1

مستقبل الدور السياسي والأمني للمنظمات الإقليمية الإفريقية: نموذج الإيكواس

شكَّل انسحاب مالي والنيجر وبوركينافاسو من منظمة الإيكواس سابقة لها ما بعدها. وستحاول هذه المقالة قراءة مستقبل الدور السياسي والأمني للمنظمات الإقليمية الإفريقية مع التركيز على منظمة الإيكواس.

اكتسبت القمة غير العادية للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) التي استضافتها أبوجا، عاصمة نيجيريا في السابع من يوليو/تموز 2024، أهمية خاصة لاعتبارات عدة أهمها توقيت انعقادها بعد يوم واحد من القمة التي عقدها قادة الانقلاب في كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو، وأعلنوا خلالها المضي قدمًا في تشكيل اتحاد كونفيدرالي فيما بينهم بات يعرف بتحالف دول الساحل.

وقد تأكد قرارهم في يناير/كانون الثاني 2024، بالانسحاب الفوري من الإيكواس؛ وهو ما شكَّل تحديًا لأحد أهم المنظمات الإقليمية في القارة؛ والتي حققت نجاحات معتبرة على الصعيد الاقتصادي خاصة ما يتعلق بحريَّة تنقل الأشخاص والبضائع بين دول المنظمة الخمس عشرة بجواز سفر موحد؛ فضلًا عن كونها أول منظمة إفريقية تركز على البعد الأمني وأهميته لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وكانت الإيكواس سباقة في صياغة بروتوكولات أمنية مثل عدم الاعتداء 1978، والمساعدة الجماعية في حالة الدفاع 1981؛ ثم استحداث آلية لمنع وإدارة وتسوية الصراعات وحفظ السلام والأمن 1999، التي كان من أهم بنودها توسيع قاعدة تدخل قوات المنظمة في الصراع الداخلي في حالة التهديد بحدوث كارثة إنسانية؛ أو وجود أعمال عنف تنتهك حقوق الإنسان وحكم القانون بصورة كبيرة، أو في حالة الإطاحة بحكومة منتخبة. هذا الانسحاب، أو الانشقاق، إن صح التعبير، يطرح تساؤلًا رئيسًا تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه حول مستقبل الدور السياسي والأمني للإيكواس.

لذا سوف تنقسم هذه الدراسة لثلاثة أقسام رئيسية، ينبثق عنها نقاط فرعية، هي:

أولًا: الآليات السياسية والأمنية في الإيكواس.

ثانيًا: تقييم الدور السياسي والأمني للإيكواس قبل وأثناء الانقلابات الأخيرة.

ثالثًا: مستقبل الإيكواس بعد تشكيل تحالف الساحل الجديد “السيناريوهات”.

القسم الأول: الهياكل السياسية والأمنية

كانت الإيكواس أول منظمة إقليمية “فرعية” في القارة التي تهتم بالربط بين الجانب الأمني والسياسي من ناحية، والجانب الاقتصادي من ناحية ثانية، على اعتبار أن التكامل الاقتصادي المنشود -بحسب اتفاقية لاغوس المنشئة لها عام 1975- لن يتحقق في ظل الحروب البينية أو الداخلية ذات الامتدادات الإقليمية. وبالتالي، فإن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني يعد شرطًا أوليًّا للتكامل الاقتصادي بمراحله المختلفة التي تبدأ من المعاملة التفضيلية، ومنطقة التجارة الحرة، مرورًا بالاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة، وصولًا إلى الوحدة النقدية الشاملة “عملة موحدة وبنك مركزي موحد”.

لذا استحدثت الإيكواس مجموعة من البروتوكولات والقوانين “السياسية والأمنية” لتحكم تدخلها في تسوية الصراعات بين أو داخل الدول الأعضاء، أبرزها ما يلي:

أولًا: بروتوكول عدم الاعتداء Protocol on Non- Aggression الذي تم توقيعه عام 1978، والذي جاء بمنزلة إعلان مبادئ فيما يتعلق بالنواحي الدفاعية لعدم تضمينه أية هياكل مؤسسية للتدخل، وأشار في مادته الأولى إلى ضرورة امتناع الدول الأعضاء عن استخدام القوة أو الاعتداء، أو استخدام أي وسيلة لا تتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة أو منظمة الوحدة الإفريقية أو تنال من استقلالية أو سيادة أي دولة عضو في علاقاتها ببعضها البعض(1).

ثانيًا: بروتوكول المساعدة الجماعية في حالة الدفاع Protocol Relating to Mutual Assistance on Defence والذي عُرف باسم ميثاق دفاع الجماعة ECOWAS Defence Pact، والذي تم التوقيع عليه عام 1981، ويعد التدشين الحقيقي لنظام الأمن الجماعي لها؛ حيث كان أكثر تفصيلًا وإيضاحًا للعديد من النقاط التي لم يتناولها بروتوكول 1978، سواء فيما يتعلق بتحديد الصراعات التي تستوجب التدخل الجماعي، والآليات المنوطة بذلك.

وقد حدد الميثاق حالات التدخل ومنها حالة وجود صراع داخلي تتم إدارته ودعمه من الخارج بما يهدد السلم والأمن في الجماعة. وفي هذه الحالة فإن هيئة الجماعة “رؤساء الدول والحكومات” هي التي تحدد هذا الموقف، وتقرر التعامل معه (مادة 4، فقرة 2)، أما في حالة وجود صراع داخلي بحت فإن قوات الجماعة لا تتدخل (مادة 18- فقرة 2). كما نص على ضرورة وجود قوات خاصة للجماعة جاهزة للتدخل، هذه القوات ستعرف باسم القوات المسلحة المتحالفة للجماعة Allied Armed Forces of The Community والتي تعرف اختصارًا باسم (AAFC). ويتم تشكيلها من خلال تعهد الدول الأعضاء بوضع وحدات خاصة من قواتها المسلحة تحت تصرف الجماعة في حالة أي تدخل عسكري (مادة 13 – فقرة 1)(2).

ويلاحظ أن البروتوكول لم ينص على نظام معين للتصويت بشأن قرارات التدخل، ومعنى ذلك أن عملية التصويت تخضع لقاعدة الإجماع التي تحكم عملية اتخاذ القرار في الجماعة والتي من شأنها عرقلة عملية التدخل، وهو ما أكدته قمة باماكو، نوفمبر/تشرين الثاني 1990، التي عُقدت لمناقشة الصراع في ليبيريا التي أعادت التأكيد على قاعدة الإجماع.

ثالثًا: آلية منع وإدارة وتسوية الصراعات وحفظ السلام والأمن.Mechanism for Conflict Prevention, Management, Resolution, Peacekeeping and Security. على غرار آلية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع الصراعات قبل وقوعها التي تم تدشينها عام 1993. وقد تم توقيع البروتوكول المنشئ لآلية الإيكواس في قمة لومي، عاصمة توغو، في 10 ديسمبر/كانون الأول 1999، وكان من أهم بنودها توسيع قاعدة تدخل قوات الجماعة في الصراع الداخلي في حالة التهديد بحدوث كارثة إنسانية، أو وجود أعمال عنف تنتهك حقوق الإنسان وحكم القانون بصورة كبيرة، أو في حالة الإطاحة بحكومة منتخبة. وهو ما يتم الاستناد إليه في حالات التدخل لمواجهة الانقلابات العسكرية.

ولقد حدد بروتوكول الآلية القوات العسكرية التابعة للإيكواس، وهي(3):

قوات مراقبة وقف إطلاق النار (الإيكوموج)

حرص بروتوكول الآلية على تقنين وضع قوات مراقبة وقف إطلاق النار التابعة للجماعة (الإيكوموج) والتي أثارت جدلًا واسعًا بشأن مدى مشروعيتها إبان تدخلها في حرب ليبيريا عام 1990، وكذلك أثناء الاجتماعات التي سبقت إقراره. وكانت المحصلة النهائية لذلك إقرار البروتوكول بأن تكون قوات الإيكوموج هي أحد الأجهزة المعاونة لمجلس الوساطة والأمن “الجهاز الأمني للمنظمة” على غرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.

ويلاحظ أن الجماعة كانت سبَّاقة فيما يتعلق بتشكيل هذه القوات وتقنينها؛ حيث سبقت منظمة الوحدة الإفريقية وآلياتها الخاصة بتسوية الصراعات، وكذلك سبقت المنظمات الإقليمية الفرعية الأخرى كالسادك في الجنوب والإيكاس في الوسط. ولقد عمل الاتحاد الإفريقي، الذي حل محل منظمة الوحدة، على تفادي هذه السلبية من خلال الإقرار في المادة الثانية من البروتوكول المنشئ له بوجود قوات سريعة للتدخل من بين الأجهزة المعاونة (الفرعية) لمجلس السلم والأمن.

لقد نصَّت المادة (21) من البروتوكول على أن قوات الإيكوموج تعد أحد كيانات الإيكواس، وتتشكل من قوات مدنية وعسكرية، تتمركز في بلدانها الأساسية في حالة تأهب، وتكون جاهزة للانتشار الفوري عند الحاجة، كما حددت ذات المادة مهام بعثات الإيكوموج فيما يلي:

  • المراقبة والملاحظة.
  • حفظ السلام واستعادة الأمن.
  • التدخل الإنساني لدعم ضحايا الكوارث الإنسانية.
  • فرض العقوبات بما في ذلك فرض الحظر الاقتصادي.
  • بناء السلام ونزع الأسلحة وتسريح القوات المتحاربة.
  • أنشطة ذات طابع سياسي تتضمن السيطرة على الجريمة المنظمة وعمليات الغش والاحتيال.
  • أية عمليات يمكن أن تفوض أو تكلف بها من قبل المجلس.

ويمكن ملاحظة أمرين فيما يتعلق بتفويض الإيكوموج:

الأول: أن البروتوكول تحدث عن الصلاحيات الممنوحة للإيكوموج في عمليات حفظ السلام/بناء السلام/صنع السلام، في حين لم يتحدث بوضوح عن فرض السلام “استخدام القوة الخشنة لإجبار طرف على التخلي عن الحرب، والجلوس للتفاوض”، كما حدث في ليبيريا وسيراليون في تسعينات القرن الماضي، وقد يكون واضعو البروتوكول استهدفوا الدمج بين حفظ السلام وفرض السلام على اعتبار أن مهام الأولى قد تتحول إلى الثانية، لكن يبقى التمييز بينهما أمرًا مهمًّا؛ لأنه سينعكس على طبيعة التفويض الممنوح من ناحية، ومستوى التسليح من ناحية ثانية، فعمليات حفظ السلام التقليدية قد تتطلب وجود أسلحة دفاعية خفيفة مع القوات المتدخلة، والتي ينحصر دورها في الإشراف على اتفاقات السلام الموقعة بين أطراف الصراع، وتستخدم هذه الأسلحة في حالة الدفاع عن النفس، أما في حالة فرض السلام فإن الأمر يتطلب مستوى تسليح عاليًا (معدات ثقيلة)؛ من أجل القيام بالمهمة الأساسية وهي فرض السلام في مواجهة أطراف الصراع(4).  

الثاني: أن عمليات التفويض والمهام الممنوحة للقوات قد يتم تغييرها وفقًا لمقتضيات الوضع على الأرض، وبموافقة المجلس (م/29)، وهو ما يُكسب الإيكوموج مرونة كبيرة في التعامل مع هذه الأزمات.

وقد خُصِّص الفصل السابع من الآلية للحديث عن مصادر تمويل هذه القوات المتدخلة، وتحديدها في ثلاثة مصادر أساسية كالتالي:

– تخصيص حصة من ميزانية المنظمة لتمويل الآلية، حيث تقوم السكرتارية التنفيذية -أثناء إعداد ميزانيتها السنوية- بإدراج جزء خاص بتمويل أنشطة الآلية بها، وبمجرد دخول البروتوكول حيز النفاذ، فإن نسبة من هذه الحصص سيتم تخصيصها لأنشطة الآلية (مادة 36/1).

– الحصول على دعم من المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، أو الإقليمية مثل منظمة الوحدة الإفريقية في حينها، أو المنظمات الأخرى (مادة 36/2).

– المساهمات التطوعية والمنح التي قد تأتي من مصادر ثنائية أو متعددة (مادة 36/3).

وفي حالة عدم اكتمال توافر التمويل اللازم لعملية التدخل، فإنه قد يتم توجيه الدعوة للدول المشاركة بقوات لتحمل تكلفة قواتها المشاركة خلال الأشهر الثلاثة الأولى لعملية التدخل (مادة 37/1)، على أن تقوم المنظمة برد هذه النفقات خلال ستة أشهر على الأكثر، وتبدأ الجماعة بعدها تمويل هذه العمليات (مادة 37/2).

بروتوكول الديمقراطية والحكم الجيد عام 2001 Protocol on Democracy and Good Governance والذي يتناول أسباب وجذور الصراعات، ومنها الفساد، وعدم الاستقرار، ويتعامل مع عدة قضايا أبرزها حرية ونزاهة الانتخابات، وإشراف المجتمع المدني على المؤسسة العسكرية، والتأكيد مرة أخرى على رفض التغيرات غير الدستورية في نظم الحكم(5). وربما هذه هي النقطة الأهم التي تستند عليها الإيكواس في رفض الانقلابات العسكرية، وإمكانية التدخل “بكل أشكاله” لاستعادة النظام الديمقراطي..

