1

“أليس فايدل” تقود صعود اليمين.. فهل تتحوّل ألمانيا إلى بلد العجائب؟

تمكّن تكتل فريدريش ميرتس، الذي يضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، من دخول البرلمان الألماني (البوندستاغ)، بعد حصوله على 29.52% من أصوات الناخبين. وبرغم هذا الإنجاز، لم يستطع ميرتس، الذي يلقبه الألمان تودّداً بـ”ميتي”، أن يكون نجم الحدث، حيث سرقت الأضواء نتائج حزب البديل من أجل ألمانيا، بقيادة أليس فايدل، الذي حصل على المرتبة الثانية بنسبة تصويت بلغت 20.8٪، في انتخابات وصفها المراقبون بـ”التاريخية”.

ما يجعل هذا الفوز استثنائياً، هو الإقبال الكبير على صناديق الاقتراع، حيث بلغت نسبة المشاركة 52%، من أصل 59.2 مليون ناخب مؤهل، ما يعكس حجم التفاعل الشعبي مع هذه الانتخابات. وبذلك، يُنظر إلى فوز فايدل، على أنّه مستحَق، وبات برنامجها السياسي يحظى بقبول متزايد.

وخلال حملتها الانتخابية، أثارت فايدل، الجدل بمقترحات صادمة، من بينها ترحيل اللاجئين إلى جزيرة نائية، كما لم تُخفي إعجابها الشديد بدونالد ترامب، واعتبارها مارغريت تاتشر، مثلها الأعلى.

مع هذا الزخم السياسي غير المسبوق، يبرز السؤال: هل ستتمكن فايدل، من إعادة تشكيل المشهد السياسي الألماني وفق رؤيتها محوّلةً ألمانيا إلى “بلد العجائب”؟

دهاء الحب والسياسة

وُلدت أليس فايدل (46 عاماً)، في بلدة صغيرة قرب شمال الراين-وستفاليا في غرب ألمانيا، لوالدٍ يعمل في البناء، ووالدة تعمل في التمريض. بعد إنهاء دراستها الثانوية، التحقت فايدل، بتخصص الاقتصاد وإدارة الأعمال، ثم واصلت مسيرتها الأكاديمية لتحصل على دكتوراه في العلاقات الاقتصادية الدولية، مركزةً اهتمامها على الصين. دفعها مسارها المهني إلى التنقل بين سويسرا وألمانيا.

أليس فايدل تجمع بين الذكاء الاجتماعي والدهاء السياسي، إذ تترأس حزباً يعادي المثليين والمهاجرين، رغم كونها مثلية وشريكتها من أصول سريلانكية

ورغم الخطاب اليميني المتشدد لحزب البديل من أجل ألمانيا، تعيش فايدل حياةً تتناقض مع شعارات حزبها، كاشفةً عن شخصية ذات ذكاء اجتماعي ودهاء سياسي لافتين. فقد تمكنت من الوصول إلى زعامة حزبٍ يعادي المثليين، بينما تعيش علناً مع شريكتها ذات الأصول السريلانكية، مدركة تماماً موقف حزبها المتشدد تجاه المهاجرين.

تعكس هذه القدرة على المناورة والتكيّف شخصيةً قياديةً حادة الذكاء واسعة الحيلة. لكن السؤال الأهم هو: كيف سيواجه المهاجرون، خاصةً من هم من أصول عربية، هذا الدهاء السياسي؟

الجحيم هو المهاجر

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الجحيم هو الآخر”، لكن في الدول الصناعية المتقدمة، كلّما تراجع الاقتصاد، تحول الشعار إلى “الجحيم هو المهاجر”. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات الألمانية، أنّ ملف اللاجئين تصدّر اهتمامات الناخبين، باعتباره المفتاح الأساسي لحلّ الأزمة الاقتصادية التي تواجهها ألمانيا.

يرى الدكتور حسام الحملاوي، الباحث المصري المتخصص في العلوم السياسية والمقيم في برلين، أنّ الانتخابات الألمانية تأتي في لحظة حرجة، حيث تواجه البلاد أزمةً اقتصاديةً متفاقمةً يُتوقّع أن تزداد حدّةً في الفترة المقبلة، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وإغلاق المصانع، وتسريح أعداد كبيرة من العمال، ما يثير قلقاً واسعاً ويدفع الناخبين إلى البحث عن حلول، وإن كانت متطرفةً.

