1

أوبزيرفر: غزة هي أكبر فشل لبايدن وعجزه يقود الشرق الأوسط نحو الهاوية

نشرت صحيفة “أوبزيرفر” البريطانية افتتاحية حمّلت فيها الرئيس الأمريكي جو بايدن مسؤولية الحرب المتوسعة في الشرق الأوسط.

وقالت إن قلق الرئيس الأمريكي على مستقبل الحزب الديمقراطي هو ما يحرك سياسة الاحتواء التي ينتهجها البيت الأبيض.

وأضافت أن عبارة: “وصل الشرق الأوسط إلى منعطف خطير جدا” تتكرر منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي.

ومع ذلك “فشلت 12 شهرا تقريبا من الدبلوماسية الدولية ووقف إطلاق النار المتقطع ومفاوضات الأسرى والاحتجاجات والتهديدات بالعقوبات والدعاوى القضائية والضغوط السياسية والأخلاقية على الأطراف المتحاربة بوقف المذبحة في غزة وأماكن أخرى، وهو ما يجعل هذه اللحظة محفوفة بالمخاطر الكبرى. وفي غياب الأفق ووجود مخرج واضح، وعدم وجود عملية سلام تحمل مصداقية، فإن التصعيد غير المنضبط يزداد احتمالا. والخوف والغضب والانتهازية السياسية واليأس الشديد يطغى على التفكير الهادئ والموضوعي بشأن الأفعال والعواقب. فقد تحررت كلاب الحرب من عقالها”.

وأضافت أن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وحكومة الحرب التي يتزعمها، فتح “مرحلة جديدة” من النزاع واستهداف عناصر وقيادة حزب الله في لبنان أدى إلى تسريع انزلاق نزاع لا يرحم نحو حرب على مستوى المنطقة.

وقالت الصحيفة إن إسرائيل محقة تماما في رغبتها لتأمين حدودها الشمالية مع لبنان، حيث نزح عشرات الآلاف  بسبب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ومحقة أيضا في تحييد حزب الله، حليف إيران.

وصحيح أيضا أن نتنياهو يحتاج إلى إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه لإبقاء شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف على نفس الخط والتشبث بمنصبه، ودفع الضغوط الأمريكية التي تطالبه بما يعتبره تسوية غير مقبولة.

وقد ساعد تفجير أجهزة النداء “بيجر” على تعزيز هذا الحس الذي يخدم النفس. ففي داخل إسرائيل، يُتهم نتنياهو بمحاولة نسف اتفاق وقف إطلاق النار، والآن يواجه لبنان خطر التحول إلى غزة جديدة.

وعلقت الصحيفة أن الطريقة التي سيردّ فيها زعيم حزب الله وبشكل عملي على هجمات الأسبوع الماضي والتي قتلت العشرات وجرحت الآلاف، والتي اعترف بأنها تمثل ضربة كبيرة، ستحدد المدى الذي يسير فيه الشرق الأوسط نحو الكارثة.

فقد أقسم نصر الله على الرد بانتقام قاس، واستأنف الحزب رشقاته الصاروخية على إسرائيل وسط غارات جوية واسعة على لبنان بما فيها بيروت. وحذر نصر الله بأن أي هجوم بري إسرائيلي على جنوب لبنان سيكون “فرصة” لحزب الله لأن ينتقم.

وعلى نتنياهو الحذر، فالتدخلات الإسرائيلية السابقة خاصة عام 1982 و2006 انتهت بنتائج سيئة، في وقت أنهكت الحرب في غزة التي مضى عليها عام، الجيشَ الإسرائيلي.

وأشارت الصحيفة إلى الضربة التي تلقاها حزب الله الأسبوع الماضي من خلال تفجير أجهزة “بيجر” ثم مقتل القيادي العسكري إبراهيم عقيل في هجوم على الضاحية الجنوبية ببيروت، قائلة إنها كشفت عن محدودية قدرات الحزب، وأدت لتوتير علاقاته مع الحكومة والشعب اللبناني، وقد تقنع الحزب وداعمته إيران بالتصرف بحذر.

ومع ذلك، لا توجد إشارات عن توقف إطلاق الصواريخ باتجاه لبنان. وربما حقق نتنياهو انتصارا تكتيكيا لكنه تصرف بتعجل. فلم يعد هدفه إعادة النازحين من الشمال إلى مناطقهم وبشكل آمن، قابلا للتحقيق.

وفي ذات الوقت، تستمر الحرب المروعة في غزة، والتوصل إلى وقف إطلاق النار فيها هو المفتاح الرئيسي لمنع اندلاع حرب شاملة. ومن المؤسف أنه لا القيادة الإسرائيلية أو قيادة حماس مستعدتان لاتخاذ الخطوات المطلوبة لوقف المذبحة في غزة. ومن المؤسف أن بريطانيا، مثل الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، فشلت بممارسة الضغط الكافي على إسرائيل لوقف انتهاكها للقانون الدولي الإنساني من خلال تقييد جميع مبيعات الأسلحة الهجومية، وتأييد لائحة اتهام نتنياهو بارتكاب جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات ذات مغزى. ومن المؤسف، وإن لم يكن مفاجئا، أن إيران فشلت على نحو مماثل في كبح جماح حماس وحزب الله من أجل وقف مذبحة الشعب الفلسطيني الذي تدافع عن قضيته.

ووسط هذا الكاتالوغ المحرج من الفشل، فإن موقف الإدارة الأمريكية المتحيز والعاجز، هو الداعي على الإحباط. وتقول الصحيفة إن جو بايدن ينتمي إلى جيل أمريكي يدعم إسرائيل سواء كانت محقة أم مخطئة، لكن أوراق اعتماد الدولة اليهودية الحديثة كديمقراطية ملتزمة بالقانون، باتت موضع تساؤل خطير. فقد تغيرت جذريا، في حين لم يتغير بايدن.

لقد أعطى بايدن نتنياهو بسذاجة تفويضا مطلقا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبات يراقب برعب متزايد نتائج هذا التفويض وهي تتكشف أمامه.

وكان يجب على بايدن عمل المزيد للضغط على نتنياهو للموافقة على صفقة. فبعد كل هذا، تعتبر الولايات المتحدة الداعم المالي والعسكري الأساسي لإسرائيل. و”بدلا من ذلك، فقد تسامح وسهّل مواقفه العدوانية والعدمية وبتكلفة باهظة على المصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية، وعلى حياة الناس العاديين”.

وتقول الصحيفة إن غزة هي أكبر فشل لبايدن، بل أكبر حتى من أوكرانيا، وبدلا من القيام وعلى حال السرعة بإصلاح الضرر، يقول المسؤولون في واشنطن إن وقف إطلاق النار لن يتحقق على الأرجح قبل تولي خليفته السلطة في كانون الثاني/ يناير، ومن هنا: ما هي سياسة الولايات المتحدة؟ الجواب بكلمة واحدة، الاحتواء.

وفي ظل عجز البيت الأبيض عن وقف الحرب، يبدو أنه عازم فقط على منع انتشارها قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر، خوفا من أن تضر بفرص كامالا هاريس والديمقراطيين.

وهذه ليست سياسة على الإطلاق، بل وسيلة  للتهرب وتعطي ضوءا أخضر للمتشددين والمتطرفين من جميع الأطراف، للقيام بأسوأ ما لديهم من تهور وفظاعة. ولهذا السبب، يتأرجح الشرق الأوسط  أكثر نحو الهاوية.

صحيفة أبوزيرفر البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




جون أفريك: في واشنطن.. الجزائر “توقع مع شركة ضغط مرتبطة بإسرائيل”

نشرت مجلة “جون أفريك” الأسبوعية الفرنسية تقريرا مثيرا للجدل بعنوان “في واشنطن.. الجزائر توقع مع شركة لوبيينغ (ضغط) مرتبطة بإسرائيل”، للصحافي الجزائري فريد عليلات، جاء فيه أن الحكومة الجزائرية وقعّت مؤخرا عبر سفيرها لدى واشنطن، عقد (لوبيينغ/ ضغط) مع شركة أمريكية. وهي ممارسة كلاسيكية في الدبلوماسية، إلا أن الشركة المختارة لديها روابط وصلات عديدة مع إسرائيل.. وهو ما يثير الاستغراب والدهشة، نظرا للمواقف الجزائرية بشأن الوضع في فلسطين، كما أكد الكاتب.

أكدت المجلة أن ما يثير الدهشة أن مكتب BGR  معروف بعلاقاته مع إسرائيل، ومن بين مستشاريه إيهود باراك

ووفق المجلة الفرنسية فإن العقد وقعه السفير الجزائري بواشنطن، صبري بوقادوم، في بداية شهر سبتمبر الجاري،  مع مكتب BGR Group وهي مجموعة تأسست عام 1991، وتعد واحدة من أكبر شركات الضغط والاتصالات في واشنطن، وتعمل مع نحو 200 زبون في الولايات المتحدة وحول العالم، وذلك للقيام بعمليات ضغط في الولايات المتحدة لصالح الدولة الجزائرية.

وبحسبها تبلغ قيمة العقد، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 سبتمبر 720 ألف دولار سنويًا، ولا يشمل التكاليف الأخرى التي قد ينفقها مكتب لوبيينغ في سياق أنشطتها. وبحسب الوثيقة التي وقع عليها بالأحرف الأولى السفير بوقادوم – الذي تم تعيينه سفيرا لدى واشنطن في أكتوبر 2023، وكان قبل ذلك وزيراً للخارجية من أبريل 2019 إلى يوليو2021 – ستقوم مجموعةBGR  بتقديم خدمات الشؤون الحكومية والعلاقات العامة نيابة عن الزبون فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر.

ووفقًا لوسائل الإعلام الأمريكية، حققت الشركة 41.70 مليون دولار في عام 2023، مقارنة بـ 39.22 مليون دولار في العام السابق. بالنسبة للعام الحالي، فقد حققت بالفعل إيرادات بقيمة 21.95 مليون دولار. لم يغير المكتب اسمه إلى “BGR” إلا بعد انتخاب باراك أوباما للبيت الأبيض في عام 2008، وذلك ليكون أكثر تكتمًا بشأن هوية رؤساء الشركة. ومنذ ذلك الحين، كان من بين الزبائن الأجانب لمكتب اللوبيينغ الأميركي، المملكة العربية السعودية والبحرين وأذربيجان وصربيا والهند ودول أخرى.

وأكدت “جون أفريك” أن ما يثير الدهشة في اختيار السلطات الجزائرية هو أنه بالإضافة إلى نفوذه في دوائر صنع القرار في واشنطن، فإن مكتب BGR  معروف بعلاقاته مع إسرائيل أو مع كيانات إسرائيلية، ومن بين المستشارين الرئيسيين لـ BGR، نجد إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل بين يوليو 1999 ومارس 2001.

وذكرت المجلة أنه على الموقع الإلكتروني للشركة، يتم تقديم إيهود باراك بهذه العبارات: “بعد مسيرة مهنية في قوات الدفاع الإسرائيلية، حيث كان الجندي الأكثر حصولا على أوسمة في تاريخ إسرائيل وشغل منصب رئيس الأركان العامة، دخل إيهود باراك السياسة وخدم إسرائيل في عدة مناصب، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع”. وعلى حسابها على LinkedIn  أيضًا، تحدد BGR أن إيهود باراك هو عضو في مجلس الخبراء والمستشارين التابع لها.

وتُشير المجلة الفرنسية إلى أنه في الوقت الذي كان فيه رئيسا للسلطة التنفيذية الإسرائيلية، التقى إيهود باراك لفترة وجيزة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة على هامش جنازة الملك الحسن الثاني، التي جرت في يوليو 1999 في الرباط. وزعمت المجلة أنه خلال هذا التبادل، تعهد الرئيس الجزائري السابق بفتح سفارة في إسرائيل إذا وافقت الأخيرة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وقد بقي الأمر هناك.

وتابعت “جون أفريك” أن الروابط بين مكتب الضغط الأمريكي BGR وإسرائيل لا تتوقف عند شخص إيهود باراك. ففي عام 2020، عملت شركة الضغط الأمريكية بنشاط على تطبيع العلاقات بين كل إسرائيل والبحرين، في إطار اتفاقيات أبراهام. ووفقًا للوثائق التي اطلعت عليها المجلة الفرنسية دفعت المنامة 730 ألف دولار في عام 2023 لمكتب BGR مقابل خدماته.

وأكدت أنه في أعقاب الهجوم الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر 2023، أعلن BGR أيضًا عن “دعمه لشعب إسرائيل”، وقدم تبرعات إلى منظمة “نجمة داود الحمراء” اليهودية، دون الإشارة إلى حجم دعمه المالي.

ووفق المجلة ففي اليوم التالي لتوقيع العقد بينBGR  والسفير الجزائري لدى واشنطن، أعلنت “نجمة داود” تعيين جلعاد أردان في منصب الرئيس العالمي.

ترى “المجلة أنه ليس من المؤكد أن التمثيل الدبلوماسي الجزائري في واشنطن قد درس بشكل كاف أنشطة مكتب BGR قبل طلب خدماته. فالجزائر التي تدعم القضية الفلسطينية بشكل غير مشروط، تعتبر إسرائيل عدوا لدودا.

وتشير المجلة إلى أن جلعاد أردان ليس معروفا على الساحة الدولية.. وهو عضو في حزب الليكود المحافظ الذي يتولى السلطة حاليا، وشغل عدة حقائب وزارية (الداخلية، الدفاع، الاتصالات، المعلومات، الأمن الداخلي) في ظل حكومات بنيامين نتنياهو المختلفة. ومن أغسطس 2020  إلى يونيو 2024، كان أيضًا سفير إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، حيث أصبح معروفًا على وجه الخصوص بمواقفه الهجومية والاستفزازية منذ هجمات 7 أكتوبر، توضح المجلة الفرنسية.

ولذلك ترى “جون أفريك” أنه ليس من المؤكد أن التمثيل الدبلوماسي الجزائري في واشنطن قد درس بشكل كاف أنشطة مكتب BGR قبل طلب خدماته. فالجزائر التي تدعم القضية الفلسطينية بشكل غير مشروط، تعتبر إسرائيل عدوا لدودا.

وأشارت المجلة إلى أنه منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، تكرر السلطات الجزائرية باستمرار دعمها للشعب الفلسطيني ولحركة حماس. وقد بعث يحيى السنوار، الزعيم الجديد لحركة حماس في غزة، برقية تهنئة للرئيس عبد المجيد تبون بمناسبة إعادة انتخابه لولاية ثانية.

صحيفة الشرق الاوسط




سرمين السورية: ممر الحجيج ومدينة الكهوف والقوافل

تُعتبر سوريا واحدة من أقدم المراكز الحضارية في العالم، حيث شهدت نشوء وتطور العديد من الحضارات المتعاقبة. هذا التنوع الحضاري ترك بصمة واضحة على أرضها، إذ تحظى سجلات التاريخ السورية بكنوز أثرية تعود إلى آلاف السنين، ما جعلها شاهدا يروي قصصاً عن الحضارات التي عاشت فيها، وتكشف عن تطور الإنسان وعلاقته ببيئته.
فيما تعتبر محافظة إدلب من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في سوريا، وتتميز بتنوع آثارها الذي يعكس تاريخاً حافلاً امتد لآلاف السنين، إذ شهدت المحافظة تعاقب العديد من الحضارات، بدءاً من العصور الحجرية وصولاً إلى الحضارات الإسلامية، ما جعلها تحظى بإرث متنوع ومتعدد من المباني التاريخية والأثرية كالقلاع، والمعابد وحتى المدافن، بالإضافة إلى الأسواق المصممة بطرق مميزة، والعديد من القطع الأثرية الصغيرة.

من أقدم المدن السورية

سرمين، الواقعة في ريف إدلب الشرقي، ليست مجرد مدينة سكانية، إذ تُصنف كواحدة من أقدم المدن السورية التي تحمل تاريخاً حافلاً وآثاراً تعود إلى عصور تاريخية قديمة للغاية، خاصة أن سرمين تستقر على معالم أثرية تعود إلى العصرين الروماني والإسلامي، ما جعلها شاهدا مميزا عن التاريخ وتقلباته وتبدلاته السكانية.
ففي طريقك شرقاً وأنت تخرج من مدينة إدلب، بنحو 7 كم، تترآى لك مدينة سرمين، وسط الأبنية التي أنهكتها الحرب، والتجول في شوارعها وبين أزقتها، تخبرك أنها لم تكن مدينة عادية، إنما كانت عامرة بالأسواق والمصانع والمساجد، زارها الرحالة وكتبوا عنها الروايات والأشعار، ووقفوا في المدينة التي كانت من أكبر حواضر الشمال السوري، والغنية بمعالمها الأثرية وبعدها الحضاري، الموغل في القدم.

مدينة القوافل

تقع على مسافة 7 كيلو مترات من مدينة إدلب، وتتبع لمركز المدينة، ويحدها من الشرق مدينة سراقب، وكانت حاضنة للقرى حتى بلدة كفر حلب شمالاً وجنوباً، حتى معرة النعمان وغرباً حتى مدينة أريحا التي كانت تعاصرها، فقراها ممتدة وأرضها سهلية وخصبة، وأكثر زراعتها القمح والشعير والبقوليات، إلا أن ما يميزها هو انتشار أشجار التين والزيتون فيها على مساحات شاسعة.
كما تتموضع سرمين على طريق القوافل الذي كان يربط بين بلاد الشام وبلاد الرافدين، ما جعلها مركزاً تجارياً هاماً خلال العصور المتبدلة، بالإضافة إلى وقوعها على طريق القوافل داخل الأراضي السورية ما بين محافظتي إدلب وحلب، فموقع المدينة الاستراتيجي على طريق القوافل ساهم في ازدهارها وتطور الحركة التجارية فيها.
الكاتب عبد الحميد مشلح، زود صحيفة «القدس العربي» بمعلومات صادرة عن كتابه «الظاهر والدفون في بلد الزيتون» والذي تحدث فيه عن مدينة سرمين وبعدها التاريخي والحضاري، وذكر في كتابه، أن سرمين مدينة عريقة القدم، ذات شأن، ذكرت في التاريخ، وكانت ممراً لقوافل التجار بين حماة وحلب.
فقدت عزَها الغابر، ويجد الزائر في ضواحيها المغوار، والكهوف القديمة المنقورة في الصخر، وفيها أعمدة منقوشة، ومسجد يقال إنه بني على أنقاض كنيسة، والتي كانت معبداً وثنياً قبل انتشار المسيحية في المنطقة، والذي تم تجديده في العهد الفاطمي، وفق مذهبهم، لذلك هو مبني بتسع قباب فقط، لأن أهلها آنذاك من طائفة كانت لا تفضل الرقم عشرة.

أصل التسمية

تحظى تسمية مدينة سرمين بعدد من الروايات المتباينة والمتقاربة معا، ووفق الكاتب عبد الحميد مشلح فهناك عدة روايات، إحداها تقول، إنها آرامية الأصل كما يرى الأب أرملة وتعني المشرومون، وذكرها ياقوت الحموي، وقال إنها بلدة من أعمال حلب، قيل، إنها سميت بسرمين بن ليفز بن سام بن نوح عليه السلام، بينما قال الدكتور عدنان عطار، إن كلمة سر تعني بالفارسية (الثغر) والأسماء التي تركب معها اسم لشخص الذي سمي الثغر باسمه، فيما قال المياني في كتاب «الأمثال» إن سدوم هي سرمين بلدة من أعمال حلب.
وذكرها الغزي، بأنها من الأماكن التي لها شهرة في قضاء إدلب، وأهلها مسلمون سنة، وكانت بلدة عظيمة ذات أسواق، ومصايف، وخانات، وحمامات.

