1

نشأة عاشوراء في جبل عامل… عن التاجر الإيراني الذي أشاع التطبير والحسينيات

الجدل حول طقوس عاشوراء، لا ينقطع ولا ينتهي. هو جدل يتجدد كل عام، بمناسبة ومن دون مناسبة، فالطقوس العاشورائية هذه محط جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. تختلف الروايات الشيعية في نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، على يد جيش يزيد بن معاوية، ويؤكد أن نساء آل الحسين هنّ من ابتدأنها حزناً على الضحايا، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين، إذ حملتا معهما إحياءات رسميةً لهذه المناسبة وهذه الطقوس، في فارس والعراق، بالإضافة إلى دولة الفاطميين في مصر، والحمدانيين في حلب.

أول الطقوس تاريخياً… العهد البويهي

شكّلت واقعة كربلاء ذاكرة الطائفة الشيعية، وأعطت الجماعة ماضياً مشتركاً ورسّخته في التاريخ، كما وُلدت معها سلسلة من الطقوس التي تشكل خصوصية العقيدة الشيعية الإمامية. وكانت إقامة الشعائر بمناسبة استشهاد الحسين، تتخذ أشكالاً متعددةً حوالي بداية القرن العشرين، نتجت من تطوّر تقاليد قديمة كانت منتشرةً لدى المسلمين من مختلف الطوائف. وتم إحياء هذه التقاليد منذ عهد الصفويين (1501-1722م)، وأضيفت إليها أعمال الشبيه، أي تمثيل الفاجعة على صورة موكب.

وبذلك تصبح الشعائر الكبرى التي تطورت عبر العصور لدى الشيعة بمناسبة ذكرى عاشوراء، أربعةً: مجالس العزاء أو التعزية، وزيارة قبر الحسين لا سيما في العاشر من محرم وفي الأربعين، والمواكب الحسينية، وأعمال الشبيه، وقد تُرافق المجالس والمواكب أعمال مختلفة من أذى النفس، تتراوح بين ضرب الصدر باليد، أو ما يُسمّى باللطم، وضرب الظهر بالسوط، أو ما يسمّى بالتطبير.

وكان انتشار هذه الشعائر يزيد أو ينقص، وتتعدد صوره وتختلف بحسب اختلاف المناطق في العالم الشيعي، وذلك بحسب ما ذكرت المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان، في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”. 

يتجدد الجدل حول طقوس عاشوراء كل عام، جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. إذ تختلف روايات  نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي،  ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين 

وتروي المستشرقة الفرنسية، أن “مجالس العزاء أول ما ظهر من هذه الشعائر، فقد أعادتها بعض السنن إلى يوم الفاجعة نفسه، إذ بدأت بها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم توبعت هذه المجالس في العهد الأموي، سرّاً في البيوت، ثم أقيمت في العهد العباسي علناً، فقد أقيمت في القرن العاشر الميلادي في أماكن في بغداد وحلب والقاهرة يجتمع فيها الناس خصيصاً لإقامة هذه المجالس التي سُمّيت بالحسينيات؛ وكانوا يبكون فيها وينتحبون وينشدون المراثي ويقرأون المقاتل. وقد أصبحت مجالس العزاء تقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم”.

أما زيارة قبر الحسين وقبور شهداء كربلاء، فكانت شائعةً في القرون الإسلامية الوسطى، والدليل على ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل (تـ861م)، أراد أن يضع لها حدّاً سنة 850م، فهدم قبر الحسين. بعد ذلك تعاظم أمر هذه الزيارات شيئاً فشيئاً، لا سيما في عهد الصفويين. أما المواكب الحسينية، فإن المؤرخ ابن الأثير (1233م)، فيعيد تاريخها إلى سنة 963م، ويقول إن معزّ الدولة، أول البويهيين، قد أعلن الحداد على الحسين في يوم عاشوراء من تلك السنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الشيعة بالطواف في شوارع بغداد في مواكب كانت سبباً للصدام مع السنّة.