وفي حديثه إلى رصيف22، يوضح الحملاوي: “مع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي شهراً بعد آخر، بدأ الناخب الألماني يفقد الثقة بأحزاب الوسط التقليدية، متجهاً نحو خيارات أكثر جذريةً. ومع عجز اليسار عن تقديم بديل فعّال، تحوّلت الأصوات إلى الأحزاب اليمينية، التي وجدت في المهاجرين والأجانب شمّاعةً لتعليق الأزمة الاقتصادية”.

حسام الحملاوي: ينتظر المهاجرين مستقبلٌ مظلمٌ مع الأسف. لقد فرض اليمين المتطرف أجندته على الساحة السياسية، ومن المتوقع أن نشهد ترحيلات للمهاجرين، وزيادةً في رفض طلبات اللجوء.

ووفق التقديرات، تواجه ألمانيا تهديدات جديةً تُعرّض نموذجها الاقتصادي التقليدي، الذي ازدهر منذ الحرب العالمية الثانية، لخطر التراجع. وباعتبارها أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، تعاني البلاد من ركود غير مسبوق، إذ لم تكد تتعافى من تداعيات جائحة كوفيد19، حتى وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، ما أثّر على قطاع الطاقة، حيث تعتمد ألمانيا بشكل كبير على الغاز الروسي لتشغيل عجلة إنتاجها. برغم ذلك، فإنّ اللائمة تُلقى على المهاجرين غير الشرعيين بوصفهم “عالّةً على المجتمع”، تستنزف اقتصاد البلاد.

وعن مستقبل المهاجرين غير الشرعيين، خاصةً السوريين منهم، في ظل حالة الاستقطاب الراهنة، يجيب الحملاوي: “ينتظر المهاجرين مستقبلٌ مظلمٌ مع الأسف. لقد فرض اليمين المتطرف أجندته على الساحة السياسية، ومن المتوقع أن نشهد ترحيلات للمهاجرين، وزيادةً في رفض طلبات اللجوء. أما بخصوص السوريين، فإنّ سقوط بشار الأسد أصبح حجةً لتعليق إجراءات لجوئهم، ومن المتوقع رفض طلبات إقامتهم وترحيلهم بحجة أنّ سوريا أصبحت بلداً آمناً”.

انتعاشة يسارية

تعكس نتائج الانتخابات الألمانية الحالية مشهدًا سياسياً متغيراً، فقد حصد تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي 29.52٪ من الأصوات، فيما نجح حزب البديل في الحصول على 20.8٪، ووصف المستشار السابق أولاف شولتس حصول حزبه، الديمقراطي الاجتماعي، على 16.3% من الأصوات، بأنه “هزيمة مريرة”. و استطاع حزب اليسار الحصول على 8.5% من الأصوات، ما مكّنه من دخول البرلمان.

ورغم النسبة الضئيلة التي حصل عليها حزب اليسار، يرى البعض أن دخوله إلى البرلمان يشكل مؤشراً مهماً على وجود أصوات مناهضة للخطاب اليميني السائد، تسعى إلى تنظيم نفسها والانخراط بفعالية في المشهد السياسي.

في هذا السياق، تتحدث هبة عبيد، الصحفية الألمانية من أصول فلسطينية، عن تجربتها الانتخابية لرصيف22 قائلة: “بشكل غير مباشر، عند صعود التيارات اليمينية في ألمانيا، يسود جو من التطرّف في البلاد، ما يخلق شعوراً بعدم الارتياح في العديد من المناطق. أنا أسكن في منطقة كان التصويت العام فيها لصالح الأحزاب اليسارية، وقد صوتُّ لليسار أيضاً، لكن في مناطق أخرى يمكن الشعور بتأثير التيار اليميني بشكل أوضح”.

رغم حصوله على 5% فقط، فإن دخول اليسار الألماني البرلمان إنجاز غير مسبوق، يعكس تحولاً سياسياً قد يقوده الشباب والمهاجرون مستقبلاً

وتضيف عبيد: “أنا أحمل الجنسية الألمانية، وأصولي فلسطينية سورية، وأعتقد أن التغيرات السياسية تؤثر علينا جميعاً، لكنها تؤثر بشكل أكبر على من هم حديثو اللجوء، أو من ينتظرون لمّ شمل عائلاتهم، أو من تعتمد تأشيراتهم على قرارات معينة. هؤلاء هم الفئة الأكثر تأثراً “.

