1

محافظ بنك إسرائيل واقتصاديون: الميزانية الجديدة قنبلة موقوتة.. نطلق النار على أنفسنا

تم المصادقة على ميزانية الدولة أول أمس، كان يبدو أن متخذي القرارات في إسرائيل سيستريحون ولو للحظة. في الحقيقة، هذه ميزانية أحكام قاسية، لكن صودق عليها مع عجز أقل بقليل من 5 في المئة. هو يكفي لتمويل تكلفة الحرب حتى الآن والبدء في مهمة إعادة الإعمار، من خلال إعادة الاقتصاد في إسرائيل إلى سكة الثبات.
تقرير بنك إسرائيل الذي سينشر اليوم، بعد أقل من 24 ساعة من المصادقة على الميزانية، يوضح أن من يعتقد ذلك فإنه يعيش في وهم.
في الفترة التي تُنتقد فيها الحكومة، الانتقاد المبرر من جهة مهنية، قد يؤدي إلى اعتباره عدواً للشعب. التقرير السنوي للبنك المركزي يعلن بلغته المهذبة أن على متخذي القرارات العمل بصعوبة أكثر مما عملوا حتى الآن لإعادة الاقتصاد إلى المكان الذي كان فيه قبل الحرب. يدرك بنك إسرائيل ذلك من المؤشر الأساسي للاستدامة المالية – نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي قفزت منذ تشرين الأول 2023.
الحرب أعادت إسرائيل إلى الوراء
حسب تحليل الاقتصاديين في البنك، فإن التخفيضات ورفع الضرائب ستكون كافية على الأكثر لتغطية زيادة تكاليف الحكومة التي لحقت وستلحق بسبب الحرب، التغطية ليس إلا. بهذه الصورة، فإن نسبة الدين إلى الناتج قد تتوقف عن الصعود، لكنها لن تنخفض. سبب ذلك مزدوج: جزء من الأحكام في ميزانية 2025 مؤقت، وسينتهي قريباً إذا لم يتم تجديدها، والنفقات غير الأمنية ربما تزداد.
لكن ليس كل شيء يرتبط بالأموال؛ فـ”ارتفاع عبء الخدمة العسكرية، لا سيما خدمة الاحتياط، سيواصل جبي ثمن اقتصادي باهظ”، كتب في مقدمة تقرير محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون. من هنا، هو يصل إلى استنتاج آخر يؤكده، وهو أن طريقة خفض هذا السعر، حسب قوله، هي دمج مجموعات سكانية أخرى في الخدمة العسكرية – هذه أقوال موجهة من أجل الحاجة إلى تجنيد الحريديم.
عدم المساواة في تحمل العبء ليس مشكلة أخلاقية أو اجتماعية فقط، بل يشمل أيضاً ضعف دمج الشباب الحريديم في سوق العمل. ويتضح من التقرير أن عدم مشاركة الرجال الحريديم في تحمل العبء في الجيش وتحمل العبء الاقتصادي في إسرائيل، لا سيما في هذه الفترة، هو العائق الرئيسي أمام إسرائيل في الطريق إلى تحسين الوضع الاقتصادي بعد الحرب.
مستوى التشغيل المنخفض في أوساط الرجال الحريديم يغذيه نظام التعليم الحريدي، الذي لا يوفر للخريجين المهارات المطلوبة للاقتصاد الحديث – وهي قضية أبرزها التقرير – وبواسطة مليارات الشواقل في ميزانية الدولة التي تموله وتمول تعليم طلاب التوراة الحريديم كل سنة. ولكن الاعتبارات الائتلافية تفوق الاعتبارات الاقتصادية. والميزانية الجديدة لا تعمل إلا على تشجيع هذا الوضع. لكن في الواقع، لا يمكن تعريف ذلك إلا أنه بمثابة إطلاق اقتصاد إسرائيل النار على قدمه.
في التقرير، وجه بنك إسرائيل انتقاداً لسياسة الحكومة في كل ما يتعلق بالشباب الحريديم، في المقام الأول تمويل عدم عمل الشباب الحريديم وغياب تعليم المواضيع الأساسية. بيانات التشغيل المتدنية للرجال الحريديم تعكس “محفزات اقتصادية تعطى لمن يمكنهم العمل ولكنهم لا يعملون”، كتب في التقرير. وفي الوضع الحالي “تم إعطاء تمويل عام كبير جداً لمؤسسات لا تعلم المواضيع الأساسية”.
