تفتقر العوائل الكثيرة المقيمة في “مراكز الإيواء”، المنتشرة في كل مناطق قطاع غزة إلى الخصوصية، وتشتكي من صعوبة التأقلم مع هذا الوضع الذي تعيشه قسرا بسبب ظروف الحرب الدامية التي تشنها دولة الاحتلال، والتي خلفت دمارا كبيرا فاق كل التخيلات، وأعاد القطاع لعشرات السنين إلى الوراء.
اكتظاظ مراكز الإيواء
وهذه العوائل التي تقيم في “مراكز الإيواء” في مناطق وسط وجنوب القطاع، تزداد أعدادها يوما بعد يوم، في ظل استمرار حركة النزوح القسري، التي فرضتها قوات الاحتلال على مناطق غزة والشمال، ويوميا تصل دفعات تضم أعدادا كبيرة من المواطنين، عبر طريق صلاح الدين، الذي تتواجد على جزء من طرفيه قوات من جيش الاحتلال، لتعبر تلك المنطقة إلى مناطق “جنوب وادي غزة”، لتبدأ من هناك السؤال أولا عن أماكن “مراكز الإيواء”.
وتشهد المراكز الموجودة في مناطق وسط القطاع، خاصة في مخيم النصيرات، أول مناطق الوصول، ازدحاما كبيرا، خاصة وأن العديد من الأسر تلجأ للإقامة بها، للاستراحة من رحلة النزوح الشاقة، التي تضطر بها الأسر بأطفالها وكبار السن، للسير على الأقدام لمسافة طويلة، فيما تضطر غالبية الأسر التي نزحت مؤخرا للتوجه إلى مناطق جنوب القطاع (مدينتي خان يونس ورفح)، واللتين أيضا تشهدان في هذا الوقت ازدحاما مشابها، دفع بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين إلى إقامة مركز من الخيام في إحدى الساحات.
ولم يبق في تلك المراكز موضع قدم، إلا وبه عائلة نازحة، حتى إن ساحات المراكز وهي بالأساس مدارس ومؤسسات خدماتية أخرى لـ “الأونروا”، أقيمت بها خيام، بعد امتلاء الفصول الدراسية فوق طاقتها.
ولا يتوفر في تلك المراكز، بسبب العدد الكبير للنازحين فيها، وعدم ملاءمة غرف الفصول للإقامة والسكن، أي نوع من الخصوصية.
ووفق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، فقد نزح منذ بداية الحرب ضد غزة في السابع من أكتوبر الماضي، حوالي 1,9 مليون شخص (أو أكثر من 80 بالمئة من السكان) في مختلف أنحاء قطاع غزة.
وأوضحت أن ما يقرب من 1,2 مليون نازح يحتمون في 156 منشأة تابعة لها، في كافة محافظات قطاع غزة الخمس، وهو أكثر من أربعة أضعاف طاقتها الاستيعابية، لافتة إلى أن ما يقرب من مليون نازح يقيمون في 99 منشأة في مناطق الوسط وخان يونس ورفح.
وأشارت في تقرير لها، إلى أن إحدى المدارس في مخيم المغازي بالمحافظة الوسطى، أبلغت عن معدل اكتظاظ يصل إلى 18,95 ضعف طاقتها الاستيعابية، حيث تم إيواء 37,900 نازح في منشأة مخصصة لما مجموعه 2,000 فرد.
أوضاع سيئة للنساء
وتقول إحدى السيدات اللواتي نزحن من وسط مدينة غزة إلى أحد “مراكز الإيواء”، في مخيم النصيرات، إن الوضع بالنسبة للنساء في المقام الأول سيئ جدا، وتشير هذه السيدة الأربعينية وهي خريجة جامعية، إلى أن أسرتها تقيم مع خمس أسر أخرى في الفصل الدراسي، وأن مجموع من يتواجدون في تلك الغرفة يفوق الـ 60 شخصا.
وتتحدث هذه السيدة عن صعوبات كبيرة تواجه الجميع وقت النوم، إذ اضطرت بعض العوائل إلى وضع أغطية النوم، كستائر تحجز بين الأسر، حتى بزوغ شمس النهار، رغم حاجتها الملحة إلى تلك الأغطية، حيث لا تتوفر لها بكميات تقيها برد الشتاء.
وتؤكد أنها تشعر كغيرها من نساء المركز بخجل كبير وقت النوم، وحتى أثناء النهار، وتضطر كغيرها للبقاء في تلك الغرفة جالسة، ولا تتحرك إلا عند قيامها بتحضير طعام لأسرتها، وتشير إلى أن هناك بعض الأقارب وعوائل لم تكن تعرفها من قبل تقيم معها في ذات الغرفة.
ورغم نسجها كغيرها علاقات مع السيدات المقيمات في المركز، إلا أنها تؤكد أن الجميع يبحث عن الكثير من الخصوصية المفقودة، بما في ذلك أيضا الرجال.
والمدارس التي أصبحت “مراكز إيواء”، جميعها مقام على شكل مربع ناقص طرف، ومكونة من مبان خرسانية بارتفاع ثلاثة طوابق، وأمامها ساحة عامة، حيث تتواجد في هذه الساحة حمامات وصنابير مياه.
والغرف الفصلية التي تعتبر غرف نوم ليلا وحياة ومطابخ وصالة جلوس نهارا، تحيط بها النوافذ الزجاجية الشفافة من كل مكان، وهي نوافذ بارتفاعات منخفضة، تجعل من في الداخل يرون من يسير بجوار تلك الغرف حين يكون في الممرات، والعكس صحيح.
واضطرت هذه الأسر المقيمة في هذه المراكز، لتغطية النوافذ بشيء من الملابس والأغطية، فيما تلتزم النساء المقيمات هناك بارتداء الحجاب وغطاء الرأس على مدار ساعات اليوم، كما يلتزم الرجال أيضا بعادات جديدة، تجعلهم يطرقون باب غرف الإقامة والاستئذان قبل الدخول.
وقابلت “القدس العربي” سيدة أخرى في المركز، وتحدثت معها عن طريقة العيش مع طول مدة الإقامة، فأشارت إلى أن أحدا لم ولن يتأقلم مع هكذا وضع، مشيرة إلى أن الوضع المعيشي سيئ جدا، وأن جميع المراكز غير مخصصة للإقامة، حيث تفتقر إلى عدد حمامات يتلاءم مع عدد المقيمين، وتقول إن الاستحمام للنساء والأطفال يحتاج تحضيرات كثيرة، في ظل عدم وجود مياه ساخنة، ووجود أعداد كبيرة في المراكز.
وأشارت هذه السيدة وتدعى “أم سائد”، وقد كانت تمسك بأحد أطفالها لشراء بعض احتياجات الأسرة من خارج المركز، إلى أنها لجأت في مرات سابقة إلى منازل بعض المعارف كغيرها من النساء للاستحمام.
وتشير أيضا إلى أن هناك أشياء كثيرة تواجه السيدات في الإقامة في “مراكز الإيواء”، من أصعبها الوصول إلى دورات المياه ليلا، في ظل إقامة عوائل نازحة في الطابق الثالث للمركز، وهو ما يعني قطعها مسافة طويلة من المشي، وتجاوز أسر أخرى مقيمة في نفس الغرفة.
وقد أوضحت أنها مع غيرها من النساء اللواتي تعرفت عليهن، يفضلن عدم شرب الماء قبل حلول الظلام، حتى لا يضطررن لذلك، وتشير إلى أن كثرة عدد المتواجدين في المراكز، وقلة عدد دورات المياه، تجعلها تنتظر دورا طويلا أمام تلك الأماكن.
مراكز غير مختصة للإيواء
وفي بيان رسمي لـ “الأونروا” أكدت أن هذه المراكز ليست مصممة لاستضافة هذا العدد الكبير من الناس، وليس لديها مرافق كافية لتوفير ظروف معيشية آمنة وكريمة.
وتؤكد أن مستويات النظافة الشخصية منخفضة وأن مشاكل الصحة العقلية في ازدياد، وتقول إن عدد المراحيض يختلف من ملجأ لآخر.
وفي آخر تحديث لبياناتها ذكرت أنه في المتوسط، هناك وحدة استحمام واحدة لكل 4,500 شخص في “مراكز الإيواء”، فيما يتشارك في المتوسط، حوالي 220 شخصا ممن يلتجئون في مدارس “الأونروا”، مرحاضا واحدا.
وتشير إلى أن “الاكتظاظ المفرط” أدى إلى زيادات كبيرة في بعض الأمراض المعدية مثل الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي الحادة والتهابات الجلد والظروف المتعلقة بالنظافة الشخصية مثل انتشار القمل.
ويقول أحد النازحين من أرباب الأسر، وقد تحدث لـ “القدس العربي”، وهو يشعر بالخجل، إنه وغيره الكثيرين يمضي عليهم أكثر من 10 أيام دون استحمام، ويشير إلى أن ذلك جعله يشتكي من أمراض جلدية، ومن حك شعر رأسه بشكل مستمر بأصابع اليد.
وفي دلالة على حجم الكارثة، نشرت “الأونروا” في بيان لها، اقتباسا من موظف يعمل ضمن طواقمها قال فيه “إن مجرد الدخول إلى أحد الملاجئ يجعلك تنفجر من البكاء”.
ويضيف “هناك أطفال يبحثون عن الطعام والماء ويقفون في طوابير لأكثر من ست ساعات فقط للحصول على كسرة من الخبز أو زجاجة من الماء”.
ويتابع “الناس حرفيا ينامون في الشوارع هنا في خان يونس فيما يواصل الآلاف الفرار من الشمال، الأسواق فارغة تماما باستثناء عدد قليل من الخضروات”، ويمضي يقول “يجب أن يتوقف هذا البؤس، وإلا سيموت الناس من الجوع والأمراض”.
أما المستشار الاعلامي لـ “الاونروا” عدنان أبو حسنة، فقد قال في تصريح سابق معقبا على الأوضاع المتردية “أنا شهدتُ حروبا كثيرة قبل ذلك في غزة، لكنني لم أرَ حجم هذه المأساة”، ويضيف “إنها نكبة جديدة للفلسطينيين. لم أكن أتوقع أن أرى مئات الآلاف من النازحين الذين تركوا كل شيء”.
وأضاف “لم أرَ في حياتي، إزالة أحياء كاملة عن الوجود في مدينة غزة، رأيت أناسا، هم سكان مدينة غزة الأصليون، الذين لم يغادروا غزة منذ آلاف السنين ولكن اليوم أصبحوا لاجئين ونازحين في مدينة جديدة”.
وفي “مراكز الإيواء”، يواصل النازحون هناك السؤال “متى تنتهي الحرب”، و”ماذا سيحدث مستقبلا”، و”هل سنعود إلى منازلنا”، وهذه الأسئلة تطرح دوما على الصحافيين، وعلى مسؤولي “الأونروا” خلال تفقدهم المراكز، غير أن أحدا لا يملك الإجابة على هذه الأسئلة.

أشرف الهور
المصدر: صحيفة القدس العربي