وبالانتقال إلى أعمال التشبيه، فقد بدأ بها الصفويون بعد ذلك بكثير، في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بحسب ما جاء في كتاب ميرفان سابق الذكر، حيث تروي أن “أعمال التشبيه تُنسب في التقليد الشعبي الفارسي إلى الشاه إسماعيل، أول الصفويين، بهدف نشر المذهب الاثني عشري في بلاد فارس؛ وكان الشاه عباس بعده يحثّ على إقامة هذه الاحتفالات. ثم جاء القاجاريون بعدهم فتابعوا نهجهم؛ وأقاموا ورعوا، بدلاً من المشاهد الموزّعة، مسرحيةً فعليةً تُمثَّل على خشبة المسرح، إلا أن ذلك اقتصر حينها على بلاد فارس”.

وتضيف: “أما الشعائر التي تقوم على أذى النفس، والتي كانت معروفةً قديماً في العقائد السائدة في الشرق الأوسط، فإنها لم ترافق شعائر عاشوراء إلا في زمن متأخر. ويؤكد إسحاق نقاش، بالبرهان المقنع، أن شيعة شمال إيران أوّل من بدأ بممارسة التطبير، وقد شهد على ذلك رحّالة عثماني، إذ يذكر أنه رأى سنة 1640م، هذه الشعائر الدامية؛ وقد أتت من القوقاز وأذربيجان، ولم تصل إلى داخل إيران وإلى البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر”.

المستشرقة الفرنسية عادت أيضاً لنقل ما سجّله عدد كبير من الرحالة حول مشاهداتهم الدقيقة لإقامة شعائر عاشوراء في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في إيران، “حيث كان الاحتفال بذكرى موقعة كربلاء ينتشر بلا عناء في عهدي الصفويين والقاجاريين، وكانت الحماسة تصل إلى أقصاها في اليوم العاشر، يوم عاشوراء، حين تسيل دماء اللاطمين في حمأة الموكب. وفي ما خلا مجالس العزاء وأعمال الشبيه والزيارة، كانت تسير المواكب الحسينية، وكان بعض المشاركين فيها يؤدون الشعائر القائمة على أذى النفس تكفيراً عن ذنوبهم، وهم من وصفهم الكونت دوغوبينو، سنة 1866، بالبرابرة الذين يسوطون أنفسهم بسلاسل الحديد ويغرزون الإبر في أجسادهم. وجاء أوجين أوبين، بعده بأربعين سنةً، فأظهرت روايته شعائر أخرى في أذى النفس، إذ كان التوّابون يلطمون صدورهم بإيقاع متكرر قوي، أو يجرحون رؤوسهم قبل أن يسيروا في الموكب، ويضربون على الجرح حتى تسيل الدماء”.

وترى ميرفان، في كتابها، أن أعمال التشبيه التي بدأها الصفويون أحرزت نجاحاً باهراً، وكان تكاثر الروايات حول مصرع الحسين وما يرافقه من طقوس مختلفة، شاهداً على حيوية هذا المسرح الديني الذي انتشر في المدن وفي الريف، ثم نُظّم ودُعم من حكومات الملوك القاجاريين في المدن الكبرى، واستعملوه في تثبيت حكمهم، وكانوا بتنظيمهم هذا الاحتفال يتمكّنون من السيطرة على الشعب والتأثير عليه.

وتضيف أنه “بعد عهد ناصر الدین شاه، انقلبت أداة الترويج هذه، أي تمثيل فاجعة كربلاء، على الحكام واستعملها المعارضون وأنصار الدستور في ترويج أفكارهم، فما كان من رضا شاه بهلوي، إلا أن منع إقامتها سنة 1935، ولكنه لم يستطع محوها، إذ أصبحت تقام في الأرياف”.

الصفويون والتشيّع الجديد

هذه التغيرات التاريخية المفصلية على طقوس عاشوراء، كان هدف الصفويين منها، كسب الطاعة غير المباشرة، عن طريق السيطرة على الشيعة باسم ثورة الحسين والمظلومية بهدف خلق أيديولوجيا تخدم مصالحهم ونفوذهم، إذ يرى المستشرق والدكتور في الفلسفة الإسلامية كولن تيرنر، في كتابه “التشيع والتحول في العصر الصفوي”، أن “الصفويين أرادوا أن يبدعوا فكراً شيعيّاً جديداً، تناقلته الأجيال باعتباره فكراً أصيلاً”، حيث يروي في كتابه “كيف قامت الدولة الصفوية بدايةً من دخول إسماعيل القائد الصفوي، تبريز سنة 1502م، وتنصيب نفسه شاهاً، واعتماده التشيع مذهباً رسميّاً للبلاد حيث يكشف عن خطّة إستراتيجيّة في بسط النّفوذ وتحقيق الهيمنة السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة”. 

بحسب مستشرقة فرنسية فقد ظهرت مجالس العزاء أول مرة يوم الفاجعة نفسه، وبدأتها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم استمرت سراً في العهد الأموي، وعلناً في العهد العباسي

ويواجه الباحث أقوال نور الله الشوشتري، الذي “بذل قصارى جهده لإثبات أنّ إيران كانت إماميةً بمعظمها قبل الصفويين، والحال أنّ إيران كانت في معظمها سنّيةً صوفيةً، حتّى أنّ إسماعيل عجز بعد فتحه، عن العثور على أيّ مدوّنة عن المبادىء العامة للإمامية ما عدا مخطوطة يتيمة في الفقه كانت في مكتبة نائية”.

وركّز كولن تيرنر، على دور الشيخ علي الكركي العاملي، في نشر المذهب الإمامي في إيران في عصر إسماعيل الصفوي، وتحصّل الكركي على امتيازات وعقارات بسبب ولائه المطلق للصفويين، كما قمع التسنّن وفرض التشهير المذهبي بالخلفاء الراشدين الأوائل، كما جاء في الكتاب.

كما اختار كولن تيرنر، أن يهتمّ في الفصل الرابع بمحمّد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار” الذي يُعدّ من أساسيات التقليد الشيعي، وهو من أبرز فقهاء الإمامية في آخر العصر الصفوي، ومؤسس الأرثوذكسية الجديدة، حيث اهتمّ الصفويون بالعجيب والغريب من الروايات، وأدخلوا تقاليد اللطم والتطبير، وشجّعوا على سبّ الخلفاء والصحابة وزوجات الرسول، وكفّروا أهل السنّة وأرباب التصوّف.

وزارة الشعائر الحسينية

في المقابل، يرى الدكتور والمفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، أن “الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا، وفي هذا الإطار عمد الشاه الصفوي، إلى استرضاء المسيحيين من خلال دعوتهم للهجرة إلى إيران، وشيّد لهم ‘جلفا’ مدينة مستقلة قرب العاصمة ومنحهم الحماية التامة والحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية”.

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء، من ذلك أن رجلاً كرواتياً يحضر أحد هذه المشاهد فيتأثر فيقتحم المكان ببدلته الأنيقة ويهاجم معسكر يزيد وأنصاره ويواسي الحاضرين بأجمل مواساة، بحيث ما أن يراه الناظر حتى يتيقن بأن كلب هذا المسيحي الإفرنجي أطهر من ‘السنّة’ الذين قتلوا الحسين”.

وبحسب ما ورد في كتابه، فإن “الصفويين استحدثوا منصباً وزارياً جديداً باسم وزير الشعائر الحسينية، حيث ذهب الوزير إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعةً حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتّبعة، بما في ذلك أنماط الديكورات التي كانت تُزيَّن بها الكنائس في تلك المناسبات واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران”.

“ومن هذه المراسم أيضاً طريقة تمثيل حياة شهداء الحركة المسيحية الأوائل وإظهار مظلوميتهم وطريقة قتلهم بواسطة حكّام الجور كل ذلك تحت عنوان Passions، حيث أصبحت جزءاً من الهوية الشيعية، كما أن مراسيم اللطم والزنجيل والتطبير وحمل الأقفال ما زالت تمارس سنوياً في ذكرى استشهاد المسيح في منطقة Lourder، وهذه المراسيم دخيلة على المذهب كما أن هنا ممارسات أُدخلت على عاشوراء مماثلة لطقوس الرجال السبعة mysteