1

حليف مخضرم لماكرون.. من هو فرنسوا بايرو رئيس وزراء فرنسا الجديد؟

عين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرنسوا بايرو، رئيس حزب “الاتحاد من أجل الديمقراطية” المنتمي إلى وسط اليمين، أبرز حلفائه، رئيسا للوزراء وكلفه بتشكيل الحكومة، وذلك بعد ثمانية تسعة أيام من سقوط حكومة رئيس الوزراء السابق ميشيل بارنييه بحجب الثقة البرلمانية عنها.

منذ عام 2017، عندما تحالف مع إيمانويل ماكرون، وساهم في وصوله إلى الإليزيه، كان يُنظر في كل مرة إلى فرانسوا بايرو على أنه خيار جدي قبل تعيين أيّ رئيس وزراء جديد. وبعد إسقاط حكومة ميشيل بارنييه، عاد اسمه إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة بشكل أقوى. وشدد المقربون منه على أنه “مستعد” لتحمل مسؤوليات منصب رئيس الوزراء. ورأى بعضهم أن هذا السياسي الوسطي المخضرم هو “الوحيد القادر على الحصول على اتفاقية عدم حجب الثقة من اليسار واليمين المتطرف”.

فرانسوا بايرو، البالغ من العمر 73 عاماً، أقرّ خلال تسلمه لمنصب بـ“خطورة الموقف” فيما يتعلق بالعجز، قائلا: “ إنني على دراية بالصعوبات التي تنتظرنا في جبال الهيمالايا، وأول هذه الصعوبات هي الميزانية”.

كما هو الحال بالنسبة لسلفه، تبقى أولوية الأولويات بالنسبة لرئيس الوزراء الجديد وحكومته في استئناف الصياغة الصعبة لميزانية عام 2025، والتي ظلت معلقة بعد حجب الثقة عن اليميني بارنييه، الذي حذّر من أنه مع عجز قد يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، فإن “الدين المالي هو واقع سيفرض نفسه على أي حكومة مهما كانت”.

سيكون على رئيس الوزراء الجديد التفاوض مع الأحزاب، باستثناء حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، وحزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي بشأن المشاركة في الحكومة، أو دعمهم لنصوص معينة بما في ذلك الميزانية، أو على الأقل الاتفاق معهم على “عدم التصويت على حجب الثقة” عن الحكومة، أسوة بحكومة بارنييه التي صمدت فقط ثلاثة أشهر.

من المفترض أن يواجه فرانسوا بايرو الصعوبات نفسها التي واجهت سلفه ميشيل بارنييه، في ظل انقسام البرلمان على ثلاث كتل رئيسية، لاسيما أن الأخير ينتمي إلى المعسكر الرئاسي الذي يحكم البلاد منذ عام 2017.

فور تعيين فرانسوا بايرو، أكد حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي أنه سيطرح مذكرة لحجب الثقة عن حكومة فرانسوا بايرو. وقال حزب الخضر، أنصار البيئة، أنه سيدعم حجب الثقة عن الحكومة. فيما رفض الحزب الاشتراكي رفضه الانضمام إلى الحكومة الجديدة، مؤكدا أنه سيبقى في صفوف المعارضة. أما حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، فقال إنه لن يسحب الثقة من الحكومة إلا في حال تجاوزت “خطوطه الحمراء”.

https://x.com/France24_fr/status/1867538687430467652?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1867538687430467652%7Ctwgr%5E75520754e626388a7501e995a34a37b3d1a2489a%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2FD8ADD984D98AD981-D985D8AED8B6D8B1D985-D984D985D8A7D983D8B1D988D986-D985D986-D987D988-D981D8B1D8A7D986D8B3D988D8A7-D8A8D8A7D98AD8B1D988%2F

بدأت رحلة فرانسوا بايرو السياسية في جبال البيرينيه الأطلسية […] سبق له انتخب نائباً برلمانياً، ثم رئيسًا لبلدية بو في أبريل/نيسان 2014 لولايتين. وفي عام 1993، عين وزيرا للتربية الوطنية، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من أربع سنوات.

أنشأ بايرو حزبه “الاتحاد من أجل الديمقراطية”، معتبراً أن “السياسة الفرنسية فسدت لسنوات بسبب الأكاذيب والأوهام والوعود الكاذبة والانقسامات المصطنعة”.

ترشح ثلاث مرات لرئاسة الجمهورية في أعوام 2022 و 2007 و 2012، من دون الوصول إلى الجولة الثانية. وخلال انتخابات عام 2012 قرر التصويت شخصيا للاشتراكي فرانسوا هولاند في الجولة الثانية في مواجهة الرئيس المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي.

في عام 2017 تحالف مع إيمانويل ماكرون، وبعد وصول الأخير إلى الإليزيه عينه وزيراً للعدل في أول حكومة له، لكنه اضطر إلى الاستقالة على خلفية تحقيق يستهدف أعضاء من حزبه بشأن وظائف وهمية لمساعدين في البرلمان الأوروبي. وقد تمت مؤخراً تبرأته من هذه الاتهامات.

تم تعيينه عام 2020 على رأس الهيئة العليا للتخطيط. وبعد أربع سنوات، عينه الرئيس أخيراً رئيسا للوزراء. ويبدو أن هذا التعيين تم تحت ضغط كبير من فرانسوا بايرو الذي هدد بانسحاب حزبه من الائتلاف الرئاسي في حال لم يتم اختياره هذه المرة، وفق ما أوردت وسائل إعلام فرنسية.

صحيفة القدس العربي




ساعات الأسد الأخيرة في سوريا.. خداع ويأس وهروب

 لم يطلع بشار الأسد أحدا تقريبا على خططه للفرار من سوريا عندما كان حكمه يتداعى، بل تم خداع مساعديه ومسؤولي حكومته وحتى أقاربه أو لم يتم إعلامهم بالأمر على الإطلاق، وذلك بحسب ما قاله أكثر من 10 أشخاص على دراية بالأحداث لرويترز.

فقد أكد الأسد، قبل ساعات من هروبه إلى موسكو، لنحو 30 من قادة الجيش والأمن في وزارة الدفاع في اجتماع يوم السبت أن الدعم العسكري الروسي قادم في الطريق وحث القوات البرية على الصمود، وفقا لقائد حضر الاجتماع وطلب عدم الكشف عن هويته.

ولم يكن الموظفون المدنيون على علم بشيء أيضا.

فقد قال مساعد من دائرته المقربة إن الأسد أبلغ مدير مكتبه يوم السبت عندما انتهى من عمله بأنه سيعود إلى المنزل ولكنه توجه بدلا من ذلك إلى المطار.

اتصل الأسد بمستشارته الإعلامية بثينة شعبان وطلب منها الحضور إلى منزله لكتابة كلمة له… وعندما وصلت لم يكن هناك أحد

وأضاف المساعد أن الأسد اتصل أيضا بمستشارته الإعلامية بثينة شعبان وطلب منها الحضور إلى منزله لكتابة كلمة له. وعندما وصلت، لم يكن هناك أحد.

وقال نديم حوري المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي وهي مؤسسة بحثية إقليمية “لم يبد الأسد أي مقاومة. ولم يحشد قواته. لقد ترك أنصاره يواجهون مصيرهم بأنفسهم”.

ولم تتمكن رويترز من الاتصال بالأسد في موسكو التي منحته حق اللجوء السياسي. وتظهر المقابلات التي أجريت مع 14 شخصا مطلعين على الأيام والساعات الأخيرة التي قضاها الأسد في السلطة صورة لزعيم يبحث عن مساعدة خارجية لتمديد حكمه الذي دام 24 عاما قبل أن يعتمد على الخداع والسرية للتخطيط لخروجه من سوريا في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي.

وطلبت أغلب المصادر، التي تضم مساعدين في الدائرة الداخلية للرئيس السابق ودبلوماسيين إقليميين ومصادر أمنية ومسؤولين إيرانيين كبارا، حجب هوياتهم لمناقشة المسائل الحساسة بحرية.

وقال ثلاثة مساعدين إن الأسد لم يبلغ حتى شقيقه الأصغر ماهر، قائد الفرقة المدرعة الرابعة، بخطة خروجه. وقال أحدهم إن ماهر غادر بطائرة هليكوبتر إلى العراق ثم إلى روسيا.

الأسد لم يبلغ حتى شقيقه الأصغر بخطة خروجه… فغادر ماهر بطائرة هليكوبتر إلى العراق ثم إلى روسيا

وعلى نحو مماثل، ترك الأسد وراءه ابني خاله إيهاب وإياد مخلوف عندما سقطت دمشق في أيدي قوات المعارضة حسبما قال مساعد سوري ومسؤول أمني لبناني. وأضافا أن الاثنين حاولا الفرار بسيارة إلى لبنان لكنهما وقعا في كمين على الطريق نصبه مقاتلو المعارضة الذين أطلقوا النار على إيهاب وقتلوه وأصابوا إياد. ولم يرد تأكيد رسمي لوفاة إيهاب ولم تتمكن رويترز من التحقق من الحادث على نحو مستقل.

وقال دبلوماسيان إقليميان إن الأسد فر من دمشق يوم الأحد الثامن من ديسمبر كانون الأول بطائرة اختفت من على الرادار بعد إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال، هربا من مقاتلي المعارضة الذين اقتحموا العاصمة. وأنهى هذا الخروج الدرامي حكمه الذي دام 24 عاما ونصف قرن من حكم عائلته، وأدى إلى توقف الحرب الأهلية التي استمرت 13 عاما على نحو مفاجئ.

ترك الأسد وراءه ابني خاله إيهاب وإياد مخلوف اللذين حاولا الفرار بسيارة إلى لبنان لكنهما تعرضا لإطلاق نار مقاتلي المعارضة

وتوجه الأسد بالطائرة إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية في مدينة اللاذقية على الساحل السوري، ومن هناك إلى موسكو.

وكان أفراد أسرة الأسد، زوجته أسماء وأبناؤهما الثلاثة، في انتظاره بالفعل في العاصمة الروسية، بحسب ثلاثة مساعدين مقربين ومسؤول إقليمي كبير.

وتشير مقاطع مصورة لمنزل الأسد، التقطها مقاتلو معارضة ومواطنون احتشدوا في المجمع الرئاسي بعد رحيله ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أنه غادر على عجل، إذ ظهرت الأطعمة المطهوة التي تركت على الموقد والعديد من المتعلقات الشخصية التي تركها خلفه، مثل ألبومات الصور العائلية.

 روسيا وإيران

لن يكون هناك إنقاذ عسكري تقدمه روسيا، التي ساعد تدخلها في عام 2015 في تحويل مجرى الحرب الأهلية لصالح الأسد، أو من حليفته الأخرى إيران.