وتلفت عبيد إلى أن الحزب اليساري تمكن من دخول البرلمان الألماني بعد حصوله على 5% من الأصوات المؤهلة. صحيح أن هذه نسبة صغيرة مقارنة بما حصلت عليه الأحزاب الأخرى، لكنها تمثل إنجازًا غير مسبوق لليسار الألماني، ما يشير إلى تغير في المزاج السياسي قد يلعب فيه الشباب اليساري والألمان من أصول مهاجرة دورًا أكبر في المستقبل، الأمر الذي يجعلها “لا تفقد الأمل في ألمانيا”، على حد تعبيرها.

ويتفق مع هذا الرأي حسام الحملاوي، الذي يرى أن هناك جيلاً يسارياً جديداً بدأ يتحرك وفق بوصلة مختلفة عن اليسار التقليدي المنحاز إلى السردية الصهيونية، متوقعًا أن يعزز اليسار الألماني تأثيره الاجتماعي والسياسي في المستقبل.

ثِقل معطّل 

وبرغم تصاعد الخطاب المناهض للّاجئين والمهاجرين، يظلّ الناخبون من أصول مهاجرة، خاصةً العرب، بعيدين عن دائرة التأثير السياسي، سواء بسبب ضعف الاندماج أو لانشغالهم بأولويات أخرى، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية إحداث التغيير عبر تشكيل جماعات ضغط تقوم على مصالح محددة، تتيح لهم هامشاً للتحرّك والمناورة السياسية. 

ولتحليل المشهد السياسي الراهن في ألمانيا، يوضح رضوان قاسم، مؤسس مركز “بروجن” للدراسات الإستراتيجية والعلاقات الدولية في برلين، لرصيف22، قائلاً: “لا شك أنّ هذه الانتخابات تُعدّ استثنائيةً ومليئةً بالمفاجآت، حيث شهدت مشاركة عدد غير مسبوق من الأحزاب، بلغ 41 حزباً، تمكّن 10 أحزاب منها من خوض المنافسة على المستوى الوطني. يعكس هذا التنوع حجم الانقسامات السياسية داخل المجتمع الألماني، ما يُبرز تراجع الأحزاب التقليدية وظهور تيارات سياسية جديدة”. 

ويشرح قاسم: “فمثلاً، على الرغم من الحملات الدعائية المكثفة ضد حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي تتزعمه أليس فايدل، إلا أنّ الحزب واصل تقدّمه، محتلّاً المرتبة الثانية بعد تحالف الحزب الديمقراطي المسيحي-الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وهو ما يشير إلى تصاعد التأييد الشعبي لليمين المتطرف في ألمانيا، برغم الانتقادات الواسعة التي تواجهه”.

عن سؤال لماذا لا يتمتع الناخب الألماني من أصول مهاجرة، خاصةً العربية، بتأثير قوي في الحياة السياسية؟ يجب قاسم، بأنّ سبب ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى “مستويات الاندماج المنخفضة”. فالكثير من المهاجرين لم ينخرطوا بشكل كامل في المجتمع الألماني، ما أدى إلى عزوفهم عن المشاركة السياسية، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

ويكمل: “ويظهر ذلك جلياً في ضعف نسبة التصويت بين الألمان ذوي الأصول العربية، إذ لا يشاركون بفعالية في الانتخابات البلدية أو البرلمانية، ما يضعف قدرتهم على تشكيل جماعة ضغط أو لوبي عربي مؤثر”.

أثر الخطاب اليميني المتطرف على توجهات الشباب من أصول مهاجرة، مما دفع بعضهم إلى التصويت للأحزاب اليمينية كوسيلة لإثبات انتمائهم إلى الهوية الألمانية

يشير المحلل السياسي رضوان قاسم، في حديثه إلى رصيف22، إلى نقطة مهمة للغاية، هي أنّ فئة الشباب من أصول مهاجرة تلعب دوراً سلبياً في المشاركة السياسية. فهؤلاء، مثل الشباب الألماني عموماً، يميلون إلى العزوف عن السياسة، حيث يركزون بشكل أساسي على تحقيق الاستقرار الشخصي والرفاهية، على عكس الفئات الأكبر سنّاً والتي تظهر التزاماً أكبر بالمسائل السياسية.

الأمر الأكثر خطورةً، هو أنّ الخطاب اليميني المتطرف قد أثّر بشكل كبير على توجهات الشباب من أصول مهاجرة، حيث يُلقي هذا التيار باللوم على المهاجرين في المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد. وقد دفع هذا الخطاب بعض الألمان من أصول مهاجرة إلى الاقتراب من الأحزاب اليمينية المتطرفة والتصويت لها، في محاولة لإثبات “ألمانيتهم” ووطنيتهم.

وفي ختام مداخلته، يلفت قاسم، إلى أنّ المخاوف الاقتصادية تلعب دوراً حاسماً، حيث لا يتردد بعض الشباب من أصول عربية في دعم أحزاب يمينية، إذا رأوا أنّ سياساتها ستفيد الاقتصاد الوطني، حتى لو كانت تلك الأحزاب تتبنى مواقف معاديةً للهجرة والمهاجرين.

دانا الشيخ

موقع رصيف 22




كيف ومتى أصبحت جيبوتي مفتاح النفوذ السعودي في إفريقيا؟

في السنوات الأخيرة، شهدت السياسة الخارجية السعودية تحوّلاً كبيراً، مدفوعاً برؤية المملكة 2030، التي أعلنها وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، في تشرين الأول/ أكتوبر2017، وتقوم على فكرة محورية تتمثل في بناء دولة قوية مزدهرة، تتجاوز حدود الاعتماد على عوائد تصدير النفط، إدراكاً منه أنّ ذلك سوف يبقي عليها كدولة ريعية، ويهدد اقتصادها بتقلّبات مستمرّة. لذا تبنّت رؤيةً تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مكانة السعودية كقوة إقليمية مؤثرة. 

انعكس هذا التحوّل في توجّه المملكة نحو إفريقيا، حيث شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول القارة الإفريقية، تطوّراً نوعياً خلال العقد الأخير، لتتجاوز ملفات العون الاقتصادي والمساعدات الإنسانية، بالتزامن مع مجموعة من المتغيرات، أهمها احتدام المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية، لضمان وتعظيم مصالحها الوطنية في القارة، وتنامي أنشطة الإرهاب والهجرة غير المشروعة والجريمة المنظّمة فيها، ورغبة المملكة في تنويع خريطة شركائها الخارجيين، وتقليل الاعتماد على الغرب، والاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية للقارّة، وتبرز جيبوتي كإحدى المحطات الأساسية لهذه الإستراتيجية، نظراً إلى موقعها الجغرافي الحيوي على مضيق باب المندب، وأهميتها في التوازنات الإقليمية، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

العلاقات التاريخية بين السعودية وجيبوتي

تعود جذور العلاقات بين السعودية وجيبوتي، إلى العقود الأولى لاستقلال الأخيرة، حيث كانت المملكة من أوائل الدول التي اعترفت رسمياً بها كدولة ذات سيادة، وافتتحت قنصليتها فيها عام 1976، أي قبل الاستقلال الرسمي عن فرنسا، ثم تحولت القنصلية إلى سفارة في عام 1977، ما يعكس اهتمام المملكة بتعزيز وجودها الدبلوماسي في هذه الدولة ذات الأهمية الإستراتيجية. في المقابل، كانت سفارة جيبوتي في السعودية، من أولى السفارات (الجيبوتية) التي افتُتحت في جميع أنحاء العالم.

سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، لتوقيع اتفاقية عسكرية ودفاعية في عام 2017 مع جيبوتي، لإنشاء قاعدة عسكرية هناك لردع إيران، ولتكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، ولفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية

يمكن وصف العلاقات الثنائية بالاسقرار -نسبياً- وقد شهدت جوانب عديدة من التقارب، حيث دعمت جيبوتي العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، عام 2015، وخفّضت على إثر هذا الدعم علاقتها بقطر في أعقاب الخلاف الدبلوماسي بين الأخيرة والكتلة التي تقودها السعودية، ما أدّى إلى سحب قطر قوات حفظ السلام التابعة لها، وتخلّيها عن دورها كوسيط بين إريتريا وجيبوتي في حزيران/ يونيو 2017. وسرعان ما تولّت السعودية دور الوسيط في النزاع، بدلاً من قطر، إلى أن حُلّ في 2018.

أما على الجانب الأمني، ففي عام 2016، وعندما أجرت السعودية مناورات “رعد الشمال“، التي تُعدّ من أكبر الأحداث العسكرية في العالم، من حيث عدد الدول المشاركة، واتّساع منطقة المناورات، والعتاد العسكري المتقدم، من أسلحة ومعدّات عسكرية نوعية، كانت جيبوتي من المشاركين فيها إلى جانب 19 دولةً أخرى.

وعلى الجانب التنموي قدمت السعودية حتى الآن مساعدات لجيبوتي بقيمة تفوق 370 مليون دولار، تنوعت بين تطوير للبنى التحتية والتعليم والصحة ومشروعات أخرى.

أهمية جيبوتي في الاستراتيجية السعودية

تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، لا سيما في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية مثل القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، حيث الدولة الإفريقية موقعًا استراتيجيًا على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة العالمية والذي يحصد المرتبة الثالثة عالمياً، قياساً بدوره فى خدمة التجارة العالمية، بعد مضيقى هرمز وملقا، ما يجعلها نقطة محورية في التوازنات الإقليمية. وتسعى المملكة العربية السعودية في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات.

رغم التنافس بين إيران السعودية، لكن ميزان العلاقات الرسمية مال لصالح المملكة، التي دعمت جيبوتي بما يزيد عن 370 مليون دولار لتمويل مشاريع تنموية وبنى تحتية.

وفقًا لهذة الرؤية وطبقًا لموقع جيبوتي قررت السعودية إنشاء مركز لوجستي في المنطقة الحرة بجيبوتي، وهو ما أحدث تطور في جهود المملكة العربية السعودية لتوسيع العلاقات التجارية مع أفريقيا، فإن المدينة اللوجستية السعودية ستغطي مساحة 120 ألف متر مربع في المرحلة الأولى بعقد إيجار مدته 92 عامًا، وستشمل تلك المنطقة مستودعات ومرافق تجارية ومعرضًا للصناعات السعودية، لتكون المنطقة مركزاً للصادرات في جميع أنحاء أفريقيا.

ومن المتوقع أن يزداد حجم التجارة السعودية الجيبوتية مع توجه المملكة لإقامة خطوط بحرية وبرية وجوية مباشرة مع جيبوتي، حيث ستكون الخطوط الملاحية بين موانئ جيبوتى وجدة وجازان، بالإضافة لتسيير رحلات منتظمة ومباشرة من المملكة العربية السعودية إلى جيبوتي اعتباراً من بداية عام 2025. 

هذا بجانب تعزيز التعاون الأمني والعسكري لضمان الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، حيث أن أهمية جيبوتي بالنسبة للسعودية تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ إنها تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية يمكن من خلالها التأثير على الديناميكيات الإقليمية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، كما أن التقارب الجيبوتي-السعودي يعكس أيضًا أبعادًا سياسية وأمنية نظرًا لموقعها والذي يقع على مقربة من الطرف الغربي من المحيط الهندي، خصوصًا مع تنامي التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة والقرصنة البحرية والتي اشتهرت بها تلك البقعة، بالإضافة لبعدها عن اليمن (معقل الحوثيين والذي يمثل التهديد الأكبر للسعودية ) بمسافة 20 ميلًا، والذي يقودنا إلى التنافس السعودي الإيراني وانعكاساته على العلاقات مع جيبوتي.

فالعلاقات السعودية والإيرانية في جيبوتي تعكس التنافس الإقليمي بين البلدين في منطقة القرن الأفريقي، حيث تسعى كل من الرياض وطهران لتعزيز نفوذهما في جيبوتي.

تنافس إيراني قرب المضيق

على الرغم من أن إيران من بين أوائل الدول الإسلامية التي بادرت بالاعتراف بدولة جيبوتي كما هو الحال مع السعودية، وعلى الرغم من تشابه الدوافع لدى الدولتين للوجود في جيبوتي، إلا أن العلاقات الجيبوتية الإيرانية لم تتسم بالاستقرار، وكان الميزان الرسمي -إن صح التعبير- مائلاً لجهة السعودية عن إيران.

فمن الجانب التنموي والإنساني فتستخدم الرياض المساعدات والاستثمارات لكسب تأييد جيبوتي حيث قدمت المملكة دعماً اقتصادياً في تمويل مشاريع البنية التحتية مثل الموانئ والطرق، بينما تواجه إيران صعوبات في مواكبة هذا الدعم بسبب عزلتها الدولية.

ومن الناحية الدينية تحاول إيران نشر نفوذها الأيديولوجي في بعض دول القرن الأفريقي كما تفعل في الغرب الإفريقي، حيث قامت بافتتاح عدداً من المراكز الشيعية في جيبوتي والذي يعد من أهمهم “مركز أهل البيت” وذلك خلال عام 2014، ولكن لم يظهر أثر هذا التحرك بأرقام رسمية، وتظل جيبوتي أقرب إلى النهج السني والذي تتبعه السعودية وتدعمه ببناء مساجد وفتح مدارس قرآنية. 

 أما دبلوماسياً وكما ذكر سلفاً، فعلى الرغم من أن السعودية وإيران كانتا من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جيبوتي، إلا أن العلاقات ظلت مستقرة مع السعودية، بل ودعمتها جيبوتي بأن قطعت علاقاتها الدبلومسية مع إيران في عام 2016 تضامناً معها إثر الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، وبعد المصالحة بين السعودية وإيران في آذار/ مارس 2023، أعادت جيبوتي العلاقات الدبلوماسية مع إيران في أيلول/ سبتمبر من نفس العام.

تسعى المملكة في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية، وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات. لذا تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب

عسكرياً، وصل التعاون العسكري في 2011 بين طهران وجيبوتي، محطته الأهم، حيث تم إبرام اتفاقيات تعاون في مجال تقديم الدعم العسكري الإيراني البحري إلى جيبوتي، يقضي بموجبه أن تقدم طهران مساعدات لقوات البحرية الجيبوتية في عديد من المجالات، من بينها التدريب وتطوير المعدات العسكرية، إلا أن دعم جيبوتي لجبهة السعودية لاحقاً في عملية “عاصفة الحزم”، والذي تلاه قطع العلاقات الدبلوماسية حال بين استكمال هذا التعاون.

ولكن إيران دائماً ما حاولت -حتى على المستوى غير الرسمي- التواجد في جيبوتي بطرق مختلفة، حيث تم رصد محاولات لشركات تتبع الحرس الثوري الإيراني للتغلغل في موانئ جيبوتي، تحت أسماء شركات تجارية، وذلك لكون جيبوتي من أقرب النقاط إلى خليج هرمز، والذي يشكل جزءاً من الأمن القومي الإيراني، بالإضافة إلى ما يقدّمه التواجد الإيراني في ساحل الشرق الإفريقي من تسهيلات لعملية تهريب السلاح إلى الحوثيين في اليمن، ما يعزز قدرتها على إمكانية تهديد الأمن القومي الإسرائيلي والخليجي عامة والسعودي خاصة، وعلى الملاحة الدولية بشكل عام.

لذلك سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، وخططت لإنشاء قاعدة عسكرية سعودية في جيبوتي لضمان أمن المنطقة ومصالحها الاستراتيجية، ووقّعت في عام 2017 اتفاقية عسكرية ودفاعية مع جيبوتي لإنشاء قاعدة عسكرية في البلاد، لتعزيز الوجود العسكري في جيبوتي لردع إيران وليكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، وفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية.

بعد توقيع تلك الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون هذه القاعدة مشتركة (مصرية-سعودية) باعتبارها عمقاً استراتيجياً مصرياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، خاصة أن العلاقات المصرية السعودية كانت تمر بخلافات في تلك الفترة.

بعد توقيع الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون القاعدة العسكرية (مصرية-سعودية) مشتركة، باعتبارها عمقاً استراتيجياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، وانتهى الحال بعدم إنشائها.

انتهى الحال بعدم إنشاء القاعدة العسكرية في جيبوتي، لأسباب لم يتم الإعلان عنها من الطرفين، ربما كان ذلك وفق رؤية السعودية الجديدة والتي تصبو لتعزيز الجانب الاقتصادي على الجانب العسكري عن طريق إنشاء المنطقة اللوجيستية، خاصة بعد التغييرات الإقليمية الممتابعة، كعودة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2024، والذي امتد إلى استهداف أذرع إيران في الوطن العربي، كإضعاف حزب الله اللبناني والقضاء على قياداته، ثم القضاء على نظام الأسد في سوريا، كل تلك المتغيرات عززت من قوة السعودية في المنطقة وفي المقابل أضعفت نفوذ إيران نسبيًا.

