1

لوفيغارو: إطلاق البيت الأبيض مفاوضات مع الكرملين بشأن أوكرانيا دون إشراك الأوروبيين يؤكّد أن ديغول كان محقاً بخصوص أمريكا

تحت عنوان “لقد كان الجنرال ديغول على حق تماما!”، قال رينو جيرار، الصحافي المخضرم بصحيفة لوفيغارو الفرنسية، في مقال رأيه، إن الولايات المتحدة الأمريكية أوضحت للتو بكل صراحة للأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، مُذَكِّراً بأن الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول أدرك في عصره أن أمريكا لن تمنح الأوروبيين أبداً ضمانات أبدية.

وأضاف الصحافي في لوفيغارو القول إنه مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تشهد أمريكا تحولاً استراتيجياً، بدأ تصوره لأول مرة في عام 2011. في ذلك الوقت، تحدث الرئيس باراك أوباما بلطف عن “التوجه نحو آسيا”.

 واليوم تشرح بصراحة لشركائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي أن الأمر متروك لهم لضمان أمن قارتهم ضد الروس، لأنها تريد تركيز جهودها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. والأسوأ من ذلك أن البيت الأبيض أطلق مفاوضات مع الكرملين بشأن الحرب في أوكرانيا، من دون إشراك العواصم الأوروبية.

باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا

وهذا أكثر قسوة بالنسبة للأوروبيين، لأنهم، بناء على طلب واشنطن، قدموا تضحيات كبيرة لتعزيز قضية أوكرانيا، التي تعرضت لهجوم من روسيا في فبراير/شباط 2022. وتوقفوا عن شراء الغاز الروسي للحفاظ على استمرار صناعاتهم، ولجأوا إلى الغاز الصخري الأمريكي، وهو أغلى بثلاث مرات. كما قاموا بتمويل الميزانيات العسكرية والمدنية لأوكرانيا بما يصل إلى 100 مليار يورو. وأيضا سحبوا شركاتهم الكبرى من روسيا، التي اضطرت إلى بيع معظم أصولها بخسارة. وباستثناء الفرنسيين، بدأ الأوروبيون في مضاعفة مشترياتهم من صناعة الأسلحة الأمريكية، يُشير رينو جيرار.

في مفاجأة غريبة من الموقف الذي ظهر بوضوح في حملة دونالد ترامب، سارع زعماء القوى العسكرية الأوروبية الرئيسية (بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، الدنمارك) إلى باريس في 17 فبراير/شباط 2025. وكان برفقتهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ورئيسا المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

لكن لماذا باريس؟ ولماذا لا تكون بروكسل، حيث يقع مقر الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟ حسناً، لأن باريس، منذ شارل ديغول، كانت مقراً لفكر استراتيجي فريد من نوعه في أوروبا: وهو أن من المخاطرة بمكان أن نعهد بأمننا إلى أمريكا، حتى لو كانت صديقتنا أو حليفتنا؛ ينبغي علينا أن نعمل على تطوير الوسائل العسكرية والاقتصادية اللازمة لاستقلالنا، يُذكِّرُ الصحافي بلوفيعارو.

لقد أدرك الرئيس ديغول أن أمريكا لا تستطيع أبداً أن تقدم للأوروبيين ضمانات أبدية ثابتة. لأنها مثل أي قوة عظمى، تسعى إلى تحقيق سياسة مصالحها، المتجذرة في جغرافيتها، وتاريخها، وديموغرافيتها، واقتصادها. ومن الواضح أن الديمقراطية الأمريكية تخضع لتغيرات في استراتيجيتها، اعتماداً على الرغبات المعبر عنها من جانب الرأي العام. وباعتباره ضابطاً شاباً، شهد شارل ديغول انخراط أمريكا، في عام 1917، مع الديمقراطيات الأوروبية في مكافحة العسكرة الألمانية، يتابع الكاتب.

لقد رأى رئيسها وودرو ويلسون يصل إلى باريس بعد شهر من هدنة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، حيث استقبل هناك استقبالاً منتصراً، وبقي هناك سبعة أشهر، حتى يونيو/حزيران 1920، للتفاوض على معاهدة السلام التي كانت ستضع حداً نهائياً للحروب في أوروبا. وقّع ويلسون معاهدة فرساي، وهو العمل الذي أدى إلى نزع سلاح الألمان، ولكنه فجأة مرض ولم يتمكن من الحصول على التصديق عليها من قبل مجلس الشيوخ.. لتودّع فرنسا الضمانات الأمنية الأمريكية. وكان كليمنصو قد استدعاهم ليشرح للمارشال فوش أنه ليس من الضروري أن يذهب الحلفاء إلى برلين لتدمير العسكرية الألمانية مرة واحدة وإلى الأبد.

إن النتيجة الحزينة لهذا السيناريو معروفة جيداً، – يواصل رينو جيرار: فقد مولت البنوك الأمريكية إعادة تسليح ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم أمرت واشنطن باريس بعدم التحرك عندما أعاد هتلر تسليح منطقة الراينلاند في مارس/آذار 1936، في انتهاك صارخ لمعاهدة فرساي. عندما زحفت الفرق النازية نحو باريس في مايو/أيار 1940، ودعا الرئيس بول رينو أمريكا طلبا للمساعدة، أجابت أمريكا الفرنسيين: “رتبوا الأمر!” . ولم تبدأ أمريكا في التحرك إلا بعد الهجوم الياباني في المحيط الهادئ وإعلان هتلر الحرب في ديسمبر/كانون الأول عام 1941. وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تحرير أوروبا الغربية، وتمويل إعادة إعمارها، مع حمايتها من شهية ستالين.

من خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة.

وبعد أن عاش ديغول إهانة هزيمة عام 1940، قال لنفسه بحق: “لن يتكرر هذا أبدا!”. وبعد عودته إلى السلطة في عام 1958، عمل على تطوير قوة ردع نووية مستقلة. في عام 1966، انسحبت فرنسا من المنظمة العسكرية المتكاملة لحلف شمال الأطلسي (مع بقائها في التحالف الأطلسي)، معتقدة أن الجيوش الفرنسية يجب أن تطيع الجنرالات الفرنسيين فقط.

ومن خلال رفضه أن يكون “كلب أمريكا”، نجح ديغول في كسب احترامها، وفي معاملته على قدم المساواة. في فبراير/شباط 1969، كانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الأمريكي الجديد إلى ديغول. باريس هي أيضا عاصمة الدولة التي تجرأت في عام 2003 على معارضة المغامرة العسكرية الأنجلوساكسونية السخيفة في العراق، حيث انضم إليها البولنديون والدنمركيون والبلطيون والنرويجيون والرومانيون والبلغار والأوكرانيون والجورجيون وغيرهم، مثل الكلاب الضالة، يشير رينو جيرار دائما.

لقد أصبحت باريس أخيرا المكان الذي تم فيه اختراع مفهوم الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي، الذي دافع عنها مراراً الرئيس إيمانويل ماكرون دون جدوى أمام شركائه الأوروبيين، ولم يتلق في المقابل سوى ابتسامات مهذبة. في عام 2021، أوضح رئيس الوزراء الدنماركي الحالي لمستشار ماكرون أن كوبنهاغن ستشعر دائمًا بأنها أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس… وكان لدى إيمانويل ماكرون رد فعل جيد في تنظيم قمة الإليزيه في 17 فبراير/شباط 2025. لن يتم بناء الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بين عشية وضحاها. وسيتم ذلك من خلال صناعة دفاع أوروبية بحتة. وسيتطلب هذا الأمر إعادة تسليح أخلاقي، وربما إعادة العمل بالخدمة العسكرية. لكن هناك أمر واحد مؤكد: كلما زادت هذه الاستقلالية، قل تذمرنا لواشنطن، وزاد احترام أمريكا لنا؛ وستكون علاقتنا أفضل مع من يبقى، لأسباب ثقافية وتاريخية، حليفنا القديم للقلب، يقول رينو جيرار.

