1

لقادة إسرائيل: ليست بلاد أرز بل “بلاد الموت اللعين”.. سنبكي كثيراً إذا عدنا

في ظل صدمة شلل الدفاع العسكري في 7 أكتوبر، تعود إسرائيل لارتكاب الأخطاء القاسية التي سبق أن ارتكبتها. فهي الآن في مسار انغراس آخر في الوحل اللبناني – بعد 25 سنة من نجاحها في تخليص نفسها منه.

لا توجد لإسرائيل استراتيجية، هي تعمل مثل محطة إطفاء نار. الجيش والقيادة السياسية منشغلان بإطفاء حرائق وليس ببناء خطوات بعيدة المدى تقوم على أساس نظرة واسعة بردع وتغيير الواقع الأمني في ضوء النجاحات العسكرية. هكذا في الشمال، وهكذا في غزة، وهكذا في الدائرة الثالثة أيضاً.

قبل أكثر من 30 سنة، بعد صدمة حرب يوم الغفران، بنت إسرائيل لنفسها قوة عسكرية ضخمة. مع فرق وفيالق، وسلاح جو ضخم ومنظومات قتال لقوة عظمى. وتبين لنا بعد سنوات أن إسرائيل لا تحتاج إلى جيش بهذا الحجم – جيش يتطلب منها ميزانيات ضخمة وثقيلة على مقدرات الدولة. ما أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة في الثمانينيات من القرن الماضي، التي عرفها الاقتصاديون لاحقاً كـ “عقد ضائع للاقتصاد الإسرائيلي”.

دخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان في العام 1982 لإبعاد مخربي حركة فتح، الذين حولوا لبنان إلى استحكام متقدم لهم. نجح الجيش الإسرائيلي بل أصدر صورة نصر لياسر عرفات وآلاف المخربين الذين يصعدون إلى سفن الإبعاد من مرفأ بيروت.

لكن الجيش الإسرائيلي علق في لبنان عندها طوال 18 سنة. بنى حزامين أمنيين، لكن سرعان ما تبين أن الحزام الأمني الذي استهدف حماية بلدات الشمال أصبح شرك موت للجنود الذين خدموا في الاستحكامات. يكفي أن نذكر كارثة السفاري، وكارثة السالوكي، وكارثة الوحدة البحرية، وكارثة المروحيتين، وكارثة المجنزرات، غيرها وغيرها. 18 سنة سفكت إسرائيل دمها في بلاد الأرز اللعينة، بلا غاية حقيقية. الكاتيوشا والصواريخ أطلقت إلى شمال البلاد من فوق رؤوس الجنود في الاستحكامات، ووجهنا أيضاً بتسللات مخربين إلى أراضي إسرائيل، “ليل الطائرات الشرعية” مثلا.

والآن نكرر الخطأ ذاته. في ظل قصور 7 أكتوبر، يحاول الجيش الإسرائيلي استعادة الثقة به، وخلق أمن وإحساس أمن للجمهور.

صحيح كان فعل الجيش الإسرائيلي حين ضاعف قوته بثلاثة أضعاف في الدفاع في الشمال. ثلاث فرق مع آلاف الجنود وقوة نارية كبيرة على نحو خاص، من البحر وحتى النهر، وصحيح أيضاً أنه يثبت معادلة قتالية؛ فهو يعمل في كل أرجاء لبنان وسوريا أمام أي محاولة من حزب الله وإيران لترميم قدرات منظمة الإرهاب العسكرية. الهجمات على النشطاء ومخازن السلاح في لبنان هي طريق ترسيم الردع الإسرائيلي في لبنان والمنطقة كلها. مع ذلك، فإن إقامة الاستحكامات من جديد تعد خطأ، ولا بد أن أمهات وآباء كثيرين سيبكون عليه. ويا ليت، يا ليت، يكون كاتب هذه السطور هو المخطئ!

آفي أشكنازي

صحيفة معاريف الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




لوفيغارو: إطلاق البيت الأبيض مفاوضات مع الكرملين بشأن أوكرانيا دون إشراك الأوروبيين يؤكّد أن ديغول كان محقاً بخصوص أمريكا

تحت عنوان “لقد كان الجنرال ديغول على حق تماما!”، قال رينو جيرار، الصحافي المخضرم بصحيفة لوفيغارو الفرنسية، في مقال رأيه، إن الولايات المتحدة الأمريكية أوضحت للتو بكل صراحة للأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، مُذَكِّراً بأن الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول أدرك في عصره أن أمريكا لن تمنح الأوروبيين أبداً ضمانات أبدية.

وأضاف الصحافي في لوفيغارو القول إنه مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تشهد أمريكا تحولاً استراتيجياً، بدأ تصوره لأول مرة في عام 2011. في ذلك الوقت، تحدث الرئيس باراك أوباما بلطف عن “التوجه نحو آسيا”.

 واليوم تشرح بصراحة لشركائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، لأنها تريد تركيز جهودها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. والأسوأ من ذلك أن البيت الأبيض أطلق مفاوضات مع الكرملين بشأن الحرب في أوكرانيا، من دون إشراك العواصم الأوروبية.

باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا

وهذا أكثر قسوة بالنسبة للأوروبيين، لأنهم، بناء على طلب واشنطن، قدموا تضحيات كبيرة لتعزيز قضية أوكرانيا، التي تعرضت لهجوم من روسيا في فبراير/شباط 2022. وتوقفوا عن شراء الغاز الروسي للحفاظ على استمرار صناعاتهم، ولجأوا إلى الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى بثلاث مرات. كما قاموا بتمويل الميزانيات العسكرية والمدنية لأوكرانيا بما يصل إلى 100 مليار يورو. وأيضا سحبوا شركاتهم الكبرى من روسيا، التي اضطرت إلى بيع معظم أصولها بخسارة. وباستثناء الفرنسيين، بدأ الأوروبيون في مضاعفة مشترياتهم من صناعة الأسلحة الأمريكية، يُشير رينو جيرار.

في مفاجأة غريبة من الموقف الذي ظهر بوضوح في حملة دونالد ترامب، سارع زعماء القوى العسكرية الأوروبية الرئيسية (بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، الدنمارك) إلى باريس في 17 فبراير/شباط 2025. وكان برفقتهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ورئيسا المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

لكن لماذا باريس؟ ولماذا لا تكون بروكسل، حيث يقع مقر الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟ حسناً، لأن باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا؛ ينبغي علينا أن نعمل على تطوير الوسائل العسكرية والاقتصادية اللازمة لاستقلالنا، يُذكِّرُ الصحافي بلوفيعارو.

لقد أدرك الرئيس ديغول أن أمريكا لا تستطيع أبداً أن تقدم للأوروبيين ضمانات أبدية ثابتة. لأنها مثل أي قوة عظمى، تسعى إلى تحقيق سياسة مصالحها، المتجذرة في جغرافيتها، وتاريخها، وديموغرافيتها، واقتصادها. ومن الواضح أن الديمقراطية الأمريكية تخضع لتغيرات في استراتيجيتها، اعتماداً على الرغبات المعبر عنها من جانب الرأي العام. وباعتباره ضابطاً شاباً، شهد شارل ديغول انخراط أمريكا، في عام 1917، مع الديمقراطيات الأوروبية في مكافحة العسكرة الألمانية، يتابع الكاتب.

لقد رأى رئيسها وودرو ويلسون يصل إلى باريس بعد شهر من هدنة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، حيث استقبل هناك استقبالاً منتصراً، وبقي هناك سبعة أشهر، حتى يونيو/حزيران 1920، للتفاوض على معاهدة السلام التي كانت ستضع حداً نهائياً للحروب في أوروبا. وقّع ويلسون معاهدة فرساي، وهو العمل الذي أدى إلى نزع سلاح الألمان، ولكنه فجأة مرض ولم يتمكن من الحصول على التصديق عليها من قبل مجلس الشيوخ.. لتودّع فرنسا الضمانات الأمنية الأمريكية. وكان كليمنصو قد استدعاهم ليشرح للمارشال فوش أنه ليس من الضروري أن يذهب الحلفاء إلى برلين لتدمير العسكرية الألمانية مرة واحدة وإلى الأبد.

إن النتيجة الحزينة لهذا السيناريو معروفة جيداً، – يواصل رينو جيرار: فقد مولت البنوك الأمريكية إعادة تسليح ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم أمرت واشنطن باريس بعدم التحرك عندما أعاد هتلر تسليح منطقة الراينلاند في مارس/آذار 1936، في انتهاك صارخ لمعاهدة فرساي. عندما زحفت الفرق النازية نحو باريس في مايو/أيار 1940، ودعا الرئيس بول رينو أمريكا طلبا للمساعدة، أجابت أمريكا الفرنسيين: “رتبوا الأمر!” . ولم تبدأ أمريكا في التحرك إلا بعد الهجوم الياباني في المحيط الهادئ وإعلان هتلر الحرب في ديسمبر/كانون الأول عام 1941. وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تحرير أوروبا الغربية، وتمويل إعادة إعمارها، مع حمايتها من شهية ستالين.

من خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة.

وبعد أن عاش ديغول إهانة هزيمة عام 1940، قال لنفسه بحق: “لن يتكرر هذا أبدا!”. وبعد عودته إلى السلطة في عام 1958، عمل على تطوير قوة ردع نووية مستقلة. في عام 1966، انسحبت فرنسا من المنظمة العسكرية المتكاملة لحلف شمال الأطلسي (مع بقائها في التحالف الأطلسي)، معتقدة أن الجيوش الفرنسية يجب أن تطيع الجنرالات الفرنسيين فقط.

ومن خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة. في فبراير/شباط 1969، كانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الأمريكي الجديد إلى ديغول. باريس هي أيضا عاصمة الدولة التي تجرأت في عام 2003 على معارضة المغامرة العسكرية الأنجلوساكسونية السخيفة في العراق، حيث انضم إليها البولنديون والدنمركيون والبلطيون والنرويجيون والرومانيون والبلغار والأوكرانيون والجورجيون وغيرهم، مثل الكلاب الضالة، يشير رينو جيرار دائما.

لقد أصبحت باريس أخيرا المكان الذي تم فيه اختراع مفهوم الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، الذي دافع عنها مراراً الرئيس إيمانويل ماكرون دون جدوى أمام شركائه الأوروبيين، ولم يتلق في المقابل سوى ابتسامات مهذبة. في عام 2021، أوضح رئيس الوزراء الدنماركي الحالي لمستشار ماكرون أن كوبنهاغن ستشعر دائمًا بأنها أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس… وكان لدى إيمانويل ماكرون رد فعل جيد في تنظيم قمة الإليزيه في 17 فبراير/شباط 2025. لن يتم بناء الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بين عشية وضحاها. وسيتم ذلك من خلال صناعة دفاع أوروبية بحتة. وسيتطلب هذا الأمر إعادة تسليح أخلاقي، وربما إعادة العمل بالخدمة العسكرية. لكن هناك أمر واحد مؤكد: كلما زادت هذه الاستقلالية، قل تذمرنا لواشنطن، وزاد احترام أمريكا لنا؛ وستكون علاقتنا أفضل مع من يبقى، لأسباب ثقافية وتاريخية، حليفنا القديم للقلب، يقول رينو جيرار.

رينو جيرار

صحيفة لوفيغارو الفرنسية

ترجمة صحيفة القدس العربي




هل ستصبح أوكرانيا فيتنام ترامب كما تحمل نيكسون وكيسنجر مسؤولية سقوط سايغون؟

تساءل ويليام ماغيرن في صحيفة “وول ستريت جورنال” عن إمكانية تحول أوكرانيا إلى فيتنام ترامب. وأشار إلى أن هنري كيسنجر فاز بجائزة نوبل للسلام، ولكن سايغون سقطت في يد قوات فيتنام الشمالية.

وأشار الكاتب إلى لقاء أجري مع ستيفن بانون، المنظر الإستراتيجي لدونالد ترامب في ولايته الأولى، قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، وقال فيه إن أوكرانيا ستتحول إلى فيتنام ترامب، وهو محق في تفكيره، ولكن ليس للأسباب التي يفكر بها. وقال بانون إن خطأ الرئيس هو فشله في تحقيق قطيعة كاملة مع كييف، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه ريتشارد نيكسون الذي تورط في الحرب بفيتنام، وحوّلها من حرب الرئيس ليندون جونسون إلى حربه الخاصة.

ويرى الكاتب أن الواقع هو العكس، فقد زعم ترامب في حملته الانتخابية بأنه رجل الصفقات القادر على التفاوض وتحقيق اتفاق من شأنه أن ينهي المذبحة في أوكرانيا. وإذا فعل ذلك وفشلت الصفقة في النهاية، بمعنى أن فلاديمير بوتين استأنف عدوانه، فستكون وصمة عار هائلة في ميراثه السياسي.

ورأى الكاتب أن إدارة ترامب ترسل رسائل متضاربة بشأن الحرب في أوكرانيا. فقد تراجع نائب الرئيس جيه دي فانس عن تعليقات وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن عضوية أوكرانيا في حلف الناتو لم تعد محلا للنقاش، وكذلك العودة إلى حدود ما قبل 2014. وأضاف مبعوث الرئيس إلى أوكرانيا، كيث كيلوغ، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الأوكرانيين سيكونون على طاولة المفاوضات، لكن الأوروبيين لن يفعلوا ذلك.

وفي الوقت نفسه، تم استبعاد أوكرانيا من المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا التي تجرى اليوم الثلاثاء في العاصمة السعودية الرياض.

وبينما يفكر في خياراته، ربما كان من الأفضل لترامب لو استمع إلى نقاش دار بين رئيس جمهوري آخر ووزير خارجيته. كان التاريخ هو 3 آب/ أغسطس 1972، عندما أخبر هنري كيسنجر، الرئيس نيكسون أنه يعتقد أن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام مع حكومة فيتنام الشمالية كانت 50/50.

وكان ضمان الأمن آنذاك، كما هو الحال الآن، يشكل مصدر قلق بالغ. وكذا الخوف هو أن تستأنف فيتنام الشمالية الحرب بعد رحيل القوات الأمريكية. وسأل نيكسون كيسنجر: ماذا سيحدث إذا انتظرت هانوي لفترة ثم ابتلعت جنوب فيتنام؟ وأجاب كيسنجر: “إذا ابتلعت شمال فيتنام الجنوب بعد عام أو عامين من الآن، فسوف نتمكن من تبني سياسة خارجية قابلة للتطبيق إذا بدا الأمر وكأنها نتيجة لعدم كفاءة  جنوب فيتنام”.

إلا أنه أوضح بعد لحظات قائلا: “لذا يتعين علينا أن نجد صيغة ما تبقي الأمور متماسكة لمدة عام أو عامين، وبعد عام يا سيدي الرئيس ستصبح فيتنام منطقة راكدة. وإذا تمكنا من تسوية الأمر، لنقل في تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام، فلن يكترث أحد بحلول كانون الثاني/يناير 1974”.

لقد شعر نيكسون ببعض الآلام الأخلاقية فيما يتصل بما قد يتفقان عليه: “فيتنام، لابد أن أقول… يا إلهي، لقد قاتلوا لفترة طويلة، وماتوا، والآن… لا أدري”.

وأصبحت هذه المحادثة الأساس لاتهام نيكسون وكيسنجر بأنهما كانا يعتقدان سرا أن حكومة سايغون لا تستطيع الصمود بعد الانسحاب الأمريكي. وعلى هذا، فإن ما كانا يسعيان إليه حقا هو “فترة زمنية مناسبة” بين الانسحاب الأمريكي وانهيار جنوب فيتنام. وبعد أقل من ستة أشهر من تلك المحادثة، وقّعت اتفاقية باريس للسلام في 27 كانون الثاني/ يناير 1973. وكانت صفقة فرضت على رئيس جنوب فيتنام نيغويون فان ثيون. ومورس ضغط شديد عليه، إلا أنه قاتل الاتفاق بشجاعة وبشكل أغضب نيكسون.

وربما كانت النقطة الخلافية الرئيسية تلك التي سُمح فيها لقوات فيتنام الشمالية بالبقاء في الجنوب، كما يبدو الآن من بقاء القوات الروسية في  أوكرانيا كجزء من الصفقة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبعد تسعة أشهر من الاتفاقية، حصل كيسنجر مع الزعيم الشمالي الفيتنامي لي ديوس ثو على جائزة نوبل للسلام، مع أن ثو رفضها. وفي 30 نيسان/ أبريل 1975 تقدمت الدبابات وقوات شمال فيتنام نحو سايغون، ولم تعد حكومة الجنوب قائمة بعد  ذلك. وفي اليوم التالي، حاول كيسنجر إعادة الجائزة لكن لجنتها رفضت أخذها.

طبعا هناك خلافات كبيرة بين أمريكا وأوكرانيا، فخلافا لفيتنام، لم ترسل الولايات المتحدة قوات للدفاع عن كييف. وهناك سبب آخر يتمثل في صمود الأوكرانيين. فقد كان من المتوقع أن تسقط كييف في غضون عشرة أيام من غزو بوتين، ولكن الأوكرانيين فاجأوا العالم عندما منعوا سقوط عاصمتهم. وعليه، فمن الصعب أن نصدق أن أوكرانيا سوف تستسلم إذا فشلت اتفاقية السلام التي سيبرمها ترامب. وفي الوقت الذي لا تقوم اتفاقيات السلام على خطأ متأصل، لكن المشكلة هي في الضمانات الأمنية التي تحتوي عليها.

ومن منظور إرثه الخاص، فإن أهم الأمور التي سيعترض عليها بوتين هي تلك التي تضمن السلام. والمشكلة ليست في إقناع الزعيم الروسي بالجلوس على طاولة المفاوضات، بل في إقناعه باحترام الاتفاق.

ومر الأوكرانيون بهذه التجربة من قبل، وكان من المفترض أن يعيد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مينسك عام 2015 السلام، لكنه لم يتضمن أي عواقب وخيمة للعدوان الروسي. وبموجب مذكرة بودابست لعام 1994، تخلى الأوكرانيون عن الرادع الفعال الوحيد الذي كانوا يمتلكونه: أسلحتهم النووية. حتى أن بيل كلينتون يدرك الآن أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو كانت لا تزال تمتلك أسلحتها النووية.

وربما استطاع ترامب التفاوض على صفقة قوية تحافظ على أوكرانيا “المزدهرة ذات السيادة”. ولكن هناك أوجه تشابه مثيرة للقلق بين المحادثات الأمريكية الروسية هذا الأسبوع في الرياض والتي تستبعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية التي أجريت خلف ظهر ثيو. وسوف يفعل ترامب جيدا إذا تذكر: “إذا انتهت هذه الصفقة بكارثة، فسيتحمل مسؤوليتها”.

ويليام ماغيرن

صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة ابراهيم در




الولايات المتحدة تطالب بانتخابات في أوكرانيا

عن انسداد الأفق أمام زيلينسكي، كتبت ايليزافيتا كالاشنيكوفا، في “موسكوفسكي كومسوموليتس”:

ذكرت وكالة رويترز للأنباء، نقلا عن المبعوث الخاص لترامب كيث كيلوغ، أن الولايات المتحدة تريد إجراء انتخابات في أوكرانيا بحلول نهاية العام، خاصة إذا تحقّق وقف إطلاق النار في منطقة القتال.

ووفقا لمصادر الوكالة، “إذا أجريت انتخابات في أوكرانيا، فإن الفائز يمكن أن يتحمل مسؤولية التفاوض على اتفاق طويل الأمد مع موسكو”.

يجدر التذكير هنا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في وقت سابق إلى عدم إمكانية التوقيع على معاهدة سلام مع زيلينسكي، بسبب انتهاء ولايته الرئاسية.

وردًا على منشور رويترز، ذكرت كييف أن إدارة ترامب لم تعالج هذه القضية “رسميًا”. ويترتب على هذه الصياغة أنه ربما جرت مناقشات غير رسمية حول هذه القضية. لكن من الصعب القول من سلوك زيلينسكي إنه يستعد للانتخابات.

في الوقت نفسه، شعبية زيلينسكي منخفضة للغاية. فبحسب بيانات المركز التحليلي الأوكراني “سوسيس”، التي نشرت في 22 يناير/كانون الثاني الفائت، 16.2% فقط من الأوكرانيين يثقون تمامًا بزيلينسكي، مقابل 56% من المواطنين لا يثقون به.

بانكوفا تدرك الآن أن الانتخابات قد تصبح حجر عثرة في علاقاتها مع الولايات المتحدة. في الوقت الحالي، قد يكون هذا مجرد اختبار من جانب الأمريكيين، ولكن هيكل السلطة غير مطمئن لزيلينسكي. فسوف يتعين عليه أن يحقق التوازن بين الحفاظ على سلطته وعلاقاته مع شركائه الغربيين.

روسيا اليوم




خطة لطرد مئات المقدسيين من الشيخ جراح لإقامة حي يهودي.. ومعارضون: هذا جنون

بدأت بلدية القدس بخطة بناء حي يهودي في الشيخ جراح شرقي القدس. وحسب الخطة، ربما يتم إخلاء عشرات العائلات الفلسطينية من بيوتها، لتستبدل بها 316 وحدة سكنية ومبان عامة لليهود. يخطط إقامته الحي اليهودي على أراض كانت في مركز صراع قانوني بين سكان الحي وجمعيات استيطانية في السنوات الأخيرة، ورافقتها مظاهرات ومواجهات عنيفة. السكان ومنظمات مجتمع مدني يقولون بأن هدف الخطة هو إبعاد السكان الفلسطينيين عن الحي.

خطة “نحلات شمعون”، كما يسمى الحي، تدفع بها سلطة تطوير القدس قدماً في السنتين الأخيرتين، وهي سلطة رسمية تهدف إلى المبادرة لتخطيط وتشجيع نشاطات تطوير اقتصادية في القدس. على الأغلب، لا تخطط لأحياء سكنية. قد يبنى الحي الجديد في مركز حي الشيخ جراح، في المنطقة التي يسميها الفلسطينيون “أم هارون”، وتقدر مساحتها بـ 17 دونماً، وفيها حوالي 40 مبنى، وموقف كبير للسيارات، ومنطقة مفتوحة.

بعض مباني الحي بيوت تاريخية بنيت في نهاية القرن التاسع عشر. لذا، فالخطة تثير أسئلة تتعلق بالحفاظ على هذه المباني، التي ناقشتها لجنة الحفاظ على المدينة في الفترة الأخيرة. والكثير من سكان الحي يعيشون الآن كمستأجرين محميين ولا يمكن إخلاؤهم. ولكن المصادقة على الخطة ستمكن القيم العام من عملية الإخلاء، وربما يجب على الدولة إيجاد مساكن بديلة لهم.

الأرض التي سيبنى عليها الحي المخطط له، سُجلت في السنوات الأخيرة باسم القيم العام في وزارة العدل، المسؤول عن إدارة العقارات الواقعة خلف الخط الأخضر، وهوية أصحابها غير معروفة. تم إجراء تسجيل الأراضي على اسم القيم في الطابو في إطار خطة خماسية للحكومة لتقليص الفجوات في شرقي القدس. مع ذلك، يقول سكان الحي ومنظمات مجتمع مدنية، الذين يتعاملون مع موضوع شرقي القدس والتخطيط الحضري من بينها جمعية “بمكوم” وجمعية “عير عاميم”، إن هدف الخطة الخماسية الحقيقي هو تهويد الأحياء العربية في شرقي المدينة. حتى الآن، كان القيم العام مشاركاً في أربعة أحياء يهودية شرقي المدينة. الخطة في الشيخ جراح ستكون هي الخامسة.

تضاف هذه الخطة إلى عدة خطط لبناء يهودي، بدأتها إسرائيل في شرقي القدس خلف الخط الأخضر. وفي الوقت نفسه، مع تغير الإدارة في الولايات المتحدة. في الخطط السابقة: إقامة حي كبير يشمل 9 آلاف وحدة سكنية في “عطروت”، وتوسيع حي يهودي قرب بيت صفافا، وخطة أخرى في الشيخ جراح لإقامة مدرسة دينية كبيرة في منطقة مفتوحة. حسب الخطة، سيبنى في الحي 15 مبنى جديداً. وفي منطقة الحي التاريخية، سيتم تحديد البناء بمبان تتكون من أربعة إلى ستة طوابق. ولكن في المنطقة القريبة من الشارع رقم 1، حيث يمر القطار الخفيف، يتوقع إقامة مبنيين يصل ارتفاعهما إلى 30 طابقاً.

“خطة لثلاثين طابقاً في الحي من القرن التاسع عشر، إضافة إلى مبان أحادية الطابق، هي خطة جنونية”، قالت لورا فيرتون، العضوة في مجلس بلدية القدس عن قائمة الاتحاد المقدسي.

قال محمود سعو، أحد سكان الحي: “كل العائلات هنا تناضل من أجل بيوتها. لا يسمحون لنا بإجراء إصلاحات، ومحظور حتى التبييض. هذه ليست حياة”. الدكتور خليل التفكجي، الجغرافي الفلسطيني الذي يمثل ائتلاف منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعمل في القدس، قال إن هدف الخطة هو تقسيم الحي إلى شمال وجنوب. “يريدون إقامة المدرسة الدينية “أور سيمح” في القسم الثاني من الحي، والسيطرة على المنطقة كلها. والهدف في نهاية المطاف، تعذر أي إمكانية لعاصمة فلسطينية في شرقي القدس”.

من سلطة تطوير القدس، جاء أن “السلطة، كجزء من دورها في القانون ولكونها الذراع التنفيذية والتخطيطية لحكومة إسرائيل وبلدية القدس، تعمل على تطوير المدينة اقتصادياً، وكل ذلك بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والبلدية. وفي هذه الحالة، طلب من السلطة الدفع قدماً بخطة لصالح دولة إسرائيل، وإقامة حي سكني وشقق فندقية في “نحلات شمعون”.

نير حسون

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




خطوات باشينيان العمياء: صبر موسكو ينفد

علّق الأستاذ المساعد في قسم القانون الدولي والقانون العام في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، إيغور سيمينوفسكي، على الأزمة في العلاقات الأرمينية الروسية على خلفية تقارب يريفان مع الغرب، حسبما ذكرت وكالة فيريلك، بالقول:

هناك اليوم عدد من المتغيرات العاجلة والمثيرة للقلق بالنسبة للحكومة الأرمينية الحالية:

أولا، تغيرت الإدارة الأمريكية، ولن تركّز في عملها على جنوب القوقاز؛ ثانيًا، لا يتطور الوضع في القوقاز نفسه على النحو الذي قد يكون مفيدًا للنظام الأرميني الحالي الموالي للغرب، فقد فشل الاتحاد الأوروبي في سياسته في جورجيا، حيث يتولى السلطة أشخاص عاقلون، وفي أذربيجان وتركيا. في حين أن الولايات المتحدة ليس لديها وقت للديمقراطية وحقوق الإنسان في مسألة الضغط على أرمينيا. وإيران متمسكة بموقفها الحازم المناهض للغرب، أو بالأحرى المناهض للعولمة، ناهيكم بموقفها من روسيا؛

وثالثا، يواجه فريق باشينيان احتمال إجراء انتخابات برلمانية جديدة، الأمر الذي يتطلب استعراض إنجازات مهمة، وهي لم تتحقق بعد.

وهكذا، فإن الحكومة الأرمينية الحالية، التي تستمر في المناورة بين رعاتها الغربيين واحتياجات البلاد والشعب، سوف تضطر عاجلاً أم آجلاً إلى اتخاذ قرار نهائي بشأن نهجها، حيث يغدو من الصعب على نحو متزايد الجلوس على كرسيين في وقت واحد. في ضوء الإجراءات غير الودية التي اتخذتها أرمينيا في السنوات الأخيرة، من الصعب أن يكون للخطوات العمياء في إعادة توجيه السياسة الخارجية الأرمينية تأثير مفيد في المسار الاقتصادي.

روسيا اليوم




أيقونة معمارية شاهدة على التاريخ.. العزبة القيصرية “إيزمائيلوفو”

ترتبط هذه العزبة التي أنشئت في القرن السابع عشر وتعتبر تحفة تاريخية ومعمارية فريدة، بأحداث هامة في تاريخ الدولة الروسية.

تقع العزبة شرق العاصمة موسكو على جزيرة صناعية، بنيت بأمر من القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش والد الإمبراطور بطرس الأكبر، الذي ترعرع وكبر فيها.

كانت هذه المنطقة في القرن الرابع عشر تعود الى عائلة إيزمائيلوف، وكان القيصر اليكسي ميخائيلوفيتش يرتاد هذا المكان المغطى بغابات كثيفة من أشجار البلوط والبتولا لممارسة هواية الصيد. وفي القرن السادس عشر اتخذت عائلة رومانوف (عائلة القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش) القرار بشرائها، لتبدأ في النصف الثاني من القرن السابع عشر عملية بناء مقر للقيصر، على جزيرة صناعية محاطة بالغابات الكثيفة. ولأجل الوصول إليها تم إنشاء جسر حجري ينتهي من جهة العزبة ببرج ثلاثي الطوابق، كان البوابة الرئيسية للعزبة إضافة إلى كونه برجا للأجراس. يوجد في البرج حاليا متحف “إزمائيلوفو وحكام روسيا”.

عزبة إيزمائيلوفو

كانت العزبة تتضمن إضافة الى القصور ومباني الضيافة والخدمات، حقولا ومزارع تجريبية لزراعة النباتات الفريدة: الكروم والدخن وأشجار التوت ومزرعة للنباتات الطبية، ومكانا لتربية الحيوانات البرية، كما كانت تتضمن متنزها جميلا ومنحلا. وتضمنت العزبة معامل للأنسجة الكتانية ولصناعة الزجاج ومصنعا للجعة وآخر للنبيذ ومصنع لإنتاج الزيوت النباتية، وفيها 37 بركة مياه و7 طواحين.

وتتضمن العزبة أيضا عددا من المباني التي مازالت قائمة حتى هذا اليوم منها: بوابتان رئيسيتان، كاتدرائية شفاعة العذراء، الجسر الحجري وبرجه، بوابة من الحديد الزهر على شكل قوس النصر ونافورة وغيرها من المباني الخدمية والسكنية التي شيدت في القرن التاسع عشر.

– كاتدرائية شفاعة العذراء

شيدت الكاتدرائية خلال أعوام 1671-1679 وهي بناء ضخم تعلوه خمس قباب ويبلغ القطر الداخلي للقبة الرئيسية 8.5 متر. وإيقونستاس (ايقونات المذبح) من خمسة صفوف ارتفاعه 18 مترا ومساحته 325 مترا مربعا، إضافة إلى الزخارف الجميلة على جدرانها الداخلية.

كاتدرائية شفاعة العذراء

أما جدران المبنى الخارجية فتزينها زخارف ذهبية وحمراء جميلة ورائعة، تتضمن رسوم نباتات وحيوانات مختلفة. وشيدت بجانب الكاتدرائية بعد الحرب الوطنية عام 1812 دار للمعاقين بسبب الحرب.

أغلقت الكاتدرائية والدار عام 1918 وفي عام 1928 نقل إلى الدار أرشيف وزارة الداخلية، ونقلت الأيقونات الكبيرة إلى متحف روبليوف للفنون الروسية القديمة. بعد الانتهاء من عمليات الترميم والصيانة أعيدت الكاتدرائية إلى الكنيسة الارثوذكسية الروسية عام 1990 مع مجموعة من الأيقونات السابقة.

– برج الجسر الحجري

أنجز بناء الجسر والبرج عام 1674 وهو بناء فريد. يبلغ طول الجسر 106 أمتار وفيه 14 قنطرة وعرضه أكثر من 10 أمتار. يتكون البرج من ثلاثة طوابق، كان الطابق الأرضي مخصصا للعاملين في الكنيسة، أما الطابق الأوسط فكان مخصصا لاجتماع مجلس دوما النبلاء عند إقامة القيصر في إيزمائيلوفو.

برج الجسر الحجري

أما الطابق العلوي الأخير فكان مخصصا لأجراس كاتدرائية شفاعة العذراء. البرج حاليا متحف ” إزمائيلوفو وحكام روسيا” الذي يحتوي على معروضات قديمة يمكن من خلالها التعرف على تاريخ المكان، كما ينظم المتحف جولات سياحية للزوار لتعريفهم بتاريخ العزبة القيصرية، ويقدم عروضا مسرحية قديمة تتخللها عروض للأزياء القديمة وغيرها.

– كرملين إيزمائيلوفو

كرملين إيزمائيلوفو

مجمع ثقافي – ترفيهي، وهو تحفة فنية معمارية استخدم في بنائه أحدث ما توصل إليه الفن المعماري والهندسة المدنية، وهو يحاكي مباني القرن السابع عشر التي مازالت قائمة هناك. استمر بناء هذا المجمع من عام 1998 ولغاية عام 2007 وهو مبني على الطراز المعماري الروسي في القرن السابع عشر.

ويطلق على كرملين ازمائيلوفو ” متحف المتاحف” حيث توجد ضمن المجمع الذي يغطي مساحة 24 هكتارا سبعة متاحف، وهي: متحف تاريخ الفودكا ومتحف الأزياء الروسية ولوازم الحياة اليومية ومتحف الأجراس ومتحف الحكايات والأساطير ومتحف الدمى الروسية ومتحف الأرقام القياسية الروسية. ويعتبر الكرملين الخشبي بأبراجه الحجرية البيضاء بحد ذاته متحف.

سوق فيرنيساج

ويقع بالقرب من كرملين ازمائيلوفو سوق “فيرنيساج” المشهور عالميا، الذي تعرض فيه وتباع تحف قديمة وحديثة من إنتاج حرفيين شعبيين. كما تقع ضمن محيط الكرملين ورشات لمختلف الحرف كالحدادة والنجارة والصناعات الخزفية والأنسجة. وقد أصبح هذا السوق الذي تعرض فيه منتجات فنية رائعة قبلة لسكان روسيا والسياح الأجانب.

روسيا اليوم




انسحاب فرنسا من كوت ديفوار: تنسيقي أم مفاجئ؟

الخطوة الإيفوارية الداعية لسحب القوات الفرنسية ربما تمت بالتنسيق مع فرنسا؛ وهذا لا يعني الرحيل النهائي لأن

الرئيس الحسن واتارا لا يزال رجل فرنسا المفضل بالمنطقة الحريص على أن تبقى بلاده حليفًا مهمًّا لفرنسا في غرب إفريقيا.

في خطوة قد تبدو مفاجئة بعض الشيء، وفي خطاب نهاية عام 2024، أعلن الحسن واتارا، رئيس كوت ديفوار والمقرب من فرنسا، أن القوات الفرنسية ستنسحب من البلاد، واصفًا هذا الانسحاب بالمنسق والمنظم، في إشارة إلى أنه تم التنسيق بشأنه مع باريس، ومبرِّرًا ذلك بوجود جيش وطني حديث، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن كتيبة المشاة البحرية الثالثة والأربعين (بيما)، وهي قاعدة للجيش الفرنسي تقع في بور-بويه Port-Bouet في العاصمة الاقتصادية، أبيدجان، سيتم “تسليمها” إلى الجيش اعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2025(1).

هذه الخطوة رغم تماشيها مع الإستراتيجية الفرنسية الرامية لتقليص الوجود العسكري في دول غرب إفريقيا والساحل، وفي ظل حديث عن رغبة فرنسية، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بخفض قواتها العاملة في كوت ديفوار، إلا أنها تطرح في المقابل تساؤلات حول أسباب هذا القرار في بلد يعد ذا أهمية إستراتيجية كبيرة لباريس في غرب إفريقيا، وذا نظام سياسي يحظى بعلاقات وطيدة معها، وكذلك توقيته الذي جاء بعد فترة وجيزة من إعلان تشاد ذات الأهمية الكبرى أيضًا لباريس وسط القارة آخر نفس الشهر، نوفمبر/تشرين الثاني، إنهاء اتفاقية التعاون العسكري معها، والمطالبة برحيل قواتها العاملة هناك بنهاية يناير/كانون الثاني 2025 أيضًا، وكذلك السنغال التي أعلن رئيسها، باسيرو ديوماي فاي، في نفس يوم خطاب واتارا، قرار بلاده بإنهاء كل الوجود العسكري للدول الأجنبية في السنغال اعتبارًا من عام 2025.

 والسؤال الثاني المطروح هو: هل معنى هذا القرار الإيفواري غياب التنسيق الأمني والمعلوماتي، أم ستظل هناك أوجه أخرى للتعاون بين الجانبين؟ كما تطرح تساؤلات أخرى عن بدائل فرنسا في كوت ديفوار، وهل سيكون البديل روسيا على غرار دول أخرى في الإقليم مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أم سيكون البديل هذه المرة أميركيًّا في ظل بحث واشنطن عن مقر إفريقي للأفريكوم(2)، وذلك مع وجود تقارير تفيد بأن كوت ديفوار قد تكون أحد البدائل في هذا الشأن؟

أسباب قرار الانسحاب

طرح هذا القرار العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه، وهل تم بالإرادة المنفردة للنظام أم بالتنسيق مع باريس في ظل العلاقات الوطيدة بين الجانبين؛ إذ لعبت فرنسا دورًا محوريًّا في دعم واتارا بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2010، خاصة بعد رفض الرئيس السابق، لوران غباغبو، تسليم السلطة له، فتدخلت قوات فرنسية ضمن عملية “ليكورن”، وبالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة، لإجبار غباغبو على التنحي وتسليم السلطة.

هذا الدعم عزز العلاقة بين واتارا وباريس، وجعلها شريكًا سياسيًّا رئيسيًّا له في مرحلة ما بعد الأزمة؛ إذ تعد أكبر شريك تجاري لكوت ديفوار، وتسيطر الشركات الفرنسية على قطاعات حيوية مثل الطاقة، والنقل، والبنية التحتية.

لذا ظل واتارا ملتزمًا بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع فرنسا؛ مما ساعد على استقرار الاقتصاد الإيفواري، لكنه واجه انتقادات داخلية بسبب الاعتماد المفرط على باريس في العديد من القضايا الاقتصادية والأمنية.

فعلى الصعيد الاقتصادي هناك اتهام باحتكار الشركات الفرنسية المجالات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، بما يخدم مصالحها على حساب المواطن الإيفواري، خاصة ما يتعلق بزراعة الكاكاو، وهو المحصول الرئيسي في البلاد، وتعد كوت ديفوار أحد أهم مورديه على مستوى العالم، فضلًا عن النظر إلى الفرنك الإفريقي CFA (العملة المستخدمة في 13 دولة في وسط وغرب إفريقيا ومنها كوت ديفوار) على أنه أداة للتحكم الفرنسي في اقتصادات الدول الإفريقية؛ إذ يُطبع في البنك المركزي الفرنسي، ويربط السياسة النقدية لهذه الدول بباريس ودول اليورو، وتضع هذه الدول قرابة 70% من احتياطياتها النقدية من العملات الأجنبية في الخزينة الفرنسية.

وعلى الجانب الثقافي والتعليمي، لا تزال اللغة الفرنسية والمناهج الدراسية تعكس إلى حدٍّ كبير الهوية الفرنسية على حساب نظيرتها الإيفوارية، وتعيق وجود هوية وطنية إفريقية مستقلة واضحة المعالم.

وعلى الجانب الأمني ينظر إلى الاتفاقيات الأمنية على أنها مزيد من تكبيل الجيش الوطني لصالح فرنسا في الإقليم بداية من اتفاقية 1961 التي وُقِّعت بعد الاستقلال مباشرة، ومن أهم بنودها السماح بوجود قوات فرنسية في البلاد، مرورًا باتفاقية 2011 بعد وصول واتارا للحكم بدعم فرنسي. ونصَّت تلك الاتفاقية على تحديث القوات المسلحة، وتدريب الضباط والجنود من قبل القوات الفرنسية، وكذلك اتفاقية التعاون بين الجانبين لدعم عملية “برخان الفرنسية 2014” في دول الساحل الخمس: تشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا.

ورغم أن كوت ديفوار لا تدخل في نطاقها، إلا أنها كانت شريكًا مهمًّا لإنجاحها عبر السماح باستخدام أراضيها نقطة انطلاق لعمليات برخان، فضلًا عن تقديم الجيش الإيفواري الدعم اللوجستي للقوات الفرنسية المنتشرة في الساحل، والمشاركة المحدودة في العمليات الإقليمية. وأخيرًا هناك اتفاقية الوجود العسكري الفرنسي في معسكر بور-بويه التي تستخدم لدعم الاستقرار في غرب إفريقيا ولتنفيذ العمليات العسكرية الفرنسية في المنطقة. ولذا شهدت البلاد من حين لآخر مظاهرات ضد الوجود الفرنسي، خاصة في أوقات الأزمات السياسية.

وبالتالي، يمكن تفسير القرار برغبة واتارا في التنسيق مع فرنسا بالسير على خطى دول غرب إفريقيا الراغبة في إنهاء هذا الوجود العسكري فقط، في ظل وجود رأي عام داخلي رافض لهذا الوجود الفرنسي، فضلًا عن تفويت الفرصة على خصمه في الانتخابات القادمة، والتي يتوقع تنظيمها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسيكون خصمه فيها الرئيس السابق، لوران غباغبو، الذي يركز منذ انتخابات 2010 التي خسرها أمام واتارا، على رفضه التبعية لفرنسا، وكذلك رغبة واتارا في نفي التهمة التي يثيرها معارضوه بأنه “دمية” في أيدي الغرب.

ومما يعضد من هذا التوجه، وجود تنسيق بين الجانبين بشأن الانسحاب، أمران:

الأول: عدم توتر العلاقات بينه وبين باريس خلال الآونة الأخيرة على عكس ما حدث مثلًا بين فرنسا والنظم الانقلابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فواتارا زار باريس، في أغسطس/آب 2024، واستُقبل بحفاوة من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون، وأقيمت له مأدبة عشاء خاصة في قصر الإليزيه.

الثاني: إشادة الرجل في نفس خطابه، الذي أعلن فيه قرار إنهاء الوجود الفرنسي، بدور هذه القوات الفرنسية في دعم استقرار البلاد ومساعدة جيش بلاده في القتال ضد الجماعات المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل وتتوسع في دول على طول خليج غينيا، بما في ذلك كوت ديفوار وغانا، كما أشاد أيضًا بدور فرنسا كجزء من مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خلال الحرب الأهلية الطويلة في البلاد من عام 2002 إلى عام 2011.

هذا التوجه وهذه التصريحات ليست جديدة على واتارا الذي أشار في مقابلة سابقة مع قناة فرنسا 24، في شهر فبراير/شباط 2022، بالتزامن مع بدء انسحاب القوات الفرنسية من مالي، أشار إلى أن فرنسا لا تنسحب من منطقة الساحل بالكامل، بل تكيف وجودها العسكري مع المتغيرات الحالية، مؤكدًا عدم وجود مشكلة لبلاده في استقبال قوات فرنسية لتحقيق الجانب الأمني جنبًا إلى جنب الجيوش الوطنية(3).

ومعنى هذا أن الرجل ربما أراد بقراره هذا تهدئة الرأي العام الداخلي الرافض لفرنسا والمتأثر باحتجاجات دول الجوار، وكذلك تهيئة الأجواء لطرح نفسه مرشحًا رئاسيًّا لدورة رابعة وسط جدل سياسي وقانوني حول أحقيته لذلك؛ إذ أقرَّ دستور 2016 بأحقية الرئيس بالترشح لدورتين متتاليتين مدة كل منهما 5 سنوات، وحينها أُثير تساؤل حول سريان هذا التعديل على الفترات السابقة للرئيس واتارا أم لا. وقد حسمت المحكمة الدستورية الأمر بتفسير التعديل الدستوري على أنه يبدأ من الانتخابات القادمة التي جرت سنة 2020، وهو ما يعني أن الرئيس الحسن واتارا، الذي كان قد قضى فترتين قبل 2016، يستطيع الترشح لفترة ثالثة في 2020، ثم في الانتخابات التي تليها 2025، وهو ما أكده في تصريحات لرويترز عام 2018(4).

وفي المقابل، نجد أن خطوة انسحاب القوات الفرنسية، تتماشى مع إستراتيجية باريس الجديدة في المنطقة، فبعد الانسحاب من مالي، وبوركينافاسو، والنيجر، تخطط فرنسا، أيضًا لتقليص وجودها العسكري بشكل كبير في قواعدها في كل من تشاد في وسط إفريقيا، والسنغال وكوت ديفوار في غربها، باستثناء جيبوتي في شرق القارة؛ إذ قدَّم جان ماري، المبعوث الشخصي للرئيس ماكرون إلى إفريقيا، توصياته بشأن هذا الموضوع للرئيس، في يوليو/تموز الماضي(5). وفي 28 فبراير/شباط 2023، وقبل يوم واحد من جولته الإفريقية التي شملت أربع دول؛ هي: الغابون، والكونغو الديمقراطية، والكونغو، وأنغولا، حدَّد ماكرون ملامح الإستراتيجية الجديدة لفرنسا في القارة، ومن أبرزها(6):

أولًا: خفض الوجود العسكري في القارة إلى أدنى مستوى، ويعني أن هناك توجهًا فرنسيًّا حتى قبل انقلاب النيجر، في أغسطس/آب 2023، إلى تقليص الوجود العسكري، وإنهاء القواعد العسكرية الفرنسية، وتحويلها إلى أكاديميات تشارك في إدارتها فرنسا والدول الأوروبية والإفريقية، وفي ذلك دلالة على الإدارة المشتركة بين فرنسا وشركائها الأفارقة في توفير النفقات، وتقليل للخسائر البشرية والمادية، وتهدئة للرأي العام الداخلي، خاصة في ظل موجة الغضب التي قوبل بها في زيارته الأخيرة لدول عدة، منها: الغابون وإفريقيا الوسطى. وبحسب تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية، يوجد في إفريقيا الآن حوالي 15 أكاديمية وطنية لتدريب الجيوش الإفريقية تنتشر في الغابون، وكوت ديفوار، والسنغال، والكاميرون، والنيجر، وتوغو، وبنين، وتقدم هذه الأكاديميات جميع التدريبات اللازمة في مجالي الدفاع والأمن، ويعمل بها عدد من الخبراء، ولا يعرف عنها الرأي العام الكثير(7).

وفي إطار تنفيذ هذه الإستراتيجية الجديدة، قررت فرنسا، وبعد 6 أشهر من انتهاء عملية برخان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، تقليص عدد قواتها في عدد من قواعدها العسكرية الكبرى ومنها كوت ديفوار؛ حيث العدد الإجمالي 950 جنديًّا، ثم السنغال، فالغابون؛ إذ يضم كل منهما 350 جنديًّا، في حين لن يتأثر وجودها في قاعدة جيبوتي التي تضم 1500 جندي.  

ثانيًا: تقوم المقاربة الأمنية الجديدة أيضًا على تقديم الدعم للجيوش الإفريقية من خلال المعلومات الاستخباراتية، أو الخدمات اللوجستية، أو صادرات الأسلحة، أو الدعم الناري (Fire Support)، وهو دعم عسكري لعمليات محددة، وفي المقابل زيادة الاعتماد على أدوات القوة الناعمة غير العسكرية؛ مثلًا الأدوات الدبلوماسية، من خلال توسيع نطاق الشركاء في إفريقيا بوصف ذلك تحديًا حيويًّا لأوروبا بأكملها؛ إذ تحاول فرنسا إشراك دول الاتحاد الأوروبي معها في إفريقيا، لتكون هي قاطرة الاتحاد من ناحية، وفي المقابل تُقسِّم تكاليف التدخل إن حدث، وكذلك تكاليف عمليات التنمية التي تحتاجها القارة.

ثالثًا: تعد الأداة الاقتصادية إحدى ركائز هذه الإستراتيجية الجديدة من خلال التركيز على مشروعات التنمية، على غرار الصين، التي تعد أكبر ممول للبنية التحتية في إفريقيا.

رابعًا: المدخل الإنساني، من خلال توفير الاحتياجات الإنسانية، وكذلك المدخل الثقافي التقليدي المتمثل بتسهيل التأشيرات للطلاب، الذي يعد امتدادًا لسياسة “فرنسة الأفارقة” من خلال مناهج التعليم، وذهاب قدر كبير من الميزانية المخصصة للتنمية لهذا البند. وربما هذا ما يميز فرنسا عن باقي الدول الاستعمارية السابقة الأخرى، وهو الاهتمام بالجانب الثقافي كأحد أدوات استمرار الهيمنة، وربما ارتبط ذلك بنمط الإدارة المباشرة الذي انتهجته باريس منذ البداية في التعامل مع هذه “المستعمرات”، مقارنة بنمط الإدارة غير المباشرة الذي انتهجته بريطانيا، وترتب عليه زوال نفوذها التاريخي في القارة.

خامسًا: المدخل الرياضي، عبر مسار “دعم الرياضة” الذي لاحظناه بقوة في بطولة كأس العالم الأخيرة بقطر 2022، حيث كان معظم لاعبي المنتخب الفرنسي من أصول إفريقية.

ومعنى هذا أن القوات الفرنسية، وإن كانت سترحل عن البلاد عسكريًّا، إلا أن المصالح الفرنسية الأخرى لن تتأثر بهذا الانسحاب في ظل وجود رئيس حليف لها في البلاد.

البديلان، الروسي والأميركي، وكوت ديفوار

إذا كان هناك شبه اتفاق بين واتارا وفرنسا بشأن سحب القوات، فهل معنى هذا وجود بديل آخر لملء هذا الفراغ، ونقصد به تحديدًا البديلين، الروسي والأميركي؟

بالنسبة للبديل الروسي: يلاحظ أن القوات الروسية المنخرطة حاليًّا في الساحل لم تحقق نتائج أفضل، فضلًا عن أن الموقف الروسي من بشار الأسد وتخليها عنه، كان له أثر سلبي من ناحيتين، الأولى: تتعلق بفقدان الثقة في روسيا وإمكانية تخليها بسهولة عن الأنظمة الداعمة، والثانية: تتعلق بفاعلية هذا الدور والخشية من التأثير المحتمل لغلق القاعدة البحرية في طرطوس على البحر المتوسط، وقاعدة حميميم الجوية على جهود موسكو في مكافحة الإرهاب في شمال ووسط وغرب إفريقيا، وهما قاعدتان كانت تعتمد عليهما بصورة كبيرة في تقديم الدعم اللوجيستي في القارة الإفريقية، لاسيما في ظل ضعف البدائل الإفريقية؛ أي بنغازي في شرق إفريقيا التي يسيطر عليها حفتر، على اعتبار أنها ليست بذات كفاءة القواعد السورية، وربما يكون البديل هو قاعدة عسكرية في السودان على البحر الأحمر، وهو أمر خاضع للتفاوض حتى الآن(8). ومن ثم قد لا تكون روسيا بديلًا مفضلًا لكوت ديفوار في هذا التوقيت.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تكون بديلًا محتملًا، خاصة بعدما كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، أوائل يوليو/تموز 2024، عن موافقة رئيس كوت ديفوار، الحسن وتارا، على تدشين قاعدة عسكرية أميركية شمال غرب البلاد بالقرب من منطقة أوديين “Odienne”، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل حول هذه الاتفاقية؛ شروطها، وحجم القوات المنتشرة، ومستوى التسليح، ومدتها، وما سوى ذلك.

وربما استهدف واتارا من ذلك ضمان عدم اعتراض الولايات المتحدة على ترشحه لولاية رابعة في الانتخابات القادمة المزمع تنظيمها، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو استحقاق سيجعل واتارا مستمرًّا في الحكم منذ 2010، وسيكون قد فاز بثلاث ولايات حتى الآن.

بيد أن قرار ترشحه للرئاسة، عام 2020، بعد الوفاة المفاجئة لخليفته ورئيس الوزراء، أمادو جون كوليبالي، كان قد أثار غضبًا واسع النطاق لدى صفوف المعارضة الإيفوارية. ولم يخف الرجل فكرة الترشح؛ إذ ألمح إلى ذلك صراحة في خطابه أمام أعضاء السلك الدبلوماسي بأبيدجان، يوم 9 يناير/كانون الثاني 2025؛ أي بعد أسبوعين تقريبًا من قراره الخاص بانسحاب القوات الفرنسية. لقد أشار إلى أنه يرغب في الاستمرار في خدمة بلاده رئيسًا، مضيفًا أنه بصحة جيدة ومتحمس لمواصلة خدمة بلده، وهي أقوى إشارة حتى الآن على أنه يخطط للترشح مرة أخرى.

وفي المقابل، هناك حرص أميركي على إيجاد قواعد بديلة في الإقليم، خاصة بعد الانسحاب من النيجر، وهو ما أكده رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال سي كيو براون، في يونيو/حزيران 2024، بأن واشنطن تدرس تعزيز التعاون العسكري مع عدد من دول القارة، وأكَّده أيضًا أحد المسؤولين الأميركيين، عندما ذكر لوسائل الإعلام أن هذه الدول تشمل إما غانا أو بنين أو كوت ديفوار(9).

وذهب إلى نفس الأمر قائد قوات الأفريكوم “القيادة الأميركية الخاصة بالقارة”، الجنرال ميشيل لانجلي، الذي أشار إلى أن فقدان القواعد الأميركية في الساحل، سيقلِّل من قدرتنا على المراقبة والتحذير، بما في ذلك القيام بالمهام الدفاعية، انطلاقًا من هذه القواعد، وطبعًا لمواجهة الجماعات الجهادية والسلفية المنتشرة بقوة في هذه المناطق، فضلًا عن دعم جهود منظمة الإيكواس في مواجهة الإرهاب(10).

وحتى في ظل الوجود الأميركي المحتمل في كوت ديفوار، فقد لا يؤثر ذلك كثيرًا على الوجود الفرنسي المتغلغل في شتى مناحي الحياة. وربما قد يحدث تنسيق بين الجانبين، الفرنسي والأميركي، في هذا الشأن على غرار ما يحدث في جيبوتي التي تستضيف أكبر قاعدة فرنسية في القارة بمجاورة قاعدة لومونييه الأميركية.

خاتمة

يمكن القول في التحليل الأخير: إن الخطوة الإيفوارية ربما تمت بالتنسيق مع فرنسا، وإن الرحيل العسكري ليس معناه الرحيل النهائي بكل أبعاده عن كوت ديفوار، وإن الحسن واتارا لا يزال الرجل المفضل فرنسيًّا، والحريص على عدم وجود خلاف دبلوماسي بين البلدين، وأن تبقى بلاده حليفًا مهمًّا لفرنسا في غرب إفريقيا.

ونجد الرئيس واتارا لم يبد غضبًا أو حتى استياء من تصريحات ماكرون الأخيرة، في 7 يناير/كانون الثاني 2025، أمام مؤتمر الدبلوماسيين الفرنسيين السنوي في باريس، والذي وجَّه فيه انتقادات حادة لقادة العديد من الدول الإفريقية. وهي التصريحات التي تحمل في طياتها نوعًا من التعالي والمنِّ على هذه الدول المدينة بالشكر والعرفان لباريس، لكنها لم تفعل ذلك. وقد ذكَّر ماكرون قادة دول إفريقية لم يسمهم بأن أيًّا من تلك الدول ما كان لها أن تستقل لولا التدخل الفرنسي لدعمها لنيل استقلالها، وأن أحدًا منهم لا يستطيع إدارة دولة ذات سيادة من دون تدخل. وهي التصريحات التي أثارت حفيظة شركاء فرنسيين مثل تشاد والسنغال، وأخيرًا وليس آخرًا المجلس العسكري ببوركينا فاسو، في حين اكتفى واتارا بالصمت.

بدر حسن شافعي

مركز الجزيرة للدراسات




إفريقيا ونتائج انتخابات غير متوقعة: حقبة جديدة من التغيير السياسي

لا تزال الحقبة الجديدة من التحولات السياسية بإفريقيا مستمرة وستكون لها آثار متتالية على الدول الإفريقية المختلفة،

وستعيد نتائج الانتخابات غير المتوقعة تشكيل التحالفات الإقليمية والسياسات الاقتصادية. كما أن التطورات الأخيرة في القارة تؤكد أن شباب إفريقيا لم يعد راضيًا عن الجلوس بالهامش.

أجرت أكثر من 20 دولة إفريقية مختلف أنواع الانتخابات في عام 2024، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية والتشريعية الوطنية والإقليمية أو المحلية(1). وكانت النتائج الرسمية والمعلنة لبعض هذه الانتخابات متوقعة، مثل تلك التي أُجريت في جزر القمر وتشاد ورواندا وتونس والجزائر، وذلك بسبب طبيعة العمليات السياسية في هذه الدول وهيمنة رؤسائها أو الأحزاب الحاكمة. في حين أن نتائج بعضها الآخر مفاجئة، مثل تلك التي أجريت في السنغال وجنوب إفريقيا وموريشيوس وبوتسوانا وغانا، وذلك بسبب ما لهذه النتائج من إمكانات إحداث التغيير في المشهد السياسي بهذه الدول.

وقد دفعت النتائج غير المتوقعة إلى ظهور آراء متعددة، أكثرها يذهب إلى أن إفريقيا، وخاصة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تشهد عصرًا جديدًا من التغيير السياسي؛ إذ إن هذه النتائج الانتخابية جاءت في الفترة التي تشهد فيها العديد من الدول الإفريقية احتجاجات عارمة ومظاهرات واسعة تطالب الحكومات بالحكم الرشيد أو استقالة المسؤولين الحكوميين أو إلغاء سياسات اقتصادية معينة.

أولًا: الاتجاهات الرئيسية للأنظمة السياسية والممارسات الانتخابية في إفريقيا

تلعب الانتخابات دورًا بالغ الأهمية في تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد. وفي إفريقيا تُظهر جميع المؤشرات أن المؤسسات السياسية والعمليات الانتخابية تمر بتغييرات ملحوظة بسبب الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة وتحديات الأمن الإقليمي. ويمكن ملاحظة الاتجاهات الرئيسية للممارسات الانتخابية والديمقراطية في القارة على هيمنة أحزاب سياسية محددة على السياسة الوطنية، وجهود بعض الدول الإفريقية لتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ومساعي عدم المركزية في الحكم، وزيادة المشاركة السياسية للشباب والنساء، والاستخدام المتزايد للتكنولوجيا في العمليات الانتخابية، واستمرارية العنف الانتخابي، وصعود الحركات والأحزاب السياسية المعارضة.

ويمكن إيجاز بعض تلك الاتجاهات في سياق الانتخابات الأخيرة التي أجريت في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في النقاط التالية:

أ- تأثير الأحزاب الحاكمة واستمرار نماذج “الرئاسة المهيمنة”: من الاتجاهات السائدة في الأنظمة السياسية والممارسات الانتخابية بإفريقيا ما تواجهه بعض الحكومات الإفريقية من تُهَم انتهاك المبادئ الديمقراطية الأساسية واستمرار الرئاسة المهيمنة والتأثير القوي للأحزاب الحاكمة في العمليات الانتخابية لصالح مرشحيها. ويمكن ملاحظة بعض هذه الاتجاهات في كل من دولة تشاد (التي أجرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في مايو/أيار 2024، وفاز فيها محمد إدريس ديبي من “الحركة الوطنية للإنقاذ”)(2)، ودولة رواندا (التي أجرت الانتخابات، في يوليو/تموز 2024، والتي فاز فيها حزب “الجبهة الوطنية الرواندية” الحاكم بقيادة الرئيس “بول كاغامي”)(3)؛ إذ سبق أن شهدت الدولتان تغييرات دستورية (تشاد في عام 2004 ورواندا في عام 2015) سمحت لرئيسي الدولتين بتمديد ولايتهما الرئاسية(4)، وظهرت أثناء الانتخابات الأخيرة مزاعم استخدام الحزب الحاكم في الدولتين سلطتهما ونفوذ الحكومة للتأثير على العملية الانتخابية، بالإضافة إلى تقارير تقييد حكومتيهما لحرية أحزاب المعارضة، وهو ما أثَّر سلبيًّا في حملات المعارضة الانتخابية وفرص فوزها.

وقد لعبت النجاحات النسبية والمصالح المتصورة لصالح بعض الرؤساء والأحزاب الحاكمة والإدارات القائمة في الانتخابات الأخيرة بإفريقيا. وفي حالتي تشاد ورواندا يُلاحَظ أن تفضيل البعض بقاء النظام الحاكم مرتبط بملفات الأمن والاستقرار. وهذا قد يفسر أيضًا سبب تركيز السلطة في الدولتين حملاتهما الانتخابية في الموضوعات المرتبطة بهذه الملفات؛ إذ في تشاد كانت الأولوية لحل الصراعات الإقليمية القائمة والاضطرابات الداخلية، بينما في رواندا أكد الحزب الحاكم على مواصلة جهود التنمية وتكملة المشاريع الاقتصادية واستمرارية الحفاظ على السلام المحرز منذ الإبادة الجماعية. وهذه الإستراتيجية الانتخابية من الحزبين الحاكمين في الدولتين لها أبعادها الإقليمية والتنافسية الجيوسياسية نظرًا لمكانة تشاد في الساحل ودور رواندا في استقرار جمهورية إفريقيا الوسطى وموزمبيق.

وكشفت انتخابات جزر القمر الرئاسية، والتي أجريت في يناير/كانون الثاني 2024، أن إجراء الانتخابات لا تحمي من نزعة “الرجل القوي”، وهي الظاهرة نفسها التي تشهدها دول مثل الكاميرون وغينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو (برازفيل) ورواندا وإريتريا؛ إذ تعرضت إدارة الرئيس القُمري “غزالي عثماني” لانتقادات(5) بسبب مزاعم سعيها نحو تعزيز سلطتها عبر إستراتيجيات مختلفة تشمل المراجعات الدستورية والإجراءات التي تؤدي إلى تآكل التعددية السياسية وتقارير عن جهود رئيس البلاد لتوريث السلطة لنجله.

وعليه، تؤكد الانتخابات الأخيرة التي جرت في جزر القمر وتشاد ورواندا على واقع الديمقراطية بإفريقيا، والذي مفاده أن إجراء الانتخابات لا يضمن الحكم الرشيد، وأن التقدم الانتخابي يعاني في كثير من الأحيان من عوائق بنيوية ونظامية. وكثيرًا ما يصبح إجراء الانتخابات غطاء يستغله بعض الحكام للهيمنة السياسية دون مبالاتهم بالصعوبات التي تثيرها أو أثره في إعاقة العمليات الديمقراطية المفتوحة والمنافسة السياسية الكاملة.

ب- نجاحات في ظل تزايد شهية الناخبين للبدائل: مما يلاحظ من الانتخابات المنتظمة بدول إفريقية كثيرة منذ عام 2010 -رغم شوائبها- أنها تسهِّل عملية ترسيخ النظام العام والشعور بالعدالة وتحفيز المواطنين على المشاركة في السياسة، وخاصة في الديمقراطيات الناشئة وأنظمة ما بعد الصراع.

وفي سياق الانتخابات الأخيرة، أظهرت انتخابات السنغال (التي أجريت في 24 مارس/آذار 2024)، وجنوب إفريقيا (التي جرت في 29 مايو/أيار 2024)، وبوتسوانا (التي جرت في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024) وغانا (التي جرت في 7 ديسمبر/كانون الأول 2024) ما تتمتع به هذه الدول من زيادة المشاركة السياسية تحت تأثير مطالب المواطنين بالإصلاحات الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز الحكم. ففي السنغال تتعزز التعددية السياسية وصورة البلاد الإيجابية كنموذج للدول الإفريقية الأخرى التي تسعى إلى أنظمة انتخابية تنافسية وشاملة؛ إذ سعى الناخبون إلى المساءلة والتقدم وسط المناقشات حول حدود الولاية الرئاسية والاستقرار الاقتصادي تحت إدارة الرئيس السابق “ماكي صال” الذي خفف قراره (بعدم السعي لإعادة انتخابه) من حدة التوترات، وكان القرار أيضًا خطوة مهمة نحو احترام المعايير الدستورية.

وفي جنوب إفريقيا، أثارت قضايا البطالة والفساد وتردي الخدمات الأساسية غضب المواطنين ضد حكومة حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” الحاكم، وهو ما عزز فرص أحزاب المعارضة مثل “التحالف الديمقراطي” و”المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية” وحزب “أومكونتو وي سيزوي” (رمح الأمة). ونتيجة لهذا، كان أداء “المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم” -الذي هيمن على المشهد السياسي بجنوب إفريقيا منذ انتهاء نظام الفصل العنصري في عام 1994- ضعيفًا في انتخابات عام 2024(6). ورغم أنه لا يزال الحزب الأكبر في البلاد، إلا أن فشله في الحصول على الأغلبية التشريعية (اللازمة لتشكيل الحكومة) أجبره على إنشاء حكومة وحدة وطنية مع عشرة أحزاب أخرى من مختلف أنحاء البلاد(7).

إن نجاح حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” الحاكم (والأحزاب المعارضة) في حل المعضلة السياسية (المتمثلة في عدم تأمين الأغلبية المطلوبة) يوضح مدى النضج الديمقراطي الذي وصلت إليه جنوب إفريقيا؛ إذ يقيِّم الناخبون أداء الأحزاب المهيمنة والحاكمة في صناديق الاقتراع. وقد أثبتت هذا الاتجاه أيضًا انتخاباتُ غانا (7 ديسمبر/كانون الأول 2024)، وبوتسوانا (30 أكتوبر/تشرين الأول 2024)، والتي أبرزت التعددية في الممارسة السياسية والقدرة المتزايدة لحركات المعارضة على تحدي الأحزاب المهيمنة باستغلال شكاوى الشباب المطالبين بقادة جدد يتبنون سياسات إبداعية ومبادرات مبتكرة.

وفي بوتسوانا، التي تُعَد واحدة من أهم قصص النجاح في إفريقيا وتحتل مرتبة بين أغنى الديمقراطيات وأكثرها استقرارًا في القارة؛ تَرَك التراجع العالمي في الطلب على الماس المستخرج من مناجم البلاد، والذي يمثل أكثر من 80% من صادرات بوتسوانا، تأثيرًا سلبيًّا على اقتصادها، بينما ارتفعت البطالة إلى 27% في عام 2024 (مرتفعًا من 25.90% في عام 2023). وقد عززت هذه التحديات شعور العديد من البوتسوانيين قبل الانتخابات الأخيرة بأن “الحزب الديمقراطي البوتسواني” (الذي حكم البلاد منذ انتخابات عام 1965 حتى الانتخابات العامة في عام 2024) لا يملك مبادرة جديدة للبلاد، بينما تحالف المعارضة (“مظلة التغيير الديمقراطي”) قدم مبادرات طموحة شملت مضاعفة الحد الأدنى للأجور وتحسين الخدمات الاجتماعية وتعزيز استقلالية السلطة القضائية. وكانت النتيجة أن أطاح الناخبون بالرئيس “موكغويتسي ماسيسي” من “الحزب الديمقراطي البوتسواني” من السلطة، ومنحوا الفوز لـ “مظلة التغيير الديمقراطي” ومرشحه الرئاسي “دوما بوكو”(8).

وفي حالة الانتخابات الرئاسية في غانا؛ فقد عاد الرئيس السابق “جون دراماني ماهاما” من حزب “المؤتمر الوطني الديمقراطي” المعارض إلى السلطة بانتصار اعترف به خصمه نائب الرئيس “محمدو بوميا” (مرشح الحزب الوطني الجديد)، وكان الفوز إيذانًا بنهاية حكم “الحزب الوطني الجديد” الحاكم بقيادة الرئيس “نانا أكوفو أدو” (الذي كان يقضي فترة ولايته الثانية والأخيرة). وقد دعم هذا التغيير حقيقة أن غانا في عهد “نانا أكوفو أدو” مرَّت بأسوأ أزمة اقتصادية منذ سنوات، وتخلفت عن سداد ديونها، وانخفضت قيمة عملتها الوطنية، إلى جانب قضايا أخرى هيمنت على الحملات الانتخابية وأثارت الاحتجاجات المناهضة للحكومة والسخط العام(9).

وعلى ما سبق، تعكس حالات بوتسوانا وغانا والسنغال وجنوب إفريقيا البيئات السياسية التنافسية المتنامية في مختلف الدول الإفريقية؛ إذ تتزايد شهية الناخبين للبدائل؛ مما يمنح أحزاب المعارضة اليد العليا في الانتخابات. وهذه هي الحالة نفسها في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بموريشيوس؛ إذ حقق زعيم المعارضة “نافين رامغولام” (من “تحالف التغيير”) فوزًا ساحقًا، متغلبًا على رئيس الوزراء “برافيند جوجناوث” (من “تحالف الشعب” بقيادة حزب “الحركة النضالية الاشتراكية”)(10). ورغم اعتماد نموذج الانتخابات الموريشيوسية العامة على مبدأ الهيمنة شبه الكاملة للتحالفات الفائزة على الحكم والبرلمان؛ إلا أن الانتخابات أيضًا أبرزت التقدم الذي أحرزته البلاد من حيث إجراء انتخابات سلمية والقدرة على إدارة المنافسة السياسية داخل مجتمع متنوع ومتعدد الإثنيات والأديان؛ الأمر الذي يعزز الحكم والتنمية المستدامة في البلاد.

ج- اضطرابات وعنف ما بعد الانتخابات: يشكل ظهور العنف أثناء العمليات الانتخابية أو بعد إعلان النتائج نمطًا متكررًا في المشاهد السياسية الإفريقية؛ إذ كثيرًا ما يلجأ الشباب وأنصار المعارضة إلى العنف للاحتجاج على ما يرونه ظلمًا في العمليات الانتخابية؛ الأمر الذي يقوض قدرة الدولة على الحفاظ على النظام المدني والسلام العام.

وتقدم الانتخابات الأخيرة في موزمبيق نموذجًا حيًّا لهذه النقطة؛ إذ كان الموزمبيقيون في حالة التوتر منذ إجرائها، في التاسع من أكتوبر/تشرين الثاني 2024، وإعلان “دانييل تشابو”، زعيم “جبهة تحرير موزمبيق” (الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عن البرتغال في عام 1975) رئيسًا منتخبًا. وجاء حزب “المتفائلين من أجل تنمية موزمبيق” المعارض (الذي أُسس في 7 مايو/أيار 2019) في المرتبة الثانية في هذه الانتخابات مزيحًا حزب “المقاومة الوطنية الموزمبيقية” -حزب المعارضة الرئيسي منذ عام 1992- من مكانته التقليدية. وقد رفض أنصار “المتفائلين من أجل تنمية موزمبيق” وزعيم المعارضة “فينانسيو موندلين” نتائج الانتخابات زاعمين أن مرشحهم هو الفائز الحقيقي، فنزلوا إلى الشوارع منذ ذلك الحين محتجين ضد النتائج، ولكنهم قوبلوا بإطلاق النار من قبل قوات الأمن؛ مما أدى إلى انتشار الفوضى والعنف ومقتل ما لا يقل عن 110 أشخاص بحلول 23 ديسمبر/كانون الأول 2024(11).

وتتجلى مفارقات برامج الإصلاح السياسي التي تتبناها غالبية الدول الإفريقية بوضوح من خلال المناخ السياسي خلال السنوات الخمس الماضية والعنف الذي أعقب بعض الانتخابات في القارة. وتوضح تجربة موزمبيق عن أهمية عدم المركزية السياسية كإستراتيجية لتسوية النزاعات الوطنية في المجتمعات المنقسمة؛ إذ من أجل تخفيف سيطرة الحكومة المركزية على المقاطعات ومعالجة المظالم التي غذَّت الصراعات السابقة في البلاد، تَضمَّن اتفاق السلام لعام 2019 بين “جبهة تحرير موزمبيق” و”حركة المقاومة الوطنية الموزمبيقية” إصلاحًا مهمًّا -وهو الانتخاب المباشر لحكام المقاطعات في انتخابات عام 2024-.

ومع ذلك، وفي خضم الجدل الدائر حول الانتخابات الوطنية في عام 2019 والانتخابات المحلية في عام 2023، يواجَه حزب “جبهة تحرير موزمبيق” الحاكم أيضًا بالميل نحو الممارسات القمعية والإفلات من العقاب، بينما انتخابات عام 2024 التي أجرتها حكومة الحزب شابتها تحديات لوجستية وتقارير عن ترهيب الناخبين ووقوع انتهاكات في بعض المناطق. هذا، بالإضافة إلى أن هذه الانتخابات تجسد تحدي إجراء الانتخابات في المناطق المتضررة من الصراع، وهو السيناريو نفسه الذي تكرر في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي؛ إذ أجرت موزمبيق هذه الانتخابات في ظل التمرد المسلح المستمر في مقاطعة “كابو ديلغادو” والذي أثَّر على إقبال الناخبين للتصويت وأثار تساؤلات حول شمولية العملية الانتخابية.

ومن الملاحظ أيضًا قلة عدد الديمقراطيات الإفريقية المعصومة من ظاهرة التوترات والعنف بعد الانتخابات؛ إذ دولة ناميبيا التي تحظى بثناءات الاستقرار السياسي والنجاح الديمقراطي شهدت إبان انتخاباتها، في آخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، توترات مرتفعة بعد تمديد موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى نهاية الأسبوع بسبب “المخالفات” التي أدت إلى إبطاء التصويت. وبينما أُعلِن، في 3 ديسمبر/كانون الأول 2024، فوز “نتومبو ناندي ندايتواه” من حزب “المنظمة الشعبية لجنوب غرب إفريقيا” (الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال في عام 1990) برئاسة البلاد؛ مما يجعلها أول رئيسة لناميبيا، فقد رفض “الوطنيون المستقلون من أجل التغيير” (حزب المعارضة الرئيسي الذي أسسه “باندوليني إيتولا” في عام 2020) نتائج الانتخابات بسبب مزاعم وقوع ممارسات انتخابية “صارخة لا يمكن إنكارها”.

د- الانتخابات المحلية والتشريعية كنقطة دخول سياسي للهيمنة وبناء المصداقية: تلعب الانتخابات المحلية والإقليمية والتشريعية دورًا حاسمًا في السياسة الإفريقية لإمكاناتها على خلق فرص للأحزاب السياسية. ورغم أن هذه الانتخابات –وخاصة المحلية والإقليمية- تعاني عادةً من انخفاض نسبة المشاركة في التصويت، إلا أنها غالبًا ما تكون مطمع الأحزاب الحاكمة، وخاصة في الدولة الإفريقية التي ترتبط فيها الانتخابات المحلية بالإجراءات التشريعية الوطنية، مثل الدول الفرنكفونية التي يشكل أعضاء مجالسها البلدية جزءًا من الهيئة الانتخابية التي تنتخب المشرعين في البلاد. وهذه الأهمية للانتخابات المحلية والإقليمية تجعل العديد من الزعماء والحكومات يؤجلون عقدها وإجراءها رغم التزاماتها الدستورية(12).

ومن الأمثلة على ما سبق الانتخابات التشريعية (والانتخابات الإقليمية التي أجريت للمرة الأولى) في دولة توغو -التي تحكمها عائلة “غناسينغبي” منذ عام 1967-؛ إذ أمر الرئيس “فوري غناسينغبي” بتأجيل الانتخابات مرتين (وكان التأجيل الثاني غير محدد الأجل)، وذلك بدعوى السماح بإجراء “مشاورات”(13) بشأن محاولة إصلاح دستوري يبدل النظام الرئاسي بنظام برلماني ويضع السلطات التنفيذية في مكتب رئيس الوزراء، ويحل التصويت البرلماني محل الانتخاب المباشر لرئيس البلاد. وفي النهاية عُقِدَت الانتخابات التشريعية والإقليمية، في 29 أبريل/نيسان 2024، بعد انتقادات المعارضة ودعوات للمظاهرات الشعبية، لتكون نتائجها استمرار هيمنة “الاتحاد من أجل الجمهورية” (حزب الرئيس “غناسينغبي”) على البرلمان محتفظًا بقبضة قوية على المشهد السياسي التوغولي(14).

وهناك مثال آخر في الانتخابات البرلمانية لعام 2024 بدولة مدغشقر، والتي عُقِدت بعد بضعة أشهر من إعادة انتخاب الرئيس “أندريه راجولينا” في رئاسيات نوفمبر/تشرين الثاني 2023؛ إذ أسفرت هذه الانتخابات البرلمانية عن بقاء حزب “الشباب الملغاشي ذوي الإرادة” (Tanora Malagasy Vonona = TGV) (بالتعاون مع حزب الرئيس أندري راجولينا “IRMAR”) كأكبر كتلة في الجمعية الوطنية. وكشفت هذه الانتخابات عن الاستقطاب المستمر بين الائتلاف الحاكم للرئيس “راجولينا” وقوى المعارضة، بما في ذلك أنصار “مارك رافالومانانا” (رئيس مدغشقر من 2002 إلى 2009)(15).

جدير بالذكر أن الانتخابات المحلية والتشريعية كانت غالبًا نقطة دخول تبدأ بها جل أحزاب المعارضة هيمنتها الوطنية وتَبْنِي مصداقيتها وثقتها مع السكان المحليين في دول إفريقية مختلفة. ويؤكد على هذا حقيقة أن أحزاب المعارضة والمرشحين المستقلين الذين أدوا نجاحًا باهرًا في الانتخابات الرئاسية منذ عام 2022 بمختلف أنحاء إفريقيا قد حققوا قبل ذلك مكاسب ملحوظة في بعض الدوائر والمناطق في انتخابات دولهم المحلية والبرلمانية. وأبرز مثال على ذلك في السنغال بين عامي 2022 و2024؛ إذ إن فوز حزب المعارضة “الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة” (أو “باستيف” باختصار والذي أسسه موظفون مدنيون شباب بقيادة “عثمان سونكو”) -وتحالفه السياسي “حرروا الشعب” (Yewwi Askan Wi)- بأغلبية المجالس المحلية في الانتخابات المحلية لعام 2022 قد ساعد الحزب وقادته لإطلاق رحلات الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2024(16).

ثانيًا: نتائج انتخابات غير متوقعة: حقبة جديدة من التغيير السياسي؟

لقد أظهرت الانتخابات الإفريقية الأخيرة أنه بالرغم من أنها لا تعني دائمًا تحقيق الديمقراطية، إلا أنها تمثل نقطة تحول مهمة في تقييم فاعلية المؤسسات الحكومية وأداء مسؤوليها والالتزام بالإدماج السياسي وسيادة القانون. وهذه النقطة واضحة في كون نتائج انتخابات جنوب إفريقيا والتوترات التي أعقبت الانتخابات في ناميبيا والعنف في موزمبيق (نتيجة رفض الشباب للنتائج) تؤشر على التراجع الحاد في نسبة الدعم الذي تحظى به الحركات السياسية التي قادت نضالات التحرير؛ إذ هذه الأحزاب المهيمنة على السياسة الوطنية في دولها تشهد انخفاضًا حادًّا في حصصها من الأصوات للمرة الأولى في تاريخها الانتخابي.

وفي حين لا يمكن الجزم بأن حقبة جديدة من التغيير السياسي قد وصلت بمجرد نتيجة الانتخابات الأخيرة، وخاصة باعتبار حالتي الانتخابات في تشاد ورواندا التي تجعل المشاهد السياسية الإفريقية العامة تبدو وكأن شيئًا لم يتغير، إلا أن النتائج غير المتوقعة وظهور وجوه سياسية جديدة نتيجة هذه الانتخابات تشير إلى تحولات جارية في الديناميكيات السياسية الإفريقية؛ إذ أظهرت حالات الانتخابات في السنغال وجنوب إفريقيا وبوتسوانا وغانا وموريشيوس أن الناخبين الشباب كانوا يعبِّرون عن استيائهم من الأنظمة القائمة منذ فترة طويلة، وأنهم يختارون بدلًا منها أحزاب المعارضة أو المرشحين المهمشين سابقًا. وهذه النتائج والاضطرابات الانتخابية في هذه الدول تَحدَّت الأنظمة السياسية الراسخة وكشفت التحول الكبير في أولويات الناخبين، وخاصة في سياقات الإحباطات الناجمة عن الفساد والتحديات الاقتصادية وقضايا الحكم وهي المواضيع نفسها التي أثارت الاحتجاجات والمظاهرات الوطنية الأخيرة التي اجتاحت بعض دول القارة في عام 2024، بما في ذلك احتجاجات رفض مشروع قانون التمويل في كينيا وإنهاء الحكم السيء في نيجيريا ومحاربة الفساد في أوغندا.

وعلى المنوال نفسه، عززت حالات غانا وبوتسوانا والسنغال وموريشيوس سمعة هذه الدول كديمقراطيات إفريقية مستقرة، ونصبتْها كسابقة لقادة آخرين في القارة، مثل رواندا وأوغندا وبوروندي وموزمبيق وجزر القمر وساحل العاج، وغيرهم من زعماء الدول التي أشعلت الخلافات حول تحديد مدة الولاية الرئاسية نقاشات حادة أو حالات من عدم الاستقرار.

وقد أظهرت ردود الأفعال وسلوكيات الناخبين تجاه جميع الانتخابات الأخيرة بإفريقيا أن مشاركة الشباب في العمليات السياسية المعاصرة تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد زيادة عدد الناخبين؛ إذ أصبحت منظمات المجتمع المدني -التي يهيمن عليها الشباب- أكثر أهمية. وكانت النتيجة أن أصبحت الأجيال الشابة تؤثر بشكل متزايد على الخطاب السياسي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، والتكنولوجيا الجديدة، والحركات الشعبية التي تدعو إلى حكومة تمثل أهدافها في الاستقرار والنمو والمساءلة والشفافية.

ويضاف إلى ما سبق أنه رغم حالات التوترات السياسية وعنف ما بعد الانتخابات وتبادل الاتهامات بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة بالإهمال، فقد أظهر العديد من الدول الإفريقية القدرة على الصمود، مع انتقالات سلمية للسلطة واحترام العمليات الديمقراطية. وهناك نقطة أخرى متمثلة في أن بعض الاضطرابات الانتخابية رغم كونها نابعة من مشاعر عامة حقيقية ضد الأحزاب الحاكمة أو مرشحيها، فإن النزاعات حول نزاهة الانتخابات واتهامات تدخل الحكومة لا تزال السبب الرئيسي للتوترات والاضطرابات الأخيرة، مثل حالتي ناميبيا وموزمبيق.

جدير بالذكر أن مما يدفع بالتغييرات السياسية الجارية في القارة تعاقبَ الأزمات المحلية والإقليمية والدولية والتي أدت إلى تلاشي التفاؤل بين العديد من الأفارقة الذين كانت أعمار 60% منهم تحت 25 عامًا، وتراجع دعم بعض المواطنين للأنظمة الديمقراطية والمدنية أو قادتها. وترجح كفة هذه النقطة الموجةُ الأخيرة من الانقلابات العسكرية التي كان بعضها انعكاسًا لعدم الرضا عن الحكم والقيادة وانعدام الأمن؛ إذ إن هذه الانقلابات غالبًا ما يصورها الجنرالات الانقلابيون على أنها محاولات لمعالجة القضايا النظامية التي فشلت الحكومات المدنية في حلها. بل وتُظهر عودة الانقلابات العسكرية نقاط الضعف في المؤسسات الديمقراطية في جميع أنحاء القارة؛ إذ إنه رغم أن الانتخابات هي السمة السائدة للتغيير السياسي، إلا أن التلاعب بهذه الانتخابات أو فشلها في تحقيق فوائد ملموسة يؤديان إلى تقويض الثقة العامة. ومع ذلك، تثير الانقلابات العسكرية أيضًا تساؤلات حول استدامة الأنظمة السياسية الإفريقية ومدى فاعلية القوة العسكرية في تشكيل المستقبل السياسي واستعداد الجيش الحقيقي لتنفيذ مطالب المواطنين وتحقيق طموحاتهم.

خاتمة

بالنظر إلى مختلف الانتخابات الأخيرة ونتائجها، واستنادًا إلى توقع إجراء حوالي 17 دولة إفريقية لانتخابات رئاسية ومحلية وبرلمانية في عام 2025، يمكن القول: إن الحقبة الجديدة من التحولات أو التغييرات السياسية بإفريقيا لا تزال مستمرة وستكون لها آثار متتالية على الدول الإفريقية المختلفة، وإن نتائج الانتخابات غير المتوقعة ستعيد تشكيل التحالفات الإقليمية والسياسات الاقتصادية. وفي حين أن التطورات الأخيرة في القارة تؤكد على أن شباب إفريقيا لم يعد راضيًا عن الجلوس على الهامش، فإن السؤال الآن هو ما إذا كان القادة الجدد ووجوه السياسة الوطنية الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة أو أطاحوا بالأنظمة الديمقراطية سيقدمون أداء أفضل من نظرائهم الذين خسروا الانتخابات أو أزيحوا من سدة الحكم بالقوة العسكرية.

حكيم الادي نجم الدين

مركز الجزيرة للدراسات




بزشكيان: هل يكون غورباتشوف إيران أم يواجه مصير بني صدر؟

يبدو حضور بزشكيان باهتًا مقارنة بحضور ظريف في القضايا الإشكالية، ولكن الواضح أن ثمة “غورباتشوف إيرانيًّا” يتشكل داخل إيران اليوم، وقد يكون جواد ظريف هو الأمهر في ركوب حصان الرئاسة حتى اللحظة للدفع بهذا الاتجاه، ضمن عنوان الإصلاحات التي باتت ضرورية في الاقتصاد والسياسة والتي يرى معارضوه أنها وصفة كاملة للسقوط والانهيار.

بقرار رئاسي جديد لترامب، عادت سياسة الضغط الأقصى على إيران منذرة بعقوبات جديدة تصب في خانة الهدف الرئيسي الذي صُمِّمت من أجله هذه العقوبات وهي شل الاقتصاد الإيراني، والعنوان الرئيسي لذلك هو منع إيران من بيع النفط بصورة كاملة. وبينما تلوِّح إدارة ترامب بعصا العقوبات الغليظة، تتسرب من طهران وخارجها أنباء عن محادثات بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، مع سعي حثيث من قبل “حلقة الفكر” التي تحيط بالرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه إقناع آية الله خامنئي بالموافقة على محادثات مباشرة مع واشنطن.

1
جواد ظريف عرّاب المفاوضات المباشرة مع واشنطن (رويترز)

حلقة الفكر هذه، والتي لن يكون جزافًا وصفها بـ”حلقة ظريف”، تخوص صراعًا بعض جوانبه خفي وبعضها معلن لتعيد الحياة إلى مسار التفاوض مع الغرب أملًا باتفاق يفتح صفحة جديدة من العلاقات ويحقق لإيران مزايا اقتصادية تحتاجها بصورة ماسَّة. وإذ يدرك جواد ظريف مأزق الحال في إيران والضغط الاقتصادي الذي بات يهدد حياة الناس، فهو يجيد تحريك هذه الورقة في وجه خصومه الذين يتربصون به، ولم تعد الضحكة الرنانة أو الابتسامة التي رافقت مسيرة جواد ظريف خلال شغله لمنصب وزارة الخارجية في عهد روحاني حاضرة في أحاديثه ولقاءاته، وكأن الرجل نزع قناعًا واستعاض عنه بآخر لا يضحك لرغيف خصومه في التيار الأصولي حتى لو كان ساخنًا.

أثر العقوبات

العقوبات التي فُرضت على إيران، في أوائل عام 2012، حدَّت بشكل كبير من وصول البلاد إلى النظام المالي الدولي. كما تم فرض عقوبات شديدة على صادرات النفط والبتروكيماويات، وتم تقييد استيراد السلع الوسيطة إلى البلاد. وتنوعت هذه التأثيرات الكلية وغير المتجانسة لهذه العقوبات على الاقتصاد الإيراني ومعيشة الأسر الإيرانية. ورغم الجدال الذي حدث خلال المناظرات في الانتخابات الرئاسية الإيرانية والتي قلَّلت من أثر العقوبات، إلا أن دراسة هذه القضية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية يقول بغير ذلك.

كان للعقوبات على إيران تأثيران أساسيان على الاقتصاد الإيراني؛ الأول هو تأثير التدمير قصير المدى، والثاني هو تأثير منع النمو الاقتصادي على المدى الطويل. حدث تأثير التدمير الاقتصادي في السنوات الأولى؛ مما أدى إلى انهيار العديد من العلاقات الاقتصادية المهيكلة لإيران مع العالم، وحرمان الاقتصاد الإيراني من العديد من الفوائد الناتجة عن العلاقات الدولية، مثل الصادرات، والواردات، والعلاقات العلمية، والفوائد التقنية، والاستثمارات الأجنبية، ومبيعات النفط وغيرها، بالإضافة إلى تعطيل العلاقات المصرفية والمالية.

هذا التأثير فرض تكاليف باهظة؛ حيث بلغت عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا في قطاع الإنتاج الوطني وحده، وكان التأثير في القطاعات الأخرى أكبر بكثير. نتيجة لهذه العقوبات، تعرض الاقتصاد لضربة شديدة في السنوات الأولى نفسها؛ مما أدى إلى انخفاض النمو الاقتصادي إلى -8٪ فيما تُظهر إحصائيات أخرى نموًّا سلبيًّا يصل إلى -13٪.

بعد رفع العقوبات نتيجة توقيع الاتفاق النووي، تم التغلب على هذا التأثير، وارتفع النمو الاقتصادي الإيراني بين عامي 2015 ومنتصف 2017، ليصل إلى +14٪.

وعندما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في عام 2018، تعرض الاقتصاد لضربة حادة، وانخفض النمو الاقتصادي مرة أخرى. كما أدى حظر المعاملات بالدولار مع إيران، والذي اضطرت جميع الدول للامتثال له، إلى ارتفاع سعر الدولار، وزيادة التضخم في إيران بشكل كبير؛ مما تسبب في مشاكل اقتصادية كبيرة. تُظهر الدراسات أن تأثير تدمير العلاقات الاقتصادية والبنية الاقتصادية يستغرق عادةً ما بين 2 إلى 4 سنوات، وبعد ذلك يواصل الاقتصاد مساره ولكن بوتيرة أضعف.

حدث ذلك أول مرة بين عامي 2011 و2013، ثم مرة أخرى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018-2019. ومع ذلك، فإن التأثير الثاني للعقوبات، الذي بدأ منذ 2011 وتجدد في 2018، والمتمثل في منع إعادة الاستفادة من العلاقات الاقتصادية السابقة أو استبدال علاقات جديدة بها، لا يزال مستمرًّا. وهذا يشمل العثور على شركاء تجاريين جدد، والاستفادة من العلاقات مع بعض الدول الأخرى.

قاد ذلك كله إلى تباطؤ توسع العلاقات الاقتصادية والحد من الاستفادة من العلاقات الخارجية المفيدة للاقتصاد. وهو ما يكلف الاقتصاد الإيراني أكثر من 20 مليار دولار سنويًّا في مجال الصادرات والواردات؛ مما ينعكس سلبيًّا على الإنتاج والمعيشة العامة وفق تقارير نشرها عدد من الصحف الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يتسبب في مشاكل اقتصادية أخرى، مثل هروب رؤوس الأموال التي تقدر بمليارات الدولارات سنويًّا، إلى جانب هجرة العقول والكفاءات البشرية التي لا تقل أهمية.

تقول التجارب العالمية أن لا دولة تعرضت لعقوبات اقتصادية ومالية استطاعت تجنب تأثيراتها وأنها عانت دون استثناء من أضرار جسيمة، بما في ذلك انخفاض النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم. ويفصِّل كتاب صادر عن جامعة ستانفورد، في 2024، ويحمل عنوان “كيف تعمل العقوبات ..إيران وتأثيرات الحرب الاقتصادية” في تأثير العقوبات على إيران.

تحد العقوبات من نمو الاقتصاد الإيراني وتمنعه من تحقيق معدل نمو يتناسب مع إمكانياته، وبالتالي يحرم البلاد من إمكانية تحقيق نمو اقتصادي مستدام وعالٍ. ولكن، عندما يتراجع الضغط الناجم عن العقوبات، يحدث نمو اقتصادي محدود، كما شوهد في أواخر حكومة الرئيس الثاني عشر (روحاني) وأوائل حكومة الرئيس الثالث عشر (إبراهيم رئيسي)، عندما عاد النمو الاقتصادي إلى أرقام إيجابية.

وبالنسبة لنمو الاقتصاد الإيراني منذ عام 2020 فصاعدًا، يُرجعه التيار الأصولي إلى سياسة تحييد العقوبات التي انتهجتها حكومة الرئيس الراحل، إبراهيم رئيسي، فيما يجادل الإصلاحيون وفي مقدمتهم ظريف بأن ذلك لأن واشنطن أَرْخَت الحبل قليلًا، ويرون أن الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة أظهر ميلًا أقل نحو تصعيد العقوبات ضد إيران، ويُرجعون ذلك جزئيًّا إلى تأثير بعض جماعات الضغط الإيرانية داخل هذا الحزب. وبالتالي، وعندما تولى الديمقراطيون الحكم في أواخر عام 2020، خفَّت حدة بعض الضغوط؛ مما سمح لإيران بزيادة مبيعاتها النفطية تدريجيًّا، وتحقيق نمو اقتصادي إيجابي. وبلغ معدل النمو في ذلك العام حوالي 3.55%، وتجاوز 4% في عام 2021، ولا يزال عند مستويات مماثلة حتى الآن.

تشير البيانات الرسمية إلى أن الجزء الأكبر من النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة (من 2020 فصاعدًا) كان نتيجة لتخفيف الضغط الناتج عن العقوبات وزيادة مبيعات النفط، بالإضافة إلى استئناف بعض القدرات الإنتاجية التي تعطلت خلال جائحة كورونا، وإقامة علاقات اقتصادية جديدة مع الخارج. ومع ذلك، إذا تصاعدت الضغوط مرة أخرى وانخفضت مبيعات النفط، فمن المرجح أن يعود النمو الاقتصادي إلى المنطقة السلبية.

وكما كان وصول الرئيس الجمهوري، ترامب، إلى السلطة قد أدى إلى تشديد العقوبات، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وانخفاض مبيعات النفط الإيرانية، وتراجع العلاقات الاقتصادية الخارجية، مما تسبب في انخفاض معدل النمو الاقتصادي إلى -4%، فإن استمرار العقوبات أو تشديدها يحمل نفس الخطر على الاقتصاد الإيراني.

ويتهم هذا الفريق الطرف الذي يقول بقدرة الاقتصاد الإيراني على تحقيق نمو مرتفع ومستدام رغم العقوبات والعلاقات الخارجية المتوترة، بأن أصحابه إما يفتقرون إلى المعرفة بالاقتصاد الإيراني وعلم الاقتصاد عمومًا، أو أنهم غير مهتمين برفع العقوبات وتحقيق الانفراج الاقتصادي، أو أنهم يروِّجون لهذه الادعاءات غير العلمية وغير المهنية بدوافع وأغراض أخرى، ويطلقون عليهم “المتكسبون من العقوبات”. وهي العقلية التي أدت بين عامي 2009 و2011 إلى إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي وفرض عقوبات على البلاد، ولا تزال اليوم تسهم في استمرار هذه العقوبات.

مؤخرًا، نشرت صحيفة اعتماد تحليلًا تحدَّث عن مجمل الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات؛ حيث انتقد سعيد رضا عاملي رناني، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثورة الثقافية وعميد كلية الدراسات الدولية بجامعة طهران، الأضرار التي سبَّبتها العقوبات على البلاد في برنامج إخباري بُثَّ على وسائل الإعلام الوطنية، وقال: “بلغ حجم هذه الأضرار 1.2 تريليون دولار منذ عام 2012، وقد لحقت هذه الأضرار في المقام الأول بالشعب الإيراني، ومن ذلك الأدوية التي شملتها العقوبات”.

وسبق لحسين سلاح فرزي، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية، أن أكد أن العقوبات تسببت في خسائر لإيران بلغت 1.2 تريليون دولار. وقال تقرير الصحيفة: إذا أخذنا التصريحات الأخيرة للأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثورة الثقافية كمعيار، والتي بُثَّت في الإذاعة والتليفزيون الإيرانيين، فسنجد رقمًا فلكيًّا ضخمًا وهو 100.800.000.000.000.000 تومان (بسعر الدولار الحالي)، أو بمعنى آخر 100.800 ألف مليار تومان، وهو “رقم مذهل حتى للقراءة”، كما تقول الصحيفة. وفي المحصلة، فهذا الرقم يعني أن كل إيراني خسر مليارًا و185 مليون تومان بسبب العقوبات.

جيوسياسيًّا: لا شيء يسير على ما يرام

يمتزج التحدي الاقتصادي بالتحديات الجيوسياسية إقليميًّا ودوليًّا، والتي يشكِّل بعضها تهديدًا للجمهورية الإسلامية:

  • العزلة التي فرضتها العقوبات فالعزلة الاقتصادية فرضت عزلة نسبية على إيران في النظام المالي العالمي، وانعكس ذلك على الجانب السياسي. ورغم بعض الاختراقات هنا وهناك، ومن ذلك الاتفاقية الإستراتيجية مع الصين وكذلك الاتفاقية الإستراتيجية مع روسيا، والانضمام إلى منظمة شنغهاي، إلا أن ذلك لم يُحدث تحسنًا ملحوظًا في مواجهة العقوبات.
  • أزمة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب، وهي أزمة عميقة وقديمة خاصة فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، وفي وقت ينافح ظريف عن الفكرة التي سادت في عهد روحاني بأن مشاكل إيران لا تُحل إلا بتحسين العلاقة مع واشنطن، يرد معارضو هذا التوجه بأن التجربة خير برهان على خطورة الثقة بالجانب الغربي ويذكِّرون ظريف بأن أميركا هي التي انسحبت من الاتفاق النووي الذي يباهي به، وأن الغرب عجز عن الوفاء بالتزاماته تجاه الاتفاق. ويمسك وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، العصا من المنتصف، ويؤكد أن المشكلة مع الولايات المتحدة الأميركية جذرية وليس من السهل حلها، لكن يمكن إدارة الخلاف والوصول إلى حل في بعض الملفات.
  • يرتبط الملف السابق بقضية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، والذي تعتبره الجمهورية الإسلامية تهديدًا إستراتيجيًّا لإيران.
  • الإقليم وأزماته: شكَّل سقوط النظام في سوريا ووصول المجموعات التي تحمل عداء واضحًا لإيران إلى السلطة ضربة إستراتيجية لنفوذ إيران الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته أعادت النقاش الداخلي بخصوص أيهما يكون صاحب الكلمة في الملفات المهمة: الدبلوماسية أم الميدان؟ مع دعوة إلى إعادة تعريف العلاقة مع محور المقاومة ضمن المصالح الإستراتيجية لإيران، وهو ما تدعو إليه حلقة ظريف الذي سبق واختلف بصورة جذرية مع قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، بخصوص هذه القضية وكيفية إدارة الملف السوري.
  • عادت العلاقات بين السعودية وإيران، لكن ذلك لم يُنهِ الصراع والتنافس، وفيما خرجت إيران من سوريا بعد سقوط نظام الأسد، بدا أن السعودية تتصدر قائمة الدول المستفيدة من الحالة الجديدة، ولا يمكن عزل التنافس على الزعامة الإقليمية وتأثيراته على السياسة في مناطق مثل العراق وسوريا واليمن.
  • إسرائيل: دفع طوفان الأقصى، وما أعقب ذلك من عدوان على غزة، نحو معادلات جديدة في الصراع بين إيران وإسرائيل، ومع الضربات التي نفذتها إيران ضد إسرائيل وأخذت اسم “الوعد الصادق 1” و”الوعد الصادق 2″، تعززت النظرة الإسرائيلية إلى إيران كتهديد إستراتيجي لها. صحيح أن إسرائيل فشلت في جرِّ إيران إلى حرب مفتوحة تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها، لكنها ما زالت تسعى إلى توجيه ضربة للبرنامج النووي الإيراني تسهم فيها واشنطن أو تباركها.
  • الساحة الداخلية: واجهت إيران خلال السنوات الماضية عددًا من التحديات الأمنية الداخلية، ومن ذلك الاحتجاجات التي تأخذ وجوهًا اجتماعية وسياسية ومعيشية اقتصادية.

التفاوض: هل يكون مباشرًا؟

يتصدر جواد ظريف عنوان الحديث عن المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، ويبدو أنه أخذ على عاتقه مهمة الدفع باتجاه تغيير موقف آية الله خامنئي الرافض لمحادثات مباشرة مع الولايات المتحدة. في تصريحاته في “دافوس”، صبَّ ظريف وقودًا على نار الخلاف بشأن هذه القضية، لكن النبرة التي تحدث بها كانت تهدف إلى رفع مستوى الأخذ والرد داخل مؤسسات صنع القرار حتى لو ارتبط ذلك بدعوات محاكمته وعزله، خاصة أن الغرب الذي يندفع نحوه ظريف لا يتوقف عن الدعوة إلى الإطاحة بالنظام الذي يؤكد أنه مؤمن به وملتزم بالدفاع عنه. في ورقة نشرها مركز الجزيرة للدراسات، خلص مجتبى فردوسي بور، المسؤول في الخارجية الإيرانية، إلى أن إيران تبدو مستعدة لوضع خيار المفاوضات المباشرة على جدول أعمال دبلوماسيتها الرسمية إذا ما ضمنت حماية مصالحها الوطنية. ومع ذلك، يبقى القرار النهائي مرهونًا بتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة ومدى جديتها في تحقيق تفاهمات حقيقية.

وفي الحديث عن المفاوضات، جرى النظر إلى اللقاء الذي جمع بين إيلون ماسك وسفير إيران لدى الأمم المتحدة، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بناءً على طلب دونالد ترامب، بأنه “اختبار” لإمكانية الحوار بين واشنطن وطهران. وقد أصر ماسك على إبقاء الاجتماع طي الكتمان، ونفت إيران حدوث الاجتماع من أساسه. لكن الوقائع تشير إلى أن المحادثات استمرت من خلال شخصيات سياسية ورجال أعمال. وتقول التقارير: إن ترامب أبدى استعدادًا لتخفيف العقوبات، لكنه يطالب بتفتيش أكثر صرامة على المنشآت النووية الإيرانية وفرض قيود على قدرات الإنتاج الطاقوي.

خلاصة

تحتاج إيران اليوم إلى تبنِّي إستراتيجيات دبلوماسية معقدة للتعامل مع ملفات التصعيد الملتهبة. وداخليًّا، يبدو حضور بزشكيان باهتًا مقارنة بحضور ظريف في القضايا الإشكالية المتعلقة بهذه الملفات، ولكن الواضح أن ثمة “غورباتشوف إيرانيًّا” يتشكل داخل إيران اليوم، وقد يكون جواد ظريف هو الأمهر في ركوب حصان الرئاسة حتى اللحظة للدفع بهذا الاتجاه، ضمن عنوان الإصلاحات التي باتت ضرورية في الاقتصاد والسياسة والتي يرى معارضوه أنها وصفة كاملة للسقوط والانهيار. وفي وقت تتعالى الاحتجاجات والأصوات المطالبة بـ”محاكمة ظريف وعزله”، يصمت القائد الأعلى في إيران تجاه مصير الرجل، لكنه سبق وأرسل له رسائل لاذعة دون أي يذكره بالاسم ومنها تلك التي جاءت خلال المنافسات الانتخابية التي سبقت فوز بزشكيان. قد تكون عوامل كثيرة تجعل من استحضار تجربة غورباتشوف أمرًا وجيهًا، لكن الساحة الإيرانية قد تشهد تكرارا لتجربة بني صدر. ورغم أن المؤسسات، وفي مقدمتها مؤسسة القيادة العليا ومؤسسة الحرس، لا تفضل صدامًا مع الرئيس وحلقته الفكرية تكون تبعاته ثقيلة على إيران كدولة، لكنها مدفوعة بهاجس الحفاظ على هوية الجمهورية الإسلامية قد تلجأ إلى الخيار الصعب.

فاطمة الصمادي

مركز الجزيرة للدراسات