1

تقرير لـ”فورين بوليسي” عن تغيرات تاريخية حقيقية.. ما علاقة روسيا والصين وإيران والسعودية ومصر؟

ذكرت مجلة “فورين بوليسي” في تقرير اليوم الأربعاء، أن الدول الغربية أصبحت تفقد مكانتها كقطب للقوة في العالم، ما يفسح المجال أمام روسيا والدول الآسيوية في هذا المجال.

وقال التقرير إن “العالم يمر بتغيرات تاريخية حقيقية، حيث تجد المزيد والمزيد من مراكز القوة والنفوذ المهمة نفسها بعيدة عن متناول الغرب، وهذا لا ينطبق فقط على منافسيها الواضحين مثل روسيا والصين، ولكن أيضا على الشركاء الظاهريين مثل الهند وتركيا والمملكة العربية السعودية، التي لا تنوي بوضوح البقاء أسيرة للقوى الغربية”.

وتشير المجلة إلى أن المتشككين الغربيين لم يأخذوا مجموعة “بريكس” على محمل الجد، والتي توسعت بشكل كبير في عام 2024، حيث قبلت مصر وإثيوبيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وأضافت: “لكن الغرب يحتاج إلى أن يفهم أن حقائق العالم قد تغيرت، وأن الأساليب التي ساعدته لفترة طويلة في الحفاظ على نفوذه – مثل الاعتماد على القوة الاقتصادية لمجموعة السبع للتأثير على الشؤون العالمية – لم تعد مجدية”.

وتشير “فورين بوليسي” إلى أن العالم يقف على عتبة عصر “اللا غربية”، “عندما أصبح الماضي الإشكالي للعلاقات بين الدول الغربية وغير الغربية محور الاهتمام التاريخي. على سبيل المثال، فقدت فرنسا نفوذها عمليا في غرب إفريقيا، حيث تتخلص مالي والنيجر بنشاط من نفوذ المستعمر السابق”.

وفي مارس الماضي، قال رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان إن الهيمنة الغربية قد انتهت وإن نظاما عالميا جديدا يجري تشكيله.

وانتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا “النظام العالمي القائم على القواعد الذي يروج له الغرب”، واصفا إياه بالهراء.

ووفقا له، لم ير أحد أو يكتب هذه القواعد، مما يجعل من الممكن لأتباع هذا النهج الاستعماري أن يخترعوها بين الحين والآخر لمصلحتهم الخاصة.

وشدد الرئيس الروسي على أن النظام العالمي متعدد الأقطاب يتعزز، وهذه عملية حتمية، لأن النظام العالمي الاستعماري الجديد القبيح بطبيعته لم يعد له وجود، وأشار في الوقت نفسه إلى ضرورة إنشاء نظام عالمي جديد يقوم على مبادئ الانفتاح الاقتصادي والعدالة للجميع والقرارات الجماعية ومراعاة مصالح جميع الدول.

مجلة فورين بوليسي




إيكونوميست: حرب غزة منحت المستوطنين تأثيراً سياسياً وعسكرياً وفتحت الباب أمام “أكبر مصادرة للأراضي منذ 1993”

قالت مجلة “إيكونوميست” إن المستوطنين اليهود حصلوا على مكاسب غير مسبوقة من الحرب في غزة، فقد سيطروا على أراض وحققوا نفوذاً على الجيش والشرطة والسياسة.

وفي تقرير بعنوان “العقارات والدين” قالت فيه: “سق سيارتك على طول شارع الستين الذي يخترق الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها، فإن رحلتك تبدو وكأنها رحلة عبر الشارع العقاري. فهو مزين بلافتات مكتوبة باللغة العبرية “آخر شقتين في ميتزبي ليفونا” و “بيتك القادم هو عوفرا” وأخرى تعد بأن “أعشابك ستكون خضراء” وستراها من فيلا في تزفيم. فهذه أوقات ازدهار للمستوطنين في إسرائيل الذي يكتسبون  الارض والتأثير العسكري والسلطة السياسية”.

وتعلق المجلة بأن الحرب ضد غزة “جرّأتهم”، فحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعتمد على الأحزاب التي يدعمها المستوطنون لتشكيل ائتلاف في البرلمان، مما يمنحها نفوذاً واسعاً على إدارة النزاع وفيتو على وقف إطلاق النار، حسبما يرى البعض. وفي الوقت نفسه، فقد زادت الحرب من التأثير الزاحف للمستوطنين على الجيش، وقدمت لهم ستاراً لمصادرة الأراضي في الضفة الغربية.

وبحسب مسؤول بارز في الحكومة: “مع انشغال الجميع في العام الماضي بالاحتجاجات ضد الإصلاحات القانونية والآن الحرب، فإننا فعلنا أموراً غير مسبوقة للمستوطنات”. وتقول أوريت ستروك، الوزيرة المكلفة بالمستوطنات وعضو حزب الصهيونية الدينية “إنها مثل المعجزة”.

وكانت ستروك  تتحدث مع مستوطنين في بؤرة استيطانية جنوب الخليل: “أشعر مثل شخص كان ينتظر عند إشارة المرور وفتحت الأضواء الخضراء”، وهي واحدة من عدة مستوطنات صدرت قرارات حكومية لتوسيعها في شهر حزيران/يونيو. وستضم المستوطنات الجديدة  5,295 بيتاً على أكثر من 2,965 فداناً. ومنذ عام 2022 “شرعنت” الحكومة التخطيط في البؤر الاستيطانية التي  لم يتم الاعتراف بها.

تشجيع حكومي

وقالت منظمة “السلام الآن”، وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية تراقب بناء المستوطنات، إن هذا يمثل أكبر عملية مصادرة للأراضي في الضفة الغربية منذ توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين في عام 1993. وتعلق المجلة أن الإجماع بين خبراء القانون الدولي هو أن كل المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية وبموجب ميثاق جنيف الرابع والذي يحظر على الدول نقل سكان إلى المناطق المحتلة، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو. لكن إسرائيل لا توافق على هذا الرأي وتزعم أن وضع الأرض “متنازع عليه” وأنها على أية حال تضم تجمعات يهودية تعود إلى آلاف السنين. واليوم يحتل نحو نصف مليون مستوطن أجزاء من الضفة الغربية. ويعيش 200 ألف مستوطن آخر في أحياء القدس الواقعة شرقي حدود عام 1967، والتي ضمتها إسرائيل رسميا.

وتضيف “إيكونوميست” أن بعض هذه المستوطنات أقيم وأنشئ بتشجيع من الحكومات في حينها.

وهناك مستوطنات أخرى أقيمت كتحد للحكومات والساسة، وعلينا عدم تجاهل موقف الحكومة الحالية. فبالإضافة إلى وزارة ستروك التي تقوم بتوجيه التمويل الحكومي إلى المستوطنات، فإن زعيم حزبها، بتسلئيل سموتريتش، وهو مستوطن، هو وزير مالية إسرائيل وهو مسؤول عن الكثير من الإدارة غير العسكرية للضفة الغربية في وزارة الدفاع. وتقول المجلة إن كل المستوطنين في الضفة ليسوا من المتدينين المتطرفين الذين يرون أن العيش في الضفة الغربية هو جزء من مهمة مقدسة لاحتلال الأرض التوراتية القديمة، فهناك يهود علمانيون وأرثوذكس استفادوا من الأسعار المتدنية للبيوت التي بنيت في حدود عام 1967.

وفي كل الخطط الرامية لتسوية تقوم على حل الدولتين، فالمستوطنات الإسرائيلية ستظل جزءاً من إسرائيل، لكن البؤر الاستيطانية المقامة في عمق الضفة الغربية والتي يهاجم أفرادها سكان القرى الفلسطينية، هي دينية بالكامل. ويرى المقيمون فيها أن مهمتهم المقدسة هي منع إقامة دولة فلسطينية على الأرض المقدسة. وأصبحت المهمة عنيفة وبشكل متزايد.

ومنذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر زاد عنف المستوطنين في الضفة الغربية بمستويات حادة.  وفي 26 آب/أغسطس هاجم مستوطنون مسلحون قرية فلسطينية صغيرة في جنوب بيت لحم وبحماية جنود إسرائيليين وقتلوا رجلاً فلسطينيا يبلغ 40 عاماً وأصيب ثلاثة آخرون.

وفي 15 آب/أغسطس هاجم مستوطنون مسلحون قرية جيت الفلسطينية وأشعلوا النيران في المنازل والسيارات وقتلوا رجلاً يبلغ من العمر 22 عاماً. ولكن السكان المحليين قالوا إن الجنود الإسرائيليين كانوا حاضرين أثناء الهجوم ولم يتدخلوا لبعض الوقت.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن هذه هي المرة الحادية عشرة التي يقتل فيها فلسطيني على يد مستوطنين منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر. وقد أجبرت أعمال العنف المتزايدة التي يرتكبها المستوطنون الفلسطينيين على الفرار من عدد من القرى الصغيرة في المناطق النائية من الضفة الغربية.  وبحسب مسؤولين إسرائيليين لم يتم اعتقال سوى عدد من المستوطنين المشاركين في أعمال العنف هذه. ومنذ تعيين إيتمار بن غفير، زعيم حزب “القوة اليهودية” وزيراً للأمن، أصبحت الشرطة الإسرائيلية مترددة في إجراء تحقيقات في عنف المستوطنين، ولهذا طلب من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) التحقيق في جريمة القتل في جيت. وتعمل أجهزة إنفاذ القانون وأجهزة الأمن الإسرائيلية في اتجاهين متعارضين.

 فالشرطة هي تحت سيطرة بن غفير، وفي الوقت نفسه، يخصص جهاز الشين بيت موارد كبيرة لمنع ما أسماه مديره رونين بار “الإرهاب اليهودي”، كما شرح في رسالة وجهها مؤخرا إلى نتنياهو وبقية الوزراء. ولم تبد أجهزة الادعاء الإسرائيلية جدية في التحقيق بالهجمات على الفلسطينيين، مع أن الحكومة تشعر بالقلق إزاء فرض حلفائها الغربيين عقوبات ضد المستوطنين.

قلق جيش الاحتلال

وأبدى الجنرالات الإسرائيليون قلقاً، ففي تموز/يوليو ألقى الجنرال يهودا فوكس الذي استقال من منصبه كقائد للقيادة المركزية في الجيش الإسرائيلي والحاكم العسكري الفعلي للضفة الغربية خطاباً اتهم فيه المستوطنين بالسماح لأقلية بالانخراط في “أنشطة إجرامية متطرفة قومياً”. وقال إنهم كانوا “تحت غطاء الحرب والرغبة في الانتقام”، “يرهبون المدنيين الفلسطينيين الذين لم يشكلوا أي تهديد”.

 ولكن حتى في خضم مثل هذه التحذيرات، كان العديد من الجنود جزءا من هذا العنف وهم يرتدون الزي العسكري ويستخدمون أسلحتهم التي وزعتها عليهم الدولة. وبعضهم يفعل ذلك أثناء إجازته، ولكن العديد من المستوطنين يخدمون في كتائب “الدفاع الإقليمي”، المتمركزة في الضفة الغربية، وقد لوحظوا وهم يشاركون في هجمات على الفلسطينيين أثناء تأدية واجبهم.

وتقول المجلة إن المستوطنين باتوا جزءا مهما من الجيش الإسرائيلي، ففي أكاديمية بيني ديفيد، وهي أول أكاديمية عسكرية تحضيرية أنشئت بمستوطنة إيلي عام 1988 وتقدم التدريب العسكري والديني، وقد تخرج منها الاف الطلاب الذين انضموا إلى الجيش وعمل عدد من خريجها كمستشارين عسكريين نتنياهو. ويشكل المستوطنون في الضفة الغربية 5% فقط من سكان إسرائيل، ولكنهم ممثلون بشكل كبير في وحدات القتال في الجيش الإسرائيلي ويصعدون سلم الترقية تدريجيًا. وقد عاش الجنرال الجديد للقيادة المركزية كطفل في مستوطنة ودرس في أكاديمية إيلي. وقد تتبع رون شابسبيرج كضابط في الجيش قبضة الصهاينة المتدينين على الجيش، وقال: “إنهم متعلمون تعليماً جيداً وتدفعهم أيديولوجيا وقوة عقلية ويخططون لثورة هادئة”.

وتضيف أن المستوطنين يقومون بتغيير طابع واحد من أقوى جيوش الشرق الأوسط والذي كان علمانياً في شكله. ويمكن رؤية هذا في الحرب الدائرة  بغزة، حيث تقيم العديد من الوحدات صلوات قبل الذهاب إلى المعركة ويزين الجنود ملابسهم القتالية بشعارات تصور المعبد اليهودي القديم في القدس أو كلمة “المخلص”.

مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




محلل إستراتيجي أمريكي: الهجوم الأوكراني على كورسك مغامرة غير مدروسة

في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، توغلت القوات المسلحة الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية فيما وُصف بأنه أكبر هجوم بري تتعرض له روسيا منذ الحرب العالمية الثانية. وتمكنت القوات الأوكرانية من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي الروسية، فيما أثار ردود فعل متباينة بين المحللين والمتابعين، خاصة وأن روسيا ردت قبل يومين بأكبر هجوم جوي على الأراضي الأوكرانية منذ بدء الحرب بين البلدين في شباط/ فبراير 2022.

وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، قال الدكتور جيمس هولمز رئيس كرسي جيه.سي ويلي للاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية الأمريكية، والزميل في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة جورجيا الأمريكية، إن “كبار الخبراء الاستراتيجيين على مر التاريخ لو كانوا بيننا الآن لوبّخوا قيادة أوكرانيا على شن هذا الهجوم بسبب تداعياته الخطيرة على أوكرانيا. ورغم أن المفكر الاستراتيجي الألماني الراحل كارل فون كلاوسفيتس كان يؤيد فتح مسارح قتال ثانوية في ظروف معينة لتشتيت قوة العدو، لكنه فعل ذلك على مضض، وحذر من أن يكون ذلك على حساب النجاح في مسرح العمليات الرئيسي والذي يمثل في نهاية المطاف المسرح الأهم بالنسبة لقيادة الجيش”.

ويرى هولمز أن الاستراتيجية تعني قبل أي شيء تحديد الأولويات وتنفيذها. وهذا يتطلب ضبط النفس. وبالتالي من غير المنطقي من الناحية الاستراتيجية المخاطرة بالأهم من أجل شيء أقل أهمية، مهما كان ذلك مغريا. وبالنسبة لأوكرانيا التي تخوض معركة وتواجه خطرا مدمرا، يجب أن تكون الأولوية القصوى للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأرض الأوكرانية في حين تسعى إلى استعادة الأرض التي سيطرت عليها روسيا في بداية الحرب، بدلا من التوغل في أرض روسية لن تحقق أكثر من مكسب دعائي بلا أي فائدة حقيقية.

ويقول كلاوسفيتس صاحب كتاب “الحرب” الشهير، إن فتح أي مسرح ثانوي أثناء القتال يجب أن يخضع لثلاثة محددات هي “العائد والمخاطرة والموارد” أي أنه يجب أن يكون لدى القيادة العسكرية الموارد الكافية لفتح هذا المسرح دون أن يؤثر ذلك على المجهود الحربي في المسرح الرئيسي، وأن تكون المخاطر محسوبة، وأخيرا أن يكون العائد المنتظر أكثر من مجرد مكاسب يعد الحصول عليها أمرا محبوبا وإنما يكون “مكسبا استثنائيا”. وفي كل الأحوال، كان المفكر الاستراتيجي الكبير يقول إذا لم يكن من الضروري فتح مسرح ثانوي فمن الضروري عدم فتحه.

ويقول هولمز: “هل يعتقد أحد أن القوات الأوكرانية تتمتع بتفوق عسكري حاسم على روسيا في مسرح العمليات الرئيسي بشرق أوكرانيا؟ إذا لم تكن الإجابة بنعم، فإن كييف ستكون أقدمت على مخاطرة غير مقبولة بفتح جبهة ثانوية في كورسك من وجهة نظر كلاوسفيتس الذي عاش خلال الفترة من 1780 إلى 1831، الذي كان سينتقد بالتأكيد القادة العسكريين والسياسيين الأوكرانيين بسبب عدم انضباطهم الاستراتيجي”.

وربما لن ينتقد المفكر العسكري الصيني القديم صن تسو صاحب كتاب “فن الحرب” التوغل الأوكراني في كورسك، بل إن تسو كان سينصح جنرالات أوكرانيا  بتبني نهج انتهازي شديد المرونة في التعامل مع العمليات في ساحة المعركة، باستخدام خطوط قتال “مباشرة” والتي تترجم أحيانا بكلمة “عادية” أو “تقليدية” وخطوط  “غير مباشرة” تترجم أحيانا بكلمة “استثنائية” أو “غير تقليدية”.

في ظاهره، يمكن أن يكون غزو أوكرانيا لكورسك هجوما واسعا غير مباشر يرضي صن تسو. فلا شك أن هذا الهجوم فاجأ موسكو. ولكن هذا هو جوهر الأمر. فمثله كمثل كلاوسفيتس بعد ألفي عام، كان الحكيم الصيني مهتما دائما بعنصري المخاطر والموارد.  فإذا كان الجيش يضم عشرة أضعاف عدد جنود العدو، فإنه يحث الجنرال على إصدار الأوامر بتطويق العدو، وإذا كان عدد جنوده خمسة أضعاف عدد جنود العدو، فإنه يتعين على الجنرال مهاجمة العدو، وهكذا كلما قلّت نسبة تفوق قوات الدولة على قوات العدو، قلت قدرة القائد على المجازفة، وإذا ما قرر المجازفة في هذه الحالة فستكون النتيجة كارثية. ويقول صن تسو: “إذا كانت قوتك أقل من قوة العدو من الناحية العددية فحاول الانسحاب. وإذا كانت القوة أقل من قوة العدو بكل المقاييس فحاول الهرب منه لأن القوة الصغيرة هي في النهاية غنيمة للقوة الأكبر”.

ويقول هولمز إنه إذا نظرنا إلى الحرب بين روسيا أوكرانيا من منظور تعداد جيش كل دولة منهما، فمن الصعب تصور أن صن تسو كان سيؤيد توغل أوكرانيا في روسيا. ورغم أن الجيش الأوكراني يقاتل بطريقة استثنائية مدهشة منذ بداية الغزو الروسي، فإنه لا يمكن أن يخفي ذلك حقيقة أن أوكرانيا كانت وستظل الطرف الأضعف في مواجهة عدو أكبر وأكثر بالموارد، ويرى أن مصالحه الحيوية على المحك ومستعد لاستخدام كل ما يملكه من وسائل للدفاع عنها. فأوكرانيا أضعف من روسيا وفق أغلب المقاييس وعليها أن تتصرف وفقا لهذه الحقيقة.

أخيرا يمكن القول إن صوت كلاوسفيتس القادم من أوروبا في القرن التاسع عشر، وصوت صن تسو القادم من الصين منذ أكثر من ألفي عام، يحثان كييف على وقف عملية كورسك وتركيز قواتها للدفاع عن أشياء أكثر أهمية.

مجلة ناشونال انتريست

ترجمة ابراهيم درويش




الأمير هشام العلوي: الحرب على غزة أصبحت ثقافية وحضارية أكثر منها جيوسياسية.. والغرب يساوي بين تأييد فلسطين ومعاداة السامية

في مقال بالموقع التحليلي الفرنسي المتخصص في العالم العربي “أوريون 21” بعنوان “الحرب في غزة، توسيع نطاق عدم الاستقرار”، اتهم الأمير المغربي والأستاذ في جامعة بيركلي الأمريكية، هشام العلوي، الغرب بفقدان المصداقية التامة في حرب قطاع غزة، وأصبح الأمر يتعلق بحرب ثقافية وحضارية أكثر منها جيوسياسية.

ويبرز، في مقاله المنشور الأربعاء، عدة جوانب لحرب غزة، ومنها موقف الدول العربية، مثل الأردن ومصر والمغرب والجزائر، والدول الإسلامية مثل إيران، غير أنه يركز كثيراً على دور الغرب الذي يصفه بالفاقد للمصداقية في هذا النزاع.

العلوي: النخبة والحكومة الفرنسية تربط بين هجمات “حماس” والمهاجرين واللاجئين المسلمين، وينظرون إلى الرد العسكري الإسرائيلي باعتباره جهداً شجاعاً لاستعادة الديمقراطية والدفاع عن الحضارة الغربية

في هذا الصدد، يكتب: “وأخيراً، فإن حرب غزة تؤدي إلى تساؤل جدي حول موقف الغرب في المنطقة. إن الدعم الثابت الذي تقدمه الحكومات الغربية لإسرائيل لا ينبع من حسابات جيوسياسية فحسب. فهي تتشابك بشكل متزايد مع الحروب الثقافية المستمرة داخل النسيج الاجتماعي والسياسي لأمريكا وأوروبا”.

ويرى العلوي كيف أصبحت هذه الحرب ذات طابع حضاري بسبب المفاهيم التي يتعامل بها الغرب مع الفلسطينيين وبطريقة غير مباشرة مع جميع العرب والمسلمين.

ويلقي الضوء على سلاح معاداة السامية، إذ كيف أصبح الغربيون المؤيدون لإسرائيل يساوون أي تعاطف مع القضية الفلسطينية مع معاداة السامية، متناسين معاداة السامية التي تتسم بها قوى اليمين المتطرف التقليدية التي تدعم إسرائيل.

وفي أمريكا، على سبيل المثال، يعتمد السياسيون اليمينيون مثل دونالد ترامب على الدعم الشعبي من أولئك الذين يكرهون اليهود. ولكن بالنسبة لهم، لا يعد هذا معاداة للسامية، لأنه يأتي من الأمريكيين الذين يدافعون عن وطنهم العنصري. كما تنظر هذه الأصوات إلى الصراع بين حماس وإسرائيل باعتباره صورة مصغرة لمخاوفها من غزو الأجانب لمجتمعاتها التي يفترض أنها نقية.

وعليه، فإن النخبة والحكومة الفرنسية تربط بين هجمات حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والمهاجرين واللاجئين المسلمين الذين يشوهون الثقافة الفرنسية. وينظرون إلى الرد العسكري الإسرائيلي باعتباره جهداً شجاعاً لاستعادة الديمقراطية والدفاع عن الحضارة الغربية ضد من تعتبرهم غير المتحضرين.

العلوي: الخطاب المزدوج للغرب حول القانون الدولي، خاصة بإرساء استثناءات فيه كما يحدث مع القضية الفلسطينية بسبب الانحياز الأعمى لإسرائيل، يضعف الديمقراطية الغربية، ويعزّز الديكتاتوريات

ويستمر الأمير هشام في انتقاده للغرب وخاصة فرنسا، قائلا: “بالنسبة لهذه الجهات الفاعلة، فإن اتهامات معاداة السامية الموجهة ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين لا تهدف فقط إلى الدفاع عن إسرائيل. إنها جزء من حماية أسوار القوة الغربية ضد الجحافل التي تحاصر الاستثنائية الفرنسية. بالنسبة لهم، يُعتبر يوم 7 أكتوبر بمثابة نسخة طبق الأصل من هجوم باتاكلان الذي وقع في نوفمبر 2015. وقد تزايدت هذه الرؤية المعادية للأجانب في السنوات الأخيرة في جميع أنحاء القارة الأوروبية”.

ويعتبر الكاتب أن الخطاب المزدوج للغرب حول القانون الدولي خاصة بإرساء استثناءات فيه كما يحدث مع القضية الفلسطينية بسبب الانحياز الأعمى لإسرائيل يضعف الديمقراطية الغربية، وهذا يعمل بشكل أو آخر على تعزيز الديكتاتوريات العربية التي تستفيد من التشكيك في الديمقراطية الغربية.

وهكذا، يبرز الأمير هشام، ابن عم ملك المغرب، كيف اتخذت هذه الحرب في قطاع غزة طابعا حضاريا وثقافيا أكثر منها حربا جيوسياسية تتعلق بالتموقع العسكري والاقتصادي، مشيرا إلى تحرك الغرب في مجمله ككتلة واحدة، وإن تفاوت مواقف دوله. بينما الدول العربية كل واحدة منها لديها حسابات خاصة تتماشى ومصالحها الفردية وليس الجماعية.

موقع “أوريان 21” الفرنسي

ترجمة صحيفة القدس العربي




مفاوض إسرائيلي سابق : سياسة بايدن في غزة فاشلة وتقوي نتيناهو وحلفاءه في اليمين المتطرف

قال دانيال ليفي، مدير مشروع الولايات المتحدة/ الشرق الأوسط والمفاوض الإسرائيلي السابق، إن الدبلوماسية الأمريكية في غزة فاشلة وكل ما تقوم به هو تقوية نتنياهو الذي يفضل استمرار الحرب وليس التوصل إلى صفقة.

وأكد في مقال له نشرته صحيفة “الغارديان”: “لا تزال إدارة بايدن في مرحلة مكثفة من النشاط الدبلوماسي في الشرق الأوسط ولمنع اندلاع حرب إقليمية ومواصلة جهودها متفائلة بالتوصل إلى صفقة في غزة”.

وقال إنه بعد الجولة الأخيرة من عمليات القتل الإسرائيلية خارج القانون في بيروت وطهران والتبادل المكثف في إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، فقد بدا أن المنطقة تتجه نحو الحرب الشاملة، ومنع هذا هو في حد ذاته قضية جديرة بالاهتمام.

وأضاف ليفي أنه في ظل الحملات الانتخابية وعدم شعبية السياسة التي ينتهجها الديمقراطيون من غزة، إسرائيل والشرق الأوسط وأثر هذا على صناديق الاقتراح في الولايات الرئيسية، فهناك أسباب سياسية ملحة لتجنب الإدارة الديمقراطية المزيد من الحرب والسعي إلى تحقيق اختراق دبلوماسي.

واعتبر أن التصدي للانتقادات السياسية المحلية ومن خلال التعويل على صفقة، كان مفيداً في أثناء المؤتمر الديمقراطي الذي عقد هذا الشهر في شيكاغو، وسوف تظل هناك حاجة إلى هذه الأداة حتى الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر.

ثلاثية صعبة

 وبرأي الكاتب يحاول فريق بايدن التصدي لثلاثية صعبة، أولاً، بذل إدارة بايدن الجهود  لردع محور إيران من القيام برد على هجمات إسرائيل الأخيرة على طهران وبيروت. ولا شك أن جو بايدن يرغب في تحقيق صفقة لوقف إطلاق النار، وهو ما تفضل إيران عدم حدوث تغيير فيه، وشراء الوقت في نفس الوقت لحشد القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة كورقة نفوذ ضد إيران.

 وبحسبه تحاول الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل في المنطقة،  أولاً استعادة قوة الردع وحرية القيام بعمليات عسكرية بعدما انحرف ميزان القوة ضدها بسبب النزاع الحالي.

ثانياً، تريد إدارة بايدن الوصول إلى يوم الانتخابات بإنجازات إيجابية ووقف الحرب المثيرة للانقسام أو التداعيات الناجمة عنها، أو على الأقل تجنب مزيد من التصعيد الذي يهدد المنطقة بشكل عام ويجبر الولايات المتحدة للدخول من أجل الدفاع عن إسرائيل.

ثالثاً، وعلى نحو أكثر تخميناً، فربما رغبت إدارة بايدن بوضع نهاية للدمار الوحشي وقتل المدنيين الفلسطينيين في غزة  والتصدي للأزمة الإنسانية والعذاب الجهنمي الذي مارسه الإسرائيليون على غزة وعائلاتها. وعليه فوقف إطلاق النار قد يجلب المنفعة لأمريكا ويجنبها مزيداً من الضرر على مصالحها وسمعتها بسبب الغطاء السياسي الذي قدمه بايدن لإسرائيل واستمراره في إرسال الأسلحة إليها طوال هذه الحرب.

وفي اعتقاد الكاتب “فلو استطاعت إدارة تحقيق هدفين من الثلاثة أعلاه، فإنها تكون قد حققت إنجازاً مقبولاً. فقد أصبح تحقيق هذا الهدف سهلاً لأن إيران ومحور المقاومة يرفضان الوقوع في فخ الحرب الشاملة. ويظل الفشل في تحقيق وقف إطلاق النار يعني تداعي كل شيء واستمرار المنطقة على درجة من الغليان. وستجد الإدارة الأمريكية صعوبة في الحفاظ على مستويات خفض التوتر والهدوء السياسي الداخلي، حالة انهارت محادثات وقف إطلاق النار وبخاصة في ظل التوقعات العالية التي تحدثت عنها الإدارة”.

ويقول ليفي إن الاتجاه الذي تسير إليه الأمور فاقمته، وللأسف، الدفعة الدبلوماسية الأمريكية غير المرتبة والمخادعة أو كلاهما. ويضيف أن إنهاء المعاناة الإنسانية في غزة وإعادة المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس، هما بلا شك، سبب كاف لبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق وقف إطلاق النار.

إدارة بايدن عاجزة

لكن،  ليفي يؤكد أن إدارة بايدن كانت عاجزة بشكل لا يصدق عن التعامل مع الفلسطينيين على قدم المساواة بنفس الطريقة الإنسانية واحترام الكرامة التي عاملت فيها اليهود الإسرائيليون، وهو أحد الأسباب التي جعلت هذا الأمر يؤثر بشكل سيئ للغاية على قاعدة الناخبين الديمقراطيين. ويعتقد ليفي إن القصور المذهل في نهج إدارة بايدن، والتي فاقمتها مهمة وزير الخارجية أنطوني بلينكن الأخيرة، لها عواقب وخيمة وتستحق النظر والتفكيك.

وبحسبه فقد كان ينبغي أن تدق أجراس الخطر عندما أعلن بلينكن في مؤتمره الصحافي الأخير في القدس من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  قبل المقترح الأمريكي لـ “ردم الهوة”، وبعد ذلك أعلن نتنياهو أن أمراً كهذا لم يحدث. واتضح بعد ساعات أن المفاوض الإسرائيلي الرئيسي نيتزان ألون لن يشارك في المفاوضات احتجاجاً على تقويض نتنياهو الصفقة.

وتبع ذلك قيام كبار المسؤولين الأمنيين الأمريكيين والإسرائيليين بالحديث مع الصحافة دون الكشف عن هويتهم قائلين إن نتنياهو يمنع التوصل إلى اتفاق. وتم التوصل إلى استنتاجات مماثلة ونشرتها المنتديات الرئيسية التي تمثل أسر المحتجزين الإسرائيليين.

وأشار الكاتب إلى أنه في زيارته التاسعة لإسرائيل منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فشل بلينكن مرة أخرى، ليس فقط في التوسط بين إسرائيل وحماس، بل وحتى في سد الفجوات بين المعسكرات المتنافسة داخل إسرائيل.

لا جدية أمريكية

واشار ليفي إلى رفض الولايات المتحدة التعامل بجدية مع  مواقف حماس التفاوضية المشروعة، وأنها يجب أن  تكون جزءاً من صفقة والتي توافق عليها الولايات المتحدة ظاهرياً من حيث الجوهر، مثل الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف إطلاق النار الدائم، مما أدى إلى الحكم على المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بالفشل المتكرر.

ويعتقد الكاتب أن إعادة صياغة المقترحات الإسرائيلية وتقديمها على أنها موقف أمريكي وإن ترك أثاره السلبية ولا يجعله جذاباً. كما لن يؤدي ذلك إلى إحراز أي تقدم، بل إنه لا يستطيع حتى الحفاظ على تأييد إسرائيل نظراً لتغيير نتنياهو المستمر لأهدافه لتجنب التوصل إلى اتفاق. ويقول ليفي إن حقيقة عدم تمتع الولايات المتحدة بأي مصداقية كوسيط هي مشكلة في حد ذاتها. وحقيقة أنها تآمرت لجعل مساهماتها ليس فقط غير فعالة بل وأيضاً عكسية الإنتاج هي أمر مدمر.

ووصف إيتمار آيشنر، المراسل الدبلوماسي لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، زيارة بلينكن بأنها كشفت عن  “سذاجة وعدم حرفية، بل وكانت تخريباً فعلياً للاتفاق من خلال التحالف مع نتنياهو”.

 ويرى ليفي أن اسلوب تعامل الحكومة الأمريكية مع نتنياهو معروف، ويقع في المجال الذي يفضله. ويعرف نتنياهو أنه منتصر حالة إقناعه الوسيط الأمريكي ودفعه للوم الجانب الفلسطيني، مهما كانت الحقائق، سواء كان عرفات أثناء أوسلو أو حماس اليوم.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة غيرت اقتراحها الخاص لاستيعاب نتنياهو الذي لا يزال ينأى بنفسه عن الشروط ويتعرض للضغوط من جانب مؤسسته الدفاعية، إلا أن بايدن وكبار المسؤولين الأمريكيين يواصلون حملتهم التضليلية العامة التي تزعم أن حماس وحدها هي المشكلة ويجب الضغط عليها.

مواصلة دعم نتنياهو

ويقول ليفي إن الحكومات الأمريكية التي تشعر بإحباط من نتنياهو، تعمل على تقويته في الداخل. وكان الخط الأساسي لنتنياهو ومنذ بداية الحرب الحالية، هو أنه في حين توجد ضغوط داخلية لتأمين صفقة، وبالتالي استعادة المحتجزين ووقف الحرب فإن الجانب الآخر من هذا هو الموقف الأكثر شؤماً، هو أن الصفقة لو حدثت فستقلب الائتلاف الحاكم المتطرف لنتنياهو وتجلب نهاية لأهم درع صنعه لنفسه سياسياً: “عباءته المزعومة كزعيم إسرائيل الذي لا غنى عنه في زمن الحرب”.

وأكد ليفي على  أن  نتنياهو  يتبنى نهجاً أيديولوجياً لتهجير الفلسطينيين وسلب حقوقهم، إلى جانب جر الولايات المتحدة وبنشاط إلى صراع إقليمي مع إيران.

 ويتمثل هدفه السياسي على الأمد القريب الحفاظ على حرب مفتوحة يمكن أن تصل لدرجات متفاوتة من الشدة، ولكن ليس التوصل إلى اتفاق. ويتساءل ليفي، من أين ينتهي التغيير في نهاية المطاف؟ ففي ظل التوترات الحالية، قد تندلع حرب إقليمية شاملة، فإلى جانب المخاطر والخسائر التي قد تترتب على ذلك، فاندلاع حرب أوسع نطاقاً إلى دفع خارجي أكثر جدية نحو التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار.

وفي النهاية، يقول ليفي إن السياسة الائتلافية الإسرائيلية قد تضع نتنياهو في مأزق أيضاً، نظراً للتوترات بين حلفائه في الحكم، وخاصة مع الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة بشأن قضية التجنيد العسكري. مع أن الطريقة الأكثر أماناً لتهدئة التوتر في المنطقة وإنهاء أهوال غزة لا تزال تتمثل في استخدام النفوذ الأمريكي بطرق ذات مغزى، أي من خلال الضغوط والعقوبات القانونية والسياسية والاقتصادية، وبخاصة حظر الأسلحة. وفي المحصلة فنتنياهو مدفع لا يمكن التحكم به، وليس لكامالا هاريس مصلحة في إعادة حشوه بالذخيرة خاصةً قبل عشرة أسابيع من الانتخابات.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




صحيفة عبرية: لماذا تسكت إسرائيل كلها عن جرائم بن غفير في حق الدولة؟

ما الذي يجب على رئيس “الشاباك” أن يفعله عندما توضع أمامه دلائل على أن وزير في حكومة إسرائيل يزرع قنبلة في الحرم؟ ما الذي يجب أن تفعله الشرطة إذا وجدت أن وزيراً في الحكومة يعمل يضر بعلاقات إسرائيل الخارجية بشكل يمس أمن الدولة؟

هذه أسئلة نظرية بالطبع، لأنه لا وجود لمثل هذا الوزير في حكومة إسرائيل. ولو وجد فهو أمر غير محتمل، فمن الواضح أنه كان سيجد نفسه في غرفة التحقيق، ويعتقل حتى انتهاء الإجراءات، وبعد ذلك تقديمه للمحاكمة والحكم عليه بالسجن. لو جرت عملية كهذه ضد الوزير نفسه، لتفجرت قنوات التلفاز بصراخ الوزير بن غفير ضد “الإنفاذ الانتقائي للقانون”، الذي تتبعه المستشارة القانونية للحكومة و”الشاباك” وشرطة إسرائيل. وخطابه المؤثر سيبدو كالآتي: “كيف يدينونني، أنا بن غفير، بتنفيذ ثماني جرائم، اثنتان بسبب حيازة مواد دعاية من قبل تنظيم إرهابي، وأخريان بسبب دعم تنظيم إرهابي، في حين وزير الأمن الوطني الذي يعمل على رؤوس الأشهاد وبتصميم ضد أمن دولة إسرائيل؛ ويعلن عن دعم الإرهابيين اليهود ويزود الدلائل على جرائمه بنفسه دون حاجة لإجراء تحقيق – كيف لا يتم فعل شيء بشأنه ويواصل التجول بحرية بيننا؟”.

بن غفير الوزير ليس عضواً في تنظيم سري يهودي جديد، يقتضي متابعة طويلة وزرع عملاء وتنصت سري وجمع مضن للدلائل، ولكنه أيضاً ليس “الذراع العسكري لحركة كهانا”، كما اعتبره روغل الفر (“هآرتس”، 27/8). في الحقيقة، إن موافقة حكومة إسرائيل على أن يكون أحد أعضائها، فإنها تحول نفسها إلى تنظيم إرهابي وتحول بن غفير إلى الذراع العسكري. ومثلما لا فرق في حماس بين ذراعها السياسية وذراعها العسكرية وحماس “الخارج” التي لا تسيطر على ما يحدث على الأرض ولا يمكنها إملاء سلوك السنوار، فهكذا هو نتنياهو أيضاً، “رئيس الذراع السياسي”، لا يمكنه ولا يريد إحباط التهديد الذي يفرضه بن غفير على دولة إسرائيل. وأصبح هو نفسه وكل أعضاء الحكومة شركاء في أفعاله.

إذا كان بن غفير تهديداً إرهابياً فمثله أيضاً من قام بتعيينه ويعتبره شريكاً شرعياً، بالأساس لأنه لا يفعل أي شيء من أجل إحباط العمليات (كما يبدو)، التي ينفذها بن غفير والتي يخطط لتنفيذها. بخصوص هذا الأمر، ينص قانون العقوبات على أن “من عرف بأن شخصاً ما يتآمر على ارتكاب جريمة ولم يبذل ما في وسعه لمنعه أو إيقافه فإن حكمه السجن لسنتين”. هذا البند استخدم في العام 2001 لإدانة مرغلبيت هار شيفي، التي لم تبلغ الشرطة عن نية يغئال عمير قتل إسحق رابين. قبل 15 سنة من إدانتها، أدين ضابطان في الحكم العسكري، النقيب اهارون غيلا والرائد شلومو لفيتان، بتهمة عدم منع جريمة، لأنهما لم يمنعا عمليات التنظيم السري اليهودي ضد رؤساء البلديات الفلسطينيين رغم أنهم عرفوا بأن هناك نية لتنفيذها.

أما هذه المرة، فثمة من يحذرون على الباب. لم يكن أكثر وضوحاً من الوزير موشيه أربيل (شاس) الذي أدرك على الفور وانزعج وحذر من نتائج خطيرة لأفعال بن غفير. قال أربيل إن “الأقوال غير المسؤولة تمتحن تحالفات إسرائيل الاستراتيجية مع دول إسلامية، التي تشكل تحالف النضال ضد محور الشر الإيراني. وعدم الحكمة لديه قد يكلف سفك الدماء”. ولكن حتى أربيل الذي دعا رئيس الحكومة لوضع حد لبن غفير، يستمر في كونه عضواً في تنظيم يعتبر بن غفير وتداً رئيسياً في الخيمة. لا حاجة لحبس الأنفاس، فلا أحد من أعضاء التنظيم الذي يسمى حكومة إسرائيل، يمكن أن يقدم للمحاكمة بسبب عدم منع جريمة. فالتنظيم يحافظ على أعضائه بشكل جيد.

 تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




صحيفة إسرائيلية صراع على “العليا”: القضاة “هي حصننا الأخير”.. والانقلابيون “سيلاحقوننا بـ 7 أكتوبر”

كانت صدمة فشل 7 تشرين الأول ستجعل الحكومة تركز على معالجة الحرب وتقليص الأضرار التي تسببت بها هي نفسها منذ إقامتها، بالأساس منذ اللحظة التي بادر فيها وزير العدل إلى الانقلاب النظامي. ولكن الحجم الكبير للفشل أدى إلى نتيجة معاكسة. فدافع نتنياهو وليفين لمواصلة الانقلاب هو الغالب؛ فالآن لا يكفيهما الإمساك بزمام السلطة، بل ويريدان السيطرة على رواية ما حدث في ذلك السبت اللعين – من تجاهل علامات التحذير، ومن غفا في نوبة الحراسة، ومن هو المذنب. 

الرواية التي يرغب بها نتنياهو واضحة؛ أن الجيش و”الشاباك” مذنبان، وأن الحكومة ورئيسها أفضل الناس. للتحكم بهذه الرواية، بات مطلوباً عدة إجراءات، على رأسها السيطرة على تعيين رئيس وأعضاء لجنة التحقيق الرسمية التي ستحقق في الفشل. إذا كان لنتنياهو وليفين قبل 7 أكتوبر أسباب لضعضعة ثقة الجمهور بالمحكمة العليا وتغيير تشكيلتها، فقد أصبح لهما سبب آخر مهم جداً. 

اقتراح “الحل الوسط” الذي طرحه ليفين بتعيين القاضي يوسف الرون رئيساً للمحكمة العليا حتى موعد تقاعده بعد سنة، ثم يخلفه الشخص الذي يكرهه، القاضي إسحق عميت، رئيساً للمحكمة، هو مناورة نتنة. حسب أسلوب الأقدمية، فإن عميت هو الذي يجب انتخابه رئيساً. ولكن، هل سيوافق ليفين (وهو الذي يعارض ذلك بكل حزم) على حدوث ذلك بعد سنة؟ شاهدنا الدمار الذي حدث في تسعة أشهر بسبب ثمل القوة منذ لحظة انطلاق الانقلاب النظامي وحتى 7 أكتوبر. يمكن تخيل حجم الضرر الذي سيتسبب به ليفين إذا حصل على رئيس للمحكمة العليا كما يريد لمدة سنة. هو أيضاً يريد تعيين قاض آخر من قبله، أحد مهندسي الانقلاب، الدكتور افيعاد بكشي أو الدكتور رافي بيتون. 

يدور الحديث عن تغييرات تضمن السيطرة على تعيين لجنة التحقيق الرسمية، وتعيينات شخصية مشوبة بتضارب المصالح لقضاة في المحكمة العليا، وتسييس المعقل الأخير للديمقراطية الإسرائيلية المتعثرة. 

قضية ليفين ليست حلاً وسطاً أبداً، بل وصفة لتدمير المحكمة العليا، وتدمير المؤسسة الأخيرة التي للجمهور في الدفاع أمام سلسلة من الوزراء الضارين والأفكار التدميرية. الحكومة ورئيسها يتجاهلون مواقف مهنية تتخذها المستشارة القانونية، بدءاً بتعيينات مشكوك فيها وانتهاء بقرارات يتخذها نتنياهو في مواضيع أمنية حساسة من ربما تؤدي إلى حرب دون التشاور مع الكابنيت السياسي الأمني، ومن خلال الاعتماد على رأي سكرتير الحكومة يوسي فوكس، الذي أصبح مستشاراً قانونياً بديلاً. في الوقت الذي يدير فيه الوزراء ورئيس الحكومة معركة استنزاف ضد غالي بهراف ميارا، ولا يبقون للجمهور إلا المحكمة العليا كمخرج أخير، فهذا ليفين يعمل من ساحته على إضعاف هذا المخرج الأخير. يسمون ذلك انقلاباً نظامياً، هم يريدون لأنفسهم المزيد من القوة أكثر مما أعطاهم إياه الناخب، ويتجاهلون الأضرار والدمار الذي يلحقونه في الطريق. والآن، يريدون التأكد من أنهم هم الذين سيروون كيف ولماذا كان هذا الدمار. 

هذا يلقي على قضاة المحكمة العليا مسؤولية ثقيلة وتاريخية لصد هذه العملية بكل الطرق. القضاة: ياعيل فلنر وعوفر غروسكوفيف واليكس شتاين، حذروا ليفين بأنهم سينتهجون سياسة الإجبار إذا لم يعقد لجنة تعيين القضاة لتعيين رئيس واثنين من القضاة ضمن التشكيلة القائمة. هذا التحذير يدل على أن قضاة يعتبرون محافظين (فلنر وشتاين) باتوا يعرفون خطورة وزير العدل. مرت أربع سنوات ونصف منذ قالت رئيسة المحكمة العليا السابقة استر حيوت، بأنه “لن يسقط أي حصن”. طريق ليفين المتعرجة والمغلقة والكوارث التي حدثت منذ ذلك الحين، تلزم القضاة بوقف أكثر الحكومات الإسرائيلية خطورة وفشلاً من أجل عدم سقوط الحصن.

سامي بيرتس

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




تقرير لمنظمة “يكسرون الصمت” الإسرائيلية: ” الانقلاب الصامت”… هكذا  يخصخص الاحتلال سلب ونهب وتهويد الضفة الغربية

يكشف تقرير لمنظمة “يكسرون الصمت” الإسرائيلية بعنوان الانقلاب الصامت”، تولّى ترجمته للعربية المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، كيف يتم سرقة الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع خصخصة الاستيطان والتهويد.

يقول التقرير إن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية يمرّ بتحولات متسارعة، منذ تشكيل الائتلاف الإسرائيلي الحاكم في 29 كانون الأول 2022. وهي تحولات تستند الى أجندة يمينية استيطانية تقوم على ثلاثة مبادئ:

 1) التوجّه نحو ضم الأراضي “ج” وفرض تدريجي للسيادة الإسرائيلية الشاملة عليها؛

 2) رفع عدد المستوطنين إلى مليون نسمة خلال العقدين القادمين؛

 3) الجيش الإسرائيلي الذي يدير الأرض المحتلة، ومستشاروه القانونيون الذين “يغازلون” القانون الدولي، أطراف لم تعُد صالحة، وتمثّل بنية بالية وغير قادرة على تحقيق متطلبات المرحلة الجديدة من النمو الاستيطاني.

طبقاً للتقرير، حوّلت إسرائيل طبيعة الحكم في الضفة الغربية باستخدام تدابير بيروقراطية بالخفاء، ونقلت النظام من صيغة احتلال عسكري عليه التزامات تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال بموجب القانون الدولي إلى نظام تدير فيه المؤسسات الحكومية المدنية الإسرائيلية معظم جوانب الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهي مؤسسات إسرائيلية مهمتها الولاء للإسرائيليين. وفي عهد الوزير المستوطن بتسلئيل سموتريتش، مُنح أتباع الأيديولوجية الاستيطانية سيطرة أكبر على الضفة الغربية، وهذا يعني عملياً حصولهم على السلطة اللازمة لتنفيذ أجندتهم الأيديولوجية.

 وحسب التقرير أيضاً، تم توضيح نوايا حكومة نتنياهو الحالية في وقت مبكر، حيث جاء في مقدمة المبادئ التوجيهية للحكومة التالي:

“للشعب اليهودي حق حصري لا جدال فيه في جميع أنحاء أرض إسرائيل. ستعمل الحكومة على تعزيز وتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل- الجليل والنقب، والجولان، ويهودا والسامرة”.

كما يقول إن اتفاقيات الائتلاف الموقعة عند تشكيل الحكومة (بتاريخ 29 كانون الأول 2022) هي في الأساس بمثابة خطة عمل تفصيلية لضم الضفة الغربية. ويؤكد أنه لم يكن تعيين وزير المالية بتسلئيل سموتريتش كوزير إضافي في وزارة الدفاع واتفاق تقاسم السلطة بين الوزيرين في وزارة الدفاع: غالانت وسموتريتش، في شباط 2023، والذي منح سموتريتش معظم الصلاحيات على مختلف جوانب الحياة المدنية في الضفة الغربية، سوى خطوات أولى على طريق تغيير طبيعة السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

 يكشف تحليل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة منذ إقامتها، والتي يتم تنفيذها بشكل مكثّف حتى مع استمرار القتال في غزة، عن المضي بشكل حثيث في تنفيذ الضم في الضفة الغربية على نطاق غير مسبوق. ويوضح التغيير الجوهري في نظام السيطرة على الفلسطينيين من خلال نقل صلاحيات الحكم من الجيش إلى السلطات الحكومية الإسرائيلية.

إنشاء إدارة المستوطنات

وينوه التقرير أن إدارة المستوطنات هي هيئة حكومية جديدة داخل وزارة الدفاع تقدم تقاريرها مباشرة إلى الوزير سموتريتش، وتسيطر على معظم مجالات الحياة المدنية في الضفة الغربية. إدارة الاستيطان مكلّفة بتصميم السياسات الحكومية في الضفة الغربية بشأن المسائل التي لا تتعلّق بالأمن بشكل محض: تسيير عمل الإدارة المدنية، إدارة التخطيط وإنفاذ القانون (بما في ذلك عمليات الهدم) على البناء غير المرخّص؛ تولّي مسؤولية سياسات إدارة الأراضي، بما في ذلك تخصيص الأراضي، واستكمال تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين من خلال الأوامر العسكرية، وتحسين الخدمات الحكومية للمستوطنين.

 ويستذكر أنه تم تعيين يهودا إلياهو رئيساً لإدارة المستوطنات، وهو شريك سموتريتش في تأسيس منظمة ريغافيم (منظمة استيطانية تعمل على الاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية). ويعتبر إلياهو مساعداً مقرّباً من الوزير سموتريتش.

تعيين مدني نائبًا لرئيس الإدارة المدنية للشؤون المدنية

كما يستذكر التقرير أنه، في أواخر أيار 2024، ولأول مرة، تمت الموافقة على تعيين مدني في منصب نائب رئيس الإدارة المدنية مهمته تولي الشؤون المدنية. ويوضح أن الإدارة المدنية هي الجسم العسكري المسؤول عن تطبيق السياسة المدنية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. تولّى نائب رئيس الإدارة المدنية الجديد صلاحيات إدارية متعددة وواسعة تتعلّق بمعظم جوانب الحكم المدني في الأراضي المحتلة- بما في ذلك إدارة الأراضي والتخطيط والبناء والمراقبة والإنفاذ والتجارة والاقتصاد والسلطات المحلية وإدارة المحميات الطبيعية والمواقع الأثرية وغيرها. كما منح النائب في بعض الحالات صلاحية سنّ أنظمة في المناطق الخاضعة لمسؤوليته- حيث كانت هذه الصلاحيات تمنح سابقاً من خلال أوامر عسكرية يصدرها رئيس الإدارة المدنية- ما يجعل النائب مشرًّعا ثانوياً.

ويؤكد التقرير أن هذه الصلاحيات مهمة لأنها تشكل جوهر السيطرة الإسرائيلية الحكومية في الضفة الغربية، لا سيما في ما يتعلّق بصنع السياسات وتنفيذها على أرض الواقع. ويقول إن المسمّى الوظيفي “نائب رئيس الإدارة المدنية” هو أمر مضلّل، حيث إن المنصب تابع لإدارة المستوطنات وليس لرئيس الإدارة المدنية، والشخص الذي يشغل هذا المنصب لا يتلقّى أوامر من رئيس الإدارة المدنية، كما أنه غير مُلزم برفع التقارير إليه أو التشاور معه. وبعد تفويض “النائب” بهذه الصلاحيات، فإنه يعمل من حيث الجوهر كرئيس للإدارة المدنية. منبهاً أن نائب رئيس الإدارة المدنية، الذي يعد فعلياً الرئيس الجديد للإدارة المدنية، يخضع لتسلسل هرمي يترأسه الوزير سموتريتش كوزير إضافي في وزارة الدفاع. لافتاً إلى أن هذا التسلسل قد أقصى الجيش عملياً من عمليات صنع القرار في معظم جوانب الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية. ويشير إلى أن الشخص المعين لهذا المنصب هو هيلل روث، وهو عضو سابق في مدرسة أود يوسف شاي الدينية التي يقودها المستوطنون ويسكن في مستوطنة ريفافا. أثناء خطة فك الارتباط في العام 2005، شغل روث منصب مدير الشؤون المالية والإدارية لمنظمة حونينو،

 وهي مجموعة لتقديم المساعدة القانونية للتيارات اليمينية. وشغل روث لاحقاً منصب أمين صندوق المجلس الاستيطاني الإقليمي شومرون.

نقل الاستشارة القانونية من الجيش إلى سلطة مدنية

ويوضح التقرير أن تعيين مدني نائباً لرئيس الإدارة المدنية يكمل العملية التدريجية لنقل المسؤوليات من الجيش إلى الهيئات الحكومية المدنية في إسرائيل. منبهاً أن الخطوة الهامة في هذه العملية هي نقل المسؤوليات من هيئة النائب العام (“المستشار القانوني ل “يهودا والسامرة”) إلى المستشار القانوني لوزارة الدفاع. عملياً، يتم الآن تقديم المشورة القانونية في العديد من القضايا المصيرية والحساسة من قبل مستشارين تم تجنيدهم من قبل إدارة المستوطنات ويعملون تحت إشراف سموتريتش في وزارة الدفاع. كما يحل هؤلاء المستشارون محل النيابة العسكرية من خلال العمل كمستشارين قانونيين لنائب رئيس الإدارة المدنية.

 ويمضي التقرير في تبيان ملامح مشروع السلب والنهب الجاري من خلال خصخصته: “هذه ليست مسألة فنية. على مدى سنوات، حال الجيش دون المصادقة على بعض السياسات وتنفيذها في الضفة الغربية لأن مستشاريه القانونيين اعتبروها خرقاً لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي. إن نقل وظيفة المستشار القانوني إلى وزارة الدفاع يزيل الضوابط التي كانت تمنع إساءة استخدام السلطة– والتي كانت أصلاً ضوابط ضعيفة ومحدودة. وهذا يعني أن ولاء المستشار القانوني قد تحول من التزام بضوابط القانون الدولي، إلى الولاء لمصالح الشعب الإسرائيلي بشكل محدّد”.

وحسب التقرير أيضاً، ففي ظل هذه الحكومة هذا التحول في المسؤولية تجاه المصالح المدنية الإسرائيلية سيجعل من الأسهل توسيع المستوطنات الإسرائيلية على حساب الحقوق الأساسية للسكان الخاضعين للاحتلال. والأهم من ذلك، فإن هذا التغيير يسمح أيضاً، أكثر من أي وقت مضى، بالتأثير السياسي على تعيين المستشارين القانونيين أنفسهم.

هدف المليون مستوطن

ويستذكر التقرير أنه في حزيران 2023، مررتْ الحكومة الإسرائيلية قراراً، والذي يعتبر تعديلاً على قرار الحكومة رقم 150 للعام 1996، والذي يتيح تخطّي الموافقة المطلوبة من مستويات حكومية على مراحل مختلفة تتعلّق بإجراءات التخطيط والموافقة على توسيع المستوطنات (بما في ذلك ترخيص البؤر الاستيطانية كأحياء للمستوطنات القائمة)، باستثناء المرحلة الأولى، حيث يتم تقديم الخطط إلى سلطات التخطيط للمراجعة. ووفقاً للقرار الجديد، بمجرد موافقة مسؤول حكومي على الترويج لخطة بناء في منطقة معينة، لا يلزم الحصول على موافقة أخرى من المستوى السياسي.

 وقد تحول بتسلئيل سموتريتش بصفته الوزير الإضافي في وزارة الدفاع إلى صاحب السلطة الوحيدة للموافقة على المضي قدماً في إجراءات التخطيط. وقد حول القرار مشاركة الحكومة في إجراءات التخطيط في الضفة الغربية لتتماشى بما هو معمول به داخل إسرائيل. والواقع أن العملية أسهل في الأراضي المحتلة، حيث يتولى الآن وزير واحد السلطة. وسيجعل هذا التغيير العمليات أكثر سلاسة، ويتيح الموافقة بأثر رجعي على العديد من البؤر الاستيطانية غير المرخصة في الضفة الغربية، وهي خطوة هامة نحو التوسع الشامل للمستوطنات.

وبموجب التقرير، فقد شهد التوسع الاستيطاني تقدّماً كبيراً منذ تشكيل الحكومة، بما في ذلك:

تم تحديد 70 بؤرة استيطانية، والتي ستخضع إلى عملية موافقة بأثر رجعي. لقد تم تصنيف معظم البؤر تحت مسمى جديد- “قيد الموافقة”. إن الحصول على هذا التصنيف وحده يمنع أي إجراء تنفيذي لهدم البناء غير القانوني، ويسمح لهذه البؤر الاستيطانية بتلقّي تمويل حكومي مباشر والربط بالبنية التحتية.

يذكر أنه وفقاً لحركة السلام الآن فإنه منذ تشكيل الحكومة (في 29 كانون الأول 2022) تمت إقامة 44 بؤرة استيطانية جديدة. على الأقل، نصف هذه البؤر هي مستوطنات زراعية/ رعوية تشارك في الاستيلاء على الأراضي والطرد المنهجي للفلسطينيين من المنطقة.

كما تم الإعلان عن أكثر من 22,000 دونم كأراضي دولة، مقارنةً بـ 13,000 دونم تم الإعلان عنها بين عامي 2014. و يقع 2,600 دونم من أصل 22,000 بين مستوطنتي معاليه أدوميم وكيدار في المنطقة E1. وسيؤدي البناء في هذه المنطقة إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين، وهو ما يشكل عقبة استراتيجية أمام حل الدولتين.

محو نموذج أوسلو

ويقتبس التقرير بعض أقوال الوزير المستوطن الغيبي سموتريتش: “لدي مهمة واحدة فقط في الحياة.. منذ أن كنت طفلاً. لهذا السبب أسّستُ ريغافيم. لهذا السبب ذهبت إلى الكنيست والحكومة… مهمة حياتي هي إحباط قيام دولة فلسطينية”.

ويقول التقرير إن تغيير نظام السيطرة في منطقة “ج” والتوسّع الاستيطاني في الضفة إنما يسعى إلى تعزيز المأسسة الكاملة والدائمة للسيادة الإسرائيلية في المناطق المحتلة وإحباط إمكانية إقامة دولة فلسطينية في المستقبل. ويوضح أن ثمّة اتجاهاً مهماً يسعى إلى إبطال فكرة الدولة الفلسطينية يتمثّل في تآكل نموذج أوسلو، وحسب هذا النموذج، هناك فهم ضمني مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأن غالبية الضفة الغربية سيتم تخصيصها لتكون في المستقبل تحت سيطرة الدولة الفلسطينية.

يشار إلى أنه بموجب شروط اتفاقات أوسلو لا يجوز لإسرائيل العمل في المنطقتين “أ” و”ب” إلا لأغراض أمنية، بينما تقع الشؤون المدنية تحت السيطرة الفلسطينية. في حين أن المنطقة “ج”، التي تشكّل 60% من الضفة الغربية والمخصصة في نهاية المطاف للدولة الفلسطينية المستقبلية، تقع تحت السيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية. ومع ذلك، ولأكثر من عقد من الزمان، انخرط المستوطنون في حملة لإعادة لتأطير البناء الفلسطيني في المنطقة “ج” باعتباره محاولة فلسطينية للاستيلاء على المنطقة و”انتهاك السيادة الإسرائيلية على المنطقة “ج”. ويوضح التقرير أنه في الآونة الأخيرة، حولت حملة المستوطنين تركيزها إلى “الاستيلاء الفلسطيني المزعوم على المناطق المفتوحة”، مدعية أن هذه المناطق، بما في ذلك المنطقتان “أ” و”ب”، ينبغي أن تعامل على أنها أراض إسرائيلية. وكجزء من هذه الحملة، كان الوزير سموتريتش يحرّف بتعريف الأمن بموجب طريقة تسمح لإسرائيل بالعمل في المنطقتين “أ” و”ب”، ما يعزّز التواصل الاستيطاني الإسرائيلي ويفاقم التشرذم الفلسطيني، باعتبارهما مسألة تتعلّق بالأمن القومي الإسرائيلي.

ويحذر التقرير من أنه إذا نجح هذا التحريف، فقد يكون مبرراً مستقبلياً لعمليات الهدم وحظر البناء الفلسطيني في المنطقتين “أ” و”ب” تحت ستار الأمن.

ويقول إن أحد الأمثلة البارزة على الجهود المنهجية لطمس الخطوط الفاصلة بين المناطق “أ” و”ب” و”ج”، على النحو المحدد في اتفاقات أوسلو، حدث في حزيران 2024، عندما تولّت الحكومة الإسرائيلية سلطات إنفاذ القانون في “المحميات الطبيعية المتفق عليها” في المنطقة “ب”. وفي أعقاب هذا القرار، وقع القائد العسكري للضفة الغربية أوامر تمنح إسرائيل سلطة هدم منازل الفلسطينيين في “المحميات الطبيعية المتفق عليها”.

صحيفة القدس العربي




نشأة عاشوراء في جبل عامل… عن التاجر الإيراني الذي أشاع التطبير والحسينيات

الجدل حول طقوس عاشوراء، لا ينقطع ولا ينتهي. هو جدل يتجدد كل عام، بمناسبة ومن دون مناسبة، فالطقوس العاشورائية هذه محط جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. تختلف الروايات الشيعية في نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، على يد جيش يزيد بن معاوية، ويؤكد أن نساء آل الحسين هنّ من ابتدأنها حزناً على الضحايا، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين، إذ حملتا معهما إحياءات رسميةً لهذه المناسبة وهذه الطقوس، في فارس والعراق، بالإضافة إلى دولة الفاطميين في مصر، والحمدانيين في حلب.

أول الطقوس تاريخياً… العهد البويهي

شكّلت واقعة كربلاء ذاكرة الطائفة الشيعية، وأعطت الجماعة ماضياً مشتركاً ورسّخته في التاريخ، كما وُلدت معها سلسلة من الطقوس التي تشكل خصوصية العقيدة الشيعية الإمامية. وكانت إقامة الشعائر بمناسبة استشهاد الحسين، تتخذ أشكالاً متعددةً حوالي بداية القرن العشرين، نتجت من تطوّر تقاليد قديمة كانت منتشرةً لدى المسلمين من مختلف الطوائف. وتم إحياء هذه التقاليد منذ عهد الصفويين (1501-1722م)، وأضيفت إليها أعمال الشبيه، أي تمثيل الفاجعة على صورة موكب.

وبذلك تصبح الشعائر الكبرى التي تطورت عبر العصور لدى الشيعة بمناسبة ذكرى عاشوراء، أربعةً: مجالس العزاء أو التعزية، وزيارة قبر الحسين لا سيما في العاشر من محرم وفي الأربعين، والمواكب الحسينية، وأعمال الشبيه، وقد تُرافق المجالس والمواكب أعمال مختلفة من أذى النفس، تتراوح بين ضرب الصدر باليد، أو ما يُسمّى باللطم، وضرب الظهر بالسوط، أو ما يسمّى بالتطبير.

وكان انتشار هذه الشعائر يزيد أو ينقص، وتتعدد صوره وتختلف بحسب اختلاف المناطق في العالم الشيعي، وذلك بحسب ما ذكرت المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان، في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”. 

يتجدد الجدل حول طقوس عاشوراء كل عام، جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. إذ تختلف روايات  نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي،  ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين 

وتروي المستشرقة الفرنسية، أن “مجالس العزاء أول ما ظهر من هذه الشعائر، فقد أعادتها بعض السنن إلى يوم الفاجعة نفسه، إذ بدأت بها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم توبعت هذه المجالس في العهد الأموي، سرّاً في البيوت، ثم أقيمت في العهد العباسي علناً، فقد أقيمت في القرن العاشر الميلادي في أماكن في بغداد وحلب والقاهرة يجتمع فيها الناس خصيصاً لإقامة هذه المجالس التي سُمّيت بالحسينيات؛ وكانوا يبكون فيها وينتحبون وينشدون المراثي ويقرأون المقاتل. وقد أصبحت مجالس العزاء تقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم”.

أما زيارة قبر الحسين وقبور شهداء كربلاء، فكانت شائعةً في القرون الإسلامية الوسطى، والدليل على ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل (تـ861م)، أراد أن يضع لها حدّاً سنة 850م، فهدم قبر الحسين. بعد ذلك تعاظم أمر هذه الزيارات شيئاً فشيئاً، لا سيما في عهد الصفويين. أما المواكب الحسينية، فإن المؤرخ ابن الأثير (1233م)، فيعيد تاريخها إلى سنة 963م، ويقول إن معزّ الدولة، أول البويهيين، قد أعلن الحداد على الحسين في يوم عاشوراء من تلك السنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الشيعة بالطواف في شوارع بغداد في مواكب كانت سبباً للصدام مع السنّة.

وبالانتقال إلى أعمال التشبيه، فقد بدأ بها الصفويون بعد ذلك بكثير، في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بحسب ما جاء في كتاب ميرفان سابق الذكر، حيث تروي أن “أعمال التشبيه تُنسب في التقليد الشعبي الفارسي إلى الشاه إسماعيل، أول الصفويين، بهدف نشر المذهب الاثني عشري في بلاد فارس؛ وكان الشاه عباس بعده يحثّ على إقامة هذه الاحتفالات. ثم جاء القاجاريون بعدهم فتابعوا نهجهم؛ وأقاموا ورعوا، بدلاً من المشاهد الموزّعة، مسرحيةً فعليةً تُمثَّل على خشبة المسرح، إلا أن ذلك اقتصر حينها على بلاد فارس”.

وتضيف: “أما الشعائر التي تقوم على أذى النفس، والتي كانت معروفةً قديماً في العقائد السائدة في الشرق الأوسط، فإنها لم ترافق شعائر عاشوراء إلا في زمن متأخر. ويؤكد إسحاق نقاش، بالبرهان المقنع، أن شيعة شمال إيران أوّل من بدأ بممارسة التطبير، وقد شهد على ذلك رحّالة عثماني، إذ يذكر أنه رأى سنة 1640م، هذه الشعائر الدامية؛ وقد أتت من القوقاز وأذربيجان، ولم تصل إلى داخل إيران وإلى البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر”.

المستشرقة الفرنسية عادت أيضاً لنقل ما سجّله عدد كبير من الرحالة حول مشاهداتهم الدقيقة لإقامة شعائر عاشوراء في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في إيران، “حيث كان الاحتفال بذكرى موقعة كربلاء ينتشر بلا عناء في عهدي الصفويين والقاجاريين، وكانت الحماسة تصل إلى أقصاها في اليوم العاشر، يوم عاشوراء، حين تسيل دماء اللاطمين في حمأة الموكب. وفي ما خلا مجالس العزاء وأعمال الشبيه والزيارة، كانت تسير المواكب الحسينية، وكان بعض المشاركين فيها يؤدون الشعائر القائمة على أذى النفس تكفيراً عن ذنوبهم، وهم من وصفهم الكونت دوغوبينو، سنة 1866، بالبرابرة الذين يسوطون أنفسهم بسلاسل الحديد ويغرزون الإبر في أجسادهم. وجاء أوجين أوبين، بعده بأربعين سنةً، فأظهرت روايته شعائر أخرى في أذى النفس، إذ كان التوّابون يلطمون صدورهم بإيقاع متكرر قوي، أو يجرحون رؤوسهم قبل أن يسيروا في الموكب، ويضربون على الجرح حتى تسيل الدماء”.

وترى ميرفان، في كتابها، أن أعمال التشبيه التي بدأها الصفويون أحرزت نجاحاً باهراً، وكان تكاثر الروايات حول مصرع الحسين وما يرافقه من طقوس مختلفة، شاهداً على حيوية هذا المسرح الديني الذي انتشر في المدن وفي الريف، ثم نُظّم ودُعم من حكومات الملوك القاجاريين في المدن الكبرى، واستعملوه في تثبيت حكمهم، وكانوا بتنظيمهم هذا الاحتفال يتمكّنون من السيطرة على الشعب والتأثير عليه.

وتضيف أنه “بعد عهد ناصر الدین شاه، انقلبت أداة الترويج هذه، أي تمثيل فاجعة كربلاء، على الحكام واستعملها المعارضون وأنصار الدستور في ترويج أفكارهم، فما كان من رضا شاه بهلوي، إلا أن منع إقامتها سنة 1935، ولكنه لم يستطع محوها، إذ أصبحت تقام في الأرياف”.

الصفويون والتشيّع الجديد

هذه التغيرات التاريخية المفصلية على طقوس عاشوراء، كان هدف الصفويين منها، كسب الطاعة غير المباشرة، عن طريق السيطرة على الشيعة باسم ثورة الحسين والمظلومية بهدف خلق أيديولوجيا تخدم مصالحهم ونفوذهم، إذ يرى المستشرق والدكتور في الفلسفة الإسلامية كولن تيرنر، في كتابه “التشيع والتحول في العصر الصفوي”، أن “الصفويين أرادوا أن يبدعوا فكراً شيعيّاً جديداً، تناقلته الأجيال باعتباره فكراً أصيلاً”، حيث يروي في كتابه “كيف قامت الدولة الصفوية بدايةً من دخول إسماعيل القائد الصفوي، تبريز سنة 1502م، وتنصيب نفسه شاهاً، واعتماده التشيع مذهباً رسميّاً للبلاد حيث يكشف عن خطّة إستراتيجيّة في بسط النّفوذ وتحقيق الهيمنة السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة”. 

بحسب مستشرقة فرنسية فقد ظهرت مجالس العزاء أول مرة يوم الفاجعة نفسه، وبدأتها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم استمرت سراً في العهد الأموي، وعلناً في العهد العباسي

ويواجه الباحث أقوال نور الله الشوشتري، الذي “بذل قصارى جهده لإثبات أنّ إيران كانت إماميةً بمعظمها قبل الصفويين، والحال أنّ إيران كانت في معظمها سنّيةً صوفيةً، حتّى أنّ إسماعيل عجز بعد فتحه، عن العثور على أيّ مدوّنة عن المبادىء العامة للإمامية ما عدا مخطوطة يتيمة في الفقه كانت في مكتبة نائية”.

وركّز كولن تيرنر، على دور الشيخ علي الكركي العاملي، في نشر المذهب الإمامي في إيران في عصر إسماعيل الصفوي، وتحصّل الكركي على امتيازات وعقارات بسبب ولائه المطلق للصفويين، كما قمع التسنّن وفرض التشهير المذهبي بالخلفاء الراشدين الأوائل، كما جاء في الكتاب.

كما اختار كولن تيرنر، أن يهتمّ في الفصل الرابع بمحمّد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار” الذي يُعدّ من أساسيات التقليد الشيعي، وهو من أبرز فقهاء الإمامية في آخر العصر الصفوي، ومؤسس الأرثوذكسية الجديدة، حيث اهتمّ الصفويون بالعجيب والغريب من الروايات، وأدخلوا تقاليد اللطم والتطبير، وشجّعوا على سبّ الخلفاء والصحابة وزوجات الرسول، وكفّروا أهل السنّة وأرباب التصوّف.

وزارة الشعائر الحسينية

في المقابل، يرى الدكتور والمفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، أن “الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا، وفي هذا الإطار عمد الشاه الصفوي، إلى استرضاء المسيحيين من خلال دعوتهم للهجرة إلى إيران، وشيّد لهم ‘جلفا’ مدينة مستقلة قرب العاصمة ومنحهم الحماية التامة والحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية”.

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء، من ذلك أن رجلاً كرواتياً يحضر أحد هذه المشاهد فيتأثر فيقتحم المكان ببدلته الأنيقة ويهاجم معسكر يزيد وأنصاره ويواسي الحاضرين بأجمل مواساة، بحيث ما أن يراه الناظر حتى يتيقن بأن كلب هذا المسيحي الإفرنجي أطهر من ‘السنّة’ الذين قتلوا الحسين”.

وبحسب ما ورد في كتابه، فإن “الصفويين استحدثوا منصباً وزارياً جديداً باسم وزير الشعائر الحسينية، حيث ذهب الوزير إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعةً حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتّبعة، بما في ذلك أنماط الديكورات التي كانت تُزيَّن بها الكنائس في تلك المناسبات واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران”.

“ومن هذه المراسم أيضاً طريقة تمثيل حياة شهداء الحركة المسيحية الأوائل وإظهار مظلوميتهم وطريقة قتلهم بواسطة حكّام الجور كل ذلك تحت عنوان Passions، حيث أصبحت جزءاً من الهوية الشيعية، كما أن مراسيم اللطم والزنجيل والتطبير وحمل الأقفال ما زالت تمارس سنوياً في ذكرى استشهاد المسيح في منطقة Lourder، وهذه المراسيم دخيلة على المذهب كما أن هنا ممارسات أُدخلت على عاشوراء مماثلة لطقوس الرجال السبعة mysteres 7 (الميراكل Miracles)، التي تعتمد علة تشييع رمزي لنعش عيسى مصلوباً وهبوطه وعروجه ونحو ذلك”.

“أما النوائح التي تؤدّى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدّى في الكنائس ويطلَق عليها اسم ‘كر’، كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشَّح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة”.

البداية من لبنان

كان لا بدّ من وضع بداية تمهيدية لشيوع طقوس عاشوراء عند الشيعة، وذلك لسرد بداية هذه الطقوس في جبل عامل، الذي كان مركز شيوعها الأساسي، حتى وصلت إلى عهدنا الحالي، حيث مرّت المناطق الشيعية المختلفة بمراحل زمنية محددة بحسب العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة فيها، وتنوعت وتبدلت أماكن إقامة الشعائر الحسينية من “التكيات” و”الحسينيات”، بالإضافة إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. كتب السيّد محسن الأمين في “خطط جبل عامل”، أن “الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، لأنها تُبنى لإقامة مراسم عزائه فيها، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً. وأورد أن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، فالتجمعات تقام في المساجد وهي أفضل”. 

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء،

يؤيد هذا الكلام الشيخ ياسر عودة، خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن “الحسينيات بدأت عند الشيعة في العهد الصفوي، والمؤسس لها هم الفاطميون قبل الصفويين، وهم أصحاب فكرة إنشاء المراقد لتكريس الفكر الديني الذي يريدونه ولترويج السياحة”. 

جاء في “خطط جبل عامل” أن الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً، وأن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، لأن التجمعات كانت تقام في المساجد 

ويقول عودة: “هناك فارق زمني كبير بين العهدين البويهي والصفوي، ففي عهد الصفويين أُدخل على الدين الكثير من المفاهيم وأكثرها أحاديث لعن الصحابة المنسوبة إلى أهل البيت. العقل البويهي أنتج الكثير من القضايا التي شوّهت التشيّع ومنها الشتم واللعن”.

الاضطهاد وبداية عاشوراء في لبنان

وبالعودة إلى جبل عامل (أي مناطق جنوب لبنان)، أولى الشهادات المكتوبة التي وصلتنا حول احتفالات عاشوراء فيه، أتت من جون ورتابيه، سنة 1860. فهو يصف في بضعة أسطر مقتضبة، ما كان يجري من احتفالات في ذلك الحين: يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في حداد وبكاء، على ذكرى مقتل الحسين، ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً مؤثرةً ويكفّون عن العمل. ويسمّونها الأيام العشرة، وكانت إقامة الشعائر في تلك الحقبة مقتصرةً إذاً على مجالس العزاء. وما ينقله التاريخ الشفهي عنها، أنها كانت تقام في السرّ. فالروايات المتناقَلة إلى اليوم، تقول إن العامليين كانوا يقيمون هذه المجالس في بيوتهم لكي يختفوا عن أنظار العثمانيين، الذين منعوا إقامتها في العلن، بحسب ما نقلت المستشرقة الفرنسية في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل و أدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.

تروي ميرفان: “كان الجنود يقومون بدوريات لرصد ما قد يقوم به الشيعة من احتفالات دينية؛ وكان الناس يوقفون أولاداً في الأزقّة يراقبون مرورهم فينذرون المجتمعين. فإذا ما دخل الجنود عليهم، وجدوهم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن”.

ووثّقت ميرفان حول تاريخ هذه الشعائر، نقلاً عن السيد محسن الأمين في سيرته، “أن المجالس كانت تقام في عهد طفولته، أي في ما يعود إلى العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وكان يُقرأ في أثناء الليالي العشر الأولى من محرم، في كتاب ضخم مؤلّفه من البحرين واسمه المجالس، وفيه عشرة فصول طويلة، كل فصل مخصص لمجلس”.

ويلاحظ الأمين أن في هذا الكتاب تشويهاً للتاريخ، وأحاديث مكذوبةً أشبه بالأساطير. ومع ذلك فإنه كان مقدّراً عند الناس في جبل عامل. حتى أنه يقول: “والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب أو يملكه، ولم تكن هذه المجالس تخضع لنظام احتفالي فقد كان المشاركون فيها يدخّنون ويتحادثون كما لو أنهم كانوا في مقهى حول الراوي. كذلك فإنها لم تكن مطردةً ولا منظمةً. أما في اليوم العاشر، يوم مقتل الحسين، فإن هذه العادة تُكسر ويُقرأ في مقتل أبي مخنف (تـ774م)، وهو من المؤرخين الأوائل في تاريخ الإسلام، ثم يُتلى دعاء زيارة قبر الحسين، فإن لم يكن بالإمكان زيارة كربلاء يوم عاشوراء فإن تلاوة هذا الدعاء على غير قبره واجبة. ثم كان يؤتى بالطعام إلى المساجد وفي الغالب يكون من الهريسة، وهي طعام خاص بيوم عاشوراء مؤلّف من القمح واللحم يوزّع على الفقراء”.

وفي عام 1880، بعد عودته من العراق، جاء الشيخ موسى شرارة، بتغييرات كثيرة على هذه العادات، كانت بحسب ما يقول محسن الأمين: “مبدأ الإصلاح لمجالس العزاء”، وأول ما قام به من عمل، هو أنه بدّل الكتب المستعملة في المجالس، فاستبدلها بكتاب أتى به من العراق، كان قد جمع نصوصه أحد قرّاء التعزية، فنسخ منه العديد من النسخ ووُزّعت في جبل عامل. ومع أن في هذا الكتاب الجديد في رأي محسن الأمين، جملةً من الأكاذيب، وتزويراً للتاريخ الصحيح، فإنه كان أصلح مما كان قبله ومجالسه أكثر تنظيماً. واستبدل موسى شرارة مقتل أبي مخنف، بمقتل ابن طاووس، اتّباعاً لما كان سائداً في العراق وإيران، واتّبعه الناس في ذلك، بحسب ميرفان.

يرى علي شريعتي أن الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، إذ تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا

ولم يكتفِ موسى شرارة، بتوطيد قراءة المجالس في الأيام العشرة الأولى من محرم احتفالاً بذكرى فاجعة كربلاء، بل أسس لغيرها على مثالها على مدار السنة. فأقام مجالس أسبوعيةً في بيته، بالإضافة إلى ذلك، أدخل عادات جديدةً في الدفن، فأقام مجالس الفاتحة عن أرواح العلماء والشخصيات الكبرى تُقرأ فيها المرائي. وقد شجّع رجال الدين والأدباء على نظم المراثي لقراءتها في هذه المناسبات. وقد اتّبعه الشعراء في ذلك وانتشر هذا التقليد في جبل عامل. كذلك فإنه منع النساء من السير وراء الجنازة، وسنّ لأهل بلدته بنت جبيل، عادة عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام.

وتؤكد المستشرقة الفرنسية: “وبذلك يكون موسى شرارة قد قام بتنظيم مجالس العزاء وإحيائها” (وهي اللفظة التي يستعملها محسن الأمين)، فبات القارئ يتلو نص رواية المعركة في كربلاء واستشهاد الحسين على الجماعة، فينوحون ويبكون على ما حلّ بأهل البيت، كما أنه وسّع نطاق الشعائر المتصلة بالاحتفال باستشهاد الحسين، ولم يكن بالإمكان اعتبار هذا الإصلاح القائم على إدخال عناصر خارجية جديدة، من باب البدع القبيحة، بل من باب البدع الحسنة، ولا سيما أن من أدخلها مجتهد مشهود له بالعلم والاستقامة”.

تحريض تجّار إيرانيين على المواكب

ترى المستشرقة الفرنسية خلال توثيقها حركة الإصلاح الشيعية في كتابها، أن “مجالس العزاء التي أدخلها موسى شرارة طُعّمت بالتمثيليات المسرحية وبالمواكب الحسينية على الطريقة الإيرانية، بتحريض من إيرانيين كانوا قد استقروا في جبل عامل من فترة وجيزة. وبالفعل، نزلت في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر جماعة من الإيرانيين معظمهم من التجار، وقد تأقلموا شيئاً فشيئاً، ولم يكونوا تياراً من الهجرة ذا أهمية كبرى، بل حالات من الأسر المنفردة، وكان من بينهم ميرزا يمارس الطب التقليدي وكان يُعدّ واحداً من أدباء النبطية المقربين من أحمد رضا وسليمان ظاهر. وكان ابنه بهيج، أول من درس الطب من العامليين في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد كان للأب والابن دور في إدخال هذه الشعائر على مرحلتين، بفارق يناهز العشرين سنةً”.

وتوثّق عن السيد محسن الأمين: “يذكر محسن الأمين المرحلة الأولى منهما، وقد حدثت بعد عودة حسن يوسف مكي من العراق، أي نحو سنة 1895. فقد قام بعض الإيرانيين في ذكرى عاشوراء بممارسة الشعائر على الطريقة الإيرانية، ولاسيما منها ‘الشبيه’ أي تمثيل الفاجعة. وقد منع حسن يوسف مكي استعادتها ثانيةً لحكمه بأنها خارجة على الشرع، مستعيناً على ذلك بالقائمقام في صيدا. إلا أن الإيرانيين تدخّلوا لدى والي بيروت، فأمر القائمقام بالسماح لهم بإقامة هذه الشعائر، أي تمثيل الفاجعة وإقامة الشعائر المتعلقة بأذى النفس. وهكذا استطاع الإيرانيون أن يدخلوا هذه الشعائر إلى النبطية، وما لبث العامليون أن قلّدوهم في إقامتها، وقد تعاظم عددهم، فانتشرت المواكب واستقطبت الجماهير من القرى

المجاورة، ويختم محسن الأمين عرضه بمقارنة هذه المواكب، وكان يُطلق عليها اسم المواكب الحسينية، بحلقات الذكر الصوفية، مما يعني أنه كان يشجب هذين العملين على حد سواء”.

و”تأصّل” هذا التطعيم الشعائري في النبطية، وكانت الشعائر تقام فيها على الطريقة الإيرانية، وباللغة الإيرانية. بعد وفاة حسن يوسف مكي، سنة 1906، خلفه عبد الحسين صادق، على الرياسة الدينية في النبطية، فترك الحرية للناس في إقامة هذه الشعائر، بل شجّع على إقامتها وشارك في إعادة تصميمها على أن من العلماء من كان يعارضها، فكان بعضهم يبدون مقاومةً لهذه الشعائر الجديدة، بحسب ميرفان التي تؤكد في كتابها أن “المرحلة الثانية من هذا التطعيم الشعائري بدأت سنة 1919، على أغلب الظن، وكان الفتى بهيج میرزا قد أنهى دراسته في الطب، وعاد إلى النبطية حيث كان أحد صانعي عودة هذه الشعائر الإيرانية”.

ثورة “التنزيه”

لم يقف السيد محسن الأمين، صامتاً من هذه الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل “جنوب لبنان”، فقد ألّف رسالة “ثورة التنزيه” في شهر محرم سنة 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها. وقد ذكر السيّد الأمين تسعة إشكالات على الشعائر الحسينية، هي: “الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تأييده، إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج النحاسية، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه وتشبيههنّ ببنات الرسول، الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكلّ ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر”.

ثورة الأمين أحدثت ردود أفعال وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على مناصري هذه الثورة، حيث جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يذكر الشيخ محمد الحسون الذي جمع وحقق رسالة التنزيه بأجزائها الثلاثة أنه ما أن وصلت الرسالة إلى النجف الأشرف حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين، وهم الأكثر، ومؤيدين وهم القلة القليلة، حتى أتت ردود الأفعال من مراجع دينية ومختلف طبقات المجتمع حتى تضمنها السبّ واللعن”.

دور الصحف في الثورة

ولم تقف الصحف موقف المحايد من هذه الثورة بحسب ما ورد في “رسالة التنزيه”: “فكانت الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية، حيث قامت صحيفتا ‘الأوقات العراقية’ و’العهد الجديد’ البيروتية، بنشر آراء السيد محمد مهدي الموسوي البصري والسيد محسن الأمين، والمؤيدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له، لأنهم القلة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، فكتبوا فيها حتى أن البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ’حبيب بن مظاهر’ و’أبي فراس'”. 

رفض السيد محسن الأمين الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل جنوب لبنان، فألّف رسالة “ثورة التنزيه” 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس كالصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها 

ويقول جامع الرسالة الشيخ محمد حسون، إنه “كان أيضاً لصحيفة ‘ديوائن ميسج’، التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الهند، دور كبير وقد كتب صاحبها ‘محمد علي سالمين’ مقالات عديدةً مؤيدةً للسيد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية، وصحيفة ‘الهاتف’، وإن كانت صدرت متأخّرةً عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الأستاذ جعفر الخليلي، كان له دور فعّال في مناصرة السيد الأمين”.

شيعة صفويون وشيعة علويون!

“لم تقتصر ردة الفعل على الشتائم واللعن والاضطهاد بل انقسم الناس إلى طائفتين؛ ‘علويين’ و’أمويين’، وعُني بالأمويين أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلةً قليلةً لا يُعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى”، كما جاء في الرسالة.

ومن الصحافة إلى الشعر الذي كان له دور كبير، صيغت أبيات ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، مما لقنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، حيث أوردت منها الرسالة:

“لعن الله أناساً

حرموا ندب الحسين”.

فكان الردّ الشعري:

“عدّ الله أناساً قولهم كذب ومـيـن

ألصقوا بالدين مما قد أتــــوه كــل شــين

أظهروا للدين حباً وهو حب الدرهمين”.

وتسرد الرسالة في تلك الحقبة أنه “كان للمجالس العاشورائية في النبطية دور كبير في هذه الجدلية، حيث راح سقاة الماء يجولون في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: ‘لعن الله الأمين – ماء’، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخص في ترديدهم القول: ‘لعن الله حرملة – ماء’، فأبدلوا حرملة بـ’الأمين’ نكايةً وشتماً”.

ومن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلي (تـ1359هـ)، الذي وقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ومما قاله فيه بحسب ما جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يا راكباً أما مررت بـ’جلّق’ فأبصق بوجه ‘أمينها’ المتزندق”.

الأمين إلى دمشق ومنع الطقوس في مقام السيدة زينب

هذه الحرب لم تقتصر على جبل عامل، بل انتقلت إلى دمشق مقر إقامة السيد محسن الأمين، حيث ورد في الجزء الثالث من رسالة التنزيه، أن “دعوة الأمين تطورت من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319هـ. يقول المؤرخون: لم يمضِ خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق وكان قد عرف ما يجري في هذا اليوم في مقام السيدة زينب بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء الرؤوس فقاطع وجمعاً من مؤيديه هذه الطقوس واكتفى بإقامة حفل تتلى فيه السيرة الحسينية بدمشق”.

وفي السنة الثالثة، عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الدامية مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين المؤيدين له الذين انطلقوا إلى مقام السيدة زينب يخبرون القادمين من الخارج بأن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك، وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكل وسيلة، بحسب ما جاء في الجزء الثالث من الرسالة.

هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحالي، إذ يرى الشيخ حسن حمادة العاملي، في حديثه إلى رصيف22، أن “موضوع عاشوراء حزن وبكاء على الحسين (ع)، فأول من بكى عليه هو النبي محمد (ص)، وهذا بإجماع جميع المسلمين فكلهم يقول إنه لما وُلد الإمام الحسين (ع)، نعاه رسول الله (ص)، وقبّله في نحره، فسألته السيدة فاطمة الزهراء (ع): لماذا قبّلته في نحره؟ فأجاب النبي (ص): لأنه يُقتل مذبوحاً”.

ويضيف: “طبعاً نحن نتحدث عن إقامة العزاء بحيث لا نشوّه الدين أو المذهب، أمّا بخصوص التطبير والنواح فبرأيه يختلف عن موضوع البكاء؛ فإن فقدت عزيزاً أو سمعت بمظلومية شخص ما بطبيعتي أحزن عليه، فما بالك بالإمام الحسين وما جرى عليه في كربلاء؟”.

ويتابع: “أنا لا أطبّر، لكنّها مسألة فقهية مختلف عليها بين المراجع في المذهب الجعفري، فمنهم من يقول مستحبّ وآخرون يحرّمون ولا أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، فأنا لست بفقيه”، مشيراً إلى أن “هناك أموراً أدخلت على الدين من حيث التمثيل واللحن بالقصائد، لكن لا يمكن أن أعمّم بأنها جميعها دخيلة، وفي حال كان هناك شخص ما يشوّه الدين لا يمكن أن نلزمه للمذهب، أما إدخال الموسيقى أي الغناء في القصائد الحسينية ففي حال كان اللحن محرماً، فلا يجوز، أما اللطميات المتعارفة فلا إشكال فيها”.

وحول التمثيل في عاشوراء، برأيه هو “موجود وهناك مسلسل عن معاوية. كيف أقبل بهذا الأمر ولا أقبل بتمثيل ما جرى مع الحسين (ع) لتجسيد مظلوميته”، في حين اعتبر أن “الحسينية هي مكان ليجتمع الناس على ذكر أهل البيت (ع)، وإحياء أمرهم والمراد منها إقامة مجالس الحسين (ع)، وفي حال كان هذا المكان تعليمياً وتنويرياً فأين المشكلة؟ وإن كانت بدعة فهي بدعة حسنة ولكن يجب أن تصل رسالة أهل البيت، ولكل مفهوم معنى، وأشك أن يكون السيد محسن الأمين قد نهى عن البكاء على الحسين عليه السلام”.

حسن سنديان

موقع رصيف 22




تحت وطأة الحرب.. الاستثمارات الأجنبية تهرب من السوق الإسرائيلية

لطالما تفاخرت تل أبيب بكونها عاصمة الشركات الناشئة، و”وادي السيلكون” في الشرق الأوسط، لكن تتوالى أخبار هروب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية من شركاتها وأصولها ومقراتها، إذ لم تقتصر الحرب على غزة على التطورات الميدانية العسكرية فحسب، بل امتدت لتضرب قلب الاقتصاد الإسرائيلي، في مشهد غير مسبوق، شمل كذلك الشركات المحلية حيث اختارت 80% من الشركات الإسرائيلية الناشئة ولاية “ديلاوير” الأمريكية كمقر لها، وحتى قبل الحرب انخفض الاستثمار الأجنبي بنسبة 60% في الربع الأول من 2023.

تزامنًا مع الانسحاب المتتالي للاستثمارات المحلية والأجنبية، تلاشت أحلام الازدهار وحلت محلها مخاوف وتساؤلات مصيرية حول قدرة “إسرائيل” على الصمود أمام هذه التحديات المتزايدة التي أفقدتها جاذبيتها الاستثمارية، فما أهم الشركات والصناديق السيادية والبنوك التي انسحبت من السوق الإسرائيلية؟

شركات وصناديق سيادة انسحبت من “إسرائيل”

منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت “إسرائيل” موجة غير مسبوقة من هروب الاستثمارات، حيث تسابقت الشركات الكبرى والصناديق السيادية للخروج من السوق الإسرائيلي، وفيما يلي قائمة بأبرز المنسحبين وتفاصيل قراراتهم الحاسمة:

نون بوست
تحركات وضغوط شعبية في لندن ضد باركليز.

الصناديق السيادية والتقاعدية والاستثمارية:

  • صندوق الثروة السيادي النرويجي: سحب استثماراته بالكامل من “إسرائيل”، محذرًا من “حالة عدم اليقين الخطيرة” في السوق.
  • صندوق التقاعد الدنماركي “بنسيون” (Danske Bank): سحب جميع استثماراته من البنوك الإسرائيلية.
  • صناديق التقاعد البريطانية: واجهت ضغوطًا كبيرة للتخلص من استثماراتها في الشركات التي تزود “إسرائيل” بالأسلحة.
  • صندوق تقاعد الجامعات البريطاني (USS): قلل استثماراته في الديون الحكومية الإسرائيلية والشيكل خلال الأشهر الستة الماضية.
  • الوكالة الوطنية الأيرلندية لإدارة الخزانة: سحبت ما يقرب من 3 ملايين يورو من محفظة الأسهم العالمية الخاصة بها في صندوق الاستثمار الإستراتيجي الأيرلندي، وتحديدًا من الشركات الست التالية: بنك هبوعليم، وبنك لئومي، وبنك الخصم الإسرائيلي، وبنك مزواجي، والبنك الدولي الأول، ومتاجر رامي ليفي.

البنوك:

  • بنك باركليز (Barclays): أعلن البنك البريطاني انسحابه المفاجئ من مزادات السندات الحكومية الإسرائيلية تحت ضغط نشطاء معارضين للعدوان الإسرائيلي على غزة.
  • بنك HSBC: قلص البنك البريطاني استثماراته بشكل حاد في “إسرائيل”، محذرًا من عدم الاستقرار في السوق الإسرائيلي.

الشركات:

  • إنتل (Intel): أوقفت الشركة الأمريكية العملاقة استثماراتها الاستراتيجية في “إسرائيل”، استجابةً للضغوط الدولية المتزايدة وحملات المقاطعة.
  • نيلسن (Nielsen): قررت الشركة الأمريكية المتخصصة في المعلومات والبيانات وقياس السوق إغلاق فرعها في “إسرائيل”.

أسباب الانسحاب المستمر

في خضم العاصفة الاقتصادية التي تجتاح “إسرائيل”، تتجلى أسباب هروب الاستثمارات بوضوح في عدة عوامل رئيسية، كل منها يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل المشهد الاقتصادي الحالي:

  1. الإبادة الجماعية في غزة: ألقى الصراع المستمر بظلاله الثقيلة على الاقتصاد الإسرائيلي، فالحرب لم تقتصر على ساحات المعارك، لكن امتدت لتضرب في صميم الثقة الاستثمارية، فالخسائر البشرية والمادية الفادحة، إلى جانب الإنفاق العسكري الهائل، خلقوا حالة من عدم اليقين دفعت المستثمرين للبحث عن ملاذات آمنة بعيدًا عن “إسرائيل”.
  2. تصاعد حملات المقاطعة الدولية، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) اكتسبت زخمًا غير مسبوق، ونجحت الحركة في التأثير على الرأي العام العالمي والضغط على الشركات والمؤسسات المالية. هذا الضغط الأخلاقي والاقتصادي دفع العديد من المستثمرين لإعادة النظر في علاقاتهم مع “إسرائيل”، خوفًا من الأضرار التي قد تلحق بسمعتهم وأعمالهم.
  3. تراجع الاستقرار السياسي الداخلي: الانقسامات السياسية الحادة داخل “إسرائيل”، والتي تفاقمت مع الإصلاحات القضائية المثيرة للجدل، زعزعت ثقة المستثمرين في استقرار البلاد، وأثارت مخاوف حول قدرة “إسرائيل” على الحفاظ على بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ.
  4. تآكل الميزة التنافسية في قطاع التكنولوجيا، مع هجرة الكفاءات وبحث الشركات عن بدائل أكثر استقرارًا.

توقعات مقلقة

في لحظة مفصلية من تاريخها الاقتصادي، تواجه “إسرائيل” عاصفة غير مسبوقة تهدد كيانها الاقتصادي، من تداعيات انسحاب الشركات والصناديق السيادية على الاقتصاد الإسرائيلي وتدهور تصنيفها الائتماني إلى “A2” مع نظرة مستقبلية سلبية تعكس عمق الأزمة الحالية.

على المدى القصير:

  • الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من انكماش هائل بنسبة 19.4% في الربع الرابع من عام 2023، هذا الانهيار الحاد يعكس تأثير الحرب على غزة على كل القطاعات.
  • تراجع حاد في الاستهلاك الخاص بنسبة 27%، والاستهلاك العام انكمش بنسبة 90%.
  • ارتفع الإنفاق العام بنسبة 7.1% في الربع الأول من 2024 على أساس سنوي، بعد ارتفاع غير مسبوق بنسبة 86% في الربع الأخير من 2023، ويرجع ذلك أساسًا إلى الإنفاق الدفاعي.
  • انهيار في الاستثمارات بنسبة 70%.
  • سوق الأسهم لم يسلم من هذه العاصفة، مع تراجع مؤشر تل أبيب 35 بأكثر من 20% منذ بداية الحرب. في الوقت نفسه، يفقد الشيكل الإسرائيلي قيمته، مما يزيد من تكاليف الاستيراد ويؤجج التضخم.

على المدى البعيد:

  • انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1% على أساس سنوي.
  • تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 2% لعام 2023 مقارنة بـ6.5% في 2022، مع نمو سلبي لنصيب الفرد بنسبة 0.1%.
  • تراجع الاستثمارات الأجنبية يهدد القطاعات الحيوية، وخاصة التكنولوجيا.
  • تآكل الميزة التنافسية في سوق الابتكار العالمي بسبب هجرة الكفاءات.
  • ارتفاع تكلفة الاقتراض مع تدهور التصنيف الائتماني.
  • احتمال تحول جذري في هيكل الاقتصاد الإسرائيلي، مع تقلص دور القطاعات المعتمدة على الاستثمار الأجنبي.

تداعيات انسحاب الاستثمارات على الاقتصاد الإسرائيلي

نون بوست

في ظل هذه الظروف الاستثنائية، تبرز أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاقتصاد الإسرائيلي عن تداعيات انسحاب الاستثمارات، كل منها يرسم مسارًا مختلفًا للسنوات القادمة. هذه السيناريوهات تتراوح بين الانكماش الحاد والتكيف الهيكلي، مرورًا بالانتعاش التدريجي البطيء، وصولًا إلى نموذج الاعتماد على الذات والانغلاق النسبي.

1. سيناريو الانكماش الحاد:

  • تراجع الاستثمارات الأجنبية: استمرار الانخفاض بنسبة قد تصل إلى 70-80% بحلول نهاية العام مقارنة بفترة ما قبل الحرب، ما يعمق الأزمة الاقتصادية.
  • انهيار قطاع السياحة: قد تتجاوز خسائر القطاع 90% من عائداته مقارنة بعام 2023، مع تداعيات خطيرة على الوظائف والإيرادات.
  • ارتفاع البطالة: زيادة غير مسبوقة في معدلات البطالة، خاصة في القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا والسياحة والخدمات.
  • انكماش الناتج المحلي الإجمالي: تراجع قد يتجاوز 10% سنويًا، مما يقود البلاد إلى ركود اقتصادي عميق.
  • تدهور قيمة الشيكل: انخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية، يزيد من تكاليف الاستيراد ويؤجج التضخم.
  • انخفاض الإنفاق: تراجع حاد في الاستهلاك والاستثمار، مما يؤدي إلى دوامة انكماش يصعب السيطرة عليها.

2. سيناريو التكيف والتحول الهيكلي:

  • تحول اقتصادي جذري: انتقال نحو قطاعات أقل اعتمادًا على الاستثمار الأجنبي والسياحة، مثل التكنولوجيا الحيوية والطاقة النظيفة.
  • تعزيز السياحة المحلية: تطوير برامج مكثفة لتشجيع السياحة الداخلية وسياحة المغتربين لتعويض الخسائر.
  • زيادة الاستثمار الحكومي: دعم البحث والتطوير في القطاعات الاستراتيجية، مما يخلق فرصًا جديدة ويعزز النمو.
  • تعزيز الشراكات الاقتصادية: استغلال اتفاقيات التطبيع مع دول الجوار لفتح أسواق جديدة وتنويع مصادر الاستثمار.
  • تنمية الصناعات المحلية: توجيه الموارد نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية.

3. سيناريو الانتعاش التدريجي البطيء:

  • عودة تدريجية للاستثمارات: استعادة ما بين 50-60% من مستويات ما قبل الحرب بحلول 2026، ما يدعم الانتعاش الاقتصادي.
  • تحسن بطيء في السياحة: توقعات بالوصول إلى 70% من مستويات 2023 بحلول 2027، مع تركيز على حملات ترويجية مكثفة.
  • تحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي: بدء عودة النمو الإيجابي بحلول 2026، لكن بمعدلات أقل من فترة ما قبل الحرب.
  • استقرار قيمة الشيكل: تحسن جزئي لقيمة العملة الوطنية، مما يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية واستقرار الأسعار.

4. سيناريو الاعتماد على الذات والانغلاق النسبي:

  • نموذج اقتصادي انغلاقي: تركيز أكبر على تنمية السوق المحلية وتشجيع الاستهلاك الداخلي، مع تقليص الاعتماد على الاستثمارات الخارجية.
  • زيادة الإنفاق العسكري: تحويل موارد كبيرة نحو القطاعات الأمنية، مما يؤثر سلبًا على القطاعات الإنتاجية والخدمية.
  • دعم الشركات الناشئة المحلية: تعزيز برامج حكومية مكثفة لدعم الابتكار وتعويض تراجع الاستثمارات الأجنبية.
  • سياسات حمائية: فرض قيود على حركة رؤوس الأموال وتبني سياسات حمائية لحماية الصناعات المحلية.
  • تراجع مستوى المعيشة: انخفاض القوة الشرائية للمواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع التنافسية.

في نهاية المطاف، يقف الاقتصاد الإسرائيلي على مفترق طرق تاريخي، في لحظة فارقة تحمل في طياتها تحديات غير مسبوقة وفرصًا للتحول الجذري، فالعاصفة التي تجتاح أركان الاقتصاد اليوم ليست مجرد نكسة عابرة، لكنها زلزال عميق يهز أسس النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه “إسرائيل” لعقود.

إن انسحاب الاستثمارات وانهيار الثقة في “الدولة الآمنة” يكشفان عن هشاشة كامنة في بنية الاقتصاد الإسرائيلي، فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه قوة أصبح اليوم نقطة ضعف في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية.

احمد حسني

موقع نون بوست