وإذا كانت هذه هي الهياكل القانونية والمؤسسية للمنظمة، فماذا عن الجانب العملي؟ ولماذا برز نشاطها في عمليات التدخل خلال عقد التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، ثم تراجع بصورة أقل خلال العقد الثاني، ليسجل تراجعًا كبيرًا خلال العقد الثالث والأخير؟

القسم الثاني: تقييم أداء تدخل الإيكواس في تسوية الصراعات

يمكن تقسيم هذه الجزئية إلى مرحلتين أساسيتين: الأولى: مرحلة ما قبل الانقلابات الأخيرة 1990-2020، والثانية: مرحلة الانقلابات الأخيرة 2020-2024، وسوف نتحدث عنهما بشيء من الإيجاز:

 أولًا: مرحلة ما قبل الانقلابات الأخيرة 1990-2020

منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، صارت الجوانب الأمنية هي النشاط الأبرز لإيكواس، مقارنة بالجوانب الاقتصادية، أو بمعنى آخر فإن الجوانب الاقتصادية تراجعت لحساب الجوانب الأمنية، وقد يرجع ذلك لكثرة الصراعات الداخلية من ناحية، وبروز الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء من ناحية ثانية؛ الأمر الذي يعوق التكامل الاقتصادي، ويجعل الأولوية دائمًا للجوانب الأمنية، فضلًا عن وجود دولة قائدة تسعى للهيمنة في الإقليم، وهي نيجيريا في عهد الرئيس الراحل، إبراهيم بابانغيدا.

ويلاحظ أنه حتى عام 2006، تدخلت الجماعة لمواجهة الصراعات الداخلية، ذات الامتدادات الإقليمية، في 4 دول، هي: ليبيريا، وسيراليون، وساحل العاج، وغينيا بيساو.

ويمكن القول بأنها حققت نتائج لا بأس بها خاصة في حالتي ليبيريا حيث الحرب الأهلية ومواجهة الرئيس تشارلز تايلور، وفي سيراليون لإعادة الرئيس الراحل، تيجان كاباه، الذي أُطيح به في انقلاب 1996، والتي كانت نتاج استخدام أدوات التسوية السياسية والعسكرية معًا، وكان من أبرز هذه النجاحات التوصل لعدة اتفاقات بشأن إحلال السلام في ليبيريا مما مهَّد لإجراء الانتخابات البرلمانية، عام 1997، وشهدت البلاد حالة من الاستقرار النسبي لمدة ثلاث سنوات، ونفس الدور لعبته المنظمة في المرحلة الثانية للصراع، عام 2000، وإن كان الدور الأكبر للقوات الدولية؛ مما أدى لإجراء الانتخابات، عام 2005، التي أسفرت عن فوز إيلين سيرليف جونسون. أما فيما يتعلق بالصراع في سيراليون فقد كان من أبرز جهود المنظمة عودة النظام الديمقراطي برئاسة كاباه للحكم، مارس/آذار 1998، كما شاركت -بالتعاون مع الأمم المتحدة- في إجراء انتخابات 2002 التي أسفرت عن فوز كاباه بها وإعلان انتهاء الحرب في البلاد. وبالنسبة لغينيا بيساو فقد اقتصر دورها على وسائل التسوية السياسية تحديدًا من خلال التعاون الوثيق مع الأمم المتحدة ومنظمة الدول الناطقة بالبرتغالية، والإشراف على انتخابات 1999 البرلمانية والرئاسية، ونفس الأمر بالنسبة لانتخابات 2004، و2005 البرلمانية والرئاسية. وفي أزمة كوت ديفوار لعبت الإيكواس -جنبًا إلى جنب الأمم المتحدة وفرنسا- دورًا في التوصل لاتفاق ليناس ماركوسيس الذي يعد أساس عملية السلام في البلاد، ونفس الأمر بالنسبة لاتفاق أكرا، 3 يوليو/تموز 2004، الذي حسم أهم مشكلتين تواجهان البلاد، وهما مشكلة المواطنة والترشيح للانتخابات، ووراثة عقود إيجار الأراضي الزراعية(6).

كما تدخلت الإيكواس بعد هذه الحالات الأربع، وإن بصورة أقل، في كل من كوت ديفوار 2010، ومالي 2013، وغامبيا 2017، لمواجهة الرئيس يحيى جامع (لم تحدث مواجهات) والذي رفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات. وبحلول عام 2017، باتت جميع دول المنظمة لديها حكومات دستورية بقيادة مدنية(7).

المرحلة الثانية: الانقلابات الأخيرة (2022-2024)

يلاحظ أن الإيكواس لم تتدخل عسكريًّا لمواجهة 7 انقلابات شهدتها 4 دول خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهي: مالي شهدت انقلابين في 2020، و2021، وغينيا في انقلاب سبتمبر/أيلول 2021، وبوركينا فاسو شهدت انقلابين عام 2022، والنيجر، في أغسطس/آب 2023، واكتفت بتعليق عضويتها، وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية، وإعطاء مهلة لقادة الانقلاب للقيام بعملية التحول الديمقراطي، رغم أنه لم يتم الالتزام بها حتى الآن، ولم تتخذ الإيكواس إجراءات تصعيدية متمثلة في التدخل العسكري بشأنهم نتيجة لعدة إشكاليات سواء أكانت إشكاليات سياسية (توافق الإرادة السياسية للتدخل لدى الدول الأعضاء بالمنظمة) أو مالية (توفير التمويل اللازم للتدخل)، أو حتى إشكاليات تتعلق بقبول الرأي العام في الدولة المتدخلة لهذا التدخل، أو غياب دور نيجيريا التي انشغلت بملفاتها الداخلية خاصة ما يتعلق بالتنمية ومواجهة الحركات المسلحة مثل بوكو حرام وغيرها.

الإيكواس وانقلاب النيجر 2023

أما بالنسبة لانقلاب النيجر، يوليو/تموز 2023، والذي هددت فيه الإيكواس بالتدخل العسكري لإعادة الرئيس المعزول، محمد بازوم، للحكم، فقد اعتراه أيضًا مجموعة من الاعتبارات(8):

أولًا: الاعتبارات السياسية المتعلقة بمدى تأييد دول الإيكواس لهذا التدخل: إذ يمكن القول بوجود حالة من الانقسام داخل الدول الأعضاء، ما بين دول مؤيدة للتدخل، وفي مقدمتها نيجيريا والسنغال، وأخرى رافضة للتدخل، وهي تحديدًا مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وبالطبع سبب الرفض يرجع إلى أن النظم الحاكمة بها وصلت للسلطة عبر الانقلاب. وهناك الفريق الثالث الذي لم يحدد موقفه بالضبط من التدخل وإن كان يميل إلى التسوية السياسية.

ثانيًا: كما يرتبط بذلك أيضًا مجموعة من التحديات تتعلق بنيجيريا الدولة الأكبر في الإقليم، وصاحبة التدخلات السابقة، فضلًا عن كونها صاحبة أكبر حدود مع النيجر. فالرئيس النيجيري المنتخب في حينها، بولا أحمد تينوبو، يواجه عدة إشكاليات منها وجود مشاكل اقتصادية وأمنية هائلة أبرزها محاربة بوكو حرام المنتشرة في كثير من الولايات، وبالتالي فإن سحب جانب من قوات بلاده إلى النيجر، قد يؤثر على كفاءة عملية المواجهة الداخلية، كما أن حدوث حالة من السيولة الأمنية في النيجر جرَّاء عدم الاستقرار، قد يسهم في تدفق عناصر من تنظيم الدولة وغيره من ليبيا عبر النيجر إلى نيجيريا وغيرها من دول الجوار، فضلًا عن الفاتورة الاقتصادية التي يصعب دفعها على نيجيريا بمفردها، وأخيرًا وليس آخرًا، رفض مجلس الشيوخ في البلاد طلب الرئيس بشأن التدخل. صحيح أنه يجوز للرئيس اتخاذ قرار مخالف للمجلس بموجب الدستور حال الحديث عن تهديد للسلم والأمن في البلاد، لكنه قد لا يقدم منفردًا على هذه الخطوة بهذه السرعة، لاسيما أن قوى المعارضة الرئيسية ترفض التدخل أيضًا، وتميل للحلول السياسية.

ثالثًا: الاعتبارات المالية المتعلقة بتمويل التدخل العسكري بصفة عامة، والتي ظهرت بوضوح أثناء عمليات تدخل الإيكوموج في حالات ليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو في تسعينات القرن الماضي، ففي أزمة ليبيريا كان الاتفاق المبدئي أن تقوم كل دولة مشاركة بتمويل قواتها المشاركة خلال الشهر الأول، على أن تقع المسؤولية بعد ذلك على المنظمة، لكن بعض الدول لم تقم بدفع حصتها لرفضها إرسال قوات إلى ليبيريا، ونفس الأمر حدث في سيراليون؛ حيث تحملت نيجيريا -كذلك- معظم نفقات بعثة الإيكوموج، ورغم أن بروتوكول آلية منع الصراع، نصَّ على طرق التمويل، ومنها مساهمات الدول الأعضاء، وإمكانية الحصول على مساعدات أجنبية، إلا أن سكرتيرها التنفيذي السابق، لانساي كوياتي Lansay Koyate، حذَّر من خطورة عملية التمويل الخارجي بقوله: “إذا اعتمدنا بنسبة 100% على المانحين، فإن كل الأفكار الجيدة التي تسعى الجماعة لتحقيقها لن تتحقق”(9).

رابعًا: الاعتبارات المتعلقة بطبيعة مهام القوات المتدخلة، وهل ستكون حفظ سلام أم فرض سلام، مع الفروق الكبيرة بينهما، ففرض السلام يستلزم مهام قتالية، وأسلحة ومعدات ثقيلة، فضلًا عن التكلفة الباهظة، ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية المتوقعة. وبالتالي، فإن إقصاء الانقلابيين في النيجر يتطلب مواجهة عسكرية مباشرة، وعدد قوات لا يقل عن 10 آلاف لمواجهة جيش نظامي، وهذه أمور صعب توفيرها في وقت يسير، خاصة أن قادة الانقلاب أعدوا العدة لذلك، وقاموا بغلق الحدود، وإعادة انتشار القوات، فضلًا عن أن قائد الانقلاب كان في وقت من الأوقات قائد قوات الإيكواس المتدخلة في كوت ديفوار؛ وبالتالي، يعرف جيدًا طبيعة القوات المتدخلة، ونقاط القوة والضعف وغير ذلك، ناهيك عن إعلان كل من مالي وبوركينا فاسو وقوفهما إلى جانب الانقلابيين؛ ما يعني أن القوات المتدخلة لن تواجه جيشًا نظاميًّا واحدًا، وإنما جيوش دول أخرى متحالفة معه؛ ما يعني إطالة أمد الحرب من ناحية، وزيادة فاتورة الخسائر المادية والبشرية من ناحية ثانية.

خامسًا: الاعتبارات المتعلقة بإمكانية انهيار وضعف فاعلية الإيكواس التي تشهد منذ أول تدخل في ليبيريا حالة من الانقسام بين الدول الأنجلوفونية بقيادة نيجيريا، والدول الفرنكفونية بقيادة كوت ديفوار في حينها، وأزمة عدم الثقة بين التكتلين، وتأثير ذلك على فاعليتها في عملية التدخل. وفي أزمة النيجر الأخيرة، نجد هذا الانقسام ليس فقط بين دول مؤيدة ودول معارضة، ولكن يلاحظ أن الأخيرة تهدد بالانسحاب من المنظمة، بل حدث هذا بالفعل، وهو ما قد يؤثر على قوتها وفاعليتها..

لذا، وإزاء هذه العقبات، قررت الإيكواس في البداية فرض عقوبات اقتصادية صارمة على الانقلابيين في النيجر، إلا أنه مع تشدد هؤلاء، ورفضهم عودة الرئيس بازوم للحكم، أو حتى إطلاق سراحه، فضلًا عن تضامن كل من نظامي بوركينا فاسو ومالي معهم، وإعلان تشكيل تحالف دفاعي لمواجهة أي حالة تدخل، ثم إعلان الانسحاب بعد ذلك من الإيكواس، اضطرت الأخيرة لإبداء مرونة في التعامل مع دول الترويكا هذه، خاصة مع النيجر، حيث بذلت المنظمة قصارى جهدها لتلبية احتياجات هذه الدول، ومن ذلك رفع العقوبات المفروضة على السفر والتجارة والاقتصاد(10)، حتى عندما لم يكن هناك أي ضمانات بأن تقدم القيادات العسكرية في هذه الدول، أية خطوة إيجابية في طريق تسوية الأمر.

القسم الثالث: مستقبل الإيكواس بعد إعلان تحالف دول الساحل “السيناريوهات”

لا شك أن إعلان قيام الكونفيدرالية الجديدة بين الدول الثلاث، يفرض مجموعة من التحديات، ويطرح العديد من التساؤلات حول السيناريوهات المستقبلية بشأن الإيكواس.

أولًا: التحديات

يمكن القول بأن عملية انسحاب الدول الثلاث من الإيكواس، تجعل المنظمة أمام ثلاثة تحديات أساسية، أمنية واقتصادية واجتماعية، عبَّر عنها بوضوح رئيس مفوضيتها، عمر توراي، في قمة أبوجا، يوليو/تموز 2024، بقوله عن التحدي الاقتصادي: “إن حرية الحركة والسوق المشتركة التي تضم 400 مليون نسمة، باتت معرضة للخطر حال انسحاب الدول الثلاث؛ وإن تمويل مشروعات اقتصادية بقيمة تزيد على 500 مليون دولار في بوركينا فاسو ومالي والنيجر ربما يتوقف”(11).

فمن شأن هذا الانسحاب إلغاء اتفاقية التجارة الحرة وانتقال السلع والخدمات، والعمل بدون تأشيرة وإعادة الحواجز الجمركية بين دول المنظمة ودول الساحل الإفريقي؛ كما سيؤثر على اقتصادات دول الساحل الإفريقي التي تعتمد على الواردات بصورة كبيرة؛ فضلًا عن كونها دولًا حبيسة؛ كما سيعرقل جهود الإيكواس كمنظمة للبحث عن عملة مختلفة عن الفرنك الفرنسي الإفريقي الذي تتعامل به 8 دول في المنظمة “الدول الفرنكفونية”، في حين تتعامل باقي دول المنظمة بعملتها الوطنية. لذا، كانت هناك مناقشات داخل المنظمة بإقامة منطقة نقدية متكاملة تستخدم العملة الموحدة (إيكو) بحلول عام 2027. لكن من الواضح أن هناك مجموعة من التحديات والتباينات بشأنها داخل المنظمة، ومن أبرزها مدى استعداد كل من نيجيريا وغانا، وهما دولتان أنجلوفونيتان للتخلي عن عملتيهما الوطنيتين، خصوصًا في ظل ارتباط العملة الجديدة باليورو أيضًا، وتشكيك البعض بأنها ستكون أداة جديدة للتبعية الغربية الأوربية، في مقابل وجود اتجاه آخر يمثله الرئيس السنغالي الجديد، باصيرو ديوماي فاي، يطالب بضرورة القيام ببعض الإصلاحات بشأن الفرنك قبل الانتقال للعملة الجديدة(12).

ولا شك أن انسحاب الدول الثلاث (وهي فرنكفونية)، وبحثها عن عملة بديلة موحدة، يجعلنا أمام 3 مناطق نقدية داخل المنظمة الواحدة؛ ما قد يعوق عملية التكامل الاقتصادي. ولابد هنا من الإشارة إلى أن أكثر من نصف الدول الأعضاء بالمنظمة، ومنها الدول الثلاث، تصنَّف -حسب بيانات البنك الدولي العام الماضي- ضمن الدول ذات الدخل المنخفض؛ أما باقي الدول فتصنَّف في خانة الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض(13).

وبالنسبة للتحدي الأمني، أشار رئيس المفوضية إلى أن انسحاب الدول الثلاث سيشكل ضربة قوية للتعاون الأمني، لاسيما تبادل المعلومات المخابراتية والمشاركة في الحرب على الإرهاب.

ومن المعروف أن منطقة غرب إفريقيا، وخاصة هذه الدول الثلاث، تواجه تصاعدًا في عمليات الجماعات المسلحة بها بعد الانقلابات الأخيرة، وباتت أوضاعها غير المستقرة تهدد دول الجوار أعضاء الإيكواس؛ وصارت المنطقة بصفة عامة تحتل المكانة الأولى عالميًّا في العمليات المسلحة؛ فوفقًا للمؤشر العالمي للإرهاب 2023، فإن بوركينا فاسو تتبوأ الصدارة العالمية (8.5 من 10)، ثم مالي في المرتبة الثالثة (8 من 10)، أما النيجر فتحتل المرتبة الثامنة (7.5 من 10) ( 14) .

لذا، إذا كان موضوع الإرهاب أحد أسباب خروج هذه الدول من تجمع الساحل الذي أقامته فرنسا قبل حوالي 10 أعوام، فإنه بات يشكل تحديًا لها ولدول المنظمة، بعد الفراغ الذي أحدثه انسحابها مؤخرًا(15).

أما بالنسبة للتحدي الاجتماعي فأوضح رئيس المفوضية بأنه قد تكون هناك أيضًا إجراءات جديدة لفرض حصول مواطني هذه الدول الثلاث على تأشيرات لدخول دول أخرى في المنطقة. وهذا سيشكل تحديًا اجتماعيًّا وليس اقتصاديًّا فحسب، في ظل وجود العديد من الإثنيات الممتدة في أكثر من دولة، مما قد يعرقل حركتها، وارتفاع تكلفة تنقلها.

ثانيًا: السيناريوهات

هذه التحديات تطرح تساؤلا حول البدائل والسيناريوهات المطروحة أمام المنظمة للتعامل مع موضوع الانسحاب.

السيناريو الأول: السعي لعودة هذه الدول الثلاث مرة أخرى للمنظمة: ويمكن أن يتم ذلك عبر جهود الوساطة؛ إذ كلفت المنظمة رئيسي السنغال وتوغو بالقيام بذلك في إطار علاقتيهما الوطيدة مع المجالس العسكرية في دول التحالف لإقناعهم بالعودة مرة أخرى للمنظمة. وفي هذا الصدد يمكن للمنظمة، عبر الوسطاء، القيام بأمرين:

الأول: إعادة النظر في الشروط التي وضعتها المنظمة للمجالس العسكرية في دول التحالف ومنها الفترة الانتقالية القصيرة، وعدم ترشح قادة الانقلابات في الانتخابات القادمة، لأن من شأن هذه الشروط تشدد القائمين على هذه الانقلابات(16)، كما يترتب عليها تأجيل الانتخابات التي كان يفترض إجراؤها في مالي وبوركينا فاسو في مارس/آذار ويوليو/تموز هذا العام وفقًا لترتيبات الإيكواس؛ ونفس الأمر بالنسبة للفترة الانتقالية؛ حيث تم تمديدها في بوركينا فاسو خمس سنوات أخرى تنتهي في 2029؛ مع النص على حق الرئيس العسكري الانتقالي، إبراهيم تراوري، في الترشح؛ ونفس الأمر في مؤتمر الحوار الوطني “المؤدلج” في مالي والذي طالب بتمديد الفترة الانتقالية ثلاثة أعوام أخرى (تنتهي عام 2027)؛ مع أحقية رئيس المجلس العسكري، عاصيمي غويتا، في الترشح في الانتخابات؛ في حين أن قادة الانقلاب في النيجر لم يحددوا أصلًا موعدًا للفترة الانتقالية وبالتالي الانتخابات.

لكن هناك خشية من أن يؤدي ذلك إلى تجرؤ العسكريين على قواعد الديمقراطية في باقي الدول الأعضاء، تمامًا كما حدث في النيجر؛ عندما تراجعت الإيكواس عن شرط إعادة الرئيس المخلوع، محمد بازوم، للحكم؛ حيث لم يقم العسكريون بإطلاق سراحه حتى الآن. وهنا قد يمكن الوصول لحل وسط من خلال تمديد معقول للجداول الزمنية الحالية للانتقالية، بما في ذلك في النيجر، مع تحديد واضح للخطوات التالية، مع تعهد الإيكواس بالمساعدة في تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية وفق الإطار الزمني الجديد(17).

أو بمعنى آخر، عدم قطع العلاقات مع دول التحالف الجديد، أو فرض مزيد من العقوبات عليها، لكن في المقابل التمسك بضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية، وبدء عملية التحول الديمقراطي(18)، وذلك حتى لا ينفرط عقد الإيكواس، أو تنتشر موجة الانقلابات العسكرية في بلدان أخرى على حساب الجماعة التي ستكون عاجزة في هذه الحالة عن التعامل معها، كما ستفقد أهم الأسس التي كانت سببًا في وجود هذه الهياكل الأمنية والسياسية: عدم جواز الوصول للحكم عن طريق الانقلابات.

الثاني: قيام المنظمة بتكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر تفعيل تلك المبادرة التي تمت الموافقة عليها نهاية 2022، حيث أعلنت الإيكواس، في مايو/أيار الماضي، توفير الترتيبات اللازمة لهذه القوات بمدينة لونجي في سيراليون؛ والاتفاق على خطط لتعبئة قوة احتياطية إقليمية لمكافحة الإرهاب قوامها 5000 فرد؛ مع تخصيص 2.4 مليار دولار لها؛ تقوم الدول الأعضاء بتوفير مليار دولار ابتداء(19). وبالتالي، يمكن من خلال هذه الآلية تعزيز جهود مكافحة الإرهاب في محاولة لاستمالة هذه الدول من جديد، خاصة أن هذه الانتقادات “عدم كفاءة مواجهة الإرهاب” كانت موجهة للإيكواس وفرنسا معًا؛ وكانت أحد الأسس التي استندت إليها الزمرة العسكرية في الدول الثلاث لتبرير خروجها من الإيكواس.

السيناريو الثاني: قيام المنظمة بالتصعيد ضد هذه الدول الثلاث، خشية قيام قيادات عسكرية في دول أخرى بإجراءات مماثلة؛ ما قد يؤدي إلى انهيار المنظمة وانفراط عقدها. وهي تستند في ذلك إلى أن التحالف الثلاثي الجديد قد ينهار سريعًا بسبب ضعف الأسس التي يقوم عليها، فضلًا عن التحديات الأمنية التي تواجه دوله والتي لم تفلح في ظل تحالف هذه الدول مع فرنسا وأوروبا وفي ظل وجود مظلة من مجلس الأمن في وقف العمليات الإرهابية؛ وكذلك التحديات الاقتصادية “دول حبيسة ذات دخل منخفض؛ وتحتاج للتعامل مع العالم الخارجي تصديرًا واستيرادًا؛ ناهيك عن التحديات الاجتماعية المتعلقة بانتقال المواطنين لدول الجوار”.

وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن تقوم المنظمة بعدة خطوات:

الأولى: استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على الدول الثلاث، مع إمكانية عودة فرض العقوبات التي تم رفعها جزئيًّا عن النيجر؛ والتي قد تؤثر بصورة كبيرة على اقتصادات هذه الدول المتأزمة أصلًا، كما أن كونها دولة حبيسة يفاقم من معاناتها الاقتصادية وإمكانية خنق هذه النظام اقتصاديًّا؛ وهو ما قد يسبِّب -مع استمرار الهجمات المسلحة- مزيدًا من تدهور الأوضاع بها؛ وقد أدى وقف نيجيريا على سبيل المثال تزويد النيجر بالكهرباء بعد الانقلاب؛ إلى دخول البلاد في ظلام دامس في ظل اعتمادها بنسبة 70% على كهرباء نيجيريا.

الثانية: إمكانية فرض قيود التأشيرة على دخول مواطني هذه الدول لدول المنظمة؛ ما يعني حرمانها من أسباب العيش من ناحية؛ فضلًا عن إمكانية قطع الروابط الإثنية لهذه الدول الثلاث مع دول الجوار.

الثالثة: تفعيل الإطار المؤسسي للإيكواس

 لقد أظهرت القيادة السنغالية الجديدة التزامًا بإصلاح منظمة الإيكواس، ومن خلال تسليط الضوء على مخاطر الانقلابات، يمكنها إقناع القادة الآخرين بالتصديق على البروتوكول.

ويرتبط بهذه الجزئية ضرورة تخلي المنظمة عن المعايير المزدوجة في تنفيذ بنود بروتوكول الديمقراطية والحكم الرشيد، فخلال الفترة الأخيرة اتخذت المنظمة إجراءات صارمة ضد الانقلابات العسكرية، لكنها غضَّت الطرف عن “الانقلابات المؤسسية أو الدستورية” التي تنفذها الحكومات المنتخبة من خلال تغيير الدستور بما يسمح لها بالترشح لأكثر من دورتين، كما حدث في كوت ديفوار وغينيا؛ ما أدى لتقويض مصداقية المنظمة لدول الدول الأعضاء(23).

لذا ينبغي عليها إلزام الدول الأعضاء بضرورة ألا تزيد مدة تولي الرئاسة عن دورتين متتاليتين، مع ضرورة إجراء انتخابات حرة وشفافة، ورفض فكرة أن هذه الأمور تخضع للسيادة الداخلية، وفرض عقوبات على المخالفين(24). وإن كان من الصعب تطبيق هذا المقترح في ظل رغبة العديد من رؤساء الدول في تمديد فترة حكمهم عبر تعديل الدستور، كما أن اتخاذ المنظمة أية إجراءات عقابية بحق هؤلاء، يتطلب اتخاذ قرار بالإجماع، وهذه إحدى المثالب التي تعوقها عن اتخاذ القرارات الحيوية المهمة. ولعل هذه القضية وغيرها ستكون في مقدمة أجندة اجتماع القمة الاستثنائية القادمة (2025) حول مستقبل التكامل الإقليمي في غرب إفريقيا التي أعلن عنها رؤساء دول المنظمة في قمتهم الاستثنائية، في يوليو/تموز الماضي، والتي تستهدف استعادة زخم الإيكواس وتفعيل دورها من جديد في الجانبين، السياسي والأمني، الذي يتطلب من وجهة نظرنا ضرورة توافق إرادة سياسية على ضرورة التخلي عن كل من الانقلابات غير الدستورية والمؤسسية الدستورية على حدٍّ سواء. وهو أمر يبدو بعيد المنال من وجهة نظرنا المتواضعة حتى الآن. وهو ما يُفقد الثقة الشعبية في المنظمة التي بات ينظر إليها على أنها “اتحاد أو نقابة لرؤساء الدول” “union of heads of state”؛ ما يعطي الفرصة لمزيد من الانقلابات العسكرية التي قد تجد دعمًا شعبويًّا بعد خيبة أمل الشعوب في حكامها، وفي المؤسسة الرئيسة في الإقليم التي قد يؤدي انهيارها أو حتى ضعفها إلى انتشار هذه العدوى في منظمات وأقاليم أخرى في القارة وهو أمر يحتاج إلى دراسة أو حتى دراسات أخرى حول مستقبل المؤسسات الإقليمية في إفريقيا.

بدر حسن شافعي – خبير في الشؤون الافريقية

موقع الجزيرة للدراسات




صحافة عبرية: هدوء إسرائيل قبيل “طوفان الأقصى” أذهل الضيف ودفعه للتفكير بإلغاء الهجوم خشية كمين

تنشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، غدًا الجمعة، تحقيقًا جديدًا حول “طوفان الأقصى” تقول فيه إن القائد العام لـ “كتائب القسام” الشهيد محمد الضيف قد أخذته الدهشة عند الساعة الخامسة صباحًا يوم السبت السابع من أكتوبر 2023، وهو يلاحظ أن الجيش الإسرائيلي لا يقوم بأي ردّ على استعدادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للقيام بهجوم وشيك.

واستنادًا إلى معطيات إسرائيلية، يقول معد التحقيق، محرر الشؤون الاستخباراتية في الصحيفة العبرية رونين بيرغمان، إن محمد الضيف، وأمام حالة الهدوء واللامبالاة في الجانب الإسرائيلي، في تلك الساعات من صباح السابع من أكتوبر، اقترح على “حماس” الاستنكاف عن القيام بهجوم “طوفان الأقصى” خشية الوقوع في كمين تعدّه إسرائيل، وفيه تتظاهر كأنها لا تعلم بأي شيء عن العملية العسكرية التي يُفترض أن تنطلق بعد ساعة ونصف الساعة، ولكن في نهاية المطاف تقرر مواصلة الخطة كما أُعدّت سلفًا.

كما يكشف التحقيق أن “حماس” نجحت في فك رموز وأسرار منظومة المدرعات الإسرائيلية، وهذه المعلومات الجديدة التي تسلّط الضوء على حجم الفشل الإستراتيجي الإسرائيلي مرشّحة لصبّ الزيت على نار السجالات الإسرائيلية الداخلية، لتشكّل ضغطًا إضافيًا على حكومة الاحتلال لتشكيل لجنة تحقيق رسمية بـ “السابع من أكتوبر”، وهو حدث تاريخي جلل، وربما أكثر خطورة على إسرائيل والإسرائيليين ووعيهم من حرب 1973 لأكثر من سبب.

ومن أسباب خطورة “طوفان الأقصى”، ومطالبة أوساط إسرائيلية واسعة بلجنة تحقيق رسمية، بحثًا عن الفشل والفاشلين، مفاعليه في نفوس الإسرائيليين، ممن زعزع الهجوم بكل ما فيه ثقتهم بالغد وبأنفسهم، وليس فقط بالجيش والمؤسسة الحاكمة، وهذا جرح نفسي يحتاج لعقود طويلة كي يلتئم. هذا التشظي الخطير في وعي الإسرائيليين ينعكس في تنادي وسائل الإعلام العبرية للاستنكاف الجماعي عن نشر صور تسليم الجثامين الأربعة في خان يونس، اليوم، لا سيّما أن الحديث يدور عن حالة إنسانية حساسة، هم شيري بيباس وطفلاها كفير (9 سنوات في 7 أكتوبر 2023)، وأرئيل (4 سنوات في 7 أكتوبر 2023)، إضافة إلى عوديد ليفشيتس (85 عاماً)، وهو صحافي يهودي مناصر للقضية الفلسطينية، عمل طيلة عقود على تقديم علاجات طبية لأطفال فلسطينيين مرضى بالسرطان، وهو زوج إسرائيلية أفرجت “حماس” عنها في صفقة نوفمبر 2023، وقالت عند عودتها ما صدم الإسرائيليين بأن “حماس” عاملتهم معاملة محترمة، فقد “أكلنا مما أكلوا، وشربنا مما شربوا، وبتنا حيث باتوا”.

صور التوابيت الأربعة وهي تسلّم من قبل “حماس” للصليب الأحمر تنطوي على إثارة خواطر وهيجان عواطف وتشظي وعي الإسرائيليين بسبب ما فيها من مشاعر رهبة وخوف.

قلبي ينزف

ويعبر وزير الأمن السابق في حكومة الاحتلال، رئيس حزب “يسرائيل بيتنا”، أفيغدور ليبرمان، عن حالة الخلل العميق في وعي الإسرائيليين من هذه الناحية، بقوله، اليوم، في حديث للإذاعة العبرية: “استيقظت اليوم وضائقة كبيرة في نفسي، وأشعر أن قلبي ينزف أمام الصورة المتخيلة لاستعادة جثامين سيدة يهودية وطفليها، مثلما أن العاصفة الثلجية الوشيكة تبعث بي مشاعر الوجع، وأنا أتذكر مخطوفينا في أنفاق غزة المعتمة والباردة اليوم”.

ويقول ليبرمان إنه على إسرائيل، اليوم، ودون تأجيل، استعادة كل المخطوفين بكل ثمن، لأننا قادرون لاحقًا على “سد الحساب”، كما فعلنا مع منفذي عملية ميونيخ.

ويرى أن كل المسؤولية تقع على حكومة إسرائيل، خاصة أن ترامب قال بصوته وصورته لنتنياهو: “افعل ما تشاء”، لكن الأخير، للأسف، يبحث عن مصالحه الشخصية، وهو الذي وثق بـ “حماس” التي غررت به، وسمح بنقل ملايين الدولارات لها من قطر، والمحزن أن نتنياهو في كتابه الأخير الصادر قبيل الحرب، يقول إنه رفض مطلب بعض المهووسين من القادة السياسيين والأمنيين الذين طالبوا باجتياح غزة”.

ويؤكد ليبرمان أن إسرائيل كدولة فشلت فشلًا مدويًا في حماية مواطنيها، الذين اختطفوا من بيوتهم وهم بملابس نومهم، ثم أهملتهم ولم تبادر إلى تخليصهم. “حماس” لن تتحول إلى “حركة السلام الآن”، وهي نجحت في بناء صفوفها من جديد، واستولت على كمية كبيرة من الغذاء والوقود، واليوم جيشنا مقيّد اليدين، ولاحقًا، وبعدما نستعيد المخطوفين، علينا انتظار أول فرصة لمواصلة الحرب بعد أول انتهاك لها من قبل حماس”.

وردًا على سؤال عمّن يجب أن يدير غزة، قال ليبرمان: “أولًا علينا رفع مسؤوليتنا عن القطاع، وهذا يعني عدم مدّها بشبكة ماء وكهرباء، وكل انتهاك بسيط كبناء ثكنة عسكرية يعني معاودة الحرب بدون تردد”.

انقلاب أمني

وتوجّه الصحافة العبرية، اليوم الخميس، حملة جديدة على نتنياهو، لأنه تباكى على عودة شيري بيبس وولديها في توابيت، لكنه يعمل في ذات الوقت لتعطيل الصفقة ومنع انتقالها للمرحلة الثانية، ولذا يسعى أيضًا إلى الإطاحة برئيسي الموساد والشاباك، داد بارنياع ورون بار، لأنهما عملا على خدمة المملكة، لا الملك”، كما يقول المعلق الصحفي رازي باركئي، في مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، وهي تكرّس رسم كاريكاتير للسخرية منه، إذ يبدو في مكتبه ممسكاً بكتاب كتب عليه: “حضرة السيد رونين بار. الموضوع: إقالتك من منصبك”، فيما يبدو مقابله وزير الشؤون الإستراتيجية، رون درمر، وقد دخل مكتبه بوجه متفاجئ، حاملًا ورقة كتب عليها “المرحلة الثانية”.

وتقول الصحيفة إن نتنياهو وأبواقه يصعّدون حملتهم على رئيسي الموساد والشاباك كي يتم دفعهما للاستقالة، بدلًا من إقالتهما، كون الإقالة عملية مشكوك في قانونيتها، علاوة على كونها غير أخلاقية لتزامنها مع حرب لم تنتهِ، وفي ذروة عملية تبادل، وفي عزّ عمليات تحقيق الشاباك مع موظفين كبار في مكتب رئاسة الوزراء ومقربين من نتنياهو مشتبه بهم بـ “العمالة لصالح قطر”.

 من جهتها، تكرّس صحيفة “هآرتس” افتتاحيتها، اليوم، لما تعتبره “الانقلاب الأمني”، وتتهم نتنياهو بالسعي لتطهير المؤسسة الأمنية من الموالين للمملكة بدلًا من الملك. وتوضح أن الحملة على رؤساء الأمن تجري ليس لأنهم فشلوا في عملهم، بل بالعكس، فهؤلاء أكدوا، قبل شهور كثيرة، أن الصفقة ممكنة، بيد أن نتنياهو لأسبابه هو لجأ إلى التسويف والمماطلة والتعطيل.

وتتابع: “بدلًا منهم، عين نتنياهو في رئاسة طاقم المفاوضات دمية اسمها الوزير رون درمر، وبواسطته سيكون ممكنًا بسهولة تعطيل المرحلة الثانية دون إزعاج المستوى المهني. ربما هذه إشارة من نتنياهو لليمين بأن وجهته نحو معاودة الحرب على غزة، بثمن التنازل عن بقية المخطوفين”.

صحيفة يديعوت احرونوت العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




هل ينجح العرب في مواجهة «خطة ترامب»؟

رغم الالتباس الذي شاركت وسائل إعلام عالمية في صنعه يوم 11 شباط/فبراير (واعتذرت رويترز عنه بعد ستة أيام) وأثار اللغط حول ما صرّح به ملك الأردن خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن ما تأكد أن الرسالة العربية التي أوصلها عبد الله الثاني كانت أن حكومات الأردن ومصر والسعودية وقطر والإمارات، ستتقدم بخطة متكاملة ومفصلة لإعمار غزة من دون تهجير الفلسطينيين، خلال القمة المصغرة المقرر عقدها في الرياض اليوم، وأن تلك الخطة البديلة سيتم اعتمادها في القمة العربية الطارئة التي ستعقد في القاهرة في 4 آذار/مارس المقبل.
تتعلّق الخطورة الهائلة للحقبة الراهنة بالتأثير غير المتوازن على أحوالنا للقوة الأمريكية المهيمنة في العالم، معطوفة على الحكومة الإسرائيلية التي كانت، حتى قبل ترامب، تعمل جاهدة على مشروع إبادة وتطهير عرقي وإنهاء للمشروع السياسي الفلسطيني، وتتعلق بالتالي بمصير قطاع غزة وأهله، وبالفلسطينيين ككل، وبالبلدان العربية المجاورة (التي اختار ترامب أن تكون الأردن ومصر) وهو ما سيؤدي لتداعيات هائلة، بالضرورة، في مجمل الجغرافيا السياسية للأمم العربية وأنظمتها السياسية.
مهم لمعرفة طريقة التعاطي مع ترامب أن نعرف أن قراراته، وخططه، واقتراحاته، خلقت فوضى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها (توقّفت كل الوكالات التابعة للوزارات الأمريكية عن الإنفاق، وتم رفع دعاوى قضائية على أغلب تلك القرارات لأسباب قانونية، أو لغموض مقاصدها، أو لأسباب أخرى) وهذا ينطبق على الفوضى العالمية باستثناء أن مفاعيلها في منطقتنا ستكون أخطر بكثير، إذا لم تتحضّر الحكومات العربية لمواجهة قائمة على المعرفة بأهداف هذه الفوضى، وأساليب الابتزاز السياسية التي تستخدمها إدارة ترامب، والتي تحاول إسرائيل الاستفادة القصوى منها.
عزا البعض سياسات ترامب إلى فرضية «فافو» التي أعلن عنها بنفسه في تغريدة نشرها (اختصار لجملة بذيئة يُفهم منها اعتقاده بضرورة خلق فوضى ثم جعل الآخرين ينشغلون بإعادة ترتيبها) وقرأها البعض الآخر ضمن تكتيكاته في «فن الصفقة» (كتاب شهير له) وذلك باستخدام هذه التصريحات لدفع الطرف المقابل للخضوع وقبول تنازلات أكبر.
من الواضح أن ترامب لا يتحسّب للتداعيات الكارثية لأفعاله وأقواله بدءا من أمريكا نفسها، كما أشار مقال أخير لتوماس فريدمان يقول إن «الاقتصاد الأمريكي» هو فكرة خيالية في عقل ترامب فتجميع سلع مثل الهاتف الذكي وأجهزة الكومبيوتر والساعات تحتاج لتعاون آلاف الشركات وملايين الأشخاص في أكثر من 50 دولة ومنطقة (ملخصا ذلك بقوله: «إنها النظم البيئية لا الاقتصاد، يا غبي»).
يتعلّق الأمر إذن، فيما يخصّ الفلسطينيين والعرب (والذين لحق بهم الأوكرانيون الذين يستخدم ترامب معهم أساليب الترهيب والإخضاع والمطالبات القصوى: طالبهم أمس بدفع 500 مليار دولار) بفهم أساليب الابتزاز القصوى، والوقوف بقوة في وجهها، وهو التصرف الوحيد الذي سيدفع ترامب للعودة من واقع الصفقات الخياليّ إلى أرض الواقع الحقيقي. هذا الواقع الحقيقي يقول إن فكرة «تهجير الفلسطينيين» هي جريمة حرب (بالمناسبة فإن اتهام محكمة الجنايات الدولية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجرائم حرب وإصدارها أمرا باعتقاله كان باعتباره مسؤولا عن ترحيل غير شرعي لسكان من مناطق محتلة في أوكرانيا إلى روسيا) وأن «شراء غزة» غير ممكن ضمن القوانين الأممية، كما أن هناك نسبة كبيرة من نواب الكونغرس الأمريكي يرفضون هذه الخطة.
ما يثير العجب، ضمن هذا السياق، أن العرب، ممثلين في الجامعة العربية، لم يقوموا برفع سقف المطالب العربية، كما فعل الأمريكيون والإسرائيليون (الذين أضافوا إلى مزاوداتهم تصريحات تهاجم السعودية ومصر وقطر) ولم يستخدموا آلية للتفاوض تتناسب مع أساليب البلطجة الترامبية والإسرائيلية، بل قاموا، بلسان أحمد أبو الغيط، بمطالبة «حماس» بالتنحي عن القطاع!
المنطقيّ، والبديهي، والمطلوب من العرب هو التمسك بالقوانين الأممية والدولية، التي تؤكد أن تهجير الفلسطينيين جريمة حرب، كما تؤكد على حق الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم سياسيا وديمقراطيا، مما يجعل «حماس» جزءا من كياناتهم السياسية بالضرورة، وهو لا يتنافى بالتأكيد مع ضرورة الإصرار على دور للسلطة الفلسطينية في إدارة قطاع غزة، وعلى تجريم الإبادة الجماعية الجارية، وكل خطط التطهير العرقي، في غزة كما في الضفة الغربية.

صحيفة القدس العربي




خطة “ترحيل” الغزيين.. انقلاب في السياسة الأمريكية وإنقاذ لإسرائيل برمي الكرة في الملعب الإقليمي

قد تشير مبادرة الرئيس ترامب لإعادة توطين الفلسطينيين من غزة إلى تحول في النهج المتبع في معالجة الدمار الواسع النطاق في المنطقة ونقص السكن للسكان النازحين بسبب الحرب. تسعى خطة ترامب أيضاً إلى إشراك مصر والأردن في حل التحديات التي يفرضها هذا الوضع بشكل نشط. وإذا تم تنفيذ المبادرة بالفعل، فيجب تنفيذ العملية بموافقة جميع المشاركين، وتقديم حوافز ذات مغزى، وإنشاء إشراف دولي لحماية حقوق المهاجرين. وفي الوقت نفسه، يتعين على الولايات المتحدة وغيرها من الجهات الفاعلة الدولية ذات الصلة أن تنخرط في حوار مع الفلسطينيين، وأن تدمج احتياجاتهم في المبادرة وتضمن التوصل إلى حل عادل وشامل. وفي المقابل، يتعين على إسرائيل أن تتولى دوراً ثانوياً وأن تمتنع عن قيادة الجهود أو تنفيذها علناً في حين تسمح لسكان غزة بالمغادرة.

إن قطاع غزة هو أحد أكثر المناطق كثافة سكانية وتعقيدًا في العالم، حيث يقطنه أكثر من 2.1 مليون شخص. وحتى قبل اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، واجهت غزة أزمة اقتصادية واجتماعية وإنسانية مطولة. وقد أدى الضغط الديموغرافي المرتفع، ومعدل البطالة الذي بلغ 80٪، والاعتماد على المساعدات الخارجية إلى جعل غزة مكانًا صعبًا للعيش. وقد أدت الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 إلى تفاقم هذه القضايا، ما تسبب في تدمير واسع النطاق للبنية التحتية. وعلى هذه الخلفية، فإن اقتراح الرئيس ترامب بنقل السكان من غزة إلى دول أخرى – بما في ذلك مصر والأردن وألبانيا وإندونيسيا – يمثل تحولًا في النهج المتبع لحل الأزمة في المنطقة التي مزقتها الحرب. والفكرة هي إنشاء آليات تسمح للسكان بمغادرة غزة بطريقة منظمة مع ضمان حقوقهم وتسهيل إعادة إعمار غزة، وكل ذلك مع إزالة عبء توفير السكن والمساعدات الإنسانية لمئات الآلاف من النازحين من غزة. يثير هذا الاقتراح أسئلة مهمة فيما يتعلق بجدواه السياسية والاقتصادية والقانونية، فضلاً عن آثاره الإقليمية والدولية المحتملة.

الاقتراح

 أثار اقتراح ترامب بإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين من قطاع غزة في الدول المجاورة ــ وتحديداً مصر والأردن (وحتى دول أبعد مثل ألبانيا وإندونيسيا) ــ جدلاً واسع النطاق في الساحتين الدولية والإقليمية. وذكر ترامب أنه تحدث مع الملك عبد الله الثاني ملك الأردن عن إمكانية قبول بلاده للاجئين الفلسطينيين، كما ناقش القضية مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ووفقاً لترامب، فإن الوضع في غزة “فوضوي” و”يجب أن يحدث شيء ما. لكنه في الواقع موقع هدم الآن. لقد هُدِم كل شيء تقريباً، ويموت الناس هناك. لذا أفضل أن أشارك مع بعض الدول العربية في بناء مساكن في مكان مختلف حيث يمكنهم ربما العيش في سلام للتغيير”.

وفضلاً عن ذلك، اقترح ترامب في اجتماعه مع نتنياهو في الرابع من فبراير/شباط 2025 مبادرة تقضي بإعادة توطين جميع سكان قطاع غزة في دول أخرى. وقد صرح نتنياهو بأن الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية إزالة القنابل والحطام من غزة وستعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية التي ستوفير فرص العمل والإسكان. بل واقترح أن تتولى الولايات المتحدة السيطرة طويلة الأمد على قطاع غزة لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط. ووصف نتنياهو الفكرة بأنها “تفكير خارج الصندوق”.

يجب التأكيد على أن الدول العربية عارضت بشدة المبادرة ورفضت قبول اللاجئين من قطاع غزة. ورفضت مصر بشدة أي محاولة لإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين داخل حدودها، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى المخاوف بشأن التغيرات الديموغرافية في شبه جزيرة سيناء وزعزعة الاستقرار المحتملة للأمن الداخلي في البلاد. وأعلن السيسي أن مصر لن تقبل أي محاولة لنقل الفلسطينيين إلى أراضيها، مؤكداً أن حل القضية الفلسطينية يجب أن يكون داخل حدود فلسطين. كما رفض الأردن الاقتراح بشكل قاطع. وصرح المتحدث باسم الحكومة الأردنية محمد المومني، بأن “الأمن القومي الأردني مرتبط ببقاء الفلسطينيين على أراضهم ورفض الهجرة”.

رغم أن مبادرة الرئيس ترامب تشير إلى تحول في النهج الأميركي تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن شركاء الولايات المتحدة العرب ينظرون إليها باعتبارها زعزعة محتملة للوضع الراهن في بلدانهم وليس خطوة نحو تخفيف التوترات المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وفي بيان مشترك صدر في قمة وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة في الأول من فبراير/شباط، أكد ممثلو الدول الأعضاء التزامهم بحل الدولتين وحماية الحقوق الفلسطينية مع رفض تهجير سكان غزة. وشددوا على الحاجة إلى دعم الجهود الرامية إلى إعادة تأهيل قطاع غزة وضمان بقاء الفلسطينيين في وطنهم.

ومع ذلك، وعلى الرغم من معارضتها الأولية، فإن الدول العربية ــ وخاصة مصر والأردن ــ قد تستفيد من الحوافز الاقتصادية الأساسية إذا أقنعت بالتعاون في تنفيذ المبادرة. فبالنسبة لمصر، على سبيل المثال، قد يسهم قبول اللاجئين في شمال سيناء في التنمية الإقليمية وتعزيز الاقتصاد المحلي. وفي الوقت نفسه، يواجه الأردن تحديات ديموغرافية وسياسية قد تزعزع التوازن الدقيق بين سكانه الفلسطينيين والأردنيين. ولكن مع التمويل الكافي والتخطيط الدقيق للمناطق السكنية المخصصة للمهاجرين من غزة في الجزء الجنوبي من المملكة، ربما تقدم المبادرة فرصة لتعزيز الاقتصاد الأردني.

وقد تكون دول أخرى على استعداد لاستقبال الفلسطينيين من غزة لإعادة توطينهم. على سبيل المثال، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في بداية الحرب، أعرب حمزة يوسف، أول وزير في إسكتلندا آنذاك، عن استعداد بلاده لقبول اللاجئين الفلسطينيين من غزة، وحث الدول الأخرى على الانضمام إلى الجهود الإنسانية. في مايو/أيار 2024، أعلنت كندا عن نيتها زيادة عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين ستقبلهم من غزة إلى ما يقرب من 5000 فلسطيني لديهم أقارب في كندا. بالإضافة إلى ذلك، أكد سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، على أهمية خلق خيارات للفلسطينيين الذين يسعون إلى الانتقال إلى دول أخرى، وذكر أن دولًا في أمريكا الجنوبية وأفريقيا أعربت عن استعدادها لقبول الفلسطينيين من غزة مقابل الدعم الاقتصادي.

 التداعيات الاقتصادية والسياسية لمبادرة ترامب

 تتضمن الجوانب الرئيسية لتشجيع إعادة التوطين الحاجة إلى خلق حوافز اقتصادية كبيرة لكل من أولئك الذين يتم إعادة توطينهم والدول المضيفة. قد تقدم الولايات المتحدة وغيرها من الجهات الفاعلة الدولية حزم مساعدات اقتصادية واسعة النطاق (تقدر التكلفة بحوالي 14 مليار دولار لهجرة حوالي نصف مليون من سكان غزة). ومع ذلك، يظل السؤال المركزي هو ما إذا كانت هذه المساعدات ستكون مستدامة في الأمد البعيد أم أنها ستصبح مصدر معارضة من الدول المضيفة المعنية بالتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لاستيعاب عدد كبير من السكان الفلسطينيين. إذا تقدمت المبادرة إلى التنفيذ العملي، فإن الولايات المتحدة ستعزز مكانتها كزعيمة عالمية في تعزيز الحلول العملية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني مع الحد من العبء الدبلوماسي والسياسي الذي تواجهه فيما يتعلق بهذه القضية.

بالنسبة للفلسطينيين، قد تقدم مبادرة ترامب فرصة حقيقية لتحسين ظروف معيشتهم. إن إعادة التوطين في بلدان أخرى مع حوافز اقتصادية مضمونة وبنية تحتية وخدمات، ستوفر حياة أفضل للعديد من الأسر. وتشير دراسة استقصائية أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، بقيادة الدكتور خليل الشقاقي، إلى أن نسبة كبيرة من سكان غزة أعربوا عن رغبتهم في الهجرة؛ حيث قال 44% من سكان غزة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً إنهم سيغادرون القطاع إذا أتيحت لهم الفرصة. وتتعدد الأسباب وراء ذلك، بما في ذلك الظروف الإنسانية المزرية، وارتفاع معدلات البطالة، وسيطرة حماس المحكمة، والشعور باليأس من تحسين أوضاعهم. وبالنسبة للعديد من الناس، أصبحت إمكانية مغادرة غزة حلماً، وخاصة في ظل الأزمة الأمنية والاقتصادية الشديدة التي يواجهونها. ومع ذلك، قوبلت المبادرة بمعارضة شديدة من حماس والسلطة الفلسطينية، التي تخشى أن يُنظر إليها على أنها نكبة أخرى وتنازل عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وتثير المبادرة أيضاً أسئلة قانونية. إذ يجب أن تتم عملية تشجيع إعادة التوطين مع حماية حقوق الإنسان ودون إكراه. وينصب التركيز في مبادرة ترامب على الحوافز الإيجابية وليس الضغط أو القوة. ومن شأن مشاركة الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة ــ إذا اختارت التعاون في دفع مبادرة ترامب ــ أن تساعد في ضمان تلبية المبادرة للمعايير الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المشاركة الواسعة من جانب بلدان متعددة في قيادة العملية ربما تقلل من المخاوف بشأن الانتقادات القانونية على الساحة العالمية.

ومع ذلك، فإن المعارضة القوية من جانب البلدان الإقليمية، إلى جانب المقاومة من جانب القيادة الفلسطينية والمنظمات الدولية، قد تمنع المبادرة من أن تتحقق أو تؤدي إلى عقبات كبيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الافتقار إلى الرغبة من جانب البلدان المضيفة في التعاون قد يؤدي إلى فشل المبادرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة وتعزيز الانتقادات الدولية ضد إسرائيل والولايات المتحدة لزعمهما سعيهما إلى إزالة السكان الفلسطينيين بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للصراع. وفي هذا السيناريو، قد تصبح مبادرة ترامب قضية مثيرة للجدال إلى حد كبير على الساحة الدولية.

المنظور الإسرائيلي

لقد طفا على السطح حديث عن تشجيع الهجرة من قطاع غزة مرات عديدة في الساحات العامة والسياسية في إسرائيل. فقد أشارت استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة دايركت بولز في عام 2024، أثناء الحرب، إلى أن نحو 80% من المستجيبين في إسرائيل يؤيدون تشجيع سكان غزة الراغبين في الهجرة إلى الخارج، بينما عارض ذلك 12%. وعلى نحو مماثل، وجد استطلاع أجرته مؤسسة مؤشر إسرائيل التابعة لمعهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI)  في 3 فبراير/شباط 2025، أن 52% من اليهود الإسرائيليين يعتبرون مبادرة ترامب عملية ويعتقدون أنه ينبغي الترويج لها، بينما يرى 30% آخرون أنها فكرة إيجابية ولكنها غير قابلة للتطبيق في نهاية المطاف. بعبارة أخرى، يؤيد أكثر من 80% من المستجيبين فكرة نقل سكان غزة إلى دول أخرى.

إن حقوق الإنسان المتعلقة بحرية التنقل واختيار الأفراد في بلدهم وفي دول أخرى محمية بموجب القانون الدولي. إن المعاهدات الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تحد من قدرة الدولة على ممارسة الضغط المباشر أو غير المباشر لتشجيع الهجرة بالقوة. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من سكان غزة مسجلون كلاجئين في وكالة الأونروا، وهو الوضع الذي يمنحهم حقوقًا معينة، بما في ذلك المساعدات الاقتصادية. وقد يشكل هذا عقبة أمام تشجيع إعادة توطين سكان غزة، حيث قد يؤدي رحيلهم إلى فقدان المساعدة التي تقدمها المنظمة. في الوقت نفسه، يمكن اعتبار إعادة التوطين التي يتم تشجيعها من خلال الحوافز الاقتصادية وتحسين الفرص في بلدان أخرى – والتي تضمنها الدول المضيفة والنظام الدولي – مشروعة ما دامت حقوق الإنسان لأولئك الذين يتم إعادة توطينهم محمية ولا يخضعون للإكراه المباشر أو غير المباشر. وبالتالي، فإن تشجيع الهجرة من غزة يتطلب إطارًا قانونيًا قويًا لمنع المخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

 ولأن المبادرة جاءت من الولايات المتحدة وليس إسرائيل، تقلل من التعقيدات القانونية وقد تسهل الحصول على الدعم الدولي. ومن منظور إسرائيل، تقدم هذه المبادرة ميزة استراتيجية كبيرة من خلال الحد من الضغوط الأمنية والديموغرافية على طول حدودها الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، قد تخفف من التهديدات الأمنية لإسرائيل، حيث إن إعادة توطين حتى بعض السكان قد يقلل من الدعم للمنظمات الإرهابية. ويبدو أن المبادرة، في سياق مصر والأردن، تهدف إلى إشراك هذين البلدين بشكل نشط في حل الأزمة الإنسانية في غزة، واستقرار المنطقة وإعادة بنائها، أو استيعاب سكان غزة لتخفيف الضغوط الإنسانية.

ومع ذلك، هناك خطر يتمثل في أن تشجيع إعادة التوطين قد يُنظر إليه على أنه إكراه أو سياسة تمييزية، ما قد يؤدي إلى إثارة انتقادات دولية واسعة النطاق. وفضلاً عن ذلك، قد يتم تفسير إعادة التوطين على أنها محاولة لإخلاء قطاع غزة من السكان بطريقة تضعف المطالبات الفلسطينية بالمنطقة أو تمهيدًا لضم إسرائيل لأجزاء من غزة. ولهذه الأسباب، وبدون استعداد البلدان الأخرى لقبول المهاجرين من غزة، فإن الخطة لن تكون قابلة للتطبيق.

الخلاصة

إن أحد الجوانب الرئيسية لمبادرة ترامب هو الاعتراف بأن حل مشكلة غزة ليس مسؤولية إسرائيل وحدها، بل يتطلب مشاركة إقليمية ودولية واسعة النطاق. إن تغيير التصور بأن قطاع غزة مشكلة إسرائيلية فقط أمر بالغ الأهمية، حيث تضع المبادرة أيضاً المسؤولية على الدول العربية لإيجاد حل. لذا، فإن العديد من الحلول تقع خارج سيطرة إسرائيل المباشرة. على سبيل المثال، لا تستطيع إسرائيل بمفردها تعزيز نزع التطرف بين الفلسطينيين، في حين ينبغي النظر في معالجة القضية الفلسطينية في سياق إقليمي أوسع.

إن تنفيذ اقتراح الرئيس ترامب يتطلب تنسيقًا دوليًا وموارد مالية واسعة النطاق وضمانات لحماية حقوق الإنسان لأولئك الذين أعيد توطينهم. في هذه المرحلة، تشير المبادرة بالفعل إلى تحول في السياسة الأمريكية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتتحدى النهج التقليدي مثل “حل الدولتين”. ومع ذلك، فإنها لا تزال تفتقر إلى آليات واضحة للتنفيذ الفعال. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان العالم العربي والمجتمع الدولي على استعداد لدعم مثل هذا الحل. فهل سيرى سكان قطاع غزة أنها فرصة حقيقية لتحسين حياتهم، أم سينظرون إليها على أنها محاولة لإضعاف الهوية الوطنية الفلسطينية وحقه في تقرير المصير؟

ريم كوهين

معهد بحوث الامن القومي الاسرائيلي

ترجمة صحيفة القدس العربي




إيكونوميست: هل يريد ترامب التخلص من زيلينسكي وفرض خطة الكرملين بحذافيرها على أوكرانيا؟

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرًا قالت فيه إن فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد تغيير النظام في كييف، العاصمة الأوكرانية، أو بالأحرى التخلص من الرئيس الأوكراني “الديكتاتور”.
وقالت المجلة إن أوكرانيا تحمّلت، ولثلاث سنوات، ما لا يمكن التفكير به: حربًا جوية وبرية، وهجومًا على العاصمة، حربَ استنزاف دموية، صواريخَ ومسيّرات وقنابل انزلاقية، وإعداماً فورياًَ.
إلا أن هناك جبهة جديدة فُتحت، دون توقّع، من الغرب، وهي التقارب الجريء من دونالد ترامب باتجاه روسيا، وهو ما فاجأ الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، الذي بدأ يظهر غضبه.
وفي يوم الثلاثاء، 18 شباط/فبراير، قرر الرئيس الأوكراني إلغاء زيارته المقررة إلى السعودية، قائلًا إنه لا يريد الارتباط بمحادثات حدثت بدونه. وقال: “لم تُوجّه إلينا دعوة، وكانت مفاجئة لنا، وأعتقد بالنسبة للكثيرين أيضًا.” ورد ترامب بطريقته ووصف زيلينسكي بـ”الديكتاتور”.

دبلوماسي سابق: يبدو أن ترامب يريد التخلص من زيلينسكي، الذي لم يحبه قط، والذي يعتقد أنه صعب المراس. الأمر لا يتعلق بالانتخابات، بل يتعلق بالتخلص من زيلينسكي

وترى المجلة أن قرار ترامب الحوار مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورغبته في إعادة تأهيل الكرملين، صَدَمَ الطبقة السياسية في كييف. ولكن حتى الآن، لم يفاجَأ أحد حقًا. ونقلت عن أحد أعضاء البرلمان البارزين من حزب زيلينسكي قوله: “كنا في حالة نفسية سيئة في اليوم الذي سمعنا فيه الأخبار، لكننا كنا نتوقعها”.
ولم يكن سرًا أن ممثلي أوكرانيا وجدوا الأبواب في واشنطن مغلقة: “لقد فهمنا المستوى الذي وصلت إليه الرؤية الروسية داخل أمريكا.”
ويصف أحد نواب المعارضة شعورًا بـ “التشاؤم” في البرلمان، حيث يستعد النواب لإمكانية إجبارهم على قبول اتفاق مهين لوقف إطلاق النار. وحتى لو خرجت أوكرانيا من الحرب، فإن البلاد تواجه معركة من أجل البقاء.
فالناس والساسة والجنود منهكون، وقتل مئات الآلاف أو جرحوا، فيما هرب الملايين. وربما يكون ثلث الأوكرانيين، البالغ عددهم 4.3 مليون، الذين فروا إلى أوروبا تحت سن الثامنة عشرة؛ ولن يعود عدد كبير منهم أبدًا.
والاتفاق الذي لا يوفر الأمن على المدى الطويل من شأنه أن يدفع المزيد من الآباء إلى إرسال أبنائهم إلى الخارج، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم المشكلة الديموغرافية التي تعاني منها أوكرانيا أصلًا.
ويقول مسؤول أوكراني بارز: “السلام مطلوب، نحن بحاجة إلى السلام، والسؤال هو ألا يكون سلامًا يقضي علينا في نفس الوقت”.
وتواجه الأسر التي لديها أبناء في سن المراهقة خيارات صعبة بشكل خاص، إما إرسالهم إلى أوروبا في وقت يسمح لهم القانون بذلك، أو الاحتفاظ بهم والمخاطرة بكل شيء.

مخاوف أوكرانية من سيناريو أسوأ

ويواجه الجندي السابق سيرهي فاسيليوك هذه المعضلة. ففي البداية، وافق هو وزوجته على مغادرة ابنهما أندري، البالغ من العمر 17 عامًا. ولكن ابنهما أصر على أن مستقبله ليس في أي مكان آخر، وأنه سينضم إلى الجيش في أقرب وقت. ولا تزال والدته معارضة وبشدة لبقائه، أما والده فإنه ينظر للأمر بعين مفتوحة، حيث قال: “لو لم يكن هناك أولاد مثله، فلن يكون هناك أحد”.
وعلى الرغم من كل الأصوات والاضطرابات الصادرة عن الرئيس الأمريكي، لا يوجد هناك ما يشبه الصفقة. إلا أن الأمور تسير نحو أسوأ سيناريو في أوكرانيا.

ويخشى عدد من أفراد النخبة الأوكرانية أن تكون اللغة الصادرة عن فريق ترامب بمثابة فخ روسي: الدعوة إلى وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، وإجراء انتخابات فورية من شأنها أن تحطم الوحدة الأوكرانية.

ويقول دبلوماسي سابق: “يبدو أن ترامب يريد التخلص من زيلينسكي، الذي لم يحبه قط، والذي يعتقد أنه صعب المراس. الأمر لا يتعلق بالانتخابات، بل يتعلق بالتخلص من زيلينسكي”.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تقود سرعة ترامب إلى سلام سريع، بقدر ما قد تؤدي إلى عرض غير مقبول لأوكرانيا. ثم يقع الأمر على عاتق زيلينسكي إطالة أمد العملية، وسد الفجوة، والتفاوض.
وخلافًا لترامب، لم يكشف الرئيس الأوكراني عن خطوطه الحمراء، مع أنه قال، في الأسبوع الماضي، إن الاستعداد للجلوس مع “القاتل” (في إشارة إلى بوتين) هو تنازل في حد ذاته.
ولكن زيلينسكي أشار بالفعل إلى أنه لن يوافق على وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، ولن يدعم أي صفقة تتم من خلف ظهره.
ويقول مسؤول أوكراني بارز إنه من غير المرجح أن توافق أوكرانيا رسميًا على التخلي عن الأراضي التي خسرتها كجزء من صفقة، مع أنه يعترف بأن دخول أوكرانيا في حلف الناتو بات احتمالًا بعيدًا.

خطة الكرملين تُفرض بحذافيرها؟

وفي هذا السياق الأوروبي، يعترف المسؤول الأوكراني بأن الحد الأدنى الذي يمكن لأوكرانيا أن تقبله هو استمرار العلاقات مع الجيوش الغربية، وعدم نزع السلاح بشكل عملي، واستمرار تدفق الأسلحة والأموال، ووجود قوة حفظ سلام أجنبية.
ولا يهم حجم هذه القوة بقدر أهمية وجودها، و”بمجرد وصولها إلى هنا، نعتقد أنه سيكون من الصعب عليها الانسحاب”.
وتقول المجلة إن أوكرانيا، ومن الناحية النظرية، قد تواصل القتال في تحدٍّ لترامب وصفقته، إلا أن وضعها من الناحية العملية سيتدهور مع مرور الوقت.
فالحرب كانت وحشية على الطرفين، ولكنها كانت أقسى على الأوكرانيين، الأقل عددًا، والأكثر فقراً. وقد أظهر الجيش الأوكراني براعة ومهارات على مستوى الوحدات، لكنه كشف عن مشاكل على مستوى العمليات، والأهم هو غياب التخطيط العملياتي.

يخشى أفراد من النخبة الأوكرانية أن تكون اللغة الصادرة عن فريق ترامب بمثابة فخ روسي: الدعوة إلى وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، وإجراء انتخابات فورية من شأنها أن تحطم الوحدة الأوكرانية

ترامب يملك أوراق الضغط

وفي الوقت نفسه، يملك ترامب العديد من أوراق الضغط التي قد يستخدمها لفرض حل. فهو قادر، ومن المرجح أن يفعل، على خفض أو وقف المساعدات العسكرية. وقد يرفع العقوبات المفروضة على روسيا من جانب واحد. وقد يقطع الدعم الحيوي الآخر مثل الاستهداف في الوقت الحقيقي، ونظام ستارلينك، العمود الفقري لاتصالات ساحة المعركة في أوكرانيا.
وهناك حلول جديدة، ولكن إيقاف تشغيل هذه الأنظمة من شأنه أن يضر. وكما يقول أحد كبار المسؤولين الأمريكيين: “إذا كان زيلينسكي قادرًا على حشد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عامًا، فقد يكون الأمر يستحق القتال. وإذا لم يكن قادرًا على ذلك، فينبغي له أن يقبل أفضل صفقة ممكنة.”
ونظرًا لحجب أوروبا عن صفقة ترامب، فإن الضغط الحالي يقع على زيلينسكي وإرادته للقتال.

سيناريو كابوسي لأوكرانيا

حتى لو كان المنظور خطيرًا للرئيس الأوكراني، فهو لا يقارن بالكابوس الحقيقي المتمثل في فرض ترامب خطة الكرملين بكاملها على كييف: وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية فعالة، وإجراء انتخابات تؤدي إلى شلل سياسي، ورئاسة ضعيفة، وبرلمان منقسم، ثم وقف التعبئة العسكرية، والهجرة الجماعية، وبداية التفكك الداخلي.
ويعترف مسؤول: “السيناريو بعيد كل البعد عن المستحيل… تذكر أن هناك ملايين الأسلحة في البلاد. يمكنك حتى شراء دبابة روسية على الخطوط الأمامية مقابل 100 ألف هريفنيا” (أي 2,400 دولار أمريكي).

مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




الدعم السريع يخطط لميثاق سوداني جديد وحكومة انفصالية.. وتشكيك في نجاح الخطة

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده مراسلها للشؤون الأفريقية ديكلان وولش قال فيه إن الحرب الأهلية في السودان تتجه نحو تقسيم البلاد.

 وجاء ذلك وسط تقارير عن إمكانية إعلان ميليشيا الدعم السريع عن خطة لحكومة منشقة، حيث تم استقبال قادة الدعم السريع والترحيب بهم في مناسبة خطط لها بعناية في كينيا.

وقال وولش إن الجماعات الانفصالية في السودان اقتربت يوم الثلاثاء خطوة من الإعلان عن حكومة انفصالية في مناسبة باذخة بالعاصمة الكينية نيروبي.

الجماعات الانفصالية في السودان اقتربت يوم الثلاثاء خطوة من الإعلان عن حكومة انفصالية في مناسبة باذخة بالعاصمة الكينية نيروبي

وقد تم الترحيب بنائب مجموعة الدعم السريع والذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات، عبد الرحمن دقلو بحفاوة عندما وصل إلى مركز حكومي وسط العاصمة نيروبي. ولم يتحدث دقلو في المناسبة لكن الحديث عن ميثاق يعني الإعلان عن حكومة موازية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع. ولم يتم التوقيع على الميثاق، حيث قال منظمو المناسبة إنهم بحاجة لثلاثة أيام أخرى للتفاوض على شروط الميثاق مع أحد قادة الميليشيا الآخرين وهو عبد العزيز الحلو الذي جلس بجانب دقلو.

 وعلق وولش بأن الاجتماع جاء بمثابة لحظة رمزية مذهلة لقوات الدعم السريع التي اتهمتها الولايات المتحدة رسميا بالإبادة الجماعية الشهر الماضي فقط، وتأتي على خلفية تحول في ساحات المعارك بالسودان، التي تتزامن مع التغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية والتحالفات المتطورة في المنطقة.

وقد حقق الجيش السوداني سلسلة من الانتصارات في ساحات المعارك في الأشهر الأخيرة، مما دفع قوات الدعم السريع إلى الخروج من مناطق رئيسية في العاصمة الخرطوم وفي وسط السودان.

وعليه، تأمل قوات الدعم السريع إنهاء سلسلة الهزائم هذه، وتعزيز مطالبها بالحكم، من خلال تشكيل حكومة للجزء الكبير من البلاد الذي تسيطر عليه.

وفي مدرج مزين بالأعلام السودانية، حيث امتلأت صفوف كاملة بالرجال الذين يهتفون ويرتدون العمائم البيضاء، انتقد المتحدثون الجيش وتحدثوا عن رغبتهم في صياغة “سودان جديد”. وقال الحلو، الذي يقود فصيلا من حركة تحرير شعب السودان-شمال وقاتل الحكومات السودانية المتعاقبة لعقود من الزمن من قاعدته في جبال النوبة- جنوب السودان: “نحن بحاجة إلى دستور جديد وصياغة عقد اجتماعي جديد من شأنه أن يحل السؤال الأبدي حول كيفية حكم السودان”. وقدم متحدثون آخرون ميليشيا الدعم السريع بأنها حركة مؤيدة للديمقراطية وبُثت صور عدة لزعيم المجموعة محمد حمدان دقلو من شاشة ضخمة وسط هتافات صاخبة.

كل هذا مع أن التقارير القادمة من السودان تحدثت عن مجازر جديدة. وقال ناشطون ومسؤولون سودانيون إن متمردي الدعم السريع قتلوا أكثر من 200 شخص بمن فيهم رضع خلال هجوم وحشي على قريتين في النيل الأبيض، جنوبي البلاد، حسب “محامو الطوارئ” وهي مجموعة تقوم برصد النزاع. وحدد بيان صادر عن وزارة الخارجية عدد القتلى بـ 433.

قال ناشطون ومسؤولون سودانيون إن متمردي الدعم السريع قتلوا أكثر من 200 شخص بمن فيهم رضع خلال هجوم وحشي على قريتين في النيل الأبيض

وفي الأسبوع الماضي، قتل الدعم السريع عشرات في مخيم يواجه مجاعة في غرب دار فور وعاصمته المحاصرة، الفاشر. وقالت المسؤولة في الأمم المتحدة كلمنتاين نكويتا- سلامي إنها “صدمت”من العنف. كما اتهم محامو الطوارئ جيش السودان بشن هجمات “بربرية” على المدنيين، بما في ذلك القتل والاختفاء القسري، عندما كان يطارد المقاتلين المتحالفين مع قوات الدعم السريع في الخرطوم.

وقد اندلعت الحرب في نيسان/ أبريل 2023 عندما بدأ الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي استولى قادتها على السلطة في انقلاب، القتال في الخرطوم.

ومزقت الحرب واحدة من أكبر دول إفريقيا وأدت إلى معاناة على نطاق واسع. تسبب القتال في مقتل عشرات الآلاف، وأجبر أكثر من 12 مليون شخص على ترك منازلهم وأدى إلى مجاعة انتشرت في مناطق واسعة، ومن المرجح أن تكون الأسوأ التي يشهدها العالم منذ عقود.

وتضيف الصحيفة أن تجميد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساعدات الخارجية زاد من المعاناة. وفي الأسابيع الماضية، أغلقت مئات من “مطابخ الحساء” التي يديرها متطوعون وتطعم أكثر 800,000 شخص أبوابها في الخرطوم، بسبب توقف التمويل. وناشدت الأمم المتحدة يوم الإثنين الدول للمساهمة في جمع 6 مليارات دولار من أجل الرد على الأزمة.

 وتضيف الصحيفة أنه من غير المؤكد نجاح خطة الدعم السريع للإعلان عن حكومة انفصالية. وقد أقر بذلك حتى المتحدثون في مناسبة يوم الثلاثاء. وقال الحلو للحشد إن السودان لديه تاريخ طويل من اتفاقيات السلام الهشة التي “انهارت بسرعة، ثم عادت إلى الحرب”. ومع ذلك، تحتفظ قوات الدعم السريع بدعم مالي وعسكري قوي من داعمها الرئيسي، الإمارات العربية المتحدة، التي تبدو عازمة على منع خسارة وكيلها السوداني للحرب، كما قال العديد من المسؤولين الأجانب الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة التقييمات الحساسة.

وفي 8 شباط/فبراير تحدث قائد الجيش السوداني، الجنرال عبد الفتاح البرهان للساسة السودانيين في اجتماع عقد في مقر الحكومة السودانية المؤقت ببورتسودان بأنه ينوي تشكيل حكومة جديدة يشارك فيها مستقلون ويقودها رئيس وزراء مدني. وتقول “نيويورك تايمز” إنه حتى لو مررت خطة الدعم السريع بإنشاء حكومة انفصالية، فإنها ستكون بمثابة نقطة تحول في الحرب وتعبر عن تعزز في الانقسامات وتقسيم البلاد إلى مناطق متحاربة، تماما مثل ليبيا التي انقسمت بعد نهاية حكم معمر القذافي في عام 2011. وظهرت صورة الرئيس الكيني ويليام روتو في مركز الاجتماع، وهو ما أثار شكوك المسؤولين السودانيين بدعم كينيا طرفا في الحرب، وبخاصة أن المناسبة عقدت في مقر تابع للحكومة الكينية بالعاصمة نيروبي.

ومن جانب آخر أشارت صحيفة “التايمز” البريطانية في تقرير أعدته مراسلة الشؤون الأفريقية جين فلانغان إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان أعلنا عن خطط لمستقبل السودان وعلى خطوط الحرب الأهلية. فقد أعلن الطرفان المتحاربان في السودان عن خطط متوازية لمستقبل البلاد، بشكل يدفعه إلى الانقسام بحكم الأمر الواقع، بعد ما يقرب من عامين من الحرب الأهلية.

وشككت الصحيفة من إمكانية نجاح فكرة الانفصال، نظرا لاستمرار الحرب في مناطق عدة من السودان، كما حدث في ليبيا، حيث نشأت حكومتان تديران جزءا من البلاد ومنذ ما يزيد عن عقد. ونقلت الصحيفة عن كاميرون هدسون، وهو زميل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، قوله إن توقيت إعلان حكومة الوحدة الوطنية من جانب قوات الدعم السريع، في الوقت الذي تخسر فيه أراضي رئيسية لصالح الجيش، يجب أن ينظر إليه “بقدر كبير من الشك”. وأضاف: “إنها تحاول أن تحقق على طاولة المفاوضات ما فشلت في تحقيقه على أرض المعركة”.

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




لقادة إسرائيل: ليست بلاد أرز بل “بلاد الموت اللعين”.. سنبكي كثيراً إذا عدنا

في ظل صدمة شلل الدفاع العسكري في 7 أكتوبر، تعود إسرائيل لارتكاب الأخطاء القاسية التي سبق أن ارتكبتها. فهي الآن في مسار انغراس آخر في الوحل اللبناني – بعد 25 سنة من نجاحها في تخليص نفسها منه.

لا توجد لإسرائيل استراتيجية، هي تعمل مثل محطة إطفاء نار. الجيش والقيادة السياسية منشغلان بإطفاء حرائق وليس ببناء خطوات بعيدة المدى تقوم على أساس نظرة واسعة بردع وتغيير الواقع الأمني في ضوء النجاحات العسكرية. هكذا في الشمال، وهكذا في غزة، وهكذا في الدائرة الثالثة أيضاً.

قبل أكثر من 30 سنة، بعد صدمة حرب يوم الغفران، بنت إسرائيل لنفسها قوة عسكرية ضخمة. مع فرق وفيالق، وسلاح جو ضخم ومنظومات قتال لقوة عظمى. وتبين لنا بعد سنوات أن إسرائيل لا تحتاج إلى جيش بهذا الحجم – جيش يتطلب منها ميزانيات ضخمة وثقيلة على مقدرات الدولة. ما أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة في الثمانينيات من القرن الماضي، التي عرفها الاقتصاديون لاحقاً كـ “عقد ضائع للاقتصاد الإسرائيلي”.

دخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان في العام 1982 لإبعاد مخربي حركة فتح، الذين حولوا لبنان إلى استحكام متقدم لهم. نجح الجيش الإسرائيلي بل أصدر صورة نصر لياسر عرفات وآلاف المخربين الذين يصعدون إلى سفن الإبعاد من مرفأ بيروت.

لكن الجيش الإسرائيلي علق في لبنان عندها طوال 18 سنة. بنى حزامين أمنيين، لكن سرعان ما تبين أن الحزام الأمني الذي استهدف حماية بلدات الشمال أصبح شرك موت للجنود الذين خدموا في الاستحكامات. يكفي أن نذكر كارثة السفاري، وكارثة السالوكي، وكارثة الوحدة البحرية، وكارثة المروحيتين، وكارثة المجنزرات، غيرها وغيرها. 18 سنة سفكت إسرائيل دمها في بلاد الأرز اللعينة، بلا غاية حقيقية. الكاتيوشا والصواريخ أطلقت إلى شمال البلاد من فوق رؤوس الجنود في الاستحكامات، ووجهنا أيضاً بتسللات مخربين إلى أراضي إسرائيل، “ليل الطائرات الشرعية” مثلا.

والآن نكرر الخطأ ذاته. في ظل قصور 7 أكتوبر، يحاول الجيش الإسرائيلي استعادة الثقة به، وخلق أمن وإحساس أمن للجمهور.

صحيح كان فعل الجيش الإسرائيلي حين ضاعف قوته بثلاثة أضعاف في الدفاع في الشمال. ثلاث فرق مع آلاف الجنود وقوة نارية كبيرة على نحو خاص، من البحر وحتى النهر، وصحيح أيضاً أنه يثبت معادلة قتالية؛ فهو يعمل في كل أرجاء لبنان وسوريا أمام أي محاولة من حزب الله وإيران لترميم قدرات منظمة الإرهاب العسكرية. الهجمات على النشطاء ومخازن السلاح في لبنان هي طريق ترسيم الردع الإسرائيلي في لبنان والمنطقة كلها. مع ذلك، فإن إقامة الاستحكامات من جديد تعد خطأ، ولا بد أن أمهات وآباء كثيرين سيبكون عليه. ويا ليت، يا ليت، يكون كاتب هذه السطور هو المخطئ!

آفي أشكنازي

صحيفة معاريف الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




لوفيغارو: إطلاق البيت الأبيض مفاوضات مع الكرملين بشأن أوكرانيا دون إشراك الأوروبيين يؤكّد أن ديغول كان محقاً بخصوص أمريكا

تحت عنوان “لقد كان الجنرال ديغول على حق تماما!”، قال رينو جيرار، الصحافي المخضرم بصحيفة لوفيغارو الفرنسية، في مقال رأيه، إن الولايات المتحدة الأمريكية أوضحت للتو بكل صراحة للأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، مُذَكِّراً بأن الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول أدرك في عصره أن أمريكا لن تمنح الأوروبيين أبداً ضمانات أبدية.

وأضاف الصحافي في لوفيغارو القول إنه مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تشهد أمريكا تحولاً استراتيجياً، بدأ تصوره لأول مرة في عام 2011. في ذلك الوقت، تحدث الرئيس باراك أوباما بلطف عن “التوجه نحو آسيا”.

 واليوم تشرح بصراحة لشركائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، لأنها تريد تركيز جهودها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. والأسوأ من ذلك أن البيت الأبيض أطلق مفاوضات مع الكرملين بشأن الحرب في أوكرانيا، من دون إشراك العواصم الأوروبية.

باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا

وهذا أكثر قسوة بالنسبة للأوروبيين، لأنهم، بناء على طلب واشنطن، قدموا تضحيات كبيرة لتعزيز قضية أوكرانيا، التي تعرضت لهجوم من روسيا في فبراير/شباط 2022. وتوقفوا عن شراء الغاز الروسي للحفاظ على استمرار صناعاتهم، ولجأوا إلى الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى بثلاث مرات. كما قاموا بتمويل الميزانيات العسكرية والمدنية لأوكرانيا بما يصل إلى 100 مليار يورو. وأيضا سحبوا شركاتهم الكبرى من روسيا، التي اضطرت إلى بيع معظم أصولها بخسارة. وباستثناء الفرنسيين، بدأ الأوروبيون في مضاعفة مشترياتهم من صناعة الأسلحة الأمريكية، يُشير رينو جيرار.

في مفاجأة غريبة من الموقف الذي ظهر بوضوح في حملة دونالد ترامب، سارع زعماء القوى العسكرية الأوروبية الرئيسية (بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، الدنمارك) إلى باريس في 17 فبراير/شباط 2025. وكان برفقتهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ورئيسا المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

لكن لماذا باريس؟ ولماذا لا تكون بروكسل، حيث يقع مقر الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟ حسناً، لأن باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا؛ ينبغي علينا أن نعمل على تطوير الوسائل العسكرية والاقتصادية اللازمة لاستقلالنا، يُذكِّرُ الصحافي بلوفيعارو.

لقد أدرك الرئيس ديغول أن أمريكا لا تستطيع أبداً أن تقدم للأوروبيين ضمانات أبدية ثابتة. لأنها مثل أي قوة عظمى، تسعى إلى تحقيق سياسة مصالحها، المتجذرة في جغرافيتها، وتاريخها، وديموغرافيتها، واقتصادها. ومن الواضح أن الديمقراطية الأمريكية تخضع لتغيرات في استراتيجيتها، اعتماداً على الرغبات المعبر عنها من جانب الرأي العام. وباعتباره ضابطاً شاباً، شهد شارل ديغول انخراط أمريكا، في عام 1917، مع الديمقراطيات الأوروبية في مكافحة العسكرة الألمانية، يتابع الكاتب.

لقد رأى رئيسها وودرو ويلسون يصل إلى باريس بعد شهر من هدنة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، حيث استقبل هناك استقبالاً منتصراً، وبقي هناك سبعة أشهر، حتى يونيو/حزيران 1920، للتفاوض على معاهدة السلام التي كانت ستضع حداً نهائياً للحروب في أوروبا. وقّع ويلسون معاهدة فرساي، وهو العمل الذي أدى إلى نزع سلاح الألمان، ولكنه فجأة مرض ولم يتمكن من الحصول على التصديق عليها من قبل مجلس الشيوخ.. لتودّع فرنسا الضمانات الأمنية الأمريكية. وكان كليمنصو قد استدعاهم ليشرح للمارشال فوش أنه ليس من الضروري أن يذهب الحلفاء إلى برلين لتدمير العسكرية الألمانية مرة واحدة وإلى الأبد.

إن النتيجة الحزينة لهذا السيناريو معروفة جيداً، – يواصل رينو جيرار: فقد مولت البنوك الأمريكية إعادة تسليح ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم أمرت واشنطن باريس بعدم التحرك عندما أعاد هتلر تسليح منطقة الراينلاند في مارس/آذار 1936، في انتهاك صارخ لمعاهدة فرساي. عندما زحفت الفرق النازية نحو باريس في مايو/أيار 1940، ودعا الرئيس بول رينو أمريكا طلبا للمساعدة، أجابت أمريكا الفرنسيين: “رتبوا الأمر!” . ولم تبدأ أمريكا في التحرك إلا بعد الهجوم الياباني في المحيط الهادئ وإعلان هتلر الحرب في ديسمبر/كانون الأول عام 1941. وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تحرير أوروبا الغربية، وتمويل إعادة إعمارها، مع حمايتها من شهية ستالين.

من خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة.

وبعد أن عاش ديغول إهانة هزيمة عام 1940، قال لنفسه بحق: “لن يتكرر هذا أبدا!”. وبعد عودته إلى السلطة في عام 1958، عمل على تطوير قوة ردع نووية مستقلة. في عام 1966، انسحبت فرنسا من المنظمة العسكرية المتكاملة لحلف شمال الأطلسي (مع بقائها في التحالف الأطلسي)، معتقدة أن الجيوش الفرنسية يجب أن تطيع الجنرالات الفرنسيين فقط.

ومن خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة. في فبراير/شباط 1969، كانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الأمريكي الجديد إلى ديغول. باريس هي أيضا عاصمة الدولة التي تجرأت في عام 2003 على معارضة المغامرة العسكرية الأنجلوساكسونية السخيفة في العراق، حيث انضم إليها البولنديون والدنمركيون والبلطيون والنرويجيون والرومانيون والبلغار والأوكرانيون والجورجيون وغيرهم، مثل الكلاب الضالة، يشير رينو جيرار دائما.

لقد أصبحت باريس أخيرا المكان الذي تم فيه اختراع مفهوم الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، الذي دافع عنها مراراً الرئيس إيمانويل ماكرون دون جدوى أمام شركائه الأوروبيين، ولم يتلق في المقابل سوى ابتسامات مهذبة. في عام 2021، أوضح رئيس الوزراء الدنماركي الحالي لمستشار ماكرون أن كوبنهاغن ستشعر دائمًا بأنها أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس… وكان لدى إيمانويل ماكرون رد فعل جيد في تنظيم قمة الإليزيه في 17 فبراير/شباط 2025. لن يتم بناء الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بين عشية وضحاها. وسيتم ذلك من خلال صناعة دفاع أوروبية بحتة. وسيتطلب هذا الأمر إعادة تسليح أخلاقي، وربما إعادة العمل بالخدمة العسكرية. لكن هناك أمر واحد مؤكد: كلما زادت هذه الاستقلالية، قل تذمرنا لواشنطن، وزاد احترام أمريكا لنا؛ وستكون علاقتنا أفضل مع من يبقى، لأسباب ثقافية وتاريخية، حليفنا القديم للقلب، يقول رينو جيرار.

رينو جيرار

صحيفة لوفيغارو الفرنسية

ترجمة صحيفة القدس العربي




هل ستصبح أوكرانيا فيتنام ترامب كما تحمل نيكسون وكيسنجر مسؤولية سقوط سايغون؟

تساءل ويليام ماغيرن في صحيفة “وول ستريت جورنال” عن إمكانية تحول أوكرانيا إلى فيتنام ترامب. وأشار إلى أن هنري كيسنجر فاز بجائزة نوبل للسلام، ولكن سايغون سقطت في يد قوات فيتنام الشمالية.

وأشار الكاتب إلى لقاء أجري مع ستيفن بانون، المنظر الإستراتيجي لدونالد ترامب في ولايته الأولى، قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، وقال فيه إن أوكرانيا ستتحول إلى فيتنام ترامب، وهو محق في تفكيره، ولكن ليس للأسباب التي يفكر بها. وقال بانون إن خطأ الرئيس هو فشله في تحقيق قطيعة كاملة مع كييف، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه ريتشارد نيكسون الذي تورط في الحرب بفيتنام، وحوّلها من حرب الرئيس ليندون جونسون إلى حربه الخاصة.

ويرى الكاتب أن الواقع هو العكس، فقد زعم ترامب في حملته الانتخابية بأنه رجل الصفقات القادر على التفاوض وتحقيق اتفاق من شأنه أن ينهي المذبحة في أوكرانيا. وإذا فعل ذلك وفشلت الصفقة في النهاية، بمعنى أن فلاديمير بوتين استأنف عدوانه، فستكون وصمة عار هائلة في ميراثه السياسي.

ورأى الكاتب أن إدارة ترامب ترسل رسائل متضاربة بشأن الحرب في أوكرانيا. فقد تراجع نائب الرئيس جيه دي فانس عن تعليقات وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن عضوية أوكرانيا في حلف الناتو لم تعد محلا للنقاش، وكذلك العودة إلى حدود ما قبل 2014. وأضاف مبعوث الرئيس إلى أوكرانيا، كيث كيلوغ، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الأوكرانيين سيكونون على طاولة المفاوضات، لكن الأوروبيين لن يفعلوا ذلك.

وفي الوقت نفسه، تم استبعاد أوكرانيا من المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا التي تجرى اليوم الثلاثاء في العاصمة السعودية الرياض.

وبينما يفكر في خياراته، ربما كان من الأفضل لترامب لو استمع إلى نقاش دار بين رئيس جمهوري آخر ووزير خارجيته. كان التاريخ هو 3 آب/ أغسطس 1972، عندما أخبر هنري كيسنجر، الرئيس نيكسون أنه يعتقد أن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام مع حكومة فيتنام الشمالية كانت 50/50.

وكان ضمان الأمن آنذاك، كما هو الحال الآن، يشكل مصدر قلق بالغ. وكذا الخوف هو أن تستأنف فيتنام الشمالية الحرب بعد رحيل القوات الأمريكية. وسأل نيكسون كيسنجر: ماذا سيحدث إذا انتظرت هانوي لفترة ثم ابتلعت جنوب فيتنام؟ وأجاب كيسنجر: “إذا ابتلعت شمال فيتنام الجنوب بعد عام أو عامين من الآن، فسوف نتمكن من تبني سياسة خارجية قابلة للتطبيق إذا بدا الأمر وكأنها نتيجة لعدم كفاءة  جنوب فيتنام”.

إلا أنه أوضح بعد لحظات قائلا: “لذا يتعين علينا أن نجد صيغة ما تبقي الأمور متماسكة لمدة عام أو عامين، وبعد عام يا سيدي الرئيس ستصبح فيتنام منطقة راكدة. وإذا تمكنا من تسوية الأمر، لنقل في تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام، فلن يكترث أحد بحلول كانون الثاني/يناير 1974”.

لقد شعر نيكسون ببعض الآلام الأخلاقية فيما يتصل بما قد يتفقان عليه: “فيتنام، لابد أن أقول… يا إلهي، لقد قاتلوا لفترة طويلة، وماتوا، والآن… لا أدري”.

وأصبحت هذه المحادثة الأساس لاتهام نيكسون وكيسنجر بأنهما كانا يعتقدان سرا أن حكومة سايغون لا تستطيع الصمود بعد الانسحاب الأمريكي. وعلى هذا، فإن ما كانا يسعيان إليه حقا هو “فترة زمنية مناسبة” بين الانسحاب الأمريكي وانهيار جنوب فيتنام. وبعد أقل من ستة أشهر من تلك المحادثة، وقّعت اتفاقية باريس للسلام في 27 كانون الثاني/ يناير 1973. وكانت صفقة فرضت على رئيس جنوب فيتنام نيغويون فان ثيون. ومورس ضغط شديد عليه، إلا أنه قاتل الاتفاق بشجاعة وبشكل أغضب نيكسون.

وربما كانت النقطة الخلافية الرئيسية تلك التي سُمح فيها لقوات فيتنام الشمالية بالبقاء في الجنوب، كما يبدو الآن من بقاء القوات الروسية في  أوكرانيا كجزء من الصفقة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبعد تسعة أشهر من الاتفاقية، حصل كيسنجر مع الزعيم الشمالي الفيتنامي لي ديوس ثو على جائزة نوبل للسلام، مع أن ثو رفضها. وفي 30 نيسان/ أبريل 1975 تقدمت الدبابات وقوات شمال فيتنام نحو سايغون، ولم تعد حكومة الجنوب قائمة بعد  ذلك. وفي اليوم التالي، حاول كيسنجر إعادة الجائزة لكن لجنتها رفضت أخذها.

طبعا هناك خلافات كبيرة بين أمريكا وأوكرانيا، فخلافا لفيتنام، لم ترسل الولايات المتحدة قوات للدفاع عن كييف. وهناك سبب آخر يتمثل في صمود الأوكرانيين. فقد كان من المتوقع أن تسقط كييف في غضون عشرة أيام من غزو بوتين، ولكن الأوكرانيين فاجأوا العالم عندما منعوا سقوط عاصمتهم. وعليه، فمن الصعب أن نصدق أن أوكرانيا سوف تستسلم إذا فشلت اتفاقية السلام التي سيبرمها ترامب. وفي الوقت الذي لا تقوم اتفاقيات السلام على خطأ متأصل، لكن المشكلة هي في الضمانات الأمنية التي تحتوي عليها.

ومن منظور إرثه الخاص، فإن أهم الأمور التي سيعترض عليها بوتين هي تلك التي تضمن السلام. والمشكلة ليست في إقناع الزعيم الروسي بالجلوس على طاولة المفاوضات، بل في إقناعه باحترام الاتفاق.

ومر الأوكرانيون بهذه التجربة من قبل، وكان من المفترض أن يعيد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مينسك عام 2015 السلام، لكنه لم يتضمن أي عواقب وخيمة للعدوان الروسي. وبموجب مذكرة بودابست لعام 1994، تخلى الأوكرانيون عن الرادع الفعال الوحيد الذي كانوا يمتلكونه: أسلحتهم النووية. حتى أن بيل كلينتون يدرك الآن أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو كانت لا تزال تمتلك أسلحتها النووية.

وربما استطاع ترامب التفاوض على صفقة قوية تحافظ على أوكرانيا “المزدهرة ذات السيادة”. ولكن هناك أوجه تشابه مثيرة للقلق بين المحادثات الأمريكية الروسية هذا الأسبوع في الرياض والتي تستبعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية التي أجريت خلف ظهر ثيو. وسوف يفعل ترامب جيدا إذا تذكر: “إذا انتهت هذه الصفقة بكارثة، فسيتحمل مسؤوليتها”.

ويليام ماغيرن

صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة ابراهيم در




الولايات المتحدة تطالب بانتخابات في أوكرانيا

عن انسداد الأفق أمام زيلينسكي، كتبت ايليزافيتا كالاشنيكوفا، في “موسكوفسكي كومسوموليتس”:

ذكرت وكالة رويترز للأنباء، نقلا عن المبعوث الخاص لترامب كيث كيلوغ، أن الولايات المتحدة تريد إجراء انتخابات في أوكرانيا بحلول نهاية العام، خاصة إذا تحقّق وقف إطلاق النار في منطقة القتال.

ووفقا لمصادر الوكالة، “إذا أجريت انتخابات في أوكرانيا، فإن الفائز يمكن أن يتحمل مسؤولية التفاوض على اتفاق طويل الأمد مع موسكو”.

يجدر التذكير هنا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في وقت سابق إلى عدم إمكانية التوقيع على معاهدة سلام مع زيلينسكي، بسبب انتهاء ولايته الرئاسية.

وردًا على منشور رويترز، ذكرت كييف أن إدارة ترامب لم تعالج هذه القضية “رسميًا”. ويترتب على هذه الصياغة أنه ربما جرت مناقشات غير رسمية حول هذه القضية. لكن من الصعب القول من سلوك زيلينسكي إنه يستعد للانتخابات.

في الوقت نفسه، شعبية زيلينسكي منخفضة للغاية. فبحسب بيانات المركز التحليلي الأوكراني “سوسيس”، التي نشرت في 22 يناير/كانون الثاني الفائت، 16.2% فقط من الأوكرانيين يثقون تمامًا بزيلينسكي، مقابل 56% من المواطنين لا يثقون به.

بانكوفا تدرك الآن أن الانتخابات قد تصبح حجر عثرة في علاقاتها مع الولايات المتحدة. في الوقت الحالي، قد يكون هذا مجرد اختبار من جانب الأمريكيين، ولكن هيكل السلطة غير مطمئن لزيلينسكي. فسوف يتعين عليه أن يحقق التوازن بين الحفاظ على سلطته وعلاقاته مع شركائه الغربيين.

روسيا اليوم