1

ساعات الأسد الأخيرة في سوريا.. خداع ويأس وهروب

 لم يطلع بشار الأسد أحدا تقريبا على خططه للفرار من سوريا عندما كان حكمه يتداعى، بل تم خداع مساعديه ومسؤولي حكومته وحتى أقاربه أو لم يتم إعلامهم بالأمر على الإطلاق، وذلك بحسب ما قاله أكثر من 10 أشخاص على دراية بالأحداث لرويترز.

فقد أكد الأسد، قبل ساعات من هروبه إلى موسكو، لنحو 30 من قادة الجيش والأمن في وزارة الدفاع في اجتماع يوم السبت أن الدعم العسكري الروسي قادم في الطريق وحث القوات البرية على الصمود، وفقا لقائد حضر الاجتماع وطلب عدم الكشف عن هويته.

ولم يكن الموظفون المدنيون على علم بشيء أيضا.

فقد قال مساعد من دائرته المقربة إن الأسد أبلغ مدير مكتبه يوم السبت عندما انتهى من عمله بأنه سيعود إلى المنزل ولكنه توجه بدلا من ذلك إلى المطار.

اتصل الأسد بمستشارته الإعلامية بثينة شعبان وطلب منها الحضور إلى منزله لكتابة كلمة له… وعندما وصلت لم يكن هناك أحد

وأضاف المساعد أن الأسد اتصل أيضا بمستشارته الإعلامية بثينة شعبان وطلب منها الحضور إلى منزله لكتابة كلمة له. وعندما وصلت، لم يكن هناك أحد.

وقال نديم حوري المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي وهي مؤسسة بحثية إقليمية “لم يبد الأسد أي مقاومة. ولم يحشد قواته. لقد ترك أنصاره يواجهون مصيرهم بأنفسهم”.

ولم تتمكن رويترز من الاتصال بالأسد في موسكو التي منحته حق اللجوء السياسي. وتظهر المقابلات التي أجريت مع 14 شخصا مطلعين على الأيام والساعات الأخيرة التي قضاها الأسد في السلطة صورة لزعيم يبحث عن مساعدة خارجية لتمديد حكمه الذي دام 24 عاما قبل أن يعتمد على الخداع والسرية للتخطيط لخروجه من سوريا في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي.

وطلبت أغلب المصادر، التي تضم مساعدين في الدائرة الداخلية للرئيس السابق ودبلوماسيين إقليميين ومصادر أمنية ومسؤولين إيرانيين كبارا، حجب هوياتهم لمناقشة المسائل الحساسة بحرية.

وقال ثلاثة مساعدين إن الأسد لم يبلغ حتى شقيقه الأصغر ماهر، قائد الفرقة المدرعة الرابعة، بخطة خروجه. وقال أحدهم إن ماهر غادر بطائرة هليكوبتر إلى العراق ثم إلى روسيا.

الأسد لم يبلغ حتى شقيقه الأصغر بخطة خروجه… فغادر ماهر بطائرة هليكوبتر إلى العراق ثم إلى روسيا

وعلى نحو مماثل، ترك الأسد وراءه ابني خاله إيهاب وإياد مخلوف عندما سقطت دمشق في أيدي قوات المعارضة حسبما قال مساعد سوري ومسؤول أمني لبناني. وأضافا أن الاثنين حاولا الفرار بسيارة إلى لبنان لكنهما وقعا في كمين على الطريق نصبه مقاتلو المعارضة الذين أطلقوا النار على إيهاب وقتلوه وأصابوا إياد. ولم يرد تأكيد رسمي لوفاة إيهاب ولم تتمكن رويترز من التحقق من الحادث على نحو مستقل.

وقال دبلوماسيان إقليميان إن الأسد فر من دمشق يوم الأحد الثامن من ديسمبر كانون الأول بطائرة اختفت من على الرادار بعد إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال، هربا من مقاتلي المعارضة الذين اقتحموا العاصمة. وأنهى هذا الخروج الدرامي حكمه الذي دام 24 عاما ونصف قرن من حكم عائلته، وأدى إلى توقف الحرب الأهلية التي استمرت 13 عاما على نحو مفاجئ.

ترك الأسد وراءه ابني خاله إيهاب وإياد مخلوف اللذين حاولا الفرار بسيارة إلى لبنان لكنهما تعرضا لإطلاق نار مقاتلي المعارضة

وتوجه الأسد بالطائرة إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية في مدينة اللاذقية على الساحل السوري، ومن هناك إلى موسكو.

وكان أفراد أسرة الأسد، زوجته أسماء وأبناؤهما الثلاثة، في انتظاره بالفعل في العاصمة الروسية، بحسب ثلاثة مساعدين مقربين ومسؤول إقليمي كبير.

وتشير مقاطع مصورة لمنزل الأسد، التقطها مقاتلو معارضة ومواطنون احتشدوا في المجمع الرئاسي بعد رحيله ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أنه غادر على عجل، إذ ظهرت الأطعمة المطهوة التي تركت على الموقد والعديد من المتعلقات الشخصية التي تركها خلفه، مثل ألبومات الصور العائلية.

 روسيا وإيران

لن يكون هناك إنقاذ عسكري تقدمه روسيا، التي ساعد تدخلها في عام 2015 في تحويل مجرى الحرب الأهلية لصالح الأسد، أو من حليفته الأخرى إيران.

وقال أشخاص أجرت رويترز مقابلات معهم إن هذا الأمر اتضح للرئيس السوري السابق في الأيام التي سبقت هروبه، عندما سعى للحصول على المساعدة من مختلف الجهات في سباق يائس للتشبث بالسلطة وتأمين سلامته.

وقال ثلاثة دبلوماسيين إقليميين إن الأسد زار موسكو في 28 نوفمبر تشرين الثاني، بعد يوم من هجوم قوات المعارضة على محافظة حلب في الشمال، لكن دعواته للتدخل العسكري لم تلق آذانا في الكرملين الذي لم يكن راغبا في التدخل.

وقال هادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض في الخارج، نقلا عن مصدر داخل الدائرة المقربة من الأسد ومسؤول إقليمي، إن الأسد لم ينقل حقيقة الوضع إلى مساعديه.

البحرة: الأسد أبلغ القادة ومساعديه بعد زيارته لموسكو أن الدعم العسكري قادم… كان يكذب عليهم وكانت الرسالة التي تلقاها من موسكو سلبية

وأضاف البحرة “أبلغ قادته ومساعديه بعد زيارته لموسكو أن الدعم العسكري قادم، كان يكذب عليهم وكانت الرسالة التي تلقاها من موسكو سلبية”.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين يوم الأربعاء إن روسيا بذلت الكثير من الجهود في المساعدة على استقرار سوريا في الماضي لكن أولويتها الآن هي الصراع في أوكرانيا.

وبعد أربعة أيام من تلك الرحلة، في الثاني من ديسمبر كانون الأول، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالأسد في دمشق. وبحلول ذلك الوقت، كانت قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام قد سيطرت على حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، وكانت تتقدم جنوبا مع انهيار القوات الحكومية.

وقال دبلوماسي إيراني كبير لرويترز إن الأسد كان منزعجا بشكل واضح خلال الاجتماع واعترف بأن جيشه ضعيف لدرجة لا تسمح له بأي مقاومة فعالة.

لكن اثنين من المسؤولين الإيرانيين الكبار قالا إن الأسد لم يطلب مطلقا من طهران نشر قوات في سوريا، وأضافا أنه كان يفهم أن إسرائيل قد تستخدم أي تدخل من هذا القبيل كذريعة لاستهداف القوات الإيرانية في سوريا أو حتى إيران نفسها.

وامتنع الكرملين ووزارة الخارجية الروسية عن التعليق على هذا التقرير، في حين لم يتسن الحصول على تعقيب حتى الآن من وزارة الخارجية الإيرانية.

سقوط الأسد

رأي الأسد في نهاية المطاف أن سقوطه بات حتميا وقرر مغادرة البلاد لينتهي بذلك حكم عائلته الذي بدأ في عام 1971.

وقالت ثلاثة مصادر مقربة منه أنه كان يرغب في البداية في اللجوء إلى الإمارات بعدما سيطرت المعارضة المسلحة على حلب وحمص وكانت تتقدم نحو دمشق.

كان الأسد يرغب في البداية في اللجوء إلى الإمارات التي رفضت طلبه خوفا من ردود الفعل الدولية على إيواء شخصية خاضعة لعقوبات

وأوضحت المصادر أن الإماراتيين رفضوا طلبه خوفا من ردود الفعل الدولية على إيواء شخصية خاضعة لعقوبات أمريكية وأوروبية بسبب اتهامات باستخدامه أسلحة كيماوية في قمع المعارضة، وهي اتهامات رفضها الأسد وقال إنها ملفقة.

ولم ترد حكومة الإمارات على طلب للتعليق بعد.

وقال دبلوماسي روسي طلب عدم ذكر اسمه إن موسكو لم تكن مستعدة للتخلي عن الأسد رغم عدم رغبتها في التدخل العسكري.

وذكر مسؤولان إقليميان أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي حضر منتدى الدوحة يومي السبت والأحد، قاد الجهود الدبلوماسية لتأمين سلامة الأسد عبر التواصل مع تركيا وقطر للاستفادة من علاقاتهما بهيئة تحرير الشام لتأمين خروج الأسد الآمن إلى روسيا.

وقال مصدر أمني غربي إن لافروف فعل “كل ما في وسعه” لضمان رحيل الأسد بسلام.

وأوضحت ثلاثة من المصادر أن قطر وتركيا اتخذتا ترتيبات مع هيئة تحرير الشام لتسهيل خروج الأسد، رغم تعليقات رسمية من البلدين بأنهما لم يجريا اتصالات مع الهيئة التي تصنفها الولايات المتحدة والأمم المتحدة منظمة إرهابية.

وقالت ثلاثة من المصادر إن موسكو نسقت أيضا مع دول مجاورة للتأكد من عدم اعتراض أو استهداف طائرة روسية تغادر المجال الجوي السوري وعلى متنها الأسد.

ولم ترد وزارة الخارجية القطرية على استفسارات حول خروج الأسد بعد، بينما لم تتمكن رويترز من التواصل مع هيئة تحرير الشام للتعليق. وقال مسؤول حكومي تركي إنه لم يكن هناك طلب روسي لاستخدام المجال الجوي التركي لصالح رحلة الأسد، رغم أنه لم يتطرق إلى ما إذا كانت أنقرة قد عملت مع هيئة تحرير الشام لتسهيل خروجه.

وقال محمد الجلالي، آخر رئيس وزراء في عهد الأسد، إنه تحدث معه عبر الهاتف يوم السبت في العاشرة والنصف مساء.

وتحدث الجلالي إلى قناة العربية حول المكالمة الأخيرة بينه وبين الأسد قائلا “أخبرته بصعوبة الأوضاع وأن هناك نزوحا شديدا من مدينة حمص باتجاه اللاذقية وأن هناك آلاف السيارات التي تغادر حمص باتجاه الساحل السوري وأن هناك حالة من الهلع والرعب في الشارع”.

وأضاف الجلالي “قالي بكرة بنشوف”. وأوضح أنه حاول الاتصال بالأسد مجددا بحلول فجر الأحد لكنه لم يرد.

رويترز




صحيفة عبرية: لماذا يجب على إسرائيل التخلي عن حلم أكل الحمص الدمشقي؟

بعد أن تنتهي الاحتفالات وتتحطم آخر تماثيل الأسد في الميادين، سيتعين على السوريين معرفة من يحكمهم، وأساساً هل ستواصل سوريا الوجود أم ستنشأ ثلاث – أربع سوريات. دمشق، وسوريا كلها تشبه اليوم برلين بعد 1945 التي قسمت إلى مناطق نفوذ بين القوى المختلفة، والتحدي الكبير هو: هل سينجحون في العمل معاً للحفاظ على وحدة الدولة”. أقوال الكاتب عبد الرحمن الراشد في “الشرق الأوسط” تبرز المعضلة الثاقبة التي تكمن داخل وخارج سوريا في الأسبوع الأخير، ومطلوب الكثير من التفاؤل كي يصدق المرء بأن سوريا ستصعد إلى مسار مستقر. فمن خلف مظاهر الفرح وتوزيع الحلوى، ثمة واقع متكدر ينتظر: طوائف بينها عداء تاريخي وحسابات دموية لم تصف؛ وقيادة جديدة هي جملة واسعة من المنظمات (بعضها جهادية) دون قاسم مشترك ومع كثير من الكراهيات الداخلية: استمرار النبش من أياد خارجية تحمي رعايا وتحاول السيطرة على ممتلكات في الدولة المتفككة؛ وانعدام إطار لساحة سياسية حديثة ومجتمع مدني؛ ودولة اقتصادها وبناها التحتية مدمرة بعد 13 سنة من الحرب الأهلية.

سوريا تشبه العراق في هذا بعد إسقاط نظام صدام حسين في 2003. لم يكن معروفاً الصندوق الأسود للقوى الاجتماعية والعلاقات بين الطوائف في الدولتين حتى انهيار النظام القديم فيهما. عندما سقط نظام البعث في العراق انطلقت من صندوق مفاسد كل شياطين الماضي، بخاصة الصراعات بين الطوائف، وصعدت أو نشأت قوى جديدة بما في ذلك “داعش”. نجح العراق في البقاء، وإن بشكل متعثر، بسبب النسغ الأمريكي الذي حافظ عليه. الأمر غير موجود في سوريا، ويثير التساؤل: ما الذي سيربط بين جملة المنظمات والطوائف؟

اللبناني نديم قطيش، مدير عام شبكة “سكاي نيوز” بالعربية، يوصي بأن نكون شكاكين حول طبيعة الجماعات السائدة في النظام الجديد، وبخاصة هيئة تحرير الشام برئاسة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع). “يجدر بالذكر أن حكم الخميني في بداية عهده ترافق وآمالاً بنظام جديد وليبرالي، وهكذا كان حكم الإخوان المسلمين قصير الأمد في مصر بعد إسقاط مبارك في 2011، والذي رأى فيه كثيرون بداية نظام ديمقراطي. نعرف التاريخ المخادع هذا ونعرف ما كانت مزايا تلك الأنظمة الواعدة عملياً”.

كما أن الباحثة السعودية أمل الهزاني، تقترح النظر بحذر، وإن بتفاؤل أكبر قليلاً. “بتأخير 14 سنة، نضجت ثمار الربيع العربي في سوريا أيضاً، لكن الاحتفال سابق لأوانه. علامة الاستفهام المركزية تتعلق بالجولاني. في الأسبوع الأخير، حاول تثبيت حكومة انتقالية، أما خطاب النصر الذي ألقاه في المسجد الأموي ومن المقابلات مع وسائل الإعلام الغربية فيشير هجر شعارات الماضي المتطرفة في صالح نظام جيد ومستقر”.

“أسوأ من اليهود”

الأكراد في سوريا يشكلون 10 في المئة من السكان، هم الشكاكون المركزيون تجاه الوضع الجديد، ولهم أسباب وجيهة لذلك. “زعماء مثل الجولاني لا يمكنهم تغيير طبيعتهم”، يشرح د. أكرم نعسان، ناشط كردي – سوري بارز يسكن في ألمانيا وعاد في الأيام الأخيرة إلى منطقة عفرين حيث ولد. “كان الأكراد دوماً الطائفة الأكثر ظلماً في سوريا. وهم عالقون في بقعة أليمة بين تركيا والمنظمات الإسلامية المتطرفة، جهتين تعاونتا في إسقاط الأسد. من ناحية الإسلاميين، الأكراد أسوأ من اليهود، وفي بعض المناطق في شمال سوريا وقعت احتكاكات بين الطرفين، ربما تتعاظم”.

وثمة شكوك من نوع آخر يتميز بها الدروز، الذين يعدون 3 في المئة من السكان. “جبل الدروز، ومدينة السويداء بخاصة، كانا بؤرة مركزية في الثورة ضد الأسد، وقدم الدروز المساعدة لكثير من اللاجئين المسلمين في جنوب سوريا. لكن كانت هناك جيوب تأييد لنظام الأسد مثل قرية الحضر، الأمر الذي يلزم الدروز بأن يثبتوا أنهم جزء من الثورة”، يشرح دولان أبو صالح، رئيس مجلس مجدل شمس حيث رفعت في ميادينها المركزية أعلام سوريا الجديدة. “علامة الاستفهام المركزية تتعلق بالجولاني المعروف مع تيار معاد لكل الطوائف غير السُنية في سوريا بما فيها الدروز”.

وثمة قلق طائفي مختلف تماماً يبرز بين العلويين، الأقلية التي حكمت سوريا في الـ 54 سنة الأخيرة بقوة الذراع وتخاف الآن من تصفية الحسابات، التي بدأت مظاهرها في الأسبوع الأخير في شكل تصفيات وإعدامات.

الخاسرة المركزية من سقوط الأسد هي إيران، التي قدم مركزية في معسكر المقاومة الذي قطعت قادته، وبذلك يضاف إلى الضربات القاضية التي تعرض لها حزب الله الذي بدأ يفقد من قوته مع قطع أنبوب التنفس الإيراني. يدور الحديث عن ضربة تاريخية لطهران، التي شعرت حتى قبل بضعة أشهر بأن النجوم في الشرق الأوسط تترتب لصالحها. الوضع الجديد يثير هناك جملة واسعة من ردود الفعل: بدءاً من النقد الداخلي اللاذع على المقدرات والدماء التي استثمرت سنوات طويلة وضاعت هباء، مروراً بالخوف من اتجاه جهود إسرائيل (والولايات المتحدة) ضد النظام الإسلامي الآن، وانتهاء بجهود التليين، مثل الإعلانات بأن إيران ستقبل حسم الشعب السوري والموافقة على رفع العلم السوري الجديد في السفارة السورية في طهران.

“ينشأ حساب نفس ثاقب في طهران الآن، يترافق واتهام كبار رجالات النظام والحرس الثوري بما يلوح كفشل ذريع لاستراتيجية طويلة السنين”، يشرح الباحث د. فرزين مديني من معهد واشنطن. “التحولات في سوريا ولبنان ستلزم إيران بالاستثمار في العراق أكثر؛ لمنع تهديدات مستقبلية من سوريا، بخاصة إمكانية انبعاث “داعش”. إضافة إلى ذلك، ستتأكد أهمية العراق في الصراع ضد إسرائيل، وقد لا تكتفي الميليشيات الشيعية بإطلاق المسيرات الصواريخ الجوالة وستنتقل إلى صواريخ باليستية. الضربات الأخيرة ستدفع إيران إلى تسريع إنتاج الصواريخ وبالطبع التقدم في المشروع النووي انطلاقاً من التقدير بأن إسرائيل والولايات المتحدة تطوران دافعية هجومية ضد النظام الإسلامي، ما يفترض ردعاً وضمانة للحصانة مثلما تصرفت كوريا الشمالية”.

حماس منعزلة

في الخلفية، ينشأ في العالم العربي بحث حول مسألة هل تبشر الحرب بنهاية معسكر المقاومة الذي تقوده إيران وبالتشكيك بمفهوم المقاومة الذي أساسه حرب عصابات وإرهاب ضد إسرائيل وسعي لاستنزافها حتى لو كان الأمر يجبي ثمناً باهظاً. في الشرق الأوسط يتساءلون: هل شهية الوكلاء هي التي أدت إلى الهزيمة؟ فقد أقاموا مكانة حكم (حماس)، وتمأسسوا عسكرياً (حزب الله)، وطوروا تطلعات لهزيمة إسرائيل. وقفوا أمامها جبهوياً، وهكذا أصبحوا قابلين للإصابة وتعرضوا لضربات قاضية حتى لو لم يبادوا.

المنتصر في الدراما الحالية هو بلا شك أردوغان، الذي دعم معظم المنظمات التي قادت الهجوم الحالي. “هو الحاكم الحقيقي اليوم في دمشق”، يدعي د. نعسان. ويؤكد ذلك د. حي ايتان كوهن ينروجك من جامعة تل أبيب فيقول: “لقد شخص أردوغان فرصة تاريخية في ضوء غرق روسيا في الحرب في أوكرانيا والإصابات الشديدة التي تعرضت لها إيران وحزب الله، وبادر إلى خطوة لتعزيز النفوذ الاستراتيجي التركي في المنطقة. في الخلفية رؤية “العثمانية الجديدة” التي تتطلع إلى استعادة المجد التركي بالعودة إلى قيادة العالم السني، وترى في الحرب خطوة لصد القوى الشيعية بقيادة إيران، مثلما كان في القرن السادس عشر.

للولايات المتحدة وزن مركزي في اليوم التالي في سوريا. تركز واشنطن الآن على منع جهد تركي لسحق القوى الكردية التي يساعدها الأمريكيون ولا سيما ميليشيا YPG. أما باقي الجماعات فليس للولايات المتحدة صلة حقيقية، يشرح روبرت فورد السفير الأمريكي في سوريا بين 2011 – 2014. “لقد نجح الجولاني في المفاجأة بنهجه، والتوقع المركزي منه هو إبداء التسامح تجاه الأقليات، وخاصة المسيحيين، وهي المسألة القريبة من قلوب الأمريكيين. في نظرة إلى الأمام، سوريا تكون في توتر بين تعب أغلبية سكانها من 13 سنة حرب أهلية وخوف من الغرق في مصير مثل مصير ليبيا بعد إسقاط القذافي، وبين خصومات القوى الداخلية وغياب تقاليد اللعبة السياسية، الأمر الذي سيهدد وحدة الدولة”.

دون البحث عن طفيليات

في ضوء الدراما التي لا تزال في ذروتها، باتت إسرائيل مطالبة بنهج متوازن. ترك النشوة بروح حرب الأيام الستة التي سادت في تغطية السيطرة على جبل الشيخ السوري وتدمير سلاح الجو السوري وتذكر المزايا الأساس للحارة التي تعلمناها بشكل مأساوي في 7 أكتوبر. لقد كان الأسد عدواً مريراً، وسقوطه ضربة قاضية لمعسكر المقاومة بقيادة إيران. لكن سوريا في اليوم التالي ليست بلاد الفرص، بل مصدر للعديد من التحديات.

أولاً، يجب الامتناع عن الأخيلة والتذكر كيف نظرنا إلى سقوط صدام والربيع العربي. فقد تحدثنا عن شرق أوسط جديد، ليبرالي، مزدهر ومستقر، وتجاهلنا التحذيرات من الفوضى والإرهاب المحتملين.

ثانياً، يجب مواصلة تدمير البنى التحتية للجيش السوري والقدرات غير التقليدية والسلاح المتطور خشية وقوعه في أيدي الثوار، إلى جانب الاحتفاظ بالمنطقة العازلة في هضبة الجولان، مع التأكيد بأنه مؤقت ومحدود.

في المدى الأبعد، من الضروري تبني نهج حذر متواضع وواع أساساً. ومن الحيوي تطوير علاقات مع جماعات قريبة من الحدود لأغراض أمنية مع الحذر من مغامرات غايتها إعادة تصميم سوريا قد تجتذب إسرائيل عميقاً إلى الداخل مثلما حصل في لبنان 1982. الحلم الإسرائيلي العتيق “لأكل الحمص في دمشق” يجدر إحالته جانباً مع الاعتراف بأنه سيمر وقت وستطل تحديات عديدة في الطريق إلى العاصمة السورية.
ميخائيل ميلشتاين

صحيفة يديعوت احرونوت العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




إنترسبت: لماذا يواصل الكونغرس حماية إسرائيل وإخفاء أرقام ضحايا حرب غزة؟

نشر موقع “ذي إنترسبت” تقريرا أعدته جيسيكا واشنطن قالت فيه إنه يوجد بند غير ملحوظ في مشروع قانون الدفاع السنوي يمنع البنتاغون من الاستشهاد بمعلومات واردة عن وزارة الصحة في غزة كمصدر موثوق.

ويمر مشروع قانون البنتاغون بقيمة 895 مليار دولار عبر الكونغرس ويحتوي على بند صغير يهدف لإخفاء حصيلة القتلى في غزة بشكل أكبر، وهو أحدث جهد من جانب صناع السياسات في الولايات المتحدة لإثارة الشك حول أرقام الضحايا التي أبلغ عنها مسؤولو الصحة الفلسطينيون.

وافق مجلس النواب على قانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام، يوم الأربعاء وأرسله إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، على الرغم من اعتراضات الديمقراطيين على اقتراح الحزب الجمهوري بمنع الأطفال المتحولين جنسيا الموجودين على التأمين الصحي العسكري من تلقي الرعاية التي تؤكد الجنس.

لقد حظي البند المتعلق بعدد القتلى في مشروع القانون الذي يجب تمريره، والذي تم تمريره بأغلبية 281 صوتا مقابل 140 صوتا مع 81 صوتا ديمقراطيا، باهتمام أقل بكثير. من شأنه أن يمنع البنتاغون من الاستشهاد علنا ببيانات الضحايا “الموثوقة” من وزارة الصحة في غزة، مما يخفي فعليا المدى الكامل لعدد القتلى في غزة في الاتصالات العامة للجيش.

وكانت البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية، حيث حرمت إسرائيل باستمرار العاملين في مجال حقوق الإنسان من الوصول إلى القطاع ومنعت الصحافيين الأجانب من الدخول.

البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية

وقالت النائبة إلهان عمر، ديمقراطية من ولاية مينيسوتا، في بيان لموقع إنترسبت: “هذا محو مثير للقلق لمعاناة الشعب الفلسطيني، وتجاهل الخسائر البشرية للعنف المستمر”.

لا يشير البند صراحة إلى وزارة الصحة في غزة، ولكن بدلا من ذلك، ينص على أن البنتاغون لا يمكنه “الاستشهاد في الاتصالات العامة بأرقام الوفيات التي تستمدها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو الكيانات الحكومية التي تسيطر عليها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو أي مصادر تعتمد على الأرقام التي تقدمها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية”.

ومع ذلك، فإن الهدف واضح. فقد ألقى الساسة في الولايات المتحدة مرارا وتكرارا بظلال من الشك على الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة في غزة لأنها تقع تحت سلطة حماس، وهي منظمة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، أقر مجلس النواب تشريعا يحظر صراحة على وزارة الخارجية الاستشهاد ببيانات من وزارة الصحة في غزة. وقال الرئيس جو بايدن للصحافيين في وقت سابق إنه “لا يثق في الرقم الذي يستخدمه الفلسطينيون”، على الرغم من أن وزارة خارجيته تستخدم هذه الأرقام بشكل موثوق لسنوات.

لقد اعتمدت هيئات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، لفترة طويلة على البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة واعتبرتها موثوقة ومتماشية مع نتائجها الخاصة.

وقال رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، فيليب لازاريني، للصحافيين في مؤتمر العام الماضي: “في الماضي، خلال الدورات الخمس أو الست من الصراع في قطاع غزة، كانت هذه الأرقام تعتبر ذات مصداقية، ولم يشكك أحد في هذه الأرقام حقا”.

ويمتد الحظر إلى أي مصادر تعتمد على بيانات وزارة الصحة، والتي تشمل معظم منظمات حقوق الإنسان الرائدة والأمم المتحدة.

يأتي التشريع بعد وقت قصير من إعلان منظمة العفو الدولية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مشيرة إلى عامل في قرارها وهو عدد القتلى الهائل في القطاع المحاصر. في العام الأول من الهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة، قتل الجيش 44,835 شخصا في غزة، وفقا لوزارة الصحة.

الآن، سينتقل التشريع إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ومن المرجح أن يتم التصويت عليه الأسبوع المقبل. لقد أعلن السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، معارضته لهذا القرار، حيث زعم أنه في الوقت الذي يكافح فيه الأمريكيون للحصول على رواتبهم، لا ينبغي للكونغرس أن يمنح 900 مليار دولار للمجمع الصناعي العسكري.

وقال ساندرز في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء: “نحن لسنا بحاجة إلى نظام دفاعي مصمم لتحقيق أرباح ضخمة لعدد قليل من شركات الدفاع العملاقة في حين يوفر أقل مما تحتاجه البلاد. لسنا بحاجة إلى إنفاق ما يقرب من تريليون دولار على الجيش، بينما نصف مليون أمريكي بلا مأوى، والأطفال يعانون من الجوع، وكبار السن غير قادرين على تحمل تكاليف تدفئة منازلهم في الشتاء”.

موقع انترسبت الاميركي




سياسات الطاقة الأوروبية تقودها إلى الهاوية

الغريب في الوضع الأوروبي ليس تبني الحكومات سياسات خاطئة، ولكن الاستمرار في الخطأ، والأغرب من ذلك هو محاولة الأوروبيين إقناع الدول النامية بتبني هذه السياسات الخاطئة. لهذا يمكن القول إنه من دون تغيير ثوري، فإن أوروبا بلغت أوجها وهي في مرحلة الانحدار. ولعل أبرز دليل على الفشل المتكرر للسياسات هو شيوع سياسة “الترقيع”، تبني سياسة جديدة، فشل، سياسة أخرى لإصلاح السياسة القديمة، أعراض جانبية، سياسات جديدة للحد من الأعراض الجانبية، مزيد من الفشل، وهكذا دواليك.

سياسات الطاقة المتطرفة

أوروبا هي الخاسر الأكبر من تبني سياسات طاقة متطرفة. فها هي ألمانيا تعاني ارتفاع أسعار الطاقة، التي أصبحت من الأعلى في العالم، وبدأت المصانع تغلق أبوابها والشركات تحقق خسائر كبيرة، وبدأت صناعة السيارات التي اشتهرت بها بالأفول. وها هي بريطانيا تعاني مرات عدة في السنة من نقص إمدادات الطاقة وارتفاع شديد في الأسعار بسبب توقف الرياح، ونقص إمدادات الكهرباء المولدة من عنفات الرياح، الذي يعني زيادة الطلب على الغاز وارتفاع أسعاره. بريطانيا فرضت ضرائب استثنائية على شركات النفط والغاز المنتجة في بحر الشمال، فانهارت الاستثمارات في القطاع، وحولت الشركات استثماراتها إلى أماكن أخرى حول العالم. ونتج من ذلك استمرار هبوط إنتاج النفط والغاز في بريطانيا. هذا يعني بالضرورة زيادة اعتماد بريطانيا على واردات النفط والغاز، وهذا يعارض سياساتها على مدى الـ45 عاماً الماضية: تخفيض الاعتماد على واردات النفط والغاز! الدنمارك قررت وقف الاستثمار في قطاع النفط والغاز وركزت على الطاقة المتجددة. كان هناك مناقصة ضخمة لبناء مشروع طاقة هوائية بالبحر في الأسبوع الماضي، ولم يدخل المنافسة أحد. ولا حتى شركة واحدة. الكلف عالية، وهذه المشاريع تتطلب إعانات ضخمة.
مع ارتفاع أسعار الطاقة بسبب انخفاض صادرات الغاز الروسية وتقطع الطاقة المتجددة وعدم انتظامها، ارتفعت أسعار الطاقة بصورة كبيرة، فقامت الحكومات الأوروبية بتقديم إعانات للمستهلكين، وهذا يتضمن إعانات للكهرباء والغاز والبنزين والديزل. هذه الحكومات، ومن ورائها صندوق النقد الدولي، حاولت لأعوام طويلة إقناع الدول النامية بعدم تقديم إعانات لمستهلكي الطاقة لأنها استنزاف للموازنة، وخطر على الأسواق، ومهددة للنمو الاقتصادي، ومسببة للتضخم. ولكن عندما ارتفعت الأسعار في بلادهم رموا كل هذه “الحكم” في البحر! انقلب السحر على الساحر، لأن هدف الحكومات الأوروبية هو تخفيض استهلاك “الوقود الأحفوري” لتخفيض انبعاثات الكربون وتحقيق أهداف سياسات التغير المناخي، وتقديم الإعانات خفض الأسعار، فزاد الاستهلاك، وزادت الانبعاثات، ورقع يا مرقع!
مشكلة الحكومات الأوروبية عدم إدراكها أن مشكلة التغير المناخي حصلت على مدى بضع مئات السنين، ويريدون حلها خلال من 20 إلى 30 عاماً، وهذا غير ممكن.

أوروبا والحرب في أوكرانيا

أوروبا هي الخاسر الأكبر من الحرب في أوكرانيا. فالحرب لم تستنزف بعض الدول الأوروبية مالياً فحسب، وإنما كبدتها خسائر كثيرة من إيواء اللاجئين إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
انخفاض صادرات الغاز إلى أوروبا كلف الدول الأوروبية مبالغ مليارية حتى الآن لأنها اضطرت إلى استيراد الغاز المسال بأسعار بلغت أضعاف ما تدفعه ثمناً للغاز الروسي. وكان المستفيد الأكبر هو الولايات المتحدة التي أصبحت منذ ذلك الوقت أكبر مصدر للغاز المسال في العالم.

بعض الدول الأوروبية قررت أن توقف أو تخفض صادرات الغاز من روسيا، بينما قررت إدارة بوتين وقف هذه الصادرات إلى الدول الأخرى، والجزء الثاني أكبر من الأول. لم تفرض الدول الأوروبية حظراً على الغاز الروسي، وهذا يمثل مشكلة أخلاقية كبيرة: مصالحها تقتضي أن تكون مع أوكرانيا ما دامت مصالحها لم تتأثر. أما وقف بوتين ضخ الغاز لبعض الدول الأوروبية فكان بعض منه عقوبة لبعض الحكومات، والجزء الآخر لإجبار الدول الأوروبية على استيراد الغاز المسال الروسي. وأكبر الدول المستوردة للغاز الروسي هي فرنسا وإسبانيا وبلجيكا.

وقعت ألمانيا عقداً طويل الأمد لشراء الغاز المسال الروسي، ولكن “الحياء الألماني” من الحرب في أوكرانيا جعلها تتوقف عن استيراد الغاز المسال الروسي. المواطن الألماني يظن أن حكومته وقفت موقفاً مشرفاً من الحرب الأوكرانية بوقوفها مع أوكرانيا ومعاقبة بوتين بوقف واردات الغاز المسال الروسي. ولا يعرف أن حكومته نسقت مع الروس والفرنسيين لإرسال الشحنات إلى فرنسا حيث يتم إعادة تغويزها وإرسال الغاز الروسي عبر أنابيب إلى ألمانيا، وهكذا تظهر الحكومة رسمياً أن واردات الغاز جاءت من فرنسا ولا تستورد أي غاز من روسيا. وطبعاً، الأسعار أضعاف ما كانت تدفعه لروسيا عندما كان الغاز الروسي يتدفق إلى ألمانيا عبر الأنابيب.

أوروبا والبحر الأحمر

الخاسر الأكبر مما حصل في البحر الحمر هي أوروبا، فتحويل السفن من البحر الأحمر والمرور حول أفريقيا رفع كلف الشحن بصورة كبيرة. فالبضائع الآسيوية الذاهبة إلى أوروبا ارتفعت كلف شحنها، كما ارتفعت كلف شحن البضائع الأوروبية إلى آسيا. وإذا مرت السفن من البحر الأحمر فإن كلف الشحن ارتفعت أيضاً بسبب ارتفاع كلف التأمين وأجور البحارة الذين طالبوا بزيادة الأجور لأن حياتهم معرضة للخطر. حتى الغاز القطري الذاهب إلى أوروبا يشحن حول أفريقيا وليس عبر البحر الأحمر.
النفط الروسي يصل إلى آسيا عبر البحر الأحمر بأسعار مخفضة، بينما تدفع الدول الأوروبية ثم السوق، كلف شحنه حول أفريقيا. إذا مرت الحاملات عبر البحر الأحمر فكلفها عالية بسبب التأمين وأجور العمال كما ذكر سابقاً.
غالب الدول الأوروبية تعاني حالياً من ضعف النمو الاقتصادي، ولا يتوقع أن يتحسن ذلك في ظل سياسات طاقة متخبطة وحروب تجارية مع الصين. بعض الدول الأوروبية الصغيرة نسبياً قد تعاني مشكلات اقتصادية مع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، لأنه كان لوجودهم دور كبير في تحسن أسواق العقار والإنفاق الحكومي والاستهلاك بصورة عامة.
خلاصة القول، إن سياسات الطاقة المتطرفة في أوروبا تقودها إلى الهاوية. وإذا لم يتم التغيير سريعاً، فإنه يمكن القول، إن أوروبا بلغت أوجها وبدأت بالانحدار. ويعزز ذلك استقطاب الولايات المتحدة الآن لرؤوس الأموال والعقول الأوروبية.

أنس الحجي

صحيفة اندبندنت أرابيا




غزة تحرق الكتب للخبز والدفء

مؤلفات قيّمة وشهادات تقدير وكراريس مدرسية

لم يتخيل الكاتب الغزي محمود عساف، للحظة واحدة، أن يخسر مكتبته الثرية بآلاف الكتب العلمية والدينية وغيرها من محتويات قيمة، ولم يتخيل في أسوأ كوابيسه أن مكتبته «العزيزة» على قلبه ستتحول إلى وقود للنار التي يبحث عنها كل الغزيين في ظل افتقارهم لوسائل التدفئة المعروفة.

شعر عساف، الذي نزح مضطراً من مدينة غزة إلى دير البلح بفعل الحرب الإسرائيلية، بغصة في قلبه، بعد أن عرض عليه صاحب أحد الأفران شراء ما تبقى من مكتبته، لاستخدام الكتب في إشعال النار في فرنه القديم، بغرض إعداد الخبز للسكان.

لم يوافق فوراً لكنه لاحقاً اضطر لبيع كتبه تحت ضغط الوضع المعقد.

وقال عساف الذي يملك في مكتبته الكبيرة نحو 30 ألف عنوان بينها كتب ألَّفها بنفسه: «منذ تلك اللحظة كأني أُقيم كل المآتم في قلبي، لكن ما اضطرني إلى القبول هو ضيق الحال الذي وصلنا إليه في غزة، وأنا أنظر إلى أطفالي وأطفال بلادي وهم يتمنون لقمة العيش أو ارتداء حذاء في أقدامهم يساعدهم على السير في الرمال بين الخيام التي تحتوينا منذ عام».

كتب عساف عبر صفحته في «فيسبوك» التي يتابعها الآلاف: «ليتني مِتُّ قبل هذا»، خصوصاً أن مكتبته يعود عمرها إلى 35 عاماً مضت، وكان من حين إلى آخر يُثريها بالكتب القيمة التي قرأها جميعها بتمعّن، وكانت بمثابة مرجع علمي لكثيرين من الطلبة الجامعيين وحتى لأصدقائه من الكتاب والأكاديميين وغيرهم.

وعساف ليس الوحيد الذي اضطر إلى استخدام الكتب للحصول على نار، ومع تضاعف أزمة عدم توفر الحطب في القطاع، اضطر الكثيرون إلى استخدام كتبهم بغضّ النظر عن نوعها، حتى المدرسية، لإشعال النار من أجل تجهيز الطعام لعوائلهم، أو الحصول على تدفئة، حتى إن بعض المواطنين اضطروا إلى دخول مكتبات عامة وخاصة واستولوا على ما بها من كتب لاستخدامها في إيقاد النيران.

وقال عماد محيسن، وهو موظف في القطاع الخاص ويمتلك مكتبة خاصة به، إن أبناءه حين قُصف منزلهم أخرجوا المئات من الكتب من تحت ركام المنزل، واحتفظ بها في خيمة مجاورة لخيمته التي نزح إليها في دير البلح وسط القطاع، لكنه فوجئ بأن جيرانه أحرقوها كلها لإشعال أفران الطينة من دون علمه واستئذانه.

لم يعاتبهم محيسن، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، حتى حين رآهم أيضاً يحرقون شهادات التقدير التي حصل عليه، لأنه يشعر بأن الحرب أخذت منه كل شيء ولم يتبقَّ لأي شيء قيمة تُذكَر؛ «ماذا تنفع الشهادات مع انعدام الحياة؟».

الصديق وقت الضيق!

ووجد محيسن نفسه مضطراً إلى استخدام ما تبقى لديه لإشعال الوقود لزوجته من أجل إعداد الطعام، أو حتى لتدفئة المياه للاغتسال، وأحياناً من أجل التدفئة. ولم يُخفِ محيسن حسرته الكبيرة على فقدانه مكتبته التي كانت بمثابة الصديق وقت الضيق، يلجأ إليها كلما شعر بأنه بحاجة إلى تغيير مزاجه اليومي، قائلاً: «قراءة الكتب والاستفادة منها، هي أفضل ما يمكن أن يعينك على مواجهة مشكلات الحياة».

ويعاني سكان قطاع غزة، خصوصاً في شماله، من انعدام تام لغاز الطهي، الذي يُسمح لكميات محدودة منه فقط بدخول مناطق جنوب القطاع، ويوزع عبر جهات حكومية ضمن معايير محددة وبكميات بسيطة جداً لا تكاد تكفي لأسبوع واحد لعائلة مكونة من 6 أفراد على سبيل المثال. كما أنه منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد سكان قطاع غزة كل مصادر الكهرباء المتوفرة من خطوط إسرائيلية ومن محطة الكهرباء الوحيدة، الأمر الذي أسهم في مضاعفة الأزمات بالنسبة لهم، مع اعتمادهم على ما تبقى من طاقة شمسية لدى بعض المقتدرين التي تقتصر فقط على شحن البطاريات والهواتف النقالة.

طلب مرتفع

ومنذ بداية الحرب، يستخدم سمير الحوراني من سكان منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، الأخشاب والحطب بشكل أساسي لإيقاد النار لعائلته لإعداد الطعام والخبز، ومنذ فترة لجأ إلى الكتب والأوراق والدفاتر، التي تساعده على ايقاد النيران وتخفف من كميات الخشب الشحيحة. وقال: «الكتب تساعد على إيقاد النيران، وتخفف من استخدام الخشب».

ومع حاجة الناس إلى الكتب، تحولت إلى مادة للبيع. واستغل محمد المدهون، من سكان حي الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، الأوضاع الحالية، وأخرج من منزله الذي لم يتعرض لأي قصف أو ضرر، كل ما فيه من كتب ودفاتر وأوراق، وعرضها للبيع، في خيمة نصبها إلى جوار المنزل، وكان يقدم فيها مشروبات ساخنة، مقابل أجر مادي بسيط لا يتعدى 5 شواقل (دولار ونصف تقريباً). وقال المدهون: «جمعت كل ما لديَّ: كتب قراءة وكتب مدارس ودفاتر وأوراق كرتون… كل شيء، وعرضته للبيع». وأضاف: «فوجئت بالطلب المرتفع. البعض اشتراها من أجل المساعدة في إشعال النار، والبعض اشترى كتاباً أو اثنين للقراءة». وتابع: «لم يكن مشهداً محبباً لي. لكنّ الناس يحتاجون إلى الكتب من أجل القراءة والنار. وأنا أحتاج إلى المال».

صحيفة الشرق الاوسط




غزة: اقتراح “تسوية مؤقتة” في 6 بنود.. تعهد من الطرفين وضمانات دولية

عملية أرنون، التي جرت في حزيران وأنقذ فيها بعض المخطوفين (من بينهم نوعا ارغماني) من غزة، أدت إلى إنزال كل المخطوفين إلى الأنفاق. كانت هذه خطوة منطقية وحيوية من قبل حماس لتجنب اقتحامات مركزة أخرى للجيش الإسرائيلي. كما نذكر، عمليات إنقاذ كهذه التي نجحت في السابق أحرجت حماس، وإسهام كل منها كان كبيراً جداً، ليس فقط للمخطوفين الذين تم تحريرهم ولعائلاتهم، بل أيضاً لمعنويات الإسرائيليين الوطنية.

إن نشر فيلم “الجهاد الإسلامي” في 15 تشرين الثاني، الذي ظهرت فيه صرخة مؤثرة أطلقتها ساشا تروبنوف، وفيلم حماس الذي نشر في 7 كانون الأول الذي سمع فيه صراخ تسنغاوكر ووجه لوالدته عناف، وهي بطلة النضال من أجل تحرير المخطوفين، هو نشر لم يأت صدفة، بل يثبت أن التنظيمات الإرهابية في القطاع أصبحت تتوق إلى “إغلاق هذا الملف” والتوصل إلى تسوية.

لقد تحطموا، وهم يحتضرون الآن، ولا يوجد ما يتوقعونه من العلاقة “غير المنقطعة” مع حزب الله، المنظمة المهزومة. توجه التركيز الإسرائيلي والعربي والدولي إلى ما يحدث في سوريا. وإسرائيل الآن تعتبر منتصرة، ومكانة رئيس الحكومة نتنياهو السياسية كمفاوض تعززت. لكن الأسوأ هو تهديد ترامب بـ “ستحل جهنم عليهم” إذا لم تنته قضية المخطوفين حتى موعد تسلم منصبه في كانون الثاني.

النشرات الإخبارية في الفترة الأخيرة تلمح باستئناف محتمل لإجراء تسوية. وظهر نتنياهو كملتزم بذلك أكثر مما من ذي قبل. وحسب أقوال ممثلي عائلات المخطوفين الذين التقوه في 8 كانون الأول الحالي، فقد قال: “لقد نضج الوقت لعقد صفقة لتحرير المخطوفين… أنا أعرف أن المخطوفين لن يعودوا إلا بصفقة. وأنا مستعد لوقف إطلاق النار للدفع قدماً بإعادتهم”.

ما يمكن فهمه من طبيعة الصفقة التي تتم مناقشتها، هو أنها ستكون جزئية فقط، المرضى وكبار السن ومن يحملون الجنسية الأمريكية. ليس بالصدفة أن ممثلي عائلات المخطوفين طلبوا من نتنياهو “العمل الآن على إطلاق سراح جميع المخطوفين، الأحياء والأموات. جميعهم حالات إنسانية”. الأفلام التي نشرت أثبتت شيئاً آخر مهماً جداً وهو وضع المخطوفين الفظيع وهم يموتون في الأنفاق، الذين ستكلفهم كل ساعة إضافية لهم هناك حياتهم. هم يحتاجون إلى أشعة الشمس، جسدياً ونفسياً.

إذا لم يتم تنفيذ الصفقة دفعة واحدة، هاكم ملخص اقتراح لـ “تسوية مؤقتة لإنقاذ الحياة”، بادرة حسن نية أخرى للطرفين، الإسرائيليين والفلسطينيين، التي ستسهم بشكل كبير من كل النواحي.

أولاً، الموافقة على وقف مؤقت وشامل لإطلاق النار في القطاع، بما في ذلك كل العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك.

ثانياً، عملية مشتركة بين الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر وحماس، لإيجاد نقطة مناسبة على الأرض في القطاع، يمكن إحضار جميع المخطوفين إليها، الأحياء والأموات.

ثالثاً، بناء قاطع أمني قوي حول المكان، تقيمه هذه الجهات، لا يمكن أي طرف ليست له علاقة، من الاقتراب (من المنطقي السماح لحماس بأن تكون في الدائرة الداخلية).

رابعاً، إدخال قافلة مساعدات أمريكية (ليس الصليب الأحمر) تنقذ الحياة إلى نقطة التجمع، التي ستكون فيها طواقم طبية، تشمل الأدوية والغذاء والماء والاحتياجات الأساسية الأخرى المطلوبة للمخطوفين. كل ذلك على هيئة مستشفى ميداني متواضع، يمكنه حل أي مشكلة صحية ملحة.

خامساً، تعهد إسرائيلي بالامتناع عن أي محاولة إنقاذ للمخطوفين بالقوة وإجراء بحث عن المخطوفين، بالأساس الجثث التي دفنت والتي لا تعرف لحماس و”الجهاد الإسلامي” مكانها. أي معلومات حول ذلك، بما في ذلك المعلومات التي لدى طاقم الجنرال نيتسان ألون، سيتم نقلها إلى طاقم خبراء أمريكي، وإذا كانت حاجة إلى مهنيين أجانب آخرين، من أجل استغلال هذه الفترة المؤقتة للعثور على مخطوفين بالحد الأقصى، كي لا يتم تفويت هذه الفرصة.

سادساً، هذه ليست لعبة أحادية الجانب. فعلى إسرائيل إعطاء أشياء ثمينة أخرى، بدءاً بإطلاق سراح سجناء فلسطينيين و/أو خطوة مهمة أكثر، وهي الموافقة على المرحلة الأولى: الانسحاب من جنوب القطاع (مثل الانسحاب من منطقة رفح – خان يونس)، والعودة إلى الحدود. في موازاة كل ذلك، يجب إجراء محادثات كثيفة للتوصل أخيراً إلى التسوية، التي ستكون إعادة المخطوفين إلى إسرائيل موضوعها الرائد. هذا ما يستحقونه، وهذا ما نستحقه جميعنا.

بالإجمال، هذه “التسوية المؤقتة”، مع الإضافة أو بموازاة صفقة أولية جديدة لاستبدال مخطوفين بسجناء، الاتفاق الذي سيخرج كل المخطوفين من “البئر”، يمكن أن تكون عملية إنسانية كبيرة، خطوة متعددة الأطراف لنوايا حسنة، وربح كبير للجميع، وبالنسبة لنا ضمادة أخرى للجرح العميق من7 أكتوبر.

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




معاريف: هل تفتح إسرائيل سفارة لها في دمشق أم ستبكي رحيل الأسد؟

“لا تناوش إسرائيل”، كان هذا “أمراً رئاسياً” خفياً نقله حافظ الأسد إلى ابنه بشار، والأب على فراش الموت.

وبالفعل، السلالة العلوية، التي بدأت حكمها في 1970، حرصت على ألا تستفز إسرائيل. فقد تعرضت عائلة الأسد لآلاف الهجمات، وأعمال القصف، وتصفية المفاعل – وباستثناء رد إعلامي سخيف، لم ترد. ينبغي الإشارة إلى أنها في تدخلها العسكري في دول أخرى، مثل لبنان، وفي تأييدها لمنظمات الإرهاب مثل فتح وحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، أزعجت عائلة الأسد إسرائيل بلا نهاية.

الحدود الدولية لإسرائيل مع سوريا، منذ التسوية المرحلية في 1974، كانت الأهدأ من ناحيتنا. لم يصطدم الأسد الأب بالجيش الإسرائيلي سوى مرة واحدة؛ في حرب لبنان 1982، في معركة السلطان يعقوب. لكن حتى هذه المعركة الشاذة، كان الأسد قد خطط لها الأب بدهاء. وتحت غطاء الحرب مع إسرائيل، بعث الزعيم السوري بآلاف الجنود إلى مدينة حماة، حيث ثار الإخوان المسلمون ضد النظام السوري. أرادوا الإطاحة بالحاكم العلوي الذي تحكم بملايين السُنة. بعد بضعة أيام، أحصيت نحو 20 ألف جثة لمسلمين سُنة في المدينة. لم ينتبه العالم للمذبحة الجماعية لأنه كان منشغلاً بحرب لبنان. “قضية حماة” تلقي ضوءاً على المبدأ الآخر الذي تبنته عائلة الأسد. فابنة الطائفة العلوية، طائفة لم تضم إلا 11 في المئة من سكان سوريا، خاضت العائلة معركة بقاء متواصلة وعديمة الآثار المليئة بحملات الإبادة الجماعية داخل أراضي الدولة.

لا يمكن بعد معرفة إذا كان انتصار الـ 18 جماعة من الثوار الذين احتلوا سوريا، بمن فيهم إسلاميون وجهاديون، هو بشرى طيبة أم سيئة للعالم وللشرق الأوسط. ولكن يمكن الآن ملاحظة تواصل مسيرة بدأت في بداية سنوات الألفين – سقوط الطغاة العرب، بداية من صدام حسين في العراق، ثم القذافي ليبيا، والآن الأسد في سوريا. هذا لا يعني أن الأنظمة في مصر والأردن والمغرب وقطر والبحرين والإمارات هي ديمقراطية نقية، وبالتأكيد هناك تخوف على استقرارها، لكن الطغاة الثلاثة الذين أُسقطوا في العقود الأخيرة هم شهادة على نهاية عصر الدكتاتوريات.

في نهاية الأمر، إسرائيل تحسن مكانتها الاستراتيجية عقب التغييرات في سوريا. وهذا يتجاوز كثيراً الاستيلاء على جبل الشيخ السوري. فالداعمتان الأساسيتان لسوريا، إيران وروسيا، تختفيان مؤقتاً من الساحة وتحسنان قدرة إسرائيل على التحكم في المنطقة. حزب الله مضروب ومعزول، بالضبط مثل حماس و”الجهاد الإسلامي”.

كان لإسرائيل سبعة أعداء مع قيامها: مصر، سوريا، الأردن، لبنان، السعودية، ليبيا والعراق. أما مصر والأردن فوقعتا معنا على اتفاقات سلام. والعراق وليبيا وسوريا سقطوا ولم يشكلوا تهديداً حقيقياً، والسعودية قريبة من اتفاق مع إسرائيل. سيسهل على إسرائيل الآن التصدي للنووي الإيراني ولمنظمات إرهاب جديدة، إذا ما قامت، دون الغلاف السوري. ليس مستبعداً أن نبكي على رحيل الأسد الابن عندما تصبح الفوضى في سوريا كتلك التي في العراق أو ليبيا. لكن هناك إمكانية أن انتظام حكم مرتب، برعاية الولايات المتحدة ودول في أوروبا. وعندها، من يدري، فإن سفارة إسرائيلية في دمشق أيضاً لن تكون حلماً.

د. موشيه العاد

صحيفة معاريف العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




صحيفة إسرائيلية: ما الذي يقلق الأردن بعد تحولات الساحة السورية؟

الخوف الكبير داخل أروقة الحكم الأردني هو ألا يكون التالي في الدور بعد سوريا، وثمة سبب لهذا الخوف: تضم المملكة 11.5 مليون نسمة – 60 في المئة منهم فلسطينيون، مع 1.3 مليون لاجئ سوري – معظمهم من المعارضين لحكم دمشق، وبعضهم ممن يحظون بملاحقة خفية، مشبوهون كوكلاء للنظام السوري السابق. وهناك أيضاً نحو مليون لاجئ عراقي يخلقون وجع رأس آخر لأجهزة الأمن الأردنية. مبعوثون أمريكيون يطلعون قصر الملك على الأوضاع باستمرار، وذلك في الوقت الذي تسود فيه قطيعة بينه وبين إسرائيل.

يمر بين الأردن وسوريا خط مباشر من الاستياء: سوريا الأسد رفضت بيع أو التبرع بمياه شرب ومنتجات زراعية للأردن. الأسد ورجاله سخروا من الملك وقدموا انطباعات بأن سوريا ستفتح أبوابها لكل خطة إيرانية للسيطرة على الأردن. وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، زار طهران بعد هجوم الصواريخ والمُسيرات الإيرانية التي كانت تستهدف إسرائيل، لكن بعضاً منها سقط في المملكة. الربط بين إيران وسوريا ترك قوات الأمن والاستخبارات الأردنية متحفزة.

معبر الحدود الأردني جابر، القريب من بلدة درعا السورية، مغلق منذ نهاية الأسبوع الماضي. وزير الداخلية الأردني مازن الفراية، أعلن بأنه سيسمح فقط لعبور الشاحنات والمواطنين الأردنيين الفارين من سوريا، بعد فحوصات متشددة. وتم التوضيح للاجئين السوريين في الأردن بأنهم لن يجتازوا الحدود الآن، وقد احتفلوا بسقوط الأسد برفع أعلام المعارضة في شوارع عمان.

وكالات الاستخبارات الأمريكية تفتح عيونها في المملكة. كما أن الملك ومحافل الاستخبارات والجيش لا يغمضون عيونهم بخاصة على أعضاء الحركة الإسلامية التي يجلس 16 مندوباً منهم في البرلمان الأردني. وثمة تخوف من وجود ارتباط بين الحكم الجديد في دمشق والحركات التمردية في الأردن، الذي لم تنكشف هويته الحقيقية بعد. ثمة عدد تحدثت معهم في الأردن يحذرون من أن نوايا النظام الجديد في سوريا غير واضحة وتستوجب المتابعة. كما أن العلاقة مع تركيا واستعداد أردوغان لم ينكشفا بعد.

في هذه الأثناء، أكراد سوريا على بؤرة الاستهداف، التركية على الأقل. وإيران هي الأخرى في الصورة. بعد أن تنتعش من الضربة التي تعرضت لها مع سقوط الأسد وتجاهل الحكم الجديد في سوريا لها، فلن تتنازل عن محاولة السيطرة على الأردن.

ليس واضحاً حالياً أين يختبئ ماهر الأسد، شقيق الرئيس المعزول وقائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري. التحقيق مع مهربي المخدرات والسلاح من سوريا إلى المملكة، أبان أنه هو المسؤول والرابح الأكبر من تهريب الكبتاغون إلى الأردن، وأجهزة الأمن الأردنية تلاحقه.
سمدار بيري

صحيفة يديعوت احرونوت العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




واشنطن بوست: هل ساعدت المخابرات الأوكرانية “هيئة تحرير الشام” للإطاحة بالأسد؟

زعم المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس أن المعارضة السورية انتصرت على نظام بشار الأسد بدعم من أوكرانيا التي كانت تريد أن تهين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا.

وقال إن كييف، التي كانت تريد أن تدمي وجه بوتين وتذلّه، زوّدت المعارضة بالمسيّرات التي ساعدت على الإطاحة بالنظام السوري.

وبحسب مصادر مطلعة على النشاطات العسكرية الأوكرانية في الخارج، فقد تلقّى المعارضون السوريون، الذين دخلوا العاصمة دمشق في نهاية الأسبوع الماضي، مسيّرات ودعماً آخر من عملاء الاستخبارات الأوكرانيين الذين سعوا إلى تقويض روسيا وحلفائها السوريين.

لم تكن مساعدة أوكرانيا للمعارضة بالمسيّرات “القشة التي قصمت ظهر البعير”، لكنها ساعدت في إسقاط أهم عميل لروسيا في الشرق الأوسط

وقال إن المخابرات الأوكرانية أرسلت 20 خبيراً في تشغيل المسيّرات، و150 مسيّرة مزوّدة بأجهزة الفيديو إلى مقرّ المعارضة في إدلب، قبل أربعة أو خمسة أسابيع، لمساعدة “هيئة تحرير الشام”، الجماعة التي قادت عملية الإطاحة بالأسد، وذلك حسب المصادر المطلعة التي نقل عنها الكاتب.

ويرى خبراء استخبارات غربيون أن الدعم الأوكراني لعب دوراً متواضعاً في الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد. ولكن النشاطات هي جزء من محاولات أوكرانيا لضرب المصالح الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا وروسيا نفسها.

ويقول إغناطيوس إن برنامج المساعدة الأوكراني في سوريا كان سراً مفتوحاً، مع أن المسؤولين في إدارة بايدن نفوا أي علم بالأمر، وذلك رداً على أسئلة الكاتب.

إلا أن الدافع وراء ذلك واضح: ففي مواجهة هجوم روسي داخل بلادهم، بحثت الاستخبارات الأوكرانية عن جبهات أخرى حيث يمكنها أن تدمي أنف روسيا وتقوّض عملاءها. وقد أعلن الأوكرانيون عن نواياهم هذه، ففي مقال نشرته صحيفة “كييف بوست” في 3 حزيران/يونيو، نقلت فيه عن مصدر في جهاز الاستخبارات العسكرية الأوكراني المعروف باسم “جي يو آر” قوله إن “المتمردين [السوريين] وبدعم من عملاء أوكرانيين، شنّوا، منذ بداية العام، ضربات عديدة على منشآت عسكرية روسية موجودة في المنطقة”.

وتضمنت تلك القصة، التي نُشرت على الإنترنت، رابطاً للقطات فيديو تظهر هجمات على مخبأ مضلع وشاحنة بيضاء وأهدافاً أخرى قيل إنها تعرضت للقصف من قبل المعارضين المدعومين من أوكرانيا داخل سوريا.

وقالت الصحيفة إن العملية في سوريا نفذتها وحدة خاصة تُعرف باسم “خيميك” داخل “جي يو آر” و”بالتعاون مع المعارضة السورية”.

وأضاف الكاتب أن المسؤولين الروس اشتكوا، ومنذ عدة أشهر، من الجماعات الأوكرانية شبه المسلحة وجهودها في سوريا. وقال ألكسندر لافرينتيف، الممثل الروسي الخاص في سوريا، في تصريحات نقلتها عنه وكالة أنباء “تاس” الروسية: “لدينا معلومات عن وجود خبراء أوكرانيين من مديرية الاستخبارات الأوكرانية في مناطق إدلب”.

وأشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى المزاعم نفسها، في أيلول/سبتمبر، ووجود “مبعوثين من الاستخبارات الأوكرانية” الذين يقومون بما أسماها “عمليات قذرة”، وذلك حسب صحيفة “الوطن” السورية، التي أكدت أن الفريق أول كيريلو بودانوف، مدير وكالة الاستخبارات الأوكرانية “جي يو آر”، كان على اتصال شخصي مع “هيئة تحرير الشام”.

وقبل أن تطيح “هيئة تحرير الشام” بالأسد، أكد المسؤولون الروس أن ارتباط أوكرانيا بالجماعة المعارضة كان محاولة لتجنيد مقاتلين سوريين لحربها ضد الكرملين.

وزعم تقرير، في أيلول/سبتمبر، على موقع “كريدل” على الإنترنت أن أوكرانيا عرضت 75 مسيرة مقاتلة في صفقة مع “هيئة تحرير الشام”، لكن لا توجد معلومات تؤكد المزاعم الروسية.

ويعلق إغناطيوس أن روسيا فوجئت بالتقدم السريع لقوات المعارضة نحو دمشق، ولكن المهم هو أن المصادر الروسية حاولت التقليل من الدور الأوكراني.

ففي 2 كانون الأول/ديسمبر، ذكر تقرير في موقع “ميدل إيست آي” حساباً روسياً على منصة تيلغرام، قال إنه يعكس مواقف الجيش الروسي وحاول أن يقلل من الدور الأوكراني: “أولاً زار عناصر جي يو آر إدلب، ولكن لفترة قصيرة”، ولم تكن كافية لتدريب السوريين على تشغيل المسيرات القتالية، و”ثانياً” فإن “هيئة تحرير الشام كانت تملك برنامج الطائرات المسيرة”.

ويشير إغناطيوس إلى أن عملية سوريا ليست الحالة الوحيدة التي حاولت فيها الاستخبارات العسكرية الأوكرانية مضايقة العملاء الروس في الخارج.

فقد ذكرت بي بي سي البريطانية، في تقرير لها في آب/أغسطس، أن أوكرانيا ساعدت المتمردين في شمال مالي في نصب كمين لمرتزقة روس من مجموعة فاغنر. وقالت بي بي سي إن هجوم 27 تموز/يوليو أدى إلى مقتل 84 من عملاء فاغنر و47 جندياً من الجيش المالي.

وأشاد أندريه يوسوف، المتحدث باسم “جبهة تحرير مالي”، بالعملية بعد عدة أيام، قائلاً إن المتمردين الماليين “تلقوا المعلومات الضرورية وليس المعلومات فقط، مما مكن من عملية عسكرية ناجحة ضد مجرمي الحرب الروس”، حسب بي بي سي.

وبعد الهجوم، قطعت مالي علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا. وقال إغناطيوس إن الفريق أول بودانوف من المخابرات الأوكرانية، تعهد، حسب تقرير إخباري، في نيسان/أبريل 2023 بملاحقة الروس المتهمين بارتكاب جرائم حرب في “أي مكان في العالم”. ونقل الكاتب عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن العمليات الاستخباراتية التي يقوم بها بودانوف أثارت، في بعض الأحيان، قلق إدارة بايدن.

تعكس العملية السرية في سوريا محاولة لتوسيع ساحة المعركة وإيذاء الروس في المناطق التي لم يكونوا مستعدين لها

وفي مقابلة أجراها الكاتب مع بودانوف في مقر قيادته بكييف، في نيسان/أبريل، سأله عن عمليات الوحدة الاستخباراتية العسكرية ضد فاغنر في أفريقيا، فأجاب: “نحن نجري مثل هذه العمليات بهدف الحدّ من الإمكانات العسكرية الروسية، في أي مكان حيث يكون ذلك ممكناً. لماذا ينبغي أن تكون أفريقيا استثناءً؟”.

ويعلق الكاتب بأن مثل عمليات أوكرانيا في أفريقيا، وهجومها على منطقة كورسك داخل روسيا، تعكس العملية السرية في سوريا محاولة لتوسيع ساحة المعركة وإيذاء الروس في المناطق التي لم يكونوا مستعدين لها.

ولم تكن مساعدة أوكرانيا للمعارضة بالمسيّرات “القشة التي قصمت ظهر البعير”، إذا جاز التعبير. لكنها ساعدت، على الأقل بطريقة صغيرة، في إسقاط أهم عميل لروسيا في الشرق الأوسط.

ومثل إسرائيل في فشلها في توقّع عملية “حماس” عبر سياج غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، رأت روسيا المعارضين الذين زعم إغناطيوس أن أوكرانيا دعمتهم وهم يتقدمون، لكنها لم تتمكن من التعبئة لوقف الهجوم ومنع العواقب الوخيمة.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




باحثان إسرائيليان: الهزات الارتدادية لزلزال سوريا ربما تبلغ الأردن وإيران ولبنان

يحذر باحثان إسرائيليان تل أبيب والمنطقة من أن زلزال سوريا ما زال يقذف بالحمم، ومن شأن الهزات الارتدادية الدفع لمفاجآت درامية إضافية. ويدعوان لوقف الحرب على غزة والتركّز بإيران، والتنبّه لما قد يتعرّض له الأردن. ويستعرضان سيناريوهات سورية داخلية.

ويقول رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين، والباحث الجنرال في الاحتياط أودي أفينتال، في مقال مشترك نشره موقع القناة 12 العبرية، إن الأحداث التاريخية في سوريا قد تصبح أخباراً جيدة لإسرائيل، ففكرة “سوار النار” الإيرانية، انهارت فعلياً، ومعها النظام السوري، الذي شكّل عنصراً رابطاً في محور الوكلاء الذي بنته طهران على مدار عقود، بعد بذل جهود هائلة والآن.

كما يقول يادلين وأفينتال إنه قد تتّطور في سوريا سيناريوهات مختلفة، إيجابية أو سلبية، بدرجات متفاوتة، بالنسبة إلى إسرائيل. وإلى أن تتضح الصورة، لا ينبغي لإسرائيل التدخل بشكل مباشر في التطورات السورية، باستثناء مواجهة التهديدات الكبيرة المحتملة، وتصميم الدفاعات على الحدود، وتحديد “قواعد اللعبة” مع الجيران الجدد، والتركيز على تهيئة الأرضية للفرص الكبيرة المطروحة على الطاولة.

الباحثان: على إسرائيل إعادة إحياء علاقات “حُسن الجوار” مع الجهات السنّية المحلية على الجانب الآخر من الحدود وتعزيز الشركاء المعتدلين في سوريا، وعلى رأسهم الطائفة الدرزية والأكراد

وطبقاً ليادلين وأفينتال، فهذا الانهيار السريع للنظام السوري يمثّل حدثاً دراماتيكياً آخر، ربما لن يكون الأخير في سلسلة الخضّات والهزات الإستراتيجية في الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وتابع الباحثان الإسرائيليان: “تغيّرت المنطقة التي كنا نعرفها بشكل جذري، وبصورة خاصة في الأشهر الأخيرة، نتيجة الضربة القاسية التي تعرّضت لها حركة “حماس” في غزة، والضربة التي تلقاها “حزب الله” في لبنان، ومعرفة إيران بالثمن الباهظ الذي قد تدفعه إذا ما عادت إلى مهاجمة إسرائيل.

أمّا الآن، بعد أن وصلت تداعيات الزلزال إلى سوريا، مع انهيار النظام الذي تبيّن أنه أضعف عسكرياً وأكثر خواءً من الناحية المعنوية مما كنا نعتقد، فقد انتهى الحكم العسكري الذي أسسه حافظ الأسد رسمياً قبل 54 عاماً.

محور المقاومة

وبالنسبة للباحثين الإسرائيليين، يشكّل سقوط النظام في سوريا “ضربة إضافية ساحقة” لمحور المقاومة الإقليمي بقيادة إيران، ويحطم الفكرة الإستراتيجية التي وضعها قاسم سليماني، والحاج محسن، ويحيى السنوار، والمتمثلة في إحاطة إسرائيل بـ”سوار النار” واستنزافها عبر توحيد ساحات القتال، حتى تدميرها.

ويقولان إنه بعد سلسلة الضربات التي تلقتها إيران ومنظومة وكلائها في المنطقة، خسر المحور الآن ساحة أُخرى ذات أهمية جغرافية ولوجستية وإستراتيجية حاسمة، بالنسبة إلى إيران، باعتبارها امتداداً جغرافياً يصلها بالبحر المتوسط، وجبهة مباشرة ضد إسرائيل، وممراً ضرورياً لإعادة بناء القوة العسكرية لـ “حزب الله” في لبنان.

تحديات أمام إسرائيل

وطبقاً للباحثين الإسرائيليين، فإنه، في المدى القريب، هذه الأخبار جيدة بالنسبة إلى إسرائيل، أمّا في المدى البعيد، فقد يفرض الواقع الجديد في سوريا تحديات كبيرة أمامنا.

ويعلل يادلين وأفينتال قراءتهما بالقول: “تطغى الفرص الكامنة في انهيار النظام السوري، من حيث المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية، على مخاطر هذا الانهيار. فمع سيطرة المتمردين، تم فعلياً قطع المحاور البرية والجوية الواصلة بين إيران وسوريا، وصولاً إلى لبنان. في هذا السياق، من المتوقع أن يتوقف مسار إعادة ترميم “حزب الله” عسكرياً، بعد الحرب مع إسرائيل، وستُضطر قدراته المتبقية إلى التوجه نحو مواجهة التهديد السنّي القادم من سوريا وحماية نفسه داخلياً. في ظل هذه الظروف، تزداد احتمالية أن يساهم الاتفاق، الذي تم التوصل إليه مؤخراً مع لبنان، في كبح جماح “حزب الله” في المدى الطويل، وتتوسع حرية إسرائيل في فرض تنفيذه”.

وبالنسبة للباحثين الإسرائيليين، فقد اتضح أن “محور المقاومة” في المنطقة ليس سوى “حائط مائل”، بعد أن قررت إيران وروسيا عدم محاولة إنقاذ النظام السوري، وفرّتا من سوريا، ويُفترض أن يُعتبر ما جرى خيانة من حلفائه، وعلى النقيض من ذلك، وقفت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في لحظاتها الصعبة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر”.

سيناريوهات سورية

 ويعتقدان أن هذه الظروف مؤاتية لترامب في الشرق الأوسط، إذا ما قرّر محاولة تشكيل المنطقة، بدلاً من الانفصال عنها، وأنه على المستوى الأبعد، يمكن ترسيم بضعة سيناريوهات متعلقة بسوريا:

سيناريو متفائل، يتمثل في نجاح المتمردين في استقرار الدولة، مع الحفاظ على استمرار وجود الحكم الذاتي الطائفي داخل حدودها.

ويشيران لوجود إشارات إيجابية أولية في هذا الاتجاه فـ “هناك النهج المرن والدهاء السياسي الذي تبناه المتمردون، وهو ما مكنهم من السيطرة على الدولة من دون مقاومة تُذكر؛ وهناك تجنُّبهم، حتى الآن، “حمام دم”، أو أعمالاً وحشية قاسية، مثلما فعل تنظيم “داعش” في السابق. ويعتبران أن هذا السيناريو سيتيح أيضاً بدء تدفُّق المساعدات وإعادة إعمار سوريا، بعد الأضرار التي بلغت عشرات مليارات الدولارات في بنيتها التحتية واقتصادها المتدهور.

سيناريو ليبي

 ويشيران لسيناريو ليبي يتمثل في فقدان الجولاني السيطرة على تحالف المتمردين، وهو ما يؤدي إلى تفكُّكه، فتبدأ الفصائل والطوائف المتعددة في سوريا بفرض قوانينها الخاصة، وتشن حملات انتقام دموية، وتتصارع في ما بينها.

ويمضيان في هذا السيناريو: “قد يحاول المتمردون إقامة دولة إسلامية في سوريا تستند إلى الشريعة، على غرار طالبان في أفغانستان، أو بشكل أقل تطرفاً، استناداً إلى أيديولوجيا حركة “الإخوان المسلمين”، التي كان لها نفوذ واسع في سوريا سابقاً. في ظل هذا السيناريو، من المحتمل أن تدعم تركيا النظام الجديد، وهو ما قد يشكل تهديداً للأردن، وإسرائيل، واستقرار لبنان، ويزيد في التحديات الداخلية في دول الخليج”.

ما الذي يجب أن تفعله إسرائيل؟

رداً على هذا السؤال يقولان: “ما دام الوضع في سوريا لم يستقر بعد، ولم يتضح السيناريو (أو خليط السيناريوهات) قيد التشّكل هناك، على إسرائيل تجنُّب التدخل المباشر، باستثناء مواجهة التهديدات الكبيرة المحتملة، ومنع استيلاء الجهات الجهادية على قدرات عسكرية لا ينبغي السماح لها بالسيطرة عليها، والعمل على بناء الدفاعات على الحدود، وترسيم “قواعد اللعبة” مع القوى الجديدة في سوريا.

 ويتابعان: “على المستوى المباشر، بدأت إسرائيل فعلاً بتعزيز دفاعاتها الحدودية مع سوريا، والحفاظ على المنطقة العازلة نظيفة من قوات الجيش هو درس مهم مستقى من ترسّخ قوات النخبة والرضوان على حدودنا في غزة والشمال على مدار السنوات الماضية. رغم الحاجة لمواجهة المواد الكيميائية الحربية في سوريا، فإنه لا ينبغي المبالغة في التهديد الذي تشكّله على إسرائيل. تم تدمير معظم مخزون الأسلحة الكيميائية، أو إخراجه من سوريا، في سنة 2013، وقدرة المتمردين على استخدامها محدودة”.

تقسيم سوريا

ويعكس الباحثان الإسرائيليان حلماً إسرائيلياً قديماً بتقسيم سوريا: في موازاة ذلك، يجب على إسرائيل، برأيهما، إعادة إحياء علاقات “حُسن الجوار” مع الجهات السنّية المحلية على الجانب الآخر من الحدود (مثلما جرى في ذروة الحرب الأهلية السورية خلال العقد الماضي وحتى صيف 2018) وتعزيز الشركاء المعتدلين في سوريا، وعلى رأسهم الطائفة الدرزية والأكراد. في ما يتعلق بسوريا نفسها، لإسرائيل مصلحة في نشوء فيدرالية، أو كونفدرالية تكون أطرافها متوازنة في ما بينها: الأكراد في الشمال، تحت رعاية الولايات المتحدة؛ السنّة في الشمال الغربي والوسط، تحت رعاية تركيا؛ العلويون في منطقة الساحل تحت رعاية روسيا؛ والدروز والسنّة المعتدلون في الجنوب بارتباط قوي مع الأردن، وبرعاية إسرائيلية- أميركية”.

الانهيار السريع للنظام السوري يمثّل حدثاً دراماتيكياً آخر، ربما لن يكون الأخير في سلسلة الخضّات والهزات الإستراتيجية في الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر

استقرار الأردن

بالإضافة إلى ذلك، يرى الباحثان أنه على إسرائيل وضع خطة شاملة للتعاون ودعم حليفها الأردن واستقرار الحكم في عمّان، في ظل الهزات التي تشهدها سوريا، والتي قد تمتد إلى داخل حدود المملكة. ويعللان مخاوفهما من هزات الزلزال السوري وبلوغها الأردن بالقول: “يُعد أمن حدود الأردن ذا أهمية كبيرة في منع تدفّق الأسلحة والذخيرة إلى الضفة الغربية.

 حلّ على جميع الجبهات

ويعتقدان أنه على المستوى الإستراتيجي، وبعد ضربات تلقاها محور المقاومة يجب على إسرائيل استغلال ضعف “حماس” وازدياد عزلتها لتحقيق أولويتها العليا التي تتصدر الأجندة الوطنية، وهي استعادة جميع المختطفين في أسرع وقت ممكن، عبر صفقة. ويقولان إن إنهاء الحرب في غزة، بعد فترة طويلة، يصبّ في مصلحة إسرائيل الإستراتيجية الأوسع في المنطقة، وهذا سيمكّنها من “تنظيف الطاولة”، استعداداً لدخول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وتركيز الحوار معه على مواجهة التهديد الأكثر أهميةً بالنسبة إلينا، وهو برنامج إيران النووي.

ويتابعان: “يبدو أننا ندخل فترة حساسة في مسألة البرنامج النووي الإيراني، بعد أن فقدت إيران أهم أدوات الردع والتأثير الرئيسية في الساحة الإقليمية، وقد تسعى لتعويض ذلك من خلال الساحة النووية. سيتعيّن على إسرائيل تذكير ترامب بأنه من دون تهديد عسكري موثوق به تجاه إيران فإن الضغوط الاقتصادية على طهران لن تنجح، مثلما حدث خلال ولايته الأولى”.

حدث ملهم؟

يرجح الباحثان الإسرائيليان أن انهيار النظام السوري يخلق ظروفاً أكثر ملاءمةً أيضاً في سياق التطبيع، حيث يخشى قادة الدول العربية من أن الأحداث الدراماتيكية في سورية قد تُلهم “الإخوان المسلمين”، فيرفعون رؤوسهم داخل دولهم وتهديد أنظمتهم، وضمن مزاعمها المرتبطة بـ حسابات الربح والخسارة. يضيفان: “في ظل هذه الظروف، تزداد “أسهم” إسرائيل وقيمتها، وكذلك الاهتمام بتحالفات إقليمية تحقق الاستقرار. هذه القضية الإضافية يجب على إسرائيل أن تسعى لتحقيق أقصى قدر من التنسيق بشأنها مع إدارة ترامب، بهدف الدفع بنظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط”. ويخلصان للقول :”أخيراً، يتوجب على إسرائيل أن تتوقع مزيداً من المفاجآت. فنحن لا نزال في خضم زلزال إقليمي، يجب علينا الاستعداد لـ”هزات ارتدادية” وصدمات إضافية. ليس فقط في الدول العربية المعتدلة، بل أيضاً في إيران، حيث النظام مكروه من أغلبية الشعب، ويعيش حالة ضعف؛ وفي لبنان، حيث يمكن أن تعود مسألة نزع سلاح “حزب الله” إلى الواجهة مجدداً، بعد الكارثة التي وقعت في لبنان”.

صحيفة القدس العربي