مستقبل العلاقات ومدى نجاحها

في ظل التوجه السعودي نحو تعزيز نفوذها في إفريقيا، وفي ظل المتغيرات العالمية والإقليمية وخاصة في الشرق الأوسط فمن المتوقع أن تشهد العلاقات بين السعودية وجيبوتي مزيدًا من التطور في السنوات المقبلة، خاصة في مجالات الأمن، والطاقة، والتجارة، ومع ذلك، تواجه هذه العلاقة بعض التحديات، أبرزها: التنافس الإقليمي والدولي، حيث تسعى قوى كبرى أخرى لتعزيز نفوذها في جيبوتي مثل الصين والولايات المتحدة والذين يمتلكون بالفعل قواعد عسكرية كبيرة هناك.

في المجمل، تمثل جيبوتي عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية السعودية تجاه إفريقيا، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز شراكتها مع جيبوتي في مختلف المجالات، بما يحقق المصالح المشتركة لكلا البلدين.

نعمة نجيب

موقع رصيف 22




لماذا تخشى إسرائيل حلول رمضان.. خصوصاً في المسجد الأقصى؟

سيبدأ شهر رمضان غالباً مطلع آذار وسينتهي في 29 آذار. ابتداء من سنوات الثمانينيات المتأخرة من القرن الماضي مع انتشار الثورة الإسلامية في إيران وصعود نجم منظمات الإرهاب الإسلامية في مناطق الضفة وقطاع غزة، أصبح شهر رمضان حساساً ومتفجراً على نحو خاص.
إن توقع الأحداث في أثناء الشهر تقض مضاجع كل قادة الجيش والشرطة، فقد تقرر أنه شهر يحمل موعداً تقع فيه أحداث إرهاب وأعمال إخلال كثيرة بالنظام مقارنة بباقي أشهر السنة.
المسائل الحزبية والسياسية تبرز في هذا الشهر. الشباب المسلم الذي يؤم المساجد في أثناء الشهر، يحرصون على الصلاة ويستمعون إلى المواعظ الدينية. وهذه بالطبع، لا تعنى فقط بأمور الدين والأخلاق، بل تتناول أيضاً الوضع المزعوم للمسلمين في الشرق الأوسط وفي العالم ولأحداث واقعية.
الواعظون في المساجد يعرضون بكلمات مبطنة الظلم المزعوم الذي يحيقه الصهاينة والاحتلال الإسرائيلي، بتدنيس الأماكن المقدسة والأفعال الإجرامية المزعومة لدولة إسرائيل.
يمكن للموعظة أحياناً أن تعنى بفريضة الجهاد الإسلامي دون الإشارة إليها صراحة وما هو معناها: ماذا تتضمن؟ أين تنطبق؟ ضد من؟ ومن هم الكفار الذين يجب أن تمارس عليهم هذه الفريضة؟
يرى المسلمون في المسجد الأقصى أحد الأماكن المقدسة للمسلمين (رغم النقاش الديني حول مكانه الدقيق) وعليه فإن الصلاة في المسجد الأقصى أمر عظيم في رمضان. حساسية القدس كعاصمة إسرائيل تتعاظم هذا الشهر، وقوات الأمن تعزز فيه وجودها، ولا سيما في البلدة القديمة.
التواجد المعزز، والاحتكاك بقوات الأمن والتعرض لأعمال منع الإخلال بالنظام والإرهاب، يعتبر استفزازاً للمؤمنين وهي التي تشعل الخواطر وتتسبب بإشعال المواجهات.
يرى الفلسطينيون أن الاستيلاء على المسجد الأقصى يقع على رأس رموز الاحتلال، وعليهم حمايته من كل شر ويمنعوا المس به.
الأعمال الإسرائيلية في الحرم ودخول المستوطنين إليه، تعتبر استفزازاً للإسلام وتدنيساً لقدسيته. هجمة حماس في 7 أكتوبر تسميها حماس “طوفان الأقصى” وذلك في محاولة لتوحيد كل المسلمين ضد إسرائيل وعرض الهجمة كفريضة وواجب ديني عقب أفعال إسرائيل الكافرة وأفعالها الإجرامية المزعومة.
إن إحساس عدم الراحة عظيم في أن المكان أصبح ساحة إخلال بالنظام عنيفة، ومركزاً للصدام السياسي والأمني. لهذا السبب، أصبح منطقة خطيرة، ومن يتوجه للصلاة فيه سيصاب بالأذى هناك.

شالوم أربيل

صحيفة معاريف العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




صحيفة عبرية: لا يسار في إسرائيل بل 50 نوعاً من اليمين.. وبينيت ينافس نتنياهو في الفاشية

نفتالي بينيت، صاحب قول “شوكة في المؤخرة”، أصبح هذا الأسبوع النجم المناوب للمعسكر الديمقراطي – الليبرالي في إسرائيل، أو على الأقل هكذا يظهر الأمر من الدعم الكبير الذي حصل عليه فيلمه الأخير الذي نشره. في هذا الفيلم، أعلن بينيت عن مواقفه المتشددة مرة أخرى ضد إقامة الدولة الفلسطينية أو أي فكرة لنقل أراض للفلسطينيين، مع التأكيد على أن هذه المواقف “لم تتغير، بل تشددت”. للوهلة الأولى، لا جديد يثير الاهتمام. بعد ذلك، يضيف بينيت الجملة الرئيسية التي أغضبت كثيرين في الدوائر الليبرالية: “التحريض والكراهية تجاه اليساريين ليس هو ما يميز من هو يميني، هؤلاء ليسوا من اليمين”. بالضبط، هو إعداد للقلوب، عائلة من الإخوة والأخوات. الانفعال والتأثر في المعسكر الليبرالي، وكأن الأمر يتعلق بمشهد هزلي لحانوخ ليفين.

الانفعال في أعقاب فيلم بينيت، يكشف بشكل مؤلم ومحبط الضعف الأولي الذي يعاني منه ما يسمى بالوسط الليبرالي واليسار في عهد الضياع الأيديولوجي. الفيلم يؤكد على مواقفه الفاشية ضد الفلسطينيين، وهي مواقف تقوض حقهم الأساسي في الاستقلال وتقرير المصير. وهي مواقف كان يجب على هذا المعسكر معارضتها بشدة وشراسة، وكأنهم لم يتعلموا في السنة والنصف الأخيرة بأن إدارة النزاع بهذه الصورة أدت إلى أحداث 7 أكتوبر. الفاشية في إسرائيل لا تمنع الليبراليين من التسلي مع اليمين الرخو. الحقيقة أنه يكفي ألا يحرض يميني ضد اليسار كي يحتضنه الأخير كبديل محتمل. وكأن الأمر يتعلق بالمسيح المخلص. في نهاية المطاف، الدائرة الليبرالية في إسرائيل مستعدة لقبول مبادئ اليمين ما لم تضره هو نفسه بشكل مباشر.

لكن اليسار نسي حقيقة بسيطة، وهي أنه ما دام  قمع الفلسطينيين هو ما يحرك بينيت فلا مبرر للإمساك بيده، حتى لو كان يلف نفسه بأقوال معتدلة.

لكن الفلسطينيين لا يهمون أحداً في إسرائيل. من الجدير التركيز للحظة على المنطق الليبرالي – أو غيابه – كي نعرف عمق الأزمة. بينيت لم يكلف نفسه عناء طرح موقف واضح من قضايا مبدئية، التي هي جوهر المعسكر الليبرالي: صفقة إعادة المخطوفين، وإنهاء الحرب، والانقلاب النظامي. وإذا تبنينا مقاربة أكثر مباشرة: كيف لا بينيت موقف واضح في مثل هذا الوضع؟ أراهن بأنه يؤيد أجزاء من الانقلاب، وهو ضد الصفقة.

بينيت ليس أقل خطورة من نتنياهو، لأنه ينجح في إخفاء مواقفه المتطرفة وراء ستار “الوحدة”. قول “أنا لست ضد المتظاهرين في كابلان” و”أن تكره اليسار ليس موقفاً يمينياً”، لم تستهدف التأكيد على الاختلاف الأيديولوجي، بل لخلق ربط شعبوي حول الفلسطينيين كعدو. يتم نقل رسائل اليمين المتطرفة وهي مغلفة بغطاء “الوحدة”. مع ذلك، يدور الحديث عن شخص جلب اييلت شكيد، ووصل عنف المستوطنين والجيش في ولايته إلى ذروة غير مسبوقة، هذا هو “فارس العقلانية”.

الجديد أنه لا يوجد في إسرائيل يسار، بل خمسون نوعاً من اليمين.

حنين مجادلة

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي