1

مذبحة قتل إسرائيل للصحافيين في غزة هي الأسوأ في تاريخ الصحافة

كشفت دراسة لجامعة براون الأمريكية أن الحرب في غزة هي الأسوأ على الصحافيين. واتهم تقرير إسرائيل بأنها تخوض “حربا لا هوادة على المراسلين الصحافيين”.

وفي تقرير أعده جون هالتيوانغر نشره في مجلة “فورين بوليسي” أشار فيه إلى أن الحرب التي بدأت في عزة بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر قتل صحافيين وعاملين في مجال الإعلام أكثر مما قتل أثناء الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام وحروب يوغسلافييا ومرحلة ما بعد هجمات 9/11 والحرب في أفغانستان، مجموعة وليس كل حرب على حدة. وحتى 26 آذار/مارس، ذكر تقرير أعده برنامج “ثمن الحرب” في جامعة براون أن عدد الصحافيين والإعلاميين الذين قتلوا في الحرب المستمرة منذ عام ونصف وصل إلى 232 صحافيا وعاملا إعلاميا.

 وبالمقارنة، يذكر التقرير أن 69 صحافيا قتلوا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقتل 19 صحافيا في أوكرانيا منذ أن شنت روسيا غزوها الشامل عام 2022.

ويقول التقرير عن حرب غزة: “إنها، بكل بساطة، أسوأ صراع على الإطلاق للصحافيين”، متهما الحكومة الإسرائيلية بشن “حرب لا هوادة فيها على الصحافة”. وتتفاوت تقديرات عدد الصحافيين الذين قتلوا في غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فقد استند موقع “ثمن الحرب” في إحصاءاته إلى تحقيق أجرته قناة الجزيرة وتحديثات حديثة من لجنة حماية الصحفيين. إلا أن اللجنة ذكرت على موقعها الإلكتروني عددا إجماليا أقل، حيث ذكرت أن “173 صحفيا وعاملا إعلاميا على الأقل” قتلوا حتى 31 آذار/مارس. وتعتبر الغالبية العظمى من الصحافيين والإعلاميين القتلى من العاملين المحليين في القطاع.

وذكر التقرير أنه في الأسبوع الماضي، قتل صحفيان فلسطينيان وهما حسام شبات ومحمد منصور في غارات جوية إسرائيلية على القطاع. وزعمت إسرائيل في عدد من الحالات أن الصحافيين القتلى كانوا على علاقة مع جماعات مسلحة في غزة وبخاصة حماس أو أعضاء فيها. إلا أن لجنة حماية الصحافيين رفضت هذه الادعاءات.

ودعت اللجنة إسرائيل إلى “التوقف عن الادعاءات التي لا تقوم على أدلة وأن الصحافيين الذين قتلوا على يد قواتها هم إرهابيون أو منخرطون في أنشطة مسلحة، وتطالب بتحقيقات دولية سريعة ومستقلة في عمليات القتل هذه”.

وقد أعربت اللجنة ومنظمات أخرى، مثل منظمة مراسلون بلا حدود، التي تقدر عدد الصحافيين الذين قتلوا في غزة بنحو 200 صحافيا، عن مخاوفها من أن إسرائيل استهدفت الصحافيين عمدا، وهو ما يعد جريمة حرب، وأنها تفعل ذلك بدون خوف من المحاسبة أو العقاب.

ذكر تقرير أعده برنامج “ثمن الحرب” في جامعة براون أن عدد العاملين في الإعلام الذين قتلوا غزة من في الحرب المستمرة منذ عام ونصف وصل إلى 232  بالمقارنة قُتل 69 صحافيا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية

وفي بيان صدر الأسبوع الماضي، دعت منظمة مراسلون بلا حدود المجتمع الدولي إلى “الضغط بشكل عاجل على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء مجزرة الصحافيين الفلسطينيين”. كما أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم إزاء “الأعداد الكبيرة للغاية من الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام الذين قتلوا، واعتدي عليهم وجرحوا واعتقلوا” في غزة. و

وذكر التقرير أن الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف الصحافيين عمدا. وأن وزارة الدفاع الإسرائيلية لم ترد فورا على طلب التعليق. ومنعت إسرائيل الصحافيين الأجانب من العمل في غزة او الوصول إليها، إلا في حالات نادرة. مع ان المؤسسات الإخبارية والصحافيين حول العالم إسرائيل حثوا إسرائيل على السماح لوسائل الإعلام الأجنبية بدخول غزة، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، حيث بررت الحكومة الإسرائيلية هذه السياسة الصارمة بأسباب أمنية. ويذكر تقرير “ثمن الحرب” هذا المنع قائلا: “لقد منعت إسرائيل المراسلين الأجانب المستقلين من دخول غزة، بينما قتلت صحافيين محليين بأعداد قياسية، ودون أي عواقب”. ويعتبر مشروع “ثمن الحرب” مبادرة بحثية غير متحزبة تابعة لمعهد واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون، تركز على التكاليف المباشرة وغير المباشرة لجهود مكافحة الإرهاب الأمريكية.

وقد راقب المشروع عن كثب المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل. على الرغم من أن وضع الصحافيين في غزة حرج للغاية، إلا أن تقرير “ثمن الحرب” حذر من تزايد المخاطر التي يتعرض لها العاملون في مجال الصحافة حول العالم. وأشار التقرير إلى أن “التهديدات التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع تتزايد في وقت تتعرض فيه الصحافة لتهديد غير مسبوق، ويغرق قطاع الأخبار في دوامة هبوط مستمر منذ عقود”. وحذر التقرير من أن الجماعات الإرهابية والحكومات الوطنية تسعى جاهدة إلى “تقليص تغطية النزاعات”، بما في ذلك من خلال الهجمات المسلحة. وقد أدى ذلك إلى ما يطلق عليه التقرير “مقابر الأخبار” في مناطق النزاع.  وتوصلت لجنة حماية الصحافيين  إلى نفس النتائج، وذكرت قبل فترة أن ما لا يقل عن 124 صحافيا حول العالم في عام 2024، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة غير الربحية في عام واحد منذ أن بدأت جمع البيانات قبل أكثر من ثلاثة عقود. ووفقا للمجموعة، فإن ما يقرب من ثلثي هؤلاء الصحافيين كانوا صحافيين فلسطينيين قتلتهم إسرائيل.

وقالت اللجنة: “تشير جميع عمليات القتل التي وقعت في عام 2024 إلى تزايد المخاطر التي يواجهها الصحافيون والعاملون في وسائل الإعلام، وما يشكله ذلك من تهديد لتدفق المعلومات في جميع أنحاء العالم”.

وفي الوقت نفسه، دعا برنامج “ثمن الحرب” إلى “جهد عالمي لمساعدة الصحافيين” ومواجهة “التهديد العالمي لمنظومة المعلومات”.

وأكد على “أن المعلومات الموثوقة ضرورية في مناطق النزاع من أجل السكان المحليين، وهي ضرورية لتوعية العالم بالقوى التي تقف وراء الحروب والثمن الذي يدفعه المدنيون” و”من غير المقبول أن يدفع الصحافيون، ومعظمهم من المراسلين المحليين، حياتهم ثمنا للقيام بهذا العمل الحيوي”.

مجلة فورين بوليسي

ترجمة ابراهيم درويش




واشنطن بوست: تنمّر ترامب على مؤيدي فلسطين لا يحمي اليهود.. وصمت رابطة مكافحة التشهير يقوّض مصداقيتها

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للصحافي مات باي قال فيه إنه كثيرا ما يقال إن حماية الحريات الأساسية تكون في غاية الأهمية عندما يصعب تحقيقها. وتزداد أهميتها بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أشخاص قد نعتبر نظرتهم للعالم بغيضة أو حتى مهددة.

وأضاف كاتب المقال: “ولهذا السبب شعرت بخيبة أمل تجاه رابطة مكافحة التشهير وزعيمها، جوناثان غرينبلات، الذي أعرفه منذ عقود. تعتقد رابطة مكافحة التشهير أنها تحمي اليهود الأمريكيين بالتزامها الصمت خلال حملة إدارة ترامب الوحشية ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين. الأمر ليس كذلك، ومن يملك فهما للتاريخ يدرك ذلك”.

وأشار باي إلى أنه عندما اعتقلت سلطات الهجرة الشهر الماضي محمود خليل، أحد قادة الاحتجاجات الطلابية في جامعة كولومبيا، أصدرت رابطة مكافحة التشهير بيانا قالت فيه إنها تدعم “الجهود الجريئة”، التي يبذلها ترامب لقمع معاداة السامية في الحرم الجامعي. وأشار البيان إلى ضرورة اتباع الإجراءات القانونية الواجبة – رغم أن هذه الإجراءات، كما اتضح، تضمنت ترحيل خليل خارج الولاية قبل أن يحصل حتى على جلسة استماع.

تعتقد رابطة مكافحة التشهير أنها تحمي اليهود الأمريكيين بالتزامها الصمت خلال حملة إدارة ترامب الوحشية ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين. الأمر ليس كذلك، ومن يملك فهما للتاريخ يدرك ذلك

وذكر أنه تبع ذلك المزيد من الاعتقالات. في جامعة جورج تاون، تعرّض بدر خان سوري، وهو زميل ما بعد الدكتوراه من أصول هندية، للاختطاف من منزله قرابة منتصف الليل على يد عناصر ملثمين. ويُرجَّح أن يكون السبب وراء ذلك هو كون زوجته، وهي مواطنة أمريكية، ابنة شخصية سياسية فلسطينية. في المقابل، تزعم وزارة الخارجية أن سوري كان يروّج لدعاية مؤيدة لحماس.

وفي الأسبوع الماضي، اختطف عناصر ملثمون روميساء أوزتيرك، وهي باحثة تركية حاصلة على منحة فولبرايت وطالبة دكتوراه في جامعة تافتس، من أحد شوارع إحدى ضواحي بوسطن. وعلى حد علم الجميع، كانت جريمة أوزتورك هي التوقيع على مقال رأي في صحيفة تافتس ديلي الطلابية اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.

ولفت الكاتب إلى أنه لم يصدر عن رابطة مكافحة التشهير أي رد فعل رسمي على كل ذلك.

وأشار إلى أن ما جرى لطالبة جامعة تافتس ترك أثره الكبير عليه، وبخاصة أنها مسجلة في فيديو مروع. وكان يجب أن تؤثر على غرينبلات الذي نشأ والكاتب في نفس المدينة بولاية كونيتيكت، وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتداخل عملهما كمحررين للصحيفة الأسبوعية بجامعة تافتس.
وأوضح أن غرينبلات كان محررا لمقالات الرأي، ورغم النقاشات الحادة بينهما حول الآراء التحريرية للصحيفة، لم يكن هناك شك قط في أن نشر الآراء المسيئة وتسهيل النقاشات داخل الحرم الجامعي كانت جزءا من عملنا.

وأشار إلى أن غرينبلات انتقد معاداة السامية في جدل جامعي شمل أمة الإسلام في عام 1992، بعد تخرج الكاتب. في تلك الحالة، كما ذكرت صحيفة “فوروارد” العام الماضي، دافع بحزم عن حق المتحدث المُسيء في عرض قضيته.

وقال: “أنا متأكد من أن غرينبلات يتذكر الحي الذي اختطفت فيه أوزتيرك في سومرفيل، ماساتشوستس، بوضوح مثلي. ويعلم أن مقالها، الذي كتبته مع عدد من الطلاب الآخرين، كان ضمن حدود النقاش الجامعي الاعتيادي. ويعلم أن العديد من مقالات الرأي التي ينشرها طلاب جامعة تافتس تثير الفتنة، لكن لا يفترض أن تؤدي إلى سحب تأشيرة الطالب وإلقائه في مركز احتجاز في لويزيانا”.

وأكد أن غرينبلات على دراية بكل هذه التطورات، ومع ذلك، لم تتخذ رابطة مكافحة التشهير أي موقف حتى الآن. بل قدّمت موافقة حذرة باسم اليهود الأمريكيين، في وقت تنزلق فيه البلاد نحو نزعة قومية خارجة عن القانون.

وأشار إلى ما وصفه بازدواجية المعايير في الجامعات، حيث يُسمح لجميع الجماعات بالتعبير عن مواقفها، باستثناء اليهود، وفقًا لزعمه. لكنه شدد على أن علاج هذه الازدواجية لا يكون بالانضمام إلى صفوف المجموعات المحمية التي ترفض أي تحدٍّ لرؤيتها للعالم، وكأن جوهر الحرم الجامعي لا يقوم أساسًا على مثل هذه النقاشات. بل يكمن الحل، برأيه، في الدفاع بقوة عن حق الجميع في حرية التعبير، حتى وإن كان جارحًا، طالما أنه لا يصل إلى حدّ التهديد بالعنف.

وقال: “إن الدفاع علنا عن الطلاب اليهود الذين يشعرون بأن أصواتهم مكمّمة في الحرم الجامعي، بينما يتم في الوقت نفسه تأييد أو تجاهل اعتقال المهاجرين بسبب آرائهم المخالفة، ليس مجرد تصرف غير أمريكي؛ بل إنه يُشكّل أيضا إهانة للقيمة اليهودية الجوهرية للنقاش الفكري، ويعكس افتقارا مؤلمًا للفهم التاريخي”.

الدفاع علنا عن الطلاب اليهود الذين يشعرون بأن أصواتهم مكمّمة في الحرم الجامعي، بينما يتم في الوقت نفسه تأييد أو تجاهل اعتقال المهاجرين بسبب آرائهم المخالفة، ليس مجرد تصرف غير أمريكي؛ بل إنه يُشكّل أيضا إهانة للقيمة اليهودية الجوهرية للنقاش الفكري

وتساءل الكاتب إن كان هناك لحظة تاريخية استفاد فيها اليهود في أي مكان من مزيج من القومية المتفشية والقمع، مشيرا إلى أن البحث عن مثل تلك اللحظة سيطول.

وأوضح أن هذه هي مشكلته الأساسية مع تصريحات غرينبلات ورابطة مكافحة التشهير، أو بالأحرى، مع صمتهما حتى الآن. فلا يمكن لأي جهة أن تدّعي أنها منظمة حقوق مدنية في الولايات المتحدة اليوم – فضلًا عن كونها منظمة تدافع عن أقلية تعرّضت للاضطهاد الوحشي في جميع أنحاء العالم – بينما تلتزم الصمت حيال الترحيل القاسي وغير القانوني للأجانب لمجرد أن آراؤهم لا تتماشى مع السائد. أو بالأحرى، يمكنها أن تفعل ذلك، ولكن لا ينبغي لأحد أن يأخذها على محمل الجد عندما تتذمر من التهديدات التي تطال حرية التعبير.

وشدد على أن الفكرة الأمريكية تمر بلحظة وجودية حاسمة، موجهًا خطابه إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، ومؤكدًا أن “أمريكا ليست مجرد مكان، بل فكرة”. وأوضح أن كبرى الشركات القانونية تستسلم لليأس، وأن أكثر المؤسسات الإعلامية شهرة باتت تمالئ الرئيس. وأضاف أن أمريكا استنفدت كل احتياطاتها، محذرا من أن اليهود الأمريكيين لا ينبغي لهم الشعور بالرضا لمجرد أن سهام القومية البيضاء لم تصبهم بعد.

لفت الكاتب إلى بيان منظمة “جيه ستريت”، وهي جماعة أخرى تدافع عن حقوق اليهود الأمريكيين، الذي صدر الأسبوع الماضي، وجاء فيه: “يبدو أن الإدارة عازمة على تدمير كل ما جعل هذا البلد موطنًا آمنًا ومرحّبًا باليهود الأمريكيين لأجيال”. وأعرب عن تأييده لهذا الرأي، مشددًا على أن رابطة مكافحة التشهير ينبغي أن تشاركه هذا الموقف أيضًا.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




باستبداله رئيس “الشاباك”.. نتنياهو: لمَ لا أتلاعب بائتلافي وأضلل أعدائي وسط فوضى عامة؟

ظاهراً، أعلن نتنياهو أمس عن قراره تولي إيلي شاربيت، قائد سلاح البحرية سابقاً، لمنصب رئيس “الشاباك” التالي. وذلك رغم أن الالتماسات التي رفعت إلى محكمة العدل العليا ضد إقالة رئيس الجهاز الحالي رونين بار، لن تبحث إلا في 8 نيسان. عملياً، فعّل نتنياهو آلية الفوضى المتماثلة معه من جديد.

لا يدور الحديث عن تعيين وظيفي ولا عن تعيين تحركه اعتبارات مهنية أو يجري بنية طيبة. بل عن مناورة سياسية تضع كل اللاعبين في الساحة في وضعية متعذرة.

هكذا هو نتنياهو: بجرة إعلان واحد ينجح في لذع المؤسسات التي يصطدم بها – محكمة العدل العليا، المستشارة القانونية للحكومة، رئيس “الشاباك” المنصرف – وفي الوقت نفسه يحشر المعارضة وحركة الاحتجاج في فخ. فهو يقترح مرشحاً معقولاً، تماثل حتى مع الاحتجاج ضد الانقلاب النظامي، أغلب الظن كي يعترض رفاقه في الائتلاف على التعيين.

هكذا يعلق أناس الاحتجاج والمعارضة في معضلة: هل سيدافعون عن شاربيت كونه يتعرض للهجوم على تأييده للاحتجاج أم يعترض على التعيين لأنه جاء استفزازاً للإجراء القضائي الذي لا يزال يجري في موضوع إقالة بار – وكل هذا على خلفية تحقيق “قطر غيت”، الذي تسارع أمس، حين اعتقل يونتان اوريخ وايلي فيلدشتاين ونتنياهو نفسه استدعي للإدلاء بإفادته.

من اللحظة التي نشر فيها البيان عن التعيين، كان يمكن لنتنياهو أن يرتاح في كرسيه ويستمتع بردود الفعل العاصفة من كل نحو وصوب. أفادت حركة جودة الحكم، إحدى الجهات التي رفعت التماسا ضد إقالة بار، بأن نشر البيان عن تعيين شاربيت قبل أسبوع من البحث في الالتماسات يشكل “محاولة لتثبيت حقائق على الأرض”. بالتوازي، أناس المركز السياسي ومعظمهم جنرالات سابقون، استعرضوا انعدام فهمهم السياسي حين أغدقوا ثناء على التعيين في ظل تحفظ فني صرف على الخطوة – وبذلك سوغوا تجاهل نتنياهو للإجراء القضائي.

لكن “إنجاز” نتنياهو الحقيقي يكمن في قدرته على تفعيل اليمين في صالح الفوضى العامة. نواب في الائتلاف هاجموه على التعيين بسبب مواقف شاربيت في الماضي ضد المس بجهاز القضاء. وزير التراث عميحاي إلياهو، غرد ضد “الفكر الكابلاني” لشاربيت، وتوجهت النائبة تالي غوتليف، بأسلوبها المميز، إلى نتنياهو في شريط مسجل: “سيدي رئيس الوزراء، من يهمس في أذنك؟”. عقب ذلك، مورس ضغط في الليكود ومحيط نتنياهو بأن يتراجع عن قراره، ويتعاظم في الساحة السياسية تقدير بإلغاء التعيين بالفعل، وهو ما كان هدفه منذ البداية.

محظور السماح لمخادعات نتنياهو بأن تخفي الجوهر: محكمة العدل العليا ملزمة بمنع تغيير رئيس “الشاباك”، قبل استنفاد التحقيق المتفرع في قضية “قطر غيت”.

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




جامعة هارفارد ألغت شراكة مع جامعة فلسطينية وقبلت بتعريف للهولوكوست ومع ذلك هددها ترامب

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده فيرمال باتل، قال فيه إن أساتذة جامعة هارفارد أغنى جامعة في العالم طلبوا من جامعتهم مقاومة دونالد ترامب، واليوم يهدد بسحب مليارات الدولارات منها.

 وقال إن هارفارد حاولت التوصل لتسوية وسط الضغوط عليها لمكافحة معاداة السامية، لكن إدارة ترامب قررت فحص الدعم لها، مهما كان الأمر.

وأضاف أن إدارة ترامب حولت وعودها الانتخابية لمواجهة الجامعات إلى فعل مدمر حيث سحبت مئات الملايين من الأموال الفدرالية من جامعتي كولومبيا وبنسلفانيا. وفي يوم الاثنين، هاجمت إدارة ترامب جامعة هارفارد، أغنى جامعة في العالم، معلنة أنها ستراجع عقودا ومنحا متعددة السنوات بقيمة 9 مليارات دولار تقريبا. واتهمت الجامعة بالفشل في حماية الطلاب اليهود والترويج “لأيديولوجيات مثيرة للانقسام على حساب حرية البحث”.

وكانت هارفارد تستعد لهذا التطور، حيث تحركت في الأشهر الأخيرة بحذر، ساعية إلى حلول وسط، وقال النقاد إنها اتخذت إجراءات صارمة ضد حرية التعبير. وقد أثار هذا النهج حفيظة البعض الذين قلقوا من استسلام هارفارد في لحظة من الاستبداد الزاحف.

قال النقاد إنها اتخذت إجراءات صارمة ضد حرية التعبير. وقد أثار هذا النهج حفيظة البعض الذين قلقوا من استسلام هارفارد في لحظة من الاستبداد الزاحف

ومن غير الواضح بعد، كم ستخسر الجامعة، هذا إن خسرت فعلا، إلا أن خطوة يوم الاثنين كشفت عن فشل النهج التصالحي لصد منتقديها.

ففي الأيام التي سبقت إعلان إدارة ترامب، دعا أعضاء هيئة التدريس الجامعة إلى الدفاع عن نفسها وعن التعليم العالي بشكل عام بقوة أكبر. وفي رسالة، دعا أكثر من 700 عضو هيئة تدريس جامعة هارفارد إلى “تنظيم معارضة منسقة لهذه الهجمات المناهضة للديمقراطية”.

ونقلت الصحيفة عن ستيفن ليفيتسكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد الذي وزع الرسالة: “بقدر ما قد تؤلمنا ضربةٌ من الإدارة، فإن هارفارد قادرة على تحمّلها”. لكن هناك أموالا قد تكون عرضة للخسارة، كما أن الرهانات في جامعة هارفارد تؤكد على المعضلة المرهقة التي تواجه الجامعات الرائدة والمؤسسات المدنية ومكاتب المحاماة وكذا المؤسسات غير الربحية، وتتمحور هذه المعضلة بمسالة العمل على حماية النفس أم الدفاع عن المبادئ؟ ويرد ليفيتسكي، المختص بدراسة الأنظمة الاستبدادية: “مسألة الرد القائم على أن كل واحد لنفسه ستكلفنا ديمقراطيتنا”.

وتشير الصحيفة إلى أنه مع اقتراب موعد تنصيب ترامب في كانون الثاني/يناير قررت هارفارد التعاقد مع شركة بالارد بارتنرز، وهي شركة ضغط ذات علاقات وثيقة بترامب. في اليوم الأول من رئاسة ترامب، أعلنت الجامعة تبنيها تعريفا مثيرا للجدل لمعاداة السامية، والذي يعتبر بعض الانتقادات الموجهة لإسرائيل، مثل وصف وجودها بالعنصرية، على أنها معادية للسامية، وهي خطوة شجعتها الإدارة الجديدة، لكنها قوبلت بانتقادات لاذعة من دعاة حرية التعبير.

وبحلول فصل الربيع، أثارت الأفعال المؤيدة للفلسطينيين رسائل على مستوى الحرم الجامعي، حتى مع التزام هارفارد الصمت عندما زارها رئيس وزراء إسرائيلي سابق ومزح بشأن تزويد الطلاب المشاغبين بأجهزة بيجر، وفقا لما ذكره ريان إينوس، أستاذ العلوم السياسية في هارفارد. وقد كان التعليق إشارة واضحة إلى أجهزة بيجر المتفجرة التي استخدمتها إسرائيل لاستهداف حزب الله الخريف الماضي. ونتيجة للضغوط قررت هارفارد تعليق شراكتها مع جامعة فلسطينية واستبدلتها بجامعة إسرائيلية.

نتيجة للضغوط قررت هارفارد تعليق شراكتها مع جامعة فلسطينية واستبدلتها بجامعة إسرائيلية.

 وفي الأسبوع الماضي، طرد مسؤولان بارزان من مركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط من منصبيهما بعد أن اشتكت مجموعة من خريجي الجامعة اليهود من البرامج، وذلك حسب أعضاء هيئة التدريس. وبالنسبة لبعض أعضاء هيئة التدريس، كانت هذه الخطوة دليلا إضافيا على استسلام هارفارد في لحظة من الاستبداد الزاحف.

وقال الدكتور إينوس: “إن ما يحدث واضح تماما، تحاول هارفارد أن تتخذ موقفا يهدئ منتقديها”.

 ويرى الكثيرون أن تصرفات هارفارد منطقية، بالنظر إلى حجم الأموال المعرضة للخطر. وبالنسبة للكثيرين من اليمين وحتى بعض اليسار، تعد هذه التصرفات الأخيرة للجامعة تصحيحا.

ولطالما تعرضت جامعة هارفارد لانتقادات المحافظين الذين يقولون إن السياسات ذات الميول اليسارية تترسخ في الحرم الجامعي وتجعل من الصعب سماع وجهات النظر المختلفة. كما وظلت لسنوات هدفا للمحافظين الذين يقولون إن الجهود المبذولة لجعل التعليم العالي أكثر شمولا للأقليات العرقية كانت مفرطة. على سبيل المثال، دخلت جامعة هارفارد، إلى جانب جامعة نورث كارولينا، في قضية أمام المحكمة العليا بشأن مراعاتها للعرق في القبول. وخسرت في النهاية في المحكمة ذات الميول المحافظة، مما أدى إلى حظر وطني على القبول الذي يأخذ العرق بعين الإعتبار.

ووسط ضغوط في العام الماضي، أنهى أكبر قسم في هارفارد شرطا يلزم المرشحين للوظائف بتقديم بيانات حول كيفية مساهمتهم في التنوع.

ومع اندلاع الحرب في غزة وتصاعد احتجاجات طلابية والجدل حول ردود فعل الجامعات، دفع البعض الحكومة الفدرالية إلى استخدام سلطتها ومحفظتها المالية لفرض التغيير. ونقلت الصحيفة عن جيفري فلاير قوله إن هارفارد تسامحت مع تصرفات ضد الطلاب اليهود لم تكن لتتسامح معها لو استهدفت طلابا من الأقليات.

ولكن الجامعة حسب قوله بدأت بمعالجة بعض هذه القضايا، والابتعاد عن التعليق على القضايا السياسية، على سبيل المثال وقبل تولي ترامب منصبه. وأضاف فلاير “كنا بدأنا في الطريق الصحيح” و”كان هناك تحول في المشاعر وتحول بالوعي. وقد تغير كل ذلك مرة أخرى بسبب الهجمات الهائلة وغير المبررة التي شنتها إدارة ترامب بحجج واهية”. وثبت في النهاية أن الرضوخ للضغوط الفدرالية لم يكن حلا أيضا.

وفي الأسبوع الماضي، استقالت الرئيسة المؤقتة لجامعة كولومبيا، وهي ثاني رئيسة في الجامعة تفعل ذلك خلال عام – وسط ضغوط داخلية وخارجية مكثفة بشأن مطالب إدارة ترامب من الجامعة.

وأشار ديلان سابا، المحامي في منظمة فلسطين القانونية، إلى أن جامعة كولومبيا قد التزمت بالعديد من مطالب الجمهوريين قبل تولي ترامب منصبه واتخذت موقفًا عدوانيا بشكل خاص ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين، بما في ذلك إدانة باحثين بالاسم في جلسة استماع في الكونغرس. وقال سابا إن ذلك لم يهدئ ترامب، بل أدى إلى المزيد من النشاط الطلابي. وقال: “في سعيهم لإيجاد مخرج سلس، انتهى بهم الأمر إلى إنتاج صراع أكبر بكثير”.

 وفي خضم سرعة وفوضى هجوم ترامب على التعليم العالي، لم تجد الجامعات طريقة بشأن كيفية الرد بطريقة ترضي خصومها، إن وجدوا.

ويتساءل بعض أعضاء هيئة التدريس عما إذا كان النهج التصالحي قد شجع المنتقدين فقط. وحتى بالنسبة للجامعات ذات الأوقاف الضخمة، فإن الأضرار المالية التي وعدت بها الإدارة قد تكون مؤلمة. ويتجاوز حجم الأوقاف في جامعة هارفارد الـ 50 مليار دولار. وأعلنت جامعة جونز هوبكنز، التي تمتلك أيضا أوقافا كبيرة، مؤخرا أنها ستسرح أكثر من 2,000 موظف بسبب انخفاض التمويل الفدرالي. ولم تستجب جامعة هارفارد لطلب التعليق.

في وقت سابق من ربيع هذا العام، كتب آلان غاربر، رئيس جامعة هارفارد، في رسالة إلى الحرم الجامعي، أن على أعضاء المجتمع “الاطمئنان إلى أن جامعة هارفارد تعمل بجد لدعم التعليم العالي في عاصمة بلادنا وخارجها”. وتقول الصحيفة إن هارفارد كانت هدفا دائما للجمهوريين الذين كانوا يريدون تقليص نفوذها. وفي الأيام التي أعقبت هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أصدرت جماعات طلابية بيانا يحمل إسرائيل مسؤولية الهجوم. وردا على ذلك، أصدرت رئيسة جامعة هارفارد في ذلك الوقت، كلودين غاي، بيانا فاترا يدين الهجوم. ثم أتبعته ببيان قوي بعد انتقادات واسعة لها. وكانت هارفارد واحدة من ثلاثة جامعات طلب من رئيستها تقديم شهادة أمام الكونغرس في عام 2023. وبعد شهر كانت غاي خارج المكتب حيث استقالت بسبب الهجوم عليها من أعضاء الكونغرس أثناء تقديم الشهادة.

ظلت جامعة هارفارد محطا للأنظار بسبب الاحتجاجات والاضطرابات والدعاوى القضائية المستمرة ضدها، مع أنها من أنها هدأت بشكل كبير منذ الربيع الماضي

وظلت جامعة هارفارد محطا للأنظار بسبب الاحتجاجات والاضطرابات والدعاوى القضائية المستمرة ضدها، مع أنها من أنها هدأت بشكل كبير منذ الربيع الماضي. وفي الخريف، نظم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين “دراسة داخلية” صامتة في إحدى المكتبات، ومنعتهم الجامعة مؤقتا من دخولها.

وفي دعاوى قضائية رفعت خلال العام الماضي، قال طلاب يهود إن هارفارد سمحت للكراهية والتمييز بالاستمرار دون رادع، وإنه لا يزال أمامها طريق طويل لإصلاح المشاكل المتفشية. واتهموا هارفارد بتجاهل معاداة السامية، من خلال السماح بهتافات مثل “من النهر إلى البحر” وعرض فيلم “إسرائيلية”، وهو فيلم وثائقي ينتقد إسرائيل.

وفي هذا الشتاء وضعت إدارة ترامب هافارد ضمن قائمة 10 جامعات تثير قلقها. قال كينيث روث، المدير السابق لمنظمة هيومان رايتس ووتش والزميل في جامعة هارفارد، والذي يريد من جامعة هارفارد أن تحسن استغلال الفرص المتاحة للنقاش الجاد والحرية الأكاديمية: “تدور أسماك القرش عندما تشم رائحة الدم في الماء”.

ولم يوضح إعلان يوم الاثنين الخطوات الأخرى التي سيتعين على الجامعة اتخاذها للحفاظ على مكانتها الجيدة لدى الحكومة الفدرالية. وكانت بعض الجامعات أكثر صراحةً في ظل الهجوم الفدرالي. رد عميد كلية الحقوق في جامعة جورج تاون بقوة في وقت سابق من الشهر الماضي على المدعي العام الأعلى في واشنطن، الموالي لترامب، قائلا إن جهوده للسيطرة على مناهج الجامعة غير دستورية. وكتب رئيس جامعة براون مؤخرا أن الجامعة ستدافع عن حريتها الأكاديمية في المحاكم، إذا لزم الأمر.

وأدان رئيس جامعة برينستون في الآونة الأخيرة الهجوم على جامعة كولومبيا، واصفا إياه بأنه “أكبر تهديد للجامعات الأمريكية منذ فترة الخوف الأحمر في خمسينيات القرن الماضي”. إلا أن هناك جامعات تتخذ نهجا أكثر حذرا. في الشهر الماضي، أعلنت جامعة كاليفورنيا أنها ستنهي استخدام بيانات التنوع في التوظيف في نظامها، وهي ممارسةٌ كانت موضع انتقاداتٍ من المحافظين لسنوات.

وكان مايكل ف. دريك، رئيس الجامعة، قد أبلغ أعضاء هيئة التدريس بأنه لا يريد للنظام أن يكون “العنصر الأهم” وأن يبرز، وفقا لشون مالوي، الأستاذ الذي حضر الاجتماع. وقالت الرئيسة سيان ليا بيلوك في بيان لها إن كلية دارتموث عينت قبل فترة مستشارا قانونيا سابقا في اللجنة الوطنية الجمهورية نائبا للرئيس ومستشارا عاما للجامعة، للمساعدة في “فهم المشهد القانوني المحيط بالتعليم العالي والتعامل معه”.

ويرى نوح فيلدمان، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، أنه من المنطقي أن تحاول هارفارد، أو أي جامعة أخرى، التفاوض على حل مع إدارة ترامب، نظرا للطبيعة التعسفية لإجراءات ترامب ضد التعليم العالي وعدد الوظائف المهددة. وأضاف فيلدمان، الذي انتقد إجراءات ترامب، أن هارفارد تصرفت بمسؤولية، نظرا للمناخ السياسي السائد. وقال: “أحيانا، يكون لدى الأشخاص المتحمسين للرد القوي من الجامعة والإدلاء بتصريحات كبيرة تصور غير واقعي إلى حد ما عن التأثير الحقيقي لتلك التصريحات”.

صحيفة نيويورك تايمز البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




ذي انترسيبت: ألمانيا تستلهم أساليب إدارة ترامب لملاحقة مؤيدي فلسطين

نشر موقع “ذي انترسبت” تقريرا أعده هانو هاوينشتاين قال فيه إن سلطات الهجرة في برلين تتجه إلى ترحيل أربعة شبان أجانب مقيمين بتهم تتعلق بالمشاركة في احتجاجات ضد حرب إسرائيل على غزة، وهي خطوة غير مسبوقة تثير مخاوف جدية بشأن الحريات المدنية في ألمانيا.

وصدرت أوامر الترحيل، بموجب قانون الهجرة الألماني، وسط ضغوط سياسية واعتراضات داخلية من رئيس وكالة الهجرة في ولاية برلين. وقد نشأ هذا الصراع الداخلي لأن ثلاثة من المستهدفين بالترحيل هم مواطنون من دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي يتمتعون عادة بحرية التنقل بين دول الاتحاد. ومن المقرر أن تدخل هذه الأوامر – الصادرة عن ولاية برلين، التي تشرف إدارتها في مجلس الشيوخ على إنفاذ قوانين الهجرة – حيز التنفيذ في أقل من شهر. ولم يُدن أيٌّ من الأربعة بأي جرائم.

وتذكر هذه القضايا باستخدام الولايات المتحدة لأوامر الترحيل لقمع الحركات الاجتماعية.

ونقل عن ألكسندر غورسكي، المحامي الذي يمثل اثنين من المتظاهرين: “ما نراه هنا مستوحى مباشرة من قواعد اليمين المتطرف. يمكنك أن ترى ذلك في الولايات المتحدة وألمانيا أيضا: تُسكَت المعارضة السياسية من خلال استهداف أوضاع المتظاهرين من المهاجرين”.

وقال غورسكي: “من الناحية القانونية، أثار هذا المنطق قلقنا، مما ذكرنا بقضية محمود خليل“، في إشارة إلى خريج جامعة كولومبيا الفلسطيني والمقيم الدائم في الولايات المتحدة الذي اعتقل من مبنى شقته بتهم تتعلق بأنشطة مؤيدة لفلسطين في الحرم الجامعي.

محامي اثنين من المتظاهرين: ما يحدث هنا يعكس بشكل مباشر نهج اليمين المتطرف. يمكن ملاحظة ذلك في الولايات المتحدة وألمانيا أيضاً، حيث يتم إسكات المعارضة السياسية عبر استهداف أوضاع المتظاهرين من المهاجرين

الأشخاص الأربعة المقرر ترحيلهم، كوبر لونغبوتوم، وكاسيا فلاسزيك، وشين أوبراين، وروبرتا موراي، هم مواطنون من الولايات المتحدة، وبولندا، وفي الحالتين الأخيرتين من إيرلندا.

قال توماس أوبرهاوزر، المحامي ورئيس اللجنة التنفيذية لقانون الهجرة في نقابة المحامين الألمانية، إنه بموجب قانون الهجرة الألماني، لا تحتاج السلطات إلى إدانة جنائية لإصدار أمر ترحيل. ومع ذلك، يجب أن تكون الأسباب المذكورة متناسبة مع شدة الترحيل، مما يعني أن عوامل مثل ما إذا كان الشخص سيُفصل عن عائلته أو سيفقد عمله تدخل في الاعتبار.

قال أوبرهاوزر، الذي لم يشارك في القضية: “السؤال الرئيسي هو: ما مدى خطورة التهديد ومدى تناسب الرد؟ إذا طرد شخص ما لمجرد معتقداته السياسية، فهذا تجاوز كبير للحدود”.

وتم توجيه لكل من المتظاهرين الأربعة ادعاءات منفصلة من السلطات، وجميعها مستمدة من ملفات الشرطة ومرتبطة بأنشطة مؤيدة لفلسطين في برلين. بعض هذه الادعاءات، وليس كلها، تتوافق مع تهم جنائية في ألمانيا؛ ولم يُمثل أي منهم تقريبا أمام محكمة جنائية. تشمل الاحتجاجات المذكورة اعتصاما جماعيا في محطة قطارات برلين المركزية، وحصار طريق، واحتلال مبنى في جامعة برلين الحرة أواخر عام 2024.

الحدث الوحيد الذي ربط القضايا الأربع معا هو الادعاء بمشاركة المتظاهرين في احتلال الجامعة، والذي تضمن إتلاف ممتلكات، وعرقلة مزعومة لعملية اعتقال متظاهرين آخرين. لم يتهم أي من المتظاهرين بأي أعمال تخريب أو عرقلة اعتقال في الجامعة. بل يشير أمر الترحيل إلى الاشتباه في مشاركتهم في عمل جماعي منسق.

إلا أن بعض الادعاءات طفيفة، على سبيل المثال، يتهم اثنان بوصف ضابط شرطة بـ”الفاشي” – أي إهانة ضابط، وهي جريمة. ويتهم ثلاثة بالتظاهر مع مجموعات تهتف بشعارات مثل “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة” – التي حظرت العام الماضي في ألمانيا – و”فلسطين حرة”. وتزعم السلطات أيضا أن الأشخاص الأربعة هتفوا بشعارات معادية للسامية أو معادية لإسرائيل، على الرغم من عدم تحديد أي منها. كما ووجهت إلى الأربعة جميعا، دون أدلة، تهمة دعم حماس، وهي جماعة تصنفها ألمانيا منظمة إرهابية.

ثلاثة من أوامر الترحيل الأربعة تستشهد صراحة بتهديدات مزعومة للسلامة العامة ودعم حماس للدفع بأن المتظاهرين لا يحق لهم التمتع بحقوقهم الدستورية في حرية التعبير والتجمع في إجراءات الترحيل.

وقال غورسكي، محامي اثنين من المتظاهرين: “ما نراه هو أقسى الإجراءات المتاحة، بناء على اتهامات غامضة للغاية ولا أساس لها من الصحة جزئيا”.

في خطوة غير مسبوقة، قال غورسكي، إن ثلاثة من أوامر الترحيل الأربعة استشهدت بالتعهد الوطني الألماني بالدفاع عن إسرائيل كمبرر.

صرح أوبرهاوزر، عضو لجنة الهجرة في نقابة المحامين، بأن مبدأ الدولة هو مبدأ وليس فئة قانونية ذات معنى. وقد جادلت هيئة برلمانية مؤخرا بأنه لا توجد آثار ملزمة قانونا لهذا البند.

وتظهر رسائل البريد الإلكتروني الداخلية التي حصل عليها موقع “ذي إنترسبت” ضغوطا سياسية وراء الكواليس لإصدار أوامر الترحيل، على الرغم من اعتراضات مسؤولي الهجرة في برلين.

تظهر رسائل البريد الإلكتروني الداخلية ضغوطا سياسية وراء الكواليس لإصدار أوامر الترحيل، على الرغم من اعتراضات مسؤولي الهجرة في برلين

دارت المعركة بين البيروقراطيين من فروع مجلس شيوخ برلين، الهيئة التنفيذية الحاكمة للولاية تحت سلطة كاي فيغنر، رئيس البلدية، الذي يُنتخب بدوره من قبل الهيئة البرلمانية للمدينة.

بعد أن طلبت وزارة الداخلية في مجلس شيوخ برلين أمر ترحيل موقعا، أبدت سيلكه بولمان، رئيسة قسم منع الجريمة والإعادة إلى الوطن في وكالة الهجرة، اعتراضاتها.

وفي رسالة بريد إلكتروني، أشارت بولمان إلى أن إنغلهارد مازانكي، المسؤول الأعلى في وكالة الهجرة، يشاركها مخاوفها.

وحذرت بولمان صراحة من أن الأساس القانوني لإلغاء حرية تنقل مواطني الاتحاد الأوروبي الثلاثة غير كاف، وأن ترحيلهم سيكون غير قانوني.

وفي مقابلات مع موقع “ذي إنترسبت”، رفض المحتجون الأربعة، الذين صدرت بحقهم أوامر الترحيل، مناقشة الادعاءات المحددة الموجهة إليهم.
في هذه الأثناء، أُمر الأربعة جميعا بمغادرة ألمانيا بحلول 21 نيسان/ أبريل 2025، وإلا سيواجهون الترحيل القسري.

سيواجه لونغبوتوم، الطالب الأمريكي البالغ من العمر 27 عاما من سياتل، واشنطن، أشد العواقب، إذ سيُمنع بموجب الأمر من دخول أي من دول منطقة شنغن الـ 29 لمدة عامين بعد مغادرته ألمانيا.

لونغبوتوم، الذي نفى أي معاداة السامية، صرح لموقع إنترسبت أنه لم يتبق له سوى ستة أشهر لإكمال درجة الماجستير في جامعة أليس سالومون في برلين، حيث يدرس العمل في مجال حقوق الإنسان.

قال لونغبوتوم: “هل سأتمكن من إنهاء برنامج الماجستير هنا؟ أين سأعيش؟ كل هذه الأسئلة غير واضحة تماما”.

قال كاسيا فلاسزيك (35 عاما)، وهو عامل ثقافي ومواطن بولندي، إنه لم يتخيل أبدا أن يحدث هذا. وأكد أن مزاعم معاداة السامية هي في الغالب تكتيك عنصري موجه ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين في ألمانيا، وأن أوامر الترحيل تعكس زيادة في استخدام هذه المزاعم ضد أي شخص يتضامن معهم. وقال: “ألمانيا تستغل هذه الاتهامات كسلاح”.

وقال نقال شين أوبراين (29 عاما)، وهو مواطن إيرلندي: “لقد تحطمت أوهامي بشأن برلين بسبب عدم الرد على الإبادة الجماعية”. وأضاف أن القمع العنيف الذي تعرضت له الجاليات العربية في برلين تركه في حالة من الصدمة. وبعد ثلاث سنوات في برلين، يبدو التهديد بالترحيل الآن بمثابة قطيعة مع روبرتا موراي (31 عاما)، وهي أيضا إيرلندية. وأضاف أوبراين: “حياتي هنا، لا أخطط لأيرلندا. أعتقد أننا سننتصر – وأننا سنبقى. لا أعتقد أن هذا سيصمد في المحكمة”.

موقع ذي انترسبت

ترجمة ابراهيم درويش




محافظ بنك إسرائيل واقتصاديون: الميزانية الجديدة قنبلة موقوتة.. نطلق النار على أنفسنا

تم المصادقة على ميزانية الدولة أول أمس، كان يبدو أن متخذي القرارات في إسرائيل سيستريحون ولو للحظة. في الحقيقة، هذه ميزانية أحكام قاسية، لكن صودق عليها مع عجز أقل بقليل من 5 في المئة. هو يكفي لتمويل تكلفة الحرب حتى الآن والبدء في مهمة إعادة الإعمار، من خلال إعادة الاقتصاد في إسرائيل إلى سكة الثبات.
تقرير بنك إسرائيل الذي سينشر اليوم، بعد أقل من 24 ساعة من المصادقة على الميزانية، يوضح أن من يعتقد ذلك فإنه يعيش في وهم.
في الفترة التي تُنتقد فيها الحكومة، الانتقاد المبرر من جهة مهنية، قد يؤدي إلى اعتباره عدواً للشعب. التقرير السنوي للبنك المركزي يعلن بلغته المهذبة أن على متخذي القرارات العمل بصعوبة أكثر مما عملوا حتى الآن لإعادة الاقتصاد إلى المكان الذي كان فيه قبل الحرب. يدرك بنك إسرائيل ذلك من المؤشر الأساسي للاستدامة المالية – نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي قفزت منذ تشرين الأول 2023.
الحرب أعادت إسرائيل إلى الوراء
حسب تحليل الاقتصاديين في البنك، فإن التخفيضات ورفع الضرائب ستكون كافية على الأكثر لتغطية زيادة تكاليف الحكومة التي لحقت وستلحق بسبب الحرب، التغطية ليس إلا. بهذه الصورة، فإن نسبة الدين إلى الناتج قد تتوقف عن الصعود، لكنها لن تنخفض. سبب ذلك مزدوج: جزء من الأحكام في ميزانية 2025 مؤقت، وسينتهي قريباً إذا لم يتم تجديدها، والنفقات غير الأمنية ربما تزداد.
لكن ليس كل شيء يرتبط بالأموال؛ فـ”ارتفاع عبء الخدمة العسكرية، لا سيما خدمة الاحتياط، سيواصل جبي ثمن اقتصادي باهظ”، كتب في مقدمة تقرير محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون. من هنا، هو يصل إلى استنتاج آخر يؤكده، وهو أن طريقة خفض هذا السعر، حسب قوله، هي دمج مجموعات سكانية أخرى في الخدمة العسكرية – هذه أقوال موجهة من أجل الحاجة إلى تجنيد الحريديم.
عدم المساواة في تحمل العبء ليس مشكلة أخلاقية أو اجتماعية فقط، بل يشمل أيضاً ضعف دمج الشباب الحريديم في سوق العمل. ويتضح من التقرير أن عدم مشاركة الرجال الحريديم في تحمل العبء في الجيش وتحمل العبء الاقتصادي في إسرائيل، لا سيما في هذه الفترة، هو العائق الرئيسي أمام إسرائيل في الطريق إلى تحسين الوضع الاقتصادي بعد الحرب.
مستوى التشغيل المنخفض في أوساط الرجال الحريديم يغذيه نظام التعليم الحريدي، الذي لا يوفر للخريجين المهارات المطلوبة للاقتصاد الحديث – وهي قضية أبرزها التقرير – وبواسطة مليارات الشواقل في ميزانية الدولة التي تموله وتمول تعليم طلاب التوراة الحريديم كل سنة. ولكن الاعتبارات الائتلافية تفوق الاعتبارات الاقتصادية. والميزانية الجديدة لا تعمل إلا على تشجيع هذا الوضع. لكن في الواقع، لا يمكن تعريف ذلك إلا أنه بمثابة إطلاق اقتصاد إسرائيل النار على قدمه.
في التقرير، وجه بنك إسرائيل انتقاداً لسياسة الحكومة في كل ما يتعلق بالشباب الحريديم، في المقام الأول تمويل عدم عمل الشباب الحريديم وغياب تعليم المواضيع الأساسية. بيانات التشغيل المتدنية للرجال الحريديم تعكس “محفزات اقتصادية تعطى لمن يمكنهم العمل ولكنهم لا يعملون”، كتب في التقرير. وفي الوضع الحالي “تم إعطاء تمويل عام كبير جداً لمؤسسات لا تعلم المواضيع الأساسية”.
التحديات التي نشأت عقب الحرب، أشار المحافظ، أضيفت إلى مشكلات واجهت الاقتصاد قبل الحرب ولم يغيرها. الآن علاج المشكلات الرئيسية في إسرائيل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. “المستوى الأعلى لنفقات الدفاع في المستقبل القريب، وضرورة الحفاظ على هامش مالي، تؤكد بدرجة أشد على ضرورة التكيف حتى في تركيبة نفقات الحكومة، التي ستعكس سلم أولويات مناسباً لتحديات الاقتصاد”، كتب المحافظ في التقرير.
في مكان آخر في التقرير، شرح الاقتصاديون أن التعديلات التي أجرتها الحكومة حتى الآن، بما في ذلك ميزانية 2025 الغضة، لا تناسب تحديات الاقتصاد. وعلى المدى المتوسط والبعيد، ما لم يتم تنفيذ خطوات مهمة أخرى فقد تجر سياسة الحكومة الاقتصادية إسرائيل إلى الفساد أو التدهور الاقتصادي.
لا توجد زيادة في النجاعة ولا خطوات تشجع على النمو
حسب بنك إسرائيل، بلغت تكلفة الحرب في ميزانية 2023 – 2024، وهي إجمالي تكلفة الحرب التي أضيفت إلى الميزانية الأصلية لسنة 2023، 135 مليار شيكل. ويضاف إلى ذلك ما تم دفعه من صندوق ضريبة الأملاك كتعويض مباشر وغير مباشر عن أضرار الحرب، 19 مليار شيكل. زيادة النفقات الحادة تم تمويلها بالأساس بواسطة زيادة عجز الميزانية، الذي بلغ في 2024، 6.8 في المئة من الإنتاج. ويقدر البنك أن النفقات العامة على المدى المتوسط (2026 – 2030) ربما تزداد 50 مليار شيكل في السنة، مقارنة مع تقديره قبل الحرب.
بقول بنك إسرائيل بصراحة إن خطوات التقليص في ميزانية 2025 هي في جانب المداخيل، وعلى رأسها أحكام اقتصادية على المواطنين العاملين، مثل زيادة ضريبة القيمة المضافة ورسوم التأمين الوطني، وأيضاً الضريبة الجديدة على الأرباح غير الموزعة للشركات، ولكن لن يتم فيها دمج خطوات زيادة النجاعة في النفقات العامة المدنية، مثلاً بواسطة إغلاق وزارات حكومية أو بواسطة خطوات تشجع على النمو مثل تقليص المحفزات للشباب الحريديم الذين لا يعملون.
وعلى المدى المتوسط (2026 – 2030) حذر اقتصاديو البنك من أن لا يساهم التقليص في الميزانية الحالية في تغطية الارتفاع الذي سببته الحرب في العجز، لأن خطوات كثيرة تبدو مؤقتة، ولن تكون سارية المفعول إلا في السنتين القادمتين، مثل زيادة مدفوعات العاملين والمشغلين للتأمين الوطني، وتقليل الأجور في القطاع العام – التي قد تبلغ 10 مليارات شيكل في السنة معاً – التي ستنتهي في بداية العام 2027.
يردين بن غال هيرشهورن

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




إيكونوميست: إسرائيل تتصرف بطريقة غير مقيدة من أجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. بأي ثمن؟

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن إسرائيل بقيادة نتنياهو تتصرف بطريقة غير مقيدة من أجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإنه في محاولة إسرائيل للهيمنة فإنها تؤثر على التماسك الإجتماعي والتحالفات الغربية.

 وذكرت أنه قبل عشرة أعوام أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجنة برلمانية في الكنيست أنه لن يكون هناك أبدا سلام مع الفلسطينيين، وقال “سئلت إن كنا سنعيش للأبد على حد السيف”، والجواب “نعم”، وكانت كلماته حينها محلا للجدل، وليس أقل من القادة العسكريين الذين يرون أنه يجب عدم التخلي عن الدبلوماسية.

ووفق المجلة فكلام نتنياهو يبدو اليوم حقيقة لا يجادل فيها أحد، ولا تزال قائمة، حتى بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر التي نفذتها حركة حماس، والتي أضعفتها حرب مستمرة منذ أكثر من 15 شهرا في غزة. كما يعاني حزب الله اللبناني من ضربات إسرائيلية أدت لمقتل قياداته وتدمير بناه، وهو يحاول التعافي وبناء نفسه من جديد وسط الظروف الحالية. وأدى انهيار نظام بشار الأسد في سوريا لقطع شريان الدعم العسكري للحزب من إيران. وقد احترق “جدار النار” الذي بنته إيران حول إسرائيل إلى جمرات.

قبل عشرة أعوام أخبر نتنياهو لجنة برلمانية في الكنيست أنه لن يكون هناك أبدا سلام مع الفلسطينيين، وقال “سئلت إن كنا سنعيش للأبد على حد السيف”، والجواب “نعم”

 وبحسب المجلة فقد صمدت إسرائيل أمام الضربات الإيرانية ودمرت الدفاعات الجوية لإيران. وربما قررت إسرائيل وفي السنوات المقبلة التوقف عند هذا الحد. لكن قادتها حاليا يفضلون فرض سيطرتهم المطلقة، بعضهم لأسباب براغماتية، والبعض الآخر لأسباب أيديولوجية. فهم يستولون على أراض خارج حدودهم، ويدعون إلى شن المزيد من الضربات على إيران، ويفكرون في ضم الأراضي الفلسطينية بالكامل. ويبدو أن الهدف هو الهيمنة الإقليمية، لكن الشكوك حول هذا النهج لا تزال قائمة كما كانت عندما أيد نتنياهو لأول مرة خيار الحرب: هل تستطيع إسرائيل تحمل حربا غير أبدية، وهل يجب عليها فعل هذا؟

 وتشير المجلة إلى أن تغير النهج الإسرائيلي من غزة، تكشف عن تزايد طموحاتها الإستراتيجية.

ففي السنة الأولى من الحرب، تردد الجيش الإسرائيلي في احتلال مساحة كبيرة من الأراضي داخل القطاع. وعوضا عن ذلك، استولى على منطقة عازلة داخل حدوده، وممرين يفصلانها، ولكنه لم يفعل شيئًا آخر: فقد خشي الجيش من حرب مقاومة إلى ما لا نهاية. ثم جاء وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع مع حماس، والذي تم الاتفاق عليه في كانون الثاني/يناير، وكان الهدف منه كسب الوقت للتفاوض على إنهاء دائم للحرب. وفي 18 آذار/مارس تخلت إسرائيل عن اتفاق النار وعادت للحرب وضرب غزة. وتستعد إسرائيل لهجوم بري جديد. وقد وعد الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، بتكتيكات أكثر عدوانية. وتخطط إسرائيل لإخلاء أجزاء كبيرة من القطاع وحصار كل من تبقى فيه، كما تنوي الاحتفاظ بالأرض. وتشير المجلة لتحذير وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، من أن الاحتلال قد يكون دائما. ولم يتم تنفيذ الخطط، ولو نفذت فستكون تصعيدا في الحرب الدموية التي أدت إلى مقتل أكثر من 50,000 فلسطينيا في غزة.

وذكرت أنه في الضفة الغربية، يشن الجيش الإسرائيلي حربا تعتبر الأوسع منذ عقود وأدت إلى تهجير أكثر من 40,000 فلسطينينا من مخيمات اللاجئين في شمال المناطق. وقال كاتس إن القوات الإسرائيلية قد تبقى في هذه المخيمات حتى نهاية العام. وفي نفس الوقت، يواصل نواب اليمين المتطرف خططهم لتوسيع المستوطنات اليهودية، المخالفة للقانون الدولي. وفي 23 آذار/مارس صوتت الحكومة الأمنية المصغرة على إضفاء الشرعية على 13 “بؤرة استيطانية”، وهي مستوطنات عشوائية شيدت دون موافقة الحكومة.

ويأمل اليمين في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم خططهم لضم جزء من الضفة الغربية أو كلها، مما سيجعل إقامة دولة فلسطينية مستحيلا.

وتلفت المجلة إلى أنه في أماكن أخرى، احتلت إسرائيل أراض سورية بما فيها جبل الشيخ، أعلى قمة بالمنطقة، ولا نية لديها للمغادرة على ما يبدو. وتعمل إسرائيل على استمالة الدروز في جنوب سوريا. وربما كانت تأمل في تقسيم سوريا إلى اتحاد فدرالي من دويلات عرقية مستقلة. وقد حث بعض المعلقين الإسرائيليين الدروز على الانفصال. كما لا تزال إسرائيل تحتل خمس تلال في جنوب لبنان، رغم وعدها بالانسحاب منها أواخر كانون الثاني/يناير بموجب شروط وقف إطلاق النار مع حزب الله.

ثم هناك إيران، التي طالما حلم نتنياهو بشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية. وهو يضغط بقوة على الحكومة الأمريكية لتأييد مثل هذا الهجوم، بل ويفضل أن تنضم إليه. ويعتقد جواسيس أمريكا أن إسرائيل ستتحرك على الأرجح خلال ستة أشهر.

وتعلق المجلة أن إسرائيل الباحثة عن الهيمنة في المنطقة هي نتاج صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر، فقبل هجمات حماس، تجنبت إسرائيل الحروب الشاملة مع أعدائها بالمنطقة، واكتف بضربات دورية ضد أعدائها، إما لاغتيال قادة يشكلون تهديدا أو تدمير أسلحة متطورة. وعندما فعلت، كما هو الحال مع حماس، أبقت حروبها قصيرة. وكان الهدف ردع خصومها وإضعافهم، لا القضاء عليهم.

 تقول المجلة أنه بالعودة للوراء، يرى جنرالات وجواسيس إسرائيل أن هذه السياسة كانت “ساذجة”، فهم لن يتسامحوا مع أي تهديد على حدودهم، حتى ولو كان نظريا.

وكان حكام سوريا الجدد واضحين في رغبتهم في علاقة سلمية مع جيرانهم، وبعد عقد من الحرب الأهلية، ليسوا في وضع يسمح لهم بمواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط. لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من الاستيلاء على المزيد من الأراضي السورية، لحماية الأراضي التي احتلتها عام 1967.

وبالنسبة لليمين المتطرف، فالهدف ليس حماية الحدود، ولكن توسيعها. فقد حلموا ولسنوات بالعودة إلى غزة وبناء المستوطنات التي خرجوا منها عام 2005، وكذا ضم الضفة الغربية. وهناك من يحلم بـ “إسرائيل الكبرى” التي تمتد من النيل إلى الفرات. ومع أنهم أقلية إلا أنهم أصبحوا أقوياء وبشكل متزايد. وربما لم يكن نتنياهو يشترك معهم في تحقيق مملكتهم التوراتية، لكنه يريد دعمهم إن كان يريد البقاء في السلطة. وكان إيتمار بن غفير زعيم حزب القوة اليهودية قد خرج من الحكومة بعد وقف إطلاق النار، ثم عاد إليها بعد استنئاف القتال، فلو لم ينضم مرة أخرى، لكانت إسرائيل تحضر لانتخابات برلمانية، ذلك أن نتنياهو كان قادرا على تمرير الميزانية التي تضمن بقاءه في السلطة حتى 2026. كما ويريد نتنياهو البقاء خارج السجن، فهو يحاكم منذ 2020، ومن هنا فحالة الحرب الدائمة تجعله بعيدا عنه. وجادل بأنه مشغول بشؤون الحكم لدرجة تمنعه ​​من قضاء وقت طويل على منصة الشهود: “أنا أقود البلاد في حربٍ على سبع جبهات”، هذا ما قاله للقضاة في كانون الأول/ ديسمبر. وفي شباط/فبراير، وافقت المحكمة على طلبه الإدلاء بشهادته يومين فقط في الأسبوع، بدلا من ثلاثة. وترى المجلة أن حلفاء إسرائيل في الماضي ربما حاولوا الحد من النزعة الحربية لإسرائيل.

فمع أن ترامب ضغط على نتنياهو للقبول بوقف إطلاق النار في غزة ولبنان إلا أن زيارة نتنياهو لواشنطن جعلته يعود منتصرا بعدما طرح ترامب فكرة تهجير سكان غزة.

كما لم يحدث أي رد فعل من قادة المنطقة الذين يوصفون بالمعتدلين. فعندما اندلعت حرب غزة، خشي العديد من الحكام العرب المستبدين أن تشعل الحرب فتيل الاضطرابات في بلدانهم، لكن هذا لم يحدث. فمع هدوء شوارعهم، اكتفى الحكام بالإدانات الخطابية للحرب ولم يقطع أي منهم العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

وتعلق المجلة أن كل العوامل الحالية، تلعب لصالح إسرائيل، إلا أن الأخيرة تجد صعوبة في لعب دور القوة المهينة.

كل العوامل الحالية، تلعب لصالح إسرائيل، إلا أن الأخيرة تجد صعوبة في لعب دور القوة المهينة مع جيشها المنهك بالحروب

فمن جهة تقوم بالضغط على الجيش الذي أنهكته حروب المنطقة. فقد توقفت حياة جنود الإحتياط بانتظار دعوتهم للخدمة. ويبلغ معدل ما خدمه الجنود الـ 295,000 منذ بداية الحرب حوالي 61 يوما، وهذا مقارنة مع 25 يوما قبل الحرب. وأمضى ثلثهم بالزي العسكري 150 يوما وبدأ الإرهاق يتسلل إلى بعض الوحدات، حيث وجدت دراسة أن 60-70% فقط من الجنود يلتحقون بالخدمة عند استدعائهم. ومع أن العجز في الميزانية سيصل إلى 4.9% من الناتج المحلي العام إلا أن الدين العام زاد من 60% من الدخل المحلي العام في 2022 إلى69% العام الماضي. وفي الميزانية الجديدة سيحصل حلفاء نتنياهو على 5 مليارات شيكل على شكل “ميزانية التحالف” وذلك للإنفاق على المدارس الدينية، مليار دولار. ووصف زعيم المعارضة يائيرلابيد الميزانية الجديدة بأنها “أكبر سرقة في تاريخ البلد”، كل هذا يؤشر إلى أزمة أعمق.

فقد كسرت السنوات الماضية ثقة الرأي العام بالدولة، وقبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر التي سبقته إضطرابات ومحاولات نتنياهو شل المحكمة العليا. وفي عام 2018 قالت نسبة 55% أن البلد في حالة جيدة، أما اليوم فالنسبة هي 11%. ولا يبذل نتنياهو الجهد للحصول على ثقتهم. وت

وتذكر المجلة أنه في استطلاع آخر دعمت نسبة 73% مواصلة تنفيذ مراحل وقف إطلاق النار وتحرير الأسرى لدى حماس. ومع استئناف القتال، بات الإسرائيليون يتحدثون عن تلاعب نتنياهو بالدولة لمصالحه، وهناك جنود احتياط يناقشون فكرة تجاهل الدعوة للمشاركة في هجوم بري.

 ثم جاءت أزمة مدير الشاباك رونين بار وعزله، لمنع تحقيقات تطال نتنياهو. وهناك نوع من المزيج السام، حيث تطالب الحكومة السكان بالتضحيات الكبرى مع أنهم يائسون منها. وعليه فاحتلال طويل إن لم يكن ضما للضفة الغربية وقطاع غزة سيزيد من الخلافات.

وتقول المجلة أنه رغم موافقة الرأي العام بشأن استحالة صنع السلام مع الفلسطينيين، إلا أنهم لا يشاركون اليمين في أحلامه عن “إسرائيل الكبرى”. فالفلسطينيون وإن ضعفوا في ساحة المعركة ودبلوماسيا، لكنهم لن يظلوا هكذا للأبد. وتقدم المواجهة في جنوب سوريا، يوم 25 آذار/مارس تحذيرا لإسرائيل.

وتؤكد المجلة على أن الأهم من كل هذا، هل يمكن لإسرائيل الاعتماد على الرئيس الأمريكي الزئبقي كحليف يمكن الوثوق به. وربما استطاع رون ديرمر، المسؤول في حكومة نتنياهو إقناع جماعة ترامب أن إسرائيل قادرة على هزيمة حماس في الأشهر المقبلة وعمل نفس الأمر في سوريا. لكن دعم إسرائيل مكلف، فقد حرقت أمريكا فوق الـ 18 مليار دولار منذ بداية الحرب، 5 مليارات أخرى على دفاعها في المنطقة. وترامب في النهاية يريد أن يكون صانع سلام، ولهذا لا يتفق مع نهج إسرائيل الحربي وبخاصة في إيران.

مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




القنبلة السلفية والسلم الأهلي في سوريا

لا تمر بضعة أيام دون توتر موضعي في بعض مناطق البلد بسبب تدخلات سلفيين، بعضهم مسلحون ومن قوى الحكم الحالي، في أوجه من حياة السوريين الاجتماعية. الأمثلة متكاثرة، هنا بعضها. تعرضت دورية مسلحة لفنانين شبان صادفتهم في فضاء عام يصورون شيئاً عن الشهيد باسل شحادة. عناصر الدورية رفضوا وصف باسل بالشهيد لأنه غير مسلم، وحطموا صورة له، وتصرفوا بالجملة كميليشيا طائفية مستعلية دينياً ومستقوية بالسلاح (لمن لا يعلم، كان باسل المنحدر من أسرة مسيحية دمشقية قد تخلى عن دراسة السينما في أمريكا وعاد إلى سوريا للمشاركة في الثورة، وقتل في حمص في قصف للقوات الأسدية استهدف سيارته، وكان في الثامنة والعشرين وقت استشهاده). وجال غير مرة دعاة سلفيون في أحياء ذات أكثرية مسيحية في دمشق في سيارات تبث أناشيدهم بمكبرات الصوت، وتدعو إلى الإسلام مثلما يُعرِّفه هؤلاء الدعاة. وآخر تلك الحوادث جرت في حي الدويلعة المختلط السكان، وقد تكفل شبان مسيحيون ومسلمون بصرف الدعاة. وبعد أقل من شهر من سقوط النظام كان دعاة سلفيون، واحد منهم على الأقل غير سوري، ينظمون مسابقة دينية دعوية في مدينة جبلة الساحلية، استفزت السكان الذين بينهم نسبة لا بأس بها من العلويين. وهدد أحدهم طفلاً بالفلقة إن لم يحفظ القرآن.
يدافع موالون للعهد الجديد في سوريا عن الحق في الدعوة السلمية إلى الإسلام، ويقارنون ذلك بحرية الدعوة الدينية في أوروبا. هل هذا وجيه؟ ليس بين الدعاة والمبشرين الدينيين في أوروبا، والأنشط بينهم شهود يهوه وجماعات مسيحية أصغر، وبين الدولة أي التباس؛ وهم لا يستفيدون من حماية خاصة، ولا يستهدفون جماعات دينية مغايرة (المسلمين مثلاً) ليست آمنة تماماً على نفسها، وفي بلد تتملك قطاعات من سكانه خشية مشروعة من الاضطهاد الديني. ثم أن حرية الدعوة أو التبشير الديني في أوروبا هي جزء من الحريات الدينية التي تشمل حرية عدم الاعتقاد الديني، وحرية تغيير الاعتقاد الديني، والحق في الحيرة أو تعليق الحكم في الشأن الديني، وهذا مع حق مكفول للمعنيين في جميع الأحوال بأن يعبروا عن أفكارهم ومعتقداتهم في المجال العام. المقارنة ليس وجيهة بالتالي، ومن يصر عليها مطالب بأن يدافع عن كل هذه الحريات الدينية في سوريا كي يكون متسقاً مع نفسه.
والواقع أن قطاعات السكان المتحفظة على التنطُّع السلفي في سوريا لا تقتصر على مسيحيين أو علويين أو غير مسلمين سنيين، بل تشمل قطاعات من الأخيرين كذلك. الإسلام السني في سوريا متنوع، وغير سلفي في أكثريته. السلفية أخذت بالانتشار في تسعينيات القرن الماضي، ومعها نزعة اجتماعية بالغة المحافظة، وميل قوي إلى التكفير. وبعد الثورة تواطأت شروط داخلية، تمثلت بخاصة مع ديناميكية تجذر وتشدد وعسكرة وأسلمة انتشرت في البيئات السنية التي تعرضت لعنف تمييزي من جهة الحكم الأسدي، مع شروط خارجية، تمثلت أساساً في وجود خميرة جهادية في العراق المجاور، ثم في دعم شبكات سلفية خليجية، أقول تواطأت هذه الشروط الداخلية والخارجية من أجل تسهيل لقاء السلفية والسلاح، لنحصل على طيف متنازع سياسياً (لكن قليل التمايز فكرياً) من سلفية جهادية أممية وسلفية مجاهدة محلية. هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، عرضت تحولاً يبدو غير مكتمل من السلفية الجهادية إلى السلفية المجاهدة، لكن تكوينها الأصلي لا يزال حاضراً وفاعلاً سياسياً عبر جهاديين أجانب، يقدر عددهم بنحو 5000، وقد شاركوا في مذابح العلويين في الساحل في وقت أبكر من الشهر الجاري.

آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية

وبكل تنويعاتها، السلفية ليست الإسلام السني السوري، بل قطاع منه، وافد بقدر كبير من خارج البلد، أو وليد شروط بالغة القسوة من الإفقار السياسي ثم من العنف التمييزي الإبادي بعد الثورة السورية. والعلاقة بين السلفيين واللاسلفيين تنطوي سلفاً على توترات مهددة للسلم الأهلي بقدر لا يقل عما يتصل بمخاوف الجماعات غير المسلمة السنية. قبل حين شكا أمام مسجد من مدينة حماه من تدخل سلفي في صلاة وتدين المؤمنين في مسجده وحيّه. ويبدو أنه جرى إحلال أئمة سلفيين محل ائمة سابقين في مساجد في العديد من مناطق البلد، وينسب لهؤلاء الأئمة الجدد أنهم دعوا الناس للجهاد وقت تفجر العنف في الساحل، وأن لهم ضلعاً بالتالي في مذابح العلويين.
يتجاوز الأمر اليوم أسلمة المسلمين، النهج الذي سار عليه الإسلاميون في الثورة السورية، والذي ينسخ نهج تعريب العرب البعثي، ويتحكم بتعريف الإسلام مثلما تحكم الحكم البعثي بتعريف العرب على نحو يجعل منهم، الإسلاميين والبعثيين، التعبير الوحيد، الأصلح والأصح، عن الإسلام أو العروبة. نقول يتجاوز الأمر اليوم نسق أسلمة المسلمين إلى تسليف السنيين، دفعهم نحو ما سماه الإمام الحموي «تدين نجدي»، ينزع نحو تبديع أو تكفير الممارسات الدينية المحلية، المتشكلة تاريخياً واجتماعياً. هذا لا يؤدي إلى قلاقل سياسية واجتماعية فقط، ولا إلى مخاطر تطال «السلم الأهلي» فقط، وإنما هو مفقر روحياً ودينياً، في مجتمع تعرض لإفقار مديد على هذين المستويين، ويحتاج بالأحرى إلى احترام ما استطاع تنميته في نفسه من روح وقيم رغم كل شيء. مقابل صور التدين المحلي، وليست كلها صوفية بالمناسبة، وغير قليل منها فقهية تقليدية محافظة، السلفية هي المذهب الإسلامي الأقل روحانية، والأكثر تقيداً بشكليات وتفاصيل قيافية وسلوكية وتعبدية جف منها النسغ الروحي. وهي لا تدافع عن حق في الوجود إلى جانب غيرها، بل عن استحقاق للسيطرة على غيرها، لا يمكنه إلا أن يكون مقوضاً للدولة والمجتمع.
وإنما لأن الأمر يتصل بنسق مجرب معلوم مسبقاً، نسق أسلمة المسلمين، فإنه لا يبعد لتسليف السنيين أن يصير سياسة معتمدة إن لم يواجه بمقاومات تضبطه. أمثلة التسليف المذكورة فوق تبدو تكوينية، تتصل بتكوين الفريق المسيطر الجديد، على نحو ينفي كونها «أخطاء فردية»، ويقربها من مسالك منهجية. وإذا كنا نتردد بعض الشيء في الكلام على الصفة المنهجية لتلك المسالك فلأن تكوين المسيطرين الجدد يبدو أقل تجانساً وانسجاماً، وأكثر تنافراً وتجريبية، من أن يسمح بسلوك منهجي على هذا المستوى الدعوي أو غيره. على أنه يسمح سلفاً بالخشية من قنبلة سلفية موقوتة، من شأن انفجارها أن يودي بـ«السلم الأهلي»، وربما بالبلد المزعزع الأركان أصلاً.
آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية. وآخر ما تحتاجه كذلك استقطابات حادة إضافية تفاقم من تهتك نسيجها الاجتماعي المتهتك أصلاً. تحمل النزاعات الدينية والطائفية والإثنية في داخلها خطر الإبادة على نحو رأينا تحققاً مفزعاً له في الساحل قبل أسبوعين فحسب. الأصح هو نقل الصراعات من الحقل الديني الذي تكون في مطلقة ولا تقبل الحل مثلما نعرف من تاريخنا وتواريخ غيرنا، إلى الحقل السياسي والحقوقي حيث تكون نسبية وقابلة لمعالجات ناجعة. الأصح كذلك توجيه الطاقات المحدودة في اتجاه الدفاع عن الحقوق المهددة والحريات الهشة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية البائسة. وربما يستفرغ السلفيون طاقتهم الفائضة في تأمين موارد لمساعدة الفقراء وإيواء المشردين، في تحسين شروط العيش الدنيوي لملايين السوريين، بدل الانشغال بالمصير الأخروي لغيرهم.

ياسين الحاج صالح

صحيفة القدس العربي




ناشونال إنترست: حملة “الصدمة والترويع” ضد الحوثيين لن تؤدي إلى نتيجة حاسمة في البحر الأحمر

نشرت مجلة “ناشونال انترست” مقالا لجيمس هولمز، رئيس الإستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية قال فيه إن استراتيجية حملة الرئيس دونالد ترامب ضد الحركة الحوثية تظل قاصرة لأن الحملات الجوية مهما كانت قوية لا تعتبر بديلا عن نشر القوات على الأرض.

وقدم الكاتب قراءة علمية لمفهوم الحرب الجوية مقارنة مع نظريات الحرب التي تؤدي لانتصار الجيوش. وتساءل بداية عن استراتيجية إدارة ترامب في البحر الأحمر وهل ستكون العمليات ضد الحركة الحوثية حاسمة؟

وقال هولمز إن الإدارة الحالية وخلافا لإدارة جو بايدن، ترى أن الهجوم هو أفضل طريقة للدفاع عن الممرات البحرية، حيث تقصف السفن الحربية التابعة للبحرية الأمريكية وحاملات الطائرات المقاتلة/الهجومية مواقع رئيسية في اليمن بمساعدة مقاتلات سلاح الجو الأمريكي، وهم يفعلون ذلك بشكل مستمر تقريبا، وهو ما يعلم الحملة الحالية بأنها هجومية.

استراتيجية ترامب ضد الحركة الحوثية تظل قاصرة لأن الحملات الجوية مهما كانت قوية لا تعتبر بديلا عن نشر القوات على الأرض

 أما إدارة بايدن، فقد فضلت الموقف الدفاعي، والذي دافعت بموجبه، فرق العمل البحرية عن نفسها بينما كانت تسعى جاهدة لحماية سفن الشحن التجاري من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة.

 ونادرا ما لجأت القوات الأمريكية وقوات التحالف التي شكلتها إدارة بايدن للهجوم، حيث أطلقت صواريخ كروز واستهدفت الطائرات الحربية أهدافا ساحلية.

 ويرى هولمز أن الرئيس ترامب تبنى نسخة ثانية من “الصدمة والترويع”، وهو الاسم الذي أطلقته إدارة جورج دبليو بوش على حملتها الجوية ضد العراق عام 2003. ويشترك نهج بوش وترامب بنفس المنطق. وبناء على هذا الأسلوب، تقوم القوات الجوية بتوزيع جهودها في الأجواء لضرب سلسلة من الأهداف العسكرية والمنشآت التابعة للعدو. ولأن الطائرات لا تستطيع البقاء في الأجواء لمدة طويلة، بسبب نفاد وقودها وذخائرها فإنها ليست دائمة وتعطي وقتا للخصم للتكيف والتعافي من الأضرار وكذا تخفيف الصدمة النفسية الناجمة عن التعرض لقصف جوي. ومع ذلك، فهناك مشكلة جوهرية في القوة الجوية. ويظهر التاريخ أن القصف الجوي لا يكون حاسما عندما يتم فصله عن العمليات البرية. فالناس يعيشون على البر والحروب تحسم على الأرض، لا في السماء أو البحر.

وقد أعلن المنظر العسكري جي سي وايلي أن السيطرة على التضاريس الرئيسية أو على بعض المكاسب المادية أو قوات العدو، هو الهدف الأعلى للاستراتيجية العسكرية. ذلك أن السيطرة تعني نشر قوة قتالية كافية للاستيلاء على شيء ما والاحتفاظ به لفترة كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والسياسية.

وبناء على ذلك، يعتبر الأدميرال وايلي “الرجل في ساحة المعركة حاملا سلاحه”، سواء كان جنديا أو جندي البحرية الذي يجوب الأرض اليابسة مزودا بسلاحه، بأنه الحكم النهائي لتحقيق النصر في ساحة المعركة.

 فجميع القوى والتشكيلات العسكرية الأخرى، بما في ذلك القوات الجوية والبحرية، موجودة في النهاية لدعمه.

 وفي الوقت الذي تحاول فيه حملات الصدمة والترويع تجاوز حدود القوة الجوية، محققةً نتائج حاسمة، إلا أن وايلي يصنف القوة الجوية باعتبارها أسلوبا “تراكميا” في شن الحروب وعلى عكس الأسلوب “المتسلسل”. واعتبر أن العمليات المتسلسلة هي مباشرة بطبيعتها وحاسمة إذا تم تنفيذها بقوة ومهارة وحماس. وكما يوضح قوله، فإن القوات التي تشن حملات متسلسلة تنتقل من اشتباك تكتيكي إلى آخر، ومن معركة إلى أخرى، حتى تنتزع السيطرة الكافية من العدو، وعندها تخرج منتصرة.

ومن السهل فهم العمليات المتسلسلة، لأنه يمكنك رسمها على الخريطة أو المخطط البحري كخط أو منحنى مستمر متموج نحو الهدف النهائي. وتعتمد كل مواجهة تكتيكية على تلك التي حدثت قبلها، وتشكل تلك التي ستأتي. ويؤدي تغيير أي مواجهة إلى انحراف التسلسل بأكمله، مما يغير نمط القتال الأكبر. فالعمليات البرية التقليدية هي بالطبع، متسلسلة: ويجب عليك أن تستولي على النقطة (أ) قبل أن تتمكن من الاستيلاء على النقطة (ب).

من السهل فهم العمليات المتسلسلة، لأنه يمكنك رسمها على الخريطة أو المخطط البحري كخط أو منحنى مستمر متموج نحو الهدف النهائي

وبالمقابل، فالعمليات التراكمية، حيث لا يقتصر مفهوم وايلي على القوة الجوية فحسب، بل يشمل أيضا القوة البحرية وحرب المتمردين ومكافحة التمرد، تظل مختلفة. وتتكون الحملة التراكمية من العديد من الاشتباكات التكتيكية غير المرتبطة ببعضها البعض في الوقت أو المكان الجغرافي. كما أن التأثير البصري الناتج عن رسم مثل هذه الحملة المتناثرة على الخريطة أو الرسم البياني ليس خطا أو منحنى بل ويظهر كمجرد بقع طلاء.

فالمقاتل الذي ينفذ حملة تراكمية ينفذ هجمات صغيرة في كل مكان، وليس بالضرورة أن تتزامن الجهود الفردية في الوقت نفسه. كما لا يعتمد الهجوم على الهجوم السابق أو يؤدي إلى الهجوم التالي. ولا يوجد عمل تكتيكي، مثل قصف مصنع أو إغراق سفينة شحن، فهو يوجه ضربة حاسمة واحدة للعدو. وفي النهاية قد تتراكم العمليات الدقيقة وتؤدي إلى شيء كبير. وربما أدت إلى نتيجة حاسمة، ولكنها تظل مكملة للعمليات المتسلسلة وليست بديلا عنها.

والسؤال، هل ستؤدي حملة الصدمة والترويع 2 والتي يشنها ترامب إلى نتيجة حاسمة في البحر الأحمر؟

يقول هولمز إن من السابق لأوانه الجزم بذلك. لكن الأدميرال وايلي سيسخر من ادعاء الطيارين الراسخ بأن القوة الجوية أداة حاسمة في الحرب. وسيسخر تحديدا من افتراضهم بأن القدرة على تدمير شيء من الجو تعادل القدرة على السيطرة عليه. فالسيطرة تمثل الهدف الرئيسي للاستراتيجية العسكرية، أما القصف الجوي، مهما بلغ من الشدة، فلا يمكن أن يحل محل القوات البرية.

وسيعتبر وايلي الحملة الجوية والصاروخية في البحر الأحمر، حتى تلك التي شنت بقوة في ظل “الصدمة والرعب 2.0″، حملة تراكمية تهدف إلى إضعاف الحوثيين وتثبيط عزيمتهم. وفي المقابل، سيعرب عن شكوكه في أن الهجوم سيحقق تلك الأهداف، ما لم ينفذ بالتنسيق مع العمليات البرية، أي حملة عسكرية ناجحة ستحرم الحوثيين من أدوات الحرب، وبخاصة أن عزيمة الحوثيين لاستخدام ما يملكونه من أسلحة لا تقهر.

إلا أن وايلي يذكرنا بأن التدمير لا يعني السيطرة وبدون السيطرة، تفشل الاستراتيجية العسكرية. لذا، فالجواب المختصر هو لا، لن تقود حملة ترامب الحالية ضد الحوثيين إلى نتيجة حاسمة. فرغم أن استراتيجية ترامب هي أفضل من استراتيجية بايدن غير المتواصلة، إلا أنها على الأرجح ستكون مترددة.

وهذا هو رأي وايلي، انطلاقا من قراءته للتاريخ العسكري وهو رأي يتفق معه كاتب المقال هولمز.

وفي النهاية يؤكد الكاتب أن رأيه قائم على الرأي العلمي العسكري وليس رفضا لمجرد الرفض. وهو لا ينطبق على العمليات ضد الحوثيين بل ويلقي ظلال الشك حول جوهر العقلية العلمية.

ففي النهاية، أي نظرية للنصر العسكري ليست سوى نظرية ولا يمكن القبول بها إلا إذا صمدت أمام محاولات “دحضها”. وبهذا المعنى، يعد البحر الأحمر مختبرا لما ينجح وما لا ينجح في الحروب البحرية والجوية المعاصرة. ويجب والحالة هذه النظر إلى الحملة الجوية كتجربة، واستخدام نتائجها في تخطيط الإستراتيجيات والعمليات في ميادين قتال أهم مثل غرب المحيط الهادئ، كما يقول.

مجلة ناشونال انترست

ترجمة ابراهيم درويش




ويتكوف “يلقي القنبلة”.. ومصر: سنكون أمام سيناريوهين “أحلاهما كارثي”

بصوته الهادئ الناعم، ونبرته الثابتة، ألقى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قنبلة صادمة قوية زرعت الرعب وأرسلت موجات ارتدادية مزلزلة إلى مصر، وليس وحدها فقط. في المقابلة المطولة مع تاكر كارلسون، وضع ويتكوف مصر على طاولة العمليات، وقال بدون تخدير أو إعداد، إن مصير المنطقة مرهون بمصير غزة، وإن مصر في خطر. “كل ما حدث في لبنان، مثل تعيين الرئيس الجديد بفضل تصفية السنوار وحسن نصر الله، كل ذلك قد ينقلب إذا فقدنا مصر”. وبالنسبة له، لماذا نفقد مصر؟ لأن في مصر، حسب الإحصاءات، نسبة بطالة عالية جداً، وتصل النسبة إلى 25 في المئة في أوساط الشباب في جيل أقل من 25 سنة. والدولة لن تعيش في ظل نسبة بطالة كهذه، حسب قوله.
“بدرجة كبيرة، هم مفلسون وبحاجة كبيرة للمساعدة. إذا كان لدينا حدث سيء في مصر، فهذا سيعيدنا إلى الوراء”، أوضح المبعوث الأمريكي. “كل مكونات الانفجار كان في هذه الكبسولة اللفظية التي جمعها ويتكوف بمهارة. فربط مستقبل 110 مليون مواطن مصري بمصير مليوني مواطن في غزة كان الجزء الحساس في الإهانة. من هنا، تطور الأمر إلى درجة اعتبار مصر دولة مفلسة. نسبة البطالة غير دقيقة، فحسب الإحصاءات الرسمية في مصر التي تظهر في أبحاث غربية أيضا، ربما ارتفعت نسبة البطالة أيضاً بمقدار 6.3 في المئة، وبلغت النسبة في أوساط الشباب إلى 14.5 في المئة. التشخيص الصادم يؤكد أن مصر لن تستمر مع نسبة بطالة كهذه، وأخيراً هناك إشارة خفية ولكنها مهددة، وهي اعتماد مصر على المساعدات، الأمريكية بالطبع.
شاهدت مصر علاقة مباشرة بين نشر المقابلة والتقرير الذي نشر قبل يوم في صحيفة “الأخبار” اللبنانية، المقربة من حزب الله، الذي وافقت مصر بحسبه على استيعاب نصف مليون غزي بشكل مؤقت في مدينة ستقام في شبه جزيرة سيناء. وخرجت مصر عن أطوارها كي تنفي هذا التقرير رسمياً، وتلقت من ويتكوف بالتحديد صفعة هزتها. ولم تتأخر الردود. “ويتكوف رجل عقارات لم يقرأ التاريخ، ولا يعرف الخطوط الجغرافية، ولا طبيعة المنطقة وتعقيداتها أو دور مصر في المنطقة”، كتب الصحافي والمحلل المصري نشأت الديهي. “مصر ليست دولة مفلسة، ولتذهب مساعداتكم إلى الجحيم”، أضاف المحلل.
مساعد وزير الخارجية المصري السابق حسين هريدي، أكمل ترديد الغضب عندما اتهم في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، أقوال ويتكوف بأنها “تهديد مبطن لمصر، وأن تصريحاته نوع من الابتزاز وفرض الخوف على مصر للضغط عليها حتى توافق على تهجير قسري للفلسطينيين ومن أجل عدم إفشال محاولة تصفية القضية الفلسطينية”؛ وأضاف الصحافي المعروف أحمد موسى: “رغم المشكلات الاقتصادية الصعبة في مصر، فإننا ساعدنا إخوتنا الفلسطينيين بأموالنا وعرقنا، وساهمنا بـ 75 في المئة تقريباً من إجمالي المساعدات الدولية التي دخلت إلى قطاع غزة. الشعب في مصر سيقف أمام جميع الضغوط وليكن ما يكون، ولن نسمح بتمرير خطة التهجير من أجل الحفاظ على الأمن الوطني في مصر”.
مصر وبحق تمر بصعوبات اقتصادية كبيرة، لكن ليس بسبب غزة. إضافة إلى ذلك، نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي في إجراء عدة إصلاحات اقتصادية معقدة، من بينها خطوات كانت فيها إمكانية كامنة لضعضعة استقرار الدولة، مثل رفع أسعار الوقود، وبعد ذلك رفع أسعار الخبز، وهو ما لم تتجرأ أنظمة سابقة على المس به خلال عشرات السنين، ثم قام بتعويم سعر الجنيه المصري الذي انخفض سعره 40 في المئة مقابل الدولار. ولكن أساس نجاح السيسي هو في تجنيد دول الخليج ووضعها في الدور لاستثمار عشرات مليارات الدولارات في الدولة، ومن بين المشاريع مشاريع للإمارات التي تعهدت باستثمار حوالي 35 مليار دولار في مشروع عقارات، ثم للسعودية التي تعهدت باستثمار 10 مليارات دولار، وقطر المتوقع أن تزيد استثماراتها في مصر إلى 7 مليارات دولار.
صحيح أن طوق النجاة الاقتصادي الذي تلف به دول الخليج مصر، الذي هو أكبر بعشرة أضعاف من حجم المساعدات التي نحصل عليها من الولايات المتحدة، ما زال غير كاف لإخراج مصر من صعوباتها، بل ولا يعتبر بديلاً للدعم السياسي والعسكري الذي تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة، التي تفتح للقاهرة أبواب مؤسسات التمويل الدولية، ولكنها تسمح لها برسم الخطوط الحمراء ومواجهة الضغط السياسي الثقيل، مثل الضغط الذي استخدمه الرئيس ترامب منذ فترة غير بعيدة حتى تستوعب هي والأردن 2 مليون غزي. تراجع ترامب في هذه الأثناء عن هذا الطلب، وأوضح بأنه لن يحدث إخلاء قسري لسكان غزة، وذلك بعد أن أجرى عدداً من “المحادثات الصادقة” مع حاكم السعودية محمد بن سلمان. ولكن عندما تسمع مصر تشخيص ويتكوف، ثم تسمع عن إقامة “إدارة الهجرة الطوعية” في إسرائيل، فالقلق يعود إلى واجهة الساحة العامة.
مصر ساعدت، وهي مستعدة للاستمرار في مساعدة سكان غزة، وتطمح إلى المشاركة في مشروع إعادة إعمار القطاع، الذي إذا ما تم تطبيقه فربما يحقق لها أرباحاً كبيرة. ولكن استيعاب سكان من القطاع فيها، حتى لو جاؤوا بشكل “طوعي”، فهي قصة مختلفة كلياً. بالنسبة للقاهرة، الحديث يدور عن تهديد متعدد الطبقات، يبدأ بالخوف على الأمن القومي وخطر أن نمو بؤر إرهابية تعمل ضد إسرائيل، بل وتتعاون مع منظمات داخل مصر. مصر ما زالت تخوض حرباً ضروساً دموية ضد المنظمات الإسلامية المتطرفة. والأمر الأخير الذي تحتاجه الآن هو أن تحصل هذه المنظمات على زيادة تتمثل في قوة عسكرية مدربة حاربت في غزة.
إن استيعاب غزيين في مصر يعني من ناحية وطنية “تصفية القضية الفلسطينية”، كما كتب الديهي، ونقل حلها إلى حدود مصر حتى لو تم حبس اللاجئين في مدينة خاصة ستقام من أجلهم، وتحصل مصر من أجلهم على أموال طائلة. هذا أيضاً سبب بأن الفكرة التي طرحها يئير لبيد التي بحسبها ستتولى مصر السيطرة على القطاع لفترة محدودة، تبدو فكرة مدحوضة كلياً. في الواقع، استوعبت مصر 100 ألف غزي، هربوا إليها في بداية الحرب عندما كان معبر رفح مفتوحاً. ولكنها تقيد حرية حركتهم، وتمنعهم من العمل، ولا يمكنهم الحصول على مساعدات الأونروا، لأن هذه المنظمة غير مسموح لها بالعمل في مصر، ولها ممثلية صغيرة فقط.
المرضى والمصابون الذين دخلوا مصر هم الآن في المستشفيات بشروط اعتقال مقيدة. في مرات كثيرة، يطلب منهم شراء الأدوية لأنفسهم، ولا يسمح للمرافقين لهم بالخروج من المستشفى إلا بمرافقة رجال الأمن ولفترة محدودة. ريفييرا مصرية على صيغة ترامب، لا تنتظر اللاجئين الذين سيهاجرون إليها بشكل طوعي. رفض مصر استيعاب سكان غزة مدعوم بصورة وثيقة بمواقف جميع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية التي تتبنى الخط الأكثر تصلباً ضد خطة الترانسفير. ترامب وويتكوف يعرفان جيداً موقف السعودية، وهي الدولة التي يعتمد عليها بشكل كبير تشكيل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولكن عندما تحدث ويتكوف عن الربط بين غزة والتطبيع المأمول بين إسرائيل والسعودية، فقد “نسي” لسبب ما ذكر أن “تغيير السكان في غزة”، حسب رأيه، ربما يتحطم على صخرة معارضة السعودية، ومعه حلم التطبيع.
ويتكوف الذي يتحدث عن تطلع لتوسيع دائرة الدول التي ستنضم إلى اتفاقات إبراهيم، لا يتحدث عن الخطر الذي ستشكله خطة الترانسفير على العلاقات بين إسرائيل ومصر واتفاق السلام بين الدولتين.
عندما توسع إسرائيل حجم العملية العسكرية في غزة، سيتحدث الجيش عن احتلال لفترة طويلة وسيطرة مدنية وليس عسكرية في القطاع فقط. وعندما تتطور فكرة “الهجرة الطوعية” إلى خطة عملياتية، فسيكون الخوف في مصر من احتمالية أن الترجمة العملية لهذه الهجرة أن تحدث إسرائيل، بمبادرة منها، فتحات عبور بين غزة ومصر وستسمح للسكان الراغبين في ذلك بالانتقال إلى الطرف الثاني للحدود. والمعنى أن مصر ستواجه خيارين، إما استيعاب مئات آلاف اللاجئين في أعقاب الضغط، أو وضع قوة عسكرية أمامهم تمنع دخولهم. تأثير هذه السيناريوهات على العلاقات بين مصر وإسرائيل قد يكون كارثياً. إذا حدث “حادث سيئ”، المتوقع أن يحدث لمصر والذي حذر منه ويتكوف، فهذا هو الحدث. ولمنعه، يجب على ويتكوف والرئيس ترامب أن يكونا أكثر وضوحاً وحزماً، ويقولا إن أي هجرة مهما كانت، حتى لو بالإكراه، ليست خطة عمل وليست مساراً للحل.
تسفي برئيل

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي