1

ميديابارت: مطالبة ترامب بالتطهير العرقي في غزة تؤكد أن رئاسته تتجه إلى أن تصبح إمبراطورية الفصل العنصري

“ترامب- ماسك.. إمبراطورية الفصل العنصري”، قال موقع ميديابارت الاستقصائي الفرنسي، في مقال للصحافي المعروف إدوي بلينل (وهو أحد مؤسسي الموقع) إن مطالبة دونالد ترامب بالتطهير العرقي للفلسطينيين في غزة، أمام بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تؤكد أن رئاسة ترامب هي إعلان حرب على المثل الديمقراطية الأساسية.

وأضاف بلينل القول إن مصير العالم يكمن تحت قضية فلسطين. فرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان أول زعيم يستقبله الزعيم الجديد للقوة العسكرية والاقتصادية الرائدة في العالم، حصل على ضوء أخضر صريح في واشنطن لتوسيع نطاق الجرائم التي يُحاكم بسببها: التطهير العرقي للشعب الفلسطيني، والذي يجري بالفعل أيضاً في الضفة الغربية مع هجوم المستوطنين والجيش على المخيمات والبلدات الفلسطينية.

وبعيداً عن تدمير حماس كما زعم الإسرائيليون في أعقاب السابع من أكتوبر، فإن هدف الحرب هو في الواقع إخفاء فلسطين، وتدمير فكرتها ذاتها، ومحو شعبها من الأراضي التي احتلتها إسرائيل، كما يقول الصحافي بلينل، مُعتبرا أن الرئاسة الثانية لدونالد ترامب تجلب الإمبريالية في أمريكا الشمالية إلى ذروتها من خلال افتراض التطرف في الغزو والهيمنة والجشع والمصلحة، دون ازدواجية أو ادعاء كاذب، والتي تختبئ في ادعاء العظمة الاقتصادية والعسكرية والثقافية للولايات المتحدة في مواجهة بقية العالم.

انقلاب بصدد التنفيذ

فكلمة دونالد ترامب الرئسية هي اللاحدود: لا شيء يستطيع أن يعيق رغبته في أي مجال: السلطة، الثروة، الفتح، السيطرة، وما إلى ذلك. و“لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، هذا البرنامج الذي يتضمنه شعار واحد، يعني أنه لا شيء يجب أن يقاوم إرادة القوة في الولايات المتحدة. ولكن ليس كوكب المريخ فقط، بل أيضا الدول ذات السيادة: كندا، وبنما، أو الدنمارك عبر غرينلاند.

لا يقتصر الأمر على البشر غير المرغوب فيهم، والمهاجرين الذين من المقرر “ترحيلهم”، بل يمتد إلى البضائع الأجنبية أيضاً، في عودة إلى الحروب التجارية الأكثر قدماً. ناهيك عن الديمقراطية نفسها، التي أصبحت بالفعل في طي النسيان، وتقلصت إلى الشرعية الوحيدة التي تمنحها الانتخابات، يقول إدوي بلينل.

https://x.com/edwyplenel/status/1887250547444752816?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1887250547444752816%7Ctwgr%5E8b4346f755a57c305bea795659c5caa71908b678%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2FD985D98AD8AFD98AD8A7D8A8D8A7D8B1D8AA-D985D8B7D8A7D984D8A8D8A9-D8AAD8B1D8A7D985D8A8-D8A8D8A7D984D8AAD8B7D987D98AD8B1-D8A7D984D8B9D8B1%2F

منذ تنصيبه في 20 يناير/ كانون الثاني، شهدت الولايات المتحدة انقلابا حقيقيا، مع صدور مراسيم رئاسية غير قابلة للاستئناف، كان أغنى شخص في العالم إيلون ماسك هو المهندس المتحمس لها. لا مزيد من المساعدات الإنسانية الدولية، ولا مزيد من وكالات حماية البيئة، ولا مزيد من الأمن الوظيفي، ولا مزيد من خصوصية البيانات. في 28 يناير/ كانون الثاني، تلقى مليونا موظف فيدرالي رسالة بريد إلكتروني تطلب منهم الاستقالة، في حين تم الاستيلاء على قواعد بيانات وزارة الخزانة الأمريكية من قبل القوات الخاصة المحيطة بإيلون ماسك.

ومضى إدوي بلينل، مُعتبراً في مقاله أن رئاسة دونالد ترامب ليست تجسيدا جديدا للمحافظة الاجتماعية. فهو (ترامب) يجسد ظهور البربرية في قلب الحضارة، تماماً كما كان الحال في أوروبا مع الفاشية والنازية، مما يعرض مصير البشرية جمعاء للخطر. فالثورة المضادة التي ينوي قيادتها بقوة كبيرة تستهدف على وجه التحديد الطفرة التي تولدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من الوعي بالكوارث الناجمة عن العظمة وويلات القوة، كما تجلى ذلك مع ملايين الضحايا في جرائم الإبادة الجماعية والتي تم تعريفها قانونيا آنذاك. وهكذا تم إعلان حقوق الإنسان العالمية واختراع القواعد الدبلوماسية للأمم المتحدة.

بالنسبة لترامب، لم يعد هناك إنسانية مشتركة، ولم يعد هناك مجتمع دولي، ولم يعد هناك تضامن وأخوة، ويعتبر أن ما هو عادل هو فقط ما يحكم هو بأنه جيد للولايات المتحدة وشعبها، ولا شيء آخر. وهذا البرنامج السياسي انفصالي في الأساس: فهو يقطع مع فكرة العالم المشترك، حيث يكون البشر، مثل الطبيعة التي هم جزء منها، في علاقة، ومترابطين ومختلطين ومتشابكين بشكل لا ينفصم.

واعتبر إدوي بلينل أن “الفصل العنصري” هو شعار دونالد ترامب. لقد كان عام 1948، وهو العام الذي شهد إعلان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاعتراف الدولي بإسرائيل، هو العام الذي أصدر فيه النظام الأفريكاني في جنوب أفريقيا قوانين الفصل هذه العنصري. وهذا هو معنى كلمة “أبارتهايد” المشتقة من الكلمة الفرنسية “à part”.

ترسيخ هذا الفصل العنصري، والتمييز في كافة جوانب الحياة اليومية، كان شاهداً على العالم الذي أنتج الكارثة الأوروبية: هذا التسلسل الهرمي للإنسانيات هو مصدر الحماقات الاستعمارية والإمبريالية، والغزو والعظمة، والذي يؤدي حتماً إلى إنكار الآخر، وطرده، ودفعه بعيداً أو إبادته، وفي جميع الحالات إلى محوه، يقول إدوي بلينل.

برنامج كل اليمين المتطرف

وتابع إدوي بلينل القول إنه يبدو أن رئاسة دونالد ترامب تتجه إلى أن تصبح إمبراطورية الفصل العنصري وأيديولوجيته ومشروعه. فهذه الوحشية تعود على نطاق عالمي: إنها برنامج كل اليمين المتطرف في أشكاله المختلفة. برنامج جهنمي يستهدف حتما كل تنوع الشعوب المعنية، ويستهدف حقوق المرأة، وقضايا النوع الاجتماعي، ونضالات المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيا، وعلى نطاق أوسع، كل الأقليات المفترضة التي يهز وعيها المحافظون الذين يزعمون أنهم الأغلبية.

ومن هنا تأتي التحية النازية المزدوجة التي قام بها إيلون ماسك، والتي سبقتها العديد من المواقف الأخرى التي تشهد على عنصريته ومعاداته للسامية وفاشيته. مثل بيتر ثيل وديفيد ساكس، شخصيتان أخريان من الإقطاع التقني الأوليغارشي الذي استولى على السلطة في الولايات المتحدة، يأتي إيلون ماسك من جنوب أفريقيا.. جنوب أفريقيا الانفصال والتمييز ورفض الإنسانية وفرز الكائنات، ناهيك عن النفي الجذري للمساواة في الحقوق، يُشير إدوي بلينل.

هذا الرمز يتحدث عن لحظة الحقيقة التي نواجهها، في اليقين الفوري بالأسوأ: عالم قديم من الافتراس لا يريد أن يموت، على الرغم من إدانته، يولد وحوشا على أمل القضاء نهائيا من أجل عالم أفضل وأقل ظلما و عنفا وتدميرا. ومنذ ذلك الحين أصبح الأمر تحديا حضاريا، متجاوزا الخلافات الثانوية والاختلافات اللحظية. ربما حان الوقت لنكون على علم بهذا، يقول إدوي بلينل في نهاية مقاله.

موقع ميديا بارت الفرنسي




مطور عقارات في دكان للخزف الصيني.. سياسة ترامب المتقلبة بالشرق الأوسط.. وفكرة ترحيل الغزيين جاءت من خطاب لصهره كوشنر

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقال رأي كتبه ديفيد إغناطيوس قال فيه إن دونالد ترامب بات مثل “مطور عقارات في دكان للخزف الصيني”. ففي منطقة تتعافى من صدمة الحرب، فإن تعليقاته للسيطرة على غزة هي بمثابة تحريض حارق.

وأضاف أن الرئيس ترامب، الذي قال إنه يريد إنهاء الحروب في الشرق الأوسط، يتعثر الآن نحو تورط جديد خطير في حديثه عن طرد الفلسطينيين من غزة والاستيلاء على الأراضي لصالح الولايات المتحدة.

وكان أثر الاقتراح المذهل سريعا وحادا جدا يوم الأربعاء، لدرجة أن السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض كارولين ليفيت، سارعت إلى توضيح أن ترامب لم يكن يخطط لدفع ثمن هذا المشروع أو إرسال قوات أمريكية، وإذا كان هذا صحيحا، فلا يبدو أن أي دولة أخرى في المنطقة مستعدة لتقديم الدعم المالي أو العسكري. وعليه فإن الإقتراح على ما يبدو يعادل في السياسة الخارجية بدلة الكلام الفارغ.

وقد تردد صدى تصريحات ترامب مثل صوت الرعد. وأصدرت السعودية والإمارات بيانات سريعة ترفض فيها الخطة. وقالت مصادر أردنية للكاتب بأن احتجاجات سريعة بدأت بالفعل. وهناك مخاوف محلية في أمريكا نفسها، وتوقع ما هو أسوأ.

وأرسلت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إلى قوى فرض النظام والقانون على مستوى المقاطعات والولايات، رسالة مخيفة في الساعة 12:14 من صباح الأربعاء، بعد خمس ساعات من تصريحات ترامب، محذرة من المخاطر المحتملة بسبب “التغييرات في موقف الولايات المتحدة بالمنطقة”.

وكان فحوى الرسالة: “في الماضي، أدى موضوع السياسة الخارجية هذا إلى احتجاجات حول البلد، ونحن واعون باحتمالية حدوث المزيد من الاحتجاجات في الأيام المقبلة، ولو تحولت إلى عنف، فنحن نتوقع منكم اتخاذ تحرك في ولايتكم أو منطقتكم. تقف وزارة الأمن الداخلي والوكالات الشريكة معها من أجل توفير الدعم والمصادر لتعزيز الأمن الوطني”. وقد حصل الكاتب على نسخة من الرسالة من شخص تلقاها.

وقال إغناطيوس إن مجموعة راديكالية تطلق على نفسها “المقاومة الإسلامية السيبرانية” وزّعت تعميما دعت فيه لهجمات إلكترونية ضد المصارف الأمريكية احتجاجا على إعلان ترامب، وذلك حسب مسؤول مجموعة حكومية ترصد تحركات الراديكاليين.

وبالنسبة للشرق الأوسط الذي يتعافى للتو من صدمة خمسة عشر شهرا من الحرب، فإن اقتراح ترامب باستيلاء الولايات المتحدة على غزة كان مثيرا للغضب. فقد تمت دعوة زعيم مصر وملك الأردن إلى البيت الأبيض، وهما الدولتان اللتان ذكر ترامب بأنهما مكان إعادة توطين الغزيين عندما طرح الفكرة لأول مرة قبل عشرة أيام.

ويعلق الكاتب أن البلدين خائفين من ترامب، كما يبدو معظم العالم بعد أسبوعين من التهديدات والإجراءات. لكنهما أكثر قلقا بشأن خطر الاضطرابات الداخلية التي قد تلي طرد الفلسطينيين إلى مصر والأردن.

وقال مسؤول أمني عمل لعقود في منطقة الشرق الأوسط: “سيحدث هذا عرقلة كبيرة في مصر والأردن”، وأكد أن عدم الاستقرار هذا سيرتد على إسرائيل، ويؤدي إلى انتفاضة جديدة في الضفة الغربية وعلى حدود الدولة العبرية. وقال الشخص بِحيرة: “لماذا تريد تصدير حماس لدول تعد مهمة لأمن إسرائيل؟”.

وتحضّر هذه الدول للأسوأ، فقد أرسل مصدر مصري على علاقة مع المخابرات المحلية رسالة إلى صديق: “لو حصل تهجير قسري إلى سيناء، فستتحرك مصر عسكريا، وهم يقومون بعسكرة سيناء منذ أيار/ مايو”.

وقد انفجرت خطة ترامب للسيطرة على المنطقة دون سابق إنذار، مما أثار صدمة حتى عند مسؤولي الاستخبارات والأمن الإسرائيليين.

ولكن بالنظر إلى الوراء، كانت هناك علامات منذ أشهر على أن الخطة ترسخت في ذهن مطور العقارات السابق. فقبل عام، قال جاريد كوشنر، صهر ترامب الذي يدير الآن صندوقا استثماريا بمليارات الدولارات بدعم من السعودية، في منتدى هارفارد عبر الإنترنت، إن “عقارات غزة المطلة على البحر يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة”. وأوضح: “من وجهة نظر إسرائيل، سأبذل قصارى جهدي لإخراج الناس ثم تنظيف المكان”، رغم أنه ناقش نقل الفلسطينيين إلى صحراء النقب الإسرائيلية بدلا من الأردن أو مصر.

ثم في أيلول/ سبتمبر، ذكر ترامب فكرة النقل في اجتماع مع زعيم خليجي كان يزوره في مقر إقامته بفلوريدا، وفقا لمصدر عربي مطلع على الاجتماع.

ويحاول الأردن الذي قد يتعرض لتأثير كبير على استقراره بسبب المقترح، نظرا لوجود أعداد كبيرة من الفلسطينيين فيه، الحصول على معلومات.

ولم يقدم المسؤولون في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي توضيحات، حيث لم تتم إحاطتهم، كما قال مصدر مقرب من الأردنيين. ولم يحصل المسؤولون في وكالة الاستخبارات الأمريكية على تحذيرات أيضا.

ويعلق إغناطيوس أن اقتراح ترامب المتقلب هو أحدث مثال على إدارة تبدو غافلة عن العواقب المترتبة على الأمن القومي في رغبتها الجامحة بخلخلة الأمور. وعُرض على ضباط وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” في جميع أنحاء العالم، فرص الحصول على مكافأة للاستقالة من مناصبهم يوم الثلاثاء كجزء مما قاله مديرها جون راتكليف، أنه جهد لتقليص القوى العاملة و”تزويد الوكالة بطاقة متجددة”.

ولا تأخذ هذه التغيرات بعين الاعتبار، التأثير الذي قد تخلفه هذه التخفيضات غير المركزة في الوظائف على عمليات الوكالة، في وقت يسود فيه عدم الأمن العالم العالمي. ونقل الكاتب عن مسؤولين سابقين في “سي آي إيه” قولهم إن العديد من رؤساء المحطات اتصلوا بهم هذا الأسبوع بحثا عن وظائف.

فليس من السهل استبدال الضباط الذين يتمتعون بمهارات لغوية مهمة ولا يمكن اكتسابها إلا بصعوبة مثل التحدث باللغة الروسية أو الصينية أو العربية. ويخشى قدامى المحاربين في “سي آي إيه” أن يربك تعيين مايكل إليس الموالي لترامب نائبا لراتكليف عمل الوكالة، فهو يتمتع بخبرة استخباراتية ضئيلة.

والواقع أن منجل ترامب الذي يسعى إلى تعطيل النظام والانتقام، بات يخترق المشهد الأمني ​​الوطني. فعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف بي آي” الذين عادة ما يراقبون الإرهاب ومكافحة التجسس، باتوا ينفقون وقتهم في التحقيق مع المتورطين بالتحقيق في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/ يناير2021. وهو ما دفع عملاء “أف بي آي” للبحث عن وظائف، كما أخبر مسؤولون سابقون الكاتب. كما تلقى ضباط في وكالة الأمن القومي، التي تنتج ربما أكثر المعلومات الاستخباراتية حساسية وأهمية في البلاد، استقالة مقابل مكافأة مالية.

ويعلق إغناطيوس أن سياسات الرئيس ترامب من الشرق الأوسط باتت متقلبة، فهو من جهة يتفاخر بهزيمته لتنظيم الدولة الإسلامية. وأشار الأسبوع الماضي إلى أنه يفكر في سحب قوات العمليات الخاصة الأمريكية من سوريا التي تحاول منع عودة ظهور الجماعة الإرهابية هناك، قائلا: “سوريا فوضوية في حد ذاتها، إنهم لا يحتاجون إلى مشاركتنا”.

وبدون الدعم الأمريكي، قد يتمكن الآلاف من سجناء تنظيم الدولة الإسلامية المحتجزين الآن في السجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد في شمال- شرق سوريا، من الفرار.

وتساءل الكاتب: “من الذي سيعالج هذه المشكلة؟”، ويجيب: “إذا حكمنا على التصريحات العامة، فإن إدارة ترامب ليست لديها أدنى فكرة”.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




نائب سابق لقائد الجيش الإسرائيلي: فكرة ترامب هذيان.. الغزيون باقون في القطاع.. والحل سياسي

فيما تبدو الحلبة السياسية في إسرائيل متشابهة جداً في الموقف من تصريح الرئيس الأمريكي حول الاستيلاء على غزة وتهجير الغزيين، لا فرق بين ائتلاف ومعارضة، تأتي أصوات الحلبة الإعلامية العبرية مغايرة، ويتّجه معظمها للتحذير من تبعاتها، خاصة على مستقبل الصفقة مع “حماس”، وللتشكيك بواقعية واحتمالية الفكرة، بيد أنها تزين ذلك بميزان الربح والخسارة، بدلاً من الانطلاق من المعايير الأخلاقية والإنسانية والقانونية.

في تعقيبه الأول على “خطة” ترامب، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في حديث لشبكة “فوكس نيوز” اليمينية الأمريكية، إن “خطة” ترامب بإخلاء قطاع غزة من سكانه لصالح ترميمه هي الفكرة الطيبة الأولى التي سمعها.
ودعا نتنياهو من واشنطن إلى معاينة الفكرة وتنفيذها، كونها تستبطن “مستقبلاً أفضل للجميع”.
وفي المقابل، أبدى تحفظه من إرسال واشنطن جنوداً أمريكيين إلى غزة، أو أن تقوم بتمويل إعادة البناء.

جاءت ملاحظة نتنياهو هذه على خلفية تحفظات موظفين أمريكيين كبار من “خطة ترامب”، التي طرحت، في مؤتمر صحفي، للمرة الأولى عقب لقاء ترامب بنتنياهو. وقد حاول بعض المسؤولين الأمريكيين الكبار التراجع خطوة أو خطوات للخلف و”تلطيف” فكرة الاستيلاء على القطاع، وذهب بعضهم لإبداء رأي يخالفها، كالقول إن إخلاء الغزيين سيكون مرحلياً فحسب.

حاول بعض المسؤولين الأمريكيين الكبار التراجع خطوة أو خطوات للخلف و”تلطيف” فكرة الاستيلاء على القطاع

وأضاف نتنياهو، ممعناً في سياسات دق الأسافين: “من المعروف أنه لم تعد الدول العربية ترى إسرائيل عدوة، وهذه الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تحارب إيران، العدو الأكبر المشترك”.
وبعد ذلك، سارع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس للقول إنه أمر الجيش بإعداد خطة لتمكين أهالي غزة من الهجرة طواعية بالخروج عبر معابر برية وجوية وبحرية، زاعماً أن هذا من حقهم هم أيضاً.
ومثل هذا الإعلان من قبل كاتس يأتي لا بدّ بالتنسيق مع نتنياهو، ضمن مساعي حكومة الاحتلال بإقناع الإسرائيليين وكل شركاء الائتلاف بجدية فكرة الترانسفير، رغم عدم توفّر أي خطة فعلية لذلك في ظل مخاوف من تبخر “فقاعة الصابون” نتيجة تشكيك واسع بها من قبل أوساط إسرائيلية غير رسمية في الأساس.

ارتدادات الهزة الأرضية

بعد الهزة الأرضية السياسية التي أخذت العالم بالدهشة في ظل طرح “فكرة” من فترة عصر الظلمات بواسطة الصدمة والترويع والترهيب، طمعاً باحتلال وعي الفلسطينيين والتأثير على وعي الإسرائيليين، شهد اليوم الأخير تراجعاً معيناً في الموقف الأمريكي، كما تجلى في تصريح ستيف ويتكوف في الليلة الفائتة، وهو أكثر واقعية من ترامب، قال فيه إن المرحلة الثانية من الصفقة مع حماس مصلحة أمريكية، ملمحاً إلى كونها مقدمة لصفقة سياسية أكبر عمادها اتفاق مع السعودية يشمل تطبيعها مع إسرائيل.

وتبعه مستشار الأمن القومي مايك وولتش، الذي رشّ بعض الماء البارد على “خطة ترامب” بقوله إن التصريح ليس خطة بقدر ما هي محاولة للتحريك وتشجيع طرح أفكار. ومثل هذه التحفظات الأمريكية تتكاتب مع الدوافع والحسابات الحقيقية خلف “قنبلة” ترامب، التي تمّ إعدادها على ما يبدو في إسرائيل، وفي جوهرها احتلال وعي العرب والفلسطينيين والضغط عليهم جميعاً للعمل على دفع حركة حماس للتنحي والنزول من واجهة الحكم في غزة من جهة، والتأثير على وعي الإسرائيليين والمساهمة في حماية ائتلاف نتنياهو من السقوط نتيجة صفقة تبادل مع حماس تعارضها أوساط اليمين المتشدّد داخل حكومة الاحتلال، كونها تنسف “النصر المطلق” وتلقي بظلال سوداء وساخرة عليها وعلى شعبيتها.

في المقابل، فإن واشنطن، ومنذ انتخاب ترامب، معنية جداً بإتمام هذه الصفقة بشكل كبير لتفِي بوعودها بتحرير المخطوفين، ولتكون مقدمة لصفقة سياسية أكبر مع السعودية.

مسّ من الله!

ويؤكد باحث إسرائيلي خبير بالشؤون الأمريكية، كوبي باردا، أن نتنياهو وجد نفسه منذ شهور أمام خيارين صعبين: إما سموتريتش وإما ترامب، حتى جاء الأخير عقب انتخابه وقال له: “لا حاجة لهذا الخيار الصعب”، فبادر عبر تصريح الاستيلاء على غزة وتهجير الغزيين لتثبيت سموتريتش في الائتلاف، لأن الهدف الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة هو الاتفاق مع السعودية.

باردا، الذي يرى هو الآخر أن تصريح ترامب لا ينم عن خطة وأنه محاولة تكتيكية لتيسير بلوغ الهدف الأسمى، يضيف في حديث للإذاعة العبرية العامة صباح اليوم الخميس: “الأسبوع القادم مثير جداً وفيه بدء موعد حجيج العرب للبيت الأبيض. ترامب الثاني مختلف عن الأول وهو يشعر أن فيه مسّاً من الله”.

ومع هبوط الغبار على الأرض وتوالي ردود الفعل وازدياد القرائن المختلفة، يتضح أن فكرة تهجير الغزيين والسيطرة الأمريكية على غزة تهدف للضغط من أجل إسقاط حماس، وفي المقابل مساعدة اليمين الصهيوني على البقاء في الائتلاف لحماية فرصة تحقيق اتفاق تطبيع مع السعودية.

صحيح أن سموتريتش وبن غفير يهددان بتفكيك الحكومة، لكنهما غير راغبين بالذهاب لانتخابات مبكرة وهما يدركان أن نتيجتها ستكون مغامرة كبرى تهدد بقاء أحدهما في الحياة السياسية وبإرسال الثاني لصحراء المعارضة. بيد أنهما يبحثان عن غطاء ووسيلة تبرر بقاءهما أمام جمهورهما اليميني المتشدد الذي يرى بالصفقة صفعة له ولإسرائيل.

ولذا، وعلى هذه الخلفية، تحدّث نتنياهو ليلة البارحة مع رؤساء الائتلاف وحثّهم للحفاظ على الائتلاف، مؤكداً أن إسقاط الحكومة يعني ضربة خطيرة لليمين الصهيوني، داعياً إياهم لـ”الإصغاء لأجراس التاريخ فهي تقرع من واشنطن”. وهذه إشارة لمكاسب كبرى تستوجب التغاضي عما تحمله المرحلة الثانية من الصفقة من منغّصات، والترفع عن خلافات داخلية خطيرة تهدد مستقبل الائتلاف كالموازنة العامة وتجنيد الحريديم.

ميزان الربح والخسارة

إلى جانب الدهشة في إسرائيل تتواصل الاحتفالية الكبرى في اليمين الصهيوني في حلبتي السياسة والإعلام، فذهب وزير الثقافة ميكي زوهر لحد الغناء فرحاً بالتصريح الترامبي، فيما دعا الوزير المستقيل بن غفير نتنياهو لاغتنام “الفرصة التاريخية”، وقال إننا ننتظر أفعالاً، مشيراً إلى أنه في الطريق لعودته للحكومة.
في المقابل، تبدو مواقف المعارضة غير مختلفة كثيراً، ويبدو أن الدافع وراء هذا الموقف هو التماشي مع رغبة أغلبية الإسرائيليين في تهجير الفلسطينيين، خاصة بعد السابع من أكتوبر، وفقًا لاستطلاعات متتالية. لقد اكتفى رئيس المعارضة، يائير لبيد، بالقول: “الصورة غير واضحة بعد، لكن المؤتمر الصحفي يبدو إيجابيًا لإسرائيل”.
وسبقه النائب بيني غانتس، الذي أشاد بترامب وبفكرته، وكذلك النائب المعارض أفيغدور ليبرمان، الذي دعا نتنياهو إلى التقاط “الفكرة الكبيرة”.
ويختلف حزب “الديمقراطيين” (ميرتس) عن بقية مكونات المعارضة، حيث أكد رئيسه يائير غولان، في تصريحات إعلامية اليوم، أن “فكرة ترامب غير قابلة للتطبيق”، مشددًا على أن “الغزيين باقون في غزة، وأن الفلسطينيين لن يغادروا وطنهم”.
وفي حديث لإذاعة جيش الاحتلال، قال غولان (نائب قائد الجيش سابقًا): “لنهبط إلى الواقع الصعب، فالفلسطينيون باقون هنا، ولن يختفوا من البلاد، ولا خيار إلا تقسيمها. لقد سبق أن خبرنا أفكارًا خيالية بقيت مجرد حبر على ورق، مثل اعتبار الفلسطينيين شوكة في الظهر، أو الحلم بغرق غزة في البحر، أو اختفاء الفلسطينيين من العالم. كل هذه الأفكار الخيالية ليست سوى هذيان ووهم”.
وتساءل غولان: “لو فرضنا جدلًا أن إسرائيل قررت التقدّم لتنفيذ الفكرة، فمن سيستقبل الفلسطينيين؟”.
وضمن تحذيره من الفكرة، قال: “العاهل الأردني مرعوب منها، ومصر تعارضها نتيجة حساباتها وعلاقة نظامها مع الإخوان المسلمين”.
واعتبر غولان أن “الحل الحقيقي والواقعي هو الحل السياسي، الذي يعني تقاسم البلاد مع الفلسطينيين، وبناء بديل سياسي لحماس في القطاع، إلى جانب تحالف إقليمي لمواجهة إيران، وتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة”.

في الإعلام تشكيك أكبر

بخلاف الساحة السياسية، تتوافق الحلبة الإعلامية الإسرائيلية في معظمها على التشكيك في واقعية ودوافع فكرة ترامب. فمقابل احتفالية قناة اليمين والمستوطنين “القناة 14” وصحيفة “يسرائيل هيوم”، فإن بقية وسائل الإعلام تحذر من عدم واقعيتها، ويتعامل بعضها معها باستخفاف وسخرية.
يقول المعلق السياسي البارز في “يديعوت أحرونوت”، ناحوم برنياع: “الحديث يدور عن ترانسفير في الهواء”.
أما المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هارئيل، فيرى أن “ترامب عاد ليكون نبيًّا لليمين، لكن وعوده بإنشاء ريفييرا في غزة لا تبدو واقعية”.
وفي موقف أكثر حدة، يرى تسفي بار إيل، محرر الشؤون الشرق أوسطية في “هآرتس”، أن “ترامب، بتصريحه الأخرق، تسبب في وحدة عربية غير مسبوقة منذ السابع من أكتوبر”.
أما افتتاحية الصحيفة، التي جاءت تحت عنوان “هذا غير جدي”، فقد شددت على أن “الحل الصحيح هو الحل السياسي والإنساني والقانوني”.

مايك وولتش: التصريح ليس خطة بقدر ما هو محاولة للتحريك وتشجيع طرح أفكار

الخوف على الصفقة

وفيما استفادت إسرائيل من مجرد تطبيع فكرة الترحيل، ومن تعزيز صورتها باعتبارها الدولة الأقرب إلى البيت الأبيض بكل ما يترتب على ذلك، فإن نتنياهو سيعود من واشنطن دون حلول للمشاكل الساخنة، ودون تطبيع مع السعودية، ودون ضربة أمريكية لإيران. ومع ذلك، فإنه يعود بمكسب سياسي داخلي يتمثل في الحفاظ على ائتلافه ومنعه من الانهيار.
ويبدو أنه يخطط، وفق ما يتضح، لتمديد ولايته الحالية قدر المستطاع حتى نوفمبر 2026، وخلال هذه الفترة يسعى إلى تحقيق التطبيع مع السعودية، ثم خوض الانتخابات العامة، مقدمًا التطبيع للإسرائيليين على أنه إنجاز كبير، على أمل أن يشفع له ذلك لدى الناخبين، فيبقونه في الحكم، بل وربما في التاريخ السياسي لإسرائيل.
في المقابل، تبدي الأوساط غير الرسمية، وكذلك وسائل الإعلام وعائلات المخطوفين والأسرى، مخاوف من الانعكاسات السلبية لتصريحات ترامب على مستقبل مفاوضات “الصفقة الثانية”.
فلسان حالهم يقول: “ما مصلحة حماس في الإفراج عن جميع المخطوفين وهي تعلم أن شروطها لإنهاء المعركة مرفوضة سلفًا، خاصة في ظل وجود من يعمل على تهجير غزة واحتلالها؟”.
وقد حذر الجنرال في الاحتياط، يسرائيل زيف، في حديث للقناة “12” العبرية، من أن فكرة ترامب قد تعطل الصفقة الثانية، مشددًا على أنها “غير مدروسة، وإذا ما تم تنفيذها، فإنها قد تزعزع استقرار الأردن، وربما تؤدي إلى ظهور جبهة مجاهدين تمتد من نهر الأردن حتى أفغانستان”.
في المقابل، يرى زميله، الجنرال في الاحتياط والمستشار السابق للأمن القومي، غيورا آيلاند، في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” اليوم، أن “خطة ترامب” أكثر منطقية وواقعية، مراهناً على أن عددًا كبيرًا من الغزيين سيقبلون بالرحيل، وأن بعض الدول الأجنبية سترضى باستقبالهم.

فوكس نيوز الاميركية

ترجمة صحيفة القدس العربي




مجلة أمريكية: خطة ترامب لغزة ليست مجرد إفلاس أخلاقي بل محض جنون ولن يهاجر سكانها منها أبدا

قال ستيفن كوك، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي والمعلق بمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن خطة ترامب للإستيلاء على غزة هي  محض جنون، والاستيلاء على أرض فلسطينية ينطوي على جرائم حرب أمريكية وفوضى إقليمية عارمة.

وأكد الكاتب أن ” أحد الامتيازات الخاصة التي يتمتع بها رئيس الولايات المتحدة هو أن الناس لابد وأن يأخذوا ما يقوله على محمل الجد مهما كان سخيفا. وهذا ينطبق أيضا على اقتراح الرئيس دونالد ترامب بأن تسهل واشنطن التطهير العرقي لقطاع غزة، ثم عندما يتم إنجاز هذه المهمة، تصبح هذه المنطقة تحت سيطرة أمريكا”. وقال كوك إن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يحتاج إلى أفكار جديدة، وغزة على وجه الخصوص تطرح مجموعة من المشاكل الصعبة للغاية، ولكن اقتراح ترامب ليس مجرد إفلاس أخلاقي،  بل هو جنون محض.

ترامب يصر على أن “الناس” يدعمون خطته، وربما كان يتحدث في مكالمة هاتفية في وقت متأخر من الليل مع أصدقاء من منتجعه

 ولكن من أين نبدأ؟ يتساءل الكاتب، ليقول: يصر ترامب على أن قادة العالم وحتى من هم في المنطقة يدعمون الخطة، ولكن من هم؟ فقد أصدر السعوديون بيانا وبعد فترة قصيرة من ظهور ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانا أكدوا فيه دعمهم لحل الدولتين. أما مصر والأردن فقد رفضتا بالقطع فكرة ترانسفير الفلسطينيين إلى أراضيهما، حتى لو خسرتا السخاء الأمريكي. ولا  يدعم الخطة حتى المستوطنين اليهود الذين يريدون توطين المسيحانيين المتطرفين في غزة وليس السماح لمطوري العقارات والفنادق الراقية من أمريكا. ولكن ترامب يصر على أن “الناس” يدعمون خطته، وربما كان يتحدث في مكالمة هاتفية في وقت متأخر من الليل مع أصدقاء من منتجعه في مار إيه لاغو.

والخطر هنا، وفق الكاتب، هو أن ترامب يشعر، ردا على عاصفة الانتقادات المستحقة، بالحاجة إلى إثبات خطأ الجميع وجعل التطهير العرقي والاستعمار الجديد سياسة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ويضيف أن هناك أيضا مسألة الجدوى، فلا شك أن القوات الأمريكية تستطيع السيطرة على القطاع، مع أنها لن تكون مجانية وبخسارة في الأرواح الأمريكيين. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها إسرائيل، فإن حماس تظل مسلحة بشكل جيد وفتاكة. فهل يتوقع الرئيس أن يتوجه مقاتلو حماس بهدوء إلى شبه جزيرة سيناء؟ هذا سؤال بلاغي.

ويرى الكاتب أن السبب وراء دعوة ترامب لتهجير سكان غزة، هو أنه وبعد معاناة وبؤس امتد لعدة أشهر، فإن المدنيين سيخرجون طواعية من غزة والإقامة في الأماكن الجميلة التي يتخيلها. وبحسبه فبالنسبة للشخص الذي لا يعرف المنطقة، فهذا كلام منطقي. فقد سوت العملية العسكرية الإسرائيلية مناطق واسعة من القطاع، وبقايا الحرب في كل مكان. ولكن الرئيس ومن يقدم له المشورة يفشلون في فهم حقيقة مفادها أن ما يطلق عليه الفلسطينيون “النكبة”، وهو التهجير الذي جعل العديد من الفلسطينيين في غزة لاجئين في المقام الأول، يلقي بظلال كثيفة على المنطقة. ولن يتم تهجير الفلسطينيين مرة أخرى، فمهما كانت الحياة صعبة في قطاع غزة، فإنه يظل بالنسبة لهم موطئ قدم في فلسطين وتذكيرا صارخا بالظلم التاريخي الذي يشكل الوجه الآخر لتأسيس إسرائيل.

ترامب نسي في موجة جنون العظمة التي يعيشها الآن، معارضته للحروب الخارجية.. وفي مؤتمر صحافي واحد، قوض مصداقية الولايات المتحدة

ويؤكد الكاتب: قد ينكر ترامب هذا الواقع، ولكن إذا كان يريد تهجير السكان الفلسطينيين، فسيضطر إلى إصدار أمر للجيش الأمريكي بالقيام بذلك بالقوة. وهو أمر نأمل أن يرفض الضباط الأمريكيون الامتثال له على أساس أنه غير قانوني وجريمة ضد الإنسانية. وإذا لم يكن كل هذا كافيا، فإن ما يجعل اقتراح ترامب غير عقلاني إلى حد كبير هو أنه يقوض كل ما يقول إنه يريد القيام به في الشرق الأوسط. فنقل مليوني فلسطيني من غزة وتملك بلدهم  سينهي أي فرصة للتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل. وسينهي اتفاقيات أبراهام التي يعتبرها ترامب أهم إنجاز له في السياسة الخارجية أثناء ولايته الأولى، كما وسيقوض معاهدات السلام بين مصر والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وهما معاهدتان تعتبرهما أمريكا عمادا لسياستها الخارجية بالمنطقة، كما وسيعيد قرار التهجير تقوية إيران التي تعيش حالة ضعف الآن. وأكثر من هذا ستورط خطة ترامب الولايات المتحدة في نزاع إقليمي، وهي نتيجة لا أحد يريدها ولا ترامب نفسه.

وذكر كوك ترامب بأنه نسي في موجة جنون العظمة التي يعيشها الآن، أن معارضته للحروب الخارجية كانت في مركز محاولاته الثلاث للوصول إلى البيت الأبيض. وأضاف أن هناك عدة طرق للعب دور المعطل والمخرب، لكن تهجير سكان غزة بالقوة ليست واحدة منها. وفي مؤتمر صحافي واحد، قوض ترامب  مصداقية الولايات المتحدة وأضاف المزيد من عدم اليقين وعدم الإستقرار للمنطقة التي عانت الكثير من الأمرين.

مجلة فورين بوليسي

ترجمة ابراهيم درويش




صحيفة أمريكية: ضم ترامب لغرينلاند سيعني نهاية الناتو

نشرت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية مقالا مطولا أشارت من خلاله إلى أنه في حال ضم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لغرينلاند، فذلك سيعني نهاية حلف الناتو.

وكتبت الصحيفة: “استيلاء ترامب على غرينلاند رغم اعتراضات الدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي سيعني نهاية الناتو، لأنه لا يمكن لأي تحالف أن يستمر إذا انتهكت قوات عضو منه السلامة الإقليمية لعضو آخر”.

وتشير الصحيفة إلى أن “ألمانيا هتلر كانت الدولة الوحيدة التي انتهكت سيادة الدنمارك” في التاريخ الحديث، مؤكدة أنه “لا ينبغي لأمريكا أن تقف على قدم المساواة معها”.

ووفقا للصحيفة، مثل هذه الخطوة من جانب إدارة ترامب يمكن أن تستخدمها الصين كمبرر لغزو تايوان.

ووصف ترامب عدة مرات رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بأنه حاكم “ولاية كندا العظيمة”. وفي 18 ديسمبر اقترح ترامب النظر في إمكانية ضم كندا إلى الولايات المتحدة واعتبارها الولاية رقم 51، قائلا إن مثل هذه الخطوة يمكن أن تخفف التكاليف بشكل كبير عن كاهل الكنديين.

وأكد ترامب أن الولايات المتحدة، قد تطالب بالعودة الى سيطرتها على قناة بنما إذا لم يتم تعديل الشروط الحالية لاستخدامها.

وعندما أعلن ترامب تعيين كين هويري سفيرا لواشنطن لدى الدنمارك، قام بلفت النظر إلى أن الولايات المتحدة تعتقد أن ملكية غرينلاند والسيطرة عليها تعد ضرورة مطلقة من أجل الحفاظ على الأمن القومي والحرية في جميع أنحاء العالم.

وفي عام 2019، ظهرت سلسلة من المنشورات في وسائل الإعلام تفيد بأن ترامب يدرس إمكانية شراء غرينلاند، ليؤكد هو نفسه لاحقا للصحافيين أنه مهتم بهذه القضية “استراتيجيا”.

صحيفة ذا هيل الاميركية

ترجمة روسيا اليوم




كاراغانوف: “كسر شوكة أوروبا” سينقذ العالم

نشر موقع “روسيا في السياسة الدولية” مقالا لسيرغي كاراغانوف* تناول تطور السياسة الروسية تجاه الغرب في ظل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة.

لقد أدى انتخاب ترامب إلى إيقاف مؤقت لتطور سياساتنا تجاه الغرب، بما في ذلك حربنا في أوكرانيا. ولم نرد بقوة (وهو أمر صحيح) على استفزازات مؤخرة الجيش التي قامت بها إدارة بايدن، لكن جنودنا واصلوا العمليات الهجومية وسحق قوات المرتزقة الغربيين في أوكرانيا. والآن نستمع إلى أصداء من جميع الجهات عن إمكانية التوصل إلى حل وسط وعن معالم هذا الحل. وهنا على الأقل، في وسائل الإعلام الروسية، بدأت مناقشة مثل هذه الخيارات بقوة.

الآن، وبالتعاون مع زملائي، نقوم بإعداد دراسة واسعة النطاق وتحليل للوضع مخصص لتطوير التوصيات فيما يتعلق بالسياسة الروسية تجاه الغرب. لن أتوقع نتائج المناقشة، بل سأشارك فقط ببعض الأفكار الأولية، وقد تكون هذه التوصيات مفيدة خلال الفترة التي يتم فيها إعداد التقرير، هادفة في نهاية المطاف لإنشاء أساس لمناقشة أوسع نطاقا.

ولم يعد لدى إدارة ترامب الآن سبب جدي للتفاوض معنا على الشروط التي وضعناها. فالحرب مفيدة اقتصاديا للولايات المتحدة، لأنها تسمح لها بسرقة الطاقة المضاعفة من حلفائها، وتجديد مجمعها الصناعي العسكري، وفرض مصالحها الاقتصادية من خلال العقوبات المنهجية على عشرات الدول في جميع أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، فإن الاستمرار في إلحاق الضرر بروسيا على أمل استنزافها، وفي أفضل السيناريوهات بالنسبة للولايات المتحدة، إسقاطها أو إقصائها من اللعبة، يمثل جوهرا عسكريا استراتيجيا للصراع المتصاعد. وتحرير أغلبية العالم يشكل داعما استراتيجيا قويا لمنافستها الرئيسية: الصين. ورغم أن هذه الحرب من وجهة النظر الرئيسية لترامب كما نفترضه، المستندة إلى السياسة الداخلية، ليست ضرورية وحتى ضارة بعض الشيء، فإن ميزان المصالح يميل لصالح استمرارها.

وإذا كنت سأضع نفسي مكان ترامب، القومي الأمريكي الذي يحمل عناصر التبشير من المسيحية التقليدية، بعيدا عن رواسب الليبرالية العالمية المتكلسة خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية وتورط بايدن في مخططات الفساد الأوكرانية، فهناك ثلاثة أشياء فقط يمكنها دفع ترامب الافتراضي نحو اتفاقيات تنسبنا: الأول- تهديد أفغانستان-2 والهزيمة الكاملة والهروب المخزي لنظام كييف والفشل الواضح للغرب بقيادة الولايات المتحدة. الثاني- هو خروج روسيا عن تحالفها الفعلي مع الصين. الثالث- هو التهديد بانتقال العمل العسكري إلى أراضي الولايات المتحدة وممتلكاتها الحيوية، وهو ما سيصاحبه مقتل أعداد كبيرة من الأمريكيين (بما في ذلك تدمير القواعد العسكرية).

إن الهزيمة الكاملة ضرورية، ولكن ذلك سيكون باهظ التكلفة للغاية، إن لم يكن باهظ التكلفة للحد غير المسموح، من دون استخدام أكثر نشاطا لعامل الردع النووي، وسيتطلب موت الآلاف والآلاف من خيرة أبناء وطننا. وخيانة الصين هو أمر غير مثمر بالنسبة لنا على الإطلاق. وإذا كان أنصار ترامب في ولايتهم الأولى قد حاولوا إقناعنا بفعل هذا، فيببدو الآن أنهم يدركون أن روسيا لن توافق على ذلك. وسأورد مزيدا من التفاصيل حول العامل النووي لاحقا.

بالنسبة للنخب الأوروبية الحالية، والمتكاملين مع أوروبا، فإن الحرب ضرورية بشكل ملح. وليس فقط بسبب الأمل في تقويض منافس جيوسياسي تقليدي والانتقام من هزائم القرون الثلاثة الماضية، بل وأيضا بسبب “الروسوفوبيا” رهاب روسيا. فهذه النخب، وبيروقراطيتها الأوروبية تفشل في كل الاتجاهات تقريبا، ويبدو أن المشروع الأوروبي أصبح في مهب الريح.

واستخدام روسيا كفزاعة، والآن عدو حقيقي، الأمر الذي استمر لأكثر من عقد من الزمان، هو الأداة الرئيسية لإضفاء الشرعية على مشروعهم والحفاظ على سلطة النخب الأوروبية. وعلاوة على ذلك، أصبحت “الطفيلية الاستراتيجية”، وغياب الخوف من الحرب، في أوروبا أقوى بكثير مما هو عليه في الولايات المتحدة. ولا يريد الأوروبيون ليس التفكير فيما قد يعنيه هذا الأمر بالنسبة لهم فحسب، بل إنهم لم يعودوا يعرفون أصلا كيف يفكرون فيه. فمنذ العهد السوفيتي، واستنادا إلى خبرنا في العمل مع ديغول وميتران وبراندت وشرودر وآخرين من عينتهم، اعتدنا على اعتبار الأمريكيين المحرضين الرئيسيين على المواجهة وعسكرة السياسة في الغرب. ليس ذلك صحيحا تماما، ولم يعد صحيحا على الإطلاق. وكان تشرشل هو الذي جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب الباردة عندما بدا له أن هذا مفيد. وكان الاستراتيجيون الأوروبيون (كانوا لا يزالوا موجودين آنذاك)، وليس الأمريكيون، هم الذين بدأوا أزمة الصواريخ في سبعينيات القرن العشرين، وقائمة الأمثلة طويلة.

والآن أصبحت النخب الأوروبية هم الرعاة الرئيسيين للمجلس العسكري في كييف، وينسون أن أسلافهم هم من أشعلوا حربين عالميتين ويدفعون أوروبا والعالم نحو حرب ثالثة.

وفي الوقت الذي يرسلون فيه علف المدافع الأوكراني إلى المذابح، فإنهم يجهزون وقودا جديدا للحرب ممثلا في الأوروبيين الشرقيين من العديد من دول البلقان ورومانيا وبولندا. وقد بدأوا بالفعل في نشر قواعد متنقلة حيث يقومون بتدريب فرق من جنود Landcknechte “اللاندسكنيخته” (المرتزقة) المحتملين. وسيحاولون مواصلة الحرب ليس فقط “حتى آخر أوكراني” وإنما قريبا “حتى آخر أوروبي شرقي”.

والدعاية المعادية لروسيا التي يشنها حلف “الناتو” وبروكسل تتجاوز بالفعل الدعاية الهتلرية. وحتى العلاقات الإنسانية الشخصية مع روسيا يتم قطعها بشكل منهجي. أولئك الذين يدافعون على العلاقات الطبيعية يتعرضون للتسميم المعنوي والطرد من العمل. ويتم في الأساس فرض أيديولوجية ليبرالية شمولية، حتى أنهم نسوا كافة ادعاءاتهم بالديمقراطية، برغم أنهم لا زالوا يصرخون بشأنها. وأحدث مثال على ذلك هو إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية في رومانيا، والتي لم يفز بها مرشح بروكسل.

إن النخب الأوروبية لا تعمل فقط على إعداد شعوبها وبلدانها للحرب بشكل واضح. بل إنهم يذكرون تواريخ تقريبية عندما سيكونون على استعداد لشنها. فكيف نوقف هؤلاء المجانين؟ وهل يمكن وقف الانزلاق نحو الحرب العالمية الثالثة، على الأقل في أوروبا؟ والتوصل إلى إنهاء الحرب؟

إن أحاديث التسوية والهدنة وتجميد خط المواجهة الحالي الدائرة الآن من شأنها أن تسمح بإعادة تسليح بقايا القوات الأوكرانية، واستكمالها بقوات من بلدان أخرى، وبدء جولة جديدة من العمليات العسكرية. وسوف يتوجب علينا القتال مرة أخرى. علاوة على ذلك، من مواقع سياسية أقل فائدة. وسوف يكون من الممكن، بل من الضروري، إذا ما تعيّن الذهاب إلى ذلك طرح هذه التسوية بوصفها انتصارا. لكنه لن يكون انتصارا، بل، وبصراحة، انتصارا للغرب. وهكذا سيتم إدراك الأمر في كافة أنحاء العالم، وفي كثير من النواحي، ينطبق الأمر نفسه علينا.

ولن أقوم هنا بإدراج جميع الأدوات لتجنب مثل هذا السيناريو، لكني سأذكر فقط أهمها:

أولا، يجب أن نخبر أنفسنا والعالم، وخصومنا بالأمر الواضح: أوروبا هي مصدر كل الأمراض الكبرى التي عانت منها البشرية، حربان عالميتان، وإبادات جماعية، وأيديولوجيات معادية للإنسانية، والاستعمار، والعنصرية، والنازية، وبقية القائمة. واستعارة أحد المسؤولين الأوروبيين المعروفين بأن أوروبا عبارة عن “حديقة مزدهرة” تبدو أكثر واقعية إذا وصفناها بأنها حقل مليء بالأعشاب الضارة السمينة، التي تزدهر على سماد من ملايين القتلى والمنهوبين والمستعبدين. ومن حولها ترتفع حديقة من أنقاض الحضارات والشعوب المضطهدة والمسلوبة. وأوروبا بحاجة إلى أن تسمى بما تستحقه من تسمية، حتى يصبح التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضدها أكثر مصداقية وتبريرا.

ثانيا، أود الإشارة إلى حقيقة أخرى واضحة: أن أي حرب بين روسيا و”الناتو”/الاتحاد الأوروبي سوف تكتسب طبيعة نووية أو تتحول إلى حرب نووية إذا استمر الغرب في القتال ضدنا في أوكرانيا. وتعتبر هذه التعليمات ضرورية، من بين أمور أخرى، للحد من سباق التسلح المتنامي. ولا جدوى من تخزين ترسانات ضخمة من الأسلحة التقليدية إذا كانت الجيوش المجهزة بها، والبلدان التي أرسلت تلك الجيوش، ستتعرض حتما لإعصار نووي.

ثالثا، علينا أن نستمر في التقدم لعدة أشهر أخرى، ونسحق العدو. ولكن، كلما كان ذلك أسرع، كان من الضروري علينا أن نعلن أن صبرنا واستعدادنا للتضحية برجالنا من أجل النصر على هذا الوغد سوف ينفذ قريبا وسوف نعلن الثمن: مقابل كل جندي روسي مقتول، سنقتل ألف أوروبي، وسيموت الأوروبيون إذا لم يتوقفوا عن الاستسلام لحكامهم الذين يشنون حربا ضد روسيا. نحن بحاجة إلى أن نقول للأوروبيين بشكل مباشر: إن نخبكم ستجعل منكم علفا للمدافع، وإذا تحولت الحرب إلى حرب نووية، فلن نكون قادرين على حماية السكان المدنيين في أوروبا، كما نحاول أن نفعل في أوكرانيا. وسنحذر من الضربات، كما وعد فلاديمير بوتين، لكن الأسلحة النووية أقل انتقائية من الأسلحة التقليدية. وبطبيعة الحال، يتعين على النخب الأوروبية أن تواجه حقيقة مفادها أنها ستصبح هي وأماكن إقامتها الأهداف الأولى للضربات الانتقامية النووية، ولن يكون من الممكن الهروب من ذلك.

رابعا، يتعين مواصلة تعزيز قدراتنا العسكرية، وهو أمر ضروري في ظل ظروف عالم مضطرب ومليء بالأزمات. لكن، وفي الوقت نفسه، من الضروري ليس فقط تغيير العقيدة النووية، والتي بدأت بالفعل في التغير، ولله الحمد، ولكن أيضا استئناف التحرك الحاسم نحو التصعيد، في حالة عدم رغبة الأمريكيين وعملائهم في التفاوض. سلم التصعيد النووي، من أجل زيادة فعالية قوات الردع والانتقام النووية لدينا. “أوريشنيك” هو سلاح فعال ورائع ويستحق الثناء من حيث التكليف بإنشائه ولمخترعيه، لكنه ليس بديلا عن الأسلحة النووية، بل هو ببساطة خطوة أخرى فعالة على سلم التصعيد.

 خامسا، علينا أن ننقل إلى الولايات المتحدة من خلال قنوات مختلفة، أننا لا نرغب في إذلالها، وأننا مستعدون للمساعدة في ضمان حفاظها على ماء الوجه في الخروج من الكارثة الأوكرانية التي تم جرّها إليها العولميون الليبراليون الأوروبيون.

إلا أن الأمر الرئيسي هو أن نفهم أننا لا نستطيع، ولا نملك الحق في إظهار التردد أمام البلاد وشعبنا والإنسانية جمعاء. فما هو على المحك الآن ليس مصير روسيا فحسب، وإنما مصير الحضارة الإنسانية في شكلها الحالي.

وإذا ما وعندما ينسحب الأمريكيون، فسوف يتمر تدمير أوكرانيا بسرعة كبيرة. وسوف ينضم شرقها وجنوبها إلى روسيا، وينبغي في وسط وغرب أوكرانيا الحالية تشكيل دولة منزوعة السلاح ومحايدة مع منطقة حظر جوي فوقها، حيث يكن لجميع أولئك الذين لا يريدون العيش في روسيا وطاعة قوانيننا أن يذهبوا إليها، ويتم حينها التوصل إلى هدنة.

وبعد الهدنة سيكون من الضروري التحرك نحو حل مشترك للمشكلات التي تواجه البشرية، مع الأصدقاء من الأغلبية العالمية. وحتى مع الأمريكيين، إذا ما عادوا إلى رشدهم في نهاية المطاف. في الوقت نفسه، من الضروري للغاية إبعاد أوروبا مؤقتا عن حل المشكلات العالمية. حيث أصبحت، مرة أخرى، التهديد الرئيسي لنفسها وللعالم.

فلا يمكن إحلال السلام في شبه القارة إلا عندما يتم كسر شوكة أوروبا مرة أخرى، كما حدث في انتصاراتنا على نابليون وهتلر، وعندما يحدث تغيير في أجيال النخب الحالية. ولكن، حتى في هذه الحالة، ليس في سياق أوروبي ضيق، الذي أصبح شيئا من الماضي، ولكن في سياق أوراسي.

المصدر: روسيا في السياسة الدولية

*سيرغي كاراغانوف: دكتور في العلوم التاريخية، أستاذ فخري والمدير العلمي بكلية الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية بجامعة الأبحاث الوطنية التابعة للمدرسة العليا للاقتصاد، والرئيس الفخري لهيئة رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاع.




يتعمد قتل الرضّع بحجة “تشخيص خاطئ”.. “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”: قيد الفحص

إن تحول الضفة الغربية إلى غزة أخرى متواصل في كل ما يتعلق بالمس بالأطفال. في بداية الشهر، أطلق جنود إسرائيل النار بمُسيّرة، فقتلوا رضا وحمزة بشارات- طفلان في الثامنة والعاشرة من عمرهما، في قرية طمون. قال أبو أحد الطفلين في غداة الحدث، إن ابنه وابن أخيه استعدا للذهاب إلى المدرسة في ذاك الصباح. وعندما اعتدي عليهما، كانا في ساحة بيتهما. طفلان قتلا مع ابن عم آخر من عائلتهما، ابن 23.

استجاب الجيش لهذه المأساة الرهيبة بتحقيق مهين. حسب نتائجه، تم إطلاق النار “على أساس أن التشخيص وقت الحالة، صعّب معرفة أنهما قاصران”. إذا كانت الحوامة التي تستخدم لتمشيط المنطقة لا تميز بين أطفال صغار وراشدين، فلماذا يستند إلى نتائجها لإقرار هجوم فتاك بهذا القدر.

صحيح أن التحقيق هو قدوة التنكر للمسؤولية. فحسب الجيش، شُخص الطفلان بالخطأ كراشدين يضعان عبوة ناسفة رغم أنه في نظرة إلى الوراء لم توجد عبوات في المنطقة. كما تبين من التحقيق أيضاً، أن هذا الخطأ المصيري لم يتوقف في أي حلقة في أعلى السلسلة القيادية، بما في ذلك لدى قائد المنطقة، آفي بلوط. أحد استنتاجات تحقيق الجيش، أنه كان يجدر القيام بأعمال أخرى للتأكد من هوية أهداف الهجوم.

“كان يجدر” هو أقل ما يكون. فالتحقيق في عملية عديمة المسؤولية مع نتائج محتملة بمصيبة كهذه، لا يفترض أن ينتهي بـ “كان يجدر” عمله، بل اتخاذ خطوات ذات مغزى ضد من هو مسؤول عن هذا القصور.

في الماضي، درجت وحدة التحقيق العسكرية على فتح تلقائي للتحقيق بعد قتل فلسطينيين في الضفة. أما اليوم فالخيار أن التحقيق التلقائي لا يفتح في “أحداث قتالية، بل بعد فحص النيابة العسكرية العامة. واضح أن المزيد من الأحداث في الضفة تندرج ضمن التصنيف القتالي. استنتاجات التحقيق إزاء الطفلين رفعت إلى قائد المنطقة الوسطى، ولم تصل بعد إلى النيابة العامة.

في نهاية الأسبوع، قتل الجيش الإسرائيلي رضيعة ابنة سنتين في قرية قرب جنين. وقال الجيش إن القوة أطلقت النار نحو مبنى اختبأ فيه مسلح، وفقاً لمعلومات لدى الجنود. وتبين أنه لم يكن في بيت الرضيعة أي مسلح، ليس سوى عائلة تتناول وجبة العشاء. فور ملاحظتهم أنهم أصابوا الطفلة، استدعى الجنود الهلال الأحمر وأخلوها مع أمها التي هي الأخرى أصيبت بجروح طفيفة في يدها. لا يزال الجيش يفحص الحالة، لكن ما الذي ستجديه نتائجه للرضيعة التي قتلت؟

بعد قتل عشرات آلاف الأشخاص في غزة، بمن فيهم الأطفال، يخيل أن الجيش الإسرائيلي يفقد لجامه في الضفة أيضاً. يجب وقف هذا الميل الخطير فوراً.

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




معاريف: ما علاقة زيارة ويتكوف لغزة بتشكيل “المرحلة الثانية” من الاتفاق بين إسرائيل وحماس؟

يصل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف اليوم إلى المنطقة. ستكون محطتة الأولى قطاع غزة: زيارة محور نتساريم في وسط القطاع، ثم محور فيلادلفيا على حدود مصر.
يعطي ويتكوف انطباعاً بأنه رجل جذري وفهيم. يريد أن يرى الأمور بعينيه ليتخذ القرارات السليمة. يعرف مع من يتعامل هنا في الشرق الأوسط. في الأسبوعين الأخيرين كان مطلوباً منه أكثر من مرة التصرف كنوع من مربية الروضة – الحرص على أن تبعث حماس بقوائم المحررين، ويتأكد من أن إسرائيل توقف النار، ويضغط على حماس بإدخال أربيل يهود إلى قائمة المحررين، ومعالجة فتح محور نتساريم، وغيرها.
هذا الأسبوع، في اليوم الـ 16 لوقف النار، يفترض أن تبدأ المداولات على تحقيق المرحلة الثانية من الصفقة. من ناحية عسكرية، ألحقت إسرائيل ضرراً هائلاً بحماس. ربما لا تتمكن من ترميم نفسها في العقود القادمة. ملايين الغزيين العائدين الآن إلى شمال القطاع، يجدون جزر خرائب وعشرات آلاف المباني والبيوت المدمرة، المحروقة، المحطمة. تبقى بعض منها مفخخاً مما خلفته حماس. السكان يسكنون على الأنقاض، يبنون خياماً ويُصلون لوصول المساعدات من الغذاء والوقود للمولدات في الوقت المناسب.
بالمقابل، قوات الفرق الثلاث – 162 في شمال القطاع، 99 في وسطه، وفرقة غزة في جنوبه، تجلس الآن على مهام الدفاع. أي أن القتال انتهى عملياً في غزة.
روافع إسرائيل حول الصفقة التالية متنوعة: السيطرة على مساعدات من 4200 شاحنة يفترض أن تدخل إلى القطاع أسبوعياً، والتعمير المادي المستقبلي للقطاع، وتحرير مخربين سجناء.
المستوى السياسي ملزم الآن بالدخول إلى المفاوضات بشكل حقيقي، بحيث يوقع الاتفاق في وقت قصير، بل وينفذ في غضون أيام. لا معنى وليس حكيماً تمديد المسيرة لزمن طويل. ليس بسبب معاناة المخطوفين وعائلاتهم فحسب، بل أولاً وقبل كل شيء بسبب فهم عسكري بأن الجيش يفضل الوضوح. هو يعرف كيف يهاجم في كل مكان وبكل القوة، ويعرف أيضاً كيف ينفذ مهام الدفاع. الموضوع أن المستوى السياسي مطالب الآن بأن يحدد للجيش ما يريده في غزة – إلى إغلاق الحدث أم تجديد الحرب، ومشكوك جداً أن يغير الوضع في القطاع.
اليوم سيزور القطاع ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، رب البيت الجديد للعالم الحر والأقل حرية. وكما يبدو هذا، سيكون هو من يقرر إلى أين السير في المرحلة الثانية من الصفقة.

آفي أشكنازي

صحيفة معاريف العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




واشنطن بوست: الإمارات ترغب بلعب دور في غزة بعد الحرب وإظهار نجاعة اتفاقيات إبراهيم

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا لمديرة مكتبها في الخليج سوزانا جورج قالت فيه إن مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط عاد إلى المنطقة هذا الأسبوع حيث تسعى إدارته إلى الاستفادة من النجاح المبكر لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

والتقى ستيف ويتكوف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الأربعاء وقال إنه سيزور قطاع غزة، حيث تسري الهدنة منذ أكثر من أسبوع.

وكان ويتكوف في السعودية، يوم الثلاثاء، وفقا لتقارير إعلامية إسرائيلية قالت إنه كان يعمل على “اتفاقية واسعة النطاق في الشرق الأوسط” تشمل إعادة إعمار غزة، وفي النهاية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية.

ومع قيام ويتكوف، وهو مطور عقاري منذ فترة طويلة، بتكثيف الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة، سيحتاج إلى دعم من الدول الغنية بالنفط في الخليج لمتابعة الخطط الأكثر طموحا.

ويقول الدبلوماسيون إن دول الخليج العربية هنا قد تمول إعادة الإعمار في غزة، لكنها تريد أيضا ضمان أن تشمل فترة ما بعد الحرب مسارا إلى دولة فلسطينية.

دول الخليج العربية قد تمول إعادة الإعمار في غزة، لكنها تريد أيضا ضمان أن تشمل فترة ما بعد الحرب مسارا إلى دولة فلسطينية

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، يوم الثلاثاء، “كان موقفنا واضحا دائما، أن حل الدولتين هو المسار الوحيد للمضي قدما من أجل حل القضية الفلسطينية”.

وقال إن بلاده، التي ساعدت في التوسط في وقف إطلاق النار، “تتعاون بشكل كامل مع إدارة ترامب والمبعوث ويتكوف”، لكنه أضاف أن قطر لا “تتفق دائما في الكثير من الأمور مع جميع حلفائنا”.

إلا أن ترامب أخبر في الأيام الأخيرة المراسلين الصحافيين، الذين كانوا معه على متن الطائرة الرئاسية، إنه يريد تهجير سكان غزة بالقوة، قائلا، يوم السبت، إن الولايات المتحدة وغيرها يجب أن “تطهر” المنطقة، التي وصفها بأنها “موقع هدم”. وفي وقت متأخر من يوم الإثنين، ضاعف من اقتراحه، مضيفا: “عندما تنظر إلى قطاع غزة، فقد كان جحيما”.

وانتقدت مصر والأردن هذه التصريحات على وجه الخصوص، بعد أن اقترح ترامب أن تستقبل الدولتان المزيد من الفلسطينيين من غزة.

حتى الآن، أطلقت حماس سراح سبع محتجزين إسرائيليين مقابل مئات الأسرى الفلسطينيين. توقف القصف الإسرائيلي الواسع النطاق، وتدفقت المساعدات إلى المنطقة، وعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين يوم الإثنين إلى شمال غزة، الذي كان معزولا عن بقية القطاع في معظم فترة الحرب.

ومن المفترض أن يستمر وقف إطلاق النار الأولي، الذي بدأ في 19 كانون الثاني/ يناير، لمدة 42 يوما، وبعد ذلك ستطلق حماس سراح الأسرى المتبقين وتسحب إسرائيل جميع قواتها من غزة. عندها فقط يمكن أن تبدأ إعادة الإعمار – جنبا إلى جنب مع المفاوضات حول المستقبل السياسي لغزة.

ونقلت الصحيفة عن حسين إبيش، وهو باحث في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، قوله: “كان وقف إطلاق النار الخطوة الأولى الضرورية. الآن هناك الكثير من المناورات الجارية”. وقال إنه من غير المرجح أن تلتزم البلدان بأدوار محددة لغزة بعد الحرب حتى يصل وقف إطلاق النار إلى المرحلة الثانية. وقال إبيش: “في الوقت الحالي، لا أحد يريد المبالغة في الالتزام بشيء”.

ولكن قبل أن تفتح دول الخليج العربي خزائنها، فإنها تريد على الأقل سلطة سياسية فلسطينية شرعية تتولى المسؤولية في غزة. حكمت حماس المنطقة لمدة 17 عاما قبل الحرب – لكن إسرائيل قالت إنها لن تقبل دورا للجماعة المسلحة في حكم المنطقة.

وتضيف الصحيفة أنه بالنسبة لدول الخليج العربية، توفر غزة بعد الحرب فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي، وملء الفراغ الذي خلفته حماس، التي كانت مدعومة من إيران. ولكنها بالنسبة للإمارات على وجه الخصوص، والتي ناقشت أيضا لعب دور يركز على الأمن في غزة، فإن ذلك يوفر فرصة لنوع من التحرر الدبلوماسي.

في عام 2020، كانت الإمارات واحدة من أربع دول قامت بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات إبراهيم التي توسطت فيها الولايات المتحدة – وتعرضت لضغوط هائلة أثناء الحرب لقطع العلاقات.

ولكن إذا ساعدت الإمارات في الأمن أو إعادة الإعمار، فإن ذلك سيسمح لأبوظبي “بإظهار قيمة اتفاقيات إبراهيم للعالم العربي”، كما قال شخص مطلع على تفكير كبار المسؤولين الإماراتيين، والذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة المداولات الحساسة.

قال شخص مطلع على تفكير كبار المسؤولين الإماراتيين إنه إذا ساعدت الإمارات في الأمن أو إعادة الإعمار في غزة، فإن ذلك سيسمح لأبوظبي “بإظهار قيمة اتفاقيات إبراهيم للعالم العربي”

ونقلت الصحيفة عن دان ديكر، رئيس مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، وهو مركز أبحاث إسرائيلي، إن الأمن في غزة، حيث انهار القانون والنظام بسبب الحرب، سيكون أيضا محورا رئيسيا لرحلة ويتكوف إلى إسرائيل.

وقال إن “ويتكوف سيذهب في رحلة لتقصي الحقائق إلى غزة… لفهم التحديات الأمنية المعقدة التي تواجه إسرائيل في المستقبل”. ووصف زيارة ويتكوف المخطط لها إلى القطاع بأنها “انعكاس لتورط أمريكا المتزايد في التدابير الأمنية في قطاع غزة”.

كما تراقب مصر وقطر تنفيذ الاتفاق، ويقول المسؤولون القطريون إن الضغط الدولي ضروري للحفاظ على الاتفاق على المسار الصحيح.

وقال الأنصاري إن “آليات المراقبة هذه المرة أكثر قوة أيضا. نحن نراقب كل تفاصيل الاتفاق”. وقال إن غرفة العمليات “أكثر تطورا”، والاتصالات أسرع، وتم إنشاء غرفة عمليات ثانية في العريش بالقرب من حدود مصر مع غزة لمراقبة دخول المساعدات. وقال إن الوسطاء تعلموا العديد من “الدروس” من اتفاق وقف إطلاق النار الأولي.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




إفريقيا في عالم متعدد الأقطاب: صحوة القارة السمراء ونضالها من أجل التحرر والتنمية

“أفضل أن أموت ورأسي مرفوع، وإيماني ثابت، وثقتي عميقة في مصير شعبي، على أن أعيش في التبعية”. هذه الكلمات تعكس روح القارة الإفريقية التي تسعى لتأكيد وجودها على الساحة الدولية.

“أفضل أن أموت ورأسي مرفوع، وإيماني ثابت، وثقتي عميقة في مصير شعبي، على أن أعيش في التبعية” باتريس لومومبا، ذات يوم سيحكم علينا التاريخ، لكنه لن يكون التاريخ الذي سيرضي بروكسل وباريس وواشنطن أو الأمم المتحدة، بل سيكون تاريخ بلدان تحررت من الاستعمار وعملائه. (باتريس لومومبا).  

في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2024 أتيحت لي فرصة المشاركة في أول مؤتمر وزاري في التاريخ لمنتدى التعاون ” أفريقيا – روسيا”، الذي انعقد في سوتشي في أعقاب القمة الإفريقية الروسية التي عقدت في سانت بطرسبورغ عام قبل ذلك. أعطى المؤتمر زخما لتطوير العلاقات الوليدة مع القارة السمراء وأصبح بمثابة معلم هام آخر لأولويات السياسة الخارجية لروسيا في الجنوب والشرق العالميين.  

بصفتي مخططا كان مثيرا لاهتمامي الحصول على انطباع عميق عن شركائنا الأفارقة ووجهات نظرهم واهتماماتهم وقلقهم وتطلعاتهم. بعودتي إلى موطني في موسكو حققت فكرة قديمة ووضعت على الورق تلك الانطباعات والأفكار والآراء عن إفريقيا، ودورها المتنامي في الشؤون الدولية، التي جاءت نتاج سنوات عديدة من المراقبة والتنقل والعلاقات وقراءة الآداب المتخصصة.

هذا المقال كتب لغرض خاص، وهو إظهار حيازة إفريقيا على كل مقومات احتلال مكانة أقوى مركز للعالم الناشئ متعدد الاقطاب وبدء الأفارقة بالفعل التحرك نحو هدفهم. وأعلن فورا عدم ادعائي تغطية مجمل الموضوع، واتعمد عدم التطرق للعديد من النواحي التاريخية والثقافية واللغوية وغيرها من المجالات الواقعة ضمن حيز اهتمام المتخصصين في دراسات الإقليم. وسيسلط الضوء، في المقام الأول على أحداث وأدلة يمكن وفقا لها الحكم على ديناميكية تشكيل القطب الإفريقي وخواصه وآفاقه. تتضمن الخطط دراسة كل المراكز الموجودة لاتخاذ القرارات السياسية ذات الأهمية العالمية. وكذلك المرشحين للعب هذا الدور. لكن ما حفز للبدء بإفريقيا كان محض دافع رمزي، فإفريقيا بالتحديد تضم ” مهد الإنسانية”، موطننا التاريخي المشترك.

استناداً إلى النتائج الأنثروبولوجية التي أجريت في منطقة مضيق أولدوفاي (تنزانيا، عام 1959) وبحيرة توركانا (كينيا، عام 1972)، افترض العلماء أن الإنسان الحديث، أو الإنسان العاقل، ظهر على الأرجح في شرق أفريقيا منذ حوالي 200 ألف عام.

إفريقيا اليوم – حضارة معقدة للغاية. إنها ما يسمى بـ “إفريقيا الصحراء الجنوبية”، والمغرب العربي البربري، حيث يلتقي العالم الإفريقي بالعالم العربي الإسلامي، وكأنما تنساب إحدى الحضارات على الأخرى وتتداخل معها. إنها قارة ضخمة تضم العديد من الشعوب الأصيلة والثقافات والتيارات الدينية والأعراق والتاريخ القديم المتنوع. ومع ذلك فالشعور الداخلي بالمصير المشترك والإيمان بالمستقبل الواحد والرغبة في التنمية المتبادلة والتطلعات للتكامل الاقتصادي والسياسي والبحث الحثيث عن الهوية الإفريقية، هذا وغيره العديد مما يعطي أساسا لاعتبار إفريقيا كيانا جيوسياسيا متكاملا، وجزء لا يتجزأ من نظام المستقبل متعدد الأقطاب.  

القطب الإفريقي – القضايا والآفاق

أكد الإعلان المعتمد في أعقاب القمة الروسية الإفريقية الثانية في سانت بطرسبرغ على ” الدور والتأثير العالمي المتنامي لإفريقيا كواحدة من أهم ركائز العالم متعدد الأقطاب”.

وبالفعل، لدى إفريقيا كافة مقومات التحول إلى مركز قوى سيادي. تمتع إفريقيا بموارد ديمغرافية وطبيعية لا محدودة توفر لها آفاقا جيوسياسية تحسد عليها، في حال استغلالها فرصة التنمية السيادية. وليس من قبيل الصدفة القول بأن إفريقيا هي قارة المستقبل. من حيث عدد السكان البالغ مليار ونصف المليار نسمة نجد إفريقيا على قدم المساواة مع الهند والصين، بل وتتفوق عليهما بمقياس التركيبة العمرية، إذ نجد نصف الأفارقة دون سن العشرين عاما.  

قدر الخبراء أن يصل عدد سكان القارة ملياري ونصف المليار نسمة بحلول عام 2050، وهو ما يعني أن كل رابع شخص على وجه الأرض سيكون أفريقياً.

تعتبر أفريقيا مخزنا حقيقيا لثروات الأرض. إذ يوجد بها 30 في المائة من الموارد العالم المعدنية، بما فيها من هيدروكربونات ومعادن ثمينة وأحجار كريمة، إضافة إلى الكروم والبوكسيت والكوبالت واليورانيوم والليثيوم والمنجنيز والفحم والعناصر الأرضية النادرة. ويوجد كل هذا على مساحة إجمالية قدرها 30.37 مليون كيلومتر مربع (أي ما يقرب ضعف مساحة روسيا وفي مناخ أكثر دفئا)، ما يكفي من التربة الخصبة لإطعام جميع الأفارقة.  بفضل موقعها الجغرافي، تتمتع أفريقيا بإمكانية الوصول المباشر إلى ممرات النقل العالمية، وخاصة الممرات العابرة للمحيطات.

وعلى المستوى السياسي، تضم أفريقيا 54 دولة عضو في الأمم المتحدة، و27 دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي، و6 دول أعضاء في منظمة أوبك، و5 دول أعضاء في منتدى الدول المصدرة للغاز. ومن بين الدول الأعضاء في مجموعة البريكس، تمثل القارة جنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا، وتشارك كل من جنوب أفريقيا ومصر والاتحاد الأفريقي كأعضاء دائمين في مجموعة العشرين. 

أفريقيا تتحرك سريعا نحو تعزيز البنية المؤسسية اللازمة لتنسيق وتحقيق مصالح بلدانها. ويرتكز هذا على الفكرة الأصيلة المتمثلة في الوحدة الأفريقية، مع اعتمادها على التاريخ الطويل للشعوب الأفريقية والتقاليد المحلية. ولا شك أن “إحياء القيم التقليدية للحضارة الأفريقية هو مفتاح نهضة أفريقيا كحضارة مكتفية ذاتيا.

” الاتحاد الأفريقي جسد بدايات مبدأ الوحدة الأفريقية الشاملة، موحدا البلدان الإفريقية على منصة قارية مشتركة، يرفع صوته بشكل متزايد في السياسة العالمية باسم جميع الأفارقة. يتمتع الاتحاد الأفريقي بأهمية خاصة في التخطيط الاستراتيجي. في قمة أديس أبابا عام 2015، تم اعتماد وثيقة برامج تهدف إلى تحويل القارة إلى “منطقة قوة” بحلول عام 2063 – فيما سمى بـ “أجندة -2063″مبادرة الخط الرئيس للاتحاد الأفريقي موجهة نحو تفعيل التصنيع وتعزيز الوحدة الأفريقية. المشروع الاستراتيجي لإنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية هو المشروع الأكبر في العالم وخصص للتعزيز النوعي لعمليات التكامل بغرض جعل إفريقيا كيان تجاري وسياسي من الطراز العالمي.

الخطوة ذات الأهمية البالغة، نحو توسيع قدرة الأفارقة على الدفاع عن أولوياتهم في الساحة الدولية كانت حصول الاتحاد الأفريقي في سبتمبر/أيلول عام 2023، بدعم من روسيا ودول أعضاء أخرى، على وضع العضو الدائم في مجموعة العشرين على قدم المساواة مع الاتحاد الأوروبي.

تشكل بنية العالم المتعدد الأقطاب من خلال صيغ أفقية بين الأقطاب، وفي هذا السياق يعتبر الاتحاد الأفريقي، أفريقيا كمجموعة من الدول، أحد القادة العالميين. لقد ذكرنا القمم الروسية الأفريقية. وهناك آليات مشابهة: “إفريقيا – الصين”، “إفريقيا – الولايات المتحدة”، “إفريقيا – الهند”، “إفريقيا – الاتحاد الأوروبي”، “إفريقيا – العالم العربي”، “إفريقيا – أميركا اللاتينية”، “إفريقيا – تركيا”. ومن المقترح إنشاء صيغة “إفريقيا – آسيان”.

ويؤمن اندماج أفريقيا في العمليات القارية، من خلال مشاركة الدول الإفريقية الفردية في رابطة الدولة المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي، ومنظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، وجماعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية.

تلعب الوحدة بين دول الاتحاد على المستوى شبه الإقليمي، دورا محوريا في هيكلة الفضاء الإفريقي. وعلى رأس هذه التجمعات، جماعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية(IGAD)، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا(ECOWAS). مجموعة شرق أفريقيا (EAC)، وتتمتع المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (ECCAS)، والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) بإمكانيات كبيرة. إن النسيج المتين للعلاقات السياسية والاقتصادية داخل القطب الإفريقي يعزز قدرته على البقاء.

وبحسب خبراء روس مطلعين، فإن الدول الإفريقية “تدعم بعضها البعض على الساحة الدولية وتتخذ مواقف مشتركة بشأن العديد من القضايا المدرجة على جدول الأعمال الدولي”. وفي الوقت نفسه، تسعى إفريقيا إلى توجيه المناقشات الدولية في اتجاه بناء، مع التركيز على حل المشاكل العملية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومكافحة الفقر والظلم، والقضاء على الممارسات الحديثة للاستعمار الجديد، وضمان الأمن وحل النزاعات، وزيادة القدرة على مقاومة الأوبئة.  

وكما هو الحال مع أغلبية سكان العالم، وربما بدرجة أكبر، يعاني الأفارقة من محاولات تسييس المناقشات الدولية وإخضاع آليات التعاون الدولي لمصالح الدول المستعمرة السابقة.

يشعر الأفارقة بالاستياء من استمرار استغلالهم كممثلين ثانويين في مشاريع السياسة الخارجية التي يتم الترويج لها برعاية “نظام قائم على القواعد”.

ويجري هذا بمحاولات جذبهم لحضور “قمم من أجل الديمقراطية”، التي عقدت بمبادرة من الإدارة الأميركية في الفترة 2021-2024، والضغط عليهم لإجبارهم على التصويت لصالح قرارات مناهضة لروسيا في الأمم المتحدة وغيرها من الساحات، وبالجهود الرامية إلى تأمين دعم، ولو ظاهري، للمبادرات آحادية الجانب لتسوية الأزمة الأوكرانية، دون الأخذ في الاعتبار مصلحة روسيا.

الخبراء الأفارقة يشكون من عدم استعداد الغرب “للاعتراف بحق دول القارة في أجندتها الخاصة”، واقتصار سياسته تجاه المعارضين على “معاقبتهم على اهتمامهم بمصالحهم الخاصة”. لا يمكننا ألا ندعم أولئك الأفارقة الذين يطالبون علانية “الاتحاد الأوروبي وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين بعدم فرض أسلوب حياة وقيم على من لا يريدونها”. لا يمكن عدم الاتفاق مع الاستنتاج القائل بأن القضية الأوكرانية طغت، منذ مدة على كل شيء آخر بالنسبة للغرب.

إن صوت إفريقيا، المدعوم بإمكانياتها الطبيعية القوية، أخذ يعلو على نحو متزايد في العالم. لا نشك في أن هذه العملية الناجعة سوف تنمو وفق شعار توحيد وسيادة القطب الإفريقي اللاحقة. ومع ذلك، فإن قدرة القارة السمراء على تحقيق مستوى عال من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وبالتالي الاستقرار الجيوسياسي، أمر مستحيل دون “القضاء على جميع الآثار المتبقية للاستعمار”. 

أفريقيا مقيدة بقيود الاستعمار الجديد

أنقذنا ، يا إلهي ، من أوروبا التي تتحرق لحريتنا.

بيرنار دادي ، شاعر (كوت ديفوار(ساحل العاج)

أفريقيا هي القارة الأكثر تضررا من الاستعمار ، وقد نهبها الأوروبيون بلا رحمة طوال قرون عديدة ، واستنزفوا مواردها البشرية والمادية. كانت الموارد المسروقة “وقودا نفاثا” لتسريع وتيرة التنمية في الدول الأوروبية والولايات المتحدة. كتب الشاعر الليبيري باي تي مور في خمسينيات القرن العشرين: “الحضارة تتطور على قدم وساق – يتم شحن الذهب والماس إلى أوروبا”. إن هذه الكلمات المريرة هي دليل على الصدمة التاريخية التي ألحقتها الدول الاستعمارية بالأفارقة. يعبر الخبراء الأفارقة عن قناعتهم بأن الأسباب الأولية للتخلف المعقد لأفريقيا ، والنزاعات التي نشأت على أسس إقليمية وإثنية طائفية ، كان سبب معظمها سياسة المستعمرين الجشعة.

حصلت أفريقيا على فرصة تاريخية لنيل الاستقلال واكتساب وزنٍ في الشؤون العالمية مع بداية إنهاء الاستعمار في خمسينيات – ستينيات القرن الماضي. لقد أدى النضال المتفاني الذي خاضته عدة أجيال للأفارقة من أجل الاستقلال إلى ظهور مجموعة من السياسيين الذين سجلوا أسماءهم في تاريخ العالم. إنهم باتريس لومومبا ، نيلسون مانديلا ، جومو كينياتي ، أنتونيو أغوستينو نيتو ، سامورا ماشيل ، وأميلكار كابرال وكثيرون غيرهم. أطلق على عام 1960 اسم “عام أفريقيا”. كانت بين الدول السبع عشرة التي انضمت إلى الأمم المتحدة في عام 1960 ست عشرة دولة أفريقية. وقد واجهت هذه الدول التي تخلصت من الاضطهاد العسكري والسياسي للدول الاستعمارية (بلجيكا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا) (واجهت) طريقا صعبا لبناء كيان دولها الجديد.

لم تجلب النهاية الشكلية لعصر الاستعمار لأفريقيا تحررا حقيقيا من التبعية الخارجية ، وخاصة في المجال الاقتصادي. لا تزال القارة ، بمواردها الغنية ، وبنيتها التحتية غير المتطورة في الوقت نفسه ، تجذب اهتمام الشركات الغربية متعددة الجنسيات. قال الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغي إن مغزى صراع الغرب على أفريقيا هو في “الوصول إلى الموارد المحلية”.

تحتل أفريقيا حتى الآن مكانا هامشيا في نظام التقسيم الدولي للعمل ، وتعتبر في الواقع مصدرا للمواد الخام الرخيصة وسوقا لترويج المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. ووضع الأمور التمييزي هذا ، الذي يضمن تطور الغرب على حساب الآخرين في إطار التبادل غير المتكافئ ، مفيد جدا بالنسبة للغرب. وللحفاظ على هذه الممارسة وتعزيزها تستخدم الدول الاستعمارية السابقة في أفريقيا مجموعة واسعة النطاق من الأدوات الاستعمارية الجديدة. والمغزى هو استعباد هذه الدول وتكبيلها بالديون من خلال السياسة الائتمانية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما مما يسمى “بالمانحين” الغربيين الآخرين ، في تنفيذ الرقابة الخارجية على حكومات البلدان الأفريقية ، وتنفيذ مخططات اغتصابية ، تنطوي على إخراج كل الأرباح إلى السلطات القضائية الغربية بالكامل.  وكما يشير الخبراء السياسيون الأفارقة بحق ، فإن الغرب يستفيد من مخطط يتم فيه ضمان أي تقدم مزعوم في المقام الأول من قبل الشركات متعددة الجنسيات ، ولا يتحول إلى تنمية”.

كانت هناك محاولات في الماضي لكسر هذا النظام، ووضع ثروات أفريقيا في خدمة شعوبها. على سبيل المثال، المبادرات الأفريقية التي أطلقها زعيم الجماهيرية الليبية معمر القذافي، الذي اغتيل بوحشية بدعم من حلف الناتو. وكان هدفهم هو استغلال إمكانات أفريقيا لتنفيذ مشاريع التنمية واسعة النطاق. لقد كانت هناك أفكار عديدة – من إنشاء عملة مشتركة (الدينار الذهبي) وبناء البنية الأساسية لتشكيل هوية أفريقية شاملة.

وليس من المستغرب أن تتعارض هذه الرؤية التقدمية لمستقبل القارة السوداء بشكل مباشر مع المصالح الأنانية الضيقة للغرب وممارساته الاستعمارية الجديدة في النهب والدكتاتورية.

وحتى يومنا هذا لا تزال المساعدات المقدمة لأفريقيا من مؤسسات بريتون وودز ومن بعض الدول الغربية تخضع لمطالب مهينة. ويشكو الخبراء الأفارقة من أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، على سبيل المثال، تعمل بالدرجة الأولى على تعزيز الأجندة السياسية المترسخة في أيديولوجية العولمة النيوليبرالية. وتدرج الوكالة “نشر الديمقراطية، ودعم المجتمع المدني، والمساعدة في انتخاب القيادة” كأولوية لعملها في أفريقيا. إن مبادرة “الوصول العالمي” التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لا تقترح أقل من تأكيد التزام الأفارقة بالقيم والمعايير الغربية سيئة السمعة (بما في ذلك أولوية المثليين جنسياً، وقضاء الأحداث، والعنصرية، وكراهية الروس) مقابل المساعدة.

ويمكن رؤية حجم الاستغلال المنتظم لأفريقيا من قبل الغرب في الوضع في سوق البن العالمية. تقدر منظمة البن العالمية حجم مبيعاتها بحوالى 460 مليار دولار سنويا. ومن بين هذه الأرباح، تحصل أفريقيا على أقل من 10بالمئة. تكسب ألمانيا وحدها سنويًا من تجارة القهوة أكثر من إجمالي ما تكسبه كافة بلدان القارة السوداء مجتمعة. وفي مجال الأمن الغذائي، ينتهج الغرب منذ العصور الاستعمارية، ومن خلال جماعات الضغط، سياسة إقصاء المحاصيل الزراعية المحلية التقليدية من النظام الغذائي للأفارقة، وزراعة القمح في كل مكان، وهو ما لا يناسب بشكل جيد الظروف المناخية للمنطقة. ونتيجة لذلك، وقع العديد من البلدان الأفريقية في “فخ القمح” الذي صنعه الإنسان، وأُجبروها على استيراد منتجات القمح الباهظة الثمن المنتجة في الاتحاد الأوروبي.

يعتمد الغرب أيضا ، من خلال الترويج لما يسمى بأجندة المناخ والبيئة في أفريقيا، على مصالحه التجارية والسياسية الأنانية، التي تتعارض مع تطلعات البلدان الأفريقية. وكما أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن البلدان الأفريقية “يُفرّض عليها استخدام الأدوات والتقنيات الحديثة”. لكنها لا تستطيع شراءها… ولا يعطيها أحد المال. ولكنهم يجبرونها مرة أخرى على الاعتماد على التقنيات والقروض الغربية. ويتم منح القروض بشروط رهيبة، ومن المستحيل تسديد القروض. “هذه أداة أخرى من أدوات الاستعمار الجديد.”

وخير دليل على مَن يمتلك الحق ، برأي الغرب ، في التصرف بالموارد الأفريقية ، هو تكوين ” الشراكة في مجال توريد المعادن” الذي تأسس لأفريقيا في عام 2022 : أستراليا ، بريطانيا ، ألمانيا ، كندا ، جمهورية كوريا ، الولايات المتحدة ، السويد ، فنلندا ، فرنسا ، اليابان والاتحاد الأوروبي.

إن نتيجة هذه الشراكات هي دائما حرمان الأفارقة من فرصة تحويل مواردهم إلى سيادة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية.

والأمم المتحدة ، بسبب اندماجها في الأجندة الغربية، تساهم في خدمة مصالح هذه السياسة. ويكفي أن ننظر فقط إلى القسم “الأفريقي” من موقع المنظمة العالمية على شبكة الإنترنت، حيث لا يتصدر قائمة المشاكل التي تواجه المنطقة الفقر، ولا المهاجرون (40 في المائة من إجمالي العالم)، ولا الإرهاب أو القرصنة، ولا الصراعات، ولا الاتجار بالمخدرات والأسلحة، بل تغير المناخ. وقد أثبتت بعثات حفظ السلام الخمس التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا ، وفقا لتقييم خبراء السياسة الأفارقة ، فشلها المزمن في تحسين الوضع الأمني. وتهدف أنشطة وكالات الأمم المتحدة، وخاصة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى تلبية الاحتياجات الفورية بالتنسيق مع المنظمات غير الحكومية الغربية الملتزمة. ولنضف إلى هذا تسييس نظام المساعدات الإنمائية الدولية من قبل المانحين الغربيين.

تساعد المنظمة العالمية الغرب في حربه المعرفية العالمية من خلال إضفاء الشرعية على المفاهيم والروايات التي تخدم مصالحه. وتجد العديد من البلدان الأفريقية نفسها مضطرة إلى الاعتراف، على سبيل المثال، بحقيقة أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعتمد في أنشطته على المفهوم الخاطئ للتطرف العنيف. وفي إطاره يرتبط انتشار الأيديولوجيات المتطرفة الراديكالية بانتهاك حقوق الإنسان. وتتلخص توصيات الأمم المتحدة، إذا وضعنا التفاصيل جانباً، في الحد من صلاحيات وأدوات السلطات في مكافحة العناصر المتطرفة والإرهابية بشكل علني في بعض الأحيان والتي تهدد الاستقرار، ولكنها مع ذلك تعمل بما يتماشى مع الأهداف التي تعكس مصالح الغرب.

لا تؤخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقية للإرهاب ــ التدخل الخارجي المدمر، وإضعاف الدولة وانهيارها، والتناقضات بين الشعوب والطوائف، والتي غالبا ما تثيرها مصالح الشركات الغربية متعددة الجنسيات.

إن كل ما ذكرناه هو انعكاس للسياسات الوطنية للدول الغربية. وهكذا، تشير استراتيجية الولايات المتحدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نفس الأولويات: نشر الديمقراطية، ودعم المجتمع المدني والناشطين، وتوسيع حقوق المثليين جنسيا، ومكافحة التضليل (اقرأ: فرض الرقابة على أي معلومات لا تعجب الأميركيون أو أقمارهم الصناعية) والتحول الأخضر.

لقد كتبت بالفعل عن واقع أن الأجندة الثورية – بالمعنى السيئ للكلمة – أجندة الليبرالية الجديدة هي في الأساس نتاج أموال غربية كبيرة ، ولا تحتاج إلى أي نوع من التقدم أو التنمية، بل لخدمة مصالح الشركات العالمية متعددة الجنسيات. وخير دليل على ذلك ، ما يفعلونه في أفريقيا.

ينوه الخبراء الشباب الأفارقة -وهم محقون في ذلك- بأن “التحرر من التبعية يبدأ بإزالة الاستعمار من عقل الإنسان -تفكيره”. وها هو الغرب يراقب بكثير من القلق كيف تجري عملية تكريس استقلالية المجتمع الإفريقي الجيوسياسي، بل ويعترف بعض العلماء الغربين مضطرين بأن “البلدان الإفريقية بحاجة إلى أن يتم فهمها واحترامها”. والمثير للدهشة حقا أن تتم الدعوة في الغرب لمحاربة حتى مصطلح “الجنوب العالمي” باعتباره كما يزعمون من انتاج الدعاية الروسية، وهم قلقون من احتمال أن تكون روسيا “تلعب على حالة الإحباط التي تعيشها إفريقيا من عدم وجود تمثيل لها في الاقتصاد العالمي والحوكمة”، وهم يُذكروننا بأن القارة الإفريقية لا تقبل التوجيهات الأخلاقية”.

إن المتلازمة المَرضيّة من عقدة التفوق على الآخرين هي التي تعيق الأنكلوساكسونيين والأوروبيين عن التعامل بشكل نِدّي مع بلدان الجنوب والشرق. ماذا يمكن أن نقول في ممارساتهم هذه إن تم في بروكسل عام ألف وتسعمئة وثمانية وخمسين – أي قبل فترة قصيرة قياسا بالمعيار التاريخي- في إطار معرض إكسبو ثمانية وخمسين عرض عدد من الأشخاص الأفارقة أحياء في أحد الأجنحة حيث تم جلبهم من الكونغو التي كانت تحت الاحتلال البلجيكي باعتبارهم “معروضات”. وقد انتشرت حدائق الحيوان البشرية في أوروبا الأطلسية، بما في ذلك في أنتويرب ولندن ونيويورك وهامبورغ طيلة النصف الأول من القرن العشرين.

إلا أن الزمن يفعل فعله في نهاية المطاف، ذاك أن النزعة التاريخية تكمن في أن عصر الهيمنة الأوربية على القارة الإفريقية قد ولى.

يجري الآن انهيار مناطق نفوذ ما بعد الاستعمار في المراكز التي كانت تتبع إليها المستعمرات، يكفي أن نذكر بأية سرعة يتقلص مجال سيطرة باريس العسكرية والسياسية في بلدان الفرانكوفونية الإفريقية. إن الأفارقة اليوم يتحررون بشكل تدريجي من ثقل آليات التعاون غير الفعالة التي شاخت بما في ذلك في المجال الأمني، ويتحررون من الآليات المرتبطة بالمصالح الاستعمارية الجديدة للغرب (كمثال على ذلك في هذا الزمن- تشكيل تحالف ثم كونفدرالية لدول الساحل). ويسترشد الزعماء الأفارقة الذين يقاومون الإملاءات الخارجية إذ يأخذون على عاتقهم حل تلك المشاكل المزمنة بالمبدأ الذي صاغه المؤرخون الأفارقة على هذه الشاكلة: ” إن الصيغ التي يمكن أن تكون مجدية وناجحة في القارة الإفريقية هي الصيغ التي لا يتم إملاؤها من الخارج، بل التي يطورها الأفارقة أنفسهم”، بالمناسبة غدا المبدأ المعروف الذي يقول: “أن المشاكل الإفريقية تحتاج إلى حلول إفريقية” في عصر تمحور السياسة العالمية حول الخصائص الإقليمية مثالا يحتذى في حالات مماثلة كالحلول الأمنية في الشرق الأوسط  والخليج العربي  وأفغانستان وشرق آسيا، وهناك في عموم القارة الأوراسية أمور مقاربة تجعل بلدان هذه المنطقة مسؤولة عن نفسها وعن أمنها ومصيرها.

أخيرا يساعد أيضا واقع أن تحرير إفريقيا يدخل بشكل سلس متناغم في السياق الدولي الواسع لتدعيم تعدد الأقطاب، كما أن التغييرات في ميزان القوى الدولي أخذ طابعا حاسما لا رجعة عنه، وينوه الخبراء الأفارقة بأن على القارة الإفريقية أن تركز اهتماماتها في الظروف الجديدة على تطوير مؤسساتها، وتعميق التعاون بين الدول الإفريقية، هذا التعاون الذي يقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة، لا على التبعية. وقد سُمعت هذه الأطروحات أثناء اجتماع اللجنة التنظيمية للمنتدى الدولي لأنصار النضال ضد الممارسات الحديثة للاستعمار الجديد، والذي انعقد عام ألفين وثلاثة وعشرين بمبادرة من الحزب السياسي الروسي ” روسيا الموحدة” الذي التأم اجتماع لجنته التأسيسية في الثاني عشر من فبراير عام ألفين وأربعة وعشرين بحضور واسع من ممثلي إفريقيا، وكانت نتيجة هذا العمل المشترك ولادة حركة مناهضة الاستعمار: “من أجل حرية الأمم”

ويمكن أن نعتبر اعتماد قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر عام ألفين وأربعة وعشرين انتصارا سياسيا بالغ الأهمية، ذلك القرار الذي يقضي “بضرورة القضاء على الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره” الذي أعدت مسودته الدول الأعضاء في مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، والذي لعبت روسيا دورا رئيسيا في صياغته. وقد صوتت الأغلبية الساحقة من البلدان الإفريقية لصالح هذه القرار الموجه لضمان التنفيذ الكامل لإعلان عام ألف وتسعمئة وستين بمنح الاستقلال لجميع البلدان والشعوب المستعمرة، والذي يدعو للنظر في هذا السياق لمسألة إعلان الرابع عشر من ديسمبر يوما دوليا مكرسا للنضال ضد الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره (وذلك أحياء لذكرى إقرار هذا الإعلان). يمكن اعتبار هذه الخطوة التي يؤيدها الأفارقة ضمانة تؤكد أن الأمم المتحدة لم تخسر مكانتها بعد، وأنها تستطيع أن تلعب دورها البناء في توحيد القوى التقدمية لمتابعة النضال ضد الهيمنة والظلم.  

إن مجموعة بريكس مدعوة اليوم للعب دور القاطرة في تدعيم التعددية القطبية والتي تشارك فيها كل من جنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا، ناهيك عن أن جمهورية الكونغو وموريتانيا شاركتا في القسم الإضافي لتكريس التواصل المباشر في قمة بريكس التي انعقدت في قازان في أكتوبر – تشرين أول عام ألفين وأربعة وعشرين، وهناك جانب عملي مرتبط بالمبادرات النقدية والمالية لمجموعة بريكس إضافة إلى الأهمية السياسية لمشاركة الأفارقة في هذا التجمع المتعدد الأطراف. وهكذا فإن بنك التنمية الجديد وترتيب الاحتياطات النقدية المؤقتة هي أدوات مأمولة وغير مسيسة تستطيع البلدان الإفريقية الاعتماد عليها إبان حل مسائل التطور السيادي. السياسيون والخبراء الأفارقة يقدرون عاليا إمكانيات مجموعة بريكس، وهم يعتبرون أن هذا التجمع هو القوة الدافعة نحو بناء نظام دولي جديد وعادل، وهو الأساس المضمون لهندسة العلاقات الدولية كبديل عن آليات القطب الواحد، ولا بد من الإشارة إلى أن علماء السياسة الروس يتضامنون معهم في هذا الرأي: إن توسيع بريكس وإدخال مصر وأثيوبيا في هذه الصيغة “يعتبر دليلا واضحا يؤكد أن العالم يسير نحو التعددية القطبية”

يتحقق أمام أعيننا ما أشار إليه وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف: “إن الصحوة الإفريقية الثانية جارية بالفعل، وهي هذه المرة صحوة تجاه القمع الاستعماري الجديد، وتجاه تلك الممارسات التي تعيق تنميتها”. ولا شك أن العديد من الفرص للمضي في طريق التطور ذي التوجه الوطني سيتحقق من خلال مزيد من إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية عالميا، إلى جانب تشكيل منصات مالية واقتصادية وسياسية وإنسانية بديلا عن المنصات الغربية، وروسيا مستعدة لتقديم المساعدة الشاملة لأصدقائها الأفارقة في هذا المجال.

روسيا وإفريقيا- هذا وقت جمع الحصى

فليمنحنا الله المطر أو الروس (مثل صومالي)

يكمن في مفهوم السياسة الخارجية الروسية أن بلادنا تنوي أن تعزز تطولر وتنمية القارة الإفريقية “كمركز مميز له تأثيره على التنمية العالمية”. ويعتبر التعاون مع الدول الإفريقية وفق الرئيس فلاديمير بوتن أحد الأولويات الثابتة للسياسة الخارجية لبلادنا. “إن الإعلان الصادر عن القمة الروسية الإفريقية يتحدث عن العلاقات الودية الوطيدة والمجربة تاريخيا بين روسيا والدول الإفريقية، وكذلك عن الاحترام والثقة المتبادلة، ناهيك عن تقاليد النضال المشترك للقضاء على الاستعمار وتكريس استقلال الدول الإفريقية”. كما أن لدينا صورة مشتركة للمستقبل. وقد أكد البيان الصادر عن مؤتمر سوتشي الوزاري لعام ألفين وأربعة وعشرين على مسؤولية الاتحاد الروسي والدول الإفريقية عن تدعيم إرساء نظام عالمي عادل ومستقر مبنيٍّ على مبادئ المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام سيادتها.  

إن روسيا مهتمة بتوطيد الحضارة الإفريقية داخليا وبازدهارها وفق منطلقات مستقلة، ونحن نرفض كأصدقائنا الأفارقة التصرفات العملية المعاصرة للاستعمار الجديد، وندين سياسة العقوبات أحادية الجانب، ونحن متحدون في المطالبة بتحقيق ديمقراطية العلاقات الدولية والالتزام بمبدأ أن السيادة متساوية بين الدول. إننا لا ننظر إلى الأفارقة باستعلاء، بل نحترم طموحاتهم ومصالحهم، ونحن مستعدون أيضا للشراكة المتكافئة معهم، إننا لا نفرض عليهم أية أيديولوجيات أو قيم أو نماذج محددة للتطور، ذاك أن العلاقات مع كل دولة لها قيمة عندنا، وكما أشار الرئيس فلاديمير بوتن: “لم يكن هناك على الإطلاق في تاريخ علاقاتنا مع القارة الإفريقية أية شائبة، فنحن لم نمارس أبدا استغلال شعوب إفريقيا، ولم نقم بأي أمر غير إنساني في القارة الإفريقية”، بل إننا في الواقع على العكس من ذلك قمنا  دائما بدعم إفريقيا والأفارقة في نضالهم من أجل استقلالهم، من أجل السيادة ومن أجل إيجاد الظروف الأساسية للتنمية الاقتصادية.  

إن الأفارقة يذكرون بكثير من الامتنان الاتحاد السوفييتي على مساهمته في القضاء على الاستعمار، وفي تنمية اقتصادات البلدان الإفريقية، وقدرتها الدفاعية، وتأسيس دولهم، فكل ما بُني بمشاركة بلادنا غدا أساسا للتنمية، ولعِبَ دوره في رفع مستوى معيشة السكان.، ومع حلول الثمانينات كان الاتحاد السوفييتي قد وقّع اتفاقيات للتعاون التقني- الفني والاقتصادي مع سبع وثلاثين دولة إفريقية من أصل ثلاث وخمسين هي مجموع الدول في القارة الإفريقية، وقد قام الاتحاد السوفييتي ببناء ستمئة شركة ومؤسسة ومواقع أخرى، لقد ساهم الشعب السوفييتي في إشادة المدارس والمشافي والمزارع وأنظمة الري وإنشاء الطرق، وعلماء السياسة الأفارقة أنفسهم يؤكدون أن روسيا خلافا لمراكز السيطرة على المستعمرات كانت تاريخيا تسعى للمساعدة لحل المعضلات الحقيقية، ولم تضع مصالحها الأنانية نصب عينيها.

ليست هناك أية دولة إفريقية ليست صديقة لروسيا، والملفت أن جميع الدول الإفريقية امتنعت عن الانضمام للعقوبات ضد روسيا، كما أن إفريقيا تحتل المقام الأول بين الدول التي ترفض دعم أية مشاريع قرارات غربية معادية لروسيا إبان التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

“تنظر دول القارة الإفريقية إلى روسيا على أنها قائد فكري، قادر على الدفع بأجندة تلبي تطلعات القارة الأفريقية والجنوب العالمي في المحافل الدولية”.

تُعدّ روسيا طرفاً داعماً للقارة الإفريقية في سعيها المشروع لتوسيع تمثيلها في المنظمات الدولية، بما في ذلك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويمتلك الأفارقة موقفاً موحداً بشأن هذا الأمر، وقد تم التعبير عنه فيما يُعرف بتوافق إيزولويني وإعلان سرت، وهو موقف تحترمه روسيا.

اليوم، هو وقت عودة روسيا إلى القارة الإفريقية، وعصر إعادة إحياء الروابط المفقودة وتعويض ما فات. لفهم حجم المهام القائمة، تجدر بنا مراجعة الأرقام ومقارنتها. ففي عام 1985، بلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد السوفيتي ودول أفريقيا 5.9 مليار دولار، بينما انخفض في عام 1995 إلى 0.98 مليار دولار. كما تم إلغاء وظيفة المستشار الاقتصادي في معظم السفارات الروسية في الدول الإفريقية. بالإضافة إلى ذلك، أُغلقت السفارات في بوركينا فاسو، وليسوتو، وليبيريا، والنيجر، وساو تومي وبرينسيب، والصومال، وسيراليون، وتوغو، وغينيا الاستوائية، إلى جانب المؤسسات القنصلية في وهران(الجزائر)، ولوبيتو(أنغولا)، وبور سعيد(مصر)، وبنغازي(ليبيا)، وتواماسينا(مدغشقر)، وبيرا(موزمبيق)، وأجاوكوتا(نيجيريا)، وزنجبار(تنزانيا).

كما اضطر الآلاف من الخبراء المحليين الذين كانوا يعملون بنجاح في أفريقيا إلى مغادرتها. وقد تم كل ذلك تحت شعار “الجدوى الاقتصادية” بالنسبة لروسيا، التي زعمت لسنوات طويلة أنها “تطعم أفريقيا لأسباب إيديولوجية” دون تحقيق عائدات عملية ملائمة. ومع ذلك، خلال الفترة السوفيتية، تم تصدير كميات كبيرة من المنتجات الصناعية السوفيتية إلى القارة، لكن إصلاحيي النصف الأول من التسعينيات لم يأخذوا ذلك في الاعتبار. كنتيجة، فقدت روسيا أسواقًا واسعة للسلع ذات القيمة المضافة العالية، ومصادراً للموارد الهامة استراتيجياً لتطوير القطاعات الحديثة للاقتصاد، فضلاً عن مجموعة كاملة من الروابط الإنسانية التي لا يمكن تعويضها. والحمد لله، تم طي هذه الصفحة الحزينة من التاريخ وبقيَت خلفنا.

تشهد وتيرة زيارات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دول القارة على أهمية الاتجاه الإفريقي في السياسة الخارجية الروسية في الوقت الراهن. فقد شهد عام 2024 زيارة الوزير إلى جمهورية غينيا، وجمهورية الكونغو، وبوركينا فاسو، وتشاد. بينما خلال عامي 2022-2023، زار لافروف مصر، وجمهورية الكونغو، وأوغندا، وإثيوبيا، وإسواتيني، وأنغولا، وإريتريا، ومالي، وموريتانيا، والمغرب، وتونس، والسودان، وكينيا، وبوروندي، وموزمبيق، كما زار جنوب إفريقيا ثلاث مرات.

لقد حظيتُ بشرف مرافقة الوزير في هذه الرحلات، وكان من الواضح تقريبًا في جميع الأماكن التي استُقبِل فيها سيرغي لافروف أن هناك ترحيبًا من قبل القارة، حيث تُعتبر روسيا قوة تدافع عن الحقيقة والمساواة والعدالة على الساحة الدولية، وتقف مع حماية السيادة الحقيقية وإقامة الدولة. ومن اللافت أن الخبراء الأفارقة يربطون بين العملية العسكرية الخاصة الروسية في أوكرانيا ونجاحات شعوب القارة في كفاحهم من أجل الاستقلال، مشيرين إلى أن “مسار المواجهة بين روسيا والغرب يؤثر على توجهات القوى السيادية ذات التوجه الوطني في المنطقة”. وقد سمعت هذه الفكرة مرارًا وتكرارًا من مسؤولين رسميين في الدول الإفريقية خلال الزيارات المذكورة.

إن بلادنا قادرة على دعم أفريقيا في معالجة المهمة الاستراتيجية المتمثلة في تعزيز السيادة في مجالات الحياة الأساسية والتخلص من جميع أشكال الاعتماد على الاستعمار الجديد. يلزم أن نساعد أفريقيا على الارتقاء عدة درجات بشكل فوري إلى الأمام في النظام الدولي لتقسيم العمل.

يمكن لروسيا القيام بالكثير لتعزيز سيادة الدول الإفريقية، فقد بدأنا في تعزيز دورنا كضامن للأمن الشامل لدول القارة. إن وجود المدربين العسكريين الروس، وتدريب أفراد القوات المسلحة وموظفي قوات الأمن، وتوريد وصيانة المعدات العسكرية، ودعم السلطات الشرعية في حالات النزاع، يسهم في تحقيق الاستقرار ويخلق الظروف الملائمة للتنمية. كما لاحظ المحللون المحليون: “بعد فشل فرنسا وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إفريقيا، برزت روسيا كشريك موثوق به، حيث أنجزت في غضون بضعة أشهر ما لم تتمكن القوات الدولية من القيام به لسنوات.

بلدنا قادر على دعم القارة السمراء لتصبح صناعية (بناء محطات للطاقة النووية صغيرة القدرات، وتوفير مفاعلات نموذجية، وبناء المنشآت والبنى التحتية الإنتاجية). تساعد روسيا على ضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وتحسين الوضع في المجال الصحي، وتعزيز النظام الأفريقي المشترك للاستجابة للتهديدات الوبائية (يتذكر الأفارقة الدور الحاسم لخبراء وزارة الصحة الروسية ومؤسسة حماية المستهلك في مكافحة فيروس إيبولا في غرب إفريقيا خلال عامي 2014 و2015، بالإضافة إلى الشحنات السريعة للقاحات “سبوتنيك “Vأثناء جائحة فيروس كورونا COVID-19). هناك آفاق واسعة للتعاون في مجالات الطاقة، والتنقيب الجيولوجي، واستخراج الموارد الطبيعية، والعلوم والتعليم، والاتصالات، والأمن السيبراني، والزراعة. ويعرب الأفارقة عن اهتمامهم بالتعاون مع روسيا في مجال التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الفضاء السلمي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتوظيف تقنيات المعلومات والاتصالات المحلية المتطورة. وتجدر الإشارة إلى أن تعاوننا لا يرتبط بأي شروط سياسية.

الأساس لبناء المستقبل يجب أن يعتمد على إنشاء بنية تحتية للتسويات المتبادلة، غير مقيدة بالغرب. مع الأخذ في الاعتبار حالة الاعتماد على الغرب الذي تعاني منها معظم المنظمات الدولية العالمية، تزداد أهمية تقديم المساعدة لأفريقيا عبر قنوات ثنائية. يعدّ الدعم المباشر غير المشروط للدول المحتاجة في القارة عبر توفير الحبوب والأسمدة والوقود جزءًا أساسيًا من السياسة الروسية.

يتم إيلاء أهمية تنسيقية خاصة للحفاظ على إيقاع ثابت للحوار السياسي مع إفريقيا من خلال عقد قمم ثنائية كل ثلاث سنوات (القمة القادمة يجب أن تعقد في عام 2026) بالإضافة إلى المؤتمرات الوزارية السنوية لمنتدى الشراكة “روسيا – أفريقيا” (من المخطط إجراء واحدة في عام 2025 في إحدى الدول الإفريقية). تظل هناك آفاق واعدة في مجال التنسيق مع الهيئات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية SADC))، السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا(COMESA)، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا(ECOWAS)، تحالف دول الساحل(ASS)، المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا(ECCAS)، وغيرها. كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا من الاتحاد الإفريقي بربط منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية(AfCFTA) مع العمليات التكاملية ضمن إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وفي المستقبل، قد يتم الربط بين AfCFTAواتحادات تكاملية أخرى في سياق تنفيذ البعد الخارجي للمبادرة التي اقترحها الرئيس فلاديمير بوتين لإنشاء شراكة أوراسية كبرى.

توجهت روسيا نحو إعادة تشغيل أو إنشاء سفارات جديدة في القارة الإفريقية، بما في ذلك في النيجر، وسيراليون، وجنوب السودان، وغامبيا، وليبيريا، واتحاد جزر القمر، وتوغو. وفي عام 2024، تم تشغيل البعثات الدبلوماسية في بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية. أحيانًا نسمع من بعض الأشخاص الذين بنوا مسيرتهم المهنية في الخدمة الدبلوماسية خلال حقبة “التقارب مع الغرب” في التسعينات والألفينيات مثل هذا الرأي: “قلة قليلة قد ترغب في الذهاب للعمل في إفريقيا: المناخ أصعب مما هو عليه في أوروبا، والرعاية الصحية أقل مستوى”. هناك بعض الحقيقة في هذه الآراء، لكن الأمر يعود لكل شخص ليقرر ما يبحث عنه في مهنته. ومع ذلك، فإن خدمة الوطن تعني أولاً وقبل كل شيء العمل لتحقيق المهام الحكومية، وثانياً وثالثاً توفير الراحة الشخصية، مهما كان مفهومها لكل شخص. تشارك قيادة وزارة الخارجية الروسية هذه الرؤية، ونحن نستند إلى هذا المبدأ أثناء تنفيذ “إعادة توجيه” الكوادر نحو الاتجاهات غير الغربية، وهو أمر طال انتظاره.

يساهم تطوير العلاقات بين البرلمانات في تعزيز الشراكة الروسية الأفريقية بشكل ملحوظ؛ حيث أَحدث المؤتمر البرلماني الدولي “روسيا – أفريقيا في عالم متعدد الأقطاب” الذي عقد في موسكو في مارس 2023 صدى إيجابيًا.

في ظل الظروف الراهنة، تبرز حاجة ملحّة لتبني موقف أكثر هجومية واستباقية من جانب الشركات الروسية، التي تنكشف أمامها فرص لا حصر لها للعمل في القارة الأفريقية. لقد أصبح التصور السائد بأن “النفاذ” إلى أفريقيا يجب أن يتم فقط عبر وسطاء غربيين أمراً عتيقاً. يتعين توسيع القاعدة المعرفية لدى رجال الأعمال الروس حول الأسواق الأفريقية. والأهم من ذلك، أن التعاون الاقتصادي مع أفريقيا لا ينبغي أن يُبنى على العقائد الأيديولوجية كما كان الحال في العهد السوفيتي، بل يجب أن يستند إلى مبادئ التكامل الاقتصادي والمنفعة المتبادلة.

إن زيادة الوعي بأفريقيا ومشاكلها ليست مهمة تتعلق بقطاع الأعمال فحسب. ينبغي دراسة القارة السمراء وكل الجنوب العالمي من خلال مصادر محلية ومصادرنا الخاصة، بدلاً من الاعتماد على مقالات “نيويورك تايمز” وتقارير صندوق النقد الدولي. ومن الضروري إعادة إدخال نتاج المدرسة السوفيتية في الدراسات الإقليمية إلى التداول للخبراء المحلّلين. يجب التعرف بشكل أعمق على أعمال المؤلفين الأفارقة والتخلص من العقدة النفسية للتمحور حول الغرب، والابتعاد عن تقييم الأغلبية العالمية من منظور “الإنسان الغربي”.

وتتميز روسيا بوجود مدرسة فريدة لتأهيل المتخصصين في الشؤون الأفريقية، الذين يتقنون اللغات الأفريقية بطلاقة. تُدرس اللغات السواحلية والأفريكانية والأمهرية في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO)، بالإضافة إلى هذه اللغات تدرّس اللغة الفولانية في معهد بلدان آسيا وأفريقيا. كما تُدرس اللغات الأفريقية في الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب RUDN، والجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية RSUH، وجامعة سانت بطرسبورغ الحكومية SPBGU ، وكذلك في العديد من الجامعات الأخرى في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، كانت مجموعة اللغات التي تم تدريسها خلال الحقبة السوفيتية أوسع، وكان عدد الطلاب أكبر، مما يعني أن هنالك الكثير لنطمح إليه في هذا المجال.

يتزايد دور أفريقيا في السياسة العالمية باستمرار. تسير ولادة الهوية الإفريقية ببطء، إلا أن ارتفاع الوعي الذاتي لدى الشعوب الأفريقية ورغبتها في تعويض ما فات خلال فترات الاستعمار وما بعد الاستعمار يمثلان دافعاً قوياً لتعزيز دور أفريقيا كإحدى أقطاب النظام العالمي القائم على التعددية القطبية. كما يشير العلماء الأفارقة، فإن هذه الرؤية تؤثر بشكل مباشر على مصير التعددية القطبية.

في نضالهم من أجل العدالة و”مكان لهم على الأرض”، يمكن للأفارقة الاعتماد كلياً على روسيا الصديقة.

أليكسي دروبينين، مدير إدارة تخطيط السياسة الخارجية بوزارة الخارجية الروسية.

روسيا اليوم