1

تفجيرات الأجهزة اللاسلكية في لبنان: تحديات وثغرات بخطة الكوارث الصحية

في حصيلة شبه نهائية، سقط 37 قتيلاً و2931 مصاباً، في التفجيرات التي طالت أجهزة “البيجر” واللاسلكي، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، على الأراضي اللبنانية وخصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع والجنوب. وتوزع المصابون على 100 مستشفى في مختلف الأراضي اللبنانية، وكانت كلها في وضع تأهب لاستقبال المصابين بناء على تعليمات عاجلة صادرة عن وزارة الصحة خلال اللحظات الأولى من حصول التفجيرات. وعلى رغم الجاهزية التامة للقطاع الطبي نظراً للاستعدادات المستمرة من أسابيع عدة لأي حالة طارئة في ظل ظروف الحرب التي تمرّ بها البلاد، لم يكن هذا الأمر في الحسبان، وكان من الطبيعي أن يتسبب بحالة من الارتباك، والسبب ليس في كون الحالات حرجة في نسبة كبيرة منها، وإن كانت كذلك، ولا في كون آلاف المصابين قد تدفقوا إلى المستشفيات دفعة واحدة، بل في طبيعة الإصابات وتشابكها.

وقد تركزت الإصابات على العينين واليدين بشكل أساسي وأجريت أكثر من 460 عملية في العينين في اليوم الأول في مختلف المستشفيات ما شكّل تحدياً كبيراً للقطاع الصحي. ومثل هذه التحديات تضع القطاع أمام امتحان صعب وتطرح تساؤلات حول مدى جاهزيته في حال توسع رقعة الحرب واندلاع حرب شاملة؟

1-afp.jpg

أثبت القطاع الصحي على جاهزية تامة لكن كان من الممكن معالجة الثغرات في خطة الكوارث الصحية (أ ف ب)

ضربة مفاجئة وتحرك سريع

وتوزع المصابون على 100 مستشفى موزعة في مختلف الأراضي اللبنانية. وبحسب أرقام وزارة الصحة العامة، هناك 1850 مصاباً في بيروت والضاحية الجنوبية، ونحو 750 مصاباً في جنوب لبنان، ونحو 150 مصاباً في البقاع الشمالي. وخلال ما لا يزيد على نصف ساعة من الوقت توافد آلاف المصابين إلى المستشفيات التي كانت قد تبلّغت من وزارة الصحة بالحدث الطارئ، ودعيت إلى الاستجابة السريعة لهذه الحالات الطارئة. ونقلت 1184 سيارة إسعاف المصابين ووضعت بنوك الدم كافة في خدمتهم، وأمّن الصليب الأحمر نحو 200 وحدة دم لهم.

وشبّه المشهد الدموي هذا بأفلام الخيال والرعب، وقد أعاد إلى أذهان اللبنانيين الحرب اللبنانية ولحظات انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) 2020 لهول ما حصل. فكانوا في حالة صدمة في اليوم الأول قبل أن تعاود التفجيرات في اليوم الثاني لتسجل فيه المزيد من الإصابات.

وعلى رغم الاستعدادات وخطة الكوارث الصحية التي تخللتها تدريبات للمستشفيات الخاصة والعامة وللطواقم الطبية والتمريضية والمسعفين، أُربك القطاع الصحي إذ إن التوقعات كانت تتجه نحو توسع رقعة الحرب أو حرب شاملة، لا نحو ضربة مفاجئة تؤدي إلى آلاف الإصابات المتشابهة في مناطق مختلفة في لبنان في الوقت نفسه. وما حصل يدعو إلى إعادة النظر في خطة الكوارث الصحية والبحث في ثغرات معينة فيها، وقد تكون هناك حاجة إلى التعديل تحسباً لأي طارئ قد يحصل أو لاندلاع حرب شاملة.

في السياق، أشاد مدير العناية الطبية في وزارة الصحة العامة جوزيف الحلو بالجدارة التي أظهرها القطاع الصحي في لبنان في اليومين الماضيين بكل ما فيه من طواقم طبية وتمريضية ومسعفين وعاملين، تماماً كما أثبت على جاهزية تامة في جائحة كورونا وفي انفجار مرفأ بيروت “إذ أثبت أنه في جاهزية تامة وأنه قادر على مواجهة أي تحديات وصعاب، وإن كانت تحمل مفاجآت غير متوقعة. كان هناك تنسيق تام عالي المستوى بين غرفة الطوارئ في الوزارة والمستشفيات العامة والخاصة والمسعفين على مختلف الأراضي اللبنانية لتوزيع الحالات بشكل متوازٍ حتى لا يتعرّض أي مصاب لخطر المضاعفات بسبب التأخير والانتظار. توزع المصابون على 100 مستشفى للسيطرة على الوضع، واستمر الأطباء بإجراء العمليات في العيون والرأس واليدين من دون كلل حتى أنجزت كلها بنجاح”.

في الإصابات المتشابهة التحدي الأصعب

مما لا شك فيه أن تركز الإصابات على اليدين والعينين بشكل أساسي، والحاجة إلى إجراء عمليات جراحية مستعجلة لمئات المصابين دفعة واحدة شكل التحدي الأكبر للقطاع الصحي. ويشهد الأطباء على أن مثل هذا التحدي يسبب إرباكاً في أي نظام صحي بما أن عدد الجراحين، وخصوصاً جراحي العيون محدود، وكان المطلوب إنقاذ العدد الأكبر من الأرواح وأيضاً من الأعضاء التي تضررت بشكل كبير. ما أكده حلو أن الأولوية تبقى دوماً في إنقاذ العدد الأكبر من الجرحى، مشيراً إلى تفاني الجراحين عامة وجراحي العيون بخاصة في إجراء العمليات. وعلى رغم توزيع المصابين على مختلف المستشفيات، كان هناك تركيز على المستشفيات التي لها مراكز خاصة للعيون لاعتبارها تملك المزيد من التجهيزات والأطباء المتخصصين. لكن في كل الحالات، مهما كان مركز العيون مجهزاً، لا يمكن أن يستقبل أكثر من أربعة مرضى في آن واحد في غرفة العمليات لعدم توافر التجهيزات لعدد أكبر. وهذا كان من التحديات الأساسية التي واجهها القطاع الطبي والاستشفائي. وينطبق ذلك على الجراحات التي أجريت لليدين، فكان عدد الجراحين محدوداً لمثل هذه العمليات في المستشفيات.

ومهما كانت الاستعدادات والتدابير متخذة، ثمة أمور يمكن أن تحصل لا تكون ضمن الحسابات “وكانت وزارة الصحة قد حرصت منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على التحضر لأي طارئ عبر تدريب المستشفيات بدءاً من مستشفيات الجنوب أولاً، ثم انضمت 118 مستشفى مع الطواقم الطبية والتمريضية وأظهرت كلها جاهزية تامة، كما ثبت في اليومين الماضيين. لكن ما لم يكن متوقعاً، أن تأتي ضربة واحدة لتسبّب آلاف الإصابات في لحظة واحدة في مناطق عدة في لبنان”.

وأشار حلو إلى أنه حتى، مستقبلاً، يصعب توقع ما قد يحصل في الحرب “على رغم أنها كانت ضربة مفاجئة، استطعنا السيطرة على الوضع، وحالياً عدنا ووزعنا المستلزمات الطبية على المستشفيات، كانت قد وصلتنا من الأردن والعراق، ونحن على أتم الاستعداد من هذه الناحية مع مخزون من المستلزمات يكفي لمدة أربعة أشهر. لكن في ما عدا ذلك، لا يمكن لأحد أن يتوقع ما قد يطرأ من مفاجآت، وما قد يحصل في حال اندلاع حرب شاملة. ومن المشكلات التي يمكن مواجهتها عندها انقطاع المازوت والكهرباء في مرحلة ما، وإن كنا في جاهزية تامة كأطقم طبية وقطاع صحي”.

لا بكاء ولا أنين

اللحظات الأولى للتفجيرات كانت مرعبة وصادمة للشعب اللبناني عامة وللقطاع الصحي بشكل خاص “وعلى رغم ذلك تمّ التحرك سريعاً، وبلّغت وزارة الصحة المستشفيات كافة بضرورة الاستعداد لاستقبال المصابين عبر المجموعات التي تجمع الوزارة بمندوبين من كل من المستشفيات. وبالفعل خلال النصف ساعة الأولى، وقبل وصول المصابين، كانت الأطقم الطبية في المستشفيات في استعداد تام لاستقبال المصابين”.

مستشفى “جبل لبنان” كان من المستشفيات التي استقبلت عدداً كبيراً من المصابين، فوصله 150 مصاباً نظراً لموقعه في منطقة قريبة من الضاحية الجنوبية حيث حصلت النسبة الكبرى من الإصابات والتفجيرات. ووصف المدير الطبي في المستشفى نزيه غاريوس المشاهد الدموية الأولى لوصول المصابين بالمرعبة والصادمة فعلاً، لكن ما لفت نظره بشكل خاص وصول عشرات المصابين الذي فقدوا أعينهم وأصابعهم ولم يسمع لهم أي صراخ او أنين من الوجع، فكان مشهداً لافتاً.

كما لفت نظره أحد الجرحى الذي طلب من الطبيب أن يرد له أصابعه فقط حتى يتمكن من حمل السلاح مجدداً “هي مناظر لا سابقة لها في التاريخ، والأصعب أنها كانت كلها متشابهة، فتصعب رؤية عشرات الإصابات لأشخاص فقدوا أعينهم وأصابعهم. وبالنسبة لنا، كان في ذلك التحدي الأكبر. على رغم ذلك، كنا على أتم استعداد، خصوصاً أننا كنا قد اكتسبنا خبرة من انفجار المرفأ مع وصول 400 مريض إلى المستشفى آنذاك. كما كنا قد أجرينا تدريبات من شهرين استعداداً لأي حالة طارئة بالتعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، وكنا حاضرين لهذه الحالة الطارئة والمفاجئة، حتى أننا كنا قد حضّرنا المستلزمات الطبية للعمليات في علب جاهزة لاستخدامها بشكل سريع ومباشر من قبل الممرضين والأطباء من دون تأخير. وكان الاندفاع لافتاً من قبل الأطباء والممرضين والجميع كانوا في الصفوف الأمامية لتقديم المساعدة”.

وأشار غاريوس إلى أن المستشفى والعاملين فيه أثبتوا جدارة تامة في هذه التجربة، لكن مما لا شك فيه أنه يمكن التعلم من كل تجربة وإدخال التحسينات اللازمة للتحرك بمزيد من الفاعلية في أي تجربة طارئة أخرى.

من جهته، أشار مدير قسم الطوارئ في مستشفى “أوتيل ديو دو فرانس” أنطوان الزغبي إلى أنه بعد استقبال 80 مصاباً، اضطر المستشفى إلى تحويل مصابين إلى مستشفيات أخرى بسبب ارتفاع عدد المصابين بالحالة ذاتها، فيما أجّلت عمليات طارئة “ولم تسجل أي حالة وفاة بل كان من الممكن إنقاذ جميع المصابين. أما إصابات اليدين، فعلى رغم المساعي لإنقاذ المصابين وتجنب البتر، فكانت هناك حالات كثيرة انفجر فيها البايجر في اليد وبُترت الأصابع، ولم يكن من الممكن إنقاذها، كما قد يحصل في الحالات العادية عندما يحصل بتر للأصابع ومن الممكن عندها إعادة زرعها”.

وعلى رغم الاستعدادات والتدريبات للمستشفى، وعلى رغم خطة الكوارث التي وضعتها وزارة الصحة، أكد الزغبي أن التحدي كان كبيراً “فكانت تجربة مختلفة، ولم يكن أحد يتوقع عملاً مماثلاً وإن كانت قد سبقته تجربة انفجار المرفأ. فالصعوبة الكبرى في أن الإصابات كانت في الرأس والعينين. لكن، كان من الممكن التعامل مع الوضع على أساس عملية الفرز الطبي بحسب معدلات خطورة كل من الحالات، ليتم التعامل مع كل منها على هذا الأساس”.

التنسيق كان أساسياً

في مستشفى “المقاصد”، كان الضغط بمعدل أقل على الطاقم الطبي إذ دخل 35 مصاباً فقط في الموجة الأولى، فيما كان المستشفى والطاقم فيها على جاهزية لاستقبال 100 مصاب خلال ست ساعات. فكان الوضع مقبولاً بالنسبة للاستعدادات وبعد ساعتين لم يكن هناك أي مصاب في الطوارئ بما أن المطلوب كان التصرف بسرعة. هذا، ولم تكن هناك حالات حرجة للغاية، وبذل جميع الأطباء والممرضين الجهود اللازمة بالتنسيق مع وزارة الصحة. وأكد المدير الطبي للمستشفى وائل جروش أن التنسيق كان في غاية الأهمية لأن الجميع كانوا على أتم استعداد قبل حضور أول المصابين، مشيراً إلى أن كل تجربة تعلّم القطاع الطبي الكثير ومن المؤكد أن ثمة ثغرات، وقد أجري اجتماع بعدها لخطة الكوارث لتعلم كيفية التصرف في أي حالة أخرى قد تطرأ.

وأجري التعامل مع الإصابات التي كان معظمها في اليدين والعيون، وأخرى في جدار البطن، ومنها في الورك الأيمن أو الأيسر. في اليدين، بُترت الأصابع المتضررة، وكانت كذلك في معظمها، كما نُقل خمسة مرضى إلى مركز العيون في مستشفى “الجامعة الأميركية” لأنه كان من الممكن ترميمها، وبعد التحقق من طبيعة المشكلات في البطن أجري التدخل اللازم، كما كانت هناك حالات نزف داخلي بسيط لم تستدعِ عملية معقدة. في اليوم التالي، أدخلت حالات طفيفة “في انفجار المرفأ، كانت إصابات صعبة لكن مختلفة. ما حصل هنا كان في غاية الصعوبة بسبب انخفاض عدد أطباء العيون بشكل عام. وكان من الصعب كفريق طبي التعامل مع الإصابات البالغة نفسها، خصوصاً أنه في مشكلات العينين تكون العملية دقيقة للغاية وثمة حاجة للحفاظ على النظر لأن أي تأخير يؤثر في النظر. إنما في الحالات المماثلة، لا يمكن التركيز على إنقاذ عضو بل على إنقاذ الأرواح”، ختم جروش.

كارين اليان ضاهر

صحيفة اندبندنت ارابيا




تفجيرات “البيجر” في لبنان.. تكنولوجيا قديمة ومخاطر مستقبلية

قُتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص وأُصيب ما يقرب من 3 آلاف آخرين عندما انفجرت أجهزة النداء الشخصي “البيجر” المُستخدمة من قبل أعضاء حزب الله – بما في ذلك المقاتلين والمسعفين – بشكل متزامن في لبنان يوم 17 سبتمبر 2024. ووقعت هذه الانفجارات بعد أن رنَّت أجهزة النداء الشخصي؛ مما دفع عناصر حزب الله إلى لمسها أو رفعها ليفحصوا الشاشات؛ فأدى ذلك إلى وقوع إصابات بينهم، واستمرت تلك الانفجارات قرابة الساعة، حسب شهود عيان.

وكانت الانفجارات محدودة الشدة نسبياً، تصيب فقط الشخص الذي يمسك جهاز “البيجر” أو الأقرب إليه، وأظهرت مقاطع فيديو من المستشفيات ومشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أفراداً يعانون من إصابات في الوجه وفقدان أصابع وجروح كبيرة في عظم الفخذ؛ حيث مكان وضع الجهاز داخل الجيب. لكن لم تتسبب الانفجارات في أضرار كبيرة للمباني أو في اندلاع حرائق.

وقد اختلفت الروايات حول أسباب التفجيرات، فبينما اعتبرتها الحكومة اللبنانية هجوماً سيبرانياً على الأجهزة المتفجرة، قال آخرون إن إسرائيل ربما تسللت إلى سلسلة التوريد الخاصة بأجهزة “البيجر” وفخختها بمواد متفجرة قبل أن يتم نقلها إلى حزب الله.

ما هو “البيجر”؟

“البيجر” هو جهاز إلكتروني صغير يُستخدم لاستقبال الرسائل النصية أو الإشعارات دون الحاجة إلى اتصال بالإنترنت. وكان يُستخدم بشكل شائع في التسعينيات وبداية الألفية كوسيلة أساسية للتواصل قبل أن تصبح الهواتف المحمولة متاحة على نطاق واسع.

وتعتمد أجهزة “البيجر” على استقبال إشارات راديوية رقمية من شبكة الاتصالات، وهذه الإشارات تحتوي على معلومات مثل النصوص أو التنبيهات، التي يتم فك تشفيرها وعرضها على شاشة “البيجر”؛ إذ يمكن للأخير عرض الرسائل النصية أو الإشعارات القصيرة، وفي بعض النماذج يمكن للمستخدمين الرد على الرسائل أو الاتصال برقم محدد.

ويستخدم عناصر حزب الله اللبناني أجهزة “البيجر” في التواصل فيما بينهم عبر الرسائل، معتقدين أنهم سيتمكنون من تجنب تعقب إسرائيل لمواقعهم الجغرافية؛ لأن هذه الأجهزة لا تتطلب إنترنت أو شبكة لاسلكية، ولا تستخدم بيانات تحديد الموقع الجغرافي؛ مما يجعها آمنة نسبياً مقارنة بالهواتف الذكية.

أهم الاستخدامات:

على الرغم من أن استخدام “البيجر” قد تراجع بشكل كبير مع ظهور الهواتف الذكية؛ فإنه لا يزال يُستخدم في بعض المجالات المتخصصة، مثل: المستشفيات والمرافق الصحية ومراكز التسوق وأحياناً في الجولات السياحية في الصحراء، حيث يُستخدم للحصول على إشعارات سريعة وموثوقة، وذلك كما هو موضح في التالي:

1- المجال الطبي والرعاية الصحية: يُستخدم “البيجر” على نطاق واسع في المستشفيات؛ لأنه يوفر وسيلة موثوقة وسريعة لإرسال الإشعارات للطواقم الطبية. ويُفضل في بعض الأحيان على الهواتف المحمولة؛ لأنه لا يعتمد على شبكة الإنترنت أو إشارات الهاتف المحمول التي قد تكون غير مستقرة في بعض الأماكن داخل المستشفى. كما تُستخدم هذه الأجهزة في حالة الطوارئ لإبلاغ الأطباء والممرضين والمسعفين بالتحرك السريع؛ إذ يمكن أن تكون الإشعارات الفورية حاسمة لإنقاذ الأرواح.

2- خدمات الطوارئ والإنقاذ: تستخدم بعض فرق الإطفاء والشرطة أجهزة “البيجر” لتنبيه فرق العمل حول الحوادث والمهام الطارئة؛ لأنها تعمل بشكل موثوق في البيئات التي قد تكون فيها إشارات الهواتف المحمولة ضعيفة أو غير متوفرة.

 3- الصناعات الخطرة والمواقع الصناعية: تُستخدم أجهزة “البيجر” في البيئات الصناعية، حيث قد يكون من غير الآمن استخدام الهواتف المحمولة أو الشبكات اللاسلكية؛ بسبب التداخل أو المخاطر الأمنية، فيما توفر “البيجر” وسيلة تواصل آمنة وفعالة في مثل هذه البيئات.

4- البيئات ذات الحساسية العالية: في بعض البيئات، مثل: المختبرات أو المناطق ذات الحساسية العالية للإشعاعات الكهرومغناطيسية، يمكن استخدام أجهزة “البيجر” لأنها لا تصدر إشارات قوية مثل الهواتف المحمولة.

5- التحكم الصناعي والتكنولوجيا: تُستخدم أجهزة “البيجر” لتنبيه المشغلين والفنيين بأي أعطال أو تحذيرات في الأنظمة الصناعية أو البنية التحتية التكنولوجية؛ إذ تعمل بشكل فعال على نقل الرسائل المهمة.

6- خدمات الأمن والحراسة: تعتمد بعض شركات الأمن على “البيجر” لإرسال التنبيهات السريعة إلى موظفي الحراسة والمراقبة. 

أشهر المُصنعين:

كانت أجهزة “البيجر” تُصنع في الأساس من قِبل العديد من الشركات التكنولوجية الكبرى خلال فترة ذروتها في الثمانينيات والتسعينيات. ومن بين أبرز المُصنعين لتلك الأجهزة ما يلي:

– Motorola: كانت شركة “موتورولا” واحدة من أكبر الشركات المصنعة لأجهزة “البيجر”. وأطلقت العديد من الطرازات الشهيرة، وكان لها تأثير كبير في سوق “البيجر” العالمية.

– NEC: هذه الشركة اليابانية كانت أيضاً من المُصنعين الرئيسيين لأجهزة “البيجر”؛ إذ قدمت منتجات متطورة خلال تلك الفترة.

– Philips: كانت شركة “فيليبس” جزءاً من سوق إنتاج أجهزة “البيجر”.

– Unication: كانت من بين الشركات التي استمرت في تصنيع أجهزة “البيجر” لفترة طويلة وتخصصت في توفير حلول الاتصالات اللاسلكية.

– Jensen: قدمت هذه الشركة بعض الطرازات الشهيرة من أجهزة “البيجر”.

– Gold Apollo: هي شركة تايوانية، متخصصة في إنتاج أجهزة “البيجر” وغيرها من معدات الاتصال، تأسست عام 1980، وركزت على تقديم حلول الاتصال اللاسلكية التي كانت شائعة الاستخدام قبل انتشار الهواتف المحمولة.

سيناريوهان للتفجير:

تعددت الروايات الواردة حول سبب انفجار أجهزة “البيجر” في لبنان، ومنها الآتي:

1- سيناريو زرع كمية صغيرة من المتفجرات أو شرائح تفجيرية محفزة في أجهزة كانت مخصصة لحزب الله قبل أشهر، وصنعتها شركة (Gold Apollo) التايوانية، والتي نفى مسؤول فيها أن تكون هي المُصنع المباشر لتلك الأجهزة، قائلاً إن إحدى الشركات الأوروبية التي لديها الحق في استخدام العلامة التجارية “أبولو” هي من قامت بتصنيعها. وأشارت تقارير إعلامية إلى أنها شركة (BAC) ومقرها المجر.

وبالنظر إلى مدى احتمالية هذا السيناريو والتُّهم الموجهة لإسرائيل؛ فإنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيها إسرائيل بعمليات اغتيال عبر الهواتف المفخخة، فقد سبق أن استخدمت هاتفاً مفخخاً في اغتيال القيادي في حركة حماس يحيى عياش عام 1996؛ إذ نجحت حينها المخابرات الإسرائيلية في إيصال هاتف محمول مفخخ إلى عياش، وعند استخدامه تعرفت المخابرات الإسرائيلية على صوته وقامت بتفجير الهاتف عن بُعد أثناء استخدامه؛ مما أدى إلى مقتله.

وبالنظر إلى حجم وطبيعة الإصابات التي تعرض لها عناصر حزب الله اللبناني، والتي منها فقدان الأطراف أو جروح غائرة، وتاريخ إسرائيل في استخدام الهواتف المفخخة؛ فقد يكون هذا السيناريو وارداً بصورة كبيرة؛ مما يجعل منه أكبر عملية استهداف مباشر يتم تنفيذها عن بُعد، معروفة حتى الآن.

2- سيناريو تحفيز بطاريات الليثيوم الموجودة داخل أجهزة “البيجر”؛ مما يؤدي إلى زيادة التحميل عليها وتفجيرها، ولكن كيف تم تحفيز هذه البطاريات حتى تصبح قنابل موقوتة؟ في هذه الحالة تتعدد الاحتمالات الواردة ومنها مثلاً ما يلي:

أ- أن خادم “البيجر” الذي يتم ربط معظم هذه الأجهزة عليه قد تم اختراقه عبر ثغرة، مما أدى إلى الوصول إلى جميع الأجهزة المتصلة بهذا الخادم، وتثبيت دودة خبيثة على هذه الأجهزة قامت بعمل تحميل زائد عليها تسبب في ارتفاع حرارة بطارية الليثيوم وانفجارها. 

ب- أن هذه الأجهزة استقبلت ترددات عالية الشدة من طائرات من دون طيار قريبة من المنطقة، قامت بإرسال هذه الترددات إلى الأجهزة بعد كشف شفرتها؛ مما أدى إلى ارتفاع درجة حرارة البطارية بصورة كبيرة وانفجارها.

ج- قد تحتوي أجهزة “البيجر” على أبواب خلفية (Back Door)، يمكن اللجوء إليها وتوظيفها بصورة تؤدي إلى انفجار بطارية الأجهزة.

د– من الوارد أيضاً أن تكون إسرائيل قد نجحت في اختراق سلسل التوريد الخاصة بتصنيع “البيجر”، وفي استبدال البطاريات الأصلية بأخرى تحتوي على مواد متفجرة.

لكن من التجارب السابقة، فإن انفجار بطاريات الليثيوم بقوة تؤدي إلى مثل هذه الإصابات أو قريبة منها؛ يتطلب أن تكون مشحونة بالكامل، أما البطاريات غير المشحونة كاملاً فهي لا تنفجر بقدر ما تحترق وتصدر منها غازات ودخان، وليس انفجاراً. وبالنظر إلى طبيعة الإصابات في لبنان؛ فإن سيناريو تفخيخ أجهزة “البيجر” بشرائح مُحفزة للتفجير أو بكميات من المتفجرات تعمل فيه بطاريات الليثيوم كعامل مساعد يُعد هو السيناريو المُحتمل.

وقد يكون كلا السيناريوهين؛ أي أنه تم اختراق أجهزة “البيجر” وتفخيخها معاً. فحسب الشهود، هذه الأجهزة قامت بإعطاء إشارات قبل الانفجار، حتى تخدع عناصر حزب الله ويمسكون بها في أيديهم؛ محققة أكبر قدر من الإصابات المؤثرة. أو قد يكون هذا الرنين هو أصلاً كود التفجير الذي تم إرساله إلى أجهزة “البيجر” حتى تبدأ عملية تحفيز البطارية تمهيداً لتفجير الشحنة المفخخة، مما يضع احتمالية أنه على الأقل تم اختراق الترددات التي تعمل عليها هذه الأجهزة قبل تفجيرها، أو حتى اختراق الأجهزة نفسها مسبقاً أثناء وضع الشحنة المفجرة فيها.

وعلى الرغم من رجاحة هذا السيناريو؛ فإنه من الممكن أيضاً أن تكون إسرائيل طورت تقنية مشابهة لدودة “ستاكس نت” وتسببت في تفجير أجهزة “البيجر”؛ إذ إنها نجحت بالتعاون مع وكالة الأمن القومي الأمريكي في تطوير دودة خبيثة تم زرعها في شبكة الكمبيوتر الخاصة بمنشأة “نطنز” النووية في عامي 2009/2010، وتسببت هذه الدودة في تدمير ما يقرب من ألف من أجهزة الطرد المركزي المُستخدمة في تخصيب اليورانيوم، وعملت هذه الدودة على إغلاق صمامات التنفيس الخاصة بأجهزة الطرد مسببة انفجارها؛ ومن ثم يبقى السؤال؛ هل من الوارد أن إسرائيل طورت تقنية مشابهة لتقنية “ستاكس نت” التي كانت موجودة منذ أكثر من 15 عاماً واستخدمتها في تفجيرات “البيجر”؟ 

مخاطر كارثية: 

تفتح هذه التفجيرات غير المسبوقة آفاقاً كبيرة للتفكير في سيناريوهات كارثية، ربما قد يصبح فيها كل شيء يعتمد على التكنولوجيا في حياتنا سلاحاً؛ فالهواتف الذكية والساعات الذكية وأجهزة “التابلت” وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وألعاب الأطفال مثل “السكوتر”، تعتمد كلها على بطاريات الليثيوم؛ مما قد يجعلها أسلحة موقوتة. كما تُعد السيارات التي تعتمد على الكهرباء بمثابة سيارات مفخخة مسبقاً، يمكن استخدامها في عمليات اغتيال أو تنفيذ هجمات إرهابية بطرق جديدة. 

هذا بخلاف إمكانية اختراق أي جهاز يحتوي على كود أو برمجية رقمية مثل: مولدات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والسدود ونظم المواصلات وغيرها من مرافق البنية التحتية، والتسبب في خسائر مادية وبشرية فادحة؛ قد تنقل أساليب الحرب بين البشر إلى مرحلة جديدة من التدمير، فلا تفرق بين المدني والعسكري وبين الكبير والصغير.

د. ايهاب خليفة – رئيس وحدة التظير التكنولوجي

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات




أجهزة البيجر: تفاصيل عن انفجار أجهزة اتصال عناصر حزب الله، و كيف خطط. لها الموساد لأشهر

أفادت مصادر أمريكية لوكالات أجنبية أن ما بين 3 إلى 5 آلاف جهاز لاسلكي تابع لشركة “غولد أبولو” التايوانية وصلت لعناصر حزب الله. • وبحسب التقارير – تلقى العناصر رسالة من التنظيم وفتحوها وانفجرت الأجهزة

أكبر عملية اغتيال مستهدف في التاريخ:

 أفادت تقارير أجنبية، استناداً إلى مصادر أمريكية مطلعة على الأمر، أن العملية التي نفذتها إسرائيل ضد حزب الله الليلة الماضية (الثلاثاء) تم تنفيذها من خلال إخفاء متفجرات داخل شحنة جديدة من أجهزة البيجر المصنوعة في تايوان، والتي استوردت إلى لبنان.

وبحسب بعض المصادر، فقد تم طلب ما بين 3 و5 آلاف جهاز بيجر – هناك تقارير متضاربة حول الموضوع – من شركة “جولد أبولو” التايوانية – التي تنفي تورطها في الأمر. خضعت أجهزة البيجر لعدة تغييرات قبل وصولها إلى لبنان. وكان معظمها من طراز AP924 الخاص بالشركة، على الرغم من إدخال ثلاثة نماذج إضافية من نماذج شركة “Gold Apollo” في الشحنة.

وقالت شركة “جولد أبولو” اليوم إن أجهزة الاتصال التي استخدمتها إسرائيل في العملية لم تصنعها هي، بل شركة تدعى BAC والتي لديها ترخيص لاستخدام علامتها التجارية.

كما أفيد أنه تم زرع كمية صغيرة من المواد المتفجرة، تتراوح بين 30 و60 جرامًا، بالقرب من البطارية في كل جهاز بيجر. كما تم إدخال مفتاح يمكن تفعيله عن بعد في أجهزة الاتصال، وتتمثل مهمته في تفجير المواد المتفجرة. كما أفادت التقارير أن بعض أجهزة الاتصال وصلت إلى حلفاء إيران في سوريا.

وهكذا، عند الساعة 3:30 بعد الظهر، وصلت رسالة الى جميع أجهزة الاتصال بدت وكأنها قادمة من قيادة حزب الله. وبدلاً من ذلك، قامت الرسالة بتفجير المواد المتفجرة. وبحسب المصادر، فإن الأجهزة كانت مبرمجة لتصدر صوتاً لعدة ثوان قبل أن تنفجر.

إضافة الى ذلك، ذكرت وكالة رويترز للأنباء أن الموساد كان مسؤولاً عن الحدث، وأنه تم التخطيط له قبل عدة أشهر.

وكالات




“متفجرات الهكسوجين”.. ما هي؟ ولم وضعت في أجهزة بيجر حزب الله؟

كشف مصدر أمني لبناني للجزيرة عن بعض تفاصيل ما حدث أمس الثلاثاء من تفجير أجهزة اتصالات “بيجر” يستخدمها عناصر حزب الله اللبناني، أدت إلى مقتل 12 شخصا وإصابة الآلاف. وقال المصدر إن تلك الأجهزة كانت مفخخة بشكل مسبق، عبر إضافة كمية لم تتجاوز 20 غراما من المواد المتفجرة.

وأفادت مصادر أخرى بأن المادة المتفجرة التي أضيفت لأجهزة البيجر التابعة لحزب الله يرجح أن تكون من نوع “آر دي إكس” أو “متفجرات التدمير الملكي” وتسمى أيضا “الهكسوجين”، وهي مادة تحمل الاسم الكيميائي “سيكلوتريميثيلين ترينترامين”، وهي معروفة بثباتها الجيد وإنتاجها العالي للطاقة، مما يجعلها مناسبة لمجموعة متنوعة من التطبيقات العسكرية والصناعية.

متفجرات التدمير الملكي

في صورتها الكيميائية، فإن هذه المادة صلبة بلورية بيضاء تشبه السكر، غير قابلة للذوبان في الماء، وحساسة للصدمات، واستخدامها غير العسكري الرئيسي هو في كبسولات التفجير في عالم التعدين. أما عسكريا، فعادة ما تستخدم هذه المادة في خلطات مع متفجرات أخرى، فهي المادة المتفجرة الرئيسية في المتفجرات الشهيرة “سي 4” وكذلك “سيمتكس”.

وتمتلك هذه المادة المتفجرة عامل فعالية نسبيا يبلغ 1.60، ويعني ذلك أنها أكثر فاعلية واستقرارا من متفجرات ثلاثي نترو التولوين الشهيرة (تي إن تي).

وتمتلك هذه المادة سرعة انفجارية تساوي حوالي 8750 مترا في الثانية، يجعلها ذلك واحدة من أقوى المتفجرات الكيميائية المستخدمة، مع كثافة طاقة انفجارية عالية. السرعة الانفجارية، هي السرعة التي تنتقل بها مقدمة الموجة الصدمية عبر المادة المتفجرة

جهاز البيجر (شترستوك)

لماذا استخدمت في هذه العملية؟

تمتلك “آر دي إكس” خصائص إضافية تجعلها مناسبة لعملية تفجير أجهزة صغيرة مثل أجهزة البيجر، الأولى: يمكن خلطها مع الملدنات لجعلها قابلة للتشكيل مثل الصلصال مع الاحتفاظ بخصائصها المتفجرة.

يعني ذلك أنه يمكن تشكيلها لتناسب مساحات صغيرة غير منتظمة، مثل الأجهزة صغيرة الحجم، مما يجعلها مثالية لمهام سرية تتطلب إخفاء الشحنة المتفجرة.

أما الخاصية الثانية فهي أنها، بعد خلطها مع مواد أخرى، تصبح أقل حساسية ومستقرة في التخزين، ولو على المدى الطويل، ويعني ذلك أنها يمكن أن تقبع في مكان ما لفترة طويلة تنتظر أن يتم تفعيلها.

وبحسب موقع المونيتور الأميركي، فإن ذلك كان ضروريا لخطة الاحتلال الأصلية والتي كانت تقضي بتفجير الأجهزة في حال اندلاع حرب شاملة مع حزب الله من أجل تحقيق تفوق إستراتيجي، ولكن معلومات استخباراتية أفادت بأن اثنين من أعضاء حزب الله اكتشفا اختراق الأجهزة، فقامت بتفعيلها.

الاستقرار الكبير لهذه المتفجرات يجعلها تتطلب مفجرا أو صدمة عالية الطاقة للانفجار، وربما وضع معها جهاز تفجير صغير في أجهزة البيجر، أو يمكن وضعها في مكان سري بجوار البطارية، ثم حينما يتم اختراق أجهزة البيجر للتسبب في وضع أحمال إضافية على البطارية، تسخن الأخيرة مقدمة ما تحتاجه تلك المادة للانفجار.

من تفجيرات لبنان المصدر: @Faoda_1 تويتر
من تفجيرات البيجر في لبنان (مواقع التواصل الاجتماعي)

متفجرات عالية التكسير

وإلى جانب ذلك، فإن “آر دي إكس” تنضم لفئة “المتفجرات عالية التكسير”، مما يعني أنها تولد موجة صدمة قوية وسريعة للغاية عند الانفجار، مما يتسبب في تحطيم المواد أو تفتيتها بقوة كبيرة.

ويشير مصطلح “التكسير” في هذا السياق إلى قدرة المتفجرات على إحداث تأثير تحطيم أو سحق، وخاصة عند التعامل مع أهداف صلبة مثل المعدن أو الخرسانة. وفي الصناعات مثل التعدين والبناء، يمكن استخدام “آر دي إكس” في عمليات الهدم المتحكم فيها، وخاصة حيث تكون هناك حاجة إلى قوة انفجار دقيقة.

تتميز المتفجرات عالية التكسير عادة بسرعات تفجير عالية للغاية، غالبا ما تتجاوز 7 آلاف متر/ثانية. حيث تخلق هذه السرعة موجة ضغط شديدة تتسبب في قطع أو كسر أو حفر المواد.

ولهذا السبب، فإن هذه النوعية من المتفجرات غالبا ما تستخدم في تركيب العبوات الناسفة وهي قنابل محلية الصنع التي قد تُستخدم في إعداد الكمائن على جانب الطريق أو المباني، ويمكن تركيبها على العربات والدبابات لتدميرها.

استخدمت متفجرات مصنعة من مادة آر دي إكس في الحرب العالمية الثانية (المتحف الملكي الحربي)
استخدمت متفجرات مصنعة من مادة “آر دي إكس” في الحرب العالمية الثانية (المتحف الملكي الحربي)

تاريخ طويل من التدمير الموثوق به

ما سبق من خصائص سمح لمتفجرات التدمير الملكي أن تجد لنفسها مكانا راسخا في عالم العمليات العسكرية، تم تصنيع مادة “آر دي إكس” لأول مرة في عام 1899 بواسطة الكيميائي الألماني هانز هينينج. ومع ذلك، لم تجتذب الكثير من الاهتمام في ذلك الوقت بسبب توفر متفجرات أخرى مثل ثلاثي نترو التولوين.

ولكن في أوائل عشرينيات القرن الـ20، بدأ التعرف على إمكانات مادة “آر دي إكس” كمتفجرات عسكرية قوية، وخلال الحرب العالمية الثانية، ازداد الطلب عليها حيث أنتجت الولايات المتحدة حوالي 15 ألف طن شهريا وأنتجت ألمانيا حوالي 7100 طن شهريا أثناء الحرب.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ظلت مادة “آر دي إكس” قيد الاستخدام على نطاق واسع خلال الحرب الباردة، وكان استقرارها النسبي وإنتاجها العالي من الطاقة مثاليا لتصميمات الرؤوس الحربية النووية، وواصلت الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى تحسين تركيباتها ودمجها مع مواد أخرى لإنشاء متفجرات متنوعة.

موقع الجزيرة نت




تفجيرات البيجر.. ما الذي جرى في لبنان؟ 8 نقاط تشرح الحدث

قتل 8 أشخاص وأصيب نحو 3 آلاف من عناصر حزب الله اللبناني اليوم الثلاثاء في جنوبي لبنان والضاحية الجنوبية في بيروت بعد انفجار أجهزة الاتصال اللاسلكي (البيجر) التي يستخدمونها، في عملية يرجح أن إسرائيل تقف وراءها.

ورغم تضارب التفسيرات بشأن كيفية تنفيذ مثل هذا الهجوم نقدم لكم تاليا ما نعرفه حتى الآن عن هذا الأمر:

1- ما أجهزة البيجر؟

البيجر هو جهاز اتصال لاسلكي صغير تم تطويره في الستينيات للاستخدام في حالات الطوارئ، ويعتمد على إرسال إشارات رقمية عبر موجات الراديو لإخطار المستخدم بأن شخصا ما حاول الاتصال به، كما يمكن إرسال رسائل نصية قصيرة عبر هذا الجهاز.

وقبل انتشار الهواتف المحمولة كان البيجر وسيلة شائعة للتواصل، خاصة بين الأطباء العاملين في المناوبات الليلية وموظفي خدمات الطوارئ، كما استخدم أيضا في المجالات العسكرية والأمنية.

2- لماذا يحمله عناصر حزب الله؟

يعتبر جهاز البيجر من التقنيات القديمة نسبيا، والتي لا يمكنها الاتصال بالإنترنت، ولذلك يعتبر آمنا نوعا ما من الاختراقات السيبرانية ومحاولات التجسس والتتبع الشائعة عند استخدام الهواتف المحمولة أو الذكية، ولهذا فهو لا يزال يستخدم في المجالات العسكرية والأمنية، وهذا على الأرجح السبب الذي يدفع عناصر حزب الله إلى امتلاك هذه الأجهزة.

3- كيف انفجرت الأجهزة؟

لا يزال من المبكر معرفة كيف انفجرت هذه الأجهزة بالتحديد، حيث إن التفسيرات حول أسباب هذا الأمر لا تزال تتوالى، وأبرزها أن شريحة ما تم زرعها في كافة أجهزة البيجر قبل استيرادها واستخدامها من قبل عناصر حزب الله.

وفُعّلت هذه الشريحة من خلال موجات الراديو المرسلة عبر طائرات مسيّرة تم إطلاقها في مختلف أرجاء لبنان من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بحيث تعمل تلك الموجهات على تفجير الشريحة أو رفع سخونة بطارية الجهاز، مما يؤدي إلى انفجارها.

ومما يعزز النظرية السابقة ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر لبنانية تأكيدها أن أجهزة الاتصال التي انفجرت هي “أحدث طراز” جلبه حزب الله خلال الأشهر القليلة الماضية.

كما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية عن مصادر قريبة من حزب الله أن الأجهزة المستهدفة كانت ضمن شحنة جديدة تلقاها الحزب مؤخرا.

نظرية أخرى ذكرتها الصحيفة، حيث قالت نقلا عن شركة لوبك إنترناشيونال الأمنية إن سبب انفجار أجهزة الاتصال في لبنان هو على الأرجح برمجيات خبيثة، مضيفة أن تلك البرمجيات رفعت حرارة البطاريات، مما أدى إلى انفجارها.

4- ما أكثر المناطق المستهدفة؟

تركزت الإصابات في جنوبي لبنان والضاحية الجنوبية في بيروت، لكن في الواقع فإنه لا توجد مناطق محددة مستهدفة، إذ إن المصابين كانوا جميع الذين يحملون أجهزة البيجر بغض النظر عن أماكن وجودهم.

ومما يدلل على ذلك إصابة 4 أشخاص في سوريا جراء انفجار في سيارتهم في طريق نفق بالعاصمة دمشق، حيث رجحت وسائل إعلام سورية أن المصابين عناصر من حزب الله انفجرت أجهزة اتصال كانوا يحملونها.

5- كم عدد المصابين حتى الآن؟

بعد لحظات من بدء تسلسل عمليات الانفجار ارتفع عدد المصابين إلى أكثر من 2750 شخصا في لبنان وحده، وجميعهم من عناصر في حزب الله كانوا يحملون تلك الأجهزة المستهدفة.

كما أعلن وزير الصحة اللبناني أن 8 قتلى -بينهم طفلة- كانوا من بين ضحايا تفجيرات البيجر، وقال إن المستشفيات في الجنوب تجاوزت قدرتها الاستيعابية ويعملون على نقل الجرحى خارج المحافظة.

وكان السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني أحد المصابين جراء انفجار جهاز اتصال كان يحمله، وفقا لوكالة مهر الإيرانية.

6- ماذا قال المسؤولون في لبنان عن الحادث؟

نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤول لبناني قوله إن هناك اعتقادا بأن استهداف أجهزة الاتصال هو نتيجة لهجوم إسرائيلي.

كما نقلت عن مصادر قريبة من حزب الله أن أجهزة الاتصال التي انفجرت كانت ضمن شحنة جديدة ومزودة ببطاريات ليثيوم ويبدو أنها انفجرت نتيجة تسخين زائد.

ولاحقا، قال الحزب في بيان إن الانفجارات الغامضة أدت حتى الآن إلى مقتل طفلة وشخصين، مضيفا أن الأجهزة المختصة في الحزب تجري تحقيقا واسع النطاق وعلميا لمعرفة سبب الانفجارات المتزامنة.

7- هل صدرت أي تصريحات أو تلميحات عن أو من إسرائيل؟

وقد أكد مسؤول كبير سابق في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) أن تفجير أجهزة الاتصال الخاصة بمئات العناصر من حزب الله هو اختراق أمني استخباري غير مسبوق.

كما أشار مستشار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى مسؤولية إسرائيل عن هذه الهجمات، وذلك قبل أن يتراجع عن تغريدته بعد دقائق من نشرها.

وطلب مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الوزراء عدم إجراء مقابلات أو التعليق على انفجار أجهزة الاتصال في لبنان، كما حظر حزب الليكود الحاكم على أعضائه الإدلاء بتصريحات وإجراء مقابلات بشأن الأحداث في لبنان.

8- تصريحات دولية

علق مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل على تفجير أجهزة الاتصال في لبنان قائلا إن “هناك دائما خطرا لحدوث تداعيات للتصعيد في لبنان”.

موقع الجزيرة نت




موشيه زوكرمان.. المفكر الإسرائيلي الذي ترك الصهيونية وأيّد المقاومة

“الآن يمكنني التباهي بتصنيف الحكومة الألمانية لي رسميًا على أنني معادٍ للسامية”، يقول المفكر اليهودي الإسرائيلي والأستاذ الفخري بجامعة تل أبيب موشيه زوكرمان، متحديًا الحكومة الألمانية التي اعتبرته معاديًا لليهود بسبب مواقفه المعارضة لـ”إسرائيل”.

يعتبر زوكرمان أن “إسرائيل” وُلدت نتيجة فاحشة لا زواج شرعي، مؤكدًا أن كل يهودي وكل إسرائيلي يعرف ذلك في أعماق قلبه، وهذه الفاحشة هي النكبة الفلسطينية عام 1948، وتكررت هذه الفاحشة على مدى عقود بتهجير الفلسطينيين المستمر وقتلهم على أيدي الاحتلال الإسرائيلي.

عالم الاجتماع والأستاذ في تاريخ وفلسفة العلوم الإنسانية الذي يحمل الجنسية الألمانية بجانب الإسرائيلية، تبرّأ من الصهيونية رغم أنه كان يؤمن بها قبل ذلك، وقال إن “إسرائيل” دولة فصل عنصري، وهو الأمر الذي جعل الحكومة الألمانية، تعتبره معاديًا للسامية، وهي تهمة تجلب المضايقات لمن يتهم بها هناك.

ردّ زوكرمان على ذلك بأنه كمواطن إسرائيلي ألماني يُسأل عمّا تفعله دولته ويجب أن يرد، خاصة إذا كانت الدولة التي يحمل جنسيتها تحتل أرض شعب آخر، وتعامله بشكل غير إنساني منذ عشرات السنين، ويجب عليه وعلى كل شخص يحترم ذاته أن يواجه ذلك، بحسب قوله.

ربما هناك أصوات كثيرة في الغرب تردد كلام زوكرمان، لكن الخطورة هنا تكمن في مكانته الأكاديمية المرموقة من ناحية، وفي يهوديته وحمله الجنسية الإسرائيلية من ناحية أخرى، بل إن أبويه كانا من الناجين من المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ما يجعل لكلامه الذي يردده عبر لقاءاته الإعلامية وكتاباته ومؤلفاته صدى خطيرًا، ويسبب ضيقًا لـ”إسرائيل” ومناصريها.

لماذا يدافع زوكرمان اليهودي عن القضية الفلسطينية؟ كيف وصل إلى قناعاته المعارضة لـ”إسرائيل” رغم إعجابه لوقت ما بالصهيونية؟ ما موقفه من “إسرائيل” بعد “طوفان الأقصى”؟ هذا ما نحاول إيجازه فيما يلي.

زوكرمان والصهيونية

ولد موشيه زوكرمان في تل أبيب عام 1949 لأبوين يهوديين نجيا من المحرقة النازية في بولندا، وتحديدًا من معسكر اعتقال أوشفيتز الشهير، ثم هاجرا إلى “إسرائيل” وسكنا حيًّا فقيرًا في تل أبيب، حيث أنجبا ابنهما موشيه.

كانت المحرقة وحكاياتها تتردد دائمًا في منزله، وتربّى عليها، ومع ذلك سافر مع أبويه وهو طفل في العاشرة من عمره إلى ألمانيا نتيجة فقرهما في “إسرائيل”، وطمعًا في حياة أفضل في ألمانيا، رغم ضيقهما من السفر إلى البلد الذي تعذبا بسببه، لكنهما اضطرا ذلك.

عاشت أسرة زوكرمان في مدينة فرانكفورت، وتنقّل الطفل بين مدارسها وتلقّى فيها تعليمه الأساسي، وفي هذه الفترة كان مهتمًا جدًّا بالموسيقى والرسم، بل كان الفن شغفه الكبير في الحياة.

لكنه بجانب ذلك كان متأثرًا بالصهيونية، وكان يعتبرها حركة تحررية نتجت عن اضطهاد اليهود، فعاد إلى “إسرائيل” وهو في سن الـ 20، والتحق بجامعة تل أبيب ليدرس علم الاجتماع.

بعد تخرجه التحق بالقوات الجوية كباحث اجتماعي يدرس كيفية التواصل بين الموظفين والعاملين بالقوات الجوية، ثم عاد إلى جامعة تل أبيب كباحث، لكنه ظل متأثرًا بالفترة التي قضاها في ألمانيا، ومعظم كتاباته حتى الآن باللغة الألمانية، وربما يقيم في ألمانيا أكثر ممّا يقيم في “إسرائيل”.

مع الوقت والدراسة تغيرت نظرة زوكرمان لـ”إسرائيل”، نتيجة عمله كباحث في تاريخ الفلسفة، وساعده على ذلك أنه ماركسي غير متديّن، فدرس الصهيونية بشكل متحرر نسبيًا، فكانت قناعاته وأفكاره التي ملأت كتبه ومقالاته، والتي تعرضه للانتقاد والهجوم في ألمانيا و”إسرائيل”.

تمثل الحياة الأكاديمية عصب نشاطات زوكرمان، فهو ليس ناشطًا سياسيًا، وليس مسؤولًا تنفيذيًا، إنما الإنتاج الأكاديمي والحياة الفكرية هي حياته، حتى وإن انعكس ذلك على وجوده في المشهد الإعلامي وتوظيفه في خدمة تيارات سياسية.

هذا التوظيف الإعلامي لكتاباته الأكاديمية جاء بسبب انصباب أغلب اهتمامه الأكاديمي على تشريح الصهيونية كفكرة وممارسة واشتباكها بالسياسة الدولية، ونتجت عن ذلك مجموعة من المؤلفات، من أبرزها كتابه الذي تنبّأ خلاله انهيار الصهيونية و”إسرائيل” طالما سارت في اتجاهها الاستيطاني العنصري “Israels Schicksal: Wie der Zionismus seinen Untergang betreibt (مصير إسرائيل: كيف تسير الصهيونية في طريقها إلى الأسفل)”، الصادر عام 2014.

وكان زوكرمان ناقش جذور الأزمة السياسية في بنية الدولة الصهيونية خلال كتابه الصادر عام 2009 “Sechzig Jahre Israel: Die Genesis einer politischen Krise des Zionismus (60 عامًا على قيام إسرائيل: نشأة الأزمة السياسية في الصهيونية)”.

كما تناول فكرة معاداة السامية التي تستخدمها “إسرائيل” وحلفاؤها، وعلى رأسهم ألمانيا، كسيف على رقاب من يعارضونها في أكثر من مؤلف، ومنها “Antisemit! Ein Vorwurf als Herrschaftsinstrument (معاداة السامية! الاتهام كأداة للسلطة)”، عام 2010.

نفس الفكرة (معاداة السامية) تناولها في كتابه “Der allgegenwärtige Antisemit oder die Angst der Deutschen vor der Vergangenheit (معاداة السامية المنتشرة في كل مكان أو خوف الألمان من الماضي)”، الذي صدر عام 2018.

وفي أغلب مؤلفاته نجد أن الفكرة المركزية المسيطرة عليه هي الصهيونية و”إسرائيل”، وإن تداخلت معها علاقة ألمانيا بـ”إسرائيل”، ومنها ” Israel – Deutschland – Israel.. Reflexionen eines Heimatlosen (إسرائيل – ألمانيا – إسرائيل: تأملات شخص بلا مأوى)”.

وكتابه “Zweierlei Holocaust: Der Holocaust in den politischen Kulturen Israels und Deutschlands (نوعان من الهولوكوست: المحرقة في الثقافات السياسية لإسرائيل وألمانيا)”.

وكذلك كتابه “Wider den Zeitgeist: Aufsätze und Gespräche über Juden, Deutsche, den Nahostkonflikt und den Antisemitismus (ضد روح العصر: مقالات ومحادثات حول اليهود والألمان والصراع في الشرق الأوسط ومعاداة السامية)”.

هذه العلاقة مع ألمانيا ينطلق إليها زوكرمان من منطلقين، وهما أنه مواطن ألماني يؤلّف ويكتب بالألمانية، بجانب كونه إسرائيلي الجنسية والمولد.

أما المنطلق الآخر فهو علاقة ألمانيا نفسها بـ”إسرائيل”، باعتبار أن المحرقة النازية كانت العامل المحفّز لقيام “إسرائيل” عام 1948، وما زالت ألمانيا حتى اليوم تحمل عقدة الذنب تجاه اليهود، وتدفع ثمنها مواقفًا سياسية واقتصادية وعسكرية داعمة لـ”إسرائيل”.

لماذا ترك الصهيونية؟

“لقد كنت صهيونيًا لأنني شعرت أنه بعد عام 1945 كان من الضروري إنشاء دولة يهودية، لكن اليوم لم يعد بإمكاني أن أكون صهيونيًا، لأن الصهيونية تحولت إلى العنصرية والتوسعية”، بهذه الكلمات يوضح وكرمان سبب تركه للصهيونية بعد اعتناقها.

ويوضح أن الاضطهاد الذي عانى منه اليهود في أوروبا، والذي تجلى في المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، جعل من الضروري إنقاذ اليهود بتأسيس دولة لهم، بصرف النظر عن مكان هذه الدولة، واختيار فلسطين مقرًّا لها.

لكن ما حدث هو أن “إسرائيل” أُقيمت على أراضي الفلسطينيين، والأهم أن ذلك كان مصحوبًا بتهجيرهم واحتلال أرضهم، وانتهاكهم بكل الوسائل، وزاد الأمر بعد عام 1967 حين بدأت “إسرائيل” تتوسع في الاستيطان بالأراضي الفلسطينية، ومن وقتها صار القمع والقهر سمة تعامُل “إسرائيل” مع الفلسطينيين، وهو ما يرفضه زوكرمان بحسب قوله.

ويرى زوكرمان أن هذا العنف الذي تمارسه “إسرائيل” ضد الفلسطينيين منبعه بنية الدولة الصهيونية الممزقة بالأساس، فمنذ تأسيسها لم تستوفِ “إسرائيل” شروط إقامة الدولة القومية الحديثة، فاليهود لم يمتلكوا إقليمًا ولم يكونوا جماعة متجانسة، ولم يكن الأساس الثقافي للغة الوطنية موجودًا.

كذلك إن ما تسعى إليه السياسة الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة هو عكس الأساس الذي بُنيت عليه الحركة الصهيونية ذاتها قبل قيام “إسرائيل”، كحركة علمانية مدنية كانت ذات طابع اشتراكي، لكنها تحولت إلى حركة دينية بعد إعلان الدولة الإسرائيلية كدولة يهودية، وهو أمر يتناقض مع القيم العلمانية المدنية، وبالتالي هناك أزمة في هوية الدولة ذاتها يدفع نحو تفكُّكها من الداخل.

ولذلك كانت وما زالت “إسرائيل” تعاني صراعًا بين المتدينين وغير المتدينين، بين اليهود السفارديم الشرقيين والأشكناز الأوروبيين، بين المقيمين منذ زمن طويل والمهاجرين الجدد، ويتسع هذا الصراع وينذر بانفجار “إسرائيل” من داخلها، يقول زوكرمان.

وبسبب هذا التمزق المجتمعي تخلق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا سيما اليمينية منها، صراعًا مع الآخر الفلسطيني أو العربي أو المسلم، وتخيف المجتمع بما يسمّيه زوكرمان صنم القضية الأمنية، لأجل توحيد هذا المجتمع الممزق خلف قضية وجوده نفسه.

يقول زوكرمان إن الاحتلال واضطهاد الفلسطينيين صار جزءًا لا يتجزأ من الصورة الذاتية للدولة الصهيونية، وبالتالي صار التوصل إلى حل سياسي سلمي للصراع مع الفلسطينيين أمرًا محظورًا إلى حدّ كبير، وهو ما تسعى إليه السياسة الإسرائيلية منذ عقود.

ونتيجة لذلك صارت “إسرائيل” أسوأ مكان يمكن أن يعيش فيه اليهود، حسبما يرى زوكرمان، نتيجة للصراعات العسكرية والخطورة الأمنية التي خلقتها “إسرائيل” ذاتها لمواطنيها، وبدا ذلك جدًّا في هجمات “طوفان الأقصى”، ولذلك تحمل “إسرائيل” والصهيونية عمومًا في داخلها عوامل انتهائها ووصلت إلى طريق مسدود، بحسب قوله.

ويرى زوكرمان أن الحل نحو بقاء اليهود في فلسطين، وفي الوقت نفسه نيل الفلسطينيين حقوقهم، هو إنشاء دولة واحدة علمانية تسعهما معًا، دولة ليست يهودية، ربما تكون كونفيدرالية يتمتع فيها الجميع بنفس الحقوق والواجبات، دون تمييز بينهم، وبغير ذلك فإن الحروب ستظل مستمرة، وستتجه الصهيونية إلى المزيد من التدهور الذي قد يصل إلى الفناء، لكن بعد أثمان فادحة يدفعها الجميع، بمن فيهم الفلسطينيين واليهود بالتأكيد.

وبالطبع ما يطرحه زوكرمان يلغي وجود “إسرائيل” كدولة يهودية عبرية، باعتبار أن الأراضي الفلسطينية كانت تاريخيًا تتسع لليهود والمسيحيين بجانب المسلمين، وبالتالي إن وجود اليهود في دولة غير يهودية هو نسف لفكرة “إسرائيل” ذاتها.

أنا ابن الناجين من المحرقة

بسبب أفكاره يناضل زوكرمان ضد ألمانيا باعتبارها الداعم الأكبر لـ”إسرائيل” بعد الولايات المتحدة، وتتفوق على الولايات المتحدة بالتضييق على مواطنيها في انتقاد “إسرائيل”، الأمر الذي يصل إلى حد اعتقالهم.

يقول في مؤلفاته السابقة إن الصهيونية واليهودية و”إسرائيل” ليسوا شيئًا واحدًا، فهناك يهود ليسوا بإسرائيليين، وهناك يهود ليسوا صهاينة، وهناك صهاينة ليسوا بيهود أو إسرائيليين، وبالتالي ليس كل من ينتقد أو يهاجم “إسرائيل” معادٍ للسامية، بل يمكن أن تكون يهوديًا وتهاجم “إسرائيل”، بينما هناك صهاينة لا يعتنقون الديانة اليهودية يدافعون عن “إسرائيل” أكثر من اليهود أنفسهم.

هذه الفكرة يصرّ زوكرمان على تكرارها في كتاباته ولقاءاته، منتقدًا تهديد كل من ينتقد “إسرائيل” باتهامه بمعاداة السامية، وربما آخر ما تعرّض له زوكرمان كان منعه من إلقاء ندوة دعاه إليها مركز تعليم الكبار في هايلبورن (VHS Heilbronn) خلال مارس/ آذار 2024.

جاء ذلك بعد إرسال مدير المركز رسالة إلى مفوض الحكومة الفيدرالية للحياة اليهودية في ألمانيا ومكافحة معاداة السامية، يسأله فيها عن مدى موافقته على استضافة زوكرمان بالمركز، فكان ردّ مفوض الحكومة كالتالي:

“يعتبر موشيه زوكرمان مثيرًا للجدل إلى حد كبير بسبب مواقفه تجاه إسرائيل، على سبيل المثال، تمّت دعوته كمتحدث في حدث نظمته حركة المقاطعة (حركة مقاطعة إسرائيل) في عام 2022، كما أنه يرى أن هناك فصلًا عنصريًا بشكل أساسي ضد غير اليهود في إسرائيل، وهذه المواقف تعتبر معاداة للسامية”.

وردّ زوكرمان على ذلك قائلًا: “أنا ابن الناجين من المحرقة، وكان والداي من الناجين من أوشفيتز”، ساخرًا من اتهام الحكومة الألمانية له بمعاداة السامية قائلًا: “وبما أنني يهودي نجا والداه من المحرقة، يجب أن أسمح لبعض المسؤولين الألمان أن يخبروني بأنني معادٍ للسامية لأنني أنتقد البلد الذي أعيش فيه”.

وأضاف: “أفضل طريقة اليوم لإسكات الناس في ألمانيا ووضع الكمامة على أفواههم، هو اتهامهم بمعاداة السامية!”.

ثم تطرق إلى حديثه عن اتهام “إسرائيل” بأنها دولة فصل عنصري، فقال إن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مسألة معترف بها من القانون الدولي ذاته، ومن المنظمات الدولية، ومع ذلك “إسرائيل” تنتهك هذا القانون منذ عام 1967، وتقيم نظامَين للعدالة، أحدهما نظام قضائي مدني لليهود الإسرائيليين، والآخر قضاء عسكري ضد الفلسطينيين، وهذا لا ينطبق عليه إلا تصنيف الفصل العنصري.

وكتب زوكرمان مقالًا في مجلة OVERTON فضح خلاله تصرف الحكومة الألمانية معه، وشرح كل التفاصيل والاتصالات التي جرت مع مركز تعليم الكبار الذي دعاه بالأساس لندوة عن الأحداث الجارية في غزة، ثم تراجع عنها بعد اتصالات مع جهات حكومية ألمانية ومنها وزارة الداخلية.

زوكرمان وطوفان الأقصى

رغم إدانته قتل مدنيين إسرائيليين في هجمات “طوفان الأقصى”، حسب زعمه، ورغم هجومه على حركة حماس، إلا أن زوكرمان يرى أن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي حق لهم.

يرى أن الاضطهاد والاحتلال الممتد والاستيطان الذي يزيد والحصار المضروب على قطاع غزة، كل هذه الأشياء تجعل رد الفعل المنطقي من الفلسطينيين هو المقاومة، مؤكدًا أن ما حدث يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول تعود جذوره إلى حوالي 75 عامًا منذ النكبة الفلسطينية عام 1948.

وحذّر زوكرمان “إسرائيل” ممّا تفعله في قطاع غزة من قتل همجي وتدمير، مؤكدًا أن الجيل القادم من الفلسطينيين قد بدأ يكبر بالفعل، وسوف يكره “إسرائيل” بشدة، وبالتالي إن السابع من أكتوبر سيتكرر بسيناريوهات جديدة طالما بقيَ الاحتلال والقمع، فلن تمحو الذاكرة ما تفعله “إسرائيل” في غزة.

واعتبر زوكرمان أن ما حدث يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول هو الكارثة الأكبر التي تشهدها “إسرائيل” منذ قيامها، ولا تزال عواقبها غير متوقعة، ولا ندري ماذا سيحدث نتيجة لها.

ويرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يحتاج إلى مثل هذا الحدث للهروب من أزمة داخلية تلاحقه، حيث يتهم بالفساد والاحتيال والاختلاس، ناهيك عن محاولة انقلاب سمّاها الإصلاح القضائي، فجاء طوفان الأقصى في وقت كان الشارع الإسرائيلي يغلي ضده فأنقذه، حيث يسعى نتنياهو إلى إطالة أمد الحرب على غزة بوحشية للهرب من محاكمته على أكبر فشل أمني في تاريخ “إسرائيل”، ناهيك عن اتهامه شخصيًا بالفساد قبل هجمات حماس.

هذه الرؤية التي يتبنّاها زوكرمان لا يكفّ عن ترويجها في وسائل الإعلام الألمانية والأوروبية عمومًا، وهو الأمر الذي جعله ضيفًا على جهات خارج ألمانيا تتخذ موقفًا مناهضًا لـ”إسرائيل”، مثل حزب العمل التركي الذي استضافه في مؤتمره الذي انعقد يوم 6 يونيو/ حزيران 2024، لمناقشة الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

وخلال المؤتمر أدان زوكرمان المجتمع الدولي بالتقاعس عن وقف الحرب في غزة، وعدم القدرة على التأثير في حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة التي قادت المنطقة إلى حرب يدفع ثمنها آلاف الأبرياء.

ولا يرى زوكرمان أملًا في “إسرائيل”، مؤكدًا أن الحكومة الحالية ومن سبقوها لم تُرِد السلام، مؤكدًا أن الحديث عن السلام هو كذبة المشروع الصهيوني، حتى حكومة إسحاق رابين نفسها التي أرادت السلام أنشأت مستوطنات في الأراضي الفلسطينية، ورغم ذلك دفع الرجل ثمن خطواته نحو السلام الذي لم يحققه.

ورغم تشاؤمه، يطرح زوكرمان رؤاه للسلام باعتبار أن ذلك هو ما يملكه كمفكر، ويقول إن حل الدولتَين غير منطقي، إنما دولة واحدة كونفيدرالية تستوعب الجميع.

موقع نون بوست




جرائم حرب موثقة.. كيف أفلت الجنود الأمريكيون من المحاسبة بتواطؤ الجيش؟

تنطوي الحرب على عنف لا يوصف، وكثير منه قانوني تمامًا. ومع ذلك، هناك بعض أعمال العنف بغيضة لدرجة أنها تقع خارج حدود القانون. وعندما يكون الجناة من أفراد الخدمة الأمريكية، يُفترض أن يحاسبهم الجيش الأمريكي، كما يُفترض أيضًا أن يحتفظ الجيش بسجلات المخالفات بطريقة منهجية؛ لكن الجيش فشل في القيام بذلك، مما جعل الجمهور غير قادر على معرفة ما إذا كان سيقدم الجيش أفراده إلى العدالة عن الفظائع التي ارتكبوها.

ولمعالجة هذا الفشل؛ قام فريق إعداد التقارير في برنامج “في الظلام” بتجميع أكبر مجموعة معروفة من التحقيقات في جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبت في العراق وأفغانستان منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، حيث بلغ العدد حوالي 800 حادثة في المجموع. وخلص التقرير إلى أن الجيش لا يوفر الشفافية ولا العدالة في كثير من الأحيان.

تتيح قاعدة البيانات، لأول مرة، إمكانية الاطلاع على مئات المزاعم المتعلقة بجرائم الحرب – التي تلطخ سمعة الأمة – وذلك في مكان واحد، إلى جانب نتائج التحقيقات والملاحقات القضائية. إن الصورة التي تظهر من خلال هذه المعلومات مثبطة للهمم؛ حيث إن غالبية الادعاءات المدرجة في قاعدة البيانات قد تم رفضها ببساطة من قبل المحققين. أما تلك التي لم يتم التعامل معها، فعادةً ما تُترك لتتعامل معها القيادة في نظام قضائي يمكن أن يكون متسامحًا مع المتهمين وغير مصدق للضحايا.

بدأت قاعدة البيانات بتقرير “في الظلام” عن قتل المدنيين في حديثة بالعراق في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005. ففي ذلك الصباح، أصيبت فرقة من مشاة البحرية بقيادة الرقيب فرانك ووتريتش بعبوة ناسفة بدائية الصنع، مما أدى إلى مقتل عريف بحري محبوب. وفي الساعات التي تلت ذلك، قتل جنود المارينز رجالاً ونساءً وأطفالاً في الشارع وفي المنازل المجاورة. واتُهم أربعة من هؤلاء المارينز، بمن فيهم ووتريتش، بالقتل. وأُسقطت ثلاث من قضاياهم فيما بعد، وعندما ذهب ووتريتش للمحاكمة، سُمح له بالاعتراف بالذنب في تهمة واحدة هي التقصير في أداء الواجب.

وقام القاضي بتخفيض رتبة ووتريتش. وقال هيثم فرج، محامي ووتريتش، عن الحكم: “إنها في الأساس مخالفة وقوف السيارات؛ إنها بلا معنى”. لقد أردنا أن نفهم كيف توصلت محاكمة كبيرة ومعروفة جيدًا لجرائم الحرب إلى نتيجة بهذا القدر الضئيل من الأهمية. وهل كانت هذه حالة شاذة أم أنها نموذجية في نظام القضاء العسكري؟

بدأنا بتقديم طلبات إلى الجيش بموجب قانون حرية المعلومات. ففي سنة 1974، في أعقاب المذبحة التي راح ضحيتها مئات المدنيين في ماي لاي بفيتنام، والملاحقات القضائية الفاشلة لنحو عشرين من أفراد الجيش بتهمة القتل، بدأت وزارة الدفاع في مطالبة كل فرع من فروع الجيش بالاحتفاظ بـ “مجموعة مركزية من التقارير والتحقيقات” حول مزاعم ارتكاب أفراده جرائم حرب.

ومع ذلك، عندما قدمنا طلبات للحصول على السجلات العامة لمحتويات مجموعة كل فرع، لم نحصل على الكثير في المقابل. وأرسلت لنا وزارة البحرية، التي تضم سلاح مشاة البحرية، رسالة تقول فيها إنها حددت موقع “مستودعها” ولكن “لم يكن المستودع يحتوي على أي سجلات”.

ومع عدم وجود خيار آخر، بدأنا في البحث في المقالات الإخبارية المؤرشفة، وتقارير حقوق الإنسان، والمجلات القانونية والطبية، ومستودع هائل من السجلات المتعلقة بالتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين التي حصلت عليها وحدة مكافحة التعذيب خلال أربعة عشر سنة من التقاضي.

بحثنا عن حوادث مثل إطلاق النار العشوائي على المدنيين، وقتل أو تعذيب جرحى الأعداء، وإساءة معاملة المعتقلين أو إهمالهم المتعمد، وكلها أمثلة على جرائم الحرب. لقد قصرنا بحثنا على الأحداث التي يمكن مقارنتها بشكل عام بحادثة حديثة: مزاعم العنف التي ارتكبها أفراد الخدمة الأمريكية أو الوفيات التي حدثت في العراق وأفغانستان بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001. واستثنينا الحوادث غير العنيفة، مثل سرقة القطع الأثرية وعمليات القتل بواسطة غارات الطائرات المسيرة، والتي لا يتم التعامل معها عادةً كجرائم.

وعندما اكتشفنا معلومات جديدة عن حوادث، قدمنا طلبات بموجب قانون حرية المعلومات للحصول على السجلات ذات الصلة. وفي كثير من الأحيان، قيل لنا إنه ما لم نتمكن من تقديم الأسماء، وخاصة أسماء الجناة، فإن الوكالات لن تتمكن من إجراء عمليات البحث عن الوثائق. وعندما قدمنا الأسماء؛ رفضت بعض الإدارات الإفصاح عن السجلات، متذرعةً بحقوق الخصوصية للأشخاص الذين حددنا هويتهم.

وتبين لنا أن العديد من القضايا تم التعامل معها بشكل غير قضائي، حيث اعتُبرت مسائل شخصية في الأساس، وأن تلك السجلات معفاة من قانون حرية المعلومات. كما أن القضايا التي انتهت بالتبرئة أو الرفض كانت معفاة أيضًا، وغالبًا ما يتم إتلاف الملفات المتعلقة بها. وبالتالي؛ فإن العديد من السجلات الأساسية التي يمكن الوصول إليها بسهولة في أي محكمة مدنية في أمريكا تبقى بعيدة المنال في نظام القضاء العسكري.

وبمساعدة فريق متخصص في قضايا قانون حرية المعلومات، رفعنا دعاوى قضائية ضد الجيش مرارًا وتكرارًا. وعلى مدى أربع سنوات؛ قدمت لنا الوكالات ما يكفي من الوثائق التي ساعدتنا، بمساعدة مصادر أخرى، في تجميع مجموعة تضم 781 جريمة حرب محتملة، ارتُكبت ضد أكثر من 1800 ضحية مزعومة، والتي أخذها الجيش الأمريكي على محمل الجد بما يكفي للتحقيق فيها.

ولتحليل قاعدة البيانات، استشرنا جون رومان، الباحث في مركز أبحاث القانون الجنائي بجامعة شيكاغو، والمتخصص في التحليل الكمي لنظام العدالة الجنائية المدنية. وأبدى رومان انزعاجه من النتائج. وقال رومان: “لقد وصل الأمر إلى حد التساؤل عما إذا كانت العدالة تشكل أولوية هنا أم أن هناك أمرً آخر يشكل أولوية أكبر من العدالة”.

ومن بين الحالات الـ781 التي توصلنا إليها، رفض المحققون ما لا يقل عن 65 بالمائة من هذه الحالات، لأنهم لم يصدقوا أن جريمة ما قد وقعت. وكان الجنود يعودون إلى الولايات المتحدة ويعترفون ـ أمام النساء والعاملين في مجال الرعاية الصحية ومسؤولي مقابلات التوظيف ـ بأنهم قتلوا مدنيين أو سجناء، ولكن المحققين العسكريين كانوا يجدون أن هذه المزاعم لا يمكن إثباتها.

كما أبلغ المعتقلون في سجن أبو غريب عن تعرضهم للإساءة من قِبَل حراسهم، ولكن المحققين لم يجدوا أدلة كافية تؤكد حدوث ذلك. وكان المدنيون الذين كانوا يقودون سياراتهم بسرعة مفرطة أو يتصرفون بتهور يُقتَلون بالرصاص عند اقترابهم من نقاط تفتيش المرور، واعتبر المحققون أن هذه عمليات القتل تشكل تصعيدًا مقبولاً لاستخدام القوة، كما عُثر على شباب فاقدين للوعي في سجن معسكر بوكا، وعُزِيَت وفاتهم إلى أسباب طبيعية.

ولكن في 151 حالة، وجد المحققون أسبابًا محتملة للاعتقاد بأن جريمة قد وقعت، أو أن قواعد الاشتباك قد انتهكت، أو أن استخدام القوة لم يكن مبررًا. وتشمل هذه الحالات حالة اغتصاب الجنود لفتاة تبلغ من العمر أربعة عشر سنة ثم قتلها هي وعائلتها، ومقتل رجل على يد جندي من القوات الخاصة الأمريكية والذي قطع أذن ضحيته واحتفظ بها، والقسوة في التعامل مع المعتقلين في سجن أبو غريب وفي مركز الاحتجاز في قاعدة باغرام الجوية.

وكانت هذه جرائم – حتى نظام العدالة العسكرية الذي يعاني من صعوبة جمع الأدلة في مناطق الحرب والتسامح مع الأخطاء القاتلة في الحكم – قد حددها باعتبارها جرائم تستحق الملاحقة القضائية أو العقوبة. ولكن حتى في هذه الحالات، كانت المساءلة الحقيقية نادرة.

لقد حددنا 572 متهمًا مرتبطين بهذه القضايا الجنائية الـ151. ولم تتم إدانة سوى 130 منهم. وتُظهِر السجلات أنهم نادرًا ما تلقوا أحكامًا بالسجن لفترات طويلة. وفي كثير من الأحيان، كانت قضاياهم تُدار من قِبَل القادة، الذين يتمتعون بسلطة تقديرية واسعة لمعاقبة قواتهم بواجبات إضافية، أو خفض رتبهم، أو توبيخهم، متجنبين بذلك الملاحقة القضائية الرسمية بالكامل. (ولم يواجه القادة أنفسهم أبدًا تقريبًا عواقب أفعال مرؤوسيهم السيئة).

ويبدو أن أقل من واحد من كل خمسة متهمين حُكِم عليهم بأي نوع من أنواع الحبس، وكان متوسط الحكم ثمانية أشهر فقط. وقال رومان: “إن معدلات الإدانة ومعدل الحكم على هذه الأنواع من الجرائم الخطيرة للغاية أقل كثيرًا مما قد تراه في النظام المدني”.

لقد أرسلنا ملخصات لنتائجنا إلى الجيش والبحرية وسلاح مشاة البحرية والقوات الجوية، وطلبنا فرصة لتقديم تفاصيل تحليلنا إلى قادتهم. ولم يقبل أي منهم العرض. ورد الجيش بأنه “يلزم الجنود والمدنيين في الجيش بأعلى معايير السلوك الشخصي”، كما لم يستجب سلاح مشاة البحرية للرد.

إن ما ننشره ليس سجلاً كاملاً للفظائع التي ارتكبتها القوات العسكرية منذ 11 أيلول/ سبتمبر، فمن المستحيل أن نعرفها جميعًا. وهذا مستودع لـ 781 جريمة حرب محتملة حقق فيها الجيش الأميركي وتمكنا من تحديدها. ويمكنك استكشاف فهرس المعلومات حول الحوادث، ونتائج التحقيق، ونتائج التحكيم، والمواد المصدرية التي نعتمد عليها.

وفيما يلي نعرض روايات مفصلة عن الـ 151 حالة حددها المحققون على أنها جنائية. فلكل منها قصتها الخاصة، ولكن الكثير منها تبدأ وتنتهي بنفس الطريقة: بعمل مروع ارتكبه أفراد من الجيش ثم عوقبوا عليه بشكل خفيف أو لم يعاقبوا عليه على الإطلاق.

151 حالة

572 متهمًا

130 مدانًا

طبيعة الحادث الموقع الخدمة
الاعتداء 56  – السرقة 6جريمة قتل 39 – اختطاف 2إساءة 30 – الاعتداء الجنسي 1جرائم قتل متعددة 17 العراق 119أفغانستان 30غير معروف 2 الجيش 125مشاة البحرية 19البحرية 6غير معروف 1

المصدر: نيويوركر

ترجمة: موقع نون بوست




«الليكود» يطالب نتنياهو بتنفيذ «خطة الجنرالات» لترحيل سكان غزة

بمبادرة من عضو الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، أفيحاي بوروان، ينظم حزب «الليكود» الحاكم، عريضة موقعة من نواب، موجهة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يطالبونه فيها بتنفيذ «خطة الجنرالات» الرامية إلى ترحيل سكان قطاع غزة.

وقال بوروان (51 عاماً)، وهو مستوطن ومحامٍ وصاحب عدة صحف وقائد حملات استيطان عديدة في الضفة الغربية، إن هذه الحملة جاءت لمساعدة نتنياهو على تثبيت سياسة حزب «الليكود» إزاء غزة، وصد الضغوط الدولية عليه. وأعرب عن تقديره بأن ثلثَي أعضاء الكنيست سيوقعون على العريضة، قائلاً: «بما أننا ننتظر منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إبرام صفقة اختطاف أخرى، ونحن نرى أنها لا تحدث، وأخشى ألا تحدث في المستقبل؛ لأن السنوار ليس تحت الضغط… فالصواب أن ما عليك فعله هو تطبيق الخطة سالفة الذكر».

رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي خلال لقاء مع جنوده عند «محور فيلادلفيا» (أ.ف.ب)

«خطة الجنرالات»

وأُعدت «خطة الجنرالات» قبل عدة أسابيع، لكنها نُشرت لأول مرة في 4 من الشهر الجاري، وبادر إليها رئيس شعبة العمليات الأسبق في هيئة رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، الذي يخالف قيادة الجيش ويُعرف بأنه «مُنظّر» الحرب على غزة، ويستعين به نتنياهو ويستشيره منذ بداية الحرب.

كما أنه معروف بمشروع نقل الفلسطينيين في غزة إلى شمال سيناء المصرية، وتقف معه مجموعة من الجنرالات المعروفين بأنهم جزء من اليمين ويعملون تحت اسم «منتدى الضباط والمقاتلين في الاحتياط». ووضع هؤلاء عنواناً لخطتهم، وهو «خطة لهزيمة حماس»، يقترحون فيها تغيير اتجاه الحرب ووقف خطط الانسحاب من غزة والعودة إلى مشاريع الترحيل.

وجاء في الخطة، وفقاً لتقرير نُشر على موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن عمليات الجيش الإسرائيلي الحالية في قطاع غزة ليست مفيدة، واقترحوا خطة مؤلفة من مرحلتين، يتم خلالها تهجير السكان المتبقين في شمال قطاع غزة والإعلان عنه «منطقة عسكرية مغلقة»، ثم تنفيذ الخطة ذاتها لاحقاً في بقية أنحاء القطاع.

وعُرفت الخطة باسم «خطة الجنرالات»، ويؤيدها عشرات الضباط، حسبما ذكر الموقع. وتقول الخطة إنه «ما دامت (حماس) تسيطر على المساعدات الإنسانية في القطاع، فليس بالإمكان هزيمتها».

مبنى يحترق جراء قصف إسرائيلي في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة (أ.ف.ب)

«منطقة عسكرية مغلقة»

ويقترحون تحويل المنطقة الواقعة شمال «محور نتسريم»، الذي يفصل جنوب قطاع غزة عن شماله، إلى «منطقة عسكرية مغلقة»، وإرغام 300 – 400 ألف فلسطيني يوجدون حالياً في شمال القطاع، على النزوح خلال أسبوع واحد. وبعد ذلك يفرض الجيش الإسرائيلي على شمال القطاع حصاراً عسكرياً كاملاً، بادعاء أن حصاراً كهذا سيجعل الخيار أمام المقاتلين الفلسطينيين «إما الاستسلام أو الموت».

ويزعم واضعو الخطة أنها «تستوفي قواعد القانون الدولي؛ لأنها تسمح للسكان بالنزوح من منطقة القتال قبل فرض الحصار». وذكر «واي نت» أنه تم استعراض هذه الخطة أمام أعضاء «الكابينيت» (المجلس الوزاري الأمني المصغر)، في الأيام الأخيرة، وأن واضعي الخطة يأملون أن يوعز المستوى السياسي للمستوى العسكري بالعمل بموجبها في أقرب وقت ممكن.

ونقل الموقع الإخباري عن آيلاند قوله إنه «بالإمكان نقل هذه الخطة إلى رفح وأماكن أخرى في أنحاء القطاع».

وادعى رئيس المنتدى، حيزي نِحاما، وهو ضابط في الاحتياط برتبة «عميد»، أن «خطة الجنرالات هي الطريقة الصحيحة حالياً لهزيمة (حماس) وتحرير المخطوفين، وكان يتعين علينا تنفيذها منذ عدة أشهر. وعلى الجيش الإسرائيلي والدولة الآن تطبيق الخطة الوحيدة التي ستساعد في هزيمة (حماس)، ومن ليس قادراً على تطبيقها يخون منصبه ولن ينجح في قيادة الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل إلى هزيمة (حماس)».

وتقول صحيفة «معاريف» العبرية إن الهدف من توجيه عريضة إلى نتنياهو، هو إصدار قرار من «الكابينيت»، بشأن هذا الموضوع. ويأمل القائمون عليها أن تصدر القيادة السياسية تعليمات إلى القيادة العسكرية للعمل في أقرب وقت ممكن وفق هذه الخطة.

صحيفة الشرق الاوسط




بعد إجلائه إلى قطر… طفل غزّي مبتور الذراعين يحلم بأن يصبح طياراً

بعد إجلائه إلى قطر من غزة لا يزال الطفل الفلسطيني محمود يوسف عجور (تسعة أعوام) يحلم بأن يصبح طياراً ذات يوم على الرغم من بتر ذراعيه بعد إصابته في هجوم صاروخي إسرائيلي، حسب وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي شقة صغيرة في العاصمة القطرية الدوحة تساعد والدة عجور طفلها على ارتداء الزي المدرسي ببطء استعداداً للمدرسة. وسوف يستغرق الأمر بعض الوقت لتزويده بطرفين صناعيين.

والدة الطفل الفلسطيني محمود يوسف عجور تسرح شعر ابنها (رويترز)

وقال الطفل إن الصاروخ أصابه بينما كان يغادر منزله بغزة في ديسمبر (كانون الأول) بصحبة والديه. وأضاف: «كنت نايم على الأرض، ومش عارف ولا حاجة صارت لي، مش عارف إن إيديا مقطوعة».

وقالت أمه إنه خضع لجراحة في غزة تحت تأثير مخدر محدود، واستيقظ من العملية ليجد نفسه يعاني من آلام شديدة ومبتور الذراعين.

لكن مع ذلك فقد صار ممن حالفهم الحظ وتمكنوا من الفرار من القطاع المنكوب حيث تم تدمير كثير من المستشفيات، ويقول الأطباء إنهم يضطرون في كثير من الأحيان إلى إجراء عمليات جراحية دون أي تخدير أو مسكنات للألم.

واستقبلت قطر بعض الجرحى من سكان غزة ليتلقوا العلاج بها، في حين تحاول الدولة التوسط إلى جانب الولايات المتحدة ومصر في التوصل إلى اتفاق لوقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» وإطلاق سراح الرهائن الذين تحتجزهم «حماس» في غزة، وبعض السجناء الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل. ولكن لا توجد حتى الآن أي مؤشرات تبشر بالتوصل إلى اتفاق.

ويتوق عجور إلى قطاع غزة الذي كان ينبض بالحياة قبل الصراع على الرغم من انتشار الفقر وارتفاع معدلات البطالة في واحدة من أكثر الأماكن كثافة سكانية في العالم.

وكان منزله قد دُمر في الحرب التي شنتها إسرائيل رداً على هجوم نفذه مسلحو «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) وتقول إحصاءات إسرائيلية إنه أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن الهجوم الإسرائيلي أسفر حتى الآن عن مقتل 41118 فلسطينياً على الأقل وإصابة 95125 آخرين ونزوح نحو مليوني شخص وتدمير معظم القطاع.

وتصر إسرائيل على أنها لا تستهدف المدنيين، وتتهم مسلحي «حماس» بالاختباء بينهم، وهو ما تنفيه «حماس».

وقال عجور: «أنا نفسي ترجع غزة زي الأول، وتكون أحسن وتكون حلوة زي الأول».

وفي المدرسة الفلسطينية التي تأسست قبل فترة طويلة في الدوحة، يجلس عجور منتظراً بصبر عندما يدون زملاؤه الدروس ليرفع فقط صوته معهم عند الإجابة عن أسئلة المعلم.

الطفل الفلسطيني محمود يوسف عجور في المدرسة (رويترز)

وترى أخصائية علم النفس بالمدرسة، حنين السلامات، في عجور مصدر إلهام وتقول: «مرات بتحس أنه أنت كشخص بتستمد القوة منه».

ويرفض عجور الاستسلام للقيود الجسدية ويقول بثقة: «هاظل أجرب كل حاجة، أنا هاطلع طيار… ودايما بالعب كورة مع الأولاد، بالعب مع أصحابي، إمبارح كنت ألعب مع أصحابي، أنا نفسي أركّب إيدين عشان أرجع زي الأول، ونفسي أمسك الكورة في إيديا».

صحيفة الشرق الاوسط




هل تحدّ سياسات قناة السويس المصرية «المرنة» من تأثير توترات البحر الأحمر؟

طرح إعلان هيئة قناة السويس المصرية تطبيق سياسات «مرنة» في التعامل والتواصل مع شركات الملاحة الدولية تساؤلات حول قدرة هذه الإجراءات في الحد من تأثير توترات البحر الأحمر على حركة الملاحة بالقناة، خصوصاً مع استمرار تراجع عائدات الهيئة.

ويرى خبراء أن السياسات «المرنة» والخدمات الجديدة المقدمة من قناة السويس «يمكن أن تحقق زيادة قليلة في إيرادات القناة». وطالبوا بضرورة «وضع برامج تسويقية جديدة للخدمات البحرية وخدمات عبور السفن بالقناة، بما يجذب شركات الشحن العالمية للمجرى الملاحي المصري».

وتعد قناة السويس أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر، وبلغت إيراداتها العام الماضي 10.3 مليار دولار، وفق الإحصاءات الرسمية (الدولار الأميركي يساوي 48.42 جنيه في البنوك المصرية). لكن هذه العائدات شهدت تراجعاً في الشهور الأخيرة، بسبب توترات البحر الأحمر؛ إذ انخفضت حصيلة رسوم المرور في قناة السويس بمعدل 7.4 في المائة، لتسجل 5.8 مليار دولار، مقابل 6.2 مليار دولار في الفترة بين يوليو (تموز) 2023 ومارس (آذار) من العام الحالي.

وقال رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في يوليو الماضي، إن «بلاده تخسر ما بين 500 و550 مليون دولار شهرياً، بسبب توترات البحر الأحمر».

وعدّ رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، أن «التحديات الجيوسياسية التي تفرضها الأوضاع الراهنة في منطقة البحر الأحمر، دفعت قناة السويس للتعامل (المرن) وتحقيق التواصل الفعال والتنسيق المشترك مع كافة الجهات الفاعلة في المجتمع الملاحي الدولي للتشاور حول سبل تقليل تأثيرات الأزمة على استدامة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية».

وأشار ربيع، خلال استقباله وفداً سعودياً رفيع المستوى، برئاسة رئيس الهيئة العامة للنقل بالسعودية، رميح بن محمد الرميح، الخميس، إلى أن «قناة السويس اتخذت كثيراً من الإجراءات التي تكفل التعامل بمرونة مع الأوضاع الراهنة»، وذكر منها «استحداث حزمة جديدة من الخدمات الملاحية التي لم تكن تقدم من قبل، كخدمات القطر والإنقاذ وصيانة وإصلاح السفن، ومكافحة التلوث والانسكاب البترولي، وخدمات الإسعاف البحري وغيرها».

وتصاعدت التوترات بمنطقة البحر الأحمر، نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، مع استهداف جماعة «الحوثي» اليمنية، السفن المارة بالممر الملاحي، «رداً على استمرار الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة». ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتغيير مسارها، متجنبة المرور في البحر الأحمر، ما كان له تداعيات على الاقتصاد وحركة التجارة العالمية.

الوفد السعودي برئاسة رئيس هيئة النقل السعودية خلال زيارته قناة السويس المصرية (هيئة قناة السويس)

ويرى مستشار النقل البحري المصري، الخبير في اقتصاديات النقل، أحمد الشامي، أن «إدارة قناة السويس بدأت في تسويق لخدمات بحرية يتم تقديمها للسفن المارة بالمجرى الملاحي للقناة، إلى جانب خدمات العبور القائمة».

وأوضح أنه من بين عملية التسويق «التكامل مع أنشطة الدول المجاورة»، مشيراً إلى أنه من ضمن هذه الإجراءات «المشاورات الأخيرة بين رئيس هيئة قناة السويس ورئيس الهيئة العامة للنقل السعودية».

وطالب الشامي بضرورة «التوسع في شراكات التعاون الملاحي مع الدول»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التكامل مع هذه الدول سيساهم في زيادة موارد الملاحة بقناة السويس، وأيضاً الموانئ البحرية المصرية».

ومطلع يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت هيئة قناة السويس رفع رسوم استخدام الخدمة الإلكترونية للسفن العابرة للقناة، إلى 500 دولار، بدلاً من 50 دولاراً، اعتباراً من يناير (كانون الثاني) المقبل، مع رفع قيمة تحصيل الخدمة الإلكترونية إلى 300 دولار، اعتباراً من سبتمبر (أيلول) الحالي.

وأوضح الشامي أن «قناة السويس بدأت أخيراً في تحديث خدماتها البحرية، وخدمات عبور السفن، من خلال الاستعانة بشركات عالمية». وقال إن هذه الخطوة «ستعمل على جذب شركات الشحن العالمية مرة أخرى». وأشاد في نفس الوقت «باستمرار قناة السويس في تنفيذ مخطط التطوير، وتنفيذ أعمال الازدواج الكامل للمجرى الملاحي»، معتبراً أن ذلك «سيساهم في استيعاب عدد أكبر من السفن المارة شمالاً وجنوباً».

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

بينما أوضح الخبير الاقتصادي المصري، مدير «مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية»، عبد المنعم السيد، أن «السياسات المرنة وخدمات قناة السويس الجديدة يُمكن أن تحقق زيادة في إيرادات القناة، لكن بنسب قليلة لا تعوض حجم خسائرها الحالية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الإجراءات التي تتخذها القناة يجب أن تشمل «سياسات تسويق للتوسع في الخدمات الملاحية بالقناة».

واقترح السيد أن تشمل برامج التسويق «خصومات لسفن خطوط الملاحة الطويلة (العابرة لعدد من الدول عبر المحيطات والبحار)، وتخفيضات لرسوم العبور لبعض أنواع السفن العملاقة»، كما طالب بضرورة «تنشيط خدمات تجارة الترانزيت عبر الموانئ البحرية المصرية مثل موانئ بورسعيد والعريش والإسكندرية»، مشيراً إلى أن ذلك «يمكن أن يجذب شركات الملاحة الدولية للقناة مرة أخرى»، معتبراً أن الإشكالية التي تواجه الملاحة في قناة السويس «التوتر الأمني بمنطقة البحر الأحمر، ووقف شركات الملاحة الكبرى العبور من القناة».

وكان رئيس هيئة قناة السويس قد ناقش مع رئيس الهيئة العامة للنقل بالسعودية، تعزيز التعاون في مجال تقديم الخدمات اللوجيستية والسياحة البحرية. وقال ربيع إن «هيئة قناة السويس قطعت شوطاً كبيراً نحو تشجيع السياحة البحرية وسياحة اليخوت في القناة»، مشيراً إلى «الانتهاء من تطوير وتحديث مارينا اليخوت بالإسماعيلية لتصبح أول مارينا نموذجي لسياحة اليخوت في مصر بطاقة استيعابية تتجاوز 100 يخت».

فيما أفاد رئيس الهيئة العامة للنقل السعودية أن «بلاده تعكف على تنفيذ استراتيجية متكاملة للتطوير السياحي لساحلها على البحر الأحمر، ما سيتيح زيادة أعداد سفن الركاب واليخوت السياحية عبر قناة السويس خلال الفترة المقبلة». وأشار إلى أن «الأوضاع الراهنة في منطقة البحر الأحمر فرضت مزيداً من التحديات على حركة الشحن البحري في المنطقة».

احمد امبابي

صحيفة الشرق الاوسط