1

معلومات عن اغتياله: خسارة نصرالله لا تُعوّض لبنانياً وإيرانياً

من الصعب جداً الكتابة عن اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. من الصعب أكثر استشراف مرحلة ما بعد العملية بانعكاساتها ومتغيراتها وتداعياتها. من الصعب أيضاً القدرة على توفير إحاطة كاملة بما جرى وكيفية تنفيذ العملية وكيف حصلت. كما يصعب التفريق بين القراءة السياسية، الرأي الشخصي، المعلومات، في كل ما يمكن كتابته. الأكيد أنها عملية من شأنها أن تحدث تحولاً كبيراً في لبنان وعلى مستوى المنطقة، وذلك يقوله بنيامين نتنياهو ولا يخفيه. والأكيد أيضاً أن الحرب في بدايتها وستتحول إلى حرب برّية. أما عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتواصلة، فتظهر وكأن الإسرائيليين يريدون اجتثاث الحزب، طالما أنهم يعتبرونه أصبح مكشوفاً، وأن من “وصل” إلى نصرالله بإمكانه أن يصل إلى الكثيرين غيره. كل ذلك على وقع اتصالات ترد إلى المسؤولين اللبنانيين بالتحضر للأسوأ.

عملية الاغتيال

كل المعلومات ستبقى شحيحة وإلى فترة طويلة. التحقيقات والمعطيات لن تكون متوفرة، ولكن ما يبرز منها حتى الآن، هو الشكوك في تلقي الإسرائيليين لمعلومة حول استعداد نصرالله لعقد اجتماع مع قيادات أساسية للحزب. شكوك كثيرة في حصول الإسرائيليين على المعلومة من مصدر بشري وعلى مستوى عال ورفيع. بعدها بدأت عملية الرصد والملاحقة والتتبع. فكان رصد اتجاه عدد من القيادات إلى المقرّ المستهدف. تأكد الإسرائيليون من وجود نصرالله وانتظروا الأوامر للتنفيذ. على الرغم من القرار المتخذ مسبقاً ومن التحضيرات، إلا أن العملية نفذت بشكل سريع، لتقليل احتمالات الخطأ. فنصرالله كان يفترض أن يمرّ سريعاً على قاعة الاجتماع المحصّنة، للمصادقة على قرارات تتصل بإعادة هيكلة الجسم العسكري في الحزب.

المقر المحصّن

بني هذا المقرّ المركزي بعد حرب تموز، وهو محصّن بشكل جيد. طريقة الوصول إليه تحتاج إلى العبور بكاراجات متعددة مشابهة للأنفاق، ومتصلة ببعضها البعض. كان الاجتماع مع قائد الحرس الثوري في لبنان عباس نيلفوروشان، والمسؤول العسكري علي كركي، وبعض المسؤولين الأمنيين. وحسب المعلومات المتوفرة حتى الآن، فقد حضر الاجتماع 22 شخصاً، توزعوا على غرفتين. الأولى، تواجد فيها نصرالله ونيلفوروشان وكركي و5 أشخاص آخرين مقربين من نصرالله،  أحدهم مدير مكتبه وأمين سرّه، وبعضهم الآخر من المسؤولين الأمنيين الكبار في الحزب. أما الغرفة الثانية فكان فيها 14 شخصاً، من المرافقة وجهاز الأمن والحماية. بعيد انعقاد الاجتماع نفّذت العملية سريعاً.
تم انتشال جثة نصرالله، وبدت سليمة ولم تتعرض لإصابات مباشرة، فليس فيها تهشيم أو تشوه. الوفاة جاءت بنتيجة قوة عصف الانفجار.

التداعيات

نجاح العملية سدد ضربة قاصمة للحزب، وأظهرت حالة انكشاف كبير، فاتسعت التحقيقات لتحديد الخروقات. كما شرع الحزب في لملمة الوضع الداخلي، تحضيراً للتشييع ولتوفير مراسم الخلافة. ولا يمكن إغفال وجود تجاذبات كثيرة بين مراكز قوى عديدة في الحزب، كان نصرالله وحده القادرة على ضبطها ومساواتها والحفاظ على توازناتها. وذلك ما فتح أبواب التنسيق بين الضاحية وإيران، لإعادة معالجة الوضع وتشكيل الجسم العسكري والسياسي للحزب سريعاً، والبحث في آفاق وآليات الردّ على الاغتيال. لكن الأكيد هنا أن خسارة نصرالله لا يمكن أن تعوض. إنها ضربات إسرائيلية يُراد لها أن تكون قاضية للحزب وقوته وقدراته، خصوصاً في مواصلة عمليات الاغتيال والاستهداف لمواقعه ومخازنه، إلى جانب الإصرار على الاجتياح البري لإنهاء قوة الحزب. ويستند الإسرائيليون على غطاء دولي في ذلك. في المقابل، حزب الله ليس في وارد الاستسلام. وهذا يعني أن الحرب ستكون طويلة. 

شخصية الرجل

لا يمكن الكتابة عن نصرالله بتجرّد في حالة التأييد أو المعارضة. بدايات التعرف عليه عبر الشاشات في أوائل تكوين الوعي لجيل أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، تتصل بتقديم نجله شهيداً في سبيل القضية، وبإعلاناته عن الانتصارات المتكررة. في الحقبة الممتدة ما بين التسعينيات والتحرير في العام 2000، كان شمساً تضج بالسطوع، لبنان في غالبيته “مقاومة”. ومن قبل كان انتماؤنا لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ولأحزابها، فتعايشنا مع صراع “الغيرة” من حزبه الذي انتزع التحرير وربح المعركة. تلك كانت غيرة طفولية، ولكن آخرين تملّكت منهم غيرة أكبر، مما يتمتع به الرجل من قدرة على التأثير، بمعزل عن الاتفاق معه أو الاختلاف. 

من الصعب جداً الوصول إلى معطيات كثيرة حول شخصيته، طبائعه، يومياته، مآكله ومشاربه. ولكن في عيون بعض من عرفوه، هو شخص عاطفي إلى حدود بعيدة، لكنه يفكّر بعقله وليس بقلبه. غالباً من يتحدث مع مجالسيه عن القيم، يشير دائماً إلى ضرورة نصرة المظلوم. سريع البديهة. يتابع الملفات بدقة، يبني تحليله السياسي الشخصي بناء على قراءاته ومقاطعة المعطيات والمعلومات لديه مع أكثر من جهة وطرف، ولا يكتفي بما يرده من تقارير. كان شخصاً لا يهدأ، آخر الخطباء في لبنان. إذ امتلك سحراً على المنبر، في الدخول إلى عقول الناس وقلوبها، وهو أحد أبرز الأسلحة التي يمتلكها هو وحزبه والمحور ككل. 

ديبلوماسي لدولة عريقة على خصومة مع الحزب، لكنه التقاه من قبل، يصفه بالحادّ الذكاء والذي يتمتع بنظرة سارحة، هادئة، ثاقبة لكنها آسرة. ويقول إنه متحدث من الطراز الأول، متحفظ مع ضيوفه ذات الصفة الرسمية، يعرف جيداً انتقاء كلماته، ويجدّ بكل ما يمتلك لإقناع خصومه بوجهة نظره، أما عندما لا يقتنع أو تكون وجهة نظر ضيفه متعارضة مع وجهة نظره، فيتمتع بقدرة واسعة على الامتصاص والاستيعاب. 

أحد خصومه السياسيين التقاه في المرة الأولى عام 1992 يصفه بأنه كان خجولاً في حينها ولكنه صلب وحازم. عاد والتقاه في العام 2006 بعد حرب تموز وجده فرحاً، منتشياً معتداً بنفسه وبما لديه، يقول عنه إنه “ساحر الجماهير” مؤيدين وخصوماً، وهو يعرف ذلك ويعرف جيداً كيف يستثمر نقاط قوته، لكنه في مكان ما كان نزقاً. 

تتأرجح شخصيته في وصف من عرفه، ما بين الساحر والأسطورة. فسحره تجلى في اقتحامه للعالم العربي من مشرقه لمغربه. إذ كانت له فرصة لم تكن لأحد من قبله حيث رفعت صوره في المنازل والشوارع. أما أسطرته فيكرسها خوضه لحروب كثيرة داخل لبنان وخارجه، وبقائه لإثنين وثلاثين عاماً على رأس حزب الله، فنجح في توسيع نفوذه على مساحات واسعة من الشرق الأوسط، وصولاً الى اعتماده مصطلح “القوة ذات التأثير الإقليمي”. وهذا ما دفع الكثيرين الى انتقاده أو الانفضاض من حوله، خصوصاً لدى دخوله إلى سوريا وسحق الثورة السورية، وكذلك لدى التمدد نحو اليمن. فحينها تنامت المعارضات وتغيّرت الصورة لدى دول وشعوب كثيرة، خصوصاً مع إرساء الانقسام الذي هشّم الأسطورة. 

المستلب روحانياً

أحد الذين التقوه في قم، خلال آخر زيارة علنية أجراها إلى إيران. يتحدث بإسهاب عن لطافته، روحه المرحة، إلمامه بأدق التفاصيل. ظاهره هادئ ولكن فيه الكثير من صفات الحزم. هو رجل واقع وسياسة، لكن الجانب الروحاني لديه يفاجئ الكثيرين، إلى حدّ وصفه مستلباً روحانياً باتجاه العقيدة والإيمان بكل ما هو غيبي. فهو يعتمد على الكثير من مراجع الشيعة في قمّ، ويستشيرهم في الكثير من المحطات البارزة، وهم معروفون بميلهم إلى الإيمان بالغيبيات، أحد أبرز هؤلاء “الشيخ بهجت” والذي عند وفاته أبّنه نصرالله شخصياً.

كريم جداً، وزاهد جداً بالمعنى الشخصي، لم يكن لديه أي اعتبار لمسائله الشخصية. يتلقى رسائل من أشخاص أوضاعهم حرجة، أشخاص عاديون كانوا بحاجة، قصدوه فسارع إلى تلبيتهم، بلا أي حساب أو اعتبار. دمث ودود عطوف، لكن الجوانب القيادية في شخصيته، الكاريزما، لن يكون من السهل تعويضها وفق ما يقول عارفوه ومجالسوه. بحسبهم هي خسارة شيعية هائلة، من شبه المستحيل تعويضها أو تكرارها. هم ينظرون إلى اغتياله في موازاة الحرب الهجمية التي فتحتها إسرائيل، تهديداً أساسياً للطائفة الشيعية، في لبنان وخارجه. إنها ضربة في لبنان، لكنها تصيب إيران إلى حدّ بعيد، فخسارتها كبيرة أيضاً. وإن كان الرجال أدوار، ولكل دولة زمن ورجال، فإن اغتيال نصرالله يُراد منه اغتيال الدور وتغييره، وذلك لا يحصل إلا على المديين المتوسط والبعيد. 

منير الربيع

صحيفة المدن الالكترونية




ديفيد إغناطيوس: نصر الله زعيم نادر لا يعوض وقدره كان المقاومة ولم يحد عنها حتى النهاية

قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس إن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله اختار مصيره وعرف نفسه حول فكرة الدعوة للمقاومة ولم يكن لديه أي فرصة للتراجع عن هذا الخيار.

وقال إن نصر الله أراد أن يعيش ويموت مقاتلا، وحصل على ما يريد يوم الجمعة عندما محت قنابل أطلقها الطيران الإسرائيلي موقعا سريا في بيروت، وسيحاول حزب الله وبلا شك الانتقام لمقتله، لكنه كان زعيما نادرا لا يمكن تعويضه.

 و”قد التقيت بنصر الله في تشرين الأول/أكتوبر 2003 في ملجأ محصن في الضاحية الجنوبية لبيروت، على مقربة من المكان الذي قتل فيه. وعلى الرغم من أنه كان رجلا أصدر أوامره بقتل العديد من الإسرائيليين واللبنانيين، إلا أنه كان هادئ الحديث إلى حد مدهش. وكان ساحرا وليس صاخبا وكانت شرعيته مستمدة من دراسته الدينية في النجف بالعراق، وخطبه المشوقة التي كانت تبث على شاشات التلفزيون خلال شهر محرم وغيره من الأعياد الدينية”. وفي “لبنان حيث يعيش الساسة حياة مترفة حتى وهم ينهبون شعبهم، كان نصر الله مختلفا وأخبرني أنه فخور بمقتل ابنه هادي وهو يقاتل إسرائيل عام 1997 وقال: “لم نرسل أطفالنا إلى لندن أو باريس للدراسة في الجامعة، بل للقتال إلى جانب اللبنانيين الآخرين”.

كان نصر الله أيضا عنيدا. ولهذا السبب كان هدفا إسرائيليا لا مفر منه. فقد أمر بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل بدءا من الثامن من تشرين الأول/أكتوبر أي في اليوم التالي لهجوم حماس ضد إسرائيل.

و”قد مارس قدرا من ضبط النفس، فامتنع عن شن هجمات واسعة النطاق على المدن الإسرائيلية. لكنه لم يتراجع عن المعركة”. كما “لم يفصل مصير حزب لله ولبنان عن مصير المقاتلين المختبئين في غزة. وكانت لديه فرصة لإنقاذ نفسه وحركته في خطة سلام تقدم بها المبعوث الأمريكي عاموس هوكشتاين، إلا أن هذا كان يقتضي الانفصال عن حماس، ولن يفعل نصر الله هذا”.

 ويضيف الكاتب أنه سأل في عام 2003 نصر الله إن كانت هناك صيغة للسلام تنهي الهجمات الانتحارية في إسرائيل، فكان رده بهزة كتف باردة قائلا: “لا أستطيع تخيل وضع، استنادا إلى طبيعة المشروع الإسرائيلي وطبيعة القادة الإسرائيليين يوافق فيه الفلسطينيون على إلقاء السلاح”.

ويعلق إغناطيوس قائلا: “لم ير نصر الله أي مخرج إلا الحرب بين إسرائيل والمقاومة التي زعم أنه يقودها. وفي وقت اتفاقيات أوسلو عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، كان هناك “نقاش فلسفي” حول اتفاقية السلام، إلا أن ذلك العهد ولى”.

 فقد جعل نصر الله من حزب الله حركة قوية، وكان قويا جدا ومنضبطا جدا وقادرا مع مرور الوقت على السيطرة على القوة وأخذها من الدولة اللبنانية.

و”بدا عناصر حزب الله مختلفين عن بقية الميليشيات اللبنانية. وكانوا معا أكثر رشاقة وقوة وتنظيما ويمكن تمييزهم بقمصانهم الخضراء عندما تهبط في مطار بيروت”.

وقد جسد حزب الله القوة لشيعة لبنان الذين كانوا مشردين ومنبوذين وفي حالة الاحتفال بالذات. وأصبحوا من أكبر الجماعات الإثنية في لبنان وصاروا تدريجيا الأكثر صرامة. وخدم وزراء حزب الله في الحكومة اللبنانية التي تعاني من خلل وظيفي وكانوا يمارسون حق النقض على من يقود البلاد كرئيس (المسيحي، وفقا لصيغة تقاسم السلطة في لبنان) ورئيس وزراء (مسلم سني). ولكن القوة الحقيقية لحزب الله كانت في كونه حكومة بديلة مع شبكتها الخاصة من منظمات الرعاية الاجتماعية والأمن لخدمة أتباع المقاومة الذين اختارهم ضد إسرائيل.

وكان نصر الله هو الذي حرك هذه الدولة داخل الدولة، كما حدد أوغست ريتشارد نورتون في كتابه الصادر عام 2007 “حزب الله” الذي أشار فيه إلى شعبية نصر الله لدرجة أنك تستطيع شراء سلاسل المفاتيح والقمصان والأزرار وملصقات السيارات والملصقات التي تحمل وجه صورة نصر الله في دمشق. ورغم ما تمتع به نصر الله من كاريزما وشعبية إلا أن الكثيرين في لبنان كرهوه وجماعته، وبخاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق في شباط/فبراير 2005، حيث ألقى عشرات الآلاف من اللبنانيين اللوم على سوريا وضمنا على حزب الله (وقد أدانت محكمة خاصة بالأمم المتحدة في عام 2020 أحد أعضاء حزب الله بارتكاب جريمة الاغتيال).

 وتعمق الشعور المناهض لحزب الله بعد حرب عام 2006، عندما دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية ــ ردا على عملية اختطاف عبر الحدود نفذها حزب الله ــ الكثير من البنية الأساسية في لبنان. وحتى نصر الله شعر أنه ذهب بعيدا وقال لشبكة تلفزيونية: لم نعتقد ولا حتى بنسبة 1% أن الخطف سيقود إلى حرب في هذا الوقت وبهذا الحجم. لو سألتني في 11 تموز/يوليو إن كانت العملية ستقود إلى تلك الحرب وإن كنت سأفعلها؟ سأقول بالمطلق لا”.

وعلى الرغم من كارثة 2006 ظل نصر الله يضع الفخ للنمر الإسرائيلي ويستفزه. والحرب التي أودت بحياته أخيرا، هي تلك التي لم يرد هو وحزبه الفرار منها. فالقتال كان هو السمة التي طبعت مسيرتهم، وبدون عباءة المقاومة كان حزب الله سيفقد مبرراته في التغلب على الدولة اللبنانية.

ومن غريب المفارقات أن حزب الله كان بحاجة للحرب من أجل البقاء. و”في عام 2002 سألت واحدا من الأساتذة الروحيين لنصر الله، الشيخ محمد حسين فضل الله، ماذا سيقول للأطفال الإسرائيليين الأبرياء الذين قتلوا في الهجمات الانتحارية، رد السؤال إلي وماذا سأقول لضحايا ناغازاكي”. وقال فضل الله “في ظل الحرب يحدث كل شيء” و”لأن الحرب هي حرب”.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




تقدير موقف: العدوان الإسرائيلي على لبنان واغتيال حسن نصرالله

شنّت إسرائيل مساء يوم الجمعة، 27 أيلول/ سبتمبر 2024، واحدةً من أعنف هجماتها ضد لبنان، منذ تصاعد عدوانها الأخير عليه في الأسابيع الماضية، مستهدفة القيادة المركزية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت بقصف ستة أبراج سكنية وتسويتها بالأرض. وأسفر الهجوم عن اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي نعاه الحزب في بيان صدر في اليوم التالي[1]، إلى جانب قادة آخرين في الحزب، ومسؤول فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في لبنان وعددٍ غير معروف بعدُ من المدنيين. وقد استخدمت إسرائيل في هجومها على مقر قيادة الحزب طائرات “إف-35” ألقت ثمانين قنبلة خارقة للتحصينات، بزنة طن تقريبًا لكلٍ منها للتأكد من عدم نجاة أحد. واستغلت إسرائيل حالة الإرباك التي تسبب فيها الهجوم في منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله، لشن سلسلة غارات عنيفة شملت أحياءً مختلفة من الضاحية الجنوبية ومناطق شاسعة على امتداد لبنان؛ ما أدى إلى تشريد آلاف المدنيين. ويُعدُّ استهداف مقر القيادة المركزية لحزب الله، واغتيال أمينه العام، التطور الأبرز حتى الآن في عملية تصعيد إسرائيلية مستمرة ضد لبنان، بدأت في تموز/ يوليو الماضي، ووصلت إلى ذروتها في 23 أيلول/ سبتمبر بإطلاق ما أسمتها إسرائيل عملية “سهام الشمال”[2]؛ ما يفتح مجالًا واسعًا لتصعيد أكبر تقوم به نتيجة ضعف المواقف العربية والإقليمية والدولية حيال عدوانها المستمر على غزة ولبنان.

تصعيد متدرج وصولًا إلى اغتيال نصر الله
منذ أعلن حزب الله عن فتح جبهة “إسناد” لغزة في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ضد فرقة غزة ومواقع أخرى لجيش الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنات غلاف غزة في 7 تشرين/ أكتوبر 2023، التزمت كل من إسرائيل وحزب الله بقواعد اشتباك محددة؛ إذ تبادلا القصف على جانبي الحدود بعمق يراوح بين 5-10 كيلومترًا، علمًا أن هذا المستوى من الاشتباك أدى إلى نزوح أكثر من 60 ألف مستوطن إسرائيلي ونحو 110 آلاف مواطن لبناني على جانبي الحدود. وعلى الرغم من أن إسرائيل سوّت قرى حدودية لبنانية كاملة بالأرض، واستهدفت بالاغتيال عددًا كبيرًا من عناصر وقادة حزب الله الميدانيين على مدى شهور من المواجهة، في محاولة منها لدفع الحزب إلى وقف إسناد غزة، وفك الارتباط بها، فإن قواعد الاشتباك ظلت مع ذلك قائمة بين الطرفين باستثناءات قليلة؛ منها اغتيال إسرائيل نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري، في الضاحية الجنوبية لبيروت في كانون الثاني/ يناير 2024. كانت إسرائيل خلال تلك الفترة تتوجس من فتح جبهة واسعة ثانية مع لبنان، إلى جانب غزة، في الوقت الذي كانت فيه تحتفظ بجزء كبير من قواتها في الضفة الغربية المهددة بالاشتعال (ما لا يقل عن ثلاث فرق عسكرية). ولكنها لم تتردد في التصعيد متى شاءت لعلمها أن حزب الله غير معني بالحرب.

بدأ هذا الوضع يتغير في شهر تموز/ يوليو الماضي؛ إذ استغلت إسرائيل سقوط صاروخ على مدرسة في قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، تسبب في مقتل عشرة أطفال، وقد نفى حزب الله بشدة مسؤوليته عنه[3]، لتغيير قواعد الاشتباك، وتغيير معادلة القوى الإقليمية على نحو جذري. كان هذا القرار متخذًا بغض النظر عن المبرر اللحظي. لذا، استهدفت إسرائيل في أواخر الشهر نفسه القائد العسكري لحزب الله، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية، لتبدأ بعدها سلسلة اغتيالات شملت كبار قادة الحزب وأكثر أعضاء مجلسه الجهادي. واغتالت أيضًا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، أثناء حضوره مراسم تنصيب الرئيس الإيراني المنتخب، مسعود بزشكيان، في طهران في تموز/ يوليو[4]، كما أحبطت ما ادعت أنه تجهيز لرد حزب الله على اغتيال شكر بقصف واسع لمنصات إطلاق الصواريخ في الجنوب.

قررت إسرائيل استغلال معركة غزة واستنزاف المواقف العالمية المعارضة لهذه الحرب من دون تأثير في السلوك الإسرائيلي، ومحدودية الثمن الذي تدفعه لتنفيذ خطط معدة سلفًا لتوسيع الاستيطان وضرب المقاومة في الضفة الغربية بعد غزة، ليصل الأمر إلى استغلال الفرصة المتاحة لتنفيذ الخطة المعدة للبنان. وباتت إسرائيل تسعى إلى حسم المعركة مع حزب الله أو على الأقل إجباره على قبول فك الارتباط بين لبنان وغزة، وتغيير قواعد اللعبة معه على حدودها الشمالية بحيث يمتنع نهائيًا عن قصف مستوطناتها الشمالية.

وفي حين تمسّك حزب الله بعملية إسناد هدفها تخفيف الضغط عن غزة والتضامن مع المقاومة فيها ضمن قواعد اشتباك محددة، وتجنّب الحرب مع إسرائيل في الوقت ذاته، انتقلت إسرائيل إلى وضع أهداف استراتيجية ذات علاقة بوضع حزب الله عمومًا؛ ما اقتضى عدم الالتزام بأي قواعد اشتباك والانتقال إلى الحرب على الحزب.

بدأت الحرب عمليًا قبل نحو أسبوعين، عندما قامت إسرائيل بتفجير آلاف من أجهزة النداء “البيجر” التي يستخدمها قادة وعناصر في الحزب يوم 17 أيلول/ سبتمبر بعد أن جرى زرع عبوات ناسفة صغيرة فيها قبل أن تباع لحزب الله. وقد أدت هذه العملية الإرهابية الإجرامية إلى مقتل العشرات وإصابة الآلاف، من بينهم مدنيون[5]. وتحوَّل حزب الله إلى استخدام هذه الأجهزة بعد أن تبيّن له أن الاتصال بالهاتف المحمول لم يعد آمنًا نتيجة استغلال إسرائيل له في تحديد مواقع قادته وعناصره واستهدافهم. في اليوم التالي، قامت إسرائيل بتفجير أجهزة اللاسلكي (walkie-talkie) لتشل بذلك شبكة اتصالات حزب الله كاملة. شكلت هجمات أجهزة البيجر واللاسلكي أكبر خرق أمني يتعرض له الحزب منذ نشأته في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، لكنها كانت أيضًا مقدمة لتصعيد أكبر قامت به إسرائيل؛ شمل، في اليوم العشرين من الشهر نفسه اغتيال إبراهيم عقيل، قائد العمليات الخاصة في الحزب، وعضو مجلسه الجهادي، الذي تولى مسؤوليات فؤاد شكر، إلى جانب قادة من وحدة الرضوان، وهي وحدة النخبة لدى حزب الله.

وبررت إسرائيل حينها سلسلة العمليات التي استهدفت فيها قادة حزب الله وشبكة اتصالاته بمنع حصول 7 أكتوبر جديد على حدودها مع لبنان، ولكنها كانت في الحقيقة تضرب شبكة الاتصالات والتسلسل القيادي في الحزب في إطار حرب تشنها عليه. وكان واضحًا، أو يفترض، على الأقل، أن يكون واضحًا، ما تخطط له إسرائيل. ولكن سلوك الحزب لم يتغير، وظلّ محكومًا بتجنّب الحرب حتى بعد أن اندلعت عمليًا. ولم يستخدم قوته الصاروخية بنجاعة حتى الآن، وربما أجهزت إسرائيل على جزء منها قبل استخدامها. وأطلقت إسرائيل يوم 23 أيلول/ سبتمبر ما أسمته عملية “سهام الشمال”، وهي أعنف حملة قصف جوي يشهدها لبنان منذ حرب تموز 2006، وشملت مختلف المناطق اللبنانية من الجنوب وصولًا إلى المعابر الحدودية مع سورية في الشمال. وجاءت ذروة التصعيد الإسرائيلي في 27 من الشهر نفسه باستهداف مقر القيادة المركزية لحزب الله، وقد أدت إلى اغتيال أمينه العام، حسن نصر الله، وقادة عسكريين آخرين، لتبدأ بعدها عملية قصف واسع النطاق شملت الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى على امتداد لبنان.

أهداف العملية الإسرائيلية وتوقيتها
منذ نهاية تموز/ يوليو 2024، اتضح أن إسرائيل أخذت تنقل مركز ثقل عملياتها العسكرية من قطاع غزة نحو الشمال، وكان الهدف الرئيس في البداية، كما يبدو، هو ممارسة ضغط أكبر على حزب الله لتخييره بين فك ارتباطه بجبهة غزة أو الحرب. كما طرحت إسرائيل شروطًا أخرى منها سحب قدراته العسكرية، خصوصًا قوات الرضوان، إلى شمال نهر الليطاني، بحسب ما نص عليه قرار مجلس الأمن 1701 الذي تم التوصل إليه في أعقاب حرب تموز 2006، في خطوة تدفع في مرحلة لاحقة إلى وقف إطلاق نار بعيد المدى، وربما اتفاق لترسيم الحدود البرية مع لبنان شبيه باتفاق ترسيم الحدود البحرية معه في عام 2022.

ربما شجع إظهار حزب الله منذ البداية أنه ليس معنيًا بالدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، لأسباب محلية وإقليمية، إسرائيل على التصعيد المتواصل، ثم تطوير أهدافها وصولًا إلى العمل على إحداث تغيير استراتيجي في موازين القوى الإقليمية، وهذا يعني الحرب. ويبدو أن الحزب لم يلتقط جدية إسرائيل في مسألة شن الحرب. كانت إسرائيل تريد الاستفادة من فرصة (دولية وإقليمية ومحلية) تنتظرها، وفقًا لرئيس الأركان هرتسي هاليفي، منذ سنوات لتصفية حسابات مع أطراف عديدة في المنطقة وتغيير المشهد الإقليمي لمصلحتها. وقد اتخذت إسرائيل من عملية 7 أكتوبر 2023 وتهجير نحو 60 ألف مستوطن من الشمال ذريعةً للقيام بذلك؛ إذ أعلن المجلس الأمني المصغر في إسرائيل يوم 17 أيلول/ سبتمبر أنه قرر أن يضيف قضية إعادة سكان الشمال إلى مناطقهم إلى أهداف الحرب التي جرى تحديدها سابقًا بالقضاء على إمكانات حماس العسكرية وقدراتها على الحكم، وتحرير الأسرى، ومنع عودة قطاع غزة ليشكل تهديدًا لإسرائيل. بناءً عليه، أطلقت إسرائيل العنان لحملتها العسكرية الشاملة على لبنان بهدف إعادة سكان الشمال إلى مناطقهم، التي لا يمكن، بحسب وزير الدفاع يوآف غالانت، “أن تتم دون حصول تغيير جذري في الوضع الأمني على الحدود مع لبنان”.

إن الحديث المتواصل عن انتصارات المقاومة (بدلًا من الاكتفاء) بفشل إسرائيل في غزة، والمبالغة في الأهمية العسكرية للصواريخ المطلقة من لبنان واليمن والاحتفاء بإطلاقها بغض النظر عن وصولها إلى هدفها (على الأهمية المعنوية لجبهة الإسناد في ظرف العجز والصمت والتحريض الطائفي، وحتى تواطؤ بعض الدول العربية) والمبالغة في تقدير التضامن الدولي، يعمي عن حقيقة أن إسرائيل الضالعة في حرب إبادة والرافضة لوقف إطلاق النار (وهذا ليس تصرف المهزوم) ترى فيما يجري فرصةً لها لتطبيق مخططات في غزة والضفة الغربية ولبنان.

وقد أكد امتناع إيران عن الرد على اغتيال إسماعيل هنية في طهران، إضافة إلى الخطاب الذي تبناه الرئيس الإيراني الجديد، مسعود بزشكيان، وتصريحاته التي أوحت بأن إيران ليست في وارد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وأنها تسعى إلى التفاوض مع الغرب لحل أزمة برنامجها النووي[6]، الانطباع الإسرائيلي القائم أصلًا عن هشاشة وضع إيران داخليًا وإقليميًا، وأنها سوف تترك حزب الله وحده في المعركة. وتعززت رغبة إسرائيل في التمادي ضد حزب الله برده الضعيف على مقتل أعلى مسؤول عسكري لديه، وهو فؤاد شكر، بما في ذلك إشارة الأمين العام حسن نصر الله إلى أن الرد على اغتيال شكر قد انتهى، بعد عملية قصف رمزية لشمال إسرائيل، والادعاء الذي نفته إسرائيل بإصابة صواريخ الحزب قاعدة غليلوت، فضلًا عن حرص الحزب على تجنّب الحرب لأسباب داخلية لبنانية وإقليمية، وطلبه من الناس بالعودة إلى بيوتهم في القرى الحدودية.

يبدو أن ذلك عزز انطباعًا لدى إسرائيل بأن الحزب الذي تلقى ضربات كبيرة في الأسابيع الأخيرة بات في موقف ضعيف جدًا وأنه يتجنّب المواجهة بأي ثمن؛ ما شجعها على المضي قدمًا في استهداف قادته، وصولًا إلى اغتيال نصر الله. واتضح في الشهرين الأخيرين أن بنيامين نتنياهو وحكومته يشعران أنهما مطلقَا اليدين. لقد استغلت إسرائيل ضعف المواقف الإقليمية والدولية من حرب الإبادة التي تشنها على غزة منذ عام وعدم تأثير الاحتجاجات الشعبية، وانشغال الولايات المتحدة الأميركية، المؤيدة لما يُسمى “حرب إسرائيل على الإرهاب”، بالانتخابات الرئاسية المقررة في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لتجاهل التحذيرات من المخاطرة بحرب إقليمية واسعة، وشن عمل عسكري واسع ضد حزب الله، وحتى لتكرار سيناريو غزة في لبنان. ثمة احتمال أن يكون خطاب نصر الله الذي ألقاه يوم 19 أيلول/ سبتمبر، في اليوم التالي لعملية تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي، وأكد فيه، ردًا على قرار المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر، أن المستوطنين لن يعودوا إلى البلدات الشمالية قبل وقف الحرب على غزة، دفع إسرائيل إلى حسم مسألة استهدافه شخصيًا، أو ربما كان قرار اغتياله قائمًا.أرجح. وقد استُهدف في يوم 27 أيلول/ سبتمبر لأن الفرصة سنحت بذلك. علمت إسرائيل بالاجتماع الذي سوف يعقد في الضاحية بمشاركته، مثلما علمت باجتماعات أخرى قتلت المشاركين فيها، ورصدت وصوله إلى الاجتماع. ويؤكد ذلك استنفار نتنياهو للموافقة على الاغتيال، وإصدار الأمر خلال وجوده في الأمم المتحدة حتى لا تفوت الفرصة التي سنحت.

تداعيات اغتيال نصر الله
يُعدُّ استهداف مقر القيادة المركزي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، واغتيال أمينه العام، أكبر ضربة يتلقاها الحزب منذ تأسيسه عام 1982. فحسن نصرالله ليس مجرد قائد للحزب، بل يعترف أصدقاؤه وخصومه أنه أيضًا زعيم كاريزمي وشخصية شعبية مؤثرة على المستوى الإقليمي. وقد اغتيل في معركة على قضية يعدّها غالبية العرب قضيتهم، ألا وهي قضية فلسطين. ورغم أن اغتياله لن يؤدي على الأرجح إلى تفكك الحزب، لأنه سبق وتجاوز تصفية أمينه العام السابق عباس الموسوي عام 1992، فإن غياب نصر الله عن المشهد اللبناني والإقليمي سيترك تداعيات كبيرة على حزب الله ولبنان والمنطقة.

ويفترض أن ينشغل حزب الله بفهم ما جرى له منذ حرب عام 2006 التي عدّها نصرًا عسكريًا، مع أنها كانت مقاومة بطولية ونصرًا سياسيًا، وليست نصرا عسكريا. وقد استخلصت منها إسرائيل العبر والدروس وطورت القبة الحديدية المضادة للصواريخ في مواجهة حماس وحزب الله وغيرهما، وانشغلت في جمع المعلومات الاستخبارية واختراق الحزب، وتطوير التكنولوجيا التي تمتلكها لتعقب قيادته واختراق شبكاته بأدوات الرقابة والتنصت والتعرف على الوجوه والأصوات وغيرها؛ فيما انشغل الحزب بحرب بدائية من الناحية العسكرية وغير عادلة من الناحية السياسية في سورية، لم تسهم في تطوير قدراته العسكرية، وقسّمت الرأي العام العربي بين مؤيد ومعارض له (وهو الذي كان يحظى بإجماع شعبي في مقابل العداء الرسمي)، وكشفته على نحو غير مسبوق لقوى عديدة مخترقة بدورها. هكذا اختلفت قواعد هذه الحرب تمامًا عن حرب عام 2006 التي لم ينتصر فيها حزب الله عسكريًا على إسرائيل، لكنه أفشل عدوانها بمقاومته البطولية. إن أوهام القوة والثقة الزائدة بالنفس هي من عناصر الصدمة الحالية.

وبينما يرجَّح أن ينشغل حزب الله خلال الأيام القليلة القادمة بإعادة ترتيب أوضاعه وإعادة ترميم هيكله القيادي على مختلف المستويات، ومعالجة الخروق الأمنية التي يعانيها، فإن إسرائيل ستسمر في عدوانها على لبنان، وفرض حصار على مطار بيروت وموانئ لبنان ومعابره البرية، والعمل على إنهاك الحزب بما في ذلك إضعافه داخليًا في لبنان، مستفيدة من الزخم الذي حققه هجومها على الضاحية. لكنها ستنتظر أيضًا رد الحزب وإيران على عدوانها الأخير، وهو ما سيتحدد بناءً عليه مسار الصراع الدائر حاليًا. فإذا اختارت إيران عدم الرد، كما فعلت لدى اغتيال إسماعيل هنية في طهران، فهي تخاطر بترك حزب الله يواجه إسرائيل وحده مع ما يحمله ذلك من احتمالات لإضعاف قدراته العسكرية التي تعدّها إسرائيل التهديد العسكري الأكثر خطورة لقربه من حدودها، نظرًا إلى حجم ترسانة الصواريخ التي يمتلكها. سيؤدي امتناع إيران عن الرد أيضًا إلى تشجيع إسرائيل، في مرحلة تالية، على مهاجمة منشآتها النووية وبرامجها الصاروخية؛ لأن من شأن إضعاف حماس وحزب الله أن يجرّد إيران من وسائل الردع التي عملت على تقويتها في مواجهة إسرائيل خلال العقود الماضية والانكشاف كليًا أمامها. فوق ذلك، سوف يدفع تردد إيران في الرد إلى فقدان ثقة حلفائها بها، ويعني هذا فعليًا تفكيك محور المقاومة، ودفع إيران إلى الانكفاء على نفسها، وهو الهدف الأبرز الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه.

خاتمة
يُعدُّ الهجوم على مقر القيادة المركزية لحزب الله، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ضربةً كبيرةً للحزب، وسوف يسعى رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، إلى الاستثمار فيها للتعويض عن الفشل الذي واجهه على مدى عام في غزة، حيث أخفق في تحقيق أي من الأهداف التي وضعها للحرب هناك. ويرجّح أن يستمر نتنياهو في البناء على الزخم الحالي وتحويله إلى مكاسب سياسية في مواجهة خصومه وحلفائه في الائتلاف الحكومي عبر زيادة رصيده في الشارع الإسرائيلي. وسيحاول خلال المرحلة القادمة الاستمرار في الضغط على حزب الله لدفعه إلى الاختيار بين الاستسلام من خلال الموافقة على فك الارتباط مع غزة والانسحاب إلى شمال الليطاني، أو الاستمرار في القتال، ومن ثمّ توجيه مزيدٍ من الضربات إليه لإضعافه، بما في ذلك احتمال القيام بعملية برية محدودة تسمح له بإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع لبنان. لكن باتخاذه هذه الخطوة قد يكون حزب الله قد جرّ نتنياهو إلى حيث يريد، وإلى حيث تكون قوة الحزب في أفضل حالتها؛ إذ يخوض الحرب على أرضه. في كل الأحوال، تنذر المعركة الدائرة في غزة ولبنان بين إسرائيل وفصائل المقاومة بإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وسيترتب عليها نتائج كبيرة في اتجاه نجاح المشروع الإسرائيلي أو إفشاله.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات




حملة بريّة ثالثة في لبنان؟.. الاحتمالات والحسابات في إسرائيل متناقضة ومتعددة الغايات

نفى جيش الاحتلال، من خلال “مصادر عسكرية” محجوبة الهوية، ما تناقلته وسائل إعلام أجنبية بأن قواته شرعت، أو توشك على الشروع، في حملة برية في لبنان، وقال إنه لم يبدأ بذلك بعد، وإن هذا هو قرار المستوى السياسي.

وفي التزامن، يواصل رؤساء السلطات المحلية في الجليل، وأوساطٌ إسرائيلية أخرى تطالب باجتياح بري لتمكين عشرات آلاف النازحين الإسرائيليين من العودة لمستوطناتهم بأمان، ومن أجل استغلال “الاندفاعة” الإسرائيلية، المطالبة بتوجيه ضربة كبيرة لمقدرات “حزب الله”، وتعزيز الهيبة، والمساومة لاحقاً في الطريق لتسوية ممكنة.

 بعد، ورغم، اغتيال حسن نصر الله هل تستغل إسرائيل الاندفاعة، والنجاحات التكتيكية، للقيام بحملة برية في لبنان، بهدف مواصلة الإجهاز على مقدرات “حزب الله”، وخدمة هدفها المعلن باستعادة النازحين للمستوطنات في الجليل، ومن أجل استخدام سيطرتها على شريط جغرافي حدودي كورقة مساومة؟

إعلام أمريكي: إسرائيل بدأت عملية سيطرة على مساحة ضيقة بطول الحدود مع لبنان من أجل بناء حزام أمني يساعد في طمأنة النازحين الإسرائيليين للعودة لمنازلهم

وسائل إعلام أمريكية تقول، خلال الساعات الأخيرة، إن إسرائيل بدأت عملية سيطرة على مساحة ضيقة بطول الحدود مع لبنان من أجل بناء حزام أمني يساعد في طمأنة النازحين الإسرائيليين للعودة لمنازلهم. غير أن إسرائيل عقبت على هذه التقارير الصحفية بنفي شروعها في حملة برية، بيد أن استعداداتها تتواصل، وظاهرة على الأرض، من أجل توغّل بري، علاوة على تهديدات ناطقين عسكريين، ودعوات مراقبين وجنرالات في الاحتياط من أجل القيام بذلك، لأن القصف الجوي مهما كان ناجعاً لا يغني عن الحملة البريّة.

منذ عدة أيام، تشهد المناطق الشمالية حركة نشطة للجيش، تشمل عمليات نقل لمدرعات وعربات جند.

 وحسب شبكة “إي بي سي” الأمريكية، فإن هذه التحرّكات جزءٌ من استعدادات إسرائيل للقيام بحملة برية، رغم قيامها باغتيال 30 من قادة “حزب الله”، في الأسابيع الأخيرة.

وتنقل الشبكة الأمريكية عن مسؤول أمريكي كبير قوله إن إسرائيل رفضت مقترحاً لوقف النار في لبنان، حتى بشكل جزئي، وعوضاً عن ذلك تواصلُ تفجير مواقع يشتبه بأنها مخازن للصواريخ طويلة المدى.

كما قال المسؤول الأمريكي المذكور إن إسرائيل لا تصغي للدعوات الأمريكية المتكررة بضرورة التوجّه لحل دبلوماسي للأزمة، بل تواصل هجماتها العسكرية في المنطقة، وسط تجاهل من الضغط الأمريكي لضبط النفس.

استعدادات للاجتياح

في المقابل، نقلت صحيفة “معاريف” عن قيادات في جيش الاحتلال قولها إن الاستعدادات للقيام بحملة برية محدودة في لبنان مستمرة، وشدّدت على عدم اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن بعد، فيما تواصل المؤسسة الأمنية مراقبة التطورات في الجبهة الشمالية وتتأهب لكل سيناريو محتمل.

وتنقل الصحيفة عن مواطنين إسرائيليين في الشمال قولهم إن الجيش يواصل نقل العتاد والسلاح للحدود مع لبنان، وبالتزامن يقوم بتدريبات ميدانية في الجليل، وفي الجولان، وبحركة نشطة. منوهة أن جيش الاحتلال يعد نفسه، في الأسبوع الأخير، ضمن استعدادات واسعة، حيث تقوم وحدات برية بتجهيزات لوجستية، وبتدريبات، ما يدلّل على إمكانية لحملة برية وشيكة في لبنان، في حال اقتضت التوتّرات الأمنية ذلك.

كما قالت الصحيفة العبرية إنه، في التزامن مع تحركّات الجيش غير الاعتيادية، فإن المستوطنات القريبة من الحدود تستعد لاحتمالات تصعيد، حيث تحافظ كل سلطة محلية على علاقة مباشرة مع قوات الأمن من أجل تنفيذ استعدادات مناسبة حماية لأمن السكان وتمكينهم من التحرك بأمان وقت الحاجة.

وقالت صحيفة “يسرائيل هيوم”، نقلاً عن مصادر إسرائيلية، إن حركة الجيش في الشمال تندرج ضمن المساعي لإعادة سكان المستوطنات الحدودية لمنازلهم، منوهة لعدم اتخاذ قرار نهائي بعد حيال حملة برية محدودة.

وتتابع: “تؤكد هذه المصادر أن اغتيال نصر الله لا يكفي من أجل إعادة عشرات آلاف النازحين الإسرائيليين، ولا بد من عملية أوسع”.

حركة الأمنيين

ويوضح مديرُ عام حركة “الأمنيين”، الجنرال في الاحتياط يارون بوسكيلا، أن إسرائيل تحقق مكاسب في الشمال، من خلال سلاح الجو فقط، وبالاستناد لمعلومات استخباراتية تراكمت في السنوات الأخيرة، بعضها تم الحصول عليه خلال القتال الحالي. ومن هنا يستنتج بوسكيلا، في حديث لصحيفة “معاريف”، أن الحملة البرية غير واردة في هذه المرحلة. ويضيف: “أعتقد أن المستويين الأمني والسياسي يحاولان إحراز مكسب معيّن دون الدخول في حملة برية، رغم التصريحات الكثيرة في الإعلام، وهذا المكسب بالنسبة لهم هو تراجع “حزب الله” لما خلف الليطاني، وربط ذلك باتفاق شامل يشمل “حماس” أيضاً بكل ما يتعلق بالمخطوفين، وتعليق الحرب في غزة، لا إنهائها. “حزب الله” سقط بذات المفاهيمية المغلوطة التي وقعت بها “حماس”. الجيش ما زال يملك أوراقاً لم يستخدمها بعد، لأن استخدامها يصعد التوتّر أكثر.

كما يقول بوسكيلا إن هناك مساعي الآن للتوصل لوقف النار، كنتيجة ضغط عسكري تكون شروطه لصالح إسرائيل. ويمضي منبهاً: “في نهاية المطاف فإن قوة مفرطة مقابل “حزب الله” من شأنها دفع إيران في نقطة معينة للمعركة، ولست متأكداً إذا كانت المؤسسة الأمنية معنية بذلك الآن. ولذا تتواصل الهجمات الجوية في هذه المرحلة، بغية زيادة الضغط على “حزب الله”، وإحراز اتفاق ما يشمل، كما يبدو، انسحابه لشمال الليطاني، مع رقابة دولية تكفل عدم عودة حزب الله للجنوب”.

رد “حزب الله” هو العامل الأهم

ويتقاطع معه الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، عضو الكنيست السابق عوفر شيلح، الذي يقول، في حديث للإذاعة العبرية الرسمية، إن “حزب الله”، ورغم الضربات الموجعة التي تلقاها، ما زال يملك قدرة كبيرة، وبالرد الأقوى كماً وكيفاً، والسؤال الآن إن كان سيستخدمها.

 عن ذلك يضيف شيلح: “الانطباع أن نصر الله، كما تجلّى في خطاباته، دخل في مزاج أنه لن يدخل في مغامرة تهدّد “حزب الله” والسؤال بعده من سيتخذ هذا القرار؟”.

باحث إسرائيلي: “حزب الله”، ورغم الضربات الموجعة التي تلقاها، ما زال يملك قدرة كبيرة، وبالرد الأقوى كمّاً وكيفاً، والسؤال الآن إن كان سيستخدمها

ويرى شيلح أن السؤال الكبير الآن هو محور المقاومة ومحور إيران أمريكا.

 ويضيف: “القصة الكبرى: إذا لم تذهب إسرائيل لمبادرة دبلوماسية الآن ستسقط في المحور بين طهران وواشنطن، وتبدّد مكاسبها”. كما يقول شيلح إنه ليس من المتحمّسين لسياسة الاغتيالات، لكن السؤال: ماذا الآن بعد الغياب المهم لنصر الله؟ فهل نبادر، أم نبقى نراهن على القوة فقط؟

 وحول السؤال لماذا لم تفعل ما تفعله مع “حزب الله” من قبل، قال شيلح: “لو فعلنا ذلك لكان ردّ حزب الله أشد وأقوى وأخطر بكثير، لأنه كان يمتلك كل قدراته وواثقاً بنفسه”.

وحول “عملية برية حيوية، كما يريد رؤساء الحكم المحلي في الشمال، وإلى أين نسير الآن”، أجاب: “ما يقوله رؤساء الحكم المحلي صحيح، فالسكان النازحون لن يعودوا دون إبعاد قوات “حزب الله” وتهديداته بإطلاق نار، أو اجتياح من قبل حزب الله لمستوطناتهم. بدون ذلك لن يملكوا شعوراً بالأمن. حملة برية هدفها الإبعاد فقط لن تكون مجدية، فالصواريخ تطلق عن بعد، ومن خلف الليطاني، ولذا لا بدّ من تسوية سياسية مع لبنان ومع “حزب الله”، والحملة البرية ينبغي أن تخدم هذا الهدف، وليس بناء حزام أمني في الجنوب اللبناني، فمن يعتقد أن حزاماً أمنياً هو الحل ينسى أن هذا وهمٌ وسراب، فقواتنا ستتحول لهدف حرب عصابات مكلفة”.

ورداً على سؤال حول المحتجزين، تابع شيلح: “للأسف، قصة المخطوفين ابتعدت كثيراً للهوامش. فصل الجبهات فكرة سيئة، فإن كنا نحارب كل المحور بجبهاته علينا استخدام قوتنا ضد كل أذرعه، وعندها، وفي إطار تسوية شاملة، يمكن من خلالها استعادة المخطوفين، وإلا لن يتغير شيء، وسيبقى المخطوفون في غزة. الرهان على أن الضغط العسكري سيكون مجدياً الآن وهم، ولا بد من تسوية شاملة”.

صحيفة القدس العربي




صهر قاسم سليماني… من هو هاشم صفي الدين أبرز مرشح لخلافة نصر الله؟

بعد الإعلان عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله بغارة إسرائيلية على بيروت، الجمعة، بعد 32 عاماً على رأس جماعته، تزايدت التساؤلات عن خليفته المرتقب.

ورغم السرية والغموض اللتين تكتنفان عملية اختيار القيادات في التنظيمات الشبيهة بـ«حزب الله»، يتصدر الأسماء المرشحة لقيادة التنظيم الحليف لإيران في حال تأكد الاغتيال، هاشم صفي الدين، ابن خالة نصر الله وصهر قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني.

يشبه صفي الدين ابن خالته في الشكل والجوهر وحتى في لثغة الراء. أُعد لخلافته منذ 1994، وجاء من قم إلى بيروت، ليتولى رئاسة المجلس التنفيذي الذي يعتبر حكومة الحزب. أشرف على عمله القائد الأمني السابق للحزب عماد مغنية.

كان صفي الدين «ظل» نصر الله بامتياز، والرجل الثاني داخل الحزب. وعلى مدى ثلاثة عقود، امسك الرجل بكل الملفات اليومية الحساسة، من إدارة مؤسسات الحزب الى إدارة أمواله واستثماراته في الداخل والخارج، تاركاً الملفات الاستراتيجية بيد نصر الله.

ويعد صفي الدين، المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عام 2017، من كبار مسؤولى الحزب الذين تربطهم علاقات وثيقة مع الجناح العسكري، إلى جانب علاقاته الوثيقة جداً مع الجناح التنفيذي.

مصاهرة إيرانية

تربطه كذلك بطهران علاقات ممتازة، فهو قضى سنوات في حوزة قم يتعلم فيها، إلى أن استدعاه نصر الله إلى بيروت لتحمل مسؤوليات في الحزب. كما تزوج ابنه رضا في 2020 بزينب سليماني، ابنة العقل المدبر للمشروع الإقليمي لإيران قاسم سليماني الذي اغتالته غارة أميركية في بغداد في العام نفسه.

اسم صفي الدين طرحته صحيفة إيرانية لخلافة نصر الله قبل 16 عاماً. لكن المطلعين على كواليس الحزب يقولون إن القرار اتخذ قبل ذلك بكثير. فوفقاً لما أكده قيادي سابق بارز في «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» آنذاك، فإن اختيار صفي الدين تم بعد نحو سنتين من تولي نصر الله منصب الأمين العام في 1992، خلفاً لعباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل.

يحدد القيادي السابق توقيت الاختيار بلحظة «استدعاء» صفي الدين من مدينة قم في إيران إلى بيروت على وجه السرعة عام 1994 لتسلم مركزه الذي مكنه السيطرة على كل المفاصل المالية والإدارية والتنظيمية في الحزب.

وما يزيد من حظوظ اختيار صفي الدين لخلافة نصر الله، هو المسار المتشابه إلى حد الغرابة بين الرجلين داخل الحزب. غير أن نصر الله الذي لا يكبر ابن خالته بأكثر من عامين، يبدو أكبر منه بكثير من حيث الشكل، ناهيك من الحضور السياسي والشعبي.

صفي الدين خلال مشاركته في تشييع قيادي في الحزب قتل في إدلب بسوريا (أ.ف.ب)

ولا يوجد الكثير من المعلومات عن صفي الدين، فهذا الرجل ظل لفترة طويلة شبه مجهول في الأوساط السياسية اللبنانية، إلى أن دفعته الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة بحسن نصر الله، إلى الظهور محله في مناسبات الحزب، خصوصاً جنازات عناصره وقياداته الذين قتلوا في لبنان أو خلال قتال الحزب في سوريا ضد المعارضة إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، أو في مناطق انتشاره الأخرى لمساندة البرنامج الإقليمي الإيراني.

لكن المعلومات القليلة التي تتوفر عنه تقول إن صفي الدين من مواليد عام 1964، من بلدة دير قانون النهر في منطقة صور جنوب لبنان، ومن عائلة «لها حضور قوي» بالمعيار الاجتماعي، وهي عائلة قدمت أحد أشهر نواب المنطقة في الستينات والسبعينات وهو محمد صفي الدين، بالإضافة إلى العديد من رجال الدين البارزين.

وسعى صفي الدين، وهو لا يزال في عمر صغير نسبياً إلى الزواج قبل السفر إلى الدراسة الدينية في مدينة قم الإيرانية التي كانت تشهد في تلك الفترة اتساعاً متزايداً في طلابها ونفوذها السياسي والديني بعد الثورة الإيرانية عام 1979 كرديف لمدارس النجف الدينية التي تدهور دورها نسبياً خلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وأراد صفي الدين أن يكون زواجه من عائلة متدينة، وأن يصاهر أحد رجال الدين، فكان أن تزوج من ابنة السيد محمد علي الأمين، عضو الهيئة الشرعية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

رعاية عماد مغنية

غادر صفي الدين إلى قم ملتحقاً بابن خالته نصر الله. ويقول بعض معارف العائلة إن صفي الدين كان أحد ثلاثة كانوا موضع عناية واهتمام عماد مغنية، المسوؤل الأمني البارز لـ«حزب الله»، والذي اغتيل في دمشق في فبراير (شباط) 2008 في ظروف ما زالت غامضة. هؤلاء الثلاثة هم حسن نصر الله، ونبيل قاووق أحد أبرز قادة الحزب، وصفي الدين نفسه، موضحين أن مغنية هو من أرسل هذا الثلاثي إلى قم وسهّل أمورهم هناك.

صفي الدين متحدثاً خلال تشييع عنصرين من الحزب قتلا بتفجيرات أجهزة الاتصالات منتصف الشهر الجاري (أ.ف.ب)

كُتب لهؤلاء الثلاثة أن يكونوا من أبرز قادة «حزب الله» أوائل التسعينات. فأصبح نصر الله أميناً عاماً، وصفي الدين مديراً تنفيذياً للحزب بالمقياس المؤسساتي، وبمثابة رئيس حكومة «حزب الله»، أما قاووق فأصبح قائداً عملياً لمنطقة الجنوب ذات الأهمية الكبيرة لدى قيادة الحزب وموقع قوته العسكرية الكبرى.

إدارة استثمارات الحزب

وإضافة إلى الشؤون اليومية للحزب، يدير المجلس التنفيذي الذي ترأسه صفي الدين أيضاً مجموعة استثمارات هائلة الحجم، تهدف إلى تأمين الاستقلالية المالية للتنظيم وتمويل جسده الهائل الذي لا يخضع لتمويل «الأموال الشرعية» المرصودة أساساً للعمل العسكري.

وفيما يقدر البعض هذا الرقم بمليارات الدولارات، تشكك أوساط مطلعة على أوضاع الحزب في هذا رغم اعترافها بضخامة حجم استثمارات الحزب والتي تنتشر في لبنان والعالم العربي وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. وكان المجلس التنفيذي يضم تحت إدارته العمل العسكري، قبل أن يتم إنشاء «المجلس الجهادي» وفصل صلاحياته عن المجلس التنفيذي.

صفي الدين خلال جنازة قيادي من الحزب في يونيو الماضي (غيتي)

انبهار بولاية الفقيه

أثرت السنوات التي قضاها صفي الدين بقم في أفكاره السياسية، فهو مثلاً من الداعمين لفكرة ولاية الفقيه، بالرغم من أن الكثير من شيعة لبنان لا يؤمنون بها. ففي إحدى كتاباته يتطرق صفي الدين من بعيد إلى تجربة رجال الدين الشيعة في قم وأهميتها مقارنة بتجربة النجف، وتأثيرها على الفكر السياسي لدى الشيعة بلبنان، فيقول إن «الساحة الإسلامية الشيعية اللبنانية كان الغالب عليها الانحياز الكبير لمنتجات الفكر الآتي من النجف ولتجربته في كثير من الأحيان بينما غاب عنها إلى حد كبير الخصوصيات القمية إلا في بعض الحالات النادرة، وبشكل مفاجئ وخلافاً للتوقعات المعيشة في عموم الساحة الإسلامية أطل فجر الانتصار للثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني ليحقق حلماً كبيراً للنهج الإسلامي المتحرر معلناً نجاحاً باهراً وصاعقاً».

ويرى أن «نظرية ولاية الفقيه من أهم النظريات التي أخرجها الإمام الخميني من الأدلة الشرعية والعقلية لتكون مشروعاً كاملاً يعالج أهم المشكلات التي واجهت الحركات الإسلامية والتي أدت إلى حالة التشرذم».

صحيفة الشرق الاوسط




اختلافات جوهرية في سياسات ترمب وهاريس الخارجية

شهدت نيويورك، هذا الأسبوع، اجتماعات مكثفة لقمة المستقبل تحت سقف الأمم المتحدة، شارك فيها زعماء العالم، وألقى خلالها الرئيس الأميركي جو بايدن خطابه الأخير أمام الجمعية العامة قبل مغادرته منصبه وتسليم الشعلة إما لكامالا هاريس أو لخصمها دونالد ترمب.

في هذه الأثناء، لم يجلس هاريس وترمب ساكنين بانتظار نتيجة الانتخابات، فوجود قادة العالم على الأراضي الأميركية فرصة ذهبية لإثبات أهليتهما على صعيد السياسة الخارجية. وعقدا اجتماعات دلّت بشكل من الأشكال على أولوية كل منهما في ساحة الصراعات الدولية، التي لا تخلو من تحديات متزايدة، بدءاً من أوكرانيا مروراً بالمنافسة مع الصين، وصولاً إلى التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، نقاط الاختلاف بين المرشحين في هذه الملفات المعقدة، بالإضافة إلى مدى اهتمام الناخب الأميركي بالسياسة الخارجية.

التصعيد في الشرق الأوسط

بايدن في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض في 26 سبتمبر 2024 (أ.ب)

يُخيّم شبح التصعيد في المنطقة على الانتخابات الأميركية. ويقول جيمس جيفري، السفير السابق إلى العراق وسوريا والمبعوث الخاص السابق للتحالف الدولي لهزيمة «داعش»، إن المرشحين يركزان لدى تطرقهما إلى هذا الملف على السياسة الأميركية تجاه إيران. ويشير جيفري إلى أنه سيكون على المرشحين التعامل مع هذا الواقع في المنطقة، مضيفاً: «إن الفارق الرئيسي بينهما هو أن ترمب سيكون مصراً جداً على فرض العقوبات، بينما ستتبع هاريس سياسة بايدن، وربما موقف أوباما، لمحاولة التوصل إلى اتفاق من أجل مشاركة المنطقة مع إيران».

وتعدُّ لورا كيلي، مراسلة صحيفة «ذي هيل» للشؤون الخارجية، أن إيران تُشكّل قضية أساسية في حملتي كل من ترمب وهاريس، مشيرةً إلى أن ترمب يقدم نفسه على أنه «الرجل القوي» الذي يستطيع مواجهة إيران إن وصل إلى البيت الأبيض ويرغمها على القيام بما يريد وبالتراجع، بينما ستحرص هاريس على إكمال ما بدأت به إدارة بايدن، وهو محاولة التنسيق بين مختلف اللاعبين في الشرق الأوسط، مضيفة: «لكن كما نرى حالياً، ما يجري على أرض الواقع يتغلب على كافة الجهود الدبلوماسية».

ترمب يتحدث مع الصحافيين في نيويورك في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

ويوافق روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا والجزائر، على أن سياسة هاريس ستكون «استكمالاً لسياسة بايدن في الشرق الأوسط، على الأقل في البداية»، مضيفاً: «إنها لا تملك خبرة واسعة في العمل على قضايا المنطقة، ولا تعرف القادة كما كان يعرفهم بايدن، وبصراحة أعتقد أن اهتماماتها تصب أكثر على القضايا المحلية والصين وحتى روسيا». واستبعد فورد أن تتخذ هاريس أي مبادرات رئيسية فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وفيما يتعلق بترمب، ذكّر فورد بأنه من الصعب توقّع مواقف الرئيس السابق في القضايا الدولية، مضيفاً: «لقد صرح مرتين خلال حملته هذا الشهر بأنه قد ينظر في رفع العقوبات عن طهران، ليس بسبب طريقة تصرّف هذه الأخيرة تحديداً، لكن لأنه قلق حول انتشار استخدام العملة الصينية في الأسواق العالمية».

ويوافق جيفري الذي عمل في إدارة ترمب على أنه من الصعب التكهن بمواقف الرئيس السابق، مُذكّراً بإعلانه مرتين عن نيته سحب القوات الأميركية من سوريا، وتراجعه عن ذلك، لكنه شدد على أهمية الفريق المحيط بالرئيس، عادّاً أن ترمب كان لديه فريق متميز في السياسة الخارجية. وأضاف: «عندما يكون لديك فريق عمل كهذا، من الأرجح أن نرى سلوكاً يسهل التنبؤ به في إطار رؤية دونالد ترمب للعالم».

وهنا عقّبت كيلي على تصرفات ترمب التي لا يمكن توقعها في بعض الأحيان، مشيرةً إلى تصريح أدلى به مؤخراً قال فيه إن إيران «ترغب بأن تكون طرفاً في اتفاقات إبراهام»، مضيفة: «لقد ألقى هذا التصريح ضوءاً مثيراً للاهتمام على طريقة تفكيره وشعوره حول كيفية تغيير الأوضاع في الشرق الأوسط». لكن كيلي أشارت في الوقت نفسه إلى أنه في حال وصول ترمب إلى البيت الأبيض، فإن عدداً كبيراً من مستشاريه السابقين لن يكونوا معه بسبب توتر العلاقات بينهم، أما بالنسبة لهاريس فثمّة توقعات بأن يتسلم مدير الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ويليام بيرنز منصب وزير الخارجية، على حد قولها.

«الضغط» على نتنياهو

تتزايد الدعوات لإدارة بايدن بوقف الأسلحة لاسرائيل (أ.ب)

وفيما تواجه إدارة بايدن انتقادات حول تعاطيها مع ملفات المنطقة، وفشلها في وقف التصعيد في غزة ولبنان، يعدُّ فورد أن سياسة بايدن تجاه إسرائيل هي انعكاس لآراء الرئيس «الذي يتمتع بتاريخ طويل مع منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن القرارات المتعلقة بهذا الملف مرتبطة باعتقاداته.

وتحدث فورد عن التوتر في العلاقة بين بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فأشار إلى فارق أساسي في مقاربة الطرفين، قائلاً: «يبدو أن نتنياهو يؤمن بوجود حل أمني لمشكلة غزة، وللمشاكل في لبنان، ويعتقد أنه لا يجب أن يكون هناك وجود للدولة الفلسطينية، وأنه على إسرائيل أن تحكم هذه الأراضي إلى الأبد، وأن الفلسطينيين في هذه الأراضي لن يكون لهم الحق بتقرير مصيرهم. إنها ببساطة رؤية يملكها رئيس وزراء إسرائيل مع قسم كبير من حكومته، إن لم يكن معظمهم. إذن هذا هو الفارق الرئيسي مع العديد من الديمقراطيين، لكن هناك أيضاً جمهوريين يدعمون حل الدولتين، من حيث المبدأ على الأقل. وطالما هناك هذا الفارق بين الأميركيين الذين يدعمون حل الدولتين والحكومة الإسرائيلية المحافظة، دائماً ما سيكون هناك احتكاك في ما يتعلق بالاستراتيجيات والسياسات».

ويرجح فورد أن نتنياهو «يفضل عودة ترمب إلى البيت الأبيض»، لكن رغم ذلك «فهو مضطر إلى التعاون مع إدارة بايدن لقرابة الأربعة أشهر المتبقية في ولايته».

ترمب يتحدث أمام المجلس الأميركي الإسرائيلي في 19 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

ويواجه بايدن دعوات من أعضاء حزبه التقدميين لفرض قيود على المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، واستعمالها ورقة ضغط على نتنياهو، وهو ما رفضه بايدن ونائبته هاريس. وهنا، تقول كيلي إنه من غير المؤكد أن حجب الولايات المتحدة للأسلحة عن إسرائيل سوف يؤدي إلى دفع نتنياهو لاتخاذ قرارات تتماشى أكثر مع إدارة بايدن، مضيفة: «لكن إن نظرنا إلى إدارة ترمب، فهو قد يعطي المجال لنتنياهو لإطلاق العنان للقوة العسكرية على نطاق واسع دون أي قيود قد تفرضها إدارة بايدن».

أوكرانيا

زيلينسكي مع زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي تشاك شومر (يمين)، وزعيم الأقلية ميتش ماكونيل (أ.ف.ب)

تحتل أوكرانيا مساحةً كبيرةً من النقاش في الموسم الانتخابي، وقد سلّطت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي للولايات المتحدة الضوء على التجاذبات الداخلية الحادة المحيطة بالملف. ففيما اجتمع الزعيم الأوكراني بهاريس ومن المتوقع أن يلتقي ترمب، فإن مواقف كل منهما مختلفة فيما يتعلق بحل الصراع هناك.

وبينما يعرب جيفري عن تفاؤله في قضية أوكرانيا، مشيراً إلى أن روسيا لم تحقق الفوز «فهي متوترة وتحارب دولة أصغر منها»، على حد تعبيره، تشير كيلي إلى أن السباق الانتخابي الحالي يعكس «أوقاتاً عصيبةً جداً لأوكرانيا»، مشيرة إلى الجدل الذي ولدته زيارة زيلينكسي إلى بنسلفانيا لدى الجمهوريين الذين اتهموا الرئيس الأوكراني بمحاولة التدخل في الانتخابات الأميركية من خلال زيارته لولاية متأرجحة. وقالت كيلي إن هذه الخطوة ساهمت في «تغذية التعصب الحزبي المتزايد بشأن السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا»، مشيرةً إلى أن زيلينكسي «تلقى أبرد استقبال على الإطلاق في الكونغرس خلال زيارته إلى واشنطن».

الناخب الأميركي والسياسة الخارجية

هاريس في حدث انتخابي في ويسكونسن في 20 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

رغم القضايا الخارجية العالقة والتوترات المتزايدة، فإن الناخب الأميركي لا يركز عادة على السياسة الخارجية لدى توجهه إلى صناديق الاقتراع. وهذا ما تحدث عنه فورد قائلاً: «عندما فكر كيف تنظر أميركا إلى العالم وهي على مشارف الانتخابات، أعتقد أن السؤال الأكبر هو ما مقدار الاهتمام الذي يريد الشعب الأميركي أن توليه واشنطن للسياسة الخارجية مقارنة بالقضايا الداخلية؟ وبرأيي هذه الانتخابات في 2024 تتمحور بشكل أساسي حول القضايا المحلية مثل الاقتصاد والهجرة، وهذا التفضيل الشعبي سيؤثر على الوقت الذي يمضيه إما الرئيس ترمب أو الرئيسة هاريس على السياسة الخارجية».

أما جيفري فلديه مقاربة مختلفة، ويقول «إن الأميركيين يتجاهلون السياسة الخارجية حتى تأتي هذه الأخيرة وتهز كيانهم». وأعطى مثالاً على ذلك في هجمات سبتمبر التي «جرّت أميركا إلى حرب كبيرة أدت إلى سقوط عدد هائل من الضحايا في العراق و أفغانستان». وأضاف جيفري: «في الواقع رغم التجاذبات التي نتحدث عنها لدينا سياسة حول العالم من خلال حلفائنا ومعهم، تسعى للحفاظ على هدوء العالم». ويحذر قائلاً: «إن تزعزع الأمن في العالم، يحدث أمران: أولاً التجارة والعولمة واستخدام الدولار الأميركي وغيرها من الفوائد التي يستفيد منها الأميركيون ستختفي. ثانياً وهي النقطة الأهم هناك 20 أو 30 دولة، إن لم تستطع الاعتماد على الولايات المتحدة في الحالات الطارئة، فهي ستجد بديلاً نووياً مما سيؤدي إلى عالم مسلح نووياً سينعكس سلباً على السلام العالمي وعلى فرص نجاة الولايات المتحدة».

رنا ابتر

صحيفة الشرق الاوسط




دبلوماسية بزشكيان: انفتاح على الغرب في زمن «التراجع التكتيكي»

بالتزامن مع بداية حكومة مسعود بزشكيان، الذي دعا إلى مزيد من الانفتاح على الغرب وتجنب السياسات الصدامية، حذّر المرشد علي خامنئي من «التراجع غير التكتيكي في مواجهة الأعداء»، في إشارة حملت نقيضها، انفتاحه على «التراجع التكتيكي».

كلام خامنئي عن التراجع يذكر بمصطلح «المرونة البطولية» الذي أطلقه في بداية حسن روحاني في 2013، ما أعطى «الضوء الأخضر» للحكومة بالمضي قدماً في المفاوضات النووية، وخروجها من المرحلة السرية إلى العلن. كذلك تزامنت إشارة خامنئي مع بدء مهام بزشكيان الذي وضع رفع العقوبات هدفاً أساسياً في السياسة الخارجية، داعياً إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 كخطوة رئيسة لتخفيف العقوبات.

ظريف (رويترز)

يدرك رئيس الحكومة الإيرانية الجديد تأثير السياسة الخارجية القوية والدبلوماسية الواقعية على تحسين الوضع الاقتصادي، فشدّد على أن النمو لا يمكن أن يتحقق دون استثمارات أجنبية. أما بالنسبة لمساعي إحياء الاتفاق النووي فدونها تحدّيات كبيرة أبرزها «قانون الخطوة الاستراتيجية» الذي أقرّه البرلمان في نهاية عام 2020، ورفعت إيران بموجبه تخصيب اليورانيوم إلى 20 و60 في المائة، كما قلصت مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كبير.

معلوم أن بزشكيان تعهّد إبّان الانتخابات بمراجعة القانون، وألقى حليفه محمد جواد ظريف باللوم على القانون في عرقلة جهود إدارة جو بايدن للعودة إلى الاتفاق. ولكن بعد الانتخابات، تراجع الرجلان عن انتقاداتهما للقانون، عندما كرّر المرشد خامنئي إشادته بالإجراءات. ولكن بما أن لبزشكيان علاقات قوية داخل البرلمان تبدو فرصه أفضل للتفاوض حول القضايا المثيرة للجدل. ومن جانب آخر، يهم الرجل ترميم العلاقات مع الغرب بدلاً من العزلة. وهذا ما انعكس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسبوع حين عبر «عن شعور إيران بالتهديد» من قِبَل القوى الخارجية.

بالتوازي، أرسلت الحكومة الجديدة إشارة واضحة بإعادة الدبلوماسيين الإيرانيين الثلاثة الذين مثلوا إيران في المفاوضات النووية، إلى العمل الميداني مجدداً. إذ صار عباس عراقجي، كبير المفاوضين السابقين، وزيراً للخارجية، ثم أصدر عراقجي مرسوماً بتعيين حليفه مجيد تخت روانتشي نائباً له في الشؤون الدولية. وينضم إلى المفاوضين بشكل غير رسمي، وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف؛ عيّن نائباً للرئيس للشؤون الاستراتيجية. واكتمل نصاب المفاوضين السابقين بتعيين كاظم غريب آبادي، سفير إيران السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كبيراً للمفاوضين الإيرانيين.

صحيفة الشرق الاوسط




مسعود بزشكيان جرّاح القلب البراغماتي… يجد نفسه معالجاً لأزمات إيران المزمنة

لا يُعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي سيبلغ السبعين من العمر الأحد المقبل، من ساسة الرعيل الأول الذين شاركوا في ثورة الخميني عام 1979 أو قادة الأحزاب السياسية، بما في ذلك التيار الإصلاحي، الذي ينتمي إليه. ثم إنه ليس من المحسوبين على الجهازين الأمني والعسكري، رغم حضوره في المشهد السياسي الإيراني، وتدرجه البطيء في المناصب على مدى العقود الثلاثة الأخيرة. وكان بزشكيان، الذي أطل على العالم بالأمس من منبر «الأمم المتحدة»، قد فاز في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية المبكرة مدعوماً من الإصلاحيين، وفيها تغلب على المرشح المحافظ المتشدد سعيد جليلي، وحصل على أقل عدد من أصوات الناخبين بعد ثورة 1979، نظراً للمقاطعة التي وصلت إلى مستويات قياسية rnغير مسبوقة.

ولد مسعود بزشكيان في أكتوبر (تشرين الأول) 1954، لأب آذري تركي وأم كردية في مدينة مهاباد، بمحافظة أذربيجان الغربية، ثم انتقل إلى مدينة أورمية حيث أكمل دراسته الثانوية. والتحق بالتجنيد الإلزامي وأمضى سنتين في محافظة بلوشستان بجنوب شرقي البلاد، قبل أن ينتقل إلى طهران لدراسة الطب، وهناك توقفت دراسته في السنة الأولى بسبب أحداث الثورة التي أطاحت بنظام الشاه. وخلال سنتين من تعطل الجامعات الإيرانية بسبب ما يعرف بـ«الثورة الثقافية»، تزوّج بزشكيان ورزق بـ4 أبناء، لكنه فقد زوجته وأحد أبنائه في حادث سير مؤلم في 1993، ورفض الزواج ثانية.

الحرب العراقية الإيرانية

تزامنت عودة بزشكيان للدراسة في السنة الجامعية الثانية مع بداية الحرب الإيرانية – العراقية، وكذلك المعارك بين «الحرس الثوري» والأحزاب الكردية المعارضة. وانضم إلى الطاقم الطبي في جبهات الحرب، بمحافظة كردستان، قبل أن يتوجه جنوباً إلى مدينة عبادان التي شهدت معارك شرسة وأصبح مسؤولاً عن الفرق الطبية في جبهات الحرب. وبعد سنوات قليلة، عاد لإكمال دراسته في 1985.

ساهم سجلّ الرجل في جبهات الحرب بتسهيل مشواره العلمي، مستفيداً من الامتيازات الخاصة التي تمنحها السلطات للعسكريين في الحرب. وبالفعل، حصل عام 1990 على شهادة الاختصاص في الجراحة العامة، واستغرق الأمر 3 سنوات لحصوله على الاختصاص في جراحة القلب. ومن ثم، التحق بمستشفى أمراض القلب في مدينة تبريز، وأصبح رئيساً له، وصار أستاذاً جامعياً بقسم القلب والشرايين في جامعة تبريز للعلوم الطبية، لكنه لم يُقبل في المجمع الطبي الإيراني إلا عام 2010.

المسار السياسي

أداء بزشكيان المهني، وخصوصاً رئاسة جامعة العلوم الطبية في تبريز، أسهم بشقّ طريق جراح القلب الناجح، نحو المناصب السياسية، فصار نائباً لوزير الصحة في حكومة الإصلاحي محمد خاتمي الأولى. وبعد فوز خاتمي، بفترة رئاسية ثانية عام 2001، تولى منصب وزير الصحة وبقي في المنصب لنهاية فترة خاتمي عام 2005.

خاتمي وصف بزشكيان عندما قدّمه إلى البرلمان بأنه «قوي التصميم وعلمي وحازم» وأن «اختياره جاء بسبب التزامه وإيمانه وإدارته المقبولة خلال السنوات الماضية». ومنذ دخوله الوزارة كان من صفاته البارزة أنه «عفوي وصادق، ويتحلى بالتواضع وروح الخدمة»، لكن بعد سنتين كاد يفقد منصبه، إثر استجوابه في البرلمان بسبب زياراته الخارجية وقفزة أسعار الخدمات الطبية والأدوية، وهي من المشاكل التي رآها الإصلاحيون متجذرة في المؤسسة الطبية الإيرانية. كذلك، اهتزت صورته وزيراً بعض الشيء بعد قضية المصوّرة الصحافية الكندية – الإيرانية زهراء كاظمي، التي توفيت في ظروف غامضة داخل سجن إيفين عام 2003 بعد 17 يوماً من اعتقالها، وذلك بسبب تقرير قدّمه عن أسباب الوفاة.

تجربة برلمانية غنية

بزشكيان ترشّح للانتخابات البرلمانية عن مدينة تبريز (كبرى المدن الآذرية في إيران) بعد سنتين من انتهاء مهمته الوزارية، وفاز ليغدو نائباً في البرلمان الثامن. وأعيد انتخابه في البرلمانات التاسع والعاشر والحادي عشر. ثم ترشح للمرة الخامسة في الانتخابات البرلمانية، قبل أن يترشح للرئاسة في الانتخابات المبكرة إثر مقتل الرئيس المتشدّد إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة خلال مايو (أيار) الماضي.

هذا، ورغم اعتباره نائباً إصلاحياً عبر 5 دورات برلمانية، نأى بزشكيان بنفسه عن المواجهات الحادة بين الإصلاحيين والسلطة، وخصوصاً بعد الصدام الكبير في أعقاب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد في 2009، ورفض المرشحين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي الاعتراف بنتائج الانتخابات. وباستثناء حالات نادرة، فإن مواقفه لم تتعارض كثيراً مع النواب المعروفين بولائهم الشديد للمرشد الإيراني علي خامنئي، ومن ثم تحوّل تدريجياً إلى أحد النواب الأكثر نفوذاً في البرلمان.

الاتفاق النووي

تزامن إعادة انتخاب بزشكيان في البرلمان العاشر، مع حكومة حسن روحاني والتوصّل للاتفاق النووي. ويومذاك حصد الإصلاحيون غالبية المقاعد في العاصمة طهران وشكّلوا كتلة باسم «الأمل»، وحصل بزشكيان على الأصوات المطلوبة لتولي منصب نائب الرئيس الأول، لمدة 3 سنوات متتالية. وكان رئيس كتلة، نائبه الأول حالياً، محمد رضا عارف.

إجمالاً، دعم الرجل الاتفاق النووي قبل وبعد توقيعه في 2015، وأيضاً بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وعدّه السبيل الضروري لحل مشاكل إيران الاقتصادية والسياسية الناتجة عن العقوبات والعزلة الدولية، وآمن بأن الاتفاق «فرصة تاريخية» للعودة إلى الاقتصاد الدولي. كذلك أيّد بقوة قبول إيران قواعد «قوة مهمات العمل المالي» (فاتف)، المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وحينها، اقترح أن يقصر «الحرس الثوري» أنشطته المالية مع بنوك تابعة له للالتفاف على قوانين «فاتف»، منتقداً تدخل «الحرس» في بعض المجالات الاقتصادية. وفي المقابل، أشاد أكثر من مرة بدور الجهاز العسكري في الأمن الإيراني، ورأى أن البلاد لا يمكن أن تستمر من دون «الحرس الثوري»، ودعا إلى التركيز على هذا الدور، وارتدى الزي الرسمي لـ«الحرس الثوري» كغيره من النواب بعدما صنّفت الولايات المتحدة «الحرس» منظمة إرهابية. وبخلاف بعض النواب الإصلاحيين، كان بزشكيان من المؤيدين للتعاون العسكري الإيراني – الروسي في سوريا.

مع الإصغاء للناسإبان الاحتجاجات التي هزّت إيران أعوام 2017، و2019، و2021، كان بزشكيان جريئاً في طرح المشاكل، منتقداً تجاهل مطالب الشعب، خصوصاً حل الأزمة المعيشية. وأكد على ضرورة الاستماع إلى صوت الناس والاستجابة لاحتياجاتهم. ورأى أن قمع الاحتجاجات وحده ليس الحل، بل يجب معالجة الأسباب الجذرية للاستياء العام، بما في ذلك القضايا الاقتصادية والبطالة والتمييز. وأشار مراراً إلى أن الفساد الإداري على مختلف المستويات قد فاقم الأزمات.

وبشكل عام، يؤمن بزشكيان بالحوار الوطني والإصلاحات التدريجية من خلال الآليات القانونية والسياسية، ومع التأكيد على احترام الحقوق المدنية، فإنه يسعى إلى إيجاد حلول سلمية للأزمات الداخلية. وحقاً، انتقد عدة مرات غياب لغة الحوار في الداخل الإيراني، لكنه نأى بنفسه عن الدعوات الإصلاحية لإجراء استفتاء لحل القضايا العالقة، ولا سيما السياسة الخارجية، ومنها تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.

رئاسته وتحدياته

مواقف وقاموس بزشكيان النائب لا تختلف اليوم عن تطلعات بزشكيان الرئيس بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، مع استبعاد أن يؤدي انتخابه إلى تغيير في موازين القوى بإيران. ويُذكر أن انتخابه أتى بعد 3 سنوات من رفض طلبه الترشّح للانتخابات الرئاسية في 2021، «لعدم أهليته السياسية» حسب «مجلس صيانة الدستور» حينذاك.

هذا، وكان قد ترشح لأول مرة لانتخابات الرئاسة عام 2013، لكنه انسحب لصالح حسن روحاني. ولكن في المرة الأخيرة، حصل على موافقة «مجلس صيانة الدستور»، في خطوة مفاجئة. وأدى القسم الدستورية يوم 27 مايو بعد أسبوع من مقتل رئيسي. وبعد 63 يوماً، وقف أمام البرلمان (30 يوليو – تموز) لأداء القسم رئيساً للجمهورية.

التوازن بين الولاء والإصلاح

حاول بزشكيان سواء في الانتخابات الرئاسية أو بعد تشكيل الحكومة، تقديم نفسه على أنه يؤمن بالحوار الداخلي، ويدافع عن حقوق المرأة، وعبّر عن انتقاد واضح للتدخلات الحكومية في الحياة الشخصية، والسياسات القمعية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وتعهّد أيضاً بإخراج إيران من العزلة الدولية، ورفع العقوبات عبر حلّ الأزمة النووية مع الغرب، كما تعهد بإصلاحات هيكلية في الاقتصاد، وإعادة انخراط شبكة البنوك الإيرانية بالأسواق المالية العالمية، عبر قبول قواعد «فاتف». وأظهرت مواقفه أنه يتبنى نهجاً متوازناً يعتمد على الدبلوماسية لتحقيق التنمية الاقتصادية ورفع العقوبات. وفي المقابل، دأب على انتقاد السياسات القائمة على الشعارات التي لا تقدم حلولاً عملية.

لكن بزشكيان واجه انتقادات بأنه لم يقدم حتى الآن أي برنامج أو حلول للقضايا التي أثارها في الانتخابات الرئاسية. ورداً على الانتقادات، تعهد بتعزيز موقع الخبراء في فريقه التنفيذي، وأن يكون أداء حكومته متماشياً مع رؤية خطة التنمية السابعة، وهو برنامج لـ5 سنوات يغطي المجالات كافة، أقرّه البرلمان العام الماضي.

من جهة ثانية، خلال حملته الانتخابية وبعد انتخابه، حرص بزشكيان على إظهار تواضع كبير، سواء في مظهره أو خطابه المعتدل. وحاول تعزيز صورته رئيساً من خلال تبنيه للبساطة والابتعاد عن المغالاة في وعوده، ما يجعل أسلوبه مختلفاً عن كثير من السياسيين الإيرانيين الذين يفضلون التوجهات النخبوية أو الثورية.

أيضاً، اتخذ بزشكيان من «الوفاق الوطني» شعاراً لحكومته، وحذّر من خلافات داخلية تعرقل التآزر الوطني، حتى بعد انتخابه واصل التحذير من عواقب الخلافات على الاستقرار الداخلي، إذ يرى أن الصراعات الداخلية ستقود البلاد إلى مزيد من الفقر والمعاناة تحت العقوبات.

في أي حال، يواجه بزشكيان تحديات داخلية كبيرة، لأن المعسكر الإصلاحي المهمش يسعى لاستعادة تأثيره في الحياة السياسية، رغم خيبة الأمل الشعبية من الإصلاحيين بعد فترات حكمهم السابقة. وهو حتى الآن يدفع باتجاه التوازن بين الولاء الشديد للمرشد علي خامنئي ودعواته للتغيير والإصلاح. وبينما يظهر تمسكاً شديداً بمسار المؤسسة الحاكمة، ويؤكد أهمية المرشد ودوره، يزعم تبني أجندة إصلاحية تهدف إلى معالجة الفجوة بين الشعب والحكام، ما يعكس رغبته في التغيير ضمن إطار النظام الحالي، لا عبر مواجهته المباشرة.

هذه الازدواجية من رئيس يدرك حدود صلاحيات الرئاسة، تحت حكم المرشد، تعكس استراتيجيته للبقاء في المشهد السياسي الإيراني. ومن ثم إحداث تغييرات تدريجية، من دون التعرض للمصالح الاستراتيجية الأساسية التي تسيطر عليها السلطة العليا في إيران.

عادل السالمي

صحيفة الشرق الاوسط




أوكرانيا تستقطب إرهابيين من داعش والتنظيمات المتطرفة

خاص “الوطنية”

رغم كل الدعم الذي يغدقه الغرب على أوكرانيا لتغذية الصراع، إن كان من ناحية المساعدات المالية أو العسكرية، إلا أنها تواجه عجزاً في الإمكانيات البشرية، يسهم في زيادة تأزيم موقفها على الصعيد الميداني. لم تنجح قوانين التجنيد التي أقرها البرلمان الأوكراني في سد هذه الفجوة البشرية، والتي شملت المئات من الأشخاص المسجونين بتهم خطيرة.

إزاء هذه المعضلة، قررت كييف اتباع طرق أخرى غير تقليدية تتسم بالخطورة الشديدة، حيث تعمل على استقطاب مقاتلين إرهابيين ينتمون الى تنظيم داعش – خراسان، وكذلك مقاتلين ينتمون الى التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي حاربت في سوريا ولا تزال تنشط هناك.

تفريخ الإرهابيين

لجوء كييف الى تفعيل سياسة استقطاب الأرهابيين ليست حديثة العهد، بل جرى اتباعها في أوقات سابقة، إنما عبر أطر ضيقة، وذلك تحت تأثير ضغوط الدول الأوروبية القلقة من انتقال هؤلاء الإرهابيين اليها، مع ما يمثل ذلك من خطر على أمنها القومي. لكن التقدم الميداني المضطرد للقوات المسلحة الروسية في الميدان دفع بهذه الدول الى تخفيف اعتراضاتها.

يقاتل المئات من الإرهابيين القادمين من العراق وسوريا ودول آسيا الوسطى الى جانب القوات المسلحة الأوكرانية. لكنهم الى جانب ذلك يأدون أدواراً أخرى تسهم في إنتاج مقاتلين جدد وتحويل أوكرانيا الى موئل للإرهابيين، حيث يقوم القادة البارزين والمؤثرين بينهم بالعمل على تجنيد المرتزقة من مالي ودول أفريقية أخرى مزقتها الحرب الأهلية.

تشير العديد من التقارير الإعلامية الى ظهور العلم الأسود الذي يحمل معانٍ إسلامية بشكل متكرر في مواقع ومعسكرات تدريب السجناء الأوكرانيين في الدونباس. لكن التكتيك الجديد الذي تتبعه كييف، يتمثل بإدخال إرهابيين من تنظيم الدولة “داعش” عبر قنوات ملتوية، حيث يتم تزويدهم بوثائق مزورة للعبور الى الأراضي الأوكرانية عبر رومانيا، التي يصلونها من صربيا والجبل الأسود.

اللافت هو ظهور مقاتلين إسلاميين متطرفين ضمن كتيبة “آزوف” التي تشكلت عام 2014 وتضم مزيجاً من القوميين المتطرفين والنازيين الجدد، وقامت كييف بدمجها ضمن تشكيلات الأمن الوطني عام 2014. ومن المعروف عن هذه الكتيبة أنها متطرفة وتعادي القيم الأوروبية، وسبق أن وضعت على قوائم الإرهاب في أوروبا وأميركا، قبل أن تقوم الأخيرة برفعها عن عن هذه القوائم لإعادة توظيفها في حربها مع روسيا التي تكتسي بوجه أوكراني.

تجنيد إرهابيين من سوريا والعراق

الأفكار النازية التي تحملها هذه الكتيبة دفعت بالقضاء الروسي الى إصدار قرار في 2 أغسطس/ آب 2022، يعتبر هذه الكتيبة منظمة إرهابية، حيث يواجه الأسرى الذين اعتقلتهم القوات الروسية من مقاتلي هذه لكتيبة أحكاماً بالسجن تصل الى 20 عاماً بسبب ارتكابهم جرائم ضد المدنيين وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان.

الى ذلك، يممت كييف وجهها شطر العراق وسوريا بقصد استقطاب إرهابيين، حيث تشير تقارير إعلامية الى وجود أكثر من 2500 إرهابي من تنظيم داعش في سجون العراق وحده، يسعى الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي الى دفع مبالغ هائلة تقدر بمليارات الدولات من أجل إبرام صفقة مع بغداد بتغطية أميركية وغربية، تضمن إطلاق سراحهم وإرسالهم الى أوكرانيا.

كما تشير تقارير إعلامية، بينها تقارير نشرتها صحيفة “أيندلك” التركية، تتضمن صوراً عن اجتماعات أجراها أشخاص من الاستخبارات الأوكرانية مع أعضاء هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً” التي ولدت من رحم تنظيم “القاعدة” الإرهابي، والتي تحكم عدداً من المناطق في أدلب بسوريا، من أجل إطلاق تجنيد المئات من مقاتلي التنظيم الإرهابيين، إطلاق سراح عناصر إرهابية تمردت على سلطة قائد التنظيم أبو محمد الجولاني، خصوصاً الذين يحملون جنسيات جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. وتبين صحيفة “أيدنلك” في أحد تقاريرها اجتماع القيادي بـ”هيئة تحرير الشام” هيثم عمر بعدد من الاستخباراتيين الأوكرانيي في 18 يونيو/ تموز 2024، لتحقيق هذه الغاية.

تحذير لافروف

يشير موقع “أثر برس” السوري، نقلاً عما سماه مصادر أهلية في أدلب، الى أن أن زعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني كان قد أوعز الى خطباء المساجد ورجال الدين بالتحدث عن إباحة القتال الى جانب الأوكران منذ اندلاع الصراع، والى إصدار بعض رجال الدين في الهيئة فتوى تتحدث عن وجوب تشكيل فصائل مقاتلة مستقلة عن كييف، من أجل تشجيع الناس على الذهاب الى أوكرانيا الوقتال هناك.

كذل ذلك دفع بوزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، خلال اجتماعه مع سفراء الدول الأجنبية في موسكو في 13 سبتمبر/ أيلول الجاري الى التأكيد بأن “الاستخبارات الأوكرانية تقوم بتجنيد مقاتلي هيئة تحرير الشام لاستخدامهم في تنفيذ عمليات قذرة تخطط لها”.

الى ذلك، تشير تقارير إعلامية وتصريحات عدد من المسؤولين الأوروبيين الحقوقيين الى أن الإرهابيين الذين تستقطبهم أوكرانيا يستخدمونها كنقطة عبور لدخول الدول الأوروبية، الأمر الذي يعرض الأمن القومي والاجتماعي لهذه الدول الى خطر شديد في المستقبل، خصوصاً مع إصدار كييف وثائق جنسية مزورة لهم، بما يسهل عبورهم نحو غرب أوروبا.

وعلى المدى الطويل سيصبح هذا الوضع بمثابة صداع في الغرب، ولا سيما أن هؤلاء الإرهابيين يقاتلون من أجل المال فقط. وبالتالي من السهل جداً توظيفهم من قبل الجهة التي تدفع أكثر من أجل زعزعة الاستقرار وإثارة الشغب والفوضى. 

وهذا ما يجعل كلام لافروف بمثابة رسالة موجهة الى الدول الأوروبية تحذرهم من مغبة استخدام هؤلاء المقاتلين الذين ليسوا سوى بنادق للإيجار. لكن الإشكالية تبقى في انجراف الدول الأوربية بشكل أعمى خلف أميركا.

https://www.dikgazete.com/mobil/yazi/yeni-bir-guvenlik-tehdidi-olarak-terorizm-ukrayna-uluslararasi-istikrarsizligin-merkezinde-7253.html