1

التيارات الإسلامية في الأزمة الليبية.. الدور والمستقبل

تتناول هذه الورقة دور التيارات الإسلامية المختلفة في المشهد السياسي الليبي الراهن، وتطلعاتها المستقبلية، فضلا عن التحولات التي شهدتها، والمسار الذي اتخذته. وكذلك تحاول فهم البيئة الحاضنة والسياقات المحلية والإقليمية فضْلًا عن التفاعلات التي حَكمتها، ولا سيما تلك التي سيكون لها تأثيرها في مستقبل هذه التيارات.


مقدمة

تعددت الاتجاهات السياسية في المشهد السياسي الليبي برؤى سياسية محضة، وأخرى فكرية وأيديولوجية، لتشكل فرقا وتيارات متعددة تؤدي دورا مهما في الشأن الليبي، منها: التيارات الإسلامية المختلفة، التي كانت ولا تزال تؤدي دورا فعّالا في المشهد السياسي الليبي، يزداد تفاعلا وانخراطا في المشهد السياسي، تبعا للحالة السياسية التي تمر بها البلاد بين الفينة والأخرى، اشتراكا وتشابكا مع الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، سواء تلك التي تتفق معهم في أي من التوجهات السياسية والأيديولوجية أو التي تختلف معهم في أي منها.

مؤخرا وبعدما يقارب ثلاثة عشر عاما تداخلت عوامل كثيرة -محلية وإقليمية ودولية- في ترتيب التيارات الإسلامية في الصفوف السياسية الداخلية في كل الأزمات التي تقع في البلاد، سواء من ناحية تبني الأدوار الوظيفية السياسية، أو تلك التي تتعلق بالمجال الديني المحض. وهذه الأخيرة عادة ما تخدم غايات سياسية وإن بطريقة غير مباشرة أو تعد لدور سياسي في المستقبل بطريقة أو أخرى.

من هذا المنطلق تحاول هذه الورقة الوقوف على دور التيارات الإسلامية المختلفة في المشهد السياسي الراهن، وتطلعاتها المستقبلية، والتحولات التي شهدتها، والمسار الذي اتخذته، وكذلك فهم البيئة الحاضنة والسياقات المحلية والإقليمية فضْلًا عن التفاعلات التي حَكمتها، وسيكون لها تأثيرها في مستقبل هذه التيارات.

كما ستركز الدراسة على الإسلاميين من منظور مجمل وشامل بما يوضح مكان ومكانة الإسلاميين من المشهد السياسي الليبي، ومن ثَمَّ تتحول الدراسة تدريجيا إلى التقسيمات الداخلية التي يمكن بها فهم واستيعاب التيارات المختلفة في البلاد، التي تنحصر في ثلاثة تيارات فاعلة في الساحة الليبية، هي: تيار الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والشخصيات الإسلامية المستقلة.

والجدير بالذكر أن المقصود بالتيارات الإسلامية في ليبيا في هذه الورقة: كُلُّ فصيل إسلامي يؤدي دورا سياسيا بطريقة أو أخرى في الشأن العام، بالإيجاب أو السلب، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالموافقة والسير في سلطات الحكومات الوظيفية المختلفة، أو تلك التي تتبنى نهج المعارضة والسعي إلى الوصول إلى السلطة بآلياتها المختلفة والمتداخلة في الحالة الليبية.

الإسلاميون والأزمة الليبية

يعتبر الإسلاميون أحد أهم الفاعلين في المشهد الليبي الراهن، ولا يشكلون فريقا واحدا، بل هم أطراف متعددة، وتعتبر الخلافات بين بعضهم إحدى معضلات الأزمة الليبية. وقد تشكلت القوى الإسلامية الراهنة سياسيا في سياق ثلاث محطات أساسية شهدتها ليبيا.

ثورة فبراير والحركة المضادة: في خضم الأحداث التي كانت في الثورة الليبية منذ انطلاقها في 17 فبراير/شباط 2011، كان للتيارات الإسلامية المختلفة دور بارز فيها، سواء كانوا مقاتلين عسكريين شاركوا في الثورة عسكريا، أو من قبيل المشاركة السياسية المتباينة في الشأن الليبي منذ الثورة إلى الوقت الحالي، على اختلاف وتضارب مواقفهم. فقد كانت لهم أدوار مهمة في العمليتين الثورية والانتخابية، وكذلك الأزمتين السياسية والأمنية، وساهموا مساهمة فاعلة في إسقاط النظام السابق. كما شاركت عدّة جماعات وفصائل وشخصيات إسلامية في العملية الانتخابية أيضا(1)، ليكون لها دور بارز في العملية السياسية الآنية، وحتى المستقبلية في البلاد، وأصبحت جزءا رئيسيا منها، وبذلك فلا يمكن فهمُ المشهد السياسي الليبي واستشرافُ مستقبله دون فهم طبيعة عمل هذه التيارات ودورها في صنع القرار السياسي في البلاد بطريقة أو بأخرى. فقد هيمنت على المشهد السياسي الليبي في العقد الأخير، كثير من التقلبات والأزمات، وتجاذبت أطراف هذه “القوى الثورية” المصالح وتقاطعاتها الخارجية والداخلية، في واقع سياسي متقلب يكاد لا يهدأ. وفي المقابل هناك تيار مضاد لهذا التوجه، سعى للعودة بالبلاد إلى “حكم العسكر”، ودخل في مواجهات عسكرية مع القوى الأخرى، وحظي بدعم أطراف داخلية وقوى خارجية.

ولهذا يمكن توصيف المشهد السياسي الليبي الحالي بأنه ينحصر بين طيفين أساسين في الغالب: طيف “الثورة”، وعادة ما يمثله جُلُّ الإسلاميين الموجودين في المشهد الحالي من شخصيات مستقلة وأحزاب سياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحزب العدالة والبناء، وتيار يا بلدي، وغيرها من الأحزاب والقوى الأخرى المشابهة، وغالبها في الغرب الليبي. أما الطيف الآخر، فهو طيف “الثورة المضادة”، و”عملية الكرامة”، إضافة إلى أحزاب توصف بأنها “علمانية”، وكذلك جلّ “التيار السلفي” خاصة في شرق البلاد.

هذا التباين في ليبيا حدث بفعل المواجهة في الإقليم، بين مسار الربيع العربي والثورات العربية من جهة، والدول المضادة والمناوئة للثورة، الأمر الذي شكّل معه هذا المشهد السياسي الداخلي في ليبيا، وتشكلت منه المحطات التي ولدت في سياقها قوى المشهد السياسي الحالي.  

عملية الكرامة وفجر ليبيا(2): انطلقت عملية الكرامة في 16 مايو/أيار 2014 بمدينة بنغازي في شرق ليبيا(3)، بهدف الوصول إلى السلطة في طرابلس؛ مما تسببت في زيادة حدة الصراع الدموي والانقسام السياسي في البلاد. حيث هاجمت قواتها مقار متعددة للثوار والكتائب الإسلامية في بنغازي، قبل أن تصل إلى حدود العاصمة طرابلس، ومن ثم توسع الصراع ليشمل العديد من مناطق البلاد.

تصدت “كتائب الثوار”، وقطاعات من الجيش الليبي، في طرابلس وبنغازي لعملية “الكرامة” وأطلقت على عملياتها التي بدأت في 13 يوليو/تموز 2014، اسم “فجر ليبيا”. وجاء ذلك بعد شهرين من بدء عملية الكرامة ضد الثوار في بنغازي. اعتبرت هذه القوى عملية الكرامة حركة مضادة للثورة، لإلغاء مكتسبات ثورة 17 فبراير، وأنها تمرد على الشرعية وعلى “المؤتمر الوطني العام” الذي جاء عقب إجراء أول انتخابات تشريعية في تاريخ ليبيا. وقد حظيت عمليات “فجر ليبيا” بتأييد قطاعات واسعة من أنصار الثورة والأحزاب والتيارات الإسلامية المختلفة.

اتفاق الصخيرات: اتفاق الصخيرات(4) أو الاتفاق السياسي الليبي هو اتفاق شمل أطراف الصراع في ليبيا، وتم توقيعه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات في المغرب بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر لإنهاء الصراع في البلاد المندلع منذ 2014. وقد بدأ العمل به لدى معظم القوى الموافقة عليه في 6 إبريل/نيسان 2016.

جاء هذا الاتفاق بعد صدور حكم المحكمة العليا ضد لجنة فبراير(5)، وبالتالي إبطال كل ما نتج عنها، أي إبطال الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2014، وأوجدت البرلمان الحالي، فدخلت البلاد حينها في أزمة شرعية برلمانية، أي شرعية بين المؤتمر الوطني العام والبرلمان الحالي.

 بموجب اتفاق الصخيرات، جرى تقاسم السلطة بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة(6)، الجسم الاستشاري المنبثق من المؤتمر الوطني العام. والجدير بالذكر أن أعضاء المؤتمر الوطني العام، انقسموا حول هذا الاتفاق بين مؤيد ومعارض، إذ اعتبره المعارضون تدخلا دوليا وإقليما في البلاد، وتجاوزا لحكم المحكمة العليا التي تبطل انتخابات 2014 البرلمانية، بينما اعتبره آخرون حلا للمشكل السياسي الحاصل في البلاد، وتماشيا مع الإرادة الدولية.

الإسلاميون في المشهد السياسي

يعتبر وجود الإسلاميين في المشهد السياسي الليبي إذا استُثني منهم “التيار السلفي” في كل المراحل التي مرت بها البلاد، يمثل التغيير ويقاوم عسكرة الدولة، فقد كان جُلُّ هذا التيار مع عملية “فجر ليبيا”، وكذلك ضد عملية “الكرامة” ومقاوما لها، خاصة في سنة 2019 عند الهجوم على العاصمة طرابلس. لكن وجوده في الاتفاقات السياسية وخاصة التي ترعاها البعثة الأممية في البلاد يعتريه شيء من الارتباك وعدم الاتفاق، كما هو الحال في “اتفاق الصخيرات” سنة 2015، حيث انقسم الإسلاميون بين مؤيد ومعارض لهذا الاتفاق، وإن ساروا في ركابه جميعا عندما صار أمرا واقعا.

في المقابل لا يمكن اعتبار التيارات الإسلامية وحدة واحدة، فالاختلاف بينهم واضح وجلي، في الرؤى والتصورات، وكذلك الاستراتيجيات والتكتيكات والتنظيمات والجماعات، حتى أصبحت التعددية لديهم حقيقة واقعية، بل تجاوزت هذه التعددية التنظيمات المختلفة لتطول التنظيم الواحد نفسه(7)، سواء تلك التنظيمات التي كان لها دور سابق في العمل السياسي الليبي ولم يعد لها وجود حقيقي الآن، مثل الجماعة الليبية المقاتلة، والسلفية العلمية، وحزب التحرير الإسلامي، وجماعة التبليغ والدعوة، وغيرها، أو تلك التنظيمات “المتطرفة” التي انتهى وجودها في البلاد بالقوة، أمثال: أنصار الشريعة، والقاعدة، وصولا إلى تنظيم الدولة، لعدّة اعتبارات، لعلّ أبرزها عملية “البنيان المرصوص”.

قادت حكومة الوحدة الوطنية عملية “البنيان المرصوص” ضد تنظيم الدولة، خاصة في مدينة سرت التي شكل فيها قاعدة له في وقت سابق. هذا التنظيم أوجدته أصلا تطورات المرحلة التي مرت بها البلاد وغياب الدولة، وليس له جذور في المجتمع الليبي، ولكن وجود هذا التنظيم وأمثاله، أتاح فرصا لقوى أخرى كي تفرض واقعا سياسيا جديدا، كما هو الحال مع “عملية الكرامة”. فهذه الأخيرة عزت سبب وجودها إلى محاربة تنظيم الدولة وأنصار الشريعة، لكن أهدافها كانت أبعد من ذلك(8)، ولم تكن تلك المحاربة من الأولويات؛ بل كان فرض واقع سياسي جديد هو المحرك والدافع الأول لهذه العملية، وتبين ذلك جليا بعد عملية “البنيان المرصوص” التي قادتها حكومة الوفاق الوطني وأسفرت عن القضاء على هذا التنظيم في مدينة سرت الليبية بدعم دولي، حيث حققت حكومة الوفاق الوطني آنذاك المدعومة من الأمم المتحدة انتصارا باهظ الثمن على هذا التنظيم(9)، في حين أن عملية الكرامة لم تحارب تنظيم الدولة في سرت رغم أنها كانت إحدى معاقلها.

أما على صعيد جذور التيارات الإسلامية، فقد كان لتنوعها دور كبير ومؤثر في نشأة المجتمع الليبي وتكويناته، وإن كان مصبوغا في العادة بالمذهب المالكي، والتصوف الإسلامي، نتيجة وحصيلة للامتداد التاريخي للحركة السنوسية(10) في البلاد وحُكمِها لها، غير أن هذا الامتداد لم يمنع من تَكَوُّن تيارات إسلامية أخرى، سياسية وعلمية وحتى جهادية عبر سنوات متتالية، أمثال: جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية العلمية، والجماعة الليبية المقاتلة، وصولا إلى تيارات مسلحة عقب الثورة، أمثال: أنصار الشريعة، والقاعدة، وصولا إلى تنظيم الدولة، وليس انتهاء بالكتائب المؤدلجة في شرق البلاد وغربها.

وللإسلاميين راهنا وجود فاعل في بعض مؤسسات الدولة، كالأوقاف مثلا يمثله التيار السلفي. وأيضا لجماعة الإخوان المسلمين وبعض الشخصيات المستقلة وجود في المجلس الأعلى للدولة ويمثلون نسبة كبيرة فيه. ويمكن القول بشكل عام إن للإسلاميين وجودا فعّالا في المشهد السياسي الداخلي وحتى الخارجي، فكل الحوارات التي قادتها البعثة الأممية لحل الأزمات المختلفة في البلاد كان للتيارات الإسلامية وجود وتمثيل فيها سواء بشكل استقلالي فردي، وإن كان ذلك لا ينفك عن التيار المنتمين إليه بطريقة أو أخرى، أو بمشاركة التيارات نفسها ممثلة باسم الجماعة أو التيار بذاته.

  1. جماعة الإخوان المسلمين

تعتبر جماعة الإخوان المسلمين من أهم التيارات الإسلامية الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي، وهي تسعى للدخول في السلطة بما يحقق أهدافها الداعية إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، تحكم بالشريعة الإسلامية، وتلتزم بالتداول السلمي على السلطة.

أدّت جماعة الإخوان المسلمين في الثورة الليبية دورا بارزا، عبر عمل جماعي منظم أو عن طريق أشخاص في الجماعة، ابتداء من تكوين “المجلس الوطني الانتقالي”(11) أول جسم يحكم البلاد بعد نجاح الثورة، مرورا بإنشاء “المؤتمر الوطني العام”(12) الذي كان أول جسم تشريعي يتم انتخابه من القاعدة الشعبية للمجتمع، وصولا إلى وجودهم في الاتفاق السياسي “اتفاق الصخيرات”(13)، والأجسام التي نشأت عنه، من “المجلس الأعلى للدولة”(14) وحكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي(15).

لكن قوة الجماعة في السلطة تراجعت لاحقا، ويعتبر وجودها في النظام السياسي راهنا وجودا غير فعّال بالدرجة التي كان عليها في السابق. فمثلا في غرب البلاد يرتكز ثقلها في المجلس الأعلى للدولة -الجسم الاستشاري- عبر أعضائها الذين يمثلون نسبة كبيرة فيه، أما الحكومة التنفيذية فليس لها تأثير حقيقي فيها. وقد مرت الجماعة بمنعطفات ومسارات متعددة في السنوات العشر الماضية، سواء على الصعيد الداخلي لها، أو الخارجي، ويمكن تلخيص أهمها في محطات ثلاث:

إنشاء حزب سياسي: عقدت الجماعة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011، مؤتمرا جامعا في بنغازي لأعضائها، وكان أول لقاء جامع للإخوان في ليبيا وضمَّ كثيرًا من إخوان الداخل والخارج، وقرَّروا فيه إنشاء حزب وطني مستقل عن جماعة الإخوان المسلمين(16). تأسس هذا الحزب بالفعل في 2012 تحت اسم حزب “العدالة والبناء”(17)، ليكون الفاعل السياسي الأبرز من بين كُتل سياسية إسلامية أخرى وغير إسلامية في الساحة السياسية في البلاد. وقد كانت هذه الخطوة هي الأهم للجماعة ومن أسباب تقويتها.

الانخراط في السلطة: أدت الجماعة في الساحة السياسية دورا بارزا في المجلس التشريعي الأول، المؤتمر الوطني العام، وكان لها أكثر من موقف وفعل سياسي داخل المؤتمر، سواء في اختيار رئيس الحكومة أو في القضايا السياسية المختلفة التي كانت تطرح تحت قبة المجلس التشريعي، الأمر الذي أهلها لأداء أدوار سياسية بارزة فيه في ذلك الوقت. لكن لما وصلت الجماعة إلى “اتفاق الصخيرات” انقسم أعضاء حزبها حوله، وإن كانوا قد أقروه.

الانقسام: انقسمت الجماعة في أعقاب إقرار اتفاق الصخيرات بين مؤيدين له ومعارضين، ولم يكن هذا الخلاف طارئا، بل كان يعكس نهجين يتعايشان في الجماعة، خاصة بين سنة 2014 و2021، وكان لذلك دور بارز في انقسام الحزب إلى قسمين، الأول: يرى أن الحزب لابد أن ينهج نهجا هادئا تقليديا، أي تجنُّب الصراعات السياسية مع القوى الأخرى والتركيز على الدعوة وبناء المجتمع. الثاني: يرى ضرورة مشاركة الحزب في العمل السياسي بفعالية وأن تكون له الأولوية، وأن يكون الحزب جزءا من التحولات السياسية محليا ودوليا.

انتهى هذا الاختلاف إلى الانقسام في المؤتمر العام للحزب في 19 يونيو/حزيران 2021، وقد توالت الاستقالات من المناصب العليا في الحزب(18)، وانتخب عماد البناني رئيسا لحزب العدالة والبناء، واتجه المعارضون إلى تكوين حزب جديد بأبجديات أخرى أطلق عليه “الحزب الديمقراطي”(19)، وجرى إشهاره في أكتوبر/تشرين الأول 2021 (20).

كما أن جماعة الإخوان المسلمين انتهت تنظيميا سنة 2021، فقد أعلنت الجماعة حل نفسها(21)، في 2 مايو/أيار2021، وتحوُّلها إلى جمعية دعوية هي “جمعية الإحياء والتجديد”(22) التي أصبحت الوجه الدعوي لحزب العدالة والبناء. وبالتالي فإن الخطاب العام للحزب لم يختلف عن خطاب الإخوان المسلمين السابق؛ فالحزب ذو مرجعية إسلامية، ويدخل في المشاركة السياسية من هذا القبيل، في كل برامجه، وتأخذ السياسة حيزا كبيرا من أعماله وبرامجه أكثر من الجانب الدعوي المحض الذي أصبح من اختصاص الجمعية. هذا المسار أفضى بالجماعة إلى الفصل فيها بين الحزب السياسي والجماعة الدعوية في السياق الليبي، ولم تستطع أن تستمر قوة فاعلة في المشهد السياسي الليبي كما بدأت.

إن التحولات التي مرت بها الجماعة كان سببها الرئيسي سياسيا، أي أنها تحول في مسار سياسي، ذلك أن “الحزب الديمقراطي” انتهج نهجا مخالفا لما يتبناه التيار المحافظ في الجماعة الذي يمثله الآن حزب “العدالة والبناء” برئاسة عماد البناني. غير أن الخلافات توسعت بين الطرفين أكثر، فقد ذهب “الحزب الديمقراطي” الوليد، إلى التحالف مع برلمان الشرق الليبي المؤيد لعملية الكرامة، الأمر الذي رآه المحافظون مسًّا بالثوابت والقيم التي تناهض عسكرة الدولة، وعودةً إلى مربع “الاستبداد”، باعتبار أن عملية الكرامة عملية “انقلابية” على المسار التشريعي في البلاد.

  1. التيار السلفي

التيار السلفي في حقيقته مصطلح كبير، وعباءة تحتوي الكثير من الاتجاهات المختلفة، والمتمايزة أيديولوجيًّا ومنهجيًّا، وهي: السلفية الجهادية، والسلفية السياسية الإصلاحية، والسلفية العلمية غير السياسية. ومن هذا المنطلق تميل الأدبيات الأكاديمية بعد كوينتن فيكتوروفيتش إلى هذا التقسيم(23). وفي ليبيا عرف هذا التيار واشتهر باسم “التيار المدخلي”، وهو خليط بين السلفية العلمية، والسلفية السياسية الإصلاحية التي تحمل السلاح(24)، ليس من أجل تغيير النظام، وإنما لحفظ مصالحها وأيديولوجيتها في غالب الأحيان. وهو تيار سلفي “متشدد” يعتمد في منهجه على أمرين: الولاء المطلق للسلطة الحاكمة والطاعة الكاملة للحكام والدفاع عن مواقفهم السياسية وسياساتهم مهما كانت، والهجوم المستمر على المخالفين، وخاصة من التيارات الإسلامية الأخرى(25).   

وفي المقابل هناك أيضا جزء من “السلفية العلمية” التي تشارك في مؤسسات الدولة السياسية الرسمية، وعادة ما يركزون جوهريًّا على الدعوة وعلى ضرورة طاعة الحاكم، ولا يمارسون العنف ضد الحاكم “المتغلب” ولا يشاركون في السياسة المؤسسية(26).

بشكلٍ عام، لا يسعى عموم التيار السلفي في ليبيا إلى وضع نظريةٍ للدولة، والتعمق في آليات الحكم والسلطات التنفيذية، بقدر توجهه للسير في ركب “السلطة الحاكمة”، “واتباع ولي الأمر”. وبذلك صنع حالة من التكيّف مع السلطات المتعاقبة، والترابط معها، ليشكّل بيئة مناسبة لممارسة نشاطه وأفكاره (27).

استفاد هذا التيار من مكاسب ثورة فبراير 2011، خاصة مكسبي الحرية وانتهاء الحكم الفردي المطلق، فأنشأ كثيرا من المدارس الخاصة والمعاهد الشرعية التي تدعم توجهاته، وشكل حالة دينية جديدة في المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه بالعادة المذهب المالكي والتصوّف. واستطاع التغلغل في المناطق النائية التي يتدنّى فيها مستوى التعليم والاقتصاد، فجعلها قاعدة خلفية له(28). كما عزز من وجوده الأساسي والمنظم داخل مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية منها، بل إنه وصل في مرحلة متأخرة إلى تأسيس كليات تعلمية شرعية تتبع للجامعات الرسمية التابعة للدولة تنظيميًّا، فضلًا عن وجود مدارس تعليمية خاصة به في مدينة طرابلس.

تنامى هذا التيار في العقد الأخير من عمر الدولة الليبية، سواء في المجال السياسي أو الأمني، من خلال وجوده في كتائب مسلحة سواء في شرق البلاد أو غربها وإن تميز كل منهما عن الآخر في توجهه السياسي والأمني، الأمر الذي أهله لممارسة نفوذ سياسي داخل الدولة، سواء في الصراعات الداخلية أو على صعيد الانحيازات والاستقطابات السياسية المختلفة، وعزز من وجوده في مؤسسات الدولة الرسمية باعتبار أنه كان منحازا لها ورافضا للتغيير. وقد اقتصر وجود هذا التيار بداية على الشأن الديني البحت في الدولة والمجتمع، إلا أن هذه المعادلة لم تستمر طويلا خاصة مع التغيرات والتقلبات الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد، ليصبح هذا التيار مؤيدا لعملية “الكرامة” في الشرق، وغير مؤيد لمعارضيها في الغرب.

وفي أول استحقاق انتخابي في البلاد عام 2012 لأعضاء “المؤتمر الوطني العام”، ذهب كثير من الفاعلين في هذا التيار إلى ضرورة المشاركة في الانتخابات السياسية، بهدف منع التيارات الإسلامية الأخرى من الوصول إلى السلطة؛ إذ تحوّل الأمر عندهم من منع القوى الأخرى من معارضة الحاكم أو الاعتراض عليه سياسيا، إلى ضرورة المشاركة السياسية لإسقاط التيارات الأخرى، خاصة الإسلاميين، ومنعهم من الوصول إلى الحكم. وعلى مستوى آخر تحوّل هذا التيار من منع وتحريم المشاركة السياسية في الدولة، إلى أكبر داعم لها ضد تيار الإخوان المسلمين ومن يسير على نهجهم في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة 17 فبراير(29).

تبدو المجموعات السلفية اليوم أقرب إلى المجموعات الشبكية من نمط التنظيم التقليدي؛ مما جعلها أكثر مرونة في التعامل مع الانقسام السياسي. فلم تنشغل مثلا بالخلاف الحكومي والانقسام الحاصل فيه، بل اهتمّت بتوطيد مكانتها السياسية والأمنية داخل البلاد، بهدف التمكين لنموذجها الديني(30).

قبل “عملية الكرامة” (2014) كانت التيارات المختلفة في البلاد ومنها التيار الإسلامي، وخاصة السلفي، تتنافس سياسيا على أربع جبهات: الجبهة الإعلامية، والجبهة المؤسسية السياسية، والجبهة الدستورية، وجبهة القوة الصلبة المسلحة(31).

ولكن بعد ذلك اصطف هذا التيار السلفي في شرق البلاد مع “عملية الكرامة”، محاربا في صفوفها، ومدافعا عنها، وبذلك تمازجت أفكاره مع الفكر العسكري. بل وجدت عملية “الكرامة” ضالتها في هذا الفكر والنهج، فقدمت له الدعم، مقابل وقوف هذا التيار مع عملية الكرامة في القتال وتخطئة كل من يصطف ضدها.  

ظهرت في هذه المرحلة عدّة مصطلحات وصف بها هذا التيار مخالفيه، لعلّ أبرزها وصفه بـ”الخوارج” كل من يقف ضد عملية الكرامة. وقد وجد قادة هذه العملية، وكذلك الدول الداعمة لها إقليميا ودوليا، في هذا التيار حليفا دينيا محليا قويا، فقدموا له الدعم للاستفادة منه في هذه “العملية” من جهة، وليكون حركة مضادة للتيارات الإسلامية الأخرى الموجودة في البلاد من جهة أخرى.

فقد تعزز وجود سلفيي الغرب الليبي في الخطاب الديني المؤسسي في هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية(32). وتحظى هذه المؤسسة بدعم إحدى أهم القوى العسكرية في طرابلس، “قوات الردع الخاصة”. والجدير بالذكر أن هذه الأخيرة لم تُعلن انضمامها إلى قوات “الكرامة”، بل على العكس شاركت إلى حد ما في صد الهجوم على طرابلس في 2019(33)، الذي قامت به عملية الكرامة وباء بالفشل(34).

والخلاصة أن هذا التيار منقسم عمليا وليس أيديولوجيا إلى قسمين، الأول في شرق البلاد ويتبع عملية الكرامة ويتوجه بإمرتها أمنيا وسياسيا، في عملية تزاوج مصلحي بيروقراطي بينهما، إذ إن كل طرف يقدر مصلحته مع وجود الطرف الآخر، باعتبار أن هذا التيار يرى في عملية الكرامة راعية له من جهة، وحليفا له ضد التيارات الإسلامية الأخرى من جهة أخرى.

وأما الثاني ففي الغرب الليبي، وإن كان لم تظهر معالم تأييده الواضح لتوجه معين في العملية السياسية إلا أن سلوكه وتوجه يبين ذلك، إذ الغالب عليه الركون إلى كل عملية سياسية أو حكومة جديدة تكون واقعا في البلاد، وإذا كان ذلك ليس على الإطلاق فإنه الغالب حتى الآن، باعتبار قابلية وقدرة هذا التيار على التكيف مع أي سلطة قائمة أو تستجد في البلاد.

كما أثبت سلوك هذا التيار، أن علاقة السلفيين بالسياسة أكثر غموضًا وتعقيدًا، إذ يغلب عليه “التصرف بشكل غير سياسي” في “عالم سياسي” في حالاتٍ عديدة، كما يفتقر عموم التيار السلفي في ليبيا إلى القيادة الموحدة والهياكل التنظيمية. وكذلك فإنه أيدولوجيا لا يحظر سلوكا سياسيا معينا، فقد اختلف مثلا الفعل السياسي ممن كان منه في الشرق عمن كان منه في الغرب الليبي، دون إنكار قوي من قبل أي منهما على الآخر.

  1. الشخصيات الإسلامية المستقلة

تؤدي كثير من الشخصيات الإسلامية في البلاد دورا بارزا في العملية السياسية فيها، ولا سيما أن المجتمع الليبي محافظ في سلوكه في أغلبه؛ مما جعله مستجيبا لتوجهات العلماء في كثير من القضايا السياسية العامة، وبالفعل استجاب كثير من أبناء البلاد مثلا في شرق البلاد وغربها، وشاركوا بفعالية في ثورة 17 فبراير/شباط بناء على فتاوى علماء دين محليين لهم مكانة في المجتمع الليبي. من أبرز هؤلاء الشيخ الدكتور الصادق الغرياني(35)، فقد أفتى بوجوب المشاركة رجالا ونساء ضد النظام السابق “والجهاد ضد طغيان كتائبه”، ليتولى فيما بعد منصب مفتي الديار الليبية، وقد أدى دورا بارزا في العديد من القضايا السياسية، وشكل مظلة لكثير من الإسلاميين داخل البلاد وخارجها.

ومن القيادات الإسلامية الأخرى التي برزت بعد الثورة، نوري أبوسهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام سابقًا، الذي أنشأ تيار “يا بلادي”، وهو في حقيقته رابطة تجمع الإسلاميين المستقلين، وقد تقارب معه كثير من الأحزاب الأخرى. كما اهتم أبو سهمين وتياره بالقضايا الداخلية، ولا سيما أنه برّر نشأة تياره بمواجهة التهديد الخارجي ورفض انتهاك السيادة، ثمّ مواجهة الفساد والانقلاب(36).

ومن الملاحظ أن غالب الشخصيات المستقلة، يجمعها مطلب استقلال الدولة بعيدا عن التدخلات الإقليمية والدولية، ويرون أن اتفاق الصخيرات كان يجب ألا يكون، وأنه أحد أسباب تردي الدولة، وتسبب في خروج الملف الليبي من أيدي الليبيين، وتحول إلى ملف إقليمي ودولي تتجاذبه المصالح الدولية.

وممن يحسب على المستقلين -أيضا- في الحالة السياسية الليبية الحالية، أشخاص كانوا في حركات إسلامية قبل الثورة، مثل عبد الحكيم بلحاج رئيس “الجماعة الليبية المقاتلة” سابقا، الذي ارتكزت فاعلية تنظيمه بعد الثورة في شكل عمل حزبي تحت اسم “حزب الوطن”(37)، معتمدا على دور بلحاج(38) فيه، وليس على عمل مؤسسي حزبي، وقد تمكن من الوصول بنسبة ضئيلة جدًّا إلى المؤتمر الوطني عبر القوائم الفردية في انتخابات 2012(39).

توافق هذا الحزب -بأشخاصه وليس بكيانه التنظيمي- مع حزب “العدالة والبناء” على كثير من القرارات التي أصدرها المؤتمر الوطني العام، وكذلك في تأييدهما لعملية فجر ليبيا بعد الانقسام السياسي الذي بدأ يظهر خلال المرحلة الانتقالية، وفي رفضهما لعملية الكرامة، و”الانقلاب” على الإعلان الدستوري في فبراير/شباط 2014(40). من هذا المنظور، شهدت “الجماعة الليبية المقاتلة” تحولات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي، ومن ثم من العمل الحزبي إلى الفردي المستقل(41)، وهؤلاء المستقلون حاضرون في الساحة السياسية الحالية في البلاد، ومن أبرزهم بلحاج.

أدى “بلحاج” دورا في الثورة الليبية عام 2011 وصولا إلى تأسيسه “حزب الوطن” في إبريل/نيسان 2012، الذي أصبح منصة لمزاولة عمله السياسي. وكان لبلحاج دور في كل الأحداث التي مرت وتمر بها البلاد بشكل “شخصي ومستقل” بعيدا عن المسمى الحزبي هذا، أو حتى عن التيار الذي يمثله بطريقة أو أخرى أي تيار “الجماعة الليبية المقاتلة” سابقًا.

بالمجمل، فإن أبرز الرموز والشخصيات الإسلامية المستقلة كانت لها قواعد ثابتة ورؤى واضحة اجتمعت عليها في قضايا محلية وسياسية، كان لها أثر بالغ في الحالة السياسية اليوم في البلاد، أبرزها: دعم وتأييد قانون العزل السياسي(42) عقب الثورة، وتأييد عملية فجر ليبيا ضد محاولة “الانقلاب” على السلطة في 2014 من قبل عملية الكرامة. قد يكون الاستثناء اختلافها حول قبول “اتفاق الصخيرات”، لكنها قبلت نتائج حوار جنيف الأخير في فبراير/شباط 2021 والمجلس الرئاسي الجديد الذي نشأ عنه وحكومة الوحدة الوطنية الحالية.

مستقبل التيارات الإسلامية

إن طول فترة الانقسام السياسي في البلاد، أظهر كثيرا من إمكانات التيارات الإسلامية في الفعل السياسي، وكذلك في التكوين والنشأة والتطور، ابتداء من العمل الديني البحت، وصولا إلى التداخل والتدافع الكبير نحو السلطة السياسية.

من الواضح أن التيار السلفي بمجمله سيستمر على الأبجديات التي سار عليها من قبل، وسيحافظ على وجوده في المسار الذي اتخذه قدر الإمكان، سواء في الشرق أو الغرب الليبي. ولكن هذا ليس على الإطلاق، فقد يتحول من حالة إلى حالة أخرى يكون فيها طرفا في أي صراع سياسي مستقبلي، باعتبار قابليته للتكيف مع أي سلطة تكون أو تستجد في البلاد.

أما جماعة الإخوان المسلمين والقوى المؤيدة لها من شخصيات مستقلة وأحزاب سياسية أو ما يمكن أن نطلق عليه طيف “الثورة”، فهي التي تقع في محل التنازع، وما إذا كانت قادرة على الاستمرار فضلا عن التأثير في مستقبل ليبيا. ويمكن حصر السيناريوهات المتوقعة لهذه القوى في:

سيناريو بقاء قوى الثورة: إن التيارات الإسلامية في ليبيا، وخاصة المُنظمة سياسيًّا، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والتيارات التي تناصر الثورة، والشخصيات الإسلامية المستقلة، تملك القدرة على البقاء والتأثير في مستقبل ليبيا السياسي، لأسباب عدة من أبرزها:

أولا: أنها تعتمد على “القوة المسلحة” على الأرض بالتوازي مع العمل السياسي، فهي ترى أن السلاح يضمن لها الحقوق السياسية والقدرة على البقاء السياسي، وليس الدستور ولا المؤسسات ولا حتى سيادة القانون، ولا حتى أصوات الناخبين وحدها. وهي ترى في هذا الخيار ضرورة لضمان وجودها وليس اختيارا لمبدأ العنف، بل هو وفق هذا المنطق دفاع عن الثورة وحماية لها من “الانقلابات” التي تحاك ضدها. في نهاية المطاف ستحجز القوة المسلحة لهذا الطيف مكانا في النظام السياسي الحالي ما لم تتغير قواعد اللعبة السياسية في ليبيا.

ثانيا: تمتاز هذه القوى بمرونة سياسية استثنائية رغم أنها عقائدية إسلامية، بل إن بعضها تحول إلى العمل السياسي المطلق وعقد تحالفات مع كل الأطياف السياسية، ليعزز من حضوره في اللعبة السياسية الداخلية، وليبقى جزءا من القوى التي يجب أن تراعيها القوى الإقليمية والدولية، ولا يكون الإقصاء والإبعاد في آخر المطاف هو مآله. ولتعزيز قوتها السياسية كانت جماعة الإخوان المسلمين قد فصلت العمل السياسي عن الدعوي، الأمر الذي سيساعدها على عقد تحالفات بمرونة عالية.

سيناريو إقصاء قوى الثورة: أي إقصاء وإبعاد جميع هذه التيارات بالقوة، وذلك بالاستعانة ببعض التيارات الصامتة سياسيًّا، مثل التيار السلفي، قياسا على ما كان في شرق البلاد، ليكون نموذجا معمما على كافة البلاد، وقياسا -أيضا- على ما كان في الدول المجاورة. لكن هذا السيناريو غير واقعي إلى الآن، لعدّة عوامل أبرزها: توازن القوة والسلاح بين أطراف الأزمة الليبية ومنها قوى “الثورة”، وبالتالي فإن هذه التيارات التي يمكن الاستفادة منها في هذا السيناريو ستبقى على ما هي عليه ولن يكون لها أثر جلي وواضح في العمل السياسي على الأقل في الأمد القريب.

خاتمة

لعل الدور الذي تؤديه التيارات الإسلامية في الوقت الراهن، والمآلات المستقبلية لها، متعددة بتعدد وجودها وتحولاتها. فجماعة الإخوان المسلمين، ستكون من التيارات الإسلامية الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي، وإن اعترتها بعض التغيرات والتحولات. وسينهج “حزب العدالة والبناء” نهج العمل السياسي الهادئ، بعيدا عن الخصومات السياسية قدر الإمكان، في حين سيركز “الحزب الديمقراطي” على عقد تحالفات سياسية جديدة لن تقتصر على التيار الإسلامي، بل ربما ستتعداه إلى تيارات وأحزاب أخرى.

ومن المؤكد أن التيار السلفي في الشرق سيستمر في دعم عملية “الكرامة” ونهجها السياسي، أما في الغرب الليبي فسيسير على نهجه الحالي قدر الإمكان، في مهادنة أي حكومة تحكم البلاد وتعزيز نفوذه في مؤسساتها. إضافة إلى استمرار حالة التنافر بينه وبين التيارات الإسلامية الأخرى داخل البلاد سواء تيار الإخوان المسلمين أو بعض الشخصيات الإسلامية المستقلة، بل قد يتجاوز هذا الخلاف الأفق السياسي إلى المذهبي، كالاختلاف مع أتباع المذهب الإباضي في البلاد، لما يمثله هذا التيار من مشروع مغاير له.

وبالنسبة للأحزاب التي تقف في صف الثورة بتياراتها المختلفة فغالبا ما تصطف في اتجاه واحد في كل تغيير يحدث في البلاد، بالرغم من التناقضات والمنعطفات التي تكون بينها، وإن أدى ذلك في مرحلة متقدمة إلى تحويل نفوذ أغلب هذه التيارات لخدمة الفاعلين الجدد المصاحبين للحكومات الانتقالية(43).

أما الشخصيات المستقلة، فهي مرشحة لأداء أدوار أكبر وأكثر فاعلية في أي مشهد سياسي جديد قادم، لسهولة الاتفاق عليها في ظل استحكام الخلاف بين الأطر الحزبية.

وبالتالي فإن هذه التيارات الثلاثة “الإخوان المسلمين، السلفية، المستقلين” هي التي ستشكل أي ديناميات مستقبلية في خريطة عمل الإسلاميين في البلاد، التي ستنعكس على الحالة السياسية فيها مستقبلا.

الفيتوري شعيب – كاتب ليبي واستاذ جامعي متخصص في العلوم الاسلامية والفكر الاسلامي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

  1. ينظر: أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2022م، ص 167.
  2. وهي عملية عسكرية قامت بها مجموعة من كتائب الثوار والدروع ضد ما أسموه بالتمرد على الشرعية، أي ضد عملية “الكرامة” في يوم 13 يوليو/تموز 2014، وذلك بعد شهرين من بدء عمليات الكرامة في بنغازي.
  3. “عنوان لعملية عسكرية قادها اللواء المنشق المتقاعد خليفة حفتر ضد كتائب الثوار والإسلاميين في ليبيا، وتسببت في زيادة حدة الصراع الدموي والانقسام السياسي في البلاد، حيث انطلقت العملية في 16 مايو/أيار 2014 بمدينة بنغازي في شرق ليبيا، وهاجمت قوات ما يسمى بالكرامة الثوار والكتائب الإسلامية، وبعد ذلك انتقلت العملية إلى العاصمة طرابلس، ومن ثم توسع الصراع ليشمل العديد من مناطق البلاد”. عملية الكرامة، الموسوعة، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 14 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3Vz73BD
  4. ينظر: “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 11يونيو/ حزيران2024):  https://bit.ly/3m4JMGv
  5. لجنة فبراير: وهي اللجنة التي تشكلت من المؤتمر الوطني العام سنة 2014 تحت القرار رقم 12 لسنة 2014 بشأن تشكيل لجنة لإعداد مقترح بتعديل الإعلان الدستوري ومقترح قانون انتخابات. وعرفت واشتهرت بعدها إعلاميا وسياسيا “بلجنة فبراير”.
  6. مرجع سابق، “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2024):  https://bit.ly/3m4JMGv
  7. حسن الترابي و (آخرون)، الإسلاميون والمسألة السياسية، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004م، ص 235-236.
  8. بدأ الحديث عن وجود جماعات إسلامية تنتمي لتنظيم الدولة نهاية عام 2013، في الشرق الليبي، وقد وجدت ما تسمى “عملية الكرامة” في ذلك حجةً لتعميم هذه الصفة على كل المعارضين السياسيين لهذه العملية، لإحداث وضع سياسي جديد، ومنها عملية “فجر ليبيا” التي جاءت ردا على هذه العملية، وبالتالي فلا يمكن قراءة عملية الكرامة في هذا الشأن إلا على أنها جاءت ضمن التدافع على السلطة لا أكثر.
  9. فقد كانت جل قوات حكومة الوفاق من مدينة مصراتة، وتشكيلات مسلحة أخرى من الغرب الليبي.
  10. تعتبر الحركة السنوسية حركة دعوة دينية، منذ تأسيسها على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي الخطابي (1787- 1859) الذي دعا إلى ضرورة العمل من أجل إحياء الملة الإسلامية وتوحيد الصفوف في العالم الإسلامي للنهوض بالدين الحنيف نهضة صحيحة قوية، وأنشأ لذلك الزوايا الصوفية التي تقوم بتحفيظ القرآن، ودراسة الفقه، وتلاوة الأوراد، فضلًا عن دخولها في العمل السياسي بطريقة غير مباشرة عبر دعمها لسلطة الملك إدريس السنوسي آنذاك. ينظر: د. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، بدون مكان نشر، دار الفكر العربي 1948، ص12، ومحمود أحمد الديك، أثر الدين في حركة الجهاد في أفريقيا، ليبيا أنموذجًا، ليبيا – زليتين: مجلة الجامعة الأسمرية، العدد الساس، السنة الثالثة 2006، ص 226.
  11. المجلس الوطني الانتقالي هو هيئة تأسست في ليبيا في فبراير 2011 بعد الانتفاضة الليبية التي أدت إلى الإطاحة بالنظام السابق، وتألف المجلس الوطني الانتقالي من مجموعة من الشخصيات الليبية السياسية والاجتماعية والعسكرية، وهدفه الرئيسي هو تمثيل المجتمع الليبي والعمل على إدارة شؤون البلاد خلال فترة الانتقال إلى الديمقراطية. وقد تم تحويل المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام في عام 2012 بعد الانتخابات العامة في ليبيا. ينظر: المجلس الوطني الانتقالي، المجمع القانوني الليبي، العدد 117 (تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3xun43J
  12. المؤتمر الوطني العام هو المؤسسة السياسية الرئيسية في ليبيا، وقد تم إنشاؤه عام 2011 بعد الثورة الليبية وتأسيس حكومة انتقالية. ويتكون المؤتمر الوطني العام من 200 عضو يمثلون مختلف مناطق البلاد وفئاتها، مهمتهم الرئيسية وضع دستور جديد للبلاد واختيار رئيس الوزراء والحكومة الجديدة. وقد انتهت مهمة المؤتمر الوطني العام عام 2014 عندما تم انتخاب المجلس النيابي الليبي ليكون هيئة تشريعية جديدة. ينظر: المؤتمر الوطني العام، المجمع القانوني الليبي، العدد 431، تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3VQk1fx
  13. ينظر: “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2024) https://bit.ly/3m4JMGv
  14. المجلس الأعلى للدولة هو مؤسسة تنفيذية وهيئة استشارية أسست في ليبيا بعد اتفاق الصخيرات الذي وقع في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015 تحت رعاية الأمم المتحدة بهدف وضع حد للصراع والانقسام السياسي. ينظر، الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للدولة، تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://hcs.gov.ly/
  15. حكومة الوفاق الوطني الليبية هي حكومة منبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، بإشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقيادة الألماني مارتن كوبلر بعد تكليفه بديلًا عن خلفه الإسباني برناردينو ليون. وتمت المصادقة على الاتفاقية بالإجماع من قبل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، الذي رحب بتشكيل مجلس رئاسي لليبيا واعترف بحكومة الوفاق الوطني بصفتها السلطة التنفيذية الشرعية في ليبيا.

See: Unanimously Adopting Resolution 2259 (2015), Security Council Welcomes Signing of Libyan Political Agreement on New Government for Strife-Torn Country. UNITED NATIONS, 23 DECEMBER 2015, (accessed: 9 June 2024(:https://bit.ly/3VzkWzF

  1. الحركات الإسلامية في ليبيا بعد الثورات العربية: التحولات والمستقبل، نزار كريكش، مركز الجزيرة للدراسات، 6 سبتمبر/أيلول 2016، (تاريخ الدخول: 9 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3KUHPZo
  2. أحد أهم الأحزاب التي تأسست بعد نجاح الثورة في ليبيا، مرجعيته إسلامية ويضع ضمن أولوياته المستقبلية إعادة الأمن والاستقرار إلى البلد. وعقد حزب العدالة والبناء مؤتمره التأسيسي في 3 مارس/آذار 2012 بحضور أكثر من 1300 عضو مؤسس، ويوصف الحزب بأنه حزب إسلامي مقرب من جماعة الإخوان المسلمين، لكن قادته يرفضون ذلك ويصرون على أنه حزب مدني مفتوح للجميع، ومنفصل إداريا وتنظيميا وماليا عن الجماعة. ينظر: حزب العدالة والبناء، الموسوعة، الجزيرة نت، 10 فبراير/شباط 2014، (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3RAr3T2
  3. انتخب أعضاء المؤتمر العام الثاني لحزب العدالة والبناء، عماد البناني، رئيسا للحزب، خلفا لمحمد صوان، وجاء اختيار البناني في الانتخابات التي أجراها الحزب في مؤتمره الاستثنائي الذي عقد في العاصمة طرابلس بعد حصوله على مئتين وواحد وثلاثين صوتا من أصل مئتين وسبعة وتسعين من المشاركين في المؤتمر. ينظر: عماد البناني يفوز برئاسة حزب العدالة والبناء خلفا لصوان، قناة ليبيا بانوراما، (تاريخ الدخول: 12 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3VTQi4r
  4. جاء في الموقع الرسمي للحزب تعريفا للرؤي التي ينتهجها أنه: “حزب وطني لكل الليبيين، يسعى لأن تكون ليبيا دولة ذات مؤسسات دستورية، مدنية، لا مركزية، تقوم على مبادئ الديمقراطية الاجتماعية والتعددية الحزبية، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، بما يحفظ للمواطن حقوقه، ويعزز حرياته وأمنه وكرامته، ويلبي احتياجاته، ويحقق رفاهيته، ويحافظ على الوحدة الوطنية والاستقرار والأمن؛ حزب يدافع عن سياسات العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، ويراهن على قوة وحصانة مؤسسات الدولة وفعاليتها وكفاءتها وشفافيتها، ويعتمد على التوافقات وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، بعيدا عن التفرد والإقصاء والاستبداد”. الموقع الرسمي للحزب الديمقراطي، (تاريخ الدخول: 12يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/4calrXZ
  5. الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، خيري عمر، العربي الجديد، 19 يونيو/حزيران 2024، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  6. تم حلّ الجماعة واستبدالها بمؤسسة دعوية تثقفية هي “جمعية الإحياء والتجديد”، في حين أن حزب العدالة والبناء بقي يؤدي الدور السياسي ضمن سلوكيات وأبجديات الجماعة.
  7. جاء في النبذة التعريفية في الموقع الرسمي لها: “إن جمعية الإحياء والتجديد هي ثمرة جهود مضنية للحركة الإسلامية في ليبيا، وتضحيات غالية، بذلها الدّعاة والعاملون لأكثر من خمسة عقود من الزّمن، منفتحة على كافة فئات المجتمع، تتطلع إلى الإسهام مع أبناء الوطن في معركة الوعي والإصلاح والبعث الحضاري. ولذلك فهي تعنى بتكوين الإنسان فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا وبدنيًّا وتسهم مع غيرها في إصلاح المجتمع ونشر الخير فيه بالوسائل المشروعة”. الموقع الرسمي لجمعية الإحياء والتجديد، (تاريخ الدخول: 12 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3KVUkUD
  8. Omar Ashour, how isis fights: The Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt (Edinburgh: Edinburgh University Press.2021)
  9. OP. CIT, Omar Ashour, how isis fights: The Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt).
  10. “المدخلية.. ورقة القذافي التي ورثها حفتر”، قناة ليبيا الأحرار، 10 يونيو/حزيران 2020م، (تاريخ الدخول: 20 أغسطس/آب 2024): https://bit.ly/3SX6j8H
  11. السياسة السلفية: السلفيون “السياسيون” و”الهادئون” في صراع الدولة الليبية، تأليف: فرجينيا كولومبير، ترجمة: كرم الحفيان، مركز المجد للبحوث والدراسات، (تاريخ الدخول: 20يونيو/حزيران 2024): https://n9.cl/nx0nl
  12. ينظر: الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  13. غدروا بسرت ويرقدون بطرابلس.. ما هي قصة مليشيات المداخلة في ليبيا؟، أحمد رمضان، موقع ميدان، 9 مايو/أيار 2019، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/حزيران 2024): https://2u.pw/IM63wm
  14. المرجع السابق.
  15. مرجع سابق، الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  16. مرجع سابق، أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، ص 167.
  17. مرجع سابق، السياسة السلفية: السلفيون “السياسيون” و”الهادئون” في صراع الدولة الليبية، https://n9.cl/nx0nl
  18. غدروا بسرت ويرقدون بطرابلس.. ما هي قصة مليشيات المداخلة في ليبيا؟، أحمد رمضان، موقع ميدان، 9 مايو/أيار 2019، (تاريخ الدخول: 28يونيو/حزيران 2024): https://2u.pw/IM63wm
  19. حرب طرابلس أو معركة طرابلس: هي عمليات عسكرية اندلعت في إبريل/نيسان 2019 واستمرت مع بعض التقطعات حتى يونيو/حزيران 2020 وحدثت المواجهات بعد هجوم قوات الكرامة، لمحاولة السيطرة على العاصمة الليبية، وقوبل الهجوم بمقاومة من قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، وانتهت الحرب بانسحاب قوات ما يسمى عملية الكرامة، واستعادة حكومة الوفاق الوطني الليبية للسيطرة على مناطق غرب ليبيا.
  20. فقيه مالكي ليبي، له مكانة كبيرة في المجتمع الليبي، ويعتبر من أهم الرموز الدينية في البلاد، وعُيّن مفتيا لليبيا بعد الثورة.
  21. مرجع سابق: الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  22. حزب سياسي ليبي ذو مرجعية إسلامية، ظهر في الساحة السياسية بعد ثورة 17 فبراير، يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإلى نظام ديمقراطي معتدل، تأسس في إبريل/نيسان 2012، برئاسة عبد الحكيم بلحاج الرئيس السابق للمجلس العسكري لطرابلس، يضمّ طائفة متنوعة من النشطاء السياسيين، بينهم أعضاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة، وإخوان مسلمون، وآخرون. ينظر: حزب الوطن، الموسوعة، الجزيرة نت، 10 فبراير/شباط 2014، (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3yFvIx6
  23. أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2022م، ص 176.
  24. ينظر: الحركات الإسلامية في ليبيا بعد الثورات العربية: https://bit.ly/3KUHPZo
  25. Libya, Extremism, & the Consequences of Collapse,” The Soufan Group, (accessed: 13 June 2024(: https://n9.cl/mn2wr
  26. أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، ص 167.
  27. سنّ المؤتمر الوطني الليبي العام (البرلمان) بشبه إجماع في 5 مايو/أيار 2013 قانون العزل السياسي، الذي يضبط المسؤوليات والوظائف التي يُمنع من تولاها في النظام السابق من تقلد أي  مناصب قيادية في مؤسسات الدولة الليبية الجديدة لمدة عشر سنوات. قانون العزل السياسي في ليبيا، الموسوعة، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 14 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3XAeDi4
  28. الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، مرجع سابق، (تاريخ الدخول: 1يوليو/تموز 2024): https://bit.ly/45vYQCV



تونس: الانتخابات الرئاسية السياقات والتوقعات

تجري في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2024 انتخابات رئاسية في تونس لا يُعتقد أن تفضي إلى تغيير. فقد جرت هندسة المسار الانتخابي بطريقة من شأنها أن تضمن استمرارية الوضع القائم وبقاء الرئيس سعيد في منصبه، كل ذلك ضمن سياقات سياسية وقانونية واقتصادية وإقليمية مساعدة.


تشهد تونس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2024 انتخابات رئاسية هي الثالثة منذ قيام الثورة. لكن هذه الانتخابات هي الأولى بعد 25 يوليو/تموز 2021، تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيد حزمة من الإجراءات الاستثنائية، شملت تعليق العمل بالدستور وتجميد عمل البرلمان وحل الحكومة. بناء على تلك الإجراءات، جمع سعيد كل السلطات بين يديه وأدار البلاد بمراسيم رئاسية منح بمقتضاها لنفسه سلطات تنفيذية وتشريعية مطلقة، لا رقابة عليها، وشكل لاحقا حكومة اختار هو رئيسها ووزراءها، تعمل تحت إشرافه وتنفّذ برنامجه.

تأتي هذه الانتخابات بعد ثلاثة أعوام من السيطرة الكاملة لسعيد على الحكم، أحدث خلالها تغييرات جوهرية على النظام السياسي، وأعاد تشكيل المشهد العام في البلاد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لذلك، تجري الانتخابات القادمة ضمن سياقات مختلفة تماما عن السياقات التي أجريت فيها المنافسات الانتخابية السابقة التي شهدتها عشرية الانتقال الديمقراطي بين عامي 2011 و2021. فكيف نفهم الاختلاف بين تلك السياقات؟ وما أثر ذلك على هذه الانتخابات وما ستفضي إليه من نتائج؟

سياق دستوري وقانوني ملتبس

تأتي الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء العهدة الرئاسية الأولى للرئيس قيس سعيد الذي انتخب في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بدعم من جل القوى السياسية في الدور الثاني من الانتخابات. وكغيرها من المحطات الانتخابية التي جرت بعد 25 يوليو/تموز 2021، تجرى هذه الانتخابات، كاستحقاق قانوني ودستوري، حرصت منظومة الحكم التي يقودها قيس سعيد على الوفاء به، ولكن على طريقتها ووفق معاييرها وآليات تنظيمها للتحكم في مسارها ونتائجها.

فقد كانت تلك المحطات الانتخابية مثيرة للجدل والانتقادات الواسعة، إذ جرت بطريقة مخالفة للتقاليد الانتخابية التي عرفتها تونس منذ الثورة. وقد قاطع الناخب التونسي بشكل واسع وغير مسبوق تلك الانتخابات، التي شهدت عزوفا لم تعرفه تونس في تاريخ انتخاباتها منذ الاستقلال. فبعد سيطرة قيس سعيد على الحكم في 2021 جرى تنظيم استشارة قانونية، ثم استفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي وضعه الرئيس بنفسه، ثم انتخابات برلمانية تلتها أخرى جهوية. وسجلت كل تلك المحطات التي دعي فيها الناخبون إلى التصويت نسب مشاركة وصل بعضها إلى أقل من 10 بالمئة، ولم تتجاوز أعلى مشاركة فيها 25 بالمئة وكانت في الاستفتاء على الدستور. وبسبب العزوف والمقاطعة لم تجر انتخابات في العديد من الدوائر الانتخابية البرلمانية نظرا لغياب مترشحين يتنافسون فيها، كما لم تشهد دوائر أخرى أي منافسة بسبب وجود مترشح وحيد دون منافس.

تعتبر طبقة سياسية واسعة ومنظمات وطنية وخبراء قانون أن المرجعية الدستورية للانتخابات الرئاسية المقبلة هي دستور 2014، وما انبثق عنه من قانون انتخابي منظم للعملية الانتخابية، بينما تؤكد وتتمسك منظومة الحكم الحالية بالدستور الذي وضعه قيس سعيد في 2022، وما انبثق عنه من قوانين انتخابية منظمة وتتخذ ذلك مرجعية للانتخابات، على اعتبار أن دستور 2014 ألغي بصدور الدستور الجديد. وبعدما بدا من تماه شبه كامل للهيئة المشرفة على الانتخابات مع خيارات السلطة القائمة وتوجهاتها وممارساتها، رجحت كفة القائلين بأن لا مرجعية لدستور 2014 الملغى على الانتخابات.

إلى جانب الجدل بشأن المرجعية الدستورية والقانونية للانتخابات، ينتقد مراقبون أداء ومواقف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ويعيبون عليها الانزياح في موقفها الصارم والمبدئي في الدفاع عن استقلاليتها وصلاحياتها، إلى تبني موقف رخو متساهل مع ما تمليه وتحرص السلطة الحالية على تمريره للتأثير وتوجيه الانتخابات وضبط إيقاعها.

فقد اعتبر نافع حجي، رئيس شبكة “مراقبون”، وهي منظمة تعنى منذ عام 2011 بمراقبة الانتخابات في تونس، أنّ هذه الانتخابات تتسم بالضبابية من حيث رزنامتها، فضلًا عن عدم احترام الهرم القانوني بإضافة شروط للترشح. وقال حجي: “هناك إجماع قانوني علمي على أنّه لا يمكن لهيئة الانتخابات إضافة شرط من الشروط بمقتضى السلطة الترتيبية التي لديها”، مؤكدًا ضرورة احترام الهرم القانوني، الذي يقتضي علوية الدستور ثم القانون ثم النصوص الترتيبية للهيئة التي تخص القانون الانتخابي. إن ما حصل في هذه الانتخابات، حسب حجي، هو “أن شروطًا جديدة أضيفت في القانون المستند إلى دستور 2022 تتعلق بالجنسية والسن والحقوق المدنية والسياسية للمترشحين لخطة رئاسة الجمهورية”(1). لذلك فإن ثمة حاجة لـ”ملاءمة القانون الانتخابي الصادر في 2014، مع الشروط الجديدة”، ولا يتم ذلك، حسب تقديره، إلا عبر المرور بمجلس النواب، إما بمقترح من 10 نواب أو بمقترح قانون من رئاسة الجمهورية. وذلك هو التمشي القانوني السليم بإجماع الخبراء والهيئات التي تعنى بالانتخابات.

إضافة إلى هذه الإخلالات، واجه المترشحون إجراءات معقدة جدا في جمع التزكيات المشترطة في الترشح. ويرى كثيرون أن تلك الإجراءات وُضعت بالأساس لتقويض فرص العديد من المترشحين في قبول ملفاتهم حتى وإن نجحوا في الحصول على النصاب القانوني وهو 10 آلاف تزكية، بسبب اشتراط أن تكون صادرة عن عشر دوائر انتخابية، وألا يقل عدد التزكيات في كل دائرة عن 500 تزكية.

انعكست هذه الإجراءات الجديدة معطوفة على بعض التضييقيات، على حظوظ المرشحين الجديين، من خلال القرار الذي أعلنته الهيئة المشرفة على الانتخابات في 10 أغسطس/آب الجاري، والذي يقضي بقبول ملفات 3 مترشحين فقط للانتخابات الرئاسية، بينهم ملف ترشح الرئيس قيس سعيد، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، الذي كان من أشد الداعمين للرئيس الحالي ولمسار 25 يوليو الذي تعتبره جل القوى السياسية انقلابا. أما المترشح الثالث المقبول فهو النائب البرلماني ورجل الأعمال عياشي زمال، الذي يعتبر من المعارضين لمسار الخامس والعشرين من يوليو. بيد أن هذا المرشح استدعي للمثول أمام قاضي التحقيق بعد ساعات من إعلان هيئة الانتخابات قبول ملف ترشحه، وهو يواجه تهما تتعلق بتجاوزات في جمع التزكيات. وقد اعتقلت المكلفة بجمع التركيات في حملته وأودعت السجن؛ ما يرجّح إخراجه من السباق الانتخابي، الذي أصبح شبه محسوم لصالح قيس سعيد. وقد واجهت هيئة الانتخابات عقب إعلانها حصر الملفات المقبولة في ثلاثة، انتقادات واسعة من المعارضة وجماعات حقوقية وخبراء قانون، يقولون إن إقصاء مرشحين جديين يهدف لإفساح المجال أمام سعيد للفوز بولاية ثانية دون منافسة. وكان لافتا إصدار محاكم تونسية أحكاما استعجالية تقضي بالسجن فضلا عن عقوبة الحرمان من الترشح للانتخابات الرئاسية مدى الحياة ضد عدد من المترشحين. وشمل هذا الإجراء العديد من المترشحين الذين يعتبر بعضهم من المنافسين الجديين لقيس سعيد(2).

وكان لافتا الإصرار على قرار إقصاء ثلاثة مرشحين للانتخابات الرئاسية رغم صدور قرارات استئنافية من المحكمة الإدارية في تونس بإعادتهم إلى السباق الانتخابي، بعد أن رفضت هيئة الانتخابات قبول ترشحهم. هؤلاء المترشحون هم عبد اللطيف المكي ومنذر الزنايدي وعماد الدايمي. ورغم الصفة الإلزامية والباتة لقرارات المحكمة الإدارية وفق القانون، وحسب تأكيد أهم رجال وخبراء القانون في تونس، فقد أعلنت هيئة الانتخابات، في قرارها الصادر بتاريخ 2 سبتمبر/أيلول 2024 عدم أخذها بقرارات المحكمة الإدارية. واعتبرت أنها هي وحدها التي تملك صلاحية التقرير النهائي بشأن من يحق له الترشح. وأعلنت الهيئة تثبيتها لقرارها الأول باعتباره القرار النهائي والبات وغير القابل للطعن بأي وجه من الوجوه بقبول ثلاثة مترشحين فقط، هم الرئيس الحالي قيس سعيد، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، ورجل الأعمال المعتقل العياشي زمال. وقد اعتُقل زمال قبيل ساعات من إعلان هيئة الانتخابات قرارها النهائي بشأن المترشحين لخوض السباق الانتخابي.

السياق السياسي: منظومة حكم فردي كرسها دستور 2022

تجري الانتخابات الرئاسية في سياق سياسي تشهد فيه تونس حالة من الانغلاق تراجعت فيها التعددية السياسية، وانحسر دور الأحزاب بشكل غير مسبوق. وهمّش المجتمع المدني بما في ذلك منظماته الكبرى، التي كانت بارزة في المشهد السياسي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين(3). فقد كرّس نظام الحكم بعد 25 يوليو/تموز 2021 منظومة فردية استحوذ فيها الرئيس على كل الصلاحيات. فسيّر البلاد بالمراسيم والأوامر، ووضع عام 2022 دستورا أشبه بالدستور الممنوح، لم تشارك في صياغته أي جهة سياسية أو اجتماعية. وفرض سعيد في هذا الدستور نظاما رئاسيا مطلقا، لا دور تشريعيا فيه ولا رقابيا للبرلمان

ومن خلال موقعه رئيسا للجمهورية، مضى سعيد في تنزيل رؤيته السياسية لطبيعة المشهد السياسي. تقوم تلك الرؤية على مرجعية مختلفة تماما عن المرجعية التي تأسست عليها مرحلة الانتقال الديمقراطي على مدى عشر سنوات، وتعتبر أن النظام البرلماني التمثيلي أفلس في العالم كله. فعندما سئل عن دور الأحزاب السياسية والبديل عن التنظيم السياسي القائم على التعددية الحزبية أجاب بأن “الأحزاب جاءت في وقت معين من تاريخ البشرية، وبلغت أوجها في القرن الـ19 والقرن 20 ثم صارت بعد الثورة التي حدثت على مستوى وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة أحزابا على هامش الدنيا، في حالة احتضار. ربما يطول الاحتضار لكن بالتأكيد بعد سنوات قليلة سينتهي دورها”. وعندما سئل هل سيكون إلغاء الأحزاب من بين إصلاحاتك السياسية؟ رد بكل ثقة “لا لن ألغيها، التعددية ستبقى قائمة إلى أن تندثر وحدها”، مؤكدا أن “الأحزاب انتهى دورها”(4).

وفعلا، مضى سعيد بعد 25 يوليو/تموز 2021 في تهميش الأحزاب السياسية تدريجيا، مستعملا في ذلك مسارات متعددة، تراوحت بين تجاهلها تماما وعدم مشاورتها أو الحوار معها وبين التضييق عليها وشيطنتها إعلاميا. ووصل الأمر إلى حد تجميد بعض الأحزاب والتضييق على بعض آخر بما يشبه الحظر، كما هو شأن حركة النهضة التي صدر قرار من وزير الداخلية بإغلاق كل مقراتها ومنع انعقاد أي اجتماعات داخلها. وهو قرار لا يزال نافذا إلى اليوم رغم عدم وجود قرار قضائي بذلك(5). واتسعت دائرة استهداف السلطة للأحزاب السياسية من خلال إيداع أبرز رموز المعارضة السجن. شمل ذلك زعيم حركة النهضة أكبر الأحزاب السياسية، الذي كان يرأس مجلس نواب الشعب قبل تعليق أعماله ثم حله من قبل الرئيس قيس سعيد. وطال الاعتقال أمناء عامين لأحزاب سياسية وشخصيات سياسية بارزة، اتهموا جميعا بالتآمر على أمن الدولة، وهم يقضون أكثر من عام ونصف في الاعتقال دون أن يقدموا للمحاكمة أو توجه لهم تهمة واضحة. إلى جانب ذلك، يقبع العديد من الصحفيين والمدونين في السجن بتهم على أساس المرسوم 54 المثير للجدل، الذي تعتبره المنظمات الحقوقية مرسوما يستهدف حرية التعبير ويجرّمها.

في هذه المناخات، انحسر الزخم السياسي للأحزاب السياسية بشكل متسارع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وتراجع دور المنظمات وجمعيات المجتمع المدني بشكل لافت، لا سيما مع الاتهامات المتكررة التي يرددها الرئيس سعيد وتشكك في ولاء تلك المنظمات وفي شفافية تمويلها ونشاطها. لقد رسّخت الإجراءات الأحادية الفردية التي اتخذها الرئيس سعيد ومنظومة الحكم الجديدة نظاما سياسيا مختزلا كلّيًّا في رأس السلطة، في غياب كامل لأي معنى لاستقلال السلطات أو توازنها. ورغم وجود مجلس لنواب الشعب (برلمان) فإن دوره هامشي، ولا يتمتع بأي صلاحية للرقابة على عمل الحكومة أو محاسبتها. وتختزل مهمته الأساسية في المصادقة على مشاريع القوانين والقروض التي يطرحها الرئيس مباشرة أو عبر الحكومة.

ولا تبدو الحكومة في المجمل مختلفة عن البرلمان، إذ يختار الرئيس أعضاءها، وهم في الغالب من خارج البرلمان ومن خارج الأحزاب السياسية. ويشدد سعيد على أن رئيس الحكومة مجرّد مساعد لرئيس الجمهورية ومنفذ لسياساته ومطبق لبرنامجه. ويمثل الوزراء في الغالب أمام الرئيس مباشرة لمتابعة مهامهم الوزارية أكثر مما يمثلون أمام رئيس حكومتهم. في هذا السياق، يمكن القول إن المشهد السياسي أصبح مختزلا في شخص الرئيس، ومتمركزا حول رئاسة الدولة. فللرئيس الصلاحيات المطلقة في رسم السياسات وسن التشريعات والإشراف على القضاء بعد أن أعاد الرئيس تعريفه باعتباره وظيفة وليس سلطة مستقلة. كما دأب على تقريع القضاة على تأخرهم في إصدار الأحكام، أو على عدم تسريع التحقيقات القضائية.

على صعيد الإعلام، الذي تحول بدوره إلى أداة دعاية للرئاسة وأنشطتها، تراجعت تونس في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، حسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، من المرتبة 73 في سنة 2020 إلى المركز 121 في 2023 من بين 180 دولة يشملها التصنيف(6). ويعتبر هذا التراجع المتسارع في تصنيف تونس في مجال الحريات مؤشرا واضحا على الأثر الكبير لما قام به قيس سعيد في 25 يوليو/تموز من إنهاء العمل بالدستور وحل البرلمان والحكومة، وإعلان إجراءات استثنائية، وإدارة البلاد بالمراسيم الرئاسية، التي أطلقت سلطة الرئيس. ومثّل المرسوم 54، الصادر في سبتمبر 2022، تحولا جوهريا في اتجاه التضييق على الحريات، وعلى رأسها حرية التعبير.

السياق الاقتصادي والاجتماعي

كان من أبرز التبريرات التي قدمها الرئيس التونسي قيس سعيد لإعلان الإجراءات الاستثنائية بحجة الخطر الداهم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي عمّقتها جائحة كورونا. ولكن بعد مرور ثلاث سنوات على تفعيل سعيد للفصل 80 من الدستور وإعلان الإجراءات الاستثنائية، تجد تونس نفسها في مواجهة صعوبات اقتصادية واجتماعية متفاقمة تتعقّد وتتعمّق بشكل متسارع. يظهر ذلك في ركود النمو الاقتصادي، والاختلالات في التوازنات المالية، وتفاقم الأزمة الاجتماعية على جميع المستويات. 

تظهر كل التقارير الرسمية وغير الرسمية المتخصصة أن الاقتصاد التونسي يواجه امتحانا صعبًا خلال العام الجاري لتغطية احتياجاته من التمويل الخارجي، في ظل عدم إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي كان مبرمجا للتعاون في الإصلاح الاقتصادي بتمويل قيمته 1.9 مليار دولار. وقد اعتبر البنك الدولي أن تباطؤ النمو يضاعف من التحديات التي تواجهها تونس في تغطية احتياجاتها الكبيرة من التمويل الخارجي. فقد سجل الاقتصاد التونسي في الربع الأول من عام 2024 نموًّا لم يتجاوز 0.2 بالمئة، متراجعا عن نسبة 1.1 بالمئة التي سجلها في نفس الفترة من العام الماضي. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن الاقتصاد التونسي كان قد سجل نسبة نمو تقدر بـ0.4 بالمئة عام 2023، متراجعا عن نسبة 2.4 بالمئة خلال عام 2022(7).

وتلجأ تونس إلى الاقتراض السيادي لتمويل احتياجاتها الخارجية، حيث لا يمكنها النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية، ولا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمارات في السوق المالية محدودة. وفي ضوء قانون المالية لعام 2024، تعتزم الحكومة اقتراض نحو 5.2 مليارات دولار من الخارج، لسد جزء من الفجوة المالية المقدرة بنحو 9.155 مليارات دولار، من بينها عجز للميزانية بنحو 3.395 مليارات دولار.

وتعتمد تونس، وفق رؤية الرئيس سعيد المعلنة والمتحفظة على التداين الخارجي، بشكل متزايد على الاقتراض من البنوك المحلية، لا سيما البنك المركزي، لتمويل ميزانيتها، وفق تقرير البنك الدولي(8). وأدى هذا التحول إلى تعميق مواطن الضعف والاختلال في النظام المالي، كما تسبب التداين الحكومي الداخلي في مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على الاقتراض من البنوك المحلية. وتفيد التقديرات أن الحكومة ستقترض من البنوك الوطنية حوالي 3.745 مليارات دولار خلال العام الجاري وحده. وأظهرت وثائق رسمية أن الحكومة التونسية مطالبة بتسديد 4 مليارات دولار من الديون الخارجية في 2024، بزيادة 40 بالمئة على 2023، في ظل شح التمويل الخارجي المتوقع أن تحصل عليه الحكومة(9).

وينعكس تعثّر النمو على الأداء الاقتصادي المتردّي الذي تسجّله البلاد. وقد ساهمت الاختلالات الكبيرة في التوازنات المالية العامة في إرباك قدرة الحكومة على التصرّف. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الوضع القائم إلى أزمة مالية حادة، وقد تتسبب أي إجراءات تعديلية جذرية ومفاجئة في اندلاع أزمة اجتماعية وسياسية غير محسوبة.

وعلى عكس رهان الخبراء والمؤسسات المالية الدولية، لم يحدث أي إصلاح اقتصادي ولم يكن تحفيز النمو أولوية في برنامج الحكومية عام 2023. ما حدث هو تعمّق الانكماش الاقتصادي، حيث سجّل الناتج المحلي الإجمالي خلال الفصل الثاني من عام 2023 معدّل نمو سلبيًّا بنسبة 1.3 في المئة. وتشير التقديرات إلى أن معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 0.6 في المئة عام 2023، وهو الأداء الأسوأ منذ عام 2011 حسب تقرير مؤسسة كارنيغي(10).

وقد انعكس الانكماش الاقتصادي وتراجع النمو إلى ما دون الصفر أحيانا، بشكل مباشر، على حياة التونسيين. فالأغلبية تعاني من تدهور غير مسبوق في المقدرة الشرائية، مع الارتفاع المستمر في الأسعار. وزاد من تعقيد الأوضاع عجز الحكومة عن توفير السلع والمواد الأساسية في الأسواق، فبرزت ظاهرة الطوابير الطويلة أمام المحلات لاقتناء العديد من البضائع الشحيحة، وأصبح الحصول على الكثير من المواد الأخرى صعب المنال.

ومن مؤشرات الركود الاقتصادي وانكماش الاستثمارات وتراجع فرص العمل، ما سجله المعهد الوطني للإحصاء من ارتفاع لافت في نسبة الفقر من 23.2 بالمئة سنة 2023 إلى 33.6 بالمئة سنة 2024. وقد وثّق المعهد الوطني للإحصاء ومنظمة العمل الدولية نسبة 42.2 بالمئة من البطالة بين الشباب التونسي في الفئة العمرية الأقل من 25 عاما خلال العام الجاري، وهي النسبة الأعلى في تاريخ تونس(11).

وقد شهدت تونس خلال العامين الأخيرين قفزة حادة في أعداد المهاجرين غير النظاميين. يظهر ذلك في ركوب عشرات الآلاف من التونسيين البحر بطريقة سرية، محاولين الوصول إلى أوروبا بحثا عن فرص معيشية أفضل. وقد تضافرت العوامل السلبية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتجعل فكرة الهجرة حلم كل شاب تونسي، حتى وإن تطلب الأمر المغامرة بمغادرة البلاد في قوارب هجرة لا يتوفر في أغلبها الحد الأدنى من شروط السلامة (الحرقة كما تعرف في تونس).

ويعتقد العديد من المراقبين والقوى السياسية الفاعلة في البلاد أن الأوضاع ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة، مع تكريس حالة الهشاشة العامة بسبب المصاعب المتراكمة والمتفاقمة. وما لم تحدث إصلاحات عميقة وشاملة، تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والمجتمع، في إطار حوار وطني وتوافق واسع على خيارات مشتركة، فلا يبدو أن إنقاذ الوضع من الانهيار سيكون ممكنا.

السياق الإقليمي والدولي

تسبق الانتخابات الرئاسية التونسية المقررة في 6 أكتوبر/تشرين الأول القادم، انتخابات رئاسية في الجزائر في 7 سبتمبر/أيلول يتنافس فيها ثلاثة مرشحين على رأسهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون. ويبدو من السياق العام أن الجزائر تتجه لتكريس الاستمرارية، لا سيما أن منافسيْ تبون، وهما يوسف أوشيش عن حزب جبهة القوى الاشتراكية وعبد العالي حساني عن حركة مجتمع السلم (حمس)، لا يبدو أنهما يحظيان بشعبية كافية تمكنهما من منافسته بشكل جدي. من الواضح أن الجارة الغربية الكبرى لتونس تقدّم معادلة “الاستقرار” وتثبيت أركان منظومة الحكم التي أعقبت الحراك الشعبي ونجحت في احتوائه، على أي “مغامرات” انتخابية من شأنها أن تربك الوضع القائم الذي يسعى للاستمرار تحت راية الاستقرار وضبط الأوضاع والتحكم فيها، من أجل معالجة حالة الهشاشة التي طبعت حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

ويعكس المشهد الجزائري مزاجا عربيا عاما في المنطقة بأسرها، يقدم أولوية الاستقرار والاستمرارية على التغيير، خاصة في سياق انتخابات تنافسية. وتسيطر فكرة القطيعة مع مرحلة الربيع العربي على تأطير المشهد السياسي في المنطقة. لذلك تعمل الأنظمة القائمة على ترسيخ ركائز حكم سلطوية، تتمتع بقدرة عالية على الضبط والسيطرة. وقد مثلت الانتخابات الرئاسية في مصر في ديسمبر/كانون الأول 2023، التي أعيد فيها انتحاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بأغلبية ساحقة بلغت 89.6 بالمئة، بعد ضمان عدم وجود منافسين جديين، نموذجا لشكل وطبيعة الانتخابات المطلوبة في المنطقة عامة. وقد حظي النظام المصري بعد هذه الانتخابات بدعم إقليمي ودولي سخي وغير مسبوق، ليس على المستوى الاقتصادي وحسب، بل أيضا على المستوى السياسي والدبلوماسي.

يتأسس هذا الدعم والتفاهم مع أنظمة سلطوية قوية على تقييم غربي، أميركي وأوروبي، بأن هذا النمط من الحكم، على غرار نظام السيسي، قادر على مساعدة القوى الدولية على تأمين الاستقرار الإقليمي وتجنّب النزاعات. فلا وقت لدى القوى الغربية للتعامل مع تغييرات سياسية مفاجئة و”غير منضبطة” في ظل انشغالها بالحرب الروسية الأوكرانية والصعود الصيني المثير للقلق. ويتقاطع هذا المزاج الغربي الداعم ضمنا للأنظمة السلطوية في المنطقة بعد التراجع عن فكرة دعم التحولات الديمقراطية، مع المزاج الروسي الصيني الذي يتقن بدوره التعامل مع أنظمة على ذات الشاكلة.

فالولايات المتحدة والقوى الغربية عموما، تخلّت عن فكرة “دعم الديمقراطية” والترويج لها في المنطقة لصالح استراتيجية دعم الاستقرار وتقوية الأنظمة القائمة من خلال سياسات وبرامج تقوم على التعاون الأمني والدفاعي بالدرجة الأولى. في هذا السياق، تراهن واشنطن والغرب على ربط المنطقة باستراتيجيات أمنية وعسكرية ملحقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) أو معززة لدوره، على غرار مساعي تشكيل “ناتو عربي إسرائيلي” تكرر الحديث عنه وجرت اجتماعات تشاورية حوله برعاية أميركية في النقب في مارس/آذار 2022. يضاف إلى ذلك “مناورات الأسد الإفريقي” التي تنظمها القوات الأميركية بالشراكة مع دول عربية وإفريقية منها المغرب وتونس والسنغال، وعقد شراكات مميزة في مجالي الأمن والدفاع مع دول المنطقة، بينها تونس التي عقدت مع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومع الولايات المتحدة بشأن التعاون العسكري(12).

خاتمة

في المحصلة، يبدو المشهد العربي اليوم، بعد انكسار تجربة الربيع العربي، طاردا لفكرة التغيير والانتخابات الحرة، مكرسا لفكرة تجاوز تلك الحقبة، بعدما جرى إظهارها عنوانا للفوضى وعدم الاستقرار. لذلك، يبدو أن المنطقة، في عمومها، تتجه نحو عودة الأنظمة السلطوية، التي تؤدي فيها المؤسسة الأمنية والعسكرية أدورا متقدمة وحيوية.

في هذا السياق الدولي والإقليمي، تفيد مؤشرات المشهد السياسي التونسي أن الانتخابات القادمة لا تعدو أن تكون محطة في مسار استثنائي فرضه الرئيس قيس سعيد. وأغلق به قوس الربيع في البلاد، ليعود بها إلى نادي أنظمة الحكم السلطوية المتماثلة في المنطقة. أنظمة الأمر الواقع، الطاردة للتغيير، والمناهضة للديمقراطية، تحت شعار الاستقرار والاستمرار.

لقد شهد العالم، وسيشهد فيما بقي من عام 2024، أكثر من 70 انتخابات، لعل أبرزها على المستوى الدولي الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الأول القادم. وقد كان الكثير من تلك الانتخابات، التي جرت في الأشهر القليلة الماضية، على غرار انتخابات السينغال وفرنسا وبريطانيا وأميركا اللاتينية، مثيرا وديناميكيا وشكّل فرصة للتغيير والتداول وإعادة تشكيل معادلات الحكم. لكن، على الأغلب، ستكون الانتخابات في منطقتنا، ومنها الانتخابات الرئاسية التونسية، مناسبة لتكريس الأمر الواقع واستمراره، نظاما وسياسات.

جلال الورغي – كاتب وباحث تونسي في العلاقات الدولية والاسلام السياسي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(1) تصريح أدلى به نافع حجي، رئيس شبكة “مراقبون” لإذاعة “ديوان أف أم” المحلية بتاريخ 1 يوليو/تموز 2024، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):https://tinyurl.com/d6adsebh/

(2) ممن شملهم حكم قضائي بالمنع من الترشح مدى الحياة، الأمين العام لحزب الاتحاد الشعبي الجمهوري محمد لطفي المرايحي، والأمين العام لحزب العمل والإنجاز عبد اللطيف المكي، إضافة إلى الناشط نزار الشعري والقاضي مراد مسعودي وكريم الغربي وعادل الدو.

(3) اختارت هذه المنظمات الأربع، التي نالت عام 2015 جائزة نوبل للسلام لدورها في رعاية الحوار الوطني، أن تدعم في البداية ما قام به قيس سعيد في 25 يوليو/تموز واعتبرته تصحيحا للمسار، و”إنقاذا البلاد من العشرية السوداء”، في إشارة إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي.

(4) حوار مع قيس سعيد أجرته الصحفية كوثر زنطور لفائدة “الشارع المغاربي” في 12 يونيو/حزيران 2019، قبل أربعة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها سعيد بنسبة 72.1% بعد أن أعلنت جل الأحزاب السياسية دعمه في الدور الثاني على حساب منافسه عن حزب قلب تونس نبيل القروي، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

https://tinyurl.com/5n7uftvj

(5) أصدر وزير الداخلية في 18 أبريل/نيسان 2023 أمرا يقضي بإغلاق مقار النهضة ومنع الاجتماعات فيها وفي مقار جبهة الخلاص الوطني.

(6) أنظر تقرير “مراسلون بلا حدود” الصادر في 3 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

https://rsf.org/ar/%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81

(7) بيان صادر عن المعهد الوطني للإحصاء بتاريخ 15 فبراير/شباط 2024.

(8) أقر البرلمان التونسي في 7 فبراير/شباط 2024 تعديلا يمكّن البنك المركزي من منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للدولة، في خطوة “استثنائية”. ويرخص النص الجديد للبنك المركزي “بصفة استثنائية منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسية في حدود مبلغ صاف يقدر بـ7 آلاف مليون دينار (2.25 مليار دولار) تسدد على مدة عشر سنوات، منها ثلاث سنوات إمهال ودون توظيف فوائد”.

(9) أعلنت ذلك وزيرة المالية يوم 22 يناير/كانون الثاني 2024 خلال عرضها للخطوط العريضة لمشروع قانون المالية.

(10) حمزة المؤدّب، إسحاق ديوان، هاشمي علية، تراكم العوامل المؤدية إلى الأزمة: تونس بين المشاكل الحالية والمسارات المستقبلية، مركز مالكولم كير – كارنيغي للشرق الأوسط، 26 فبـرايـر/شباط 2024 (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

(11) المعهد الوطني للإحصاء، مرجع سابق.

(12) انظر الحوار الذي أجرته صحيفة “الشارع المغاربي” التونسية مع السفير الأميركي في تونس، جوي هود، المنشور على صفحة السفارة الأميركية في تونس بتاريخ 30 أغسطس/آب 2024.




ميديا بارت: الغموض يحيط بملايين اليوروهات من الأسلحة الفرنسية التي سُلّمت لإسرائيل

تحت عنوان “الغموض يحيط بملايين اليوروهات من الأسلحة الفرنسية التي سُلّمت لإسرائيل”، وعلى خلفية إعلان المملكة المتحدة أنها ستعلّق جزئياً تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، كشف موقع  “ميديا بارت” الإخباري- الاستقصائي الفرنسي عن مضمون تقرير حكومي فرنسي بشأن تسليم فرنسا باريس أسلحة بقيمة 30 مليون يورو لإسرائيل في عام 2023، قائلاً إن الحكومة الفرنسية ما تزال ترفض القول ما إذا كانت عمليات تسليم معينة قد تمت بعد بدء الحرب في غزة، وربما تم استخدامها لاستهداف المدنيين.

على الرغم من الأدلة المتراكمة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة، فإن فرنسا لم تعلن قط حظرًا كليًا أو جزئيًا على شحنات الأسلحة إلى تل أبيب

وأوضح “ميديا بارت” أن فرنسا وقّعت على العديد من النصوص (بما في ذلك معاهدة تجارة الأسلحة) التي تحظر عليها تسليم الأسلحة إذا كان هناك خطر استخدامها لارتكاب جرائم حرب، أو هجمات موجهة ضد المدنيين. لكن من الواضح أنها لا تتوصل إلى نفس الاستنتاجات.. فعلى الرغم من الأدلة المتراكمة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة منذ خريف عام 2023 بعد مجازر 7 أكتوبر، إلا أن فرنسا لم تعلن قط حظرًا كليًا أو جزئيًا على شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، يقول “ميديا بارت”.

وتؤكد الحكومة الفرنسية- يوضح الموقع الفرنسي- أنها تسلّم الأسلحة لإسرائيل لأغراض دفاعية فقط، لكنها لا توفر وسيلة للتحقّق من ذلك: على الرغم من الطلبات المتكررة من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، فإن القائمة الدقيقة للأسلحة التي باعتها و/أو سلّمتها فرنسا إلى إسرائيل ما تزال غير معروفة.

والأكثر إثارة للدهشة- يقول “ميديا بارت”- أن الحكومة لا تحترم حتى القواعد القليلة التي وضعتها لنفسها من أجل ضمان الشفافية (النسبية) في مبيعاتها من الأسلحة. ففي حين أن السلطة التنفيذية الفرنسية مطالبة بتقديم تقرير إلى البرلمان كل عام، قبل الأول من يونيو/حزيران، حول صادرات الأسلحة الفرنسية، فإن تقرير 2024 (الذي يغطي صادرات 2023) لم يتم تقديمه رسميًا بعد في الدورة النصفية، ولم يتم نشره للعامة.

ويقول “ميديا بارت”، الذي تمكّن من الحصول عليه، إن هذه الوثيقة المؤلفة، من 135 صفحة، تبدأ بنص طويل يشيد بسياسة التصدير “المتماسكة” والخاضعة لرقابة صارمة، والتي تتضمن بشكل عابر الأرقام المضخمة عن عمد للمساعدات العسكرية الفرنسية لأوكرانيا.

يكشف هذا التقرير أولاً أن مبيعات الأسلحة الفرنسية آخذة في الانخفاض: 8.2 مليار يورو من الطلبات المسجلة في عام 2023، مقارنة بـ 27  مليارًا في عام 2022. وهو تطور يمكن تفسيره بالمبيعات الاستثنائية (لا سيّما طائرات رافال إلى الإمارات العربية المتحدة) لعام 2022.

تكمن الفائدة الحقيقية لهذا التقرير في مَلاحقِهِ، وبشكل أكثر دقة في الجداول الطويلة التي تلخّص عدد وكمية تراخيص التصدير (الوثيقة التي بدونها يستحيل أيّ بيع للأسلحة) التي منحتها الحكومة الفرنسية، بالإضافة إلى المبلغ باليورو للمعدات التي تم تسليمها فعليًا للسنة المعنية – لأن كل ترخيص لا يؤدي بالضرورة إلى البيع، وفي حالة البيع، قد لا يكون التسليم ساريًا إلا بعد سنوات، يوضّح “ميديا بارت”.

لكن قبل كل شيء- يواصل الموقع الفرنسي- ترفع الوثيقة جزءًا من الحجاب عن السياسة الفرنسية المتمثلة في تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.. نعلم أنه في عام 2023، سلمت فرنسا 30 مليون يورو من المعدات العسكرية. وبما أن الأشهر المعنية غير محددة، فمن المستحيل معرفة ما إذا كانت هذه الشحنات قد استمرت بعد شن الأعمال الانتقامية الإسرائيلية الوحشية في قطاع غزة. كما صدقت فرنسا، حتى عام 2023، على طلبات إسرائيلية بقيمة 20 مليون يورو من المصنّعين الفرنسيين، ومنحت 75 ترخيصَ تصدير لإسرائيل، بقيمة إجمالية 176 مليون يورو. تتعلق هذه التراخيص على وجه الخصوص بفئات المعدات المعروفة باسم ML2 ، وML4 (قنابل وطوربيدات وصواريخ وقذائف وأجهزة أخرى) والشحنات المتفجرة ML6 .. إلخ.

لن تؤدي جميع هذه التراخيص إلى المبيعات. لكن الحقيقة تبقى: بدون مزيد من التفاصيل من السلطات الفرنسية، من الصعب أن نفهم كيف تمكّنت باريس من الحصول على ضمانة بعدم استخدام أي شيء في هذه الترسانة لارتكاب جرائم في غزة، يقول “ميديا بارت”.

ميديا بارت: بدون مزيد من التفاصيل من السلطات الفرنسية، من الصعب أن نفهم كيف تمكّنت باريس من الحصول على ضمانة بعدم استخدام أي شيء في هذه الترسانة لارتكاب جرائم في غزة

يضاف إلى كل ذلك بيع المعدات العسكرية: ما يسمى بالسلع “ذات الاستخدام المزدوج”، أي المنتجات التي تعتبر حساسة لأنه يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء. فهي ذات طبيعة متنوعة للغاية: طائرات بدون طيار يمكن استخدامها للترفيه، أو لإسقاط الذخائر، وسلالات فيروسية يمكن استخدامها للبحث الطبي أو لتطوير سلاح بكتريولوجي، ومفاصل تستخدم في مصنع مدني، أو في محطة طاقة نووية، يوضح “ميديا بارت”.

في عام 2024، تم إنشاء لجنة برلمانية مسؤولة عن تحليل ومراقبة صادرات الأسلحة الفرنسية، التي وعدت بها لسنوات عديدة. وتم تعيين أعضائها في شهر أبريل/نيسان .

ومنذ قرار الحل المفاجئ الذي قرره إيمانويل ماكرون، للجمعية الوطنية، ظلت هذه اللجنة في عداد المفقودين، يشير “ميديا بارت”.

موقع ميديا بارت الفرنسي

ترجمة صحيفة القدس العربي




دونالد ترمب… من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

يوصَف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بأنه «سريع البديهة»، حتى مع أزيز الرصاص.

في اللحظة التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال، في يوليو (تموز) الماضي في بنسلفانيا، ارتمى أرضاً فَنَجا. ثم نهض مُدمىً، ليرفع قبضته هاتفاً لجمهوره الواسع: «قاتِلوا، قاتِلوا، قاتِلوا!» من أجل «فوزي» في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، و«عودتي» إلى البيت الأبيض.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي ينجو فيها مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات المقبلة. لكن صاحب الشخصية الاستثنائية، الذي وفد من عالم الأعمال والعقارات في نيويورك إلى الحياة السياسية الأميركية في واشنطن، لم تربكه حتى الرصاصة التي لامست الجزء الأعلى من أذنه اليمنى بدل أن تخترق رأسه وتصرعه. بل أعطت ربما الصورة الأوضح عنه لأنصاره، بصموده مهما بلغت محاولات إسقاطه سياسياً وقضائياً ومالياً وحتى اجتماعياً.

ولم يعد غريباً أن يواجه ترمب الكثير من التحديات، وعدداً قياسياً من المتاعب القانونية والقضائية منذ اقتحامه الحلبة السياسية.

يقرأ الأميركيون الذين يشكلون قاعدة ترمب الشعبية، وغالبيتهم من البيض الذي يمثّلون 61 في المائة من مجموع الشعب الأميركي، شعاراته الشعبوية بشكل متمايز. يعكس شعاره الرئيسي «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، («ماغا» اختصاراً)، وجهة نظر تفيد بأن «عظمة» الولايات المتحدة تَضمر ليس بسبب صعود الأمم الأخرى، ومنها الصين وروسيا خصوصاً، بل بسبب «مؤامرة» متواصلة لـ«تسميم» المجتمعات الأميركية بموجات مهاجرين غير شرعيين من ألوان مختلفة، يطغى عليهم «المجرمون» و«العاطلون عن العمل» و«المتاجرون» بالبشر وبالمخدرات و«الهاربون» من بلدانهم الفاشلة عبر الحدود «السائبة» لأميركا. يعتقد بعضهم أن التغيّر الديمغرافي أدى عام 2008 إلى وصول رجل أسود (باراك أوباما) إلى البيت الأبيض، ويُنذر عام 2024 بوصول امرأة من أصول أفريقية وآسيوية (كامالا هاريس) إلى الوظيفة التي لطالما كانت مخصصة للرجال البيض. في المقابل، يُفضّل بعض ناخبيه تجاوز تصريحاته وتصرفاته «المثيرة للجدل»، ليركّزوا بدل ذلك على إنجازاته الاقتصادية وسياساته في ملفّات الأمن والسياسة الخارجية.

إجلاء ترمب من فوق المنصة بعد إصابته خلال التجمع الانتخابي في بنسلفانيا بعد إطلاق النار عليه وإصابته بأذنه يوليو 2024 (رويترز)

«دون كيشوتي»

تثير سيرة ترمب الكثير من علامات التعجب والتساؤل، وأحياناً السخرية بين خصومه، في عدد من المسائل والمواضيع التي يقاربها. يتهمونه بأنه «دون كيشوتي»، لكنه لا يكترث إلا قليلاً بالأمور والقضايا التي لا تخصه مع هذه الشريحة الاجتماعية من الأميركيين. وعندما يفعل، يرد غالباً بتغريدة حادة، أو بتصريحات مثيرة.

يحاول ترمب في انتخابات عام 2024 تكرار تجربته الانتخابية الناجحة عام 2016. ورغم «طرده» المؤقت من منصة «تويتر»، (الاسم السابق لـ«إكس»)، بعد خسارته انتخابات عام 2020، عثر ترمب على وسائل مختلفة لمهاجمة خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء حاولوا من دون جدوى إقصاءه عن الحلبة السياسية الأميركية. وأنشأ منصته «تروث سوشيال»، واستخدم فيها بفاعلية استثنائية الكلمات الحادة لمواجهة الحملة الضارية ضده، من خلال عديد من القضايا التي تلاحقه منذ كان رئيساً عبر محاولتَي عزل فاشلتين في الكونغرس على خلفية دعمه المزعوم لمصالح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم بتهمة السعي إلى قلب نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس جو بايدن (واشنطن العاصمة وجورجيا)، وكذلك بتهمة النقل غير المشروع لوثائق سريّة للغاية من البيت الأبيض في واشنطن إلى بيته الخاص في مارالاغو (فلوريدا)، بالإضافة إلى إدانته بارتكاب جنايات على خلفية علاقة مزعومة مع ممثلة إباحية (نيويورك).

مَن ترمب؟

قبل أن يترشح في المرة الأولى للانتخابات الرئاسية، كان ترمب من أشهر المليارديرات الأميركيين وأكثرهم حيوية. ورث الثروة عن أبيه وصنع الشهرة من خلال برنامجه «ذا أبرانتيس» للمبتدئين والمبتدئات في تلفزيون الواقع. وعندما بدأ يتحدث عن طموحاته الرئاسية قبل عام 2016، رأى القريبون منه أن هذا الطموح «بعيد المنال» أمام كل السياسيين الذين نافسوه، وغالبهم أكثر حنكة منه سياسياً في السباق التمهيدي للجمهوريين، وكذلك أمام منافسته الديمقراطية عامذاك هيلاري كلينتون. ورغم إسقاطه في المواجهة الرئاسية التالية عام 2020 مع منافسه جو بايدن، عاد عام 2024 إلى الحلبة ليستعيد «النتائج المسروقة» منه قبل أربعة أعوام.

حياة مثيرة

في صغره، كان لدى ترمب، الطفل الرابع لرجل الأعمال العقاري في نيويورك فريد ترمب، طموح أن يتسلم وظيفة متدنية داخل شركة والده. لكن رغم ثروة الأسرة، أُرسل إلى الأكاديمية العسكرية عندما بلغ من العمر 13 عاماً، وبدأت تظهر علامات على سوء السلوك. ثم التحق بجامعة بنسلفانيا، وصار المرشح المفضل لخلافة والده بعدما قرر شقيقه الأكبر فريد الابن أن يصير طياراً. لكنّ هذا الأخير توفي عن 43 عاماً بسبب معاقرته الخمر. ويقول ترمب إنه دخل في سوق العقارات بقرض «صغير» قيمته مليون دولار من والده، قبل أن ينضم الى الشركة ليساعد في إدارة المحفظة الواسعة لوالده من مشاريع الإسكان في أحياء مدينة نيويورك، ثم سيطر على الشركة وسماها «منظمة ترمب» عام 1971.

بعد وفاة والده عام 1999، غيّر ترمب أعمال عائلته من وحدات الإسكان في بروكلين وكوينز إلى المشاريع الجذابة في مانهاتن، فبنى فندق «غراند هايات» على أنقاض فندق الكومودور المتهدم و«برج ترمب» الفاخر والمكون من 68 طابقاً في الجادة الخامسة. ثم أنشأ علامات تجارية عديدة، وأبرزها بين عامي 1996 و2015، حين كان مالكاً لمسابقات ملكة جمال الكون وملكة جمال الولايات المتحدة وملكة جمال المراهقات. وخلال هذه المرحلة، ظهر للمرة الأولى عام 2003 في برنامج تلفزيون الواقع على شبكة «إن بي سي»، حيث يتنافس المتسابقون للحصول على وظيفة إدارية داخل مؤسسة ترمب.

وتفيد مجلة «فوربس» الأميركية بأن صافي ثروة ترمب يبلغ بضعة مليارات دولار، لكنه يُصرّ على أن قيمتها تستحق أكثر من عشرة مليارات دولار.

رغم أنه تزوج ثلاث مرات، لا تزال زوجته الأولى الرياضية وعارضة الأزياء التشيكية إيفانا زيلنيكوفا هي الأشهر. وأنجب منها ثلاثة أطفال، هم: دونالد جونيور وإيفانكا وإريك. وأدت دعوى الطلاق بينهما عام 1990، إلى ظهور عديد من القصص المثيرة عن ترمب في الصحف الشعبية. ثم تزوج من الممثلة مارلا مابلز عام 1993، وأنجب منها ابنة سمياها تيفاني، قبل أن ينفصلا عام 1999. وعام 2005، تزوج من العارضة ميلانيا كناوس وأنجب منها ابناً سمياه بارون وليام. ولا يزال أولاده من زواجه الأول يساعدون في إدارة شركته المعروفة باسم «منظمة ترمب».

ترمب يتفاعل مع أنصاره خلال فعالية انتخابية بأريزونا 23 أغسطس (د.ب.أ)

طموحات قديمة… جديدة

عبّر ترمب عن اهتمامه بالترشح للرئاسة الأميركية في وقت مُبكّر يعود إلى عام 1987، ودخل إلى هذا السباق للمرة الأولى عام 2000 مرشحاً عن حزب الإصلاح. وبعد عام 2008، صار الأكثر صراحةً بين أعضاء حركة «بيرث»، التي تساءلت عما إذا كان الرئيس باراك أوباما وُلد في الولايات المتحدة. وعندما دخل السباق إلى البيت الأبيض مجدداً عام 2016، قال في خطاب: «نحن بحاجة إلى شخص ما يتسلّم هذا البلد بالمعنى الحرفي للكلمة، ويجعله عظيماً مرة أخرى. يمكننا أن نفعل ذلك».

ووعد منذ ذلك الحين بأنه سيرفع شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، ثم أدار حملة مثيرة مبنية على وعود بتعزيز الاقتصاد الأميركي، وبناء جدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، وحظر هجرة مواطني دول ذات غالبية مسلمة.

منذ ذلك التاريخ، يحمل ترمب شعاره الذي ازداد بريقاً مع مصادقة الجمهوريين خلال مؤتمرهم في يوليو (تموز) الماضي في ميلووكي، ويسكونسن، على ترشيحه مع السيناتور جاي دي فانس، في المواجهة التي يتوقع أن تزداد حدة وقسوة مع تسلم نائبة الرئيس كامالا هاريس، شعلة الرئاسة مع مرشحها لمنصب الرئيس حاكم مينيسوتا تيم والز، من المؤتمر الوطني العام للحزب الديمقراطي في شيكاغو، إلينوي.

كما في السابق، يثابر ترمب لتحدي استطلاعات الرأي، التي كانت تُرجّح فوز هيلاري كلينتون عام 2016 وفوزه هو عام 2020، مؤكِّداً أن الوجه الآخر لشعاره، وهو «أميركا أولاً»، سيكون بمثابة «تجفيف المستنقع» السياسي الآسن في واشنطن.

بعد فوزه المذهل عام 2016، دخل ترمب التاريخ لأنه الرئيس الأميركي الأول الذي لم يتقلد منصباً منتخباً أو يخدم في الجيش قبل أن يؤدي اليمين الدستورية بوصفه الرئيس الـ45 للولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017. وإذا فاز هذه المرة، فسيدخل إلى البيت الأبيض، مُدركاً القدرات المذهلة التي يحظى بها أي رئيس أميركي.

كثيرون يعتقدون أن ترمب عائد. وهذا ما يدفعهم إلى نصح الآخرين بـ«شدّ الأحزمة».

علي بردى

صحيفة الشرق الاوسط




لماذا نكتب عما يرتديه الساسة؟

منذ أصبحت كامالا هاريس المرشحة الديمقراطية للرئاسة، أول امرأة سوداء وأول شخصية من أصل جنوب آسيوي يتم ترشيحها لمنصب وطني من قبل حزب رئيسي، تبع ذلك احتفالات بهذه اللحظة التاريخية. وكذلك، كان لدينا ما يتعلق بالكيفية التي – ولأنها امرأة – ستستخدم ملابسها لتعريف أو تقليص شخصيتها.

لا شك في أن الموضة قد استخدمت كأداة لرفض النساء، وربطهن بالأمور التافهة – بدلاً من الموضوعات الجادة – والأمور السطحية بدلاً من مسائل الحكم. ولكن عندما تكون المرأة مرشحة رئاسية لحزب رئيسي، وعندما يبدو الاختيار وكأنَّه علامةٌ ذات مغزى على تغيير الأجيال، فإنَّ تجاهل ما ترتديه لأنها امرأة على وجه التحديد، يعني السقوط ضحية للصورة النمطية نفسها.

وبفعل ذلك، لا يمنحها الفضل الذي تستحقه لاستخدام كل أداة متاحة لها للتأثير على الرأي وتشكيله، بقدر ما يكون من الفاعلية تعزيز الأجندة التنفيذية، تماماً كما فعل الساسة الرجال لعقود. ولا يستطيع أحد أن يملأ كل لحظة بالمقترحات السياسية، ولكنها من الممكن أن تظهر دوماً بالمظهر المناسب.

هناك سبب يجعلنا نشير إلى «المسرح الوطني» و«مسرح السياسة». لقد كان البذخ والزينة دائماً جزءاً من منافسات الحكم، مهما كان النظام.

الزي جزء لا يتجزأ من أي مسابقة، وهو جزء أصيل في خلق وتواصل الشخصية. ولا يصح ذلك أكثر من لحظات الاحتفال العام المشتركة: المؤتمرات، والتنصيب، والمناقشات، وخطاب حالة الاتحاد. إلى حد ما، نحن جميعاً نعيش أمام الكاميرات الآن، طوال الوقت. ونصدر الأحكام الفورية عن بعضنا بعضاً اعتماداً على الصور التي نراها. إنها الغريزة البشرية وجزء من الطريقة التي نقرّر بها ما إذا كان شخص ما محبوباً أو قابلاً للتصديق أو قائداً، بغض النظر عن جنسه. وكان الأمر كذلك من كليوباترا إلى كاسترو.

ذات يوم قال لي أحد أصدقائي، وهو رجل يعمل مستشاراً في الأزمات السياسية (مثل أوليفيا بوب في مسلسل «الفضيحة»)، إنني لن أصدّق القدر الذي خصصه من الوقت لمناقشة ألوان ربطات العنق مع العملاء (بناء على طلبهم) عندما كان بوسعهم أن يتحدثوا عن عملية سلام على سبيل المثال.

هذا لا يعني أن ربطات العنق أكثر أهمية من عملية السلام، أو أي اقتراح آخر يتعلق بالسياسات. بالطبع يأتي الجوهر قبل الأسلوب. ولكن الجوهر لا يوجد بشكل مستقل تماماً عن الأسلوب. ولن يكون النظر في اختيار الملابس في إطار السياسة تمييزاً على أساس الجنس، إلا إذا كان مثل هذا الاعتبار قائماً في غياب المقترحات السياسية النسائية، أو إذا لم تكن ملابس الساسة الذكور تلقى المعاملة نفسها قط. وهذا ليس هو الحال أيضاً.

تاريخ مختصر للسياسيين الرجال الذين غطيتُ ملابسهم يشمل: دونالد ترمب، وجيه دي فانس، وتيم والز، وجون فيترمان، وباراك أوباما، وجيب بوش، وبوريس جونسون، وإيمانويل ماكرون، وفولوديمير زيلينسكي، وناريندرا مودي، وفلاديمير بوتين… لقد فهمت المغزى. لقد كتبت طويلاً عن اختيار ربطة العنق، لا سيما في أثناء المناقشات.

ولكن صحيح أيضاً أنَّ المقالات عن الرجال والملابس تولد عادة اهتماماً أقل بكثير من المقالات عن النساء واللباس. من المُسلّم به أن هناك فرصة أكبر للكتابة عن ملابس النساء، لأنَّ هناك تنوعاً أكثر، ولكن هذا جزء مما يجعل الأمر مثيراً للاهتمام. وفي نواح كثيرة، تعد خيارات الموضة الأوسع نعمة للنساء، وليست مشكلة.

بعد سنوات من الشكوى من تركيز الناس على ملابسها، حولت هيلاري كلينتون الانتباهَ إلى خزانة ملابسها إلى رصيد ضخم من خلال جعل الأمر مزحة متداولة. (هل تذكرون مدونة «الاختيارات الصعبة» الأولى التي كتبتها على موقع «إنستغرام» حول ملابسها؟) لقد قلَّل هذا من قوة الازدراء التي تعاني منها، وأضفى عليها الطابع الإنساني، وأعطى أنصارها زياً رسمياً لارتدائه بوصفه شعاراً للتضامن. هل يمكنك تخيل رجل يحاول أن يجعل من وسم «#PantsuitNation» شيئاً حقيقياً؟

السيدة هاريس، التي تملك سمعة بصفتها مدعية عامة ترتدي سترة داكنة، لعبت أيضاً دوراً مع الموضة، سواء بوصفها نائبة للرئيس أو على مسار الحملة الانتخابية.

وكلما أدركنا الدور الذي تلعبه الملابس في الحياة والسياسة، ازداد استعدادنا للتحدث عنها. وكلما اعتدنا عليها، قلَّ احتمال استخدامها سلاحاً للتقليل من شأن الآخرين. وهذا أفضل لنا جميعاً.

فانيسا فريدمان

صحيفة نيويورك تايمز




لبنانيون يحاولون الهروب من صدمات الماضي… لكنهم خائفون من المستقبل

تُمضي اللبنانية آلاء فقيه، وهي صاحبة متجر، الليل مستيقظة، تطاردها المخاوف من كارثة أخرى قد تضرب لبنان.

ومثل الكثيرين غيرها، تعاني آلاء من صدمات الماضي، من الحرب الأهلية بين 1975 و1990، إلى التفجير المدمر في ميناء بيروت عام 2020، والانهيار الاقتصادي، وتخشى من القادم مستقبلاً، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت آلاء (33 عاماً) التي تتسارع نبضات قلبها بالليل وهي ترتجف: «ما بقى عم بهيدا بيصير عندي كثير دقات قلب سريعة، أول شي قعدة عطول هيد الرجفة فهيدولي كلهم أكيد من ورا التراكمات اللي صارت علينا، يعني نحنا ما بعرف نحنا مفروض أنه هلا أنا 33 سنة بعد عمري يعني مفروض ما أكون بكل هيدول القصص، عم أفكر يعني أفكر بكيف بدأت كيف… إذا أنا مثلاً مشيت لا سمح الله ما يطلع انفجار، إذا أنا يعني أنه أنا وماشية مثلاً ما يطلع انفجار، فكله هيدا أكيد بيأثر سلبي على نفسيتي».

وأصبح الناس الآن أكثر قلقاً بشأن احتمال نشوب صراع شامل آخر بين جماعة «حزب الله» اللبنانية وإسرائيل (كما جرى في حرب عام 2006)، حيث تندلع اشتباكات بين إسرائيل و«حزب الله» على الحدود منذ بداية الحرب بقطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

آلاء فقيه أم لبنانية تعمل في شركة عائلتها للفواكه والخضراوات تقف أمام متجرها في برج حمود بلبنان 2 سبتمبر 2024 (رويترز)

وأثمرت عقود من الفساد وسوء الإدارة في النخبة الحاكمة اللبنانية انهيارَ النظام المالي في عام 2019، ما أدى إلى ضياع المدخرات، وتراجُع قيمة الليرة، وتأجيج الفقر.

وفي العام التالي تعرضت بيروت لانفجار ضخم بفعل مواد كيميائية في ميناء المدينة، ما أسفر عن مقتل 220 شخصاً على الأقل، وكان قوياً لدرجة أنه كان محسوساً على بعد 250 كيلومتراً في قبرص، وأرسل سحابة دخان بشكل الفطر فوق العاصمة اللبنانية.

وأدّت الضغوط السياسية إلى إخراج التحقيق – الذي كان يسعى إلى ملاحقة أصحاب النفوذ بشأن الانفجار – عن مساره.

وقالت آلاء فقيه: «ما بقى عم نضحك هيدا الضحكة إللي كنا نضحكها من قلبنا فعلياً… ما في هيدي السعادة إللي نحن كنا نحس فيها، منصير من أقل شي هيك دغري بتبكي دغري بينزلوا دموعي».

آليات التكيف

قالت المحلّلة النفسية ألين الحسيني عساف، إن اللبنانيين يكافحون في مواجهة مستويات عديدة من المعاناة، مضيفةً أن البعض يُخفون مشاعرهم، بينما يعيش آخرون في حالة إنكار.

وأضافت: «عندنا آلية دفاعية غير هي الإنكار، ما بده بقى يحكي فيه عنده آلية دفاعية… الانزوائية، إما سافر ما بده يسمع شي بقى عن لبنان، في آلية دفاعية هي أنه يهرب بأكثر نسبة… الكحول، إما المخدرات إما عندنا آلية دفاعية هو عم يهرب كمان بعوارض النفسية الجسدية بيقعد بالتخت (السرير) وما بده يعمل بقى شي».

وانزلق لبنان الذي كان يُطلق عليه في السابق اسم «سويسرا الشرق الأوسط»، إلى حرب أهلية وحشية متعدّدة الأطراف عام 1975.

وليس من الصعب العثور على ما يُذَكّر الناس بالحرب، بما في ذلك المباني المليئة بثقوب الرصاص في منطقة كانت تُعرف سابقاً باسم الخط الأخضر، والتي قسمت بيروت إلى شرق مسيحي وغرب يغلب عليه المسلمون.

وما زالت التوترات الطائفية وذكريات الحرب عالقة في الأذهان وتخيّم في الأجواء.

وأضافت ألين عساف: «نحن عم نعرف إنه كل العوارض النفسية هي في تعابر في إرث نفسي بينتقل من جيل لجيل، وبيظله عايش إذا الشخص ما اشتغل على حاله، على الصعيد النفسي بيظله عايش فينا وبينتقل… على الجيل الثاني والتالت والرابع، فمجرد صوت هو عم يرجع ينعش كل الصدمات المكبوتة».

منال سرياني أم لبنانية ومديرة عمليات في قطاع الضيافة تصلي في كنيسة في عوكر بلبنان 28 أغسطس 2024 (رويترز)

ومنال سيرياني، والدة إيدان (4 سنوات)، نموذج مماثل، فصدمتها ناتجة عن ذكريات تفجير ميناء بيروت.

وقالت منال التي تعمل في مجال الضيافة: «لا أشعر بأنني بأمان، وذلك أثبت منذ 4 أغسطس (يوم الانفجار)؛ لأنه من وقتها كيف ما تبرمي بتحس أنه أنت لست بأمان، هذا هو الموضوع الرئيسي، كيف أنه إذا كان هذا قد يحدث في بلد مثل هذا وكيف بعدين إللي صارت القصص أنه ما فيش تتبع ما فيش… لا يوجد تحقيق… ما حدا عم يقولي شو عم بيصير، أنت لا تعرف ماذا يحدث، وعلى أسوأ وعلى أسوأ».

وأضافت: «أنا لا أشعر بالأمان لنفسي، ولا أشعر بالأمان لأطفالي… يمكن أن يحدث أي شيء أنه يمكن أن يكون يلعب في الخارج، تأتي قذيفة أعطيك العافية، وما نفعل بعد ذلك؟ لا يمكن أن يحدث أي شيء في بلد كهذا».

وسعت منال للراحة من أفكارها في الكنيسة.

وقالت: «عندما تدخل إلى الكنيسة تشعر بأنك قد تجري 10 دقائق… تفضّي وتعود إلى الخارج… وتعود إلى نفس المجموعات».

صحيفة الشرق الاوسط




عرض جيبوتي بمنح ميناء لإثيوبيا… هل يُقلق مصر؟

مقترح جديد من جيبوتي بداعي «تخفيف حدة التوترات» في منطقة القرن الأفريقي في ظل أزمة تتصاعد عقب اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» لتأمين الوصول إلى البحر الأحمر من خلال منفذ ساحلي، وهو ما قوبل برفض مقديشو والجامعة العربية، تلاه إرسال القاهرة قوات ومعدات إلى الصومال، بطلب من مقديشو، اعتبرته أديس أبابا دون أن تسميه مباشرة «مزعزعاً للاستقرار» بالمنطقة.

عرض جيبوتي بـ«ميناء تجاري» لإثيوبيا، أثار تساؤلات حول إمكانية قبول إثيوبيا الأمر والتراجع عن الاتفاق مع «أرض الصومال»، وأيضاً انعكاس الأمر على القاهرة، التي اختارت «مساراً تصعيدياً» موازياً ضد أديس أبابا، عبر تقديم خطاب لمجلس الأمن بشأن الخلافات حول ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يرون أن ذلك العرض يجب أن ترد عليه إثيوبيا أولاً، وخاصة أنها هي المعنية بالأمر، في حين «سترد القاهرة حال وجود تهديد على أمنها القومي، شأنها شأن أي دولة متضررة من أي اتفاق».

وكشفت حكومة جيبوتي عن تقديم عرض الوصول الحصري لإثيوبيا إلى ميناء جديد لنزع فتيل التوترات، وفق ما أفاد وزير الخارجية الجيبوتي محمد علي يوسف، في مقابلة مع إذاعة «بي بي سي» الجمعة.

وأثارت إثيوبيا خلافاً دبلوماسياً مع مقديشو في يناير (كانون الثاني) عندما كشفت عن عرض للاعتراف بـ«أرض الصومال» التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، دون اعتراف دولي، مقابل الوصول إلى ميناء على خليج عدن، وعارض الصومال، الذي يعتبر «أرض الصومال» جزءاً من أراضيه، الخطة وتدهورت العلاقات بين البلدين منذ ذلك الحين.

يشمل المقترح الجيبوتي «إدارة بنسبة 100 في المائة لميناء في الشمال، وهو ممر جديد تم بناؤه بالفعل» في تاجورة على ساحل الدولة الواقعة في القرن الأفريقي، وفق يوسف، موضحاً أن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلة طرح الاقتراح لـ«إيجاد طريقة للحوار» لوقف تصعيد التوترات في المنطقة، وسيناقشه في منتدى التعاون الصيني – الأفريقي الذي يُعقد في بكين هذا الأسبوع.

وتعقيباً على العرض، قال رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد العرابي لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر لا تضع قيوداً على تصرفات أو تحركات أي دولة»، غير أنه أكد أن «الأوضاع في القرن الأفريقي لا تتحمل هيمنة أحد، ومصر تفصل تماماً ما بين الأوضاع في القرن الأفريقي والسد الإثيوبي». في حين يرى السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن العرض الجيبوتي يتعلق بنشاط تجاري وليس عسكرياً كما هو الحال في «أرض الصومال»، مشيراً إلى أن جيبوتي لديها العديد من الاتفاقيات مع دول ومنظمات أخرى وتقبل بمثل هذه الأمور.

ويعتقد أن مصر شأنها شأن أي دولة ستعلق بعد التعرف على تفاصيل هذا العرض عند قبوله والتوافق عليه بين الجانبين ارتباطاً بمضمونه وطبيعة النشاط، وبالتالي فإن واقع الأمر أن ما صدر من جانب جيبوتي مجرد تصريح بعرض.

عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، اللواء مجدي القاضي، يرى أن مصر لو عُرض عليها هذا المقترح الجيبوتي ستدرسه، وأي شيء يهدد أمنها القومي سترفضه، داعياً إثيوبيا التي وصفها بأنها «ذات نيات سيئة تجاه القاهرة» إلى أن تعلن موقفها أولاً من العرض.

ويرى البرلماني المصري أن إثيوبيا هي من تسعى لـ«تعكير صفو العلاقات»، وتظن أنها قادرة على أن تسيطر على ميناء مطل على البحر الأحمر لتؤثر على مصالح مصر، مؤكداً أن القيادة السياسية وجميع الأجهزة بمصر قادرة على تقييم الأمور بشكل موضوعي وحفظ الأمن القومي بشكل جاد وحاسم.

وجاءت تصريحات العرض الجيبوتي بعد أيام من إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً حينها أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

الحضور المصري بمقديشو الجارة لإثيوبيا رفضته أديس أبابا، وتحدثت وسائل إعلام إثيوبية بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية».

وقبل أن تعين أديس أبابا، الخميس، سفيراً لدى «أرض الصومال»، غير المعترف بها دولياً، صدر بيان من الأخيرة، أعربت خلاله عن «الاعتراض بشدة على الانتشار الأخير للقوات العسكرية المصرية في مقديشو»، وحذر وزير الخارجية الإثيوبي، تاي أصقي سيلاسي، في مؤتمر صحافي، الجمعة، من «تحركات حكومة الصومال مع جهات (لم يسمها) لا تريد الاستقرار للمنطقة».

ووفق السفير حليمة، فإن إثيوبيا تحركت في الاتجاه غير الصحيح منذ البداية بالسعي لعقد اتفاق باطل قانوناً مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي الذي لا يتمتع بأهلية قانونية تتيح له إبرام اتفاقيات أو مذكرات تفاهم على هذا المستوى، والتي تعد تدخلاً من جانب إثيوبيا في شؤون الصومال، وهو دولة ذات سيادة، وأيضاً تهديداً لوحدته وسلامته الإقليمية، بما ينعكس على تهديد الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر التي تعد أحد أهم محاور الأمن القومي المصري والعربي والأفريقي.

ويتفق معه اللواء القاضي بأن إثيوبيا «ناورت كثيراً في ملف (سد النهضة)، فكيف يمكن أن نطمئن لها في أي وجود آخر يهدد أمن مصر؟!»، مؤكداً أن من حق مصر أن تتخذ أي موقف يحفظ أمنها القومي سواء في ملف السد أو غيره، وعلى إثيوبيا أن تثبت نيات حسنة بدلاً من إدخال المنطقة في «دوامة توترات».

والأحد، أفادت الخارجية المصرية بتقديم خطاب لمجلس الأمن بشأن اعتراضات أبدتها على ملء «سد النهضة»، مؤكدة أنها «تمثل استمراراً للنهج الإثيوبي المثير للقلاقل مع جيرانها والمهدد لاستقرار الإقليم الذي تطمح أغلب دوله لتعزيز التعاون والتكامل فيما بينها، بدلاً من زرع بذور الفتن والاختلافات».

صحيفة الشرق الاوسط




خطاب نتنياهو… رسائل نارية ضد بايدن وخصومه السياسيين

رد على انتقادات أميركية بخصوص صفقة غزة… وأجرى «جردة» حساب مع المؤسسة الأمنية

وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحافي بالقدس ليلة الاثنين – الثلاثاء، رسائل كثيرة، بعضها داخلي ضد خصومه السياسيين، وبعضها خارجي يتعلق بالانتقادات الأميركية لسياساته. فما أبرز الرسائل التي وجهها نتنياهو في كلمته النارية؟

لم يكن خطاب نتنياهو في الواقع مخصصاً لمحور فيلادلفيا بين غزة ومصر، رغم أنه كرّس له معظم كلامه. في البداية ساد اعتقاد بأنه موجّه إلى وزير دفاعه، يوآف غالانت، ورفاقه في المؤسسة العسكرية والأمنية. ففي كلماته، برزت سهام سامة تتحدث عن «أولئك الذين يعدون أنفسهم خبراء في الأمن ويتحدثون بصلف عن أن محور فيلادلفيا ليس ضرورة أمنية». وقد أجرى نتنياهو مع هؤلاء – من دون تسميتهم – جردة حساب طويلة، عاد بها إلى تاريخ الإخفاقات في المؤسسة الأمنية، مشيراً إلى أن الذين قالوا إن الانسحاب من لبنان سيحقق الأمن لشمال إسرائيل جاءهم هجوم «حزب الله» في سنة 2006 ليثبت خطأهم، كما أن الذين قالوا إن الانسحاب من غزة سيأتي بالأمن وجدوا أنفسهم الآن أمام «كارثة 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، في حين أن الذين قالوا إن اتفاقات أوسلو ستحقق السلام وجدوا أن هذه الاتفاقيات أتت بالإرهاب.

إضافة إلى الرسائل الداخلية، هناك من عدّ خطاب نتنياهو موجهاً في شكل مباشر ضد الرئيس الأميركي، جو بايدن، الذي كان قد صرّح قبل ذلك بساعات قليلة بأن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تبادل الأسرى بين حركة «حماس» وإسرائيل «بات قريباً جداً»، مضيفاً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو «لا يفعل ما يكفي» من أجل التوصّل إلى ذلك. ورد نتنياهو بالقول إنه لم يسمع بايدن، لكنه سمع جيداً عدداً كبيراً من المسؤولين الأميركيين الذين أشادوا به على ما أبداه من مواقف إيجابية في المفاوضات. واقتبس فعلاً أقوال وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ونائب مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية ديفيد كوهين وغيرهما من المسؤولين الذين امتدحوا نتنياهو على مواقفه «الإيجابية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمره الصحافي في القدس ليلة الاثنين (مكتب الإعلام الحكومي – د.ب.أ)

إلا أن شبكة «سي إن إن» رأت أن نتنياهو وجّه خطابه إلى الدوحة. ففي اليوم نفسه، أي يوم الاثنين، أرسل رئيس الموساد ديفيد برنياع، الذي يترأس فريق التفاوض، إلى قطر لإجراء محادثات سرية حول النص الذي ينوي الأميركيون وضعه مقترحاً نهائياً للصفقة. ويقول منتقدون لنتنياهو إنه يريد إفشال المقترح من خلال شروطه، بما في ذلك إصراره على بقاء القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا، وهو أمر تتمسك مصر برفضه، وكذلك «حماس».

ولا يستبعد كثير من الإسرائيليين أن يكون نتنياهو استهدف بخطابه إجهاض مقترح بايدن، على طريقة «الحرب الاستباقية». فقبل أن يهاجمه بايدن ومبعوثوه على إفشاله الصفقة بسبب موقفه من محور فيلادلفيا، شن هو الهجوم الاستباقي ضد من يستخف بأهمية هذا المحور في الحرب مع «حماس». وقال: «السيطرة على محور فيلادلفيا تضمن عدم تهريب المخطوفين إلى خارج غزة». وتابع: «محور الشر يحتاج إلى محور فيلادلفيا، ولهذا السبب تجب علينا السيطرة عليه».

ويبدو أن نتنياهو يحاول الآن أن يضع بايدن في زاوية، فإذا أراد أن يطرح خطة جسر للهوة بين الطرفين، ويريد تأييد نتنياهو لها، فيجب أن تكون لصالح إسرائيل، وتتضمن استجابة لشروطه في بقاء القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفيا، فإذا أصرت «حماس» على موقفها برفض المقترح فسوف تكون هي المتهمة بإفشال المفاوضات. وإذا فشلت المفاوضات، وبدا الرئيس بايدن ضعيفاً وغير قادر على التأثير على إسرائيل، فإن نتنياهو يسجّل لنفسه نقاطاً بيضاء في سجلات الحزب «الجمهوري» الأميركي، ويكسب بذلك ود مرشحه للرئاسة دونالد ترمب.

عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة خلال احتجاج قرب مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقدس ليلة الاثنين (رويترز)

وعلى الصعيد الداخلي، جاء خطاب نتنياهو كأنه عبوة ناسفة تستهدف خصومه في سدة الحكم، وهم: وزير الدفاع غالانت، ورئيس الموساد برنياع، ورئيس الشاباك (جهاز المخابرات العامة)، رونين بار، ورئيس أركان الجيش هيرتسي هليفي. لقد هاجمهم نتنياهو في خطابه حزمة واحدة، من دون أن يسميهم. وتقول أوساط سياسية إنه يريد أن يدفعهم إلى الاستقالة، جماعة أو فرادى. فقد باتوا يشكلون عقبة كأداء في طريقه. فهو يتمسك بمحور فيلادلفيا ومحور نتساريم (الذي يشطر غزة إلى شطرين) بهدف الحفاظ على أمن إسرائيل، كما يقول. في المقابل، يعد خصومه، وهم من أبرز المسؤولين الذين يضعون الخطط الأمنية والاستراتيجية، أن هناك حلولاً أخرى للأمن من دون التمسك بما يريده نتنياهو بخصوص محوري فيلادلفيا ونتساريم.

ومعلوم أن نتنياهو جرّب إقالة غالانت في السابق، في شهر مارس (آذار) 2023 وفشل. وقتها خرج مئات آلاف المواطنين إلى الشوارع فور إعلان قراره، فارتدع وتراجع. وفي نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، بعدما أنهى خطابه الشهير في الكونغرس الأميركي، ورأى النواب يقفون على أقدامهم ويصفقون له أكثر من 70 مرة، راح يخطط لإقالة خصومه (غالانت وبرنياع وبار وهليفي)، وعقد جلسة لهذا الغرض وهو في واشنطن. لكن هؤلاء الأربعة، كانوا يشرفون في تلك اللحظات على اغتيال قيادي «حزب الله» فؤاد شكر في ضواحي بيروت، وزعيم «حماس» إسماعيل هنية في قلب طهران. وبما أن الجمهور الإسرائيلي يحب «الأكشن»، كما يبدو، فقد رأى في هؤلاء أبطالاً وأن الوقت ليس وقت إقالتهم. ورغم ذلك، يبدو أن هناك مجموعة من المحيطين بنتنياهو تحاول إقناعه بأن هذا هو الوقت لإقالتهم. ويقول هؤلاء له إن الجمهور الإسرائيلي اليوم مختلف عن جمهور مارس 2023 ولن يخرج بحجم كبير إلى الشارع، احتجاجاً على خطوة مثل هذه. ووفق هؤلاء، إذا أقال نتنياهو الجنرالات الأربعة، فسينظر إليه على أنه شجاع وسوف يستطيع تعيين بدائل لهم من الجنرالات المنضبطين الذين يحسبون ألف حساب للقيادة السياسية. وهكذا فعل وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، عندما عيّن مفتشاً عاماً للشرطة ومديراً عاماً لمصلحة السجون من الموالين له.

لكن نتنياهو لا يسير بحسب نصيحة المحيطين به، إذ يعد أن لديه طريقة أخرى، وهي دفعهم إلى الاستقالة بدل أن يقوم هو بإقالتهم. ويبدو أن هذا هو هدف مهاجمته لهم الآن.

وفي كل الأحوال، يرى سياسيون أن نتنياهو بات أسيراً بأيدي الوزراء المتطرفين في حكومته وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهما سارعا إلى مباركة خطابه. ويعرف هؤلاء بالطبع أن نتنياهو يعتمد عليهم للبقاء رئيساً للحكومة، وهو منصب يسمح له بالتأثير على احتمالات محاكمته في قضايا الفساد التي يواجهها، كما يسمح له بمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر.

نظير مجلي

صحيفة الشرق الاوسط




ما الدول التي حظرت أو فرضت قيوداً على مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل؟

مع تحوُّل موقف الحكومة البريطانية بشأن توريد الأسلحة، استعرضت صحيفة «الغارديان» البريطانية كيف استجابت الدول المختلفة للحرب في غزة.

وتعد بريطانيا أحدث دولة تُغير موقفها بشأن مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، التي كانت تعتمد على الأسلحة المستوردة في هجومها على غزة لمدة 11 شهرًا، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص.

ما موقف الدول التي تصدر الأسلحة إلى إسرائيل؟

حظر أو تقييد مبيعات الأسلحة

بريطانيا

أعلن وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، الاثنين الماضي، أن لندن علقّت 30 من أصل 350 ترخيصاً للأسلحة.

واستشهد بمراجعة داخلية استمرت شهرين، وجدت أن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، لم تفِ بواجبها في ضمان تسليم الإمدادات الأساسية «لبقاء سكان غزة».

وانتقدت منظمات حقوق الإنسان القرار؛ لأنه لا يشمل الأجزاء المصنوعة في المملكة المتحدة لطائرات «F35» المقاتلة التي تستخدمها إسرائيل.

إيطاليا

أعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنتونيو تاياني في يناير (كانون الثاني) أن روما قررت بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) -وهو اليوم الذي هاجمت فيه حركة «حماس» إسرائيل، ما أشعل فتيل الحرب في غزةـ عدم إرسال مزيد من الأسلحة إلى إسرائيل، ولكن الحكومة اعترفت منذ ذلك الحين بأن الاتفاقات الموقعة سابقاً يتم احترامها.

وتعد إيطاليا ثالث أكبر مورد معدات عسكرية إلى إسرائيل، ولكنها تسهم بأقل من 1 في المائة من إجمالي واردات إسرائيل من الأسلحة، وفقاً لمنظمة «أكشن أون أرمد فايولنس» البحثية التي تتخذ من لندن مقراً لها.

أحد الفلسطينيين النازحين يتفقد منزله المدمر أثناء عودته إلى بلدة دير البلح بعد أن سحب الجيش الإسرائيلي قواته من شرق وسط قطاع غزة (إ.ب.أ)

إسبانيا

صرح وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في يناير (كانون الثاني) أن إسبانيا لم تبع أسلحة إلى إسرائيل منذ السابع من أكتوبر.

وفي مايو (أيار)، ذهبت الحكومة إلى أبعد من ذلك، بعدما أعلنت أنها ستحظر على السفن التي تحمل أسلحة إلى إسرائيل الرسو في المواني الإسبانية.

وكانت مدريد واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للهجوم على غزة.

كندا

وافق البرلمان الكندي في مارس (آذار) في تصويت غير ملزم، على وقف المبيعات العسكرية المستقبلية إلى إسرائيل.

وقالت وزيرة الخارجية ميلاني جولي لصحيفة «تورنتو ستار» في ذلك الوقت إن شحنات الأسلحة ستتوقف.

بلجيكا

قيّدت السلطات مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، كما شنّت الحكومة حملة من أجل حظر على مستوى الاتحاد الأوروبي.

فلسطينيون في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

هولندا

أمرت محكمة هولندية في فبراير (شباط) الحكومة بوقف توريد أجزاء طائرات مقاتلة من طراز «إف-35» إلى إسرائيل، بسبب الخطر الواضح المتمثل في حدوث انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي.

ومع ذلك، لم يشمل الحكم المكونات المرسلة إلى دول مثل الولايات المتحدة التي يمكن تسليمها بعد ذلك إلى إسرائيل.

دول لا تحظر بيع السلاح

الولايات المتحدة

بسبب الجدل حول مبيعات الأسلحة، لا تكشف الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى عن التفاصيل الكاملة لتجارة الأسلحة الخاصة بها.

ومع ذلك، وفقًا لمعهد «ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، فإن واشنطن هي أكبر داعم عسكري لإسرائيل، حيث تقدم ما يقدر بنحو 69 في المائة من أسلحتها من مصادر أجنبية.

وانتقد الرئيس الأميركي، جو بايدن، سلوك إسرائيل، ووصف حملتها بأنها «عشوائية»، لكن الرئيس رفض وقف بيع القنابل.

وفي مايو (أيار)، علّقت الإدارة الأميركية شحنات القنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات إلى إسرائيل، لكنها استأنفت بعض عمليات التسليم في يوليو (تموز).

قوات إسرائيلية تدخل إلى مخيم جنين للاجئين السبت (إ.ب.أ)

ألمانيا

وفقاً لمعهد «ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، فإن نحو 30 في المائة من صادرات الأسلحة إلى إسرائيل تأتي من ألمانيا.

وتشمل المبيعات أسلحة محمولة مضادة للدبابات وطلقات ذخيرة للأسلحة النارية الأوتوماتيكية أو شبه الأوتوماتيكية.

وتعدّ برلين دعم الدولة اليهودية مسألة تتعلق بأسباب الدولة، بسبب مسؤوليتها عن المحرقة.

الدنمارك

تسهم الدنمارك في برنامج «إف-35» وتقاوم طلباً قضائياً تقدمت به عدة جماعات حقوقية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، التي تسعى إلى منع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.

صحيفة الشرق الاوسط




وثيقة “خذها أو اتركها”.. ضفدع يعدّه بايدن لإجبار نتنياهو والسنوار على ابتلاعه

أكد رئيس الموساد دادي برنياع، الإثنين الماضي، لدول الوساطة أن إسرائيل مستعدة للانسحاب من محور فيلادلفيا في المرحلة الثانية لصفقة تحرير الرهائن – قبل ساعات من تصريح نتنياهو بأنه غير مستعد للقيام بذلك. هذا ما قالته للصحيفة مصادر أجنبية مطلعة على المفاوضات حول الصفقة. برنياع، الذي سافر أمس بشكل مستعجل إلى قطر، أبلغ ممثلي دول الوساطة بأن إسرائيل تتمسك بالموافقة على إخلاء جميع القوات من المنطقة حسب خطة الرئيس الأمريكي بايدن، وهذا يخضع لتنفيذ الطلبات العملياتية التي ستطرحها. لم ينف مكتب رئيس الحكومة هذه الأقوال، ولم يتراجع عن مطالبة نتنياهو بوجود طويل المدى على طول المحور. وبدلاً من ذلك، قال إن “الكابنيت السياسي – الأمني سيناقش هذا الموضوع لاحقاً. لم يطلب منه الكابنيت حتى الآن مناقشة أي جزء في المرحلة الثانية للصفقة”.
مصدر إسرائيلي رفيع مطلع على الأمر، قال للصحيفة إن “نتنياهو وافق في السابق على انسحاب كامل للقوات من محور فيلادلفيا وإخلاء مطلق لها. اليومان الأخيران تسببا بضرر كبير للمفاوضات. المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الحكومة، هدف إلى تعويق الصفقة لأسباب سياسية. لو لم تظهر هذه الطلبات فجأة لعقدت صفقة منذ زمن”.
في لقاء مشحون جرى نهاية تموز، أمر نتنياهو رئيس طاقم المفاوضات بإعادة صياغة خطة الصفقة، ووضع فيها طلباً، وهو السماح بوجود القوات على طول محور فيلادلفيا. برنياع ورئيس “الشاباك” رونين بار ورئيس هيئة الأسرى والمفقودين نيتسان ألون، هاجموا نتنياهو في حينه، في نقاش عرف بـ “لقاء الصراخ”، واتهموه بأن تصميمه سيفشل المفاوضات ويؤدي إلى موت مخطوفين في الأسر. “في اللحظة التي صمم فيها على هذه الأمور، دمر الصفقة”، قال للصحيفة مصدر مطلع على المفاوضات.

رغم خطاب نتنياهو أول أمس، فإن المفاوضات لم تفشل بعد. “هذا لم ينته”، أكد مصدر غربي مطلع على المحادثات. “احتمال عقد الصفقة ضئيل جداً، ولكن لم يفجر أحد المفاوضات حتى الآن. لم يعلن الفلسطينيون حتى الآن انتهاء المحادثات. قد يضطر نتنياهو إلى إظهار مرونة في نهاية المطاف، وربما يقرر السنوار التنازل من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، الذي هو أهم له من أي شيء آخر”.
ينتظر الطرفان الآن اقتراحاً لحل وسط، يبدو أنه الأخير، للولايات المتحدة. وهذه الاقتراح/الوثيقة قد تكون على طاولة المفاوضات خلال بضعة أيام. بعض المصادر وصفت صيغة الوثيقة بـ “خذها أو اتركها”، أي أن الإدارة الأمريكية ستعلن بأن الصيغة غير خاضعة للتغيير، وهكذا سيضطر نتنياهو والسنوار ليقرر كل منهما إذا كانا سيتبنيانها أو سيؤديان إلى تفجير الصفقة نهائياً.
تصريح الرئيس الأمريكي أول أمس، الذي بحسبه لا يفعل نتنياهو ما هو كاف لتحقيق الصفقة، اعتبرته إسرائيل محاولة أمريكية للضغط على رئيس الحكومة لإظهار المرونة قبل طرح الوثيقة. “ما يمكن أن يحدث الآن هو إعلان الولايات المتحدة عن بقاء قوات إسرائيلية صغيرة في محور فيلادلفيا كما تطلب إسرائيل، في المرحلة الأولى من الصفقة. ولكن ستجبر إسرائيل في المرحلة الثانية، على إخراج جميع القوات”، قال مصدر مطلع على المفاوضات. “على نتنياهو والسنوار ابتلاع الضفدع”.
خلال تصريح نتنياهو أول أمس، يرى أن البقاء في محور فيلادلفيا ضرورة استراتيجية – سياسية لإسرائيل. وقال، ضمن أمور أخرى، إنه طلب أن تبقى إسرائيل في المحور، حتى قبل عملية الانفصال. ولكن في الـ 14 سنة من بين الـ 15 سنة لحكمه، لم يعمل على هذا الموضوع مطلقاً. وحسب قول رئيس الحكومة، وضع للحرب أربعة أهداف، وهي: هزيمة حماس، وإعادة المخطوفين، وإزالة التهديد من القطاع، وإعادة السكان على الحدود في الشمال. “ثلاثة من بين هذه الأهداف تمر في محور فيلادلفيا، أنبوب الأوكسجين لحماس”، قال نتنياهو. “أعلن شارون عن خطة الانفصال في 2003، وبعد بضعة أشهر طلبتُ السيطرة على المعابر من غزة وإليها، لأنه إذا تنازلت إسرائيل عن السيطرة هناك، ستصبح غزة جيباً للإرهاب. وكان من الواضح أنه إذا لم نسيطر على هذا المحور، فسيخلق وحش. محور الشر يحتاج محور فيلادلفيا، وإذا خرجنا فلن نعود. لن نتنازل عن ذلك، ولن ندخل أنفسنا في شرك مخيف”.
بقلم: يونتان ليس

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي