1

تنمية الطاقة المتجددة في لبنان… ضرورة في مواجهة التحديات

يعاني لبنان، منذ سنوات، أزمة خانقة في قطاع الطاقة الكهربائية، فمنذ بدء الانهيار الاقتصادي أواخر عام 2019، اعتاد اللبناني أن تتفاوت ساعات التغذية التي تصله بين فترات “العتمة الشاملة” إلى ثلاث أو أربع ساعات يومياً في أحسن الأحوال، يتوقّف هذا الأمر على توفّر مادة الفيول في المعامل، وتوفّر الأموال لاستيرادها.

في ظل الوضع القائم، وغياب الحلول الجادة في الأفق، بدأت الأسر اللبنانية والشركات والمصانع في السنوات الأخيرة باللجوء إلى الحلول المستدامة والاعتماد على الطاقة المتجددة لا سيّما ألواح الطاقة الشمسية التي غزت أسطح المنازل في القرى والبلدات اللبنانية وصولاً إلى العاصمة بيروت.

لا تُعتبر هذه الوسيلة ملجأً لتأمين الطاقة فحسب، بل أيضاً أحد أهم أسباب حماية البيئة ومواجهة التغيّر المناخي الذي يجتاح العالم، خاصة في بلد مثل لبنان تغطي سماءه سُحب الدخان الأسود الناتج عن تشغيل المولّدات طوال أيام السنة.

وفي سياق الطاقات المتجددة، شكّل مشروع المحطة الشمسية في بلدة “طير حرفا”، جنوب لبنان، الذي تعرّض لاستهداف من قبل الطيران الإسرائيلي في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مشروعاً مهمّاً إذ جاء استجابةً للحاجة الملحّة إلى توفير المياه النظيفة لأهالي البلدة، خاصةً المزارعين، ونتيجة لارتفاع تكلفة الحصول على الكهرباء، والاعتماد الكبير على مولّدات الديزل لضخ المياه أو اللجوء إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة.

يُشير المشرف على محطة الطاقة الشمسية في “طير حرفا”، ضمن مشروع Smart Power، أحمد عواضة، إلى أن “أحد الأسباب الرئيسية للاعتماد على الطاقة الشمسية كان صعوبة تأمين كميات كبيرة من المازوت لتزويد المنازل بالمياه، بالإضافة إلى التكلفة العالية لتشغيل مولّدات الكهرباء”، موضحاً أن هذا القرار اتُخذ بإجماع المجتمع المحلي والبلدية، حيث لاقت الفكرة حماساً وترحيباً من سكان البلدة.

ويؤكد عواضة أن مشروع الطاقة الشمسية صديق للبيئة، حيث يعمل على توفير الطاقة النظيفة دون أي مخلّفات تؤدي إلى تلوّث الهواء أو البيئة المحيطة به، مقارنةً بالمولّدات التي تساهم في تلوّث الهواء بسبب انبعاثات المازوت والزيوت، مردفاً بأن البلدة كانت تعتمد على مولّدات كهرباء ضخمة تعمل لساعات طويلة، وقد توقفت تقريباً بشكل كامل عن العمل، خاصةً خلال فترة الصيف. وبالتالي، يمكن القول إن هذا المشروع ساهم بشكل كبير في تقليل انبعاثات المولّدات وتأثيراتها السلبية على البيئة.

نوعان من المبادرات

بدورها، تقول المحامية والخبيرة القانونية في شؤون الطاقة، الدكتورة كريستينا أبي حيدر، إن هناك نوعين من المبادرات المتعلقة بالطاقة الشمسية التي تم تنفيذها في لبنان، “الأولى هي المبادرات الفردية، والتي ظهرت بشكل واضح في صيف 2021، عندما انتقلنا إلى ‘العتمة الشاملة’ مع انتهاء عقد شركة كهرباء لبنان مع الجزائر، وانقطاع إمدادات الفيول، إضافةً إلى الأحداث والأزمات المتتالية المترافقة مع الانهيار الاقتصادي وغياب المال لشراء الفيول لمعامل كهرباء لبنان”.

وتردف: “شهدنا في تلك الفترة فورة في التوجّه إلى الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، بحيث لم يكن أمام الناس إلا أن يتجهوا إلى حلول فردية بدون أي توجيه أو تنظيم”، مؤكدةً أنه لا يمكن لوم الأفراد في هذه الحالة، لا سيّما أنهم كانوا في سعي لإيجاد حلول فردية والهرب من فواتير المولّدات التي ارتفعت بشكل كبير، في الوقت الذي بقيت فيه الدولة عاجزة عن تأمين أي حلول فعلية.

أما النوع الثاني، فتخص به أبي حيدر المبادرات المحلية للبلديات في لبنان، مشيرةً إلى أن هناك توجهاً ملحوظاً من قبل البلديات، خاصة في المناطق الريفية، نحو الاستثمار في الطاقة الشمسية لأغراض مختلفة مثل توفير الكهرباء للمواطنين أو ضخ المياه، كما هو الحال في مشروع “طير حرفا”، متابعةً بأن مثل هذه المشاريع ورغم أهميتها تُعد حلولاً مؤقتة لتوفير الكهرباء، بحيث لا يمكنها تغطية احتياجات البلديات بالكامل على مدار الساعة نظراً للتكاليف العالية والاحتياجات الكبيرة للمساحات.

وتلفت أبي حيدر في هذا السياق إلى الشق القانوني لهذه المشاريع، موضحةً أن القوانين اللبنانية الحالية تحد من تنفيذها، “القوانين تمنع إنتاج وبيع ونقل الكهرباء بشكل مستقل، حيث تظل جميع هذه الأنشطة تحت احتكار مؤسسة كهرباء لبنان منذ تأسيسها عام 1946″، مؤكدةً أن عدم القانونية يشمل أيضاً مولّدات الكهرباء التي تشكل ضرراً كبيراً على البيئة وصحة الإنسان.

عجز الخطط الوطنية للطاقة النظيفة 

إلى ذلك، توضح أبي حيدر، التي عملت على مقترح قانون الطاقة المتجددة الموزعة الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2023، أن القانون كان يهدف إلى السماح للقطاع الخاص بتنفيذ مشاريع الحقول الشمسية وبيع الكهرباء مباشرةً دون الحاجة إلى إذن من أي جهة، مع إمكانية استخدام شبكة الدولة، مشيرةً إلى أنه “كان من المفترض أن يُمكِّن هذا القانون البلديات، إما بشكل مباشر أو عبر القطاع الخاص، من تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية. ولكن، للأسف، تم ربط تنفيذ هذا القانون بإنشاء ‘الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء’، التي كان من المفترض أن تُعيّن في عام 2002”.

وفي ما يتعلّق بتأثير هذه المبادرات على تلوّث الهواء والتغيّر المناخي، تلاحظ أبي حيدر أن معظم هذه المشاريع تركّز على تلبية الاحتياجات الفردية فقط في حين أن “الدولة لم تتبع خطة فعالة لتقليل الانبعاثات، بل اضطرت إلى إيقاف معاملها بسبب نقص الوقود، وهو ما خفض الانبعاثات بشكل غير مباشر، في وقت تستمر انبعاثات المولّدات، التي تُعتبر ‘قنابل موقوتة’ وتؤثر سلباً وبشكل كبير على البيئة دون إيجاد أي خطة فعلية للحد من انبعاثاتها”.

وتشدّد الأكاديمية اللبنانية على أن “مشكلة بيئية جديدة تنتظرنا” في ظل غياب خطة واضحة للتخلّص من البطاريات المستخدمة وتدويرها، مؤكدةً أن هذه المبادرات المحلية للطاقة الشمسية مفيدة كحلول مؤقتة، لكن تنفيذها بشكل قانوني وفعّال يحتاج إلى مزيد من الإجراءات التنظيمية والتخطيط الإستراتيجي.

على هامش مؤتمر COP 28، أُعلن أن لبنان ماضٍ قدماً في الوصول إلى مستهدف بنسبة 30% من إجمالي استهلاك الكهرباء عبر مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، بالإضافة إلى التزام الحكومة اللبنانية بخفض الانبعاثات بنسبة 30% بحسب اتفاق باريس، ويثير الواقع الراهن تساؤلات عديدة حول مدى تحقيق هذه الأهداف. وعليه تستعرض أبي حيدر القضايا الأساسية التي تواجه قطاع الطاقة المتجددة في لبنان، قائلةً: “كل ما فعلته الدولة هو دفع المواطنين إلى البحث عن حلول فردية لمشاكل الطاقة والانبعاثات، دون وجود خطة وطنية ملموسة وشاملة لتحقيق هذه الأهداف”. 

كما تشدد أبي حيدر على أن العديد من المشاريع الوطنية للطاقة المتجددة، لم تنفذ بالرغم من الإعلان عنها وأخذ المناقصات، مثل مشروع “مزارع الرياح”، موضحةً أن هذه المشاريع لم تُنفذ بذريعة الانهيار المالي، رغم أن التراخيص كانت قد منحت في عام 2017، أي قبل حدوث الانهيار. “السبب الفعلي وراء عدم التنفيذ هو أن المشاريع كانت تعتمد على تمويل من الدولة، التي أصبحت غير قادرة على توفير التمويل”، على حد قولها. وهي تلفت إلى أن استمرار وزارة الطاقة والمياه في إطلاق المناقصات – في ظل عدم توفر المال وإفلاس الدولة – هو مجرد تصريحات إعلامية في ظل غياب خطوات منطقية وملموسة.

وفي ما يتعلّق بالأرقام التي تُعلنها وزارة الطاقة والمياه حول إجمالي استهلاك الكهرباء من الطاقة الشمسية، تستغرب أبي حيدر التصريحات بشأن تحقيق 1000 ميغاوات من الطاقة الشمسية، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول كيفية الوصول إلى هذه الأرقام، متسائلةً: “كيف يمكن للوزارة أن تُصرّح بمثل هذه الأرقام دون تقديم بيانات واضحة؟ خاصة أنه لا يوجد نظام موحد موصول بشبكة كهرباء لبنان، ما يجعل من الصعب تتبع الأرقام بدقة”.

وعليه، تؤكد أبي حيدر أن الحكومات والمسؤولين المتعاقبين على وزارة الطاقة في لبنان لم يستثمروا بشكل فعّال في الطاقات المتجددة، رغم أن لبنان يمتلك موارد طبيعية غنيّة مثل المياه، لافتة إلى أن ما يحدث حالياً لا يتجاوز كونه تصريحات دون تنفيذ فعلي. “نحن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية ونية جادة في تطبيق القوانين الحالية وتحقيق الانتقال الطاقوي من خلال استثمارات منظمة وفعّالة. لكن في الواقع، لا توجد نية حقيقية لحل مشكلة الكهرباء، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على ‘بيزنس’ المولّدات”، تختم.