الحقب الزمنية

شهدت سرمين حضارات متعاقبة تركت بصماتها الواضحة على معمارها وتراثها، وفي معظم المصادر والكتب التاريخية ذكرت سرمين على أنها بلدة مغرقة في القدم، فقد فتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة (17) للهجرة، وأصبحت تابعة لولاية قنسرين ومن ثم لولاية حلب.
وسيطر عليها الصليبيون سنة 492 هجرة، وخلال الحروب الصليبية كان يتناوب السيادة عليها العرب والفرنجة.
وفي عام 584 استعدادها السلطان صلاح الدين الأيوبي، في حين دخلها الخوارزمية في عام 638 هجري وخربوها ونهبوا ما فيها، وتوجهوا بعدها إلى معرة النعمان، وفي عام 658 هجري عاود التتار وخربوها ونهبوا خيراتها، وكانت إقامتهم في بلاد العمق وسرمين والمعرة.
عام 666 هجري حرر الظاهر بيبرس سرمين وأرجاء المحافظة وطرد الفرنجة منها، لتصبح تحت حكم المماليك إلى تاريخ معركة مرج دابق 922 هجري، لتصبح بعدها تحت الحكم العثماني مع بقية أرجاء المحافظة.
أما في العهد العثماني فكانت مركزاً إداريا للمنطقة كلها، ووسطاً تجارياً بين حلب وميناء الاسكندرية، ومركز إشعاع فكري في الفقه والتصوف والشعر والطب ومركز لإنتاج الصابون والحرير، وكانت تغرق منتجاتها مصر والشام.
وفي عام 1832ميلادي خضعت سرمين لحكم ابراهيم باشا إلى تاريخ 1840ميلادي، لتعود بعد ذلك للحكم العثماني إلى تاريخ 1918 ومن ثم الحكم الفيصلي، إلى عهد الاحتلال الفرنسي في 1920 وشارك معظم أبناؤها في الحروب ضد الاحتلال والمساهمة في استقلال سوريا.

مصانع الصابون

يقول مروان الطقش وهو أحد سكان مدينة سرمين والمهتمين بتاريخها، في حديثه مع «القدس العربي» إن أقدم ذكر لمدينة سرمين يعود للرقم الفخارية في مملكة ايبلا، في الألف الثالث قبل الميلاد، تحت عنوان المدن التابعة للملكة، وورد ذكرها في آثار أوغاريت على الساحل السوري، وفتحها المسلمون في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، على يد القائد أبي عبيدة بن الجراح، كما ورد في كتاب «الكامل» لابن الأثير.
وأضاف، أن المنطقة فيما يلي العهود الأموية والعباسية خضعت لحكم الدولة الفاطمية الإسماعيلية، وذكر الرحالة بن بطوطة أنه زارها منذ نحو 700 سنة، ووصف موقعها ومذهب أهلها في ذلك الحين، وتحدث عن صناعة الصابون التي تشتهر بها إضافة لمعامل النسيج وأسواقها العامرة.
في العصر الأيوبي، أرسل صلاح الدين الأيوبي ابنه السلطان غازي لاسترجاع المنطقة من حكم الفاطميين عام 580 هجري، وأخضعها لدولته، ما أدى لتقلص الوجود الإسماعيلي فيها، إلى أن جاء السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، عام 665 هجري، وأنهى الوجود الإسماعيلي فيها، وأصبح جميع سكانها من المسلمين «السنة» وفق ذات المصدر.
وأشار الطقش، في تصريحاته لـ «القدس العربي»: في أيام الدولة المملوكية، أطلق على مدينة سرمين اسم سنجق سرمين، وهذا الاسم الإداري، ويعني (لواء) أكبر من منطقة وأدنى من ولاية.
أما في زمن الحروب الصليبية، فقد دخلها الصليبيون ولم يستمر حكمهم فيها، وكانت في حينها تابعة لمملكة أنطاكيا الصليبية.
وذكر الباحث الراحل فائز قوصرة في كتابه «الرحالة في محافظة إدلب» الجزء الأول، أن إدلب قرية تتبع لسرمين فيما مضى، وبدأت أهمية إدلب الحالية بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم أحمد باشا الكوبرلي (1583-1661).

البعد الديني

من الناحية الدينية المذهبية، فقد كانت معظم الأديرة في القرن السادس الميلادي في منطقة إدلب، تتبع المذهب الأرثوذكسي اليعاقبي، ولم تكن تقيم طقوسها الدينية باللغة اليونانية البيزنطية الرسمية، إنما باللغة السريانية الشعبية في المنطقة، ويبلغ عددها (75) ديراً في إقليمي سوريا الأولى والثانية أي أنطاكيا وأفاميا، وهو المذهب الميتوفيزي، أما دير سرمين فقد كان خلقيدونياً، وهو مخالف لمذهب بقية الأديرة في المنطقة.

آثار سرمين

أهم المعالم الأثرية لمدينة سرمين، وفق مروان الطقش، هي المسجد الكبير، والذي يعود تاريخ بناؤه إلى عهد الدولة الفاطمية، وقد بنوه متأثرين بمذهبهم (9+1) أي أن من تسع قباب وقبة منفردة، ومنذ سنوات تم ترميمه بشكل أنيق.
وذكرها بن بطوطة في رحلته الشهيرة، فقال، إن سرمين ذات بساتين كثيرة وأكثر أشجارها الزيتون، وبها يصنع الصابون الآجري، ويجلب إلى مصر وحلب، وبها يصنع الصابون المطيب الذي تغسل به الأيدي، ويصبغونه بالحمرة والصفرة، وينسج بها ثياب قطن حسان تنسب إليها، وأهلها يبغضون العشرة، ومن العجب أنهم لا يذكرون رقم عشرة، وإذا بلغ السمسار رقم عشرة، ذكر تسعة وواحد، وقال لمسجدها تسع قباب لم يجعلوها عشرة قياماً بمذهبهم.
إضافة إلى الحمامات الموجودة فيها، وأهمها حمام الدرج وحمام المالحة، يوجد فيها قبر الصحابي الجليل ضرار ابن الأزور واخته خولة بنت الأزور، كما فيها قناة لجر المياه إلى المدينة، وآثارها موجودة شمال موقع الدوسة، وما زال بعض معالمها مودود حتى الآن، وتسمى بالعامية «القناي».
وذكر الطقش أن أهم ما يميز سرمين، هو وجود مدينة تحت الأرض مكونة من مغارات وأنفاق وأسواق وآبار وأبواب حجرية، وهي معروفة عند الكثير من الأهالي، ولا يكاد منزل إلا وتحته مغارة أو «جَب» موصول بقناة على مغارة مجاورة، أو تاج حجري (جلَاس).
كما يوجد فيها آثار لمعاصر الدبس المنحوتة في الصخر، ومعامل الصابون المشهورة في أماكن متعددة، كما تحتوي على عدد كبير من المساجد، كما انها تميزت بحياتها الثقافية النشطة، حيث كانت تضم العديد من العلماء والشعراء.

مدينة الضيافة

يشير مروان الطقش إلى أن سرمين عريقة من حيث المدنية المنتظمة البعيدة عن الحالة القروية البدائية، فثقافة أهلها متنوعة ومتنورة، وإذا ما اختير رموز من المنطقة، فإن سرمين تكون حاضرة، كما أن شعبها طيب وخدوم ومضياف، وطباعهم تمتاز بالألفة والكرم.
كما أن أكثر الأكلات الشعبية المحببة لأهلها هي الكبب بأنواعها والمحاشي والمجدرة، إضافة للمأكولات من الإنتاج المحلي كاللفت والعدس بحامض، ومنتجات الخضروات والأشجار، وكانت سابقاً تتميز بزراعة الجبس والقتة والقطن كما يزرع فيها السمسم بكثافة، فجميع أسطح المنازل مليئة بقبب السمسم حتى يتم تجفيفه وغربلته ثم يباع أو يخزن.

سرمين
الحالية تتألم

يسكن في سرمين حالياً ما يقارب 25 ألف نسمة، وحسب أحد أبناء المدينة الإعلامي عبد الله صطيفان، أن السكان يعيشون بحالة رعب، بسبب القصف المتكرر الذي تتعرض له من قبل قوات النظام السوري التي تبعد عنها بضع كيلو مترات في أطراف مدينة سراقب الغربية، وخاصة استهداف سيارات المدنيين في الأراضي الزراعية من قبل الطائرات المسيرة الانتحارية التابعة لقوات النظام والميليشيات الموالية له.
وأضاف المتحدث، أن السكان يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة بسبب الغلاء في الأسعار وخاصة آجار المنازل، فيوجد فيها نحو 700 عائلة نازحة و2300 عائلة من أهالي سرمين، فضلوا البقاء فيها تحت القصف على الذهاب للمخيمات، واستئجار منازل فوق طاقتهم المادية.
كما أن السكان متمسكون بأرضهم من أجل الاستفادة من الزراعة والاعتناء بالأشجار المثمرة التي تحقق لهم مردودا جيدا، مشيراً إلى أن الأهالي يعيشون حالة من الفقر في المدينة.
ويقول إن القصف المتكرر سبب حالة من قلة فرص العمل وشلل الحياة وخاصة في جانب التعليم، فكثير من الأحيان ما يتم تعليق الدوام في المدارس بسبب عمليات القصف، إضافة للدمار المتكرر بالبنى التحتية، الذي قد يعطل الخدمات للناس في كثير من الأحيان.
لفت صطيفان خلال تصريحات لـ «القدس العربي» إلى أن الناس تقصد سرمين بسبب معاملة أهلها الجيدة، إضافة لأسعار اللحوم والخضروات مقارنة بالقرى والبلدات المجاورة، كما أن آجار المنازل بحدها الأقصى لا تتجاوز 1000 ليرة تركية، وهو رقم زهيد في ظل الارتفاع الجنوني لتكلفة المنازل في الشمال السوري.
وتعرضت المدينة للتدمير والنهب خلال الصراع الدائر في سوريا، ما أدى إلى خسارة جزء كبير من تراثها الحضاري.

حسام محمد

صحيفة القدس العربي




دوافع سياسية تُنهي مهام بعثة أممية تحقّق بجرائم تنظيم «الدولة» في العراق: ملايين الوثائق في الطريق إلى الأرشيف أو سلّة المهملات

قطع الفريق الأممي المُكلّف بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» إبّان سيطرته على نحو ثلث مساحة العراق بين الأعوام (2014 ـ 2017) الأسبوع الماضي، أعماله بناءً على طلب من الحكومة العراقية، قبل أن يسلّم السلطات الاتحادية ملايين الوثائق والأدلة التي وثّقت جمّلة الانتهاكات التي مارسها الجهاديون بحق العراقيين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وسط مخاوف حقوقية من «إهمالها».

وتأسس فريق التحقيق الأممي «يونيتاد» بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379 لسنة 2017 بهدف «تعزيز جهود المساءلة عن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة من جانب تنظيم داعش» حسب ما ورد على موقع الفريق الذي توقّف عن التحديث رسمياً في 17 أيلول/سبتمبر الجاري.
في مقابلة سابقة مع «رويترز» تحدث رئيس الفريق كريستيان ريتشر عن الحاجة للمزيد من الوقت قائلا: «إذا حددنا موعدا نهائيا في ايلول/سبتمبر 2024 فلن نكون قد أكملنا سير التحقيقات» ولا مشروعات أخرى مثل عمل أرشيف مركزي لملايين الأدلة.
والأسبوع الماضي، نشر الفريق الدولي سلسلة نتائج حول جرائم ارتكبها التنظيم، من بينها تلك المتعلقة بهجومه على سجن بادوش بالموصل، وإعدامه نحو ألف نزيل غالبيتهم من الشيعة، فضلاً عن تقرير آخر يتحدث عن الجرائم الدولية للتنظيم ضد أفراد عشيرة البو نمر في محافظة الأنبار الغربية، وأيضاً توثيق حجم الدمار بمواقع التراث الثقافي التي تعود إلى جميع المجتمعات في العراق.
وأصدر الفريق، حسب تقرير لخّص فيه جمّلة أعماله في العراق على مدى السنوات الستّ الماضية، «19 تقييماً للقضايا وتقريراً تحليلياً- بمئات الصفحات- تُغطّي أفعالاً محددة قد ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية ارتكبها تنظيم داعش ضد المسيحيين والكاكائيين والشبك والشيعة والتركمان والسنة والأيزيديين». وتمت مشاركة نتائج العمل هذه مع السلطات العراقية المختصة إلى جانب الأدلة الأساسية التي أصدرها فريق التحقيق «يونيتاد».
ووفق الفريق الأممي فإن النتائج التي توصّل إليها تستند إلى ملايين الأجزاء من المعلومات التي جمعها الفريق وأنتجها على مر السنين، وتحديداً المعلومات التي قدمتها السلطات العراقية، لا سيما القضاء العراقي.
وتضمن الأرشيف «مواد أهمها مقابلات مباشرة من الناجين والشهود الذين تقدّموا لسرد رواياتهم من جميع أنحاء العراق. ويشمل أيضاً معلومات أخرى جُمعت من عدّة مصادر والتي أنتجها الفريق أيضاً، مثل تقارير الطب الشرعي».
وسلّم فريق التحقيق «يونيتاد» جزءاً مهماً من هذا الأرشيف إلى السلطات العراقية وفقاً لوثيقة اختصاصاته، حسب التقرير النهائي للبعثة الدولية، غير أن «المحفوظات الأكثر شمولاً» والتي تتضمن جميع سجلات الفريق، فإنّها مخزنة الآن بأمان داخل مقرّ الأمم المتحدة على أمل أن يتاح الوصول إليها في المستقبل لأغراض المساءلة.
تعاون البعثة الأممية مع السلطات العراقية أسهم في «حفر 68 مقبرة جماعية ذات صلة بالتنظيم، وإعادة رفات الضحايا الذين تم تحديد هوياتهم من هذه الحفريات إلى أسرهم، ورقمنة وحفظ 20 مليون سجل ورقي متعلق بتنظيم داعش والحصول على البيانات من عدد كبير من الأجهزة الرقمية (مثل الأقراص الصلبة والهواتف المحمولة) التي صادرتها السلطات العراقية من التنظيم».
وعلى الرغم من أهمية جهود الفريق في توثيق «الجرائم الإرهابية» وما أنتجته من أضرار على المجتمعات في العراق، غير أن الخبير في ملف حقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي، يرى بأن المؤسسات العراقية لم تستطع القيام بـ«10في المئة» من هذه الجهود.
ويضيف في حديث لـ«القدس العربي» أن «الفريق الدولي المعني بالتحقيق في جرائم داعش (يونيتاد) الذي تشكّل بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي، هو فريق تخصصي حقق تقدماً واضحاً في ملفاته التحقيقية بجرائم التنظيم. للأسف الشديد؛ هذا التقدم لم تقم به مؤسسات الدولة بنسبة 10 في المئة».
وأضاف البياتي وهو عضو سابق في مفوضية حقوق الإنسان العراقية قائلاً: «كان يفترض على المؤسسات العراقية الاستفادة من هذه البعثة وتطوّر امكاناتها، أو على أقل تقدير أن تخطو خطوات للاستفادة من هذه التحقيقات والملفات، من خلال انشاء محاكم خاصة لمحاكم مجرمي داعش، لكن لم يحصل ذلك».
وأشار إلى أنه «بدلاً عن هذه الخطوات، طلبت الحكومة العراقية إنهاء بعثة (يونيتاد). إن كان هناك بديل وخطوات مسبقة لتطوير المؤسسات العراقية في هذا الملف، فقد يكون القرار منطقياً ومقبولاً، غير إنه يتم من دون تقديم أيٍّ من تلك الخطوات يدل على إن هناك رغبة سياسية بإنهاء هذه التحقيقات، لكن لمصلحة من؟».
واعتبر البياتي الذي يترأس منظمة «مدافعون لحقوق الإنسان» أيضاً، القرار الحكومي بأنه «يصب في مصلحة من كان لهم دور في دعم داعش بشكل أو بآخر. لا يمكن تفسير الموضوع إلا من خلال هذه الزاوية. سنرى أن كل تلك الملفات تُرمى في سلّة المهملات أو سيتم وضعها في الأرشيف من دون تحقيق أي شيء».
ووفق الخبير في ملف حقوق الإنسان فإن خطوة إنهاء بعثة «يونيتاد» تحتاج إلى «تشريع قوانين ومؤسسات قادرة على القيام بمهامها، لكن البرلمان اليوم منشغل بأمور أخرى بعيدة كل البعد عن هذه القضايا المصيرية والمهمة والتي تمسّ أرواحا وجرائم حدثت بسبب لا مبالاة القوى السياسية ومؤسسات الدولة وعدم اعتبار حقوق المواطن أولوية لدى المشرع العراقي وصاحب القرار».
على المستوى ذاته، يرى رئيس «المركز العراقي لحقوق الإنسان» علي العبادي، وجود ضرورة في تمديد عمل الفريق الأممي للتحقيق بجرائم التنظيم.
وقال في تصريحات لمواقع إخبارية محليّة، معلقاً على إنهاء مهمة الفريق التحقيقي الأممي، إن الأخير «يعمل ضمن اتفاقيات دولية، وتقرير (يونيتاد) الذي أفصح عن جريمة سجن بادوش دليلاً على فضاعة مرتكبيها».
وأضاف أن «الفريق الأممي لم يكمل عملية جمع المعلومات، فضلا عن عدم وجود محاكمات حقيقية، إذ جرت 9 محاكمات فقط في البرتغال وايرلندا بالتالي هذا يحتاج إلى تطبيق». ووفقاً للحقوقي العراقي فإن «الآليات الدولية لمحاكمة مجرمي داعش الإرهابي قد تتقاطع مع القوانين الداخلية، بسبب عدم جدية في الإعدامات بحق المرتكبين بسبب المعارضات الدولية».
وشدد على ضرورة أن «يمدد عمل الفريق الأممي في العراق، كون التنظيمات الإرهابية ما زالت موجودة، وآلاف الضحايا ما زالوا موجدين».
واختتم بالقول: «العراق بحاجة إلى خبرات دولية بخصوص ملف حقوق الإنسان للاستمرار بمحاكمة المتسببين بسقوط ضحايا من الشعب العراقي».
القرار العراقي بوقف البعثة التحقيقية الأممية يتزامن أيضاً مع توجّه حكومي بإنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» في غضون العام المقبل 2025.
وفي 31 أيار/مايو الماضي، قرر مجلس الأمن الدولي، سحب بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، الموجودة في البلاد منذ أكثر من 20 عاما، بحلول نهاية 2025 بناء على طلب بغداد.
وينص القرار الذي تم تبنيه بالإجماع على تمديد ولاية البعثة التي تم إنشاؤها عام 2003 «لفترة أخيرة مدتها 19 شهرا حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025».
وكان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحدث في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي مطلع أيار/مايو، عن «تطورات إيجابية ونجاحات» طالبا إنهاء مهمة البعثة الأممية الموجودة منذ 2003.
ويرى الخبير الحقوقي العراقي، علي البياتي، أن عمل البعثة السياسي يضمن للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، عدم تحوّل العراق إلى دولة «سطوية» معتبراً أن غياب العمل الإنساني الدولي في العراق يسهم في تراجع مؤشرات حقوق الإنسان في البلاد.
البياتي أوضح أن «وجود البعثات الدبلوماسية في العراق منذ عام 2003 عليه الكثير من الملاحظات، منها ما يتعلق بالتدخلات وتنفيذ أجندات وقضايا أخرى تتعلق بالفساد» مبيناً أن «منظومة الحكم في العراق غير طبيعية وتأسست بأيادٍ خارجية، وتحديداً بيد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، الأمر الذي يعني بأن استمرار هذا النظام السياسي وضمان عدم تعرضه إلى صدمات أكثر مما عليه الآن، يعتمد على رضى الغرب ووجود أدوات غربية تطمأنهم- على أقل تقدير- بعدم تحول هذا النظام إلى ما يضر مصالحهم».
ورأى أن «هذه البعثات- خصوصاً السياسية منها- هي أدوات غربية لضمان عدم تحوّل هذا النظام إلى نظام سلطوي أو استبدادي يكون سبباً في إحداث صراعات في المنطقة، وهو ما يؤثر على جميع دول العالم من بينها الدول الغربية، ويهدد مصالحها».
من جانب آخر، يشير البياتي إلى وجود «أجنحة إنسانية في عمل هذه البعثات، وأدوات تخص جوانب حقوق الإنسان، وهي أدوات غربية أيضاً بكونهم متقدمون في هذا الملف ويعرفون تفاصيله» معتبراً أن غياب هكذا بعثات «يؤدي إلى تراجع في الملفات الإنسانية وملفات حقوق الإنسان».

مشرق ريسان

صحيفة القدس العربي




انتخابات الأردن: نواب الإخوان أبعد عن الصخب وفي «كمون تكتيكي»

الصيغة الوحيدة الكفيلة بالسيطرة على كتلة التيار الإسلامي الأردني تحت قبة البرلمان والمطروحة هنا وهناك همسا الآن تتمثل في محاولة «شق» تلك الكتلة وقوامها31 نائبا، بمعنى تصنيفها إلى شريحتين من وجهة نظر السلطة التنفيذية، الأولى تضم المعتدلين المرنين، والثانية تشمل المتشددين المفترضين.

مبكرا تبحث سلطات الحكومة عن صيغة للسيطرة على ما يمكن أن يظهره نائب نقيب المعلمين الشهير ناصر النواصرة بعدما أصبح عضوا في البرلمان، وهو بكل حال ليس عضو مجلس نواب بالمعنى الاعتيادي، فالأرقام الإحصائية تشير إلى أنه استقطب منفردا لصالح القائمة العامة للتيار ما لا يقل عن 80 ألف صوت من الناخبين.
هؤلاء على الأرجح معلمون يريدون استعادة نقابتهم التي استهدفتها ضربات مستمرة وطوال خمسة أعوام من جهة الحكومة والسلطات. طبيعي أن يحاول النواصرة والذي قال عندما زار مكتب «القدس العربي» إن أولويته واحدة ويتيمة وهي نقابة المعلمين، أن يجتهد في إطار إعادة نشاط تمثيل ناخبيه تحت قبة البرلمان.
ولم يعرف بعد ما إذا كان رئيس الوزراء الجديد جعفر حسان قد انتبه أو تم تنبيهه لسيناريو تحريك ملف نقابة المعلمين برلمانيا فاستعان بأول نقيب للمعلمين وهو مصطفى الرواشدة وعينه وزيرا للثقافة.
الرواشدة بعثي سابق حزبيا، استقطبته السلطة وأصبح اليوم وزيرا مسيسا بعد عضوية مجلس الأعيان وكان قريبا من حراك المعلمين في الحكومة.
الانفراد بالنائب النواصرة ومن يمكن وصفهم بالمتشددين من الإسلاميين خطوة فيها قدر من الدهاء البيروقراطي لأن الحكومة بيدها امتيازات للنواب، وتستطيع التعاون مع نائب وحجب الخدمة عن آخر، لكن صلابة كتلة التيار الإسلامي كفيلة بأن تستعد لمثل هذا التكتيك عبر وضع منهجية مؤسسية تمثل 31 نائبا لهم نفس الكلمة والموقف في ملفي التشريع والرقابة.
استعدت كتلة جبهة العمل الإسلامي مسبقا للمرحلة اللاحقة. والأمين العام لحزب الجبهة وائل السقا عزل التيار عندما شاوره رئيس الوزراء الجديد عن مسألة سياق التشكيل الوزاري، وخاطب السقا الحكومة بقاعدة أن الجبهة تنتظر البيان والبرنامج الوزاري وليست معنية بالمزاحمة على حقائب وزارية، لا بل لا تهمها الأسماء إلا في سياق سمعتها ومواقفها المعروفة.
بعد ذلك بساعات فقط وضع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الإطار العمومي عندما أعلن بأن المشاركة بحقائب وزارية مسألة لها أسس ومعايير ومرجعيات في مجلس الشورى. ثم تقدم العضايلة بالخطاب الأهم معبرا عن اعتزازه بأن جماعة الإخوان المسلمين تتصدى لمشاريع الأطماع الإسرائيلية بالأردن.
القطب البرلماني الإسلامي صالح العرموطي قال أمام «القدس العربي» إن كتلته توافقية ولم يتم استعجال الأمور. لكن الأهم هو ما يجهزه الإسلامون عبر كتلتهم وهي الأعرض بتوقيع حزب واحد في إطار العمل المؤسسي تحت قبة البرلمان.
والحديث هنا عن لجنة إدارة للكتلة تجنبا للاختراقات بكل حال والحزب بطبيعة الحال يملك مقاعد القوائم العامة البرلمانية وليس الأشخاص، فمن يقيله حزبه يخسر مقعده بموجب القانون.
يطهو الإسلاميون طبختهم الإدارية الكتلوية بهدوء، وأغلب الظن أن رئاسة اللجنة التي ستدير الأمور قد تجلس بين يدي النائب أحمد القطاونة وقد تضم لاعبة مخضرمة ومسيسة هي النائب ديمة طهبوب، وممثل المخيمات في الأردن القيادي البارز الذي نجح في الانتخابات محمد عقل. لا يستعجل الإسلاميون مؤشرات المؤثرات الصوتية. ويزهدون بالأضواء تكتيكيا حتى الآن، ولديهم نواب بخبرات متراكمة في ملفات محددة مثل التربية والتعليم حيث النواصرة وهدى العتوم ومثل الطاقة حيث خضر بني خالد ومثل الصحة والطب حيث الدكتور إبراهم أبو الرب خلافا لقيادات مؤسسية بالصدارة ومهمة في الحركة الإسلامية ولديها خبرات في التشريع والرقابة.
لأول مرة في تاريخهم الإخوان سيكونون حتما في المكتب الدائم لمجلس النواب وفي اللجان الأساسية أيضا بحكم التفاضل العددي لمقاعدهم.
ولأول مرة بالمقابل صوتهم مهم جدا في ترسيم حجم الشرعية التي سيحظى بها رئيس مجلس النواب إن لم يترشح أي منهم للرئاسة حيث فكرة ترشيح القطب صالح العرموطي تبدو إلى حد ما متسرعة الآن والأفضل بعيدا عن الاستعراض والمزاحمة هو التأثير بمعركة انتخابات رئاسة المجلس في الدورة الأولى على الأقل بدلا من الزحام والمنافسة المباشرة.
أغلب التقدير أن النائب محمد عقل تحديدا سيتولى ملفا متقدما في التواصل السياسي مع الحكومة والمؤسسات الرسمية والنواب الشباب في التيار، مثل مالك الطهراوي ومعتز الهروط يمثلان طاقة جديدة لم تختبر سابقا.
الإسلاميون عموما حتى اللحظة يتفحصون مقاعدهم وامكانية استقطاب نواب مستقلين إلى كتلتهم وفرصهم في اللجان والمكتب الدائم، والنقاشات تجري بدون صخب وبعيدا عن الإعلام، ما يعني أن التسلل والاختراق في صفوفهم قد يكون صعبا للغاية خصوصا مع وجود أغلبية في الكتلة نجحوا في القائمة العامة التي يسيطر عليها الحزب وليس العكس، فيما مرحلة الكمون التكتيكي الحالية ستنتهي حتما عند أول تفاعل.

بسام البدارين

صحيفة القدس العربي




بعد تفجيرات البيجر: كم من الشركات في الغرب يحركها الموساد في مجال آليات وبرامج التشفير للتواصل؟

قامت إسرائيل بتفجير أجهزة المناداة «البيجر» يوم الثلاثاء ثم ووكي توكي يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري وتسببت في جرح الآلاف ومقتل العشرات، ما يطرح علامات استفهام وشكوك كبيرة على الأجهزة والبرامج الرقمية المستعملة في الاتصال، ثم كم من شركة تجسس إسرائيلية تختبئ وراء شركات في دول ثالثة. في الوقت نفسه، هل ستؤدي هذه التطورات إلى الرهان على برامج بديلة مثلما يحدث في السلاح؟ وفي كل الحروب ومنذ القدم، تعمد الجيوش إلى ضرب أدوات التواصل بين مختلف مكونات جيش العدو بهدف ضرب التنسيق بين الوحدات، ما يعجّل بهزيمة العدو. ويدخل تنفيذ عمليتي إسرائيل يومي الثلاثاء والأربعاء في هذه الخانة، أي تصفية استباقية لما أمكن من القادة السياسيين والعسكريين لإضعاف حزب الله وزرع الرعب وغياب الثقة في القواعد، غير أنها أخطأت التقدير بسبب عدم سقوط قيادات كبرى في حزب الله خلال العمليتين بل غالبية الضحايا من المدنيين خاصة المنتمين إلى حزب الله.

وتعتبر عملية تفجير أجهزة الاتصال مثل «البيجر» معقدة، وتنقل جريدة «يديعوت أحرونوت» استنادا إلى مصادر استخبارية أمريكية أن إسرائيل خططت على مدى 15 عاما لعملية تفجير أجهزة المناداة «البيجر» السريعة. من جهة أخرى، تنفي تايوان أن تكون مصدر البيجر، والأمر نفسه مع بلغاريا بعدما أشيع استيراد هذه الأجهزة من هذا البلد الأوروبي. كما تنفي اليابان تصدير ووكي توكي المستعمل يوم الأربعاء في التفجير. ولا يمكن استبعاد عدم علم اليابان وبلغاريا باستعمال أراضيهما لعمليات مثل هذه بحكم مناورات الموساد في العالم في إنشاء شركات كثيرة كواجهة للعمليات الاستخباراتية المعقدة. ورغم كل هذا، يبقى غياب الحذر في شراء هذه الأجهزة والبرامج المستعملة فيها من مسؤولية خبراء حزب الله الذين لم يكونوا أذكياء في هذا الشأن، وهم العارفون بمدى مناورات الموساد في ملف أجهزة الاتصالات وبرامج التواصل عالميا.
ومنذ تأسيسه ومثل باقي الاستخبارات وخاصة التابعة للدول الكبرى، يسعى الموساد إلى محاولة السيطرة والتلاعب بأجهزة الاتصال لأنها طريقة فعالة للحصول على المعلومات وأشد المعلومات سرية. لهذا تستثمر الاستخبارات في الشركات الواجهة الخاصة بالتشفير وبيع معدات الاتصال وبرامج التواصل المجانية في محاولة لخداع المنافس والعدو في حالة استعمالها. ولعل من أكبر عملية تجسس في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية هي التي تتعلق باختراق المخابرات الألمانية والأمريكية ودور للموساد لشركة «كريبتو» السويسرية، التي كانت تبيع برامج وآلات التشفير لـ120 حكومة في العالم على مدى عقود، ومن ضمن الدول التي استخدمت آلات كريبتو إيران وباكستان وجميع الدول العربية. اعتقدت الدول أن مراسلاتها آمنة ومشفرة، لتنفجر الفضيحة سنة 2020 بأن كريبتو كانت تعمل بتنسيق مع المخابرات الأمريكية التي كانت تطلع على مضامين الرسائل المشفرة وتزود الموساد بكل ما يتعلق بالشرق الأوسط.
وعلى ضوء هذا، كم من الشركات التي أنشأها الموساد في عدد من مناطق العالم أوهمت دولا وهيئات وخبراء بأنها توفر السرية في الاتصالات؟ في هذا الصدد، وعلاوة على الخداع في الأجهزة، تعتبر إسرائيل من الدول الرئيسية التي تتلاعب ببرامج الاتصال وبرامج التشفير مثل VPN التي أصبحت ضرورية لحماية البيانات في شبكة الإنترنت، وكذلك الشركات التي تقدم خدمات البريد الإلكتروني الآمن. وعادة ما يتجنب الكثير من الخبراء استعمال خدمات البريد المشفر لشركات في سويسرا وإيسلندا لأن الدولتين توفران الأمن السيبراني وتحترمان الخصوصية ولا يوجد تخوف من وجود استخبارات وراءها مثل حالة كريبتو. وفي المقابل، يراهنون على خدمات البريد الإلكتروني العادي مثل جيميل وياهو وهوتميل مع تطبيق برامج مشفرة خاصة بهم. في الوقت ذاته، تدرك بعض الدول مدى تورط إسرائيل في هذه الممارسات، لهذا أنشأت ما يسمى قاموس لغة خاصة بها يستعمل القنوات العادية في التواصل ولكن تكون عملية فك معاني الكلمات صعبة للغاية، ويبقى الأسلوب الأنجع رغم أنه الأقدم في التجسس.
وفي الوقت الذاته، تحاول إسرائيل السيطرة على برامج التواصل، وكان تالمون ماركو الذي عمل في وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هو الذي أنشأ برنامج «فيبر» الذي كان الأكثر استعمالا في العالم قبل واتسآب وتلغرام. وساور الكثير من الدول القلق من خطورة البرنامج بسبب ارتباطه بإسرائيل. وكانت أصوات كثيرة قد طالبت بعدم استعمال فيبر. وعندما تخلت أغلبية العالم عن استعمال فيبر لصالح واتسآب ثم تلغرام، لجأت إسرائيل إلى اختراع برامج التجسس المتطورة على شاكلة بيغاسوس لاختراق هواتف رؤساء دول وحكومات وصحافيين وحقوقيين وقادة عسكريين بحكم عدم تحكمها في برامج مثل واتسآب وسينيال وتلغرام.
ونظرا للخطورة التي بدأت تشكلها هذه البرامج في الحروب السيبرانية خاصة في رصد واغتيال السياسيين والمقاومين مثل حالة فلسطين ولبنان، بدأ الرهان المحتشم على أجهزة وبرامج تواصل من إنتاج الصين وروسيا. ومن أبرز هذه البرامج تلغرام وهو الوحيد الذي يعتقد أنه لا تستطيع المخابرات الغربية الوصول إلى مضمونه، عكس الأخرى الأمريكية مثل سينيال وواتسآب، حيث توجد اتفاقيات سرية بين هذه الشركات والاستخبارات الغربية، للتعاون تحت مسميات شتى ومنها «حماية الأمن القومي الأمريكي». كما أن تلغرام عكس باقي البرامج، يتميز بخاصيات منها التشفير القوي للدردشات السرية، وحجم التخزين وقنوات التواصل الجماعية. وعلى ضوء هذا، يجب فهم اعتقال ثم الإفراج في فرنسا عن مخترع تلغرام بافيل دوروف نهاية شهر آب/أغسطس الماضي.
ومن باب المقارنة، وعت الكثير من الدول ومنها العربية مدى تحكم الغرب في الأسلحة التي تشتريها، وكيف لا يمكن استعمالها مثلا في مهاجمة إسرائيل. ولهذا، بدأت دول مثل السعودية ومصر تفكر في السلاح الروسي. وما يحدث في مجال الأسلحة يحدث في مجال التواصل والاتصالات، لأن جيوشا واستخبارات بدون أجهزة تواصل وبرامج اتصالات آمنة تخسر المعارك قبل بدايتها.

حسين مجدوبي

صحيفة القدس العربي




إستراتيجية الزر الأحمر لاختراق “حزب الله”: هل صنع الموساد أجهزة بيجر المفخخة في إسرائيل؟ ولماذا ورّطَ شركات وأفراداً أوروبيين؟

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً، أعده غريغ ميلر وكيت براون ولافداي موريس وشيرا روبن وجون سوين، قالوا فيه إن تفجيرات أجهزة النداء/بيجر، واللاسلكي/ووكي توكي في لبنان، الأسبوع الماضي، تعتبر تتويجاً لجهود الموساد في محاولات اختراق “حزب الله”، وإنشاء شركات وهمية في أوروبا.

فقد أصبحت القطع المحترقة من أجهزة بيجر جزءاً من أدلة عن جهد معقد استمر عقداً من الزمان قامت به إسرائيل لاختراق الجماعة اللبنانية المسلحة، حسب قول مسؤولين أمنيين غربيين وإسرائيليين، حاليين وسابقين. وتركت العلامات على القطع المتناثرة من الأجهزة أثراً يقودنا عبر مصنع في تايوان، إلى شركة وهمية مجرية يشتبه في أن المخابرات الإسرائيلية أنشأتها، أو استغلتها، لإخفاء دورها المزعوم في تسليم الأجهزة المجهزة بشكل قاتل إلى “حزب الله”. كما قام مسؤولون أمنيون في عاصمة أوروبية أخرى بالتحقيق في ما إذا كانت شركة وهمية ثانية هناك هي البائع الحقيقي وراء صفقة أجهزة بيجر.

ووصف مسؤولون حاليون وسابقون أن العملية الأخيرة كانت جزءاً من جهود طويلة ومتعددة قامت بها إسرائيل، وعلى مدى عقود، لتطوير ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بقدرات “الزر الأحمر”، أو ما يعني الاختراق المدمر لعدو، ويبقى ساكناً لأشهر، إن لم يكن لسنوات، قبل تفعيله.

ويظل السبب وراء تفعيل الزر هذا، في الأسبوع الماضي، غامضاً، مع أن خبراء تحدثوا عن مخاوف إسرائيلية من اكتشاف “حزب الله” مشاكل في أجهزة بيجر. وهجمات كهذه عادة ما تكون بداية لهجوم عسكري شامل، حسب قول مسؤولين، فمن خلال خلق الفوضى تقوم إسرائيل بتوجيه ضربتها القاتلة.

فقد قتل الهجوم الأول، يوم الثلاثاء، 12 شخصاً، من بينهم مقاتلون لـ “حزب الله”، ومدنيون، وجرح أكثر من 2,800، حسب وزارة الصحة اللبنانية.

وفي يوم الأربعاء، أدى تفجير ووكي توكي إلى مقتل 25 شخصاً، وجرح أكثر من 450 آخرين، فيما قتلت غارة على الضاحية الجنوبية أكثر من 37 شخصاً، من بينهم قيادات في “حزب الله”، وعدد من المدنيين.

مسؤول ثانٍ سابق في الاستخبارات الإسرائيلية إن الانفجارات كانت تتويجاً لاستثمارات استمرت لسنوات طويلة في اختراق هياكل الاتصالات والخدمات اللوجستية والمشتريات لـ “حزب الله”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن “الزر الأحمر” هو “مفهوم لشيء يمكنك استخدامه عندما تريد أو تحتاج إليه”. وأضاف المسؤول أن تفجير الأجهزة، هذا الأسبوع، “لم يكن جزءاً من الخطة الشاملة” التي تم تصورها عندما بدأت العملية، رغم أنه أكد أن المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون أن ذلك كان له تأثير كبير.

 وقال المسؤول السابق: “اُنظر إلى النتيجة”، في إشارة إلى الانفجارات التي أصابت أو قتلت القادة، وملأت المستشفيات، وجعلت عناصر الحزب غير قادرين على استخدام أو الثقة في معدات الاتصالات الأساسية.

 استخباراتي إسرائيلي: الانفجارات كانت تتويجاً لاستثمارات استمرت لسنوات طويلة في اختراق هياكل الاتصالات والخدمات اللوجستية والمشتريات لـ “حزب الله”

 وأضاف المسؤول أنه قبل وقت طويل من تعبئة أجهزة بيجر بالمتفجرات، كانت وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، الموساد، وغيرها من الأجهزة، قد طورت رؤية شاملة “لما يحتاجه “حزب الله”، وما هي ثغراته، والشركات الوهمية التي يعمل معها، وأين توجد، ومن هي جهات الاتصال”.

وأضاف المسؤول السابق أنه بعد تشكيل صورة عن تلك الشبكات “أنت بحاجة لأن تقيم بنى تحتية من الشركات والتي تقوم ببيع بضائعها لأخرى، ولأخرى”، وكلّها تخفي صلتها بإسرائيل، وتتحرك نحو وكلاء المشتريات التابعين لـ “حزب الله”، الذين يعتمدون على شركات وهمية خاصة بهم.

 وتشير السجلات الرسمية الضئيلة للشركات الأوروبية المرتبطة بأجهزة بيجر إلى مؤسسين ليس لديهم خلفية واضحة كموردين لمعدات الاتصالات، أو ارتباط واضح بالحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يترك مجالاً للشك في ما إذا كانوا على علم بالأدوار التي ربما لعبتها شركاتهم في الهجوم على “حزب الله”. ووصف أفرادٌ الهجوم على “حزب الله”، الذي ترك أفراداً جرحى في المستشفيات، وآخرون يحاولون فهم ما حدث بأنه فشلٌ ذريع.

 وتساءل أحد الأفراد: “لماذا لم يفحص حزب الله الشحنة التي وصلت”، وبخاصة أن لديهم القدرات الفنية لمعرفة إن كانت الأجهزة هذه مفخخة أم لا، و”لماذا لم يكتشفوا الاختراق؟”.

 ولا تزال التفاصيل حول العملية غير معروفة، بما في ذلك إمكانية اعتراض أو تخريب الشحنة للبيجر، أو ما إذا كانت قد نفّذت مخططاً قامت فيه أجهزة استخباراتية إسرائيلية بتصنيع، أو تجميع أجهزة محملة بالمتفجرات. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قامت بتصنيع هذه الأجهزة، وأنشأت شركات وهمية لخداع “حزب الله”.

وقال مسؤولون أمنيون أمريكيون وغربيون إنهم ما زالوا يجمعون التفاصيل. فيما يفترض العديد من المسؤولين، وإن لم يتأكدوا بعد، أن العمل على تركيب المتفجرات داخل أجهزة بيجر تم في إسرائيل، لتجنّب مخاطر الكشف أو التعرض لحادث على أرض أجنبية.

ورغم تعبير عدد منهم عن اندهاشهم من تعقيد العملية، إلا أنهم شكّكوا في أهميتها الإستراتيجية.

وقال مسؤول استخباراتي أمريكي سابق إن قرار إسرائيل بتجهيز الأجهزة بالمتفجرات بدلاً من معدّات التجسس المتطورة يعكس “العقلية الهجومية” لدى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي تعطي الأولوية لعروض القوة الحركية التي قد لا تحقق أهداف إسرائيل الأوسع في صراع إقليمي متصاعد.

ودافع آخرون عنها قائلين إنها ضربة لمراكز القيادة والتحكّم لدى “حزب الله”. وبحسب  قائد البحرية الإسرائيلية السابق إيال بينكو، فالعملية أربكت “حزب الله”، ويحتاج نصر الله لوقت طويل كي يعيد ترتيب قيادته.

وربط توماس ريد، مدير معهد البروفيتش لدراسات الأمن الإلكتروني بجامعة جونز هوبكنز، العملية الإسرائيلية بعمليات الولايات المتحدة ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. فقد تمكّنت وكالات الاستخبارات الأمريكية والألمانية سراً من السيطرة على شركة مقرها سويسرا، وهي شركة كريبتو إيه جي، والتي باعت معدات اتصالات مزورة لعشرات الحكومات الأجنبية. وتضمنت العمليتان هدفاً استخباراتياً دائماً يتمثل في اختراق سلاسل التوريد للعدو. كما استشهد الخبراء بالهجوم الذي أطلق عليه اسم “ستكسنت”، والذي تعاونت فيه إسرائيل والولايات المتحدة على ضرب أجهزة الطرد المركزي الإيرانية ببرمجيات خبيثة مدمرة.

وقال مسؤولون وخبراء إن قضية أجهزة بيجر تثير تساؤلات أخلاقية جديدة، لأن هدفها، على الأقل جزئياً، كان القتل والتشويه، بالإضافة إلى التخريب، أو الحصول على معلومات استخباراتية.

وقال رالف غوف، وهو مسؤول سابق بارز في “سي أي إيه” وخدم في الشرق الأوسط، إنه لو كانت الولايات المتحدة على علم مسبق بعملية بيحر، نظراً لطبيعتها الواسعة النطاق، فإن المسؤولين “كانوا ليصابوا بالذعر، ولاستغلّوا كل وسيلة ممكنة لمنعهم من القيام بذلك”. لكن مسؤولاً إسرائيلياً سابقاً قال إن الهجوم “أصاب بدقة الأشخاص الذين كانوا بحاجة للاستهداف”.

 وإذا تم تأكيد دور إسرائيل بالتخطيط وتنفيذ العملية، فستواجه أسئلة عن سبب اختيارها دولاً أوروبية، وربما استغلال أفراد، بما في ذلك أصحاب واجهات تجارية، الذين ربما لم يفهموا عواقب أدوارهم المزعومة لتوقيع عقود لتزويد أجهزة بيجر لجهة ما.

ويقول غافين وايلد، المسؤول السابق في البيت الأبيض، والخبير بالأمن السيبراني، في وقفية كارنيغي للسلام الدولي: “هناك الكثير من الشركات الوهمية والشخصيات الوهمية. ولو كان هناك  ضحايا حقيقيون، فسوف يضطرون إلى العيش في خوف بقية حياتهم لأن “حزب الله” لن يصدق ذلك [حتى لو لم يكونوا على علم بالمؤامرة]”.

 ومع تجميع قطع البيجر المتناثرة، بدأت تطفو سلسلة من الكيانات التجارية على السطح، وقد تم تمييز الألواح الخلفية لأجهزة بيجر بمعلومات العلامة التجارية والطراز المرتبطة بشركة تصنيع تايوانية، وهي شركة أبولو غولد، التي لا تزال مورداً رئيسياً للأجهزة التي كانت منتشرة على نطاق واسع في التسعينيات، ولكن منذ ذلك الحين تم استبدالها إلى حد كبير بالهواتف المحمولة.

 ويقال إن “حزب الله” لجأ إلى استخدام أجهزة النداء لأنه يعتقد أن القيود التكنولوجية المنخفضة تجعلها أقل عرضة للاختراق من قبل المخابرات الإسرائيلية.

ورد مسؤولون في الشركة التايوانية، والذين واجهوا طوفاناً من التحريات، إن الشركة لم تصمم أو تصنع الأجهزة التي يتداولها “حزب الله”، وإنها أنتجت بموجب اتفاقية ترخيص مع شركة بي إي سي للاتصالات كي أف تي. ولا أحد يعرف الطبيعة الحقيقية لعمل شركة بي إي سي.

وبحسب الوثائق المجرية، فقد تم تسجيلها في أيار/مايو 2022، ولديها 118 نشاطاً تجارياً، بما في ذلك نشر كتب وتوزيع أفلام وتصنيع زيت ودهون ومجوهرات مقلدة. ويروج موقع الشركة على الإنترنت، الذي تم تعطيله منذ هجوم يوم الثلاثاء، لمجموعة واسعة النطاق من الخدمات، حيث يقدم المشورة الاستشارية في كل شيء، من الاستثمار في التأثير الاجتماعي، إلى حلول إدارة النفايات.

وبحسب سجل الشركة، فإن مديرتها هي كريستيانا بارسوني أرشيدياكونو ( 49 عاماً)، والتي لم ترد على محاولات الصحيفة المتعددة، وفي رد موجز من والدتها على  “أسوشيتد برس”، يوم الجمعة، قالت إن ابنتها باتت تحت حماية الأمن المجري. لكن مسؤول أمن مجري أكد أن شركة إي بي سي هي شركة وهمية ومتورطة في توصيل بيجر إلى “حزب الله”. وقال المسؤول إن الأجهزة “لم تصل قط إلى المجر”، إلا أن هوية بي إي سي استخدمت لخداع “حزب الله”، مع أنه ليس من الواضح إن كانت مديرتها “متورطة، أو لديها معرفة عميقة” بالعملية.

 وفي يوم الأربعاء، داهمت شرطة تايوان مكتب بي إي سي بالعاصمة تايبيه، وكشفت عن سجلات شحن من أبولو غولد إلى المجر، عام 2022، وتم الكشف عن عقد تجاري آخر يظهر حصول الشركة في العاصمة التايوانية على 15 دولاراً عن كل جهاز بيجر بيع إلى بي إي سي.

وفي نفس الوقت، قامت أجهزة الأمن البلغارية بالتحقيق في شركة ثانية، وهي شركة نورتا غلوبال المحدودة في صوفيا. وذلك في أعقاب تقرير إعلامي، يوم الأربعاء، يفيد بأن الشركة باعت وسلّمت أجهزة بيجر المتفجرة إلى “حزب الله”. وقد نسب موقع تليكس الإخباري المجري هذه المعلومات إلى مصادر مجهولة.

وأصدرت وكالة الأمن القومي البلغارية بياناً، يوم الجمعة، قالت فيه إنها “أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك”، أنه لم يتم “استيراد أو تصدير أو تصنيع أي أجهزة اتصالات تم تفجيرها في لبنان أو سوريا في بلغاريا”.

لماذا لم يفحص “حزب الله” الشحنة التي وصلت؟ خاصة أن لديه القدرات الفنية لمعرفة إن كانت الأجهزة هذه مفخخة أم لا

ومع ذلك، لم يستبعد البيان وجود صلة بين شركة نورتا غلوبال وبيع بيجر لـ “حزب الله”، وقال فقط إن الشركة “لم تنفذ معاملات في داخل الاختصاص القانوني في بلغاريا”.

وبحسب السجلات البلغارية، فمالك شركة نورتا غلوبال هو النرويجي البالغ من العمر 39 عاماً رينسون خوسيه، وهو مولود في الهند، وأسسها في نيسان/أبريل 2022 لإدارة المشاريع التكنولوجية. وحصلت الشركة خلال 2022 و 2023 على إيرادات تزيد عن 1.5 مليون دولار، وفقاً للتقارير المالية المقدمة إلى السلطات البلغارية.

وخلال تلك الفترة، كان خوسيه يعمل بدوام كامل في شركة إعلامية مقرها أوسلو، وفقاً لسيرته الذاتية على الإنترنت. وفي مقابلة قصيرة، لم يرد محاسب شركة نورتا غلوبال على أسئلة حول ما إذا كانت الشركة لها صلات بإسرائيل.

 ووجه المحاسب ديميتار داسكالوف صحيفة “واشنطن بوست” إلى بيان الأجهزة الأمنية.

ولخوسيه ملف تعريف على شبكة فاوندرز نيشن على الإنترنت، التي تنشر روابط لمنظمات عاملة أو توقفت على علاقة مع الجيش الإسرائيلي.

وقال غاي فرانكلين، الذي تم تحديده بأنه واحد من مؤسسي الموقع، إنه لم يسمع قط عن خوسيه أو نورتا غلوبال، وإنه لا يعتقد أن حكومة إسرائيل قدمت أي تمويل له من خلال فاوندرز نيشن.

وقال في رسالة نصية: “في عالم التكنولوجيا، تريد أن يكون لديك أكبر عدد ممكن من الشعارات على منصتك لإظهار أنك تحظى بدعم (ليس من الناحية المالية) من العديد من الكيانات”.

ولم يرد خوسيه على مكالمات ورسائل “واشنطن بوست”.

وقال صديق له في أوسلو، بيبين بهسكاران، إنه وشقيق خوسيه لم يتمكّنا أيضاً من الوصول إلى خوسيه. وسافَرَ الأخير إلى بوسطن، يوم الثلاثاء، وظلَّ في الولايات المتحدة حتى يوم الجمعة، وفقاً لسجلات الحكومة الأمريكية. وكان هناك لحضور مؤتمر تكنولوجي، وفقاً لمصدر مطلع على خططه، إلى جانب تقرير لموقع “في جي” الإخباري النرويجي. وقال أحد منظمي المؤتمر، الذي ترعاه “هاب سيوت” للبرمجيات، إن خوسيه لم يأخذ بطاقة الحضور التي أعدت له من أجل المشاركة في المؤتمر.

وباءت محاولات الوصول إليه في أكثر من 30 فندقاً مدرجاً على موقع المؤتمر بالفشل.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




«بيجر» إغناتيوس وبطارية استغفال العقول

دافيد إغناتيوس، المعلّق في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ومؤلف الرواية الجاسوسية «عملية بيروت»، 2011، التي تتخيل صراعاً بين وكالة المخابرات المركزية ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ لم يتأخر في التعليق على عملية الاستخبارات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، وتفجير أجهزة «بيجر» وسواها من وسائل الاتصال اللاسلكية. ورغم أنّ هذا العدوان الإجرامي قد أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، ونطاق الاستهداف شمل مناطق واسعة في لبنان، وأخرى في سوريا لم تقتصر على العاصمة دمشق بل بلغت محافظات نائية مثل دير الزور؛ فإنّ إغناتيوس تعفف عن استخدام مفردة الإرهاب في توصيف عملية لا يمكن إلا أن تكون عشوائية، تصيب المدنيين على اختلاف شرائحهم.
والحال أنّ إغناتيوس بين أشدّ المؤمنين بتعريف للإرهاب أمريكي رسمي اعتُمد بقانون رئاسي من بيل كلنتون، سنة 1996، ويقول التالي:
ــ تعبير الإرهاب يصف العنف المقصود مسبقاً، والذي تحرّكه دوافع سياسية، ضدّ أهداف غير قتالية، على يد منظمات محلية أو شبه محلية، أو عن طريق عملاء سريين، وذلك بقصد التأثير في الرأي العام.
ــ تعبير الإرهاب الدولي، يعني الإرهاب الذي يصيب المواطنين أو الأراضي في أكثر من بلد واحد.
ــ تعبير المجموعة الإرهابية يفيد أية مجموعة رئيسية أو فرعية تمارس الإرهاب، على نطاق محلي ودولي في آن معاً.
ورغم انطباق العناصر الثلاثة على عمليات الاستخبارات الإسرائيلية، فإنّ إغناتيوس لم يُبصر في تفجيرات بيروت ما هو أكثر من «فيلم جيمس بوندي» و«عملية إسرائيلية بارعة اجتمعت فيها الحرب السيبرانية بالتخريب»؛ ملاحظاً، في خلاصة تحصيل حاصل خرقاء، أنها «تصعيد خطير» قد يتطور إلى حرب إقليمية، قبل شهرين فقط من الانتخابات الرئاسية.
هذا إذا وضع المرء جانباً قصور التعاريف الحكومية الأمريكية عن الإحاطة الملموسة بالمستويات الفعلية، الأكثر تعقيداً واتساعاً وتنوّعاً، لمفاهيم الإرهاب وأنساقها وتشكيلاتها؛ عدا عن كونها تعريفات ترتدّ على أصحابها، وتدينهم بما يدينون به الآخرين. إذْ، استناداً إلى حيثيات هذه التعريفات، سوف يكون مشروعاً أن تُضمّ إلى لائحة الإرهاب الرسمية الأمريكية أسماءُ جميع أجهزة الاستخبارات الغربية التي مارست في السابق عشرات عمليات الاغتيال الفردي، وتدبير الانقلابات العسكرية، وزعزعة الاستقرار الداخلي للدول والأمم.
ولسوف يكون من المشروع، والطريف أيضاً، أن تتصدّر اللائحة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية دون سواها، بوصفها «أمّ الوكالات» بلا منازع؛ يليها، في توحّش الأداء والأدوات، أجهزة «الموساد» و«الشاباك» و«الشين بيت» الإسرائيلية، ثم الـ MI5 البريطاني، والـ DST الفرنسي، والـ BND الألماني، وما إلى ذلك من مختصرات «متمدّنة» ذائعة الصيت.
ليس هذا فحسب، بل في وسع المرء أن يعود إلى أرشيفات الاستخبارات الأمريكية أو البريطانية، ولن يطول بحثه قبل العثور على مسميات إرهابية صهيونية مثل «إرغون» و«ليهي» و«حيروت»؛ أو على إرهابيين مطلوبين للعدالة (الصامتة الخرساء، بالطبع)، أمثال مناحيم بيغن أو إسحق شامير. وفي سنة 1948 كان يهوديان بارزان، حنة أرندت وألبرت أينشتاين، قد وقّعا رسالة مفتوحة ضدّ زيارة بيغن إلى أمريكا؛ من منطلق أنّ منظمة «حيروت» التي يتزعمها هي «حزب سياسي شديد الاقتران بالأحزاب النازية والفاشية من حيث التنظيم، والطرائق، والفلسفة السياسية، والجاذبية الشعبية».
فإذا شاء إغناتيوس، وأمثاله كُثُر بالطبع، استذكار الحقيقة البسيطة التي تقول إنّ الليكود الراهن هو وريث «حيروت»، وأنّ نتنياهو زعيم هذا الحزب ورئيس الائتلاف الحاكم الأكثر يمينية وتشدداً وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني؛ فإنّ استخدام مفردة الإرهاب في توصيف العدوان الإسرائيلي الأخير على اللبنانيين، في أسواق الخضرة والمشافي والشوارع، أكثر احتراماً لعقول قراء إغناتيوس من التمثيل الجيمس بوندي.
في أقلّ تقدير، وبافتراض أنّ بطارية المعلّق الشهير تكترث أصلاً بعقول البشر.

صبحي الحديدي

صحيفة القدس العربي




قناة أمريكية: الموساد توغل منذ 15 عاما في توريد أجهزة البيجر التي انفجرت في عناصر حزب الله  

كشف مصدر أمريكي لشبكة “أي بي سي نيوز” أن المخططات الاستخباراتية الإسرائيلية (الموساد) التي تتيح التوغل في سلاسل التوريد استمرت لمدة تقارب 15 عامًا، موضحًا أن إسرائيل لعبت دورًا في تصنيع أجهزة البيجر التي انفجرت في عناصر من حزب الله هذا الأسبوع.

وبحسب الشبكة فقد أكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” كانت مترددة لفترة طويلة في اعتماد هذا الأسلوب نظرًا للمخاطر العالية المحتملة على المدنيين.

وتضمنت العمليات الأخيرة في لبنان استخدام شركات وهمية، حيث تظاهر ضباط استخبارات وعملاء إسرائيليون بأنهم مستثمرون يديرون شركة لتصنيع أجهزة النداء البيجر، بينما لم يكن بعض الموظفين في تلك الشركات على دراية بهوية الجهة التي يعملون لصالحها، وفقًا للمصدر.

وأكدت “أي بي سي نيوز” أنها تواصلت مع شركة BAC Consulting، التي تتخذ من المجر مقرًا لها وتعمل على إنتاج أجهزة البيجر نيابة عن شركة Gold Apollo التايوانية، لكنها لم تتلقَ أي رد من الشركتين بشأن طلبات التعليق.

وقال متحدث باسم الحكومة المجرية لشبكة القناة الأميركية إن أجهزة البيجر لم تكن موجودة في المجر، وأوضح أن شركة BAC Consulting كانت “وسيطًا تجاريًا” بدون أي موقع تصنيع أو عمليات في البلاد.

وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إسرائيل متورطة في تصنيع أجهزة البيجر المستخدمة في الانفجارات الأخيرة، بينما لم تصدر السلطات الإسرائيلية تعليقًا رسميًا بشأن هذا التورط.

ووفقًا للمصادر، تم زرع ما بين أونصة إلى أونصتين من المتفجرات ومفتاح تحكم عن بُعد لتفجير الأجهزة. وأسفرت الانفجارات، التي وقعت في لبنان خلال اليومين الماضيين وتم تفجيرها عن بُعد باستخدام أجهزة البيجر، وأجهزة “تولكي ولكي”، وأسفرت عن عشرات الضحايا وإصابة أكثر من ألفي شخص آخرين، بحسب البيانات اللبنانية الرسمية.

قناة اي بي سي نيوز الاميركية

ترجمة صحيفة القدس العربي




ميدل إيست آي: غزة المستهدف الحقيقي من الهجمات على لبنان

أكد مقال بموقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن توقيت هجمات إسرائيل على لبنان محسوب بعناية لاستغلال انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات، وتحقيق أهداف الحكومة الإسرائيلية بـ”تطهير قطاع غزة عرقيا أو تهجير سكانه”.

وشدد الكاتب الفلسطيني محمد مرتجى على أن غرض إسرائيل هو تحويل الانتباه وتشتيت الاهتمام الدولي بعيدا عن غزة، ويمنح ذلك الاحتلال فرصة مثالية لمواصلة “قتل وإصابة وتجويع وتهجير الفلسطينيين في القطاع”.

ويرى الكاتب أن توقيت هذه الاستفزازات مدروس، فقد دعا كل من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى غزو لبنان في يونيو/حزيران، وكرر سموتريتش رغبته باحتلال جنوب لبنان بعد شهر من ذلك.

غرض إسرائيل هو تحويل الانتباه وتشتيت الاهتمام الدولي بعيدا عن غزة، ويمنح ذلك الاحتلال فرصة مثالية لمواصلة “قتل وإصابة وتجويع وتهجير الفلسطينيين في القطاع”

ويستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات و”قدرتها المحدودة” على التأثير بإسرائيل لتحقيق كل من رغبة الوزيرين وحلم العديد من المسؤولين الإسرائيليين بحرب شاملة تطال لبنان و”تمحو غزة”.

ولفت الكاتب إلى أن نية إسرائيل بالتخلص من الفلسطينيين في غزة “إلى الأبد” كانت واضحة منذ البداية، وفي حين يجب تسليط الضوء على لبنان في حالة اندلاع حرب جديدة، فمن المهم أيضا منع إسرائيل من تسريع أجندة “الإبادة الجماعية” في غزة.

وأكد الكاتب أن على العالم العربي أن يتحد في مواجهة إبادة إسرائيل للفلسطينيين في غزة وعدوانها على لبنان، وحث المجتمع الدولي على فرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية، واختتم بالقول “يجب ألا ننسى غزة، لأن التاريخ بالتأكيد لن ينسى”.

وأسفرت الحرب الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 41 ألف فلسطيني، وقد يصل عدد الضحايا الحقيقي إلى 186 ألفا، وفق دراسة ذكرتها مجلة “ذا لانسيت”، ولا يزال أهل غزة يكافحون للبقاء على قيد الحياة بعد عام كامل من حرب إسرائيل على القطاع.

موقع ميدل ايست آي البريطاني

ترجمة ابراهيم درويش