وقال أشخاص أجرت رويترز مقابلات معهم إن هذا الأمر اتضح للرئيس السوري السابق في الأيام التي سبقت هروبه، عندما سعى للحصول على المساعدة من مختلف الجهات في سباق يائس للتشبث بالسلطة وتأمين سلامته.

وقال ثلاثة دبلوماسيين إقليميين إن الأسد زار موسكو في 28 نوفمبر تشرين الثاني، بعد يوم من هجوم قوات المعارضة على محافظة حلب في الشمال، لكن دعواته للتدخل العسكري لم تلق آذانا في الكرملين الذي لم يكن راغبا في التدخل.

وقال هادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض في الخارج، نقلا عن مصدر داخل الدائرة المقربة من الأسد ومسؤول إقليمي، إن الأسد لم ينقل حقيقة الوضع إلى مساعديه.

البحرة: الأسد أبلغ القادة ومساعديه بعد زيارته لموسكو أن الدعم العسكري قادم… كان يكذب عليهم وكانت الرسالة التي تلقاها من موسكو سلبية

وأضاف البحرة “أبلغ قادته ومساعديه بعد زيارته لموسكو أن الدعم العسكري قادم، كان يكذب عليهم وكانت الرسالة التي تلقاها من موسكو سلبية”.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين يوم الأربعاء إن روسيا بذلت الكثير من الجهود في المساعدة على استقرار سوريا في الماضي لكن أولويتها الآن هي الصراع في أوكرانيا.

وبعد أربعة أيام من تلك الرحلة، في الثاني من ديسمبر كانون الأول، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالأسد في دمشق. وبحلول ذلك الوقت، كانت قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام قد سيطرت على حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، وكانت تتقدم جنوبا مع انهيار القوات الحكومية.

وقال دبلوماسي إيراني كبير لرويترز إن الأسد كان منزعجا بشكل واضح خلال الاجتماع واعترف بأن جيشه ضعيف لدرجة لا تسمح له بأي مقاومة فعالة.

لكن اثنين من المسؤولين الإيرانيين الكبار قالا إن الأسد لم يطلب مطلقا من طهران نشر قوات في سوريا، وأضافا أنه كان يفهم أن إسرائيل قد تستخدم أي تدخل من هذا القبيل كذريعة لاستهداف القوات الإيرانية في سوريا أو حتى إيران نفسها.

وامتنع الكرملين ووزارة الخارجية الروسية عن التعليق على هذا التقرير، في حين لم يتسن الحصول على تعقيب حتى الآن من وزارة الخارجية الإيرانية.

سقوط الأسد

رأي الأسد في نهاية المطاف أن سقوطه بات حتميا وقرر مغادرة البلاد لينتهي بذلك حكم عائلته الذي بدأ في عام 1971.

وقالت ثلاثة مصادر مقربة منه أنه كان يرغب في البداية في اللجوء إلى الإمارات بعدما سيطرت المعارضة المسلحة على حلب وحمص وكانت تتقدم نحو دمشق.

كان الأسد يرغب في البداية في اللجوء إلى الإمارات التي رفضت طلبه خوفا من ردود الفعل الدولية على إيواء شخصية خاضعة لعقوبات

وأوضحت المصادر أن الإماراتيين رفضوا طلبه خوفا من ردود الفعل الدولية على إيواء شخصية خاضعة لعقوبات أمريكية وأوروبية بسبب اتهامات باستخدامه أسلحة كيماوية في قمع المعارضة، وهي اتهامات رفضها الأسد وقال إنها ملفقة.

ولم ترد حكومة الإمارات على طلب للتعليق بعد.

وقال دبلوماسي روسي طلب عدم ذكر اسمه إن موسكو لم تكن مستعدة للتخلي عن الأسد رغم عدم رغبتها في التدخل العسكري.

وذكر مسؤولان إقليميان أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي حضر منتدى الدوحة يومي السبت والأحد، قاد الجهود الدبلوماسية لتأمين سلامة الأسد عبر التواصل مع تركيا وقطر للاستفادة من علاقاتهما بهيئة تحرير الشام لتأمين خروج الأسد الآمن إلى روسيا.

وقال مصدر أمني غربي إن لافروف فعل “كل ما في وسعه” لضمان رحيل الأسد بسلام.

وأوضحت ثلاثة من المصادر أن قطر وتركيا اتخذتا ترتيبات مع هيئة تحرير الشام لتسهيل خروج الأسد، رغم تعليقات رسمية من البلدين بأنهما لم يجريا اتصالات مع الهيئة التي تصنفها الولايات المتحدة والأمم المتحدة منظمة إرهابية.

وقالت ثلاثة من المصادر إن موسكو نسقت أيضا مع دول مجاورة للتأكد من عدم اعتراض أو استهداف طائرة روسية تغادر المجال الجوي السوري وعلى متنها الأسد.

ولم ترد وزارة الخارجية القطرية على استفسارات حول خروج الأسد بعد، بينما لم تتمكن رويترز من التواصل مع هيئة تحرير الشام للتعليق. وقال مسؤول حكومي تركي إنه لم يكن هناك طلب روسي لاستخدام المجال الجوي التركي لصالح رحلة الأسد، رغم أنه لم يتطرق إلى ما إذا كانت أنقرة قد عملت مع هيئة تحرير الشام لتسهيل خروجه.

وقال محمد الجلالي، آخر رئيس وزراء في عهد الأسد، إنه تحدث معه عبر الهاتف يوم السبت في العاشرة والنصف مساء.

وتحدث الجلالي إلى قناة العربية حول المكالمة الأخيرة بينه وبين الأسد قائلا “أخبرته بصعوبة الأوضاع وأن هناك نزوحا شديدا من مدينة حمص باتجاه اللاذقية وأن هناك آلاف السيارات التي تغادر حمص باتجاه الساحل السوري وأن هناك حالة من الهلع والرعب في الشارع”.

وأضاف الجلالي “قالي بكرة بنشوف”. وأوضح أنه حاول الاتصال بالأسد مجددا بحلول فجر الأحد لكنه لم يرد.

رويترز




صحيفة عبرية: لماذا يجب على إسرائيل التخلي عن حلم أكل الحمص الدمشقي؟

بعد أن تنتهي الاحتفالات وتتحطم آخر تماثيل الأسد في الميادين، سيتعين على السوريين معرفة من يحكمهم، وأساساً هل ستواصل سوريا الوجود أم ستنشأ ثلاث – أربع سوريات. دمشق، وسوريا كلها تشبه اليوم برلين بعد 1945 التي قسمت إلى مناطق نفوذ بين القوى المختلفة، والتحدي الكبير هو: هل سينجحون في العمل معاً للحفاظ على وحدة الدولة”. أقوال الكاتب عبد الرحمن الراشد في “الشرق الأوسط” تبرز المعضلة الثاقبة التي تكمن داخل وخارج سوريا في الأسبوع الأخير، ومطلوب الكثير من التفاؤل كي يصدق المرء بأن سوريا ستصعد إلى مسار مستقر. فمن خلف مظاهر الفرح وتوزيع الحلوى، ثمة واقع متكدر ينتظر: طوائف بينها عداء تاريخي وحسابات دموية لم تصف؛ وقيادة جديدة هي جملة واسعة من المنظمات (بعضها جهادية) دون قاسم مشترك ومع كثير من الكراهيات الداخلية: استمرار النبش من أياد خارجية تحمي رعايا وتحاول السيطرة على ممتلكات في الدولة المتفككة؛ وانعدام إطار لساحة سياسية حديثة ومجتمع مدني؛ ودولة اقتصادها وبناها التحتية مدمرة بعد 13 سنة من الحرب الأهلية.

سوريا تشبه العراق في هذا بعد إسقاط نظام صدام حسين في 2003. لم يكن معروفاً الصندوق الأسود للقوى الاجتماعية والعلاقات بين الطوائف في الدولتين حتى انهيار النظام القديم فيهما. عندما سقط نظام البعث في العراق انطلقت من صندوق مفاسد كل شياطين الماضي، بخاصة الصراعات بين الطوائف، وصعدت أو نشأت قوى جديدة بما في ذلك “داعش”. نجح العراق في البقاء، وإن بشكل متعثر، بسبب النسغ الأمريكي الذي حافظ عليه. الأمر غير موجود في سوريا، ويثير التساؤل: ما الذي سيربط بين جملة المنظمات والطوائف؟

اللبناني نديم قطيش، مدير عام شبكة “سكاي نيوز” بالعربية، يوصي بأن نكون شكاكين حول طبيعة الجماعات السائدة في النظام الجديد، وبخاصة هيئة تحرير الشام برئاسة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع). “يجدر بالذكر أن حكم الخميني في بداية عهده ترافق وآمالاً بنظام جديد وليبرالي، وهكذا كان حكم الإخوان المسلمين قصير الأمد في مصر بعد إسقاط مبارك في 2011، والذي رأى فيه كثيرون بداية نظام ديمقراطي. نعرف التاريخ المخادع هذا ونعرف ما كانت مزايا تلك الأنظمة الواعدة عملياً”.

كما أن الباحثة السعودية أمل الهزاني، تقترح النظر بحذر، وإن بتفاؤل أكبر قليلاً. “بتأخير 14 سنة، نضجت ثمار الربيع العربي في سوريا أيضاً، لكن الاحتفال سابق لأوانه. علامة الاستفهام المركزية تتعلق بالجولاني. في الأسبوع الأخير، حاول تثبيت حكومة انتقالية، أما خطاب النصر الذي ألقاه في المسجد الأموي ومن المقابلات مع وسائل الإعلام الغربية فيشير هجر شعارات الماضي المتطرفة في صالح نظام جيد ومستقر”.

“أسوأ من اليهود”

الأكراد في سوريا يشكلون 10 في المئة من السكان، هم الشكاكون المركزيون تجاه الوضع الجديد، ولهم أسباب وجيهة لذلك. “زعماء مثل الجولاني لا يمكنهم تغيير طبيعتهم”، يشرح د. أكرم نعسان، ناشط كردي – سوري بارز يسكن في ألمانيا وعاد في الأيام الأخيرة إلى منطقة عفرين حيث ولد. “كان الأكراد دوماً الطائفة الأكثر ظلماً في سوريا. وهم عالقون في بقعة أليمة بين تركيا والمنظمات الإسلامية المتطرفة، جهتين تعاونتا في إسقاط الأسد. من ناحية الإسلاميين، الأكراد أسوأ من اليهود، وفي بعض المناطق في شمال سوريا وقعت احتكاكات بين الطرفين، ربما تتعاظم”.

وثمة شكوك من نوع آخر يتميز بها الدروز، الذين يعدون 3 في المئة من السكان. “جبل الدروز، ومدينة السويداء بخاصة، كانا بؤرة مركزية في الثورة ضد الأسد، وقدم الدروز المساعدة لكثير من اللاجئين المسلمين في جنوب سوريا. لكن كانت هناك جيوب تأييد لنظام الأسد مثل قرية الحضر، الأمر الذي يلزم الدروز بأن يثبتوا أنهم جزء من الثورة”، يشرح دولان أبو صالح، رئيس مجلس مجدل شمس حيث رفعت في ميادينها المركزية أعلام سوريا الجديدة. “علامة الاستفهام المركزية تتعلق بالجولاني المعروف مع تيار معاد لكل الطوائف غير السُنية في سوريا بما فيها الدروز”.

وثمة قلق طائفي مختلف تماماً يبرز بين العلويين، الأقلية التي حكمت سوريا في الـ 54 سنة الأخيرة بقوة الذراع وتخاف الآن من تصفية الحسابات، التي بدأت مظاهرها في الأسبوع الأخير في شكل تصفيات وإعدامات.

الخاسرة المركزية من سقوط الأسد هي إيران، التي قدم مركزية في معسكر المقاومة الذي قطعت قادته، وبذلك يضاف إلى الضربات القاضية التي تعرض لها حزب الله الذي بدأ يفقد من قوته مع قطع أنبوب التنفس الإيراني. يدور الحديث عن ضربة تاريخية لطهران، التي شعرت حتى قبل بضعة أشهر بأن النجوم في الشرق الأوسط تترتب لصالحها. الوضع الجديد يثير هناك جملة واسعة من ردود الفعل: بدءاً من النقد الداخلي اللاذع على المقدرات والدماء التي استثمرت سنوات طويلة وضاعت هباء، مروراً بالخوف من اتجاه جهود إسرائيل (والولايات المتحدة) ضد النظام الإسلامي الآن، وانتهاء بجهود التليين، مثل الإعلانات بأن إيران ستقبل حسم الشعب السوري والموافقة على رفع العلم السوري الجديد في السفارة السورية في طهران.

“ينشأ حساب نفس ثاقب في طهران الآن، يترافق واتهام كبار رجالات النظام والحرس الثوري بما يلوح كفشل ذريع لاستراتيجية طويلة السنين”، يشرح الباحث د. فرزين مديني من معهد واشنطن. “التحولات في سوريا ولبنان ستلزم إيران بالاستثمار في العراق أكثر؛ لمنع تهديدات مستقبلية من سوريا، بخاصة إمكانية انبعاث “داعش”. إضافة إلى ذلك، ستتأكد أهمية العراق في الصراع ضد إسرائيل، وقد لا تكتفي الميليشيات الشيعية بإطلاق المسيرات الصواريخ الجوالة وستنتقل إلى صواريخ باليستية. الضربات الأخيرة ستدفع إيران إلى تسريع إنتاج الصواريخ وبالطبع التقدم في المشروع النووي انطلاقاً من التقدير بأن إسرائيل والولايات المتحدة تطوران دافعية هجومية ضد النظام الإسلامي، ما يفترض ردعاً وضمانة للحصانة مثلما تصرفت كوريا الشمالية”.

حماس منعزلة

في الخلفية، ينشأ في العالم العربي بحث حول مسألة هل تبشر الحرب بنهاية معسكر المقاومة الذي تقوده إيران وبالتشكيك بمفهوم المقاومة الذي أساسه حرب عصابات وإرهاب ضد إسرائيل وسعي لاستنزافها حتى لو كان الأمر يجبي ثمناً باهظاً. في الشرق الأوسط يتساءلون: هل شهية الوكلاء هي التي أدت إلى الهزيمة؟ فقد أقاموا مكانة حكم (حماس)، وتمأسسوا عسكرياً (حزب الله)، وطوروا تطلعات لهزيمة إسرائيل. وقفوا أمامها جبهوياً، وهكذا أصبحوا قابلين للإصابة وتعرضوا لضربات قاضية حتى لو لم يبادوا.

المنتصر في الدراما الحالية هو بلا شك أردوغان، الذي دعم معظم المنظمات التي قادت الهجوم الحالي. “هو الحاكم الحقيقي اليوم في دمشق”، يدعي د. نعسان. ويؤكد ذلك د. حي ايتان كوهن ينروجك من جامعة تل أبيب فيقول: “لقد شخص أردوغان فرصة تاريخية في ضوء غرق روسيا في الحرب في أوكرانيا والإصابات الشديدة التي تعرضت لها إيران وحزب الله، وبادر إلى خطوة لتعزيز النفوذ الاستراتيجي التركي في المنطقة. في الخلفية رؤية “العثمانية الجديدة” التي تتطلع إلى استعادة المجد التركي بالعودة إلى قيادة العالم السني، وترى في الحرب خطوة لصد القوى الشيعية بقيادة إيران، مثلما كان في القرن السادس عشر.

للولايات المتحدة وزن مركزي في اليوم التالي في سوريا. تركز واشنطن الآن على منع جهد تركي لسحق القوى الكردية التي يساعدها الأمريكيون ولا سيما ميليشيا YPG. أما باقي الجماعات فليس للولايات المتحدة صلة حقيقية، يشرح روبرت فورد السفير الأمريكي في سوريا بين 2011 – 2014. “لقد نجح الجولاني في المفاجأة بنهجه، والتوقع المركزي منه هو إبداء التسامح تجاه الأقليات، وخاصة المسيحيين، وهي المسألة القريبة من قلوب الأمريكيين. في نظرة إلى الأمام، سوريا تكون في توتر بين تعب أغلبية سكانها من 13 سنة حرب أهلية وخوف من الغرق في مصير مثل مصير ليبيا بعد إسقاط القذافي، وبين خصومات القوى الداخلية وغياب تقاليد اللعبة السياسية، الأمر الذي سيهدد وحدة الدولة”.

دون البحث عن طفيليات

في ضوء الدراما التي لا تزال في ذروتها، باتت إسرائيل مطالبة بنهج متوازن. ترك النشوة بروح حرب الأيام الستة التي سادت في تغطية السيطرة على جبل الشيخ السوري وتدمير سلاح الجو السوري وتذكر المزايا الأساس للحارة التي تعلمناها بشكل مأساوي في 7 أكتوبر. لقد كان الأسد عدواً مريراً، وسقوطه ضربة قاضية لمعسكر المقاومة بقيادة إيران. لكن سوريا في اليوم التالي ليست بلاد الفرص، بل مصدر للعديد من التحديات.

أولاً، يجب الامتناع عن الأخيلة والتذكر كيف نظرنا إلى سقوط صدام والربيع العربي. فقد تحدثنا عن شرق أوسط جديد، ليبرالي، مزدهر ومستقر، وتجاهلنا التحذيرات من الفوضى والإرهاب المحتملين.

ثانياً، يجب مواصلة تدمير البنى التحتية للجيش السوري والقدرات غير التقليدية والسلاح المتطور خشية وقوعه في أيدي الثوار، إلى جانب الاحتفاظ بالمنطقة العازلة في هضبة الجولان، مع التأكيد بأنه مؤقت ومحدود.

في المدى الأبعد، من الضروري تبني نهج حذر متواضع وواع أساساً. ومن الحيوي تطوير علاقات مع جماعات قريبة من الحدود لأغراض أمنية مع الحذر من مغامرات غايتها إعادة تصميم سوريا قد تجتذب إسرائيل عميقاً إلى الداخل مثلما حصل في لبنان 1982. الحلم الإسرائيلي العتيق “لأكل الحمص في دمشق” يجدر إحالته جانباً مع الاعتراف بأنه سيمر وقت وستطل تحديات عديدة في الطريق إلى العاصمة السورية.
ميخائيل ميلشتاين

صحيفة يديعوت احرونوت العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




إنترسبت: لماذا يواصل الكونغرس حماية إسرائيل وإخفاء أرقام ضحايا حرب غزة؟

نشر موقع “ذي إنترسبت” تقريرا أعدته جيسيكا واشنطن قالت فيه إنه يوجد بند غير ملحوظ في مشروع قانون الدفاع السنوي يمنع البنتاغون من الاستشهاد بمعلومات واردة عن وزارة الصحة في غزة كمصدر موثوق.

ويمر مشروع قانون البنتاغون بقيمة 895 مليار دولار عبر الكونغرس ويحتوي على بند صغير يهدف لإخفاء حصيلة القتلى في غزة بشكل أكبر، وهو أحدث جهد من جانب صناع السياسات في الولايات المتحدة لإثارة الشك حول أرقام الضحايا التي أبلغ عنها مسؤولو الصحة الفلسطينيون.

وافق مجلس النواب على قانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام، يوم الأربعاء وأرسله إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، على الرغم من اعتراضات الديمقراطيين على اقتراح الحزب الجمهوري بمنع الأطفال المتحولين جنسيا الموجودين على التأمين الصحي العسكري من تلقي الرعاية التي تؤكد الجنس.

لقد حظي البند المتعلق بعدد القتلى في مشروع القانون الذي يجب تمريره، والذي تم تمريره بأغلبية 281 صوتا مقابل 140 صوتا مع 81 صوتا ديمقراطيا، باهتمام أقل بكثير. من شأنه أن يمنع البنتاغون من الاستشهاد علنا ببيانات الضحايا “الموثوقة” من وزارة الصحة في غزة، مما يخفي فعليا المدى الكامل لعدد القتلى في غزة في الاتصالات العامة للجيش.

وكانت البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية، حيث حرمت إسرائيل باستمرار العاملين في مجال حقوق الإنسان من الوصول إلى القطاع ومنعت الصحافيين الأجانب من الدخول.

البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية

وقالت النائبة إلهان عمر، ديمقراطية من ولاية مينيسوتا، في بيان لموقع إنترسبت: “هذا محو مثير للقلق لمعاناة الشعب الفلسطيني، وتجاهل الخسائر البشرية للعنف المستمر”.

لا يشير البند صراحة إلى وزارة الصحة في غزة، ولكن بدلا من ذلك، ينص على أن البنتاغون لا يمكنه “الاستشهاد في الاتصالات العامة بأرقام الوفيات التي تستمدها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو الكيانات الحكومية التي تسيطر عليها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو أي مصادر تعتمد على الأرقام التي تقدمها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية”.

ومع ذلك، فإن الهدف واضح. فقد ألقى الساسة في الولايات المتحدة مرارا وتكرارا بظلال من الشك على الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة في غزة لأنها تقع تحت سلطة حماس، وهي منظمة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، أقر مجلس النواب تشريعا يحظر صراحة على وزارة الخارجية الاستشهاد ببيانات من وزارة الصحة في غزة. وقال الرئيس جو بايدن للصحافيين في وقت سابق إنه “لا يثق في الرقم الذي يستخدمه الفلسطينيون”، على الرغم من أن وزارة خارجيته تستخدم هذه الأرقام بشكل موثوق لسنوات.

لقد اعتمدت هيئات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، لفترة طويلة على البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة واعتبرتها موثوقة ومتماشية مع نتائجها الخاصة.

وقال رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، فيليب لازاريني، للصحافيين في مؤتمر العام الماضي: “في الماضي، خلال الدورات الخمس أو الست من الصراع في قطاع غزة، كانت هذه الأرقام تعتبر ذات مصداقية، ولم يشكك أحد في هذه الأرقام حقا”.

ويمتد الحظر إلى أي مصادر تعتمد على بيانات وزارة الصحة، والتي تشمل معظم منظمات حقوق الإنسان الرائدة والأمم المتحدة.

يأتي التشريع بعد وقت قصير من إعلان منظمة العفو الدولية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مشيرة إلى عامل في قرارها وهو عدد القتلى الهائل في القطاع المحاصر. في العام الأول من الهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة، قتل الجيش 44,835 شخصا في غزة، وفقا لوزارة الصحة.

الآن، سينتقل التشريع إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ومن المرجح أن يتم التصويت عليه الأسبوع المقبل. لقد أعلن السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، معارضته لهذا القرار، حيث زعم أنه في الوقت الذي يكافح فيه الأمريكيون للحصول على رواتبهم، لا ينبغي للكونغرس أن يمنح 900 مليار دولار للمجمع الصناعي العسكري.

وقال ساندرز في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء: “نحن لسنا بحاجة إلى نظام دفاعي مصمم لتحقيق أرباح ضخمة لعدد قليل من شركات الدفاع العملاقة في حين يوفر أقل مما تحتاجه البلاد. لسنا بحاجة إلى إنفاق ما يقرب من تريليون دولار على الجيش، بينما نصف مليون أمريكي بلا مأوى، والأطفال يعانون من الجوع، وكبار السن غير قادرين على تحمل تكاليف تدفئة منازلهم في الشتاء”.

موقع انترسبت الاميركي




سياسات الطاقة الأوروبية تقودها إلى الهاوية

الغريب في الوضع الأوروبي ليس تبني الحكومات سياسات خاطئة، ولكن الاستمرار في الخطأ، والأغرب من ذلك هو محاولة الأوروبيين إقناع الدول النامية بتبني هذه السياسات الخاطئة. لهذا يمكن القول إنه من دون تغيير ثوري، فإن أوروبا بلغت أوجها وهي في مرحلة الانحدار. ولعل أبرز دليل على الفشل المتكرر للسياسات هو شيوع سياسة “الترقيع”، تبني سياسة جديدة، فشل، سياسة أخرى لإصلاح السياسة القديمة، أعراض جانبية، سياسات جديدة للحد من الأعراض الجانبية، مزيد من الفشل، وهكذا دواليك.

سياسات الطاقة المتطرفة

أوروبا هي الخاسر الأكبر من تبني سياسات طاقة متطرفة. فها هي ألمانيا تعاني ارتفاع أسعار الطاقة، التي أصبحت من الأعلى في العالم، وبدأت المصانع تغلق أبوابها والشركات تحقق خسائر كبيرة، وبدأت صناعة السيارات التي اشتهرت بها بالأفول. وها هي بريطانيا تعاني مرات عدة في السنة من نقص إمدادات الطاقة وارتفاع شديد في الأسعار بسبب توقف الرياح، ونقص إمدادات الكهرباء المولدة من عنفات الرياح، الذي يعني زيادة الطلب على الغاز وارتفاع أسعاره. بريطانيا فرضت ضرائب استثنائية على شركات النفط والغاز المنتجة في بحر الشمال، فانهارت الاستثمارات في القطاع، وحولت الشركات استثماراتها إلى أماكن أخرى حول العالم. ونتج من ذلك استمرار هبوط إنتاج النفط والغاز في بريطانيا. هذا يعني بالضرورة زيادة اعتماد بريطانيا على واردات النفط والغاز، وهذا يعارض سياساتها على مدى الـ45 عاماً الماضية: تخفيض الاعتماد على واردات النفط والغاز! الدنمارك قررت وقف الاستثمار في قطاع النفط والغاز وركزت على الطاقة المتجددة. كان هناك مناقصة ضخمة لبناء مشروع طاقة هوائية بالبحر في الأسبوع الماضي، ولم يدخل المنافسة أحد. ولا حتى شركة واحدة. الكلف عالية، وهذه المشاريع تتطلب إعانات ضخمة.
مع ارتفاع أسعار الطاقة بسبب انخفاض صادرات الغاز الروسية وتقطع الطاقة المتجددة وعدم انتظامها، ارتفعت أسعار الطاقة بصورة كبيرة، فقامت الحكومات الأوروبية بتقديم إعانات للمستهلكين، وهذا يتضمن إعانات للكهرباء والغاز والبنزين والديزل. هذه الحكومات، ومن ورائها صندوق النقد الدولي، حاولت لأعوام طويلة إقناع الدول النامية بعدم تقديم إعانات لمستهلكي الطاقة لأنها استنزاف للموازنة، وخطر على الأسواق، ومهددة للنمو الاقتصادي، ومسببة للتضخم. ولكن عندما ارتفعت الأسعار في بلادهم رموا كل هذه “الحكم” في البحر! انقلب السحر على الساحر، لأن هدف الحكومات الأوروبية هو تخفيض استهلاك “الوقود الأحفوري” لتخفيض انبعاثات الكربون وتحقيق أهداف سياسات التغير المناخي، وتقديم الإعانات خفض الأسعار، فزاد الاستهلاك، وزادت الانبعاثات، ورقع يا مرقع!
مشكلة الحكومات الأوروبية عدم إدراكها أن مشكلة التغير المناخي حصلت على مدى بضع مئات السنين، ويريدون حلها خلال من 20 إلى 30 عاماً، وهذا غير ممكن.

أوروبا والحرب في أوكرانيا

أوروبا هي الخاسر الأكبر من الحرب في أوكرانيا. فالحرب لم تستنزف بعض الدول الأوروبية مالياً فحسب، وإنما كبدتها خسائر كثيرة من إيواء اللاجئين إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
انخفاض صادرات الغاز إلى أوروبا كلف الدول الأوروبية مبالغ مليارية حتى الآن لأنها اضطرت إلى استيراد الغاز المسال بأسعار بلغت أضعاف ما تدفعه ثمناً للغاز الروسي. وكان المستفيد الأكبر هو الولايات المتحدة التي أصبحت منذ ذلك الوقت أكبر مصدر للغاز المسال في العالم.

بعض الدول الأوروبية قررت أن توقف أو تخفض صادرات الغاز من روسيا، بينما قررت إدارة بوتين وقف هذه الصادرات إلى الدول الأخرى، والجزء الثاني أكبر من الأول. لم تفرض الدول الأوروبية حظراً على الغاز الروسي، وهذا يمثل مشكلة أخلاقية كبيرة: مصالحها تقتضي أن تكون مع أوكرانيا ما دامت مصالحها لم تتأثر. أما وقف بوتين ضخ الغاز لبعض الدول الأوروبية فكان بعض منه عقوبة لبعض الحكومات، والجزء الآخر لإجبار الدول الأوروبية على استيراد الغاز المسال الروسي. وأكبر الدول المستوردة للغاز الروسي هي فرنسا وإسبانيا وبلجيكا.

وقعت ألمانيا عقداً طويل الأمد لشراء الغاز المسال الروسي، ولكن “الحياء الألماني” من الحرب في أوكرانيا جعلها تتوقف عن استيراد الغاز المسال الروسي. المواطن الألماني يظن أن حكومته وقفت موقفاً مشرفاً من الحرب الأوكرانية بوقوفها مع أوكرانيا ومعاقبة بوتين بوقف واردات الغاز المسال الروسي. ولا يعرف أن حكومته نسقت مع الروس والفرنسيين لإرسال الشحنات إلى فرنسا حيث يتم إعادة تغويزها وإرسال الغاز الروسي عبر أنابيب إلى ألمانيا، وهكذا تظهر الحكومة رسمياً أن واردات الغاز جاءت من فرنسا ولا تستورد أي غاز من روسيا. وطبعاً، الأسعار أضعاف ما كانت تدفعه لروسيا عندما كان الغاز الروسي يتدفق إلى ألمانيا عبر الأنابيب.

أوروبا والبحر الأحمر

الخاسر الأكبر مما حصل في البحر الحمر هي أوروبا، فتحويل السفن من البحر الأحمر والمرور حول أفريقيا رفع كلف الشحن بصورة كبيرة. فالبضائع الآسيوية الذاهبة إلى أوروبا ارتفعت كلف شحنها، كما ارتفعت كلف شحن البضائع الأوروبية إلى آسيا. وإذا مرت السفن من البحر الأحمر فإن كلف الشحن ارتفعت أيضاً بسبب ارتفاع كلف التأمين وأجور البحارة الذين طالبوا بزيادة الأجور لأن حياتهم معرضة للخطر. حتى الغاز القطري الذاهب إلى أوروبا يشحن حول أفريقيا وليس عبر البحر الأحمر.
النفط الروسي يصل إلى آسيا عبر البحر الأحمر بأسعار مخفضة، بينما تدفع الدول الأوروبية ثم السوق، كلف شحنه حول أفريقيا. إذا مرت الحاملات عبر البحر الأحمر فكلفها عالية بسبب التأمين وأجور العمال كما ذكر سابقاً.
غالب الدول الأوروبية تعاني حالياً من ضعف النمو الاقتصادي، ولا يتوقع أن يتحسن ذلك في ظل سياسات طاقة متخبطة وحروب تجارية مع الصين. بعض الدول الأوروبية الصغيرة نسبياً قد تعاني مشكلات اقتصادية مع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، لأنه كان لوجودهم دور كبير في تحسن أسواق العقار والإنفاق الحكومي والاستهلاك بصورة عامة.
خلاصة القول، إن سياسات الطاقة المتطرفة في أوروبا تقودها إلى الهاوية. وإذا لم يتم التغيير سريعاً، فإنه يمكن القول، إن أوروبا بلغت أوجها وبدأت بالانحدار. ويعزز ذلك استقطاب الولايات المتحدة الآن لرؤوس الأموال والعقول الأوروبية.

أنس الحجي

صحيفة اندبندنت أرابيا