في لبنان… “نحن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية ورغبة جادة في تطبيق القوانين الحالية وتحقيق الانتقال الطاقوي من خلال استثمارات منظمة وفعّالة. لكن في الواقع، لا توجد نية حقيقية لحل مشكلة الكهرباء، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على ‘بيزنس’ المولّدات”

التعويل على المحطة الشمسية؟ 

ولم يكن مستغرباً أن تطالعنا شركة كهرباء لبنان، في منتصف شهر آب/ أغسطس 2024، بأن محطات الطاقة التابعة لها استنفدت احتياطياتها من الوقود، ما أدّى إلى توقّفها عن إنتاج الكهرباء حتى تأمين إمدادات جديدة. برزت هذه الأزمة كجزء من حلقة مستمرة من أزمات الكهرباء التي يعاني منها سكان لبنان، في ظل تكرار رفض العروض المتاحة وغياب الخطط الفعّالة التي يمكن أن تعالج هذه المشكلة المزمنة المستمرة منذ عقود.

وترى خبيرة النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان، أن العرض القطري قد يكون جزءاً من حل مشكلة قطاع الكهرباء في لبنان لتعزيز زيادة الكهرباء عبر الطاقة الشمسية، ولكنه ليس حلاً شاملاً ومتكاملاً، لا سيّما أنه “اليوم، ومع التغيّرات الكبيرة في الاقتصاد والمؤسسات وحاجات البلاد بعد الانهيار، لم تعد الخطط القديمة التي وضعت عام 2010، وإن تم تحديثها، في عامي 2017 و2018، قابلة للتطبيق”. وكانت دولة قطر قد عرضت على لبنان، في عام 2023، بناء ثلاث محطات لتوليد الطاقة بقدرة 450 ميغاوات، أي نحو 25% من احتياجات البلاد، لكن لم تتلق الدوحة أي رد منذ ذلك الحين.

وتلفت هايتيان، في هذا الصدد، إلى ضرورة أن تعمل الحكومة اللبنانية، من خلال وزارة الطاقة، على وضع رؤية جديدة تتماشى مع الظروف الحالية للقطاع وتغيّرات البلاد. كما تشير إلى ضرورة التحوّل إلى طاقات أنظف ضمن ما يُعرف بالانتقال الطاقي العالمي حيث “ينبغي وجود خليط من الطاقة يشمل الغاز كخيار أقل تلوّثاً، إلى جانب الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية والهوائية والمائية”. 

وترى هايتيان أن المشروع القطري يجب أن يكون جزءاً من رؤية أوسع حول كيفية إنتاج وتوزيع الكهرباء، سواء من خلال القطاع العام أو عبر الشراكات، مشددةً على أهمية وضع رؤية شاملة للدولة في قطاع الكهرباء وتطبيق القوانين أولاً، ومن ثم التفكير في كيفية جذب الأموال لتنفيذ الخطط.

وتحذّر هايتيان من أن “هذه الحلول الفردية لا تكفي لتحقيق تحول طاقي شامل”، وأنه من الضروري الانتقال من الحلول الفردية إلى مبادرات جماعية ووطنية لضمان توزيع الطاقة بشكل عادل، لافتةً إلى أن “الحلول الفردية قد توفّر بعض الفوائد على المدى القصير، لكنها ليست عمليّة على المدى الطويل” خاصةً أن تجربة المولّدات التي بدأت مع الحرب الأهلية كحلول فردية، تطوّرت لتصبح قطاعاً غير شرعي.

وحديثاً، أطلق وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال، وليد فيّاض، عبر منصة الشراء العام، مناقصة جديدة لبناء محطة طاقة شمسية تعمل على الخلايا الفوتوفولتية بقدرة إجمالية تبلغ 8 ميغاوات، معلناً أنه “سوف يتم تمويل كلفة هذه المحطة من موازنة وزارة الطاقة والمياه وسيجري ربطها على الشبكة الوطنية لمؤسسة كهرباء لبنان”. وأشار أيضاً إلى أن هذه المحطة “ستُبنى على مجرى نهر بيروت في العاصمة اللبنانية، وستكون  أكبر مشروع طاقة شمسية يتم بناؤه في لبنان حتى تاريخه”.

ودعت الوزارة الشركات المتخصّصة في قطاع الطاقة الشمسية إلى المشاركة في هذا المشروع “لما له من أثر إيجابي، خصوصاً أنها قد حسّنت الشروط المالية للعقد، ما يسمح للمتعهّدين باستيفاء مستحقاتهم بحسب سعر الصرف في تاريخ الدفع، وبالتالي يحميهم من مخاطر تقلّبات العملة”. فهل تكون هذه الخطوة بارقة أمل لتأمين طاقة نظيفة وأكثر استدامة في لبنان؟

الفئات المهمّشة هي الأشد تضرّراً

ترك الاعتماد المفرط على المولّدات في تأمين الطاقة اللبنانيين في خطر كبير لا سيّما من الناحية الصحّية فقد بيّنت مادة نشرت في المجلة الشهرية للجامعة الأمريكية تحت عنوان “أزمة تلوّث الهواء في لبنان وما بعدها”، أنّ التعرض لتلوّث الهواء له تأثيرات صحّية عميقة بحيث ارتبط العيش بالقرب من الطرقات السريعة المزدحمة والمولّدات التي تعمل على الديزل بشكل كبير بأمراض القلب والأوعية الدموية وأيضاً ارتفاع ضغط الدم. وتُظهر الدراسات تركيزات الجسيمات الدقيقة والهيدروكربونات العضوية من الملوثات الرئيسية التي تسهم في زيادة دخول المستشفيات لحالات الطوارئ التنفسية والقلبية في بيروت، كما إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التعرض لهذه الجسيمات الدقيقة إلى زيادة خطر حدوث تشوهات خلقية بنسبة تصل إلى 15%.

الطاقة الشمسية في لبنان

تقول دكتورة الكيمياء التحليلية ومديرة مركز حفظ البيئة في الجامعة الأمريكية في بيروت، نجاة عون صليبا، في اتصال معها، إن هناك علاقة مباشرة بين تلوّث الهواء والتأثيرات الصحية والبيئية الناتجة عنه، متابعةً “هناك أدلة عالمية كثيرة تؤكد هذه العلاقة، ولا حاجة لدراسة خاصة في لبنان لتأكيد المؤكد”.

وفي التوصيات للحد من التلوّث، تشير الدكتورة صليبا إلى أن معرفة مصدر التلوّث هو الخطوة الأولى للحد منه، وقد حدّدت الدراسة، التي أعدها باحثون في الجامعة الأمريكية في بيروت تحت إشراف صليبا، المصادر الرئيسية لتلوّث الهواء في لبنان في: مولّدات الديزل والسيارات. وللتقليل من هذه الانبعاثات الضارة. وتوضح صليبا أن هناك خطوات عملية يمكن اتباعها مثل التواصل مع النيابة العامة البيئية وتقديم الشكاوى، بالإضافة إلى توجيه أسئلة للوزراء المعنيين في وزارات الداخلية والبلديات والطاقة والبيئة، مشدّدةً على أن هذه جميعها من واجبات النائب أن يراقب للحفاظ على صحة وسلامة المواطنين، مؤكدةً أن “الموضوع ليس بعدد القوانين بل في تطبيق القوانين الموجودة بشكل صارم”.

وحول تأثّر فئات أكثر من غيرها جرّاء الانبعاثات وانعكاس تغيّر المناخ، ترى العضوة في الهيئة الإدارية في منظمة “فيمايل” والمتخصصة في علوم البيئة وتقنيات الهيدروكربونات والنفط، رؤى دندشي، أن النساء وذوي الإعاقة هما في عداد أكثر الفئات تأثّراً، مضيفةً “مع تزايد عدد السكان وارتفاع الطلب على الطاقة، تزداد الانبعاثات مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت، وهي مواد سامة تؤثر على صحة الإنسان”.

تشرح دندشي أن هذه الانبعاثات تؤثّر بشكل خاص على النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، خاصةً في المناطق القريبة من المصانع والمولّدات، حيث يكونون أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض التنفسية، متابعةً بأن النساء، بسبب الحمل والضغط على الرئتين، يواجهن تحديات صحية إضافية نتيجة هذه الانبعاثات. 

كذلك، يكون الأشخاص ذوو الإعاقة، خاصة الذين يعانون من إعاقة حركية، أكثر عرضة للتلوّث إذا كانوا يعملون أو يتواجدون في أماكن مغلقة قرب المصانع.

ترك الاعتماد المفرط على المولّدات في تأمين الطاقة اللبنانيين في خطر كبير لا سيّما من الناحية الصحّية، والتي تتضمّن الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وأيضاً ارتفاع ضغط الدم، علاوة على زيادة حالات الطوارئ التنفسية والقلبية في بيروت، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان

وتسلّط دندشي الضوء على أن كلفة التلوّث، مثل تكاليف العلاج المرتفعة، تشكل عبئاً إضافياً على النساء غير العاملات والأشخاص ذوي الإعاقة في الأحياء الفقيرة. لذلك، تدعو إلى التحوّل إلى مصادر طاقة بديلة لتحسين الوضع البيئي والصحي. كما تؤكد على أهمية مشاركة النساء في صياغة السياسات المتعلقة بتغيّر المناخ والطاقة المتجددة، مشيرةً إلى أنهن يعانين بشكل مباشر من تأثيرات التلوّث. “تجربة النساء في التعامل مع التلوّث تختلف عن تجربة الرجال، لذا من الضروري أن يُؤخذ رأيهن في الاعتبار عند وضع السياسات”، تقول.

وتؤكد دندشي في ختام حديثها أن إشراك النساء ليس مجرد مسألة تمثيل، بل هو خطوة أساسية لضمان شمولية السياسات، ولتحقيق حلول فعالة، ما يتطلب تشجيع النساء على تولي أدوار قيادية في مجال الطاقة المتجددة، ودعمهن بالتمويل والتعليم اللازمين، مشيرةً إلى أهمية التعاون بين النساء لتحقيق استدامة المشاريع وتوسيع تأثيرها محلياً لمواجهة تحديات التغيّر المناخي بشكل أكثر فعالية.

تم إعداد هذا التقرير ضمن مشروع “الإعلام والتغيّر المناخي والقضايا البيئية” بالتعاون بين مؤسسة مهارات ومشروع خدمات الدعم الميداني في الشرق الأوسط (الأردن ولبنان والعراق) والمنفذ من شركة كووتر انترناشونال، بتمويل من الشؤون الدولية الكندية.

جويل عبد العال

موقع رصيف 22




موقف رسمي “بارد”… لماذا يتفاعل الشارع التونسي بشدة مع تصاعد الاعتداءات على لبنان؟

غرّة تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام تحمل ذكرى مرّة اختلط فيها الدم الفلسطيني بالأرض التونسية، ويتجدّد خلالها العهد بأن الألم واحد والثأر واحد. قد يخفت صوت هذه الذكرى قليلاً لكن التونسي لا ينسى أبداً مجزرة حمام الشط التي استهدفت خلالها إسرائيل مقرّات لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985، مهما غلبته أعبائه اليومية ومشاغله الوطنية.

وفي السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ابتهج الشارع التونسي بعملية “طوفان الأقصى”، مدفوعاً بالثأر القديم الجديد خاصةً مع الدور الذي لعبته “طائرات الزواري” في الهجوم على إسرائيل. وهو المهندس التونسي الذي اغتالته إسرائيل أيضاً أمام منزله في تونس في شهر تشرين لكن عام 2016.

لكن حرب الإبادة المستمرة على غزة منذ عام، والتصعيد الأخير للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان مروراً باغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ضمن سلسلة اغتيالات لقادة “محور المقاومة” ضد إسرائيل، أثارت ردود فعل قوية في صفوف التونسيين المهموم أصلاً بأزماته السياسية والاقتصادية مع اقتراب انعقاد الانتخابات الرئاسية في 6 تشرين الأول/ أكتوبر، والتي يرى كثيرون أنها تفتقر إلى النزاهة والشفافية.

ويبدو أن السيناريوهات السياسية غير المسبوقة التي تشهدها تونس علاوة على الأزمة الاقتصادية الحادّة لم تؤثّر على الرابط الذي يجمع المواطن التونسي بكافة أشكال “مقاومة إسرائيل” سيّما في غزة ولبنان حيث فتحت سجالات واسعة في البلاد.

والسؤال الملح هنا: ما مدى تأثير ما يحدث على الساحة اللبنانية في تونس، وكيف تفاعل الشارع التونسي مع هذه التطورات الأخيرة والمتسارعة في لبنان؟ وهو ما نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

“معاداة إسرائيل هي القضيّة الأولى بالنسبة للشعب التونسي الذي تفتّح وعيه على القضية الفلسطينية والحرب اللبنانية ومشاهد تحرير الجنوب… اليأس من الانتخابات (الرئاسية الوشيكة) ومن المشهد الداخلي خاصة السياسي، دفع التونسي نحو التركيز أكثر على ما يحدث في لبنان وعلى الساحة الإقليمية التي تعيش لحظة تاريخية فارقة غير مسبوقة”

مسيرات وفعاليات غاضبة

أثار اغتيال نصرالله في لبنان ردود فعل غاضبة في تونس حيث شهدت العاصمة ومدن أخرى مسيرات غاضبة وسط حالة من الصدمة والتأثر. كما قام عدد من الشبان، في خطوة عفوية، يوم السبت 28 أيلول/ سبتمبر الماضي، بمحاصرة منظمة “أمديست” الأمريكية وتلطيخ واجهتها الخارجية باللون الأحمر استنكاراً لدعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل.

سبق هذا التحرك عدة تحرّكات أخرى مندّدة بما اعتبره تونسيون “عدواناً همجياً على لبنان وشعبه ومقاومته”. ففي 20 أيلول/ سبتمبر المنقضي، نفّذ عدد من الناشطين وقفة احتجاجية أمام المسرح البلدي رفضاً للقصف الإسرائيلي المتواصل على لبنان وغزة، ويوم 24 من نفس الشهر، وفي ظل تواصل العدوان على لبنان نظّمت “تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين” وقفة تضامنية في العاصمة التونسية رفعت خلالها شعارات على غرار “يا للعار يا للعار حكومات بلا قرار”.

“اليأس من الانتخابات (الرئاسية الوشيكة) ومن المشهد الداخلي خاصة السياسي، دفع بالتونسي نحو التركيز أكثر نحو ما يحدث في لبنان والساحة الإقليمية التي تعيش لحظة تاريخية فارقة غير مسبوقة”.

كما شهدت مدرّجات المسرح البلدي بالعاصمة تونس، مطلع الشهر الجاري، وقفة عفوية، عقب تداول الأنباء عن هجوم إيراني على إسرائيل انتقاماً لنصرالله ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، الذي اغتيل في العاصمة طهران قبل أسابيع.

هذه التحرّكات التي شملت عدة مدن تونسية، علاوة على العاصمة، وأكّدت الدعم اللاّ مشروط لـ”المقاومة” والشعبين اللبناني والفلسطيني، سجّلت حضور أطياف سياسية مختلفة وأخرى مدنية، وشرائح من كل الأعمار تقريباً.

كذلك، عبّرت عدة أحزاب ومنظمات فاعلة في المشهد التونسي عن دعمها للشعب اللبناني ومقاومته، على غرار حزب العمال الذي عنون بيانه في 24 أيلول/ سبتمبر المنقضي، بـ”بلبنان يحرق والحكام العرب يتفرّجون”. ونعت حركة النهضة والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي واتحاد الشغل والشبكة التونسية للحقوق والحريات وعديد الأحزاب والمنظمات الأخرى، نصرالله.

ونظمت الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع، الأربعاء 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، حفل تأبين لنصرالله، رفع خلاله الحاضرون شعارات تندد بالتواطؤ الأمريكي والغربي في العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، وتطالب السلطات التونسية بتشريع قانون “تجريم التطبيع”، مع تأكيد على دعم “المقاومة” والنضال ضد إسرائيل.

تأبين حسن نصرالله في تونس
تأبين حسن نصرالله في تونس

وعن تفاعل التونسيين مع الاعتداءات على لبنان ومن قبله غزة، يقول العميد جبر فياض، الذي يعرّف عن نفسه بأنه أحد كوادر الثورة الفلسطينية، إنه حضر تأبين نصرالله، لافتاً إلى أن التونسيين يرون الراحل “رمزاً للمقاومة الفلسطينية، والعربية، والأممية” وحزنهم على اغتياله “انعكاس للدعم غير المشروط للمقاومة في فلسطين ولبنان”. كما يذكّر فياض، في حديثه لرصيف22، بمشاركة تونسيين في معارك 1936 و1948 والثورة الفلسطينية، والتحاقهم بجميع الفصائل لمحاربة لإسرائيل.

تأبين حسن نصرالله في تونس

موقف رسمي “بارد”

في المقابل، اتسم الموقف الرسمي بـ”البرود” إذ اكتفت السلطات التونسية، في 28 أيلول/ سبتمبر المنقضي، ببيان يتيم نشرته وزارة الخارجية، بما لا يرتقي إلى السقف الذي وصله الخطاب الرسمي عقب أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. هذا البيان الوحيد أشار إلى تعليمات رئيس الجمهورية، قيس سعيد، إلى كافة الهياكل التونسية المعنية بتنظيم رحلة جوّية لفائدة التونسيين والتونسيات المتواجدين في لبنان والراغبين في العودة إلى “أرض الوطن” مجدداً مع التأكيد على تضامن تونس مع لبنان ودعمه في مواجهة كل التهديدات التي تنال من أمنه واستقراره. 

كما دعا سعيد، وفق البيان، الجهات التونسية المعنية إلى سرعة التنسيق مع نظيراتها اللبنانية للوقوف على حاجياتها الطبية والإنسانية لتوفير العون اللازم للشعب اللبناني الشقيق. لم يشر البيان إلى اغتيال نصرالله.

جبهة الإسناد اللبنانية تثير جدلاً غير مألوف في تونس

بالعودة إلى الشارع التونسي، فبدلاً من أهازيج الحملات الانتخابات والشعارات والبرامج الانتخابية للمرشحين للانتخابات الرئاسية 2024، امتلأت الشوارع بشعارات الغضب والثأر والنصر والانتصار للبنان و”المقاومة”.

“التونسي اليوم محاصر بين قوسين… حرب يراها بالإجماع مصيرية وتمسّه مباشرة قومياً وإنسانياً وتشكّل وعيه من جديد، وبين انتخابات ما يزال الشارع والمجتمع السياسي فيها منقسمين بين المقاطعة والمشاركة”… ما يتعرّض له لبنان حاضر بقوة في سجالات الشارع التونسي رغم كثرة الهموم الداخلية

يبدو أن التونسيين وجدوا في التفاعل مع ما يجري في لبنان وغزة مهرباً من سباق انتخابي شبه محسوم فقد كافة أدوات التشويق التي تعوّد عليها بعد ثورة عام 2011. ووسط مشاعر الغضب والحزن إثر تصاعد نسق الهجمة الإسرائيلية على لبنان، واغتيال نصرالله، المتزامن مع تواصل المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي التونسية سجالاً طائفياً غير مسبوق وغير مألوف في المجتمع التونسي حول جبهة الإسناد اللبنانية لغزة بقيادة جماعة حزب الله الشيعية.

الناشط السياسي، طارق العمراني، واحد من فريق في تونس يلفت إلى نظرية المؤامرة في تفسير ما يحدث في لبنان حيث يتهم إيران بالتواطؤ مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد حزب الله، بما فيها الروايات التي تتحدث عن خطط جاهزة مسبقاً لترتيب جديد للمنطقة.

سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي
سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي

يصف العمراني، في حديثه لرصيف22، الوضع بـ”العبثي”، معتبراً أن مواقع التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى محرّكات طائفية انقسم فيها المواطنون إلى سنة وشيعة، متجاهلين التحليل العقلاني للمشهد أمامهم بعقلانية.

سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي
سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي

أما الناشط السياسي وعضو تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين، وائل نوّار، فيرى هذه السجالات على الإنترنت “قديمة جديدة مع تغيّر العناوين”، متابعاً “منذ عملية 7 أكتوبر، تشهد الساحة سجالاً بين أنصار المقاومة وبين الأصوات المأجورة التي تهاجم المقاومة، في كل مناسبة من زاوية مختلفة من خلال تبرير بعض عمليات التطبيع، كالتطبيع الرّياضي والأكاديمي، وتقزيم حركات المقاطعة، وتبخيس التحرّكات الشعبية ضد إسرائيل، وترويج خطابات من نوع ‘الأولوية للشاغل التونسي على الفلسطيني والعربي'”. 

ويضيف نوّار، لرصيف22، أن قوّة وتأثير هذه الأصوات يتماهى مع “وضع المقاومة على الأرض، فتسكت عندما تكون المقاومة قوّية ومعنويات الشارع مرتفعة، ولا تلقى آذان صاغية بينما تعلو كل ما تعرضت المقاومة إلى بعض الهزّات، فتتجرّأ على ضرب صورتها والإساءة إلى القضية وتبييض صورة العدوّ”.

يتهم نوّار هذه “الأصوات المأجورة” – كما يسمّيها – بانتهاز التطورات الأخيرة في لبنان، للتركيز على “سجالات طائفية لا مصلحة لشعبنا بها حيث أن هذه السجالات في الظاهر تدافع عن السنّة وتهاجم الشيعة، لكنها في الحقيقة بروباغندا أخرى للمسّ بالمقاومة ووحدتها”.

سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي

ويشير نوّار إلى أن “من يدفع لتأجيج المسألة الطائفية في تونس، يسعى لضرب التعاطف والدعم الشعبيين مع حزب الله والحوثيين في اليمن، وإيران وكل مقاوم شيعي”، متّهماً الأنظمة العربية المطبّعة مع إسرائيل بـ”تجنيد عدد من المشايخ والمواقع والأفراد لتأجيج هذا الخطاب الطائفي”، منوّهاً بأن هذا السجال “يتماشى مع اللحظة الحالية في تونس حيث كانت هذه الأصوات ضعيفة وهامشية عندما كان التركيز على العدوان على غزة، وبعد تحوّل العدوان إلى جبهة لبنان راجت بقوة”.

وهو يستدرك بأن “بعض التخاذل في نصرة الشعب اللبناني في تونس عائد إلى رداءة الوضع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، بما يجعل بعض التونسيين غير قادرين على متابعة ما يحدث حولهم” علاوة على “مدى الحرب على غزة الذي طال وأرهق الشعب التونسي وشعوب العالم المتضامنة”.

نوّار الذي صرخ، قبل يومين فقط، رفقة عدد من أعضاء التنسيقية أمام مقر جامعة الدول العربية في تونس: “لبنان يقصف وقيادات تغتال والجامعة حتى لم تعبّر عن قلقها”، يؤكّد سعي تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين على بثّ وإعادة رّوح التضامن في الشارع، عبر تنظيم مسيرة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لإحياء ذكرى “طوفان الأقصى” تحت عنوان” حوّلوا الشوارع إلى طوفان بشري في ذكرى طوفان الأقصى”.

سجالات التونسيين حول ما يحدث في لبنان عبر مواقع التواصل الاجتماعي

من جهته، يرى الناشط السياسي، الصحبي مزيد، في حديثه لرصيف22، أن الأصوات التي تحاول الترويج إلى “عدم جدوى المقاومة” في تونس هي “بروباغندا ضخّتها دول معروفة محور الارتهان للعدو الإسرائيلي” لأجل “تشويه أي عمل مقاوم ليس سنّياً، وتشويه أيّ مقاومة شيعية” وهو الأمر الذي يصنّفه مزيد بأنه “عمل مرادف للصهيونية”، مردفاً “أيّ صوت تشفّي في اغتيال نصرالله أو أي عمل مقاوم يخدم المشروع الصهيوني، وهذه الأصوات واجهها الشعب التونسي بقوّة في الأيّام الأخيرة”.

علاقة “متينة” مع حزب الله؟

ويعتبر رئيس الرابطة التونسية للتسامح، صلاح الدين المصري، أن “الشعب التونسي هويته فلسطينية، وعلاقته مع القضية تاريخية وعميقة من امتلاكهم لجزء من باب المغاربة الذي منحه صلاح الدين وقفاً للتونسيين حتى مشاركتهم في كل المواجهات ضد إسرائيل حيث رحلة الشهداء التونسيين مع ‘المقاومة’ طويلة”.

ويقول المتحدث، لرصيف22، إن هذه الهوية وهذا الانتماء تعزّزا بعد “طوفان الأقصى” التي رأى فيها عرب كثيرون، ومن بينهم تونسيون، فرصة لاستعادة المبادرة، وردّاً على كل المظالم التي ارتكبتها إسرائيل بالإضافة إلى قطع الطريق على قطار التطبيع الذي انطلق بسرعة فائقة، مشيراً إلى تطور تفاعل الشارع التونسي بفعل البعد الإنساني العاطفي بعد ارتكاب إسرائيل المجازر والجرائم بحق الفلسطينيين واللبنانيين.

كذلك يلفت المصري إلى أن علاقة خاصة يصفها بأنها “متينة” خُلقت بين حزب الله والتونسيين بعد انتصاريّ عاميّ 2000 و2006، قائلاً: “التونسيون كما العرب يعتبرون هذه الانتصارات انتصاراتهم”. كما يستذكر المصري ما اعتبره “فضل” الجماعة اللبنانية في استعادة رفات “الشهداء التونسيين” إثر صفقة 2008 عندما قام حزب الله بتسليم تابوتي جنديين إسرائيليين مقابل 5 مسلحين لبنانيين كانت تحتجزهم إسرائيل وجثث 199 أسروا في لبنان وإسرائيل، قائلاً “لكل هذا يعتبر التونسيون حزب الله والمقاومة اللبنانية ككل هي أهم جبهة إسناد لفلسطين ولكل الأمة العربية”.

واستردت تونس، بموجب صفقة عام 2008، رفات ميلود بن ناجح الذي قضى في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 خلال عملية الطائرات الشراعية التي نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعمران الكيلاني المقدمي الذي قضى في 26 نيسان/ أبريل 1988 في عملية جاءت ردّاً على اغتيال خليل الوزير “أبو جهاد” في تونس في نفس الشهر. بالإضافة إلى جثامين كل من خالد بن صالح الجلاصي وفيصل الحشايشي وسامي بن الطاهر الحاج علي ورياض بن الهاشمي بن جماعة وكمال بن السعودي بدري والطالب بليغ بن محمد أنور اللجمي.

يلفت المصري إلى أن علاقة خاصة يصفها بأنها “متينة” خُلقت بين حزب الله والتونسيين بعد انتصاريّ عاميّ 2000 و2006، قائلاً: “التونسيون كما العرب يعتبرون هذه الانتصارات انتصاراتهم”. كما يستذكر ما اعتبره “فضل” الجماعة اللبنانية في استعادة رفات “الشهداء التونسيين” إثر صفقة عام 2008

على صعيد آخر، يوضح المصري أنّ “وحدة الجبهة بين غزة وحزب الله خلقت معطًى جديداً في تونس والدول العربية، ساهمت في تجاوز مظاهر الاختلاف والارتكان إلى أننا عرب لا فرق بين سني وشيعي أو مسلم ومسيحي، يجمعنا شعار ‘مذهبنا المقاومة، طائفتنا المقاومة'”.

في سياق متّصل، يعتبر الناشط السياسي، الصحبي مزيد، أن “7 أكتوبر” أحيا في الشارع التونسي الروح من جديد بعد سنوات من الانقسامات السياسية والفكرية وبعد الانشقاقات حول الثورة السورية وانعكاسات ما حصل في الربيع العربي، مشدداً على زيادة زخم الشارع التونسي بعد ما حدث أخيراً في لبنان.

ويشدد مزيد على أن “معاداة إسرائيل هي القضيّة الأولى بالنسبة للشعب التونسي الذي تفتّح وعيه على القضية الفلسطينية والحرب اللبنانية ومشاهد تحرير الجنوب”، مضيفاً “اليأس من الانتخابات ومن المشهد الداخلي خاصة السياسي، دفع التونسي نحو التركيز أكثر على ما يحدث في لبنان وعلى الساحة الإقليمية التي تعيش لحظة تاريخية فارقة غير مسبوقة”.

يصف الناشط التونسي ما جرى في “7 أكتوبر” بـ”الصدمة المفرحة للجميع، لكن ما حدث بعدها من مجازر أصاب الناس بالحزن ودفعهم إلى الانكفاء قليلاً، لكن جبهات المساندة وعلى رأسها لبنان وخاصة بعد اغتيال نصرالله أعادت نسمات أكتوبر وأحسّ التونسيين بالتهديد الوجودي لخيار المقاومة ووجوبية الالتفاف حولها في مواجهة آلة الدعاية الصهيونية التي تسعى لتشويه أي عمل مقاوم وتثبّط المعنويات، وتحاول قتل روح المقاومة فينا”.

“التونسي اليوم محاصر بين قوسين… حرب يراها بالإجماع مصيرية وتمسّه مباشرة قومياً وإنسانياً وتشكّل وعيه من جديد، وبين انتخابات ما يزال الشارع والمجتمع السياسي فيها منقسمين بين المقاطعة والمشاركة، وحال لسانه يلهج باللهجة المشرقية للأيقونة شيرين أبو عاقلة: ‘بدها طول نفس، خلي المعنويات عالية'”، يختم مزيد.

فادية ضيف

موقع رصيف 22




من سيدفع تكاليف الحرب الشاملة في الشرق الأوسط؟

حول انعكاس توسع الصراع بين إسرائيل وإيران على أسعار النفط، كتبت أولغا ساموفالوفا، في “فزغلياد”:

لقد أدى الصراع بين إسرائيل وإيران التي استعادت إنتاج النفط إلى كميات ما قبل العقوبات إلى ارتفاع أسعار موارد الطاقة.

بشكل عام، ردة الفعل ليست مخيفة حتى الآن. ومع ذلك، فإن العواقب الاقتصادية يمكن أن تكون أكثر أهمية إذا تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل إلى حرب شاملة.
السيناريو متوسط الخطورة أن تقوم إسرائيل بضرب منشآت النفط والغاز في إيران.
وفي الصدد، قال الخبير في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية والصندوق الوطني لأمن الطاقة، إيغور يوشكوف: “هناك العديد من الخيارات هنا. فيمكن لإسرائيل أن تهاجم حقول النفط نفسها أو البنية التحتية للموانئ لمنع إيران من تصدير النفط. استهداف الآبار أسوأ، نظرًا لصعوبة استعادتها وذلك يستغرق وقتًا أطول. وسيعاني جميع مستهلكي النفط في العالم من انخفاض صادرات الخام من إيران، حيث سترتفع الأسعار وسيضطرون إلى دفع مزيد مقابل الذهب الأسود. ولهذا السبب تعارض الولايات المتحدة بشدة استهداف إسرائيل لمنشآت النفط الإيرانية.
السيناريو الأكثر خطورة أن يسير الصراع في دوامة، فتبدأ الأطراف في تبادل الضربات الشديدة بشكل متزايد ووصولا إلى السيناريو الأكثر تطرفًا من حيث التأثير في سوق النفط. وهذا يعني إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يصل إلى 20% من إجمالي النفط في العالم وحوالي 20% من إجمالي الغاز الطبيعي المسال.
وبالطبع الضرر لن يقتصر على مستهلكي النفط، بل سيكون هذا مشابها لأزمة الطاقة التي اندلعت سنة 1973، عندما توقفت الدول العربية عن إمداد الغرب بالنفط. الآن سيكون هناك تأثير مشابه– صدمة فورية في الأسواق العالمية”.

روسيا اليوم




باحث في الشؤون الأمريكية: الهجوم الإيراني على إسرائيل أربك الولايات المتحدة

حول الضربة التي يوجهها التصعيد في الشرق الأوسط لحظوظ الديمقراطيين بالفوز، كتبت أناستاسيا كوليكوفا، في “فزغلياد”:

مساء الاثنين، شنت إيران هجومًا صاروخيًا واسع النطاق على إسرائيل. في المجمل، تم إطلاق أكثر من 180 صاروخًا. حدث ذلك بعد أقل من 24 ساعة من إطلاق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية برية ضد حزب الله في المناطق الحدودية بجنوب لبنان.

وفي الصدد، قال الباحث في الشؤون الأمريكية مالك دوداكوف: “لقد وجدت إدارة جو بايدن نفسها مرة أخرى في طريق مسدود. فالآن، على خلفية التصعيد في الشرق الأوسط، هي في حيرة تامة، والسياسيون الأمريكيون لا يعرفون كيفية الرد على ذلك. أنهم يخشون من تفاقم خطير في المنطقة عشية الانتخابات الأميركية، لأن مثل هذا التطور في الأحداث سيرتد عليهم. فأولاً، البنية التحتية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ضعيفة للغاية. وإذا بدأت الصواريخ الإيرانية بضربها، فإن ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف الجيش الأمريكي. في هذه الحالة، ستحدث ضربة قاسية للديمقراطيين عشية الانتخابات”.
وتابع دوداكوف: “ثانيًا، يؤدي الوضع في الشرق الأوسط إلى انقسام ناخبي الحزب الديمقراطي. فالآن يخسرون في الوقت نفسه أصوات كل من اليهود الأمريكيين، الذين سيصوتون لدونالد ترامب، والمسلمين الأمريكيين، الذين سيدعم كثيرون منهم المرشحين اليساريين في الانتخابات المقبلة”.
وواشنطن “سوف تكتفي يبعض التصريحات الصاخبة”، “لكن يجب ألا ننسى أن بنيامين نتنياهو، الذي يعمل وفق أجندته، يواصل تصعيد الوضع في لبنان ومن المستبعد أن يتخلى عن العملية البرية. لذلك، بصرف النظر عن ردة الفعل الأمريكية على الهجوم الإيراني، فإن مزيدًا من التفاقم في المنطقة محتمل تمامًا”.

روسيا اليوم




“طوق روسيا الذهبي”.. أهم المدن والمعالم

يسمى الطريق السياحي الذي يمر عبر مدن روسيا القديمة بـ “طوق روسيا الذهبي”، وقد حافظت هذه المدن على الآثار التاريخية والثقافية الفريدة لروسيا إضافة الى الحرف والتقاليد الشعبية.

تقع مدن الطوق الذهبي ضمن ست مقاطعات وهي : موسكو وفلاديمير وإيفانوفو وكوستروما وتفير وياروسلافل. ويبلغ عدد المدن الأساسية في الطوق الذهبي 8 مدن وهي – سيرغييف بوساد وبيريسلافل – زاليسكي وروستوف العظيم وياروسلافل وكوستروما وإيفانوفو وسوزدال وفلاديمير. ويضيف البعض الى القائمة مدنا أخرى وهي : ألكسندروف وبوغولوبوفو وغوروخوفيتس وغوس – كريستالني وكاليازين وكيديكشا وموروم وباليخ وبليوس وريبينسك وأوغليتش ويوريف – بولسكي وشويا وغيرها. وقد وضع مشروع “الطوق الذهبي” في الستينيات لتعريف العالم بالآثار التاريخية والمعمارية والثقافية الفريدة لروسيا القديمة. وتبدو القصور العظيمة والقلاع والكاتدرائيات وأبراج الأجراس في هذه المدن القديمة وكأنها منقولة من الحكايات الروسية.

الطوق الذهبي – هو طريق سياحي متميز، تنظم فيه الرحلات السياحية في جميع فصول السنة. ويزور أكثر من مليون سائح المتاحف الواقعة في مدن الطوق الذهبي سنويا. أكبر مدن الطوق الذهبي هي مدينة ياروسلافل وفلاديمير وكوستروما وسريغييف بوساد وبيريسلافل – زاليسكي ورستوف العظيم وأصغرها مدينة سوزدال.

مدينة سيرغييف بوساد (زاغورسك سابقا)

تقع مدينة سيرغييف بوساد على ضفاف نهر كونتشورا في مقاطعة موسكو وتبعد مسافة 70 كم عن العاصمة موسكو. وهي إحدى مدن طوق روسيا الذهبي. توجد في المدينة آثار ثقافية وفنية، مثل دير لافرا الثالوث والقديس سيرجيوس المدرج في سجل التراث العالمي لمنظمة اليونسكو

أنشئت المدينة على أنقاض عدد من القرى الصغيرة المبنية في القرنين 14 و15 حول دير الثالوث – سريجيوس. وكانت هذه القرى تشتهر بالحرف الشعبية: النقش على الخشب وصنع الدمى واللعب. وقد اتحدت القرى الواقعة حول الدير في بلدة تجارية – صناعية وبناء على أمر من الإمبراطورة يكاترينا الثانية سميت سيرغييف. وفي عام 1862 ربطت بخط سكك الحديد وفي عام 1919 أضحت مدينة. وخلال الفترة من 1930 الى 1991 كانت المدينة تسمى زاغورسك نسبة إلى الثائر زاغورسكي وأعيدت تسميتها القديمة عام 1991 وأصبحت تسمى سيرغييف بوساد. وتوجد في المدينة حاليا معامل لإنتاج اللعب والدمى الخشبية ومصانع كيميائية وأخرى لإنتاج الأصباغ وصناعة الماكينات ومصنع لإنتاج بضائع مطاطية. واسترجعت المدينة صفتها كمركز ثقافي وديني حيث تقام فيها المهرجانات، ومنذ القرن 19 تعمل في المدينة أكاديمية موسكو الدينية واللاهوت.

دير لافرا الثالوث – سيرجيوس، أسس الأب سريجيوس رادونيجسكي الدير عام 1337. وهو أثر ثقافي وفني ومن أضخم الأديرة الأرثوذكسية ويتبع مباشرة للبطريرك وموقعه في مركز مدينة سيرغييف بوساد. وفي 8 يوليو عام 1742 منح الدير بأمر من الإمبراطورة يليزافيتا بتروفنا صفة لافرا (دير كبير في الكنيسة الأرثوذكسية).

بعد 3 سنوات من ثورة أكتوبر الاشتراكية أغلق الدير في 20 أبريل عام 1920 وأصبح متحفا للتحف التاريخية – الفنية. وأعيد ثانية إلى الرهبان عام 1946 وأصبح ملكا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وفي عام 1948 استؤنف نشاط الأكاديمية الدينية فيه.

وبقي مركزا ثقافيا ودينيا للدولة الروسية على مدى قرون عديدة وقد سجلت في الدير جميع الأحداث واستنسخت الكتب المكتوبة بخط اليد ورسمت الأيقونات. كما كتبت في القرن 15 سرية حياة الأب المفضال سيرجيوس التي تعتبر أكبر إرث تاريخي لدولة روس القديمة).وتعرض الدير عام 1408 إلى النهب والحرق من قبل الخان التتري يديغي وأعيد بناؤه، بعدها عاش الدير ومن فيه مدة 200 سنة حياة هادئة. ويعتبر الدير أحد الأماكن المقدسة في روسيا. يحيط بالدير سور من الحجر الأبيض طوله 1284 متر فيه 11 برجا. وبنيت في عام 1585 إلى جانب الدير كاتدرائية الصعود.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال الفترة المظلمة أعوام (1608-1610 ) كان الدير مقرا لقوات المقاومة الشعبية بقيادة مينين وبوجارسكي (نصب تمثال لهما في الساحة الحمراء)، التي أنقذت روسيا من الاحتلال البولندي. كما أن مراسم تعميد القيصر إيفان الرهيب جرت في كنيسة الدير.

ومن هذا الدير عاد بطرس الأكبر إلى موسكو بصفته الحاكم الوحيد للبلاد.

روسيا اليوم




قفزة في حجم الاستثمارات في قطاع السياحة الروسي

ارتفع حجم الاستثمارات في قطاع السياحة الروسي في الأشهر الستة الأولى من 2024 بنسبة 64% مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغت 377 مليار روبل (4.16 مليار دولار).

ونقلت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية عن وزيرها مكسيم ريشيتنيكوف قوله: “نشهد اليوم طفرة استثمارية حقيقية في سوق السياحة، في النصف الأول من العام، بلغ حجم الاستثمارات 377 مليار روبل، وهو ما يزيد بنسبة 64% عن العام الماضي”.

وأضاف أن “هذه الأرقام تتضمن فنادق جديدة، ومنتجعات تزلج جديدة، ومتنزهات ترفيهية، ومرافق سياحية”، وأشار إلى أن الحكومة الروسية أطلقت العديد من البرامج لدعم القطاع السياحي.

وأطلقت الحكومة الروسية مجموعة من البرامج لدعم القطاع السياحي، وفي العام الماضي تم إطلاق الفيزا الإلكترونية لمواطني 55 دولة بينها دول عربية في خطوة تهدف لجذب المزيد من السياح الأجانب.

المصدر: نوفوستي




“الرد الصهيوني المناسب”: سنوسع دولتنا باحتلال قطاع غزة 

المنحى الذي يعصف بالخيال والكفيل بإنهاء الحرب في لبنان يتوقع قوة متعددة الجنسيات قوية وواسعة، تنزل إلى شواطئ لبنان فينتشر جنودها على طول الحدود بينه وبين إسرائيل، وإلى جانب الجيش اللبناني، وفي إطار اتفاق مع حكومة لبنان بشريط أمني، “طوق نار”، يمنع حزب الله من إطلاق النار نحو بلدات الشمال.

ويمكن لهذا أن يكون المنحى الذي ينهي الحرب في غزة: مقاتلون من مصر والإمارات والمغرب والأردن، ينشرون استحكامات على طول محور فيلادلفيا لمرافقة قوافل محملة بالمساعدات الإنسانية لسكان القطاع وفي طابور احتفال ينقل قائد المنطقة الجنوبية السيطرة على القطاع إلى القادة العرب. لكن بينما يوجد في لبنان أساس استراتيجي لتنفيذ المنحى، تقف في قطاع غزة أيديولوجيا كالسور المنيع الذي يحميه منه.

تتباهى إسرائيل بأنها دمرت معظم قدرات حماس العسكرية. وقضى الجيش بأنه بإمكانه العودة للسيطرة على محور فيلادلفيا والعمل داخل القطاع حتى دون وجود مكثف، بمعنى أنه مستعد الآن للإعلان عن وقف الحرب، بل أوضحت إسرائيل بأنها مستعدة للنظر في مرابطة قوات متعددة الجنسيات، بما فيها قوات عربية.

لكن عندها يتفجر “المزعج” الفلسطيني. الإمارات، التي أعلنت عن استعدادها للمشاركة في القوة متعددة الجنسيات، طرحت شرطاً واضحاً لإرسال جنودها: لن ترسل القوة إلا “تلبية لطلب من سلطة فلسطينية اجتازت إصلاحات، أو من سلطة يقودها رئيس وزراء فلسطيني ذو صلاحيات”. في هذه الظروف، ستكون مصر أيضاً مستعدة لإرسال قوات، بعد أن اشترطت فتح معبر رفح -الجانب المصري، بإدارة السلطة الفلسطينية من جانبه الغزي.

وها هو العبث: إسرائيل مستعدة لمرابطة قوة متعددة الجنسيات في جنوب لبنان وللوصول إلى اتفاقات مع حكومة لبنان، رغم وجود ممثلين عن حزب الله فيها، لكن ليس مع السلطة الفلسطينية التي تواصل التنسيق الأمني مع إسرائيل. في لبنان، هي مستعدة لتعول على قوة متعددة الجنسيات وتكتفي بإبعاد قوات حزب الله إلى ما وراء الليطاني كتعبير عن نجاحها في إزالة التهديد وكشرط ضروري وكاف لتلبية تعريف “العودة بأمان” التي وعد بها سكان الشمال. أما في غزة بالمقابل، فإنها “ستبقى قدر ما يلزم من وقت”، دون أن تقرر طبيعة المعايير التي تلبي تعريف الأمن لسكان الغلاف. إسرائيل لا تطالب حكومة لبنان بطرد حزب الله من صفوفها، ولا تتطلع لتدمير بنية السيطرة المدنية له في الدولة. أما في قطاع غزة، فهي غير مستعدة لتسمع عن إدارة السلطة الفلسطينية للبنى التحتية المدنية، رغم أن مثل هذه الخطوة كفيلة بأن تستكمل سحق حماس كمنظمة سلطوية مدنية وليس عسكرية فحسب.

الفرق بين الساحتين أن سياسة إسرائيل في غزة تمليها أيديولوجيا، بينما السياسة في لبنان تمليها الاحتياجات العسكرية. لبنان ليس “ذخراً صهيونياً”. هو ميدان معركة تقليدية يمكن للنصر العسكري فيه أن ينتهي بحل سياسي. أما غزة بالمقابل، فهي ذاكرة تاريخية مهينة، “متسادا” سقطت مع فك الارتباط، ومذبحة غير مسبوقة وقعت تحت حكم إسرائيلي في 7 أكتوبر.

في غزة، لن يمحو أي نصر عسكري المهانة التاريخية. وكل حديث عن تسوية سياسية يعد استسلاماً. الشرف الضائع لن يعاد إلا بطريقة واحدة: احتلال غزة إلى الأبد، وجعلها إقليماً إسرائيلياً. هذا هو “الرد الصهيوني المناسب”. إذا كانت إسرائيل تقيم بؤرة استيطانية في الضفة مقابل قتل كل مستوطن، فسنحظى بتوسيع حدود الوطن في غزة مقابل كل المخطوفين الذين ماتوا وسيموتون؛ فبموتهم أوصونا بغزة. هذه وصيتهم، وهذه هي الحكومة التي عينت لإدارة ميراثهم.

تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




الغارديان: حسابات الربح والخسارة لدول الخليج والمنطقة من مواجهة إيران- إسرائيل

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لمحررها الدبلوماسي باتريك وينتور تساءل فيه عن موقف دول الخليج والمنطقة بشكل عام من المواجهة الحالية بين إيران وإسرائيل.

وقال إن تزامن عقد مؤتمر وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة مع زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمدينة نفسها، أثار أسئلة عن كيفية رد دول الخليج لو استخدمت إسرائيل نجاحاتها الأخيرة ليس لإضعاف إيران، ولكن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقال إن دول مجلس التعاون الخليجي الستة السنية، ليست ميالة كثيرا باتجاه إيران الشيعية وجماعاتها الوكيلة. ففي عام 2016، صنفت هذه الدول حزب الله كجماعة إرهابية، ولكن هذه المجموعة تعارض التصعيد الإسرائيلي، وتعتقد أن الولايات المتحدة لديها الوسائل لكي تضبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتتمسك دول الخليج بضرورة إنشاء دولة فلسطينية، كطريق وحيد للاستقرار الإقليمي والازدهار. وكتب وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان في صحيفة “فايننشال تايمز” يوم الأربعاء قائلا إن “الدولة الفلسطينية هي شرط أساسي للسلام وليست نتيجة ثانوية له”. ولم يشر الوزير السعودي إلى النزاع  الإيراني- الإسرائيلي، ولا لإمكانية ضغط الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي لم يتبق لديه سوى أشهر في الرئاسة، على إسرائيل.

والواقع هو أن قادة دول الخليج، ورغم الدعم الشعبي لفلسطين في دولهم، لن يغيروا استراتيجيتهم التي مضى عليها سنة، ويقدموا للفلسطينيين شيئا غير المساعدة الإنسانية والدعم السياسي.

وفي الوقت الحاضر، تتغير الأحداث بسرعة البرق في المنطقة، فإسرائيل التي استعادت قوتها تريد أن تكسر الجمود في غزة وتدمر حزب الله وتضرب إيران بطريقة تضعفها وتمنعها من إطلاق الصواريخ عليها مرة أخرى.

وبالتأكيد، ستشعر دول مجلس التعاون الخليجي بالقلق من التقارير التي تتحدث عن خطط إسرائيلية لضرب المنشآت النفطية الإيرانية، علاوة عن المنشآت النووية. وقال دبلوماسي عربي من دولة غير صديقة لإيران، إنه يخشى من التداعيات الأخلاقية لـ”النصر الكامل” لإسرائيل. والذي سيورث الشرق الأوسط درسا قاتما وهو أن “العدل” لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحرب الشاملة.

 ويظل الموقف من مجلس التعاون الخليجي الذي يترأسه الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء القطري، هو أن وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل هو الحل للأزمة. لكن اغتيال إسرائيل لمحاور قطر، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، وجّه ضربة لآمال الدوحة لتحقيق هذا الأمل.

وفي الأزمة اللبنانية، دعت دول الخليج بما فيها الكويت والسعودية وقطر والإمارات وعمان، إسرائيل لاحترام سيادة لبنان والقبول بوقف إطلاق النار. وبنفس القدر لم تدعم أي منها الضربة الإيرانية ضد إسرائيل.

وإذا استمر صعود إسرائيل، فسيكون هذا معضلة لدول الخليج العربية. فمن ناحية، قد يؤدي إضعاف النفوذ الإيراني على المدى الطويل إلى خلق فراغ غير مرغوب فيه ومزعزع للاستقرار، حيث لا يسيطر على المنطقة سوى الجدار الحديدي الإسرائيلي. ومن ناحية أخرى، قد يمثل ذلك فرصة للدول الإقليمية لاستغلال ضعف إيران ودفع الجهات الفاعلة غير الحكومية المدعومة من طهران إلى الوراء.

ولدى العديد من دول المنطقة أسبابها لرؤية تراجع في التأثير الإيراني، فضعف طهران قد يمنح رئيس الوزراء العراقي فرصة لكبح جماح الميليشيات التابعة لإيران في العراق، كما قد يستعيد بشار الأسد، رغم صمته الواضح إزاء الصراع والدعم الذي أظهره له حزب الله، تأثيره في لبنان.

واتهم الأردن الذي حصلت فيه جبهة العمل الإسلامي على نتائج متقدمة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إيران بمحاولات إثارة جماعات معادية. وفي البحرين التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 2020، قمعت التظاهرات المؤيدة لفلسطين. وزعم تلفزيون “اللؤلؤة” أن تظاهرة نُظمت تعبيرا عن الحزن على مقتل زعيم حزب الله، حسن نصر الله.

وتعيش الكويت خلافا مع إيران حول استخراج الغاز الطبيعي من حقل للغاز في الخليج. وتظل العلاقة الأهم في المنطقة هي بين السعودية وإيران، وهي علاقة تحسنت بسبب الوساطة الصينية عام 2023، حيث استأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية. واستقبلت السعودية الرئيس الإيراني لأول مرة منذ 11 عاما، وسمحت للحجاج من إيران بالسفر لمكة والمدينة، كما استأنفت الرياض علاقاتها مع النظام السوري الذي تدعمه إيران. وحصلت المملكة على دعم من طهران لوقف الهجمات الصاروخية من الحوثيين في اليمن.

وأكدت الرياض أكثر من مرة لواشنطن أنها ليست مهتمة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل طالما لم يكن هناك مسار يوثق به باتجاه حل الدولتين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حث نتنياهو السعودية على اتباع مثال الإمارات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل بدون أن يشير إلى الموقف السعودي والعقبة التي يمثلها شخصيا لهذا الاتفاق.

وفي ورقة بحثية صدرت عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ناقش المؤلفون أن العلاقات السعودية- الإيرانية ضرورية للحفاظ على السلام، قائلين إن “العملية الصفرية التي تسعى لاستبعاد طهران من أي ترتيب أمني أقليمي، لن تحظى بدعم  إقليمي، ولن تكون منتجا في النهاية”.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




هل فعلاً أصبحت الجامعات في أميركا «هي العدو»؟

انطلق العام الدراسي الحالي في جامعة نورثويسترن، حيث كنت أدرّس حتى السنة الماضية، بإعلانات من قبل الإدارة عن قوانين وقواعد جامعية جديدة تم وضعها خلال عطلة الصيف، وتهدف إلى منع تكرار الاحتجاجات الطلابية التي حصلت في الربيع الماضي رفضاً للحرب الإسرائيلية على غزة. وجامعة نورثويسترن جامعة خاصة تقع في ولاية إلينوي وهي من الجامعات الأميركية العريقة. وقد افتتح رئيس الجامعة مايكل تشيل العام الدراسي برسالة إلكترونية إلى أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب كتب فيها أن حرية التعبير في الجامعات على أهميّتها «لا يمكن استخدامها حجة لتصرّفات تهدّد جوهر مهمة الجامعة وهو التنوير والمعرفة».

وأعلن الرئيس في رسالته عن تدريبات إلزامية لكل الطلاب، وكذلك الأساتذة والإداريين، حول موضوع «معاداة السامية وأشكال أخرى من الكراهية». ثم أرسلت عميدة الجامعة بدورها رسالة تفصّل فيها القواعد الجديدة، ومنها منع المظاهرات في أوقات انعقاد الصفوف والحلقات الدراسية الليلية، ومنع استعمال مكبّرات الصوت قبل الساعة الخامسة مساء، ومنع الخيم وحصر الملصقات بأماكن معيّنة من حرم الجامعة. وتم توسيع القوانين المتعلّقة بالملكية لتشمل أي مس بأملاك الجامعة. كذلك أدخلت الإدارة تعديلات على ما يعدُّ «تخويفاً أو ترهيباً» ليشمل أي تصرّفات «تؤثر بصورة كبيرة على قدرة أشخاص أو مجموعات على التعلّم، والعمل، أو العيش في بيئة الجامعة».

«كيف نحمي الطلاب من التشدّد في القوانين الجديدة التي تبنّتها جامعات أميركية مختلفة» كان موضع نقاش بين الأساتذة خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للعلوم السياسية في سبتمبر (أيلول) الماضي في فيلادلفيا. واقترح زملاء في جامعة بارنارد في نيويورك مقاطعة تصحيح الامتحانات كنوع من المعارضة ضد التضييق على حرية الطلاب في التعبير.

ضباط شرطة نيويورك عند الأسوار خارج جامعة كولومبيا، السبت 27 أبريل 2024، في نيويورك. بينما يستمر الطلاب المحتجون على الحرب بين إسرائيل وحماس في مواصلة مظاهراتهم في حرم الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة ( ا.ب)

استجواب في الكونغرس

رئيس جامعة نورثويسترن هو واحد من ثلاثة رؤساء جامعات مثلوا في جلسة للكونغرس الأميركي دعتهم إليها لجنة التربية والقوى العاملة برئاسة فيرجينيا فوكس من الحزب الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية أواخر شهر مايو (أيار) الماضي. وتلك هي الجلسة الثالثة التي تعقدها اللجنة لاستجواب رؤساء جامعات أميركية حول ما عدته ارتفاعاً في موجة معاداة السامية في حرم الجامعات الأميركية وسوء تعامل هؤلاء الرؤساء معها.

«حصلتِ على علامة F» (أي راسب)، قالت عضوة الكونغرس الجمهورية إليز ستيفانيك التي تمثل ولاية نيويورك، لرئيس جامعة نورثويسترن وقتها. وسبق لرابطة مكافحة التشهير (Anti-Defamation League)، وهي منظمة غير حكومية، مركزها نيويورك، تعنى بمحاربة المعاداة للسامية وتدعم إسرائيل أن منح علامة الرسوب لجامعة نورثويسترن في أبريل (نيسان) الماضي بسبب الاحتجاجات التي شهدتها الجامعة ضد الحرب على غزة، والتي عدتها المنظمة معادية للسامية لما فيها من شعارات تدعم الانتفاضة وتنتقد الصهيونية، وانتهت باتفاق بين إدارة الجامعة والطلاب، وهو ما عدته الرابطة بمثابة «مكافأة» للمحتجين.

ودعت اللجنة كذلك إلى إزالة الرئيس من منصبه. وقالت فوكس في جلسة الاستماع: «وردتنا تقارير عن أعمال عنف مروعة ومضايقات للطلاب اليهود في حرم جامعتكم». وكانت اللجنة بعثت برسالة إلى رئيس الجامعة ورئيس مجلس أمنائها تفصّل فيها الأحداث التي دفعتها إلى إرسال الدعوة للمثول أمامها، وعلى رأسها قبول إدارة الجامعة بتنازلات لإنهاء الاحتجاج بدلاً من استخدام القوة لنزع الخيم التي نصبها الطّلاب المعارضون. وحسب الاتهامات كان موقع الخيم، المعروف بـ«المنطقة المحرّرة»، مسرحاً لجرائم وأحداث معادية للسامية. وارتكزت الأدلّة في الرسالة على تقارير طلاب يهود أفراد عن مواقف عدوها معادية لهم كيهود. فضمن اللائحة مثلاً أن طالباً يهودياً تعرّض لمضايقات عند وقوفه أمام الخيم شارحاً لعميد الطلاب مخاوفه من الاحتجاج. فوقف طالب كان جالساً إلى جانبه وصار يقول له، حسب الرسالة نفسها: «أنت تقرفني. هل تظن أن انزعاجك الصغير من المظاهرة يهمّني؟ هذا هو هدف الاحتجاج، الهدف هو أن تنزعج قليلاً. ثمة آلاف من الناس يموتون في غزة وكل ما يهمك هو بعض من الأبواق في الصباح؟».

الرئيس السابق دونالد ترمب يتحدث عن احتجاجات الطلاب في الجامعات الأميركية قبيل دخوله إلى قاعة محكمة مانهاتن الاثنين (رويترز)

وتتضمّن لائحة هذه الجرائم التي أوردتها الرسالة الرسمية أن امرأةً ذات شعر أبيض غير تابعة للجامعة حملت يافطة كتب عليها «المقاومة مسموحة حيث يكون احتلال»، مع هاشتاغ «فيضان الأقصى»، وأن أحد المتظاهرين سرق علماً إسرائيلياً وعلماً أميركياً، وأن رئيس الشرطة التابعة للجامعة رفض الدخول إلى الخيم لاستردادهما، إضافة إلى أن تعليمات أرسلت لمهندسي الجامعة بإطفاء نظام الري الآلي للمساحة الخضراء حيث نصبت الخيم، «في ما يبدو أنه حرص على عدم إزعاج المحتجين».

خيمة رمزية… ومساءلة للاستثمارات

وفي 19 أبريل (نيسان)، وبعد 5 أيام من الاحتجاج، أُبرم اتفاق بين الطلاب والإدارة في نورثويسترن ينص على أن الجامعة ستسمح بالاحتجاجات السلمية شرط أن تبقى خيمة واحدة لا غير. وينص الاتفاق أيضاً على إعادة تشكيل اللجنة الاستشارية حول المسؤولية في الاستثمارات لتجيب عن أسئلة حول استثماراتها الحالية، وعلى استضافة أستاذين فلسطينيين لمدّة سنتين من خلال برنامج استضافة أكاديميين من بلدان النزاع استضاف أساتذة من أوكرانيا في السنتين الماضيتين. وأخيراً ينص الاتفاق على تأسيس بيت للطلاب المسلمين والشرق أوسطيين على غرار البيوت المخصصة لليهود والكاثوليك وغيرهم من الطلاب يستخدمونها في الصلاة ولمناسبات ثقافية واجتماعية.

نشطاء وطلاب يحتجون بالقرب من معسكر في ساحة الجامعة بجامعة جورج واشنطن، حيث انضم الناشطون الطلابيون إلى الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة التي بدأت معسكرات لدعوة جامعاتهم إلى سحب العلاقات المالية من إسرائيل( رويترز)

واتّهم الجمهوريون من أعضاء لجنة الكونغرس، رئيس جامعة نورثويسترن، بأنه استسلم للمتظاهرين وكافأهم بدعوته أساتذة فلسطينيين، وسألته ستيفانيك: «ماذا عن الأساتذة الإسرائيليين، هل ستدعوهم أيضاً؟». ووصفت رئيسة اللجنة فيرجينيا فوكس الاتفاق بـ«الجبان» لأنه رضخ لمطالب المحتجين، وطلبت من رئيس الجامعة التعهد بألا تقاطع الجامعة، إسرائيل، ولا تسحب استثماراتها منها، لأن هذا يعدُّ تسييساً لمسائل ماليّة وتقويضاً لسلطة إدارة الجامعة.

الأساتذة «الليبراليون» متهمون من الطرفين!

من جهة أخرى، رفض عدد من الطلّاب المتظاهرين بدورهم الاتفاق معتبرين أن الإدارة لم تتنازل قط فيما يخص الأمور الأساسية، أي المقاطعة وسحب الاستثمارات. فهي قبلت فقط أن تنشر معلومات حول استثماراتها، وبأن تكون أكثر شفافيةً ولكنها لم تتعهد بسحب أي استثمارات محددة. ورأوا في تأسيس بيت للمسلمين جائزة ترضية لا تستجيب للمطالب السياسية للاحتجاجات. ووصفت إحدى طالباتي، وهي من الهند، وكانت تقود الاحتجاجات، الانقسام بين طلاب حول هذه المسائل، وشرحت أن من صوّتوا لقبول الاتفاق، اعتبروا أنه يجنبهم تدخل قوى الأمن والملاحقة القانونية، كما حصل في جامعات أخرى، ومن رفضوه لم يكونوا من الطلاب الفلسطينيين أو العرب بل من الطلاب الأميركيين.

علم فلسطيني معلق على خيمة في مخيم الاحتجاج في جامعة تافتس بميدفورد بولاية ماساتشوستس… وتعد المظاهرات هي الأكثر شمولاً والأطول أمداً التي تهز حرم الجامعات الأميركية منذ احتجاجات حرب فيتنام في الستينات من القرن الماضي (أ.ف.ب)

ووصف هؤلاء الطلاب الأساتذة المكلّفين التواصل بينهم وبين الإدارة بـ«الليبراليين»، وهي كلمة أصبحت ذات دلالة سلبية لدى «الجيل z»، وعدّوهم «عملاء لإدارة الجامعة». وللعلم، فقد أمضى هؤلاء الأساتذة المدافعون عن حق الطلاب في التظاهر، ليلة طويلة في 19 أبريل الماضي محاولين إقناع طلابهم بقبول الاتفاق تجنباً لاستخدام القوة والعنف ضدهم ولإزالة الخيم في اليوم التالي، كما هددت إدارة الجامعة. وتقول أستاذة زميلة: «اعتبرنا الاتفاق أرضية للانطلاق منها وليس سقفاً نهائياً لعملنا».

والسؤال الأكثر تردداً خلال جلسة الاستماع في الكونغرس هو لماذا لم تطرد الجامعات الثلاث طلاباً أكثر وأساتذة أكثر. وكان هو السؤال الذي افتتحت به فوكس الجلسة. وأكّد الرؤساء أنّ عدداً من الطلّاب هم قيد التحقيق، وأنّ أشكال العقاب متنوّعة.

ووصف نائب جمهوري، أحد الأساتذة المدافعين عن المنطقة المحررة في جامعة نورثويسترن، دالاً عليه في صورة للمشهد عرضت خلال الجلسة، بأنّه «بلطجي». والأستاذ، هو ستيفن ثراشر، أستاذ الإعلام، ولم يعد إلى التعليم هذا الفصل، لأن الجامعة علّقت عمله إلى أن ينتهي التحقيق معه. وفي مقابلة له الشهر الماضي مع برنامج «Demcoracy Now» اليساري، قال ثراشر إنّ مبادئ العدالة الاجتماعية نفسها التي كان يطبّقها في ما يتعلّق بقضايا كالعنصرية والكوفيد والمثليين والإيدز، وكانت مصدر إشادة له، ممنوع عليه تطبيقها في ما يتعلّق بفلسطين.

وكذلك افتتحت جامعة كورنيل في نيويورك العام الدراسي بتعليق طالب دكتوراه من بريطانيا، وهو مسلم وأصله من غامبيا. أما جامعة موهلنبرغ في بنسلفانيا فأقالت أستاذة أنثروبولوجيا في شهر مايو (أيار) في أول إقالة لأستاذ من ملاك التعليم الجامعي بسبب دعم فلسطين.

مقاربة مارتن لوثر

في وقت اختتمت فوكس جلسة الكونغرس قائلة لرؤساء الجامعات إنها «متفاجئة بدرجة الازدراء التي عبّرتم عنها حيال اللجنة والطلاب اليهود»، ذكّر النائب الديمقراطي عن ولاية فرجينيا بوبي سكوت بمقاربة مارتن لوثر كينغ للنشاط السياسي، وهي مقاربة استوحاها كينغ من المهاتما غاندي وتقوم على ارتكاب مخالفات للقانون، ومن ثمّ القبول بعواقب ذلك، وهي بذلك تعدُّ مقاربة سلميّة. وأوضح سكوت أنها المقاربة نفسها التي تبنّاها الطلّاب في الجامعات. وقد وصفت طالبتي كيف أن المحتجين في نورثويسترن وزّعوا أنفسهم طوعاً إلى مجموعات مستعدة للتعرض للاعتقال ومجموعات أخرى من طلاب لا يسعون للمواجهة، واتفقوا على لون يرمز لكل مجموعة، وعلى لقب لكم منهم. وكانوا قد استوحوا هذا النوع من التنظيم من الطلاب في جامعة كولومبيا الذين شاركوا زملاءهم في كافة الجامعات الأميركية ملفات تفسّر طرق العمل التنظيمي.

جانب من الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأميركية (أ.ب)

وكان ترمب وصف حملة شرطة نيويورك على طلاب جامعة كولومبيا بأنّها «مشهد جميل»، وتعهّد بترحيل الطلاب الأجانب عند انتخابه. أمّا جيه دي فانس، الذي اختاره ترمب نائباً له في حملة ترشيحه للرئاسة، فكان قال خلال خطابه أمام مؤتمر الجمهوريين في يوليو (تمّوز) الماضي، «أنّ الأساتذة هم العدو»، وذلك نقلاً عن الرئيس الجمهوري الأسبق ريشارد نيكسون.

وكانت مجموعات طلّابيّة ومتموّلون ومراكز دراسات ومثقفون محافظون بدأوا بالتحرك رداً على تناقص قوّتهم بعد الحركات الاحتجاجية اليسارية المدافعة عن حقوق السود أواخر الستّينات. وتعاظم شأن هذا التيار مع وصول ترمب للسلطة رداً أيضاً على حركة «حياة السود مهمة» التي بدأت سنة 2020. وهذه المجموعات تتهم الجامعات، هي أيضاً، بـ«الليبرالية» وتعدُّ أنها تفتقر إلى تمثيل كافٍ من الأساتذة اليمينيين وأصحاب الأفكار المحافظة. وبدأت بالفعل بتمويل كليات مهنية كالطب والحقوق وإدارة الأعمال وأصبحت ترسخ نفوذها في الجامعات.

استثمارات الجامعات تصب في الأسلحة

أما استثمارات الجامعات فهي تصب، كاستثمارات منظمات عديدة أخرى في الولايات المتحدة، في شركات كـ«بوينغ» و«بلاكستون» و«جينيرال ديناميكس»، وهي شركات تمد إسرائيل بالأسلحة وبأشكال أخرى من الدعم. وتدار هذه الاستثمارات من خلال مكتب مخصص لها ومن خلال مجلس الأمناء ومجلس الأمناء هو الذي يعيّن رئيس الجامعة. فيصير رئيس الجامعة بذلك محكوماً باعتبارات مالية فيما هو أيضاً يدير الأهداف التعليمية للجامعة.

https://content.jwplatform.com/players/Ef0awkvF.html

وقالت النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، هايلي ستيفنز، خلال مداخلتها في جلسة الكونغرس: «إننا نعرف تكلفة الدخول إلى جامعاتكم، هي تكلفة لا تصدق. هذا ما علينا التركيز عليه، وليس هذا الجدل المصطنع عن العدالة بينما أنتم فعلياً تدّعونها فقط»، مشيرةً إلى موقف الجمهوريين في لجنة التربية العام الماضي حيال الموارد المخصصة لقضايا الصحة النفسية، وكيف صّوتوا جميعهم على حرمان الطلاب المثليين منها.

وفيما تستفيد الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة من التمويل من الحكومة الفيدرالية، ومن الولاية نفسها، تستفيد الجامعات الخاصة كنورثويسترن، مثلها مثل الجامعات الحكومية، من تمويل تحت برنامج «Title VI»، وهو برنامج نشأ كجزء من قانون الحقوق المدنية سنة 1964، ويمنع التمييز في التعليم ويمنح دعماً لبرامج دراسة اللغات ولأقسام في علوم الإنسانيات تعنى بدراسة المناطق والثقافات حول العالم. وهذا البرنامج هو ما ذكره أعضاء الكونغرس كأساس لمحاسبتهم رؤساء الجامعات حول استخدامهم الأموال المحصلة من الضرائب التي يدفعها المواطنون الأميركيون وحول امتثالهم لقوانين منع التمييز على أساس الديانة.

الأساتذة يرفضون قمع الحريات

وجه فرع نورثويسترن للجمعية الأميركية للأساتذة الجامعيين رسالة للإدارة رفضاً للتغيير الذي أدخله رئيسها على قواعد سلوك الطلاب عقب بدء الحركة الاحتجاجية، عاداً في ذلك «تصعيداً دراماتيكياً في قمع حرية التعبير والبيئة الأكاديمية»، فيما دافع رئيس الجامعة تشيل عن سياسته ووصفها بـ«الحيادية». وحسب الأساتذة الموقعين على الرسالة لم يستشر الرئيس ممثلي الأساتذة واللجنة الاستشارية حول حرية التعبير والخطاب المؤسسي، والذي كان الرئيس نفسه شكّلها في شهر فبراير (شباط). وأتى تشكيل هذه اللجنة على أثر بدء تحقيق لجنة الكونغرس الأميركي في أحداث معاداة السامية. واعترض حوالي مائتي أستاذ على تركيزه على معاداة السامية دون ذكر ما يتعرض له الطلاب المسلمون والفلسطينيون والعرب من تنكيل أو ذكر العنف التي ترتكبه إسرائيل في غزة، وكانوا قد وجهوا رسالة إليه بهذا الصدد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.

وإثر دعوة رابطة مكافحة التشهير إلى إزاحة رئيس الجامعة من منصبه، وقّع الأساتذة في أوّل شهر مايو (أيار) رسالة أخرى رفعوها إلى أمناء الجامعة يعبرون فيها عن رفضهم تعيين رئيس جديد قد يتعامل مع الطلاب بعنف أكبر. وعدّت الجمعية الأميركية للأساتذة الجامعيين أنه يجب عدم إقالة أي رئيس جامعة من دون تصويت ممثلي الأساتذة.

وأصدر رئيس الجمعية بياناً في شهر أغسطس (آب) أدان فيه مشروع ترمب وفانس الذي يقضي بالتضييق على حرية التعبير في الجامعات وتقويض استقلاليتها، عاداً أنّ اللحظة الحالية حاسمة في ما يتعلّق بمستقبل التعليم العالي الذي يشكل أساس الديمقراطية الأميركية. الجامعات ليست العدو، العدو هم الفاشيون، يقول البيان ويضيف، حان وقت النضال.

لبنى الامين

صحيفة الشرق الاوسط




القضايا الرئيسية في انتخابات 2024 الكشميرية

برز إلغاء المادة 370 وتأسيس دولة مستقلة في جامو وكشمير قضيتَين رئيسيتين في هذه الانتخابات، بينما تشكّل البطالة مصدر قلق مزمن كبير. الصحافي زاهور مالك قال: «ثمة استياء عميق في العديد من الدوائر تجاه إلغاء المادة 370. إلا أنه بدلاً من مقاطعة الانتخابات، دفع القرار الكشميريين إلى التصويت على نحو يتناقض مع الـ30 إلى الـ40 سنة الماضية. في وقت سابق، جرى استغلال مثل هذا الاستياء لدعم النزعة الاستقلالية والتطرف؛ ما أدى إلى صعود تهديدات وتحذيرات من مقاطعة الانتخابات، لكن هذه المرة، لم تسمح الطوابير الطويلة للناخبين بحدوث ذلك. وتبقى الميزة الأهم في هذه الانتخابات، أنها جاءت سلمية تماماً. وتكشف حقيقة خروج حشود من الناس للتصويت كيف أصبح التصويت في حد ذاته عملاً من أعمال المقاومة والتضامن».

وشرح مالك أن «السنوات الست الماضية من الحكم المستمر لنيودلهي دفع شعب جامو وكشمير للشعور بالتهميش السياسي. وأثار تنفيذ الحاكم غير المنتخب بل المعيّن مركزياً للعديد من القوانين مخاوف عامة الناس. إذ يرى أهل جامو وكشمير أن البيروقراطية التي تديرها الحكومة المركزية – حيث يتولى مسؤولون غير محليين المناصب الإدارية العليا – لا تتناسب مع القضايا والحساسيات المحلية».

من جهته، علّق المحلل السياسي مفتي شوكت فاروقي بأن «قرار الحكومة الهندية إجراء انتخابات يبدو ظاهرياً بمثابة خطوة نحو استعادة الوضع الطبيعي في الإقليم. ولكن، من دون معالجة السبب الجذري للصراع في كشمير – الوضع السياسي غير المحلول، وتطلعات الشعب الكشميري، وانعدام الثقة العميق بين الدولة ومواطنيها – فإن هذه الانتخابات لن تعدو مجرد ممارسة سطحية للديمقراطية».

والحقيقة، كان إلغاء المادة 370 عام 2019، الذي جرّد جامو وكشمير من وضعها الخاص واستقلالها كولاية داخل الاتحاد الهندي، سبباً في تفاقم التوترات. بل تسبّب القرار في انهيار الثقة بين السكان الكشميريين والحكومة الهندية. ونظر كثيرون إلى العملية الانتخابية في ظل الإطار السياسي الحالي، باعتبارها «غير شرعية»؛ لأنها لم تعد تمثل الهوية المميزة للإقليم أو تطلعات أبنائه للحكم الذاتي.

وفي قلب القضية، تكمن الحاجة إلى حل سياسي شامل يعالج تاريخ كشمير الفريد وتطلعاتها ومظالمها. ولا يمكن تحقيق ذلك عبر الانتخابات فقط، بل عبر الحوار الهادف بين الحكومتين الهندية والباكستانية والجهات السياسية المحلية وجماعات المجتمع المدني، بما في ذلك أولئك الذين يدافعون عن فكرة تقرير المصير، ويدعون إلى استقلال كشمير.

وبالانتقال إلى الانتخابات في كشمير، نجد أن حلبة التنافس راهناً تضم الأحزاب الإقليمية الكشميرية، على رأسها «المؤتمر الوطني» و«حزب الشعب الديمقراطي»، والعديد من الاستقلاليين الذين يتنافسون بصفتهم «مستقلين» سعياً إلى استعادة المادة 370 والوضع الخاص لجامو وكشمير. ويتواجه هؤلاء عملياً مع حزب «بهاراتيا جاناتا». وفي تصريح له، قال الرئيس السابق لحكومة الإقليم عمر عبد الله إن كشمير في حاجة إلى «استعادة هويتها» عبر إلغاء الخطوة التي اتخذتها حكومة مودي عام 2019. وفي المقابل، صرح أميت شاه، وزير داخلية مودي، خلال الشهر، بأن وضع الإقليم شبه المستقل «أصبح تاريخاً ولا أحد يستطيع إعادته». وأضاف أنه «لا يمكن للساعة أن تعود إلى وضع 370 عندما كان لدينا دستوران وعَلمان».

في سياق موازٍ، بين القضايا الرئيسية الأخرى في الانتخابات، احتجاز العديد من الشباب الكشميريين في السجون الهندية، وتحديات محلية مثل تفشي المخدرات والبطالة. وتشير تقديرات الحكومة منذ يوليو (تموز)، إلى أن معدل البطالة في كشمير يبلغ 18.3 في المائة، أي أكثر عن ضعف المتوسط الوطني.

وفي هذا الصدد، قال خورشيد أحمد (50 سنة): «هناك الكثير من القضايا التي نواجهها هنا. نحن سعداء لأننا سنرى تغييراً. نريد حكومتنا الإقليمية ونهاية حكم ممثل نيودلهي. قد تفهمنا حكومتنا الإقليمية، لكن لا أحد من الخارج يستطيع ذلك. أنا أدلي بصوتي اليوم لأننا نتعرض للقمع، وقد سُجن الأطفال، ويتعرضون لأفعال غير عادلة. نحن نصوّت اليوم ضد تصرفات مودي في كشمير».

وقال فايز أحمد ماجراي (46 سنة): «كانت السنوات الأربع الماضية صعبة. لقد اتخذت قوات الأمن إجراءات صارمة، والإذلال الذي ألحقه المسؤولون من الخارج بالسكان غرس شعوراً بالعجز. صيغت القوانين المعادية للشعب من دون استشارة السكان المحليين. أنا أصوّت لإنهاء عجزنا. نحن في مرحلة حرجة من التاريخ، والتصويت وسيلتي للتعبير عن رفضي ضد القوى العازمة على تدمير جامو وكشمير مع كل يوم يمرّ».

مع ذلك، يبدو أن بعض مواطني كشمير فقدوا الأمل باستعادة استقلال منطقتهم، مثل سهيل مير – وهو باحث – الذي قال: «لا أعتقد أن المادة 370 ستعود ما لم تحدث أي معجزة»، وتابع أن الأحزاب كانت تقدم وعوداً بشأن استعادة الحكم الذاتي في خضم أجواء «مشحونة سياسياً» للحصول على الأصوات.

في هذه الأثناء، وفي سابقة هي الأولى من نوعها، دعت سلطات نيودلهي دبلوماسيين أجانب إلى جامو وكشمير لمتابعة الانتخابات. وبالفعل، زار ما يقرب من 20 دبلوماسياً من سفارات مختارة، بينها سفارات الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وسنغافورة والفلبين وماليزيا، جامو وكشمير لمراقبة الانتخابات.

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط