيان السياسي الذي كان يسيطر على الجزيرة والأراضي الرئيسة قبل الحرب الأهلية.


الاشتراكية بخصائص صينية

عام 1978، دخل دينغ شياو بينغ نادي الكبار في الحزب الشيوعي ليقود الصين ويصبح مهندس الإصلاح الاقتصادي في البلاد، معلناً طي صفحة الماضي بعد عقود من التطهير السياسي والاكتفاء الذاتي والقيود الاجتماعية الخانقة تحت حكم ماو تسي تونغ.

بدأ دينغ في تحقيق الاستقرار السياسي، فتقاسم السلطة مع قادة حزبيين كبار آخرين خلافاً لما فعله سلفه. وفك الخناق الاجتماعي، فمنح الأفراد قدراً أكبر من الحرية في حياتهم اليومية ورفع الحظر المفروض على المؤسسات الخاصة والاستثمار الأجنبي. هذا التحول الذي أطلق عليه اسم “الإصلاح والانفتاح”، أدى إلى سياسات براغماتية حسّنت علاقات بكين مع الغرب وانتشلت مئات الملايين من الشعب الصيني من الفقر، على رغم أن الصين ظلت دولة استبدادية.

استند الإصلاح الاقتصادي لدينغ على نظرية “الاشتراكية بخصائص صينية”، التي تمثل الأساس الذي تسير عليه البلاد منذ ذلك الحين، التي دفعت الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ عام 2015، إلى حث الأكاديميين على تلخيص تجربة الصين في نظرية جديدة، أشار إليها باسم “الاقتصاد السياسي الماركسي الصيني”، فيما يشير المتخصصون إلى أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية قد تبدو شكلاً من أشكال الرأسمالية تحت مظلة نظام تديره الدولة.

احتجاجات تيانانمن

لم تخلُ الإصلاحات الاقتصادية لدينغ من شوائب الفساد، لكنها في الوقت نفسه بعثت الآمال في مزيد من التحرر السياسي،  فاندلعت في أبريل (نيسان) 1989 احتجاجات طلابية تطالب بمزيد من الحرية السياسية، تطورت إلى حشود بلغت نحو مليون شخص في ساحة تيانانمن في بكين. انقسم مسؤولو الحزب الحاكم حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات، ففيما أيّد بعضهم تقديم بعض التنازلات، أراد آخرون اتخاذ موقف أكثر تشدداً، وهو ما حصل. 

فُرضت الأحكام العسكرية في بكين، وبدأ الجنود الصينيون في الرابع من يونيو (حزيران)، التحرك نحو ساحة تيانانمن، لتدخل 50 شاحنة وما يصل إلى 10 آلاف جندي إلى الشوارع، حيث فتحوا النار على المتظاهرين واعتقلوا عديداً منهم لاستعادة السيطرة على المنطقة. 

الانخراط في المجتمع الدولي 

على الصعيد الدولي، تمكن دينغ من إعادة الصين إلى خريطة العلاقات الدولية. ففي عام 1979، وفي عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، أسفرت دبلوماسية القنوات الخلفية عن اعتراف واشنطن الرسمي بجمهورية الصين الشعبية، بعدما رفضت ومعظم القوى الغربية على مدى 30 عاماً الاعتراف بالحكومة الشيوعية في بكين. غير أن هذه الخطوة لم تكن وليدة اللحظة، فبحسب مركز العلاقات الخارجية الأميركي، بدأ موقف واشنطن من الصين الشيوعية في التحول منذ عام 1972 تحت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، الذي زار الصين ووقع بيان شنغهاي الذي مهد لتحسين العلاقات بين البلدين.

الاعتراف الدولي الأوسع بجمهورية الصين الشعبية أعقبه عودة بكين إلى المنظمات المالية الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلما هي الحال مع مجلس الأمن. لكن التحوّل الأكبر على الصعيد الاقتصادي، جاء في ديسمبر (كانون الأول) 2001، عندما تمكنت الصين، أخيراً، من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بعد 15 عاماً من المفاوضات الشاقة والمعقدة التي أسفرت عن انتزاع موافقة الدول الأعضاء الـ141 للمنظمة. وشكلت هذه الخطوة نقلة نوعية للصين، إذ تمكنت خلال الـ20 عاماً التي تلت من تحقيق نمو سريع جعلها أكبر دولة مُصدرة، وثاني أكبر دولة مستوردة، وثاني أكبر متلق للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. 

لم تكن بكين لتتمكن من تحقيق هذه القفزة لولا دعم واشنطن الذي شرع أمامها أبواب منظمة التجارة العالمية، على اعتقاد أن إدخالها في نظام التجارة العالمي لن يفيد الولايات المتحدة فحسب، بل سيعزز أيضاً الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي في نهاية المطاف في الصين، وفق ما أكد حينها الرئيس الأميركي بيل كلينتون ومستشاروه. 

وبالأرقام، كانت التجارة بين واشنطن وبكين تنمو حتى قبل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، لكن العضوية في المنظمة ضمنت “علاقات تجارية طبيعية دائمة” ووفرت للشركات الأميركية والأجنبية إمكانية الإنتاج في الصين والتصدير إلى الولايات المتحدة والعالم. وإثر ذلك، انتعشت التجارة بين الجانبين لترتفع قيمة واردات السلع الأميركية من الصين من حوالى 100 مليار دولار في عام 2001 إلى 500 مليار دولار في عام 2021. وتعزى هذه القفزة في الواردات جزئياً إلى موقع بكين الحاسم في سلاسل التوريد العالمية، إذ تقوم المصانع الصينية باستخدام مكونات من جميع أنحاء العالم في المنتجات التي تصدرها.


الصعود السلمي

بعد “الثورة الثقافية” التي غيرت الأمة بشكل لا رجعة فيه وتسببت في أزمات تتعلق بالإيمان الأيديولوجي والحزب الشيوعي الصيني والثقة في المستقبل، أدرك الحزب أن الشرعية القائمة على الأداء هي الأمل الوحيد لإطالة أمد حكمه، وأصبحت التنمية الاقتصادية هي السياسة العليا. لكن في الوقت نفسه، هذه السياسة كانت موضع مراقبة من جيران الصين والولايات المتحدة. فالجمع بين النمو الاقتصادي المذهل والحوكمة السياسية والاختلاف الأيديولوجي مع القيم الغربية، تسبب في مخاوف عميقة بشأن الصين. ووفق مينغ شيا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مدينة نيويورك، فإن القيادة الصينية أدركت الحاجة الملحة لتهدئة هذه المخاوف وبناء بيئة دولية داعمة لصعودها، فطرحت حكومة الرئيس هو جينتاو نظرية “نهوض الصين السلمي”، وأعلن عنها رئيس مجلس الدولة الصيني وين جياباو في خطابه أمام جمهور جامعة هرفارد في ديسمبر 2003.

“الصعود السلمي”

نظرية صاغها السياسي والاستراتيجي الصيني زينغ بيجان الذي صاغ تقارير رئيسة لخمسة مؤتمرات حزبية وطنية وشغل مناصب عليا في المنظمات الأكاديمية والحزبية في الصين

تقوم النظرية على عدة مبادئ

  • تعتمد تنمية الصين على المساهمة في السلام العالمي
  • تلجأ الصين إلى الوسائل السلمية من أجل التنمية تعتمد تنمية الصين بدرجة أكبر على مواردها وسوقها
  • الصين مستعدة لعملية طويلة الأمد من العمل الجاد، حتى عدة أجيال، من أجل الازدهار الاقتصادي
  • لن تسعى الصين إلى الهيمنة على العالم أو تظهر كتهديد لأي دولة

  • الحلم الصيني

على وزن “الحلم الأميركي”، جاء الرئيس شي جينبينغ بشعار “الحلم الصيني” الذي ردده مرات عدة في أول كلمة وجهها للشعب الصيني كرئيس للبلاد في 17 مارس (آذار) 2013، قائلاً “علينا بذل الجهود الحثيثة وأن نتقدم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة -قضية بناء الاشتراكية بخصائص صينية- إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية”.

يشير الحلم الصيني، وفقاً للرئيس شي، إلى التطلع الجماعي “للتجديد العظيم للأمة الصينية”، وكذلك للأحلام الشخصية للمواطنين الصينيين لتحقيق حياة منتجة وصحية وسعيدة. لكن بحسب مراقبين، فإن الحلم الصيني لا يتعلق فقط بالتقدم والتنمية، بل تأسس على تصميم الحفاظ على هيمنة الحزب الشيوعي بل وهيمنة حكم الفرد متمثلاً في الرئيس نفسه شي جينبيغ. 

 ففي إطار مساعي شي لتعزيز سلطته على الحزب الشيوعي، أقدم البرلمان الصيني في عام 2018 على إلغاء تحديد فترات بقاء رئيس البلاد في السلطة، ليعود شي ويفوز بولاية ثالثة غير مسبوقة في تاريخ الصين في أعقاب المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي في أكتوبر 2022، بعدما عزل مسؤولين مؤيدين للسوق الحرة والرأسمالية من قيادة الحزب. 

وبحسب أستاذ القانون الصيني والسياسة في كلية فوردهام الأميركية للحقوق كارل مينزنر، فإن شي عمد كذلك إلى تهميش تاريخ القادة السابقين للبلاد، هو جينتاو وجيانغ زيمين ودينغ، بغية تعزيز صورته كذروة صعود الصين. وأضاف، “اللعبة في الوقت الحالي هي صعود الصورة الأيديولوجية لشي إلى حد قريب جداً من أو ربما تتجاوز ماو نفسه”.

ووفق أستاذ العلوم السياسية والشؤون الأمنية في جامعة “برنستون” الأميركية روري ترويكس، فإن “هذا الفصل الدرامي والغامض من المشهد يؤكد الموضوع العام للمؤتمر الوطني: تعزيز شي المُطلق لسلطته. وما خروج هو جينتاو الضعيف من المسرح سوى علامة على المسار الحالي للسياسة الصينية. فالرئيس السابق وحلفاؤه يمثلون حلفاً أكثر تكنوقراطية واعتدالاً في الحزب من جناح شي، كما أن ذلك الحلف أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي وأقل عدوانية من الأخير… والآن كُتبت نهاية هذا التوافق بين الفريقين، وبات هناك زعيم واحد يهيمن على الصين، وهو زعيم يحيط به الآن أشخاص يُمكنون سلطته ولن يقيدوه، على عكس فترتيه الأوليين”.

خطوات رسخت حكم شي جينبينغ

2013:

إطلاق حملات لمكافحة الفساد شملت معارضين سياسيين، مثل بو تشيلاي كبير مسؤولي الحزب الشيوعي في تشونغتشينغ، الذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة

2015:

اعتقال مئات المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان وسحب تراخيص مزاولة المحاماة من آخرين بسبب دفاعهم عن قضايا حساسة

2018:

ألغى البرلمان الصيني تحديد فترات بقاء رئيس البلاد في السلطة ما يفسح المجال أمام بقاء شي جينبينغ في السلطة مدى الحياة

مبادرة “الحزام والطريق”

في عام 2013، أطلق الرئيس شي جينبينغ مجموعة واسعة من مبادرات التنمية والاستثمار تم تصميمها لربط شرق آسيا وأوروبا من خلال البنية التحتية المادية، ثم توسع المشروع ليشمل أفريقيا وأوقيانوسيا وأميركا اللاتينية، مما أدى إلى توسيع نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي بشكل كبير حول العالم.

1 تريليون دولار

تنطوي مبادرة “الحزام والطريق” على إنفاق واحد تريليون دولار في أعمال البناء والاستثمارات في أكثر من 100 دولة عبر آسيا الوسطى وأفريقيا وأوروبا

70 في المئة

تغطي المبادرة 70 في المئة من السكان في العالم،
و75 في المئة من احتياطيات الطاقة المعروفة

147 دولة

 وقعت حتى الآن 147 دولة تمثل 40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، على مشروعات في المبادرة أو أشارت إلى اهتمامها للقيام بذلك

42 ميناء

يضم المشروع حتى الآن 42 ميناء في 34 دولة حول العالم،
مثل سريلانكا وتنزانيا وجيبوتي وإسرائيل واليونان وصولاً إلى البرازيل

الإمبريالية الجديدة

يعتبر البعض أن مبادرة “الحزام والطريق”، التي تُعرف أحياناً بـ”طريق الحرير”، هي نوع من “الإمبريالية الجديدة”، إذ ينظر مراقبون إلى القروض الكبيرة التي تمنحها الصين للدول لتمويل تحديث بنيتها التحتية في إطار المبادرة، على أنها كأس مسمومة محتملة.

بالأرقام، يُظهر برنامج تعقب “الحزام والطريق” التابع لـمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن إجمالي الديون المستحقة للصين قد ارتفع بشكل كبير منذ عام 2013، متجاوزاً في بعض البلدان 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. فبين عام 2014 و2017، الفترة التي شهدت ذروة الإقراض في الصين، بلغ مجموع القروض أكثر من 120 مليار دولار تغطي مشاريع مدعومة من الطرق السريعة إلى السكك الحديدية ومحطات الطاقة.

في ماليزيا، شن رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد حملة ضد مشروعات مبادرة “الحزام والطريق” المبالغ فيها وألغى مشاريع بقيمة 23 مليار دولار خشية وضع البلاد تحت عبء ديون خانقة. وقال “لا نريد وضعاً تحدث فيه نسخة جديدة من الاستعمار لأن الدول الفقيرة غير قادرة على التنافس مع الدول الغنية، لذلك نحن بحاجة إلى تجارة عادلة”، غير أنه عاد وأعلن لاحقاً “دعمه الكامل” للمبادرة. 

وبالفعل، وبسبب عبء الديون، اضطرت سريلانكا لنقل ملكية مشروع ميناء هامبانتونا إلى الصين للتخلص من عبء مليار دولار أميركي، وهو ميناء يمثل موطئ قدم لبكين في ممر مائي استراتيجي يقع بالقرب من الهند، المنافس اللدود لها. وسيطرة الصين على ميناء هامبانتونا فتحت النقاش حول سياسة الديون الصينية التي تثقل البلاد النامية بالديون ومن ثم توقعها في فخ عدم القدرة على السداد، فتحقق بكين أهدافاً استراتيجية أوسع بالسيطرة على مشاريع مهمة حول العالم.


النمو الاقتصادي

منذ أن بدأت الصين في الانفتاح وإصلاح اقتصادها في عام 1978، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي أكثر من تسعة في المئة سنوياً، وانتُشل أكثر من 800 مليون شخص من براثن الفقر، بالتوازي مع إجراء تحسينات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها. غير أن ظهور فيروس كورونا عام 2019 والأزمة العقارية اللاحقة التي شهدتها الصين، أربكا مسار النمو الاقتصادي الذي سجل في عام 2022 أدنى نسبة منذ 40 عاماً من دون أن يتجاوز ثلاثة في المئة، بما يمثل انخفاضاً كبيراً عن عام 2021 عندما زاد الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من ثمانية في المئة. 

وتوقع البنك الدولي أن ينتعش الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 4.3 في المئة عام 2023، في حين توقع عضو لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي الصيني وانغ يمينغ، أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من خمسة في المئة خلال العام. 

وتعد الصين حالياً دولة ذات دخل متوسط أعلى، لذا يوصي البنك الدولي بالمضي قدماً نحو تحول جهود التخفيف من حدة الفقر بشكل متزايد إلى معالجة نقاط الضعف التي يواجهها عدد كبير من الأشخاص الذين لا يزالون يعتبرون فقراء وفقاً لمعايير البلدان المتوسطة الدخل، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية.


قدرات الصين العسكرية

مطلع مارس (آذار)، أعلنت الصين زيادة ميزانيتها الدفاعية لعام 2023 بنسبة 7.2 في المئة، وهي أعلى نسبة منذ 2019. وستخصص الصين 1553.7 مليار يوان (225 مليار دولار) لنفقات الدفاع، وهي ثاني أعلى ميزانية في العالم بعد الولايات المتحدة التي تزيد عليها بنحو ثلاثة أضعاف. 

تأتي الصين في المرتبة الثالثة في قائمة أقوى جيوش العالم لعام 2023، وفق مؤشر “غلوبال فاير”. ويضم جيش التحرير الشعبي الآن في صفوفه مليونين و35 ألف رجل وامرأة، بحسب مركز الأبحاث البريطاني “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”. ويتوزع هذا العدد بين القوات البرية (965 ألفاً) والجوية (395 ألفا) والبحرية (260 ألفا) والوحدة المسؤولة عن الصواريخ الاستراتيجية (120 ألفاً).

وتمتلك الصين نحو 350 رأساً نووياً، وفقاً لأرقام تعود لعام 2022 أوردها “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”. إلا أن وزارة الدفاع الأميركية اتهمت بكين في نوفمبر (تشرين الثاني) بنيتها زيادة ترسانتها النووية إلى 1500 رأس بحلول عام 2035.

وتمتلك الصين ثلاث حاملات طائرات، تعمل اثنتان منها فقط حالياً والثالثة في مرحلة اختبار في البحر. ولديها قاعدة عسكرية واحدة فقط خارج البلاد في جيبوتي، وتقول إنها مخصصة بشكل أساس لعمليات مكافحة القرصنة في المنطقة، مقابل امتلاك الولايات المتحدة مئات القواعد في جميع أنحاء العالم.

وتعتقد وزارة الدفاع الأميركية أن الصين “تلحق بسرعة مصاف القوات الجوية الغربية”. وبحسب “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، فإنها بكين تحرز تطوراً سريعاً، مدعومة على الأخص بمقاتلات جديدة مثل “J-16” والمقاتلات الشبح “J-20″، وهي طائرات “تضاعف على الأرجح” معدل إنتاجها السنوي خلال السنوات الثلاث الماضية.

تحديات داخلية وخارجية

بينما يفرض نظام الحزب الشيوعي الصيني قمعاً داخلياً ضد المعارضين والداعين للديمقراطية التي يعتبرها تهديداً مباشراً لبقاء الحزب في السلطة، فإن تلك الأقاليم التي تحظى باستقلال ذاتي لا تزال تشكل صداعاً في رأس بكين، ناهيك بالحرب التجارية التي تضغط بها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني المتسارع. 

داخلياً، المخاوف من الاضطرابات الاجتماعية مستمرة، ويتشارك القادة القلق من أن الغضب العام والنشاط في شأن مجموعة من القضايا، مثل عدم المساواة في الدخل والتهديدات البيئية والاستيلاء على الأراضي وسلامة الغذاء والافتقار إلى حماية المستهلك، يمكن أن يهدد سيطرة الحزب ويحفز التغيير الاجتماعي الديمقراطي، فعدد من مظالم الجمهور باتت مطروحة على مواقع الإنترنت، ما أدى إلى تآكل طفيف لسيطرة الحزب الشيوعي على الاتصالات السياسية في البلاد على رغم الرقابة الشديدة التي يفرضها.

وأحد مظاهر التململ الصيني، حملة “تانغ بينغ” أو “لاينغ فلات”، وتعني “ابقَ مستلقياً”، التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في الأشهر الأخيرة.  وتقوم الفكرة على تحرير الذات من نماذج نجاح المجتمع الصيني لتبني أسلوب حياة أبسط وأكثر سعادة. ويرجع أصل هذه الحركة إلى نص مكتوب نشر على الإنترنت في يوليو (تموز) 2021 بعنوان “لاينغ فلات إن جاستيس”، لتكثر على إثره شهادات تعبّر عن الإرهاق من الحياة اليومية، قبل أن تحذف فوراً. ولم تبقَ الحركة في الفضاء الإلكتروني وحسب، بل وصلت إلى الشارع حيث يرتدي البعض قمصاناً تحمل شعار “#لاينغ_فلات“.

هذا الامتعاض أخذ منعطفاً آخر بحملة جديدة تحت عنوان “لت إت روت” وتعني “دعه يتعفن”. ويقول عالم السينولوجيا ومدير شركة “سيركوس غروب” في مونتريال أليكس باييت، لموقع “فرانس 24″، إن حملة “دعه يتعفن” تنتشر حتى بين قياديي الحزب الشيوعي، “لقد رأينا ذلك، على سبيل المثال، أثناء الفيضانات: يفضل التنفيذيون انتظار تعليمات واضحة من الهيئات الإدارية بدلاً من اتخاذ مبادرات، حتى لو كان لذلك عواقب وخيمة”.

كما تواجه الصين انتقادات دولية متصاعدة جراء معاملتها القمعية للسكان الإيغور في إقليم شينغيانغ الصيني، إذ يُحكى عن معسكرات للعمل القسري يُحتجز فيها أبناء تلك الأقلية المسلمة. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين صينيين وشركات ومؤسسات لها صلة بما تمارسه الدولة بحق الإيغور، علماً أن بكين تنفي أي انتهاكات لحقوقهم.

خارجياً، الحرب التجارية مع الولايات المتحدة تفاقم الضغط على الصين. في مارس 2018، أعلن الرئيس الأميركي حينها دونالد ترمب الاتجاه لفرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار على السلع الصينية لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة وسرقات الملكية الفكرية. ومع تطبيق القرار في صيف العام نفسه، تبادل الطرفان فرض الرسوم الجمركية على بضائع تصل قيمتها إلى مليارات الدولارت. وفي حين دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن إلى رفع القيود، جاء الرد الرئيس الديمقراطي بزيادة الضوابط، إذ اتخذت إدارته إجراءات عديدة لمنع حصول الصين على تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية الدقيقة وأشباه الموصلات اللازمة لصناعة عديد من الأجهزة التكنولوجية والأسلحة المتطورة، وحثت كذلك أوروبا على الاصطفاف معها في مواجهة الصين، باعتبارها خصماً استراتيجياً، وهو ما استجاب له الاتحاد الأوروبي.


 صداع إقليمي ثلاثي

في عام 1997، أوفت بريطانيا بالتزامها للصين بتسليم هونغ كونغ لسلطة الحكومة المركزية في بكين مقابل تعهّد الأخيرة بإبقاء النظام الرأسمالي في هذه المنطقة من دون تغيير لمدة 50 عاماً “على الأقل” حتى عام 2047 عملاً بمبدأ “دولة واحدة ونظامين”، الذي هدف إلى “توحيد البلاد سلمياً، وضمان أن تتمسك الدولة بالنظام الاشتراكي مع بقائها (هونغ كونغ) على النظام الرأسمالي، وإمكانية تمتعها بقدر من الحكم الذاتي”.

بالفعل، حصلت هونغ كونغ على امتيازات مهمة منها استقلالية واسعة النطاق وحرية تعبير وقضاء مستقل، ومع ذلك لم تتوقف محاولات بكين لفرض سيطرتها عليها. ففي 30 يونيو (حزيران) 2020، وقع الرئيس الصيني قانون “الأمن القومي الوطني لهونغ كونغ” الذي هدف إلى قمع الاحتجاجات الضخمة التي خرجت في المدينة رفضاً لمشروع قانون يسمح لسلطات هونغ كونغ بإرسال المشتبه فيهم جنائياً للمحاكمة في الصين. وعلى رغم تعليق المشروع، استمرت الاحتجاجات إدانة لعنف الشرطة بحق المتظاهرين وانتشرت بشكل واسع في المدينة، في تحركات دانتها الصين ووصفتها بـ”الأعمال الإرهابية”.

تايوان بدورها تمثل موقعاً لحكومة ديمقراطية منافسة للصين في قلب آسيا ولها صلات قوية بواشنطن. وفي حين تؤكد الجزيرة استقلالها، تصر الصين على أن الجزيرة الواقعة في الجنوب الغربي قبالة سواحلها هي جزء من أراضيها ولا بد من إعادتها إلى سيادتها، مما يثير مخاوف من تحرك عسكري صيني ضد تايوان. 

في المنطقة نفسها، يمثل بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي حيث تمر معظم تجارة الصين نقطة أخرى مهمة، إذ تشكل هذه المنطقة محور صراع بين الصين من جهة والمحور المنافس المتحالف مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، ويضم اليابان وتايوان والفيليبين، الذين تمنع أراضيهم وصول بكين إلى المياه العميقة في المحيط الهادئ. وعلى هذا الصعيد، وسعياً لاحتواء الصين، شكلت واشنطن أخيراً تحالفات دولية لتقويض نفوذ الصين في منطقة المحيط الهادئ، أبرزها الحوار الأمني الرباعي المعروف باسم “كواد” الذي يجمع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، واتفاقية “أوكوس” الأمنية التي تجمع أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. 

وفي ظل ضغط داخلي متزايد ربما يدفع شي وقيادة الحزب الشيوعي الصيني إلى تشتيت انتباه المعارضة الداخلية من خلال عدوان خارجي، يقول مراقبون إن هناك دلائل على أن الصين ستصعد العدوان وتثير الصراعات، وهو ما دفع بايدن خلال جولته الآسيوية الأولى أواخر مايو (أيار) الماضي، لإعلان التزام بلاده الدفاع عن تايوان. 

“عندما تحكم القوة يتعثر النمو”

كان يُنظر إلى سقوط الشيوعية في أواخر القرن الـ20 على أنه الانتصار الأخير للديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي دعمته. ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين، ألقى الصعود الاقتصادي للصين خلال الأعوام الـ30 الماضية بظلال الشك على تفوق الأنظمة الديمقراطية في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي والازدهار. لكن هل القوة الاقتصادية وحدها كافية في مواجهة جيواستراتيجية مع الولايات المتحدة؟ 

يقول مدرس السياسات الدولية والأمن لدى كلية جونز هوبكنز في واشنطن جوزيف جوفي، إنه لا يمكن للديمقراطيات أن تسحق المعارضة، وهي ميزة دائمة على السلطويين. ففي الأزمات، يلجأ الأقوياء على الدوام إلى القمع، وهو أمر مفيد لهم ولكنه سيئ للاقتصاد. إذ لا يؤدي القمع إلى زيادة العائدات كما تظهر تجربة جميع الحكام المستبدين، وآخرها في فنزويلا وإيران وروسيا. ويتوقع جوفي أن تشهد الصين في عهد شي مصيراً مماثلاً قائلاً، “عندما تحكم القوة، يتعثر النمو”.

ووفق معهد “غريتر باسيفيك كابيتال” في المملكة المتحدة، فإن مسألة الديمقراطية ودور الحرية في النمو الاقتصادي عادت إلى الظهور في وقت يتباطأ نمو الصين وتكافح الدولة من أجل إعادة اختراع اقتصادها مرة أخرى مع الحفاظ على مؤسساتها السياسية الاستبدادية. وبحسب المعهد، يبدو أن فهم تأثير الحرية على التنمية الاقتصادية أمر حاسم مرة أخرى لكل من المسار الاقتصادي المحتمل للاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند وللنمو المستمر للديمقراطية في العالم، التي يراها الغرب ليس كمحفز للنمو الاقتصادي وحسب، ولكن كحق أساسي من حقوق الإنسان أيضاً. 

كتابة إنجي مجدي

تحرير وإعداد إيليانا داغر

صحيفة اندبندنت عربية