رينو جيرار

صحيفة لوفيغارو الفرنسية

ترجمة صحيفة القدس العربي




هل ستصبح أوكرانيا فيتنام ترامب كما تحمل نيكسون وكيسنجر مسؤولية سقوط سايغون؟

تساءل ويليام ماغيرن في صحيفة “وول ستريت جورنال” عن إمكانية تحول أوكرانيا إلى فيتنام ترامب. وأشار إلى أن هنري كيسنجر فاز بجائزة نوبل للسلام، ولكن سايغون سقطت في يد قوات فيتنام الشمالية.

وأشار الكاتب إلى لقاء أجري مع ستيفن بانون، المنظر الإستراتيجي لدونالد ترامب في ولايته الأولى، قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، وقال فيه إن أوكرانيا ستتحول إلى فيتنام ترامب، وهو محق في تفكيره، ولكن ليس للأسباب التي يفكر بها. وقال بانون إن خطأ الرئيس هو فشله في تحقيق قطيعة كاملة مع كييف، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه ريتشارد نيكسون الذي تورط في الحرب بفيتنام، وحوّلها من حرب الرئيس ليندون جونسون إلى حربه الخاصة.

ويرى الكاتب أن الواقع هو العكس، فقد زعم ترامب في حملته الانتخابية بأنه رجل الصفقات القادر على التفاوض وتحقيق اتفاق من شأنه أن ينهي المذبحة في أوكرانيا. وإذا فعل ذلك وفشلت الصفقة في النهاية، بمعنى أن فلاديمير بوتين استأنف عدوانه، فستكون وصمة عار هائلة في ميراثه السياسي.

ورأى الكاتب أن إدارة ترامب ترسل رسائل متضاربة بشأن الحرب في أوكرانيا. فقد تراجع نائب الرئيس جيه دي فانس عن تعليقات وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن عضوية أوكرانيا في حلف الناتو لم تعد محلا للنقاش، وكذلك العودة إلى حدود ما قبل 2014. وأضاف مبعوث الرئيس إلى أوكرانيا، كيث كيلوغ، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الأوكرانيين سيكونون على طاولة المفاوضات، لكن الأوروبيين لن يفعلوا ذلك.

وفي الوقت نفسه، تم استبعاد أوكرانيا من المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا التي تجرى اليوم الثلاثاء في العاصمة السعودية الرياض.

وبينما يفكر في خياراته، ربما كان من الأفضل لترامب لو استمع إلى نقاش دار بين رئيس جمهوري آخر ووزير خارجيته. كان التاريخ هو 3 آب/ أغسطس 1972، عندما أخبر هنري كيسنجر، الرئيس نيكسون أنه يعتقد أن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام مع حكومة فيتنام الشمالية كانت 50/50.

وكان ضمان الأمن آنذاك، كما هو الحال الآن، يشكل مصدر قلق بالغ. وكذا الخوف هو أن تستأنف فيتنام الشمالية الحرب بعد رحيل القوات الأمريكية. وسأل نيكسون كيسنجر: ماذا سيحدث إذا انتظرت هانوي لفترة ثم ابتلعت جنوب فيتنام؟ وأجاب كيسنجر: “إذا ابتلعت شمال فيتنام الجنوب بعد عام أو عامين من الآن، فسوف نتمكن من تبني سياسة خارجية قابلة للتطبيق إذا بدا الأمر وكأنها نتيجة لعدم كفاءة  جنوب فيتنام”.

إلا أنه أوضح بعد لحظات قائلا: “لذا يتعين علينا أن نجد صيغة ما تبقي الأمور متماسكة لمدة عام أو عامين، وبعد عام يا سيدي الرئيس ستصبح فيتنام منطقة راكدة. وإذا تمكنا من تسوية الأمر، لنقل في تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام، فلن يكترث أحد بحلول كانون الثاني/يناير 1974”.

لقد شعر نيكسون ببعض الآلام الأخلاقية فيما يتصل بما قد يتفقان عليه: “فيتنام، لابد أن أقول… يا إلهي، لقد قاتلوا لفترة طويلة، وماتوا، والآن… لا أدري”.

وأصبحت هذه المحادثة الأساس لاتهام نيكسون وكيسنجر بأنهما كانا يعتقدان سرا أن حكومة سايغون لا تستطيع الصمود بعد الانسحاب الأمريكي. وعلى هذا، فإن ما كانا يسعيان إليه حقا هو “فترة زمنية مناسبة” بين الانسحاب الأمريكي وانهيار جنوب فيتنام. وبعد أقل من ستة أشهر من تلك المحادثة، وقّعت اتفاقية باريس للسلام في 27 كانون الثاني/ يناير 1973. وكانت صفقة فرضت على رئيس جنوب فيتنام نيغويون فان ثيون. ومورس ضغط شديد عليه، إلا أنه قاتل الاتفاق بشجاعة وبشكل أغضب نيكسون.

وربما كانت النقطة الخلافية الرئيسية تلك التي سُمح فيها لقوات فيتنام الشمالية بالبقاء في الجنوب، كما يبدو الآن من بقاء القوات الروسية في  أوكرانيا كجزء من الصفقة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبعد تسعة أشهر من الاتفاقية، حصل كيسنجر مع الزعيم الشمالي الفيتنامي لي ديوس ثو على جائزة نوبل للسلام، مع أن ثو رفضها. وفي 30 نيسان/ أبريل 1975 تقدمت الدبابات وقوات شمال فيتنام نحو سايغون، ولم تعد حكومة الجنوب قائمة بعد  ذلك. وفي اليوم التالي، حاول كيسنجر إعادة الجائزة لكن لجنتها رفضت أخذها.

طبعا هناك خلافات كبيرة بين أمريكا وأوكرانيا، فخلافا لفيتنام، لم ترسل الولايات المتحدة قوات للدفاع عن كييف. وهناك سبب آخر يتمثل في صمود الأوكرانيين. فقد كان من المتوقع أن تسقط كييف في غضون عشرة أيام من غزو بوتين، ولكن الأوكرانيين فاجأوا العالم عندما منعوا سقوط عاصمتهم. وعليه، فمن الصعب أن نصدق أن أوكرانيا سوف تستسلم إذا فشلت اتفاقية السلام التي سيبرمها ترامب. وفي الوقت الذي لا تقوم اتفاقيات السلام على خطأ متأصل، لكن المشكلة هي في الضمانات الأمنية التي تحتوي عليها.

ومن منظور إرثه الخاص، فإن أهم الأمور التي سيعترض عليها بوتين هي تلك التي تضمن السلام. والمشكلة ليست في إقناع الزعيم الروسي بالجلوس على طاولة المفاوضات، بل في إقناعه باحترام الاتفاق.

ومر الأوكرانيون بهذه التجربة من قبل، وكان من المفترض أن يعيد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مينسك عام 2015 السلام، لكنه لم يتضمن أي عواقب وخيمة للعدوان الروسي. وبموجب مذكرة بودابست لعام 1994، تخلى الأوكرانيون عن الرادع الفعال الوحيد الذي كانوا يمتلكونه: أسلحتهم النووية. حتى أن بيل كلينتون يدرك الآن أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو كانت لا تزال تمتلك أسلحتها النووية.

وربما استطاع ترامب التفاوض على صفقة قوية تحافظ على أوكرانيا “المزدهرة ذات السيادة”. ولكن هناك أوجه تشابه مثيرة للقلق بين المحادثات الأمريكية الروسية هذا الأسبوع في الرياض والتي تستبعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية التي أجريت خلف ظهر ثيو. وسوف يفعل ترامب جيدا إذا تذكر: “إذا انتهت هذه الصفقة بكارثة، فسيتحمل مسؤوليتها”.

ويليام ماغيرن

صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة ابراهيم در