التحديات التي نشأت عقب الحرب، أشار المحافظ، أضيفت إلى مشكلات واجهت الاقتصاد قبل الحرب ولم يغيرها. الآن علاج المشكلات الرئيسية في إسرائيل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. “المستوى الأعلى لنفقات الدفاع في المستقبل القريب، وضرورة الحفاظ على هامش مالي، تؤكد بدرجة أشد على ضرورة التكيف حتى في تركيبة نفقات الحكومة، التي ستعكس سلم أولويات مناسباً لتحديات الاقتصاد”، كتب المحافظ في التقرير.
في مكان آخر في التقرير، شرح الاقتصاديون أن التعديلات التي أجرتها الحكومة حتى الآن، بما في ذلك ميزانية 2025 الغضة، لا تناسب تحديات الاقتصاد. وعلى المدى المتوسط والبعيد، ما لم يتم تنفيذ خطوات مهمة أخرى فقد تجر سياسة الحكومة الاقتصادية إسرائيل إلى الفساد أو التدهور الاقتصادي.
لا توجد زيادة في النجاعة ولا خطوات تشجع على النمو
حسب بنك إسرائيل، بلغت تكلفة الحرب في ميزانية 2023 – 2024، وهي إجمالي تكلفة الحرب التي أضيفت إلى الميزانية الأصلية لسنة 2023، 135 مليار شيكل. ويضاف إلى ذلك ما تم دفعه من صندوق ضريبة الأملاك كتعويض مباشر وغير مباشر عن أضرار الحرب، 19 مليار شيكل. زيادة النفقات الحادة تم تمويلها بالأساس بواسطة زيادة عجز الميزانية، الذي بلغ في 2024، 6.8 في المئة من الإنتاج. ويقدر البنك أن النفقات العامة على المدى المتوسط (2026 – 2030) ربما تزداد 50 مليار شيكل في السنة، مقارنة مع تقديره قبل الحرب.
بقول بنك إسرائيل بصراحة إن خطوات التقليص في ميزانية 2025 هي في جانب المداخيل، وعلى رأسها أحكام اقتصادية على المواطنين العاملين، مثل زيادة ضريبة القيمة المضافة ورسوم التأمين الوطني، وأيضاً الضريبة الجديدة على الأرباح غير الموزعة للشركات، ولكن لن يتم فيها دمج خطوات زيادة النجاعة في النفقات العامة المدنية، مثلاً بواسطة إغلاق وزارات حكومية أو بواسطة خطوات تشجع على النمو مثل تقليص المحفزات للشباب الحريديم الذين لا يعملون.
وعلى المدى المتوسط (2026 – 2030) حذر اقتصاديو البنك من أن لا يساهم التقليص في الميزانية الحالية في تغطية الارتفاع الذي سببته الحرب في العجز، لأن خطوات كثيرة تبدو مؤقتة، ولن تكون سارية المفعول إلا في السنتين القادمتين، مثل زيادة مدفوعات العاملين والمشغلين للتأمين الوطني، وتقليل الأجور في القطاع العام – التي قد تبلغ 10 مليارات شيكل في السنة معاً – التي ستنتهي في بداية العام 2027.
يردين بن غال هيرشهورن

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




إيكونوميست: إسرائيل تتصرف بطريقة غير مقيدة من أجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. بأي ثمن؟

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن إسرائيل بقيادة نتنياهو تتصرف بطريقة غير مقيدة من أجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإنه في محاولة إسرائيل للهيمنة فإنها تؤثر على التماسك الإجتماعي والتحالفات الغربية.

 وذكرت أنه قبل عشرة أعوام أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجنة برلمانية في الكنيست أنه لن يكون هناك أبدا سلام مع الفلسطينيين، وقال “سئلت إن كنا سنعيش للأبد على حد السيف”، والجواب “نعم”، وكانت كلماته حينها محلا للجدل، وليس أقل من القادة العسكريين الذين يرون أنه يجب عدم التخلي عن الدبلوماسية.

ووفق المجلة فكلام نتنياهو يبدو اليوم حقيقة لا يجادل فيها أحد، ولا تزال قائمة، حتى بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر التي نفذتها حركة حماس، والتي أضعفتها حرب مستمرة منذ أكثر من 15 شهرا في غزة. كما يعاني حزب الله اللبناني من ضربات إسرائيلية أدت لمقتل قياداته وتدمير بناه، وهو يحاول التعافي وبناء نفسه من جديد وسط الظروف الحالية. وأدى انهيار نظام بشار الأسد في سوريا لقطع شريان الدعم العسكري للحزب من إيران. وقد احترق “جدار النار” الذي بنته إيران حول إسرائيل إلى جمرات.

قبل عشرة أعوام أخبر نتنياهو لجنة برلمانية في الكنيست أنه لن يكون هناك أبدا سلام مع الفلسطينيين، وقال “سئلت إن كنا سنعيش للأبد على حد السيف”، والجواب “نعم”

 وبحسب المجلة فقد صمدت إسرائيل أمام الضربات الإيرانية ودمرت الدفاعات الجوية لإيران. وربما قررت إسرائيل وفي السنوات المقبلة التوقف عند هذا الحد. لكن قادتها حاليا يفضلون فرض سيطرتهم المطلقة، بعضهم لأسباب براغماتية، والبعض الآخر لأسباب أيديولوجية. فهم يستولون على أراض خارج حدودهم، ويدعون إلى شن المزيد من الضربات على إيران، ويفكرون في ضم الأراضي الفلسطينية بالكامل. ويبدو أن الهدف هو الهيمنة الإقليمية، لكن الشكوك حول هذا النهج لا تزال قائمة كما كانت عندما أيد نتنياهو لأول مرة خيار الحرب: هل تستطيع إسرائيل تحمل حربا غير أبدية، وهل يجب عليها فعل هذا؟

 وتشير المجلة إلى أن تغير النهج الإسرائيلي من غزة، تكشف عن تزايد طموحاتها الإستراتيجية.

ففي السنة الأولى من الحرب، تردد الجيش الإسرائيلي في احتلال مساحة كبيرة من الأراضي داخل القطاع. وعوضا عن ذلك، استولى على منطقة عازلة داخل حدوده، وممرين يفصلانها، ولكنه لم يفعل شيئًا آخر: فقد خشي الجيش من حرب مقاومة إلى ما لا نهاية. ثم جاء وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع مع حماس، والذي تم الاتفاق عليه في كانون الثاني/يناير، وكان الهدف منه كسب الوقت للتفاوض على إنهاء دائم للحرب. وفي 18 آذار/مارس تخلت إسرائيل عن اتفاق النار وعادت للحرب وضرب غزة. وتستعد إسرائيل لهجوم بري جديد. وقد وعد الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، بتكتيكات أكثر عدوانية. وتخطط إسرائيل لإخلاء أجزاء كبيرة من القطاع وحصار كل من تبقى فيه، كما تنوي الاحتفاظ بالأرض. وتشير المجلة لتحذير وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، من أن الاحتلال قد يكون دائما. ولم يتم تنفيذ الخطط، ولو نفذت فستكون تصعيدا في الحرب الدموية التي أدت إلى مقتل أكثر من 50,000 فلسطينيا في غزة.

وذكرت أنه في الضفة الغربية، يشن الجيش الإسرائيلي حربا تعتبر الأوسع منذ عقود وأدت إلى تهجير أكثر من 40,000 فلسطينينا من مخيمات اللاجئين في شمال المناطق. وقال كاتس إن القوات الإسرائيلية قد تبقى في هذه المخيمات حتى نهاية العام. وفي نفس الوقت، يواصل نواب اليمين المتطرف خططهم لتوسيع المستوطنات اليهودية، المخالفة للقانون الدولي. وفي 23 آذار/مارس صوتت الحكومة الأمنية المصغرة على إضفاء الشرعية على 13 “بؤرة استيطانية”، وهي مستوطنات عشوائية شيدت دون موافقة الحكومة.

ويأمل اليمين في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم خططهم لضم جزء من الضفة الغربية أو كلها، مما سيجعل إقامة دولة فلسطينية مستحيلا.

وتلفت المجلة إلى أنه في أماكن أخرى، احتلت إسرائيل أراض سورية بما فيها جبل الشيخ، أعلى قمة بالمنطقة، ولا نية لديها للمغادرة على ما يبدو. وتعمل إسرائيل على استمالة الدروز في جنوب سوريا. وربما كانت تأمل في تقسيم سوريا إلى اتحاد فدرالي من دويلات عرقية مستقلة. وقد حث بعض المعلقين الإسرائيليين الدروز على الانفصال. كما لا تزال إسرائيل تحتل خمس تلال في جنوب لبنان، رغم وعدها بالانسحاب منها أواخر كانون الثاني/يناير بموجب شروط وقف إطلاق النار مع حزب الله.

ثم هناك إيران، التي طالما حلم نتنياهو بشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية. وهو يضغط بقوة على الحكومة الأمريكية لتأييد مثل هذا الهجوم، بل ويفضل أن تنضم إليه. ويعتقد جواسيس أمريكا أن إسرائيل ستتحرك على الأرجح خلال ستة أشهر.

وتعلق المجلة أن إسرائيل الباحثة عن الهيمنة في المنطقة هي نتاج صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر، فقبل هجمات حماس، تجنبت إسرائيل الحروب الشاملة مع أعدائها بالمنطقة، واكتف بضربات دورية ضد أعدائها، إما لاغتيال قادة يشكلون تهديدا أو تدمير أسلحة متطورة. وعندما فعلت، كما هو الحال مع حماس، أبقت حروبها قصيرة. وكان الهدف ردع خصومها وإضعافهم، لا القضاء عليهم.

 تقول المجلة أنه بالعودة للوراء، يرى جنرالات وجواسيس إسرائيل أن هذه السياسة كانت “ساذجة”، فهم لن يتسامحوا مع أي تهديد على حدودهم، حتى ولو كان نظريا.

وكان حكام سوريا الجدد واضحين في رغبتهم في علاقة سلمية مع جيرانهم، وبعد عقد من الحرب الأهلية، ليسوا في وضع يسمح لهم بمواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط. لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من الاستيلاء على المزيد من الأراضي السورية، لحماية الأراضي التي احتلتها عام 1967.

وبالنسبة لليمين المتطرف، فالهدف ليس حماية الحدود، ولكن توسيعها. فقد حلموا ولسنوات بالعودة إلى غزة وبناء المستوطنات التي خرجوا منها عام 2005، وكذا ضم الضفة الغربية. وهناك من يحلم بـ “إسرائيل الكبرى” التي تمتد من النيل إلى الفرات. ومع أنهم أقلية إلا أنهم أصبحوا أقوياء وبشكل متزايد. وربما لم يكن نتنياهو يشترك معهم في تحقيق مملكتهم التوراتية، لكنه يريد دعمهم إن كان يريد البقاء في السلطة. وكان إيتمار بن غفير زعيم حزب القوة اليهودية قد خرج من الحكومة بعد وقف إطلاق النار، ثم عاد إليها بعد استنئاف القتال، فلو لم ينضم مرة أخرى، لكانت إسرائيل تحضر لانتخابات برلمانية، ذلك أن نتنياهو كان قادرا على تمرير الميزانية التي تضمن بقاءه في السلطة حتى 2026. كما ويريد نتنياهو البقاء خارج السجن، فهو يحاكم منذ 2020، ومن هنا فحالة الحرب الدائمة تجعله بعيدا عنه. وجادل بأنه مشغول بشؤون الحكم لدرجة تمنعه ​​من قضاء وقت طويل على منصة الشهود: “أنا أقود البلاد في حربٍ على سبع جبهات”، هذا ما قاله للقضاة في كانون الأول/ ديسمبر. وفي شباط/فبراير، وافقت المحكمة على طلبه الإدلاء بشهادته يومين فقط في الأسبوع، بدلا من ثلاثة. وترى المجلة أن حلفاء إسرائيل في الماضي ربما حاولوا الحد من النزعة الحربية لإسرائيل.

فمع أن ترامب ضغط على نتنياهو للقبول بوقف إطلاق النار في غزة ولبنان إلا أن زيارة نتنياهو لواشنطن جعلته يعود منتصرا بعدما طرح ترامب فكرة تهجير سكان غزة.

كما لم يحدث أي رد فعل من قادة المنطقة الذين يوصفون بالمعتدلين. فعندما اندلعت حرب غزة، خشي العديد من الحكام العرب المستبدين أن تشعل الحرب فتيل الاضطرابات في بلدانهم، لكن هذا لم يحدث. فمع هدوء شوارعهم، اكتفى الحكام بالإدانات الخطابية للحرب ولم يقطع أي منهم العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

وتعلق المجلة أن كل العوامل الحالية، تلعب لصالح إسرائيل، إلا أن الأخيرة تجد صعوبة في لعب دور القوة المهينة.

كل العوامل الحالية، تلعب لصالح إسرائيل، إلا أن الأخيرة تجد صعوبة في لعب دور القوة المهينة مع جيشها المنهك بالحروب

فمن جهة تقوم بالضغط على الجيش الذي أنهكته حروب المنطقة. فقد توقفت حياة جنود الإحتياط بانتظار دعوتهم للخدمة. ويبلغ معدل ما خدمه الجنود الـ 295,000 منذ بداية الحرب حوالي 61 يوما، وهذا مقارنة مع 25 يوما قبل الحرب. وأمضى ثلثهم بالزي العسكري 150 يوما وبدأ الإرهاق يتسلل إلى بعض الوحدات، حيث وجدت دراسة أن 60-70% فقط من الجنود يلتحقون بالخدمة عند استدعائهم. ومع أن العجز في الميزانية سيصل إلى 4.9% من الناتج المحلي العام إلا أن الدين العام زاد من 60% من الدخل المحلي العام في 2022 إلى69% العام الماضي. وفي الميزانية الجديدة سيحصل حلفاء نتنياهو على 5 مليارات شيكل على شكل “ميزانية التحالف” وذلك للإنفاق على المدارس الدينية، مليار دولار. ووصف زعيم المعارضة يائيرلابيد الميزانية الجديدة بأنها “أكبر سرقة في تاريخ البلد”، كل هذا يؤشر إلى أزمة أعمق.

فقد كسرت السنوات الماضية ثقة الرأي العام بالدولة، وقبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر التي سبقته إضطرابات ومحاولات نتنياهو شل المحكمة العليا. وفي عام 2018 قالت نسبة 55% أن البلد في حالة جيدة، أما اليوم فالنسبة هي 11%. ولا يبذل نتنياهو الجهد للحصول على ثقتهم. وت

وتذكر المجلة أنه في استطلاع آخر دعمت نسبة 73% مواصلة تنفيذ مراحل وقف إطلاق النار وتحرير الأسرى لدى حماس. ومع استئناف القتال، بات الإسرائيليون يتحدثون عن تلاعب نتنياهو بالدولة لمصالحه، وهناك جنود احتياط يناقشون فكرة تجاهل الدعوة للمشاركة في هجوم بري.

 ثم جاءت أزمة مدير الشاباك رونين بار وعزله، لمنع تحقيقات تطال نتنياهو. وهناك نوع من المزيج السام، حيث تطالب الحكومة السكان بالتضحيات الكبرى مع أنهم يائسون منها. وعليه فاحتلال طويل إن لم يكن ضما للضفة الغربية وقطاع غزة سيزيد من الخلافات.

وتقول المجلة أنه رغم موافقة الرأي العام بشأن استحالة صنع السلام مع الفلسطينيين، إلا أنهم لا يشاركون اليمين في أحلامه عن “إسرائيل الكبرى”. فالفلسطينيون وإن ضعفوا في ساحة المعركة ودبلوماسيا، لكنهم لن يظلوا هكذا للأبد. وتقدم المواجهة في جنوب سوريا، يوم 25 آذار/مارس تحذيرا لإسرائيل.

وتؤكد المجلة على أن الأهم من كل هذا، هل يمكن لإسرائيل الاعتماد على الرئيس الأمريكي الزئبقي كحليف يمكن الوثوق به. وربما استطاع رون ديرمر، المسؤول في حكومة نتنياهو إقناع جماعة ترامب أن إسرائيل قادرة على هزيمة حماس في الأشهر المقبلة وعمل نفس الأمر في سوريا. لكن دعم إسرائيل مكلف، فقد حرقت أمريكا فوق الـ 18 مليار دولار منذ بداية الحرب، 5 مليارات أخرى على دفاعها في المنطقة. وترامب في النهاية يريد أن يكون صانع سلام، ولهذا لا يتفق مع نهج إسرائيل الحربي وبخاصة في إيران.

مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




القنبلة السلفية والسلم الأهلي في سوريا

لا تمر بضعة أيام دون توتر موضعي في بعض مناطق البلد بسبب تدخلات سلفيين، بعضهم مسلحون ومن قوى الحكم الحالي، في أوجه من حياة السوريين الاجتماعية. الأمثلة متكاثرة، هنا بعضها. تعرضت دورية مسلحة لفنانين شبان صادفتهم في فضاء عام يصورون شيئاً عن الشهيد باسل شحادة. عناصر الدورية رفضوا وصف باسل بالشهيد لأنه غير مسلم، وحطموا صورة له، وتصرفوا بالجملة كميليشيا طائفية مستعلية دينياً ومستقوية بالسلاح (لمن لا يعلم، كان باسل المنحدر من أسرة مسيحية دمشقية قد تخلى عن دراسة السينما في أمريكا وعاد إلى سوريا للمشاركة في الثورة، وقتل في حمص في قصف للقوات الأسدية استهدف سيارته، وكان في الثامنة والعشرين وقت استشهاده). وجال غير مرة دعاة سلفيون في أحياء ذات أكثرية مسيحية في دمشق في سيارات تبث أناشيدهم بمكبرات الصوت، وتدعو إلى الإسلام مثلما يُعرِّفه هؤلاء الدعاة. وآخر تلك الحوادث جرت في حي الدويلعة المختلط السكان، وقد تكفل شبان مسيحيون ومسلمون بصرف الدعاة. وبعد أقل من شهر من سقوط النظام كان دعاة سلفيون، واحد منهم على الأقل غير سوري، ينظمون مسابقة دينية دعوية في مدينة جبلة الساحلية، استفزت السكان الذين بينهم نسبة لا بأس بها من العلويين. وهدد أحدهم طفلاً بالفلقة إن لم يحفظ القرآن.
يدافع موالون للعهد الجديد في سوريا عن الحق في الدعوة السلمية إلى الإسلام، ويقارنون ذلك بحرية الدعوة الدينية في أوروبا. هل هذا وجيه؟ ليس بين الدعاة والمبشرين الدينيين في أوروبا، والأنشط بينهم شهود يهوه وجماعات مسيحية أصغر، وبين الدولة أي التباس؛ وهم لا يستفيدون من حماية خاصة، ولا يستهدفون جماعات دينية مغايرة (المسلمين مثلاً) ليست آمنة تماماً على نفسها، وفي بلد تتملك قطاعات من سكانه خشية مشروعة من الاضطهاد الديني. ثم أن حرية الدعوة أو التبشير الديني في أوروبا هي جزء من الحريات الدينية التي تشمل حرية عدم الاعتقاد الديني، وحرية تغيير الاعتقاد الديني، والحق في الحيرة أو تعليق الحكم في الشأن الديني، وهذا مع حق مكفول للمعنيين في جميع الأحوال بأن يعبروا عن أفكارهم ومعتقداتهم في المجال العام. المقارنة ليس وجيهة بالتالي، ومن يصر عليها مطالب بأن يدافع عن كل هذه الحريات الدينية في سوريا كي يكون متسقاً مع نفسه.
والواقع أن قطاعات السكان المتحفظة على التنطُّع السلفي في سوريا لا تقتصر على مسيحيين أو علويين أو غير مسلمين سنيين، بل تشمل قطاعات من الأخيرين كذلك. الإسلام السني في سوريا متنوع، وغير سلفي في أكثريته. السلفية أخذت بالانتشار في تسعينيات القرن الماضي، ومعها نزعة اجتماعية بالغة المحافظة، وميل قوي إلى التكفير. وبعد الثورة تواطأت شروط داخلية، تمثلت بخاصة مع ديناميكية تجذر وتشدد وعسكرة وأسلمة انتشرت في البيئات السنية التي تعرضت لعنف تمييزي من جهة الحكم الأسدي، مع شروط خارجية، تمثلت أساساً في وجود خميرة جهادية في العراق المجاور، ثم في دعم شبكات سلفية خليجية، أقول تواطأت هذه الشروط الداخلية والخارجية من أجل تسهيل لقاء السلفية والسلاح، لنحصل على طيف متنازع سياسياً (لكن قليل التمايز فكرياً) من سلفية جهادية أممية وسلفية مجاهدة محلية. هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، عرضت تحولاً يبدو غير مكتمل من السلفية الجهادية إلى السلفية المجاهدة، لكن تكوينها الأصلي لا يزال حاضراً وفاعلاً سياسياً عبر جهاديين أجانب، يقدر عددهم بنحو 5000، وقد شاركوا في مذابح العلويين في الساحل في وقت أبكر من الشهر الجاري.

آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية

وبكل تنويعاتها، السلفية ليست الإسلام السني السوري، بل قطاع منه، وافد بقدر كبير من خارج البلد، أو وليد شروط بالغة القسوة من الإفقار السياسي ثم من العنف التمييزي الإبادي بعد الثورة السورية. والعلاقة بين السلفيين واللاسلفيين تنطوي سلفاً على توترات مهددة للسلم الأهلي بقدر لا يقل عما يتصل بمخاوف الجماعات غير المسلمة السنية. قبل حين شكا أمام مسجد من مدينة حماه من تدخل سلفي في صلاة وتدين المؤمنين في مسجده وحيّه. ويبدو أنه جرى إحلال أئمة سلفيين محل ائمة سابقين في مساجد في العديد من مناطق البلد، وينسب لهؤلاء الأئمة الجدد أنهم دعوا الناس للجهاد وقت تفجر العنف في الساحل، وأن لهم ضلعاً بالتالي في مذابح العلويين.
يتجاوز الأمر اليوم أسلمة المسلمين، النهج الذي سار عليه الإسلاميون في الثورة السورية، والذي ينسخ نهج تعريب العرب البعثي، ويتحكم بتعريف الإسلام مثلما تحكم الحكم البعثي بتعريف العرب على نحو يجعل منهم، الإسلاميين والبعثيين، التعبير الوحيد، الأصلح والأصح، عن الإسلام أو العروبة. نقول يتجاوز الأمر اليوم نسق أسلمة المسلمين إلى تسليف السنيين، دفعهم نحو ما سماه الإمام الحموي «تدين نجدي»، ينزع نحو تبديع أو تكفير الممارسات الدينية المحلية، المتشكلة تاريخياً واجتماعياً. هذا لا يؤدي إلى قلاقل سياسية واجتماعية فقط، ولا إلى مخاطر تطال «السلم الأهلي» فقط، وإنما هو مفقر روحياً ودينياً، في مجتمع تعرض لإفقار مديد على هذين المستويين، ويحتاج بالأحرى إلى احترام ما استطاع تنميته في نفسه من روح وقيم رغم كل شيء. مقابل صور التدين المحلي، وليست كلها صوفية بالمناسبة، وغير قليل منها فقهية تقليدية محافظة، السلفية هي المذهب الإسلامي الأقل روحانية، والأكثر تقيداً بشكليات وتفاصيل قيافية وسلوكية وتعبدية جف منها النسغ الروحي. وهي لا تدافع عن حق في الوجود إلى جانب غيرها، بل عن استحقاق للسيطرة على غيرها، لا يمكنه إلا أن يكون مقوضاً للدولة والمجتمع.
وإنما لأن الأمر يتصل بنسق مجرب معلوم مسبقاً، نسق أسلمة المسلمين، فإنه لا يبعد لتسليف السنيين أن يصير سياسة معتمدة إن لم يواجه بمقاومات تضبطه. أمثلة التسليف المذكورة فوق تبدو تكوينية، تتصل بتكوين الفريق المسيطر الجديد، على نحو ينفي كونها «أخطاء فردية»، ويقربها من مسالك منهجية. وإذا كنا نتردد بعض الشيء في الكلام على الصفة المنهجية لتلك المسالك فلأن تكوين المسيطرين الجدد يبدو أقل تجانساً وانسجاماً، وأكثر تنافراً وتجريبية، من أن يسمح بسلوك منهجي على هذا المستوى الدعوي أو غيره. على أنه يسمح سلفاً بالخشية من قنبلة سلفية موقوتة، من شأن انفجارها أن يودي بـ«السلم الأهلي»، وربما بالبلد المزعزع الأركان أصلاً.
آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية. وآخر ما تحتاجه كذلك استقطابات حادة إضافية تفاقم من تهتك نسيجها الاجتماعي المتهتك أصلاً. تحمل النزاعات الدينية والطائفية والإثنية في داخلها خطر الإبادة على نحو رأينا تحققاً مفزعاً له في الساحل قبل أسبوعين فحسب. الأصح هو نقل الصراعات من الحقل الديني الذي تكون في مطلقة ولا تقبل الحل مثلما نعرف من تاريخنا وتواريخ غيرنا، إلى الحقل السياسي والحقوقي حيث تكون نسبية وقابلة لمعالجات ناجعة. الأصح كذلك توجيه الطاقات المحدودة في اتجاه الدفاع عن الحقوق المهددة والحريات الهشة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية البائسة. وربما يستفرغ السلفيون طاقتهم الفائضة في تأمين موارد لمساعدة الفقراء وإيواء المشردين، في تحسين شروط العيش الدنيوي لملايين السوريين، بدل الانشغال بالمصير الأخروي لغيرهم.

ياسين الحاج صالح

صحيفة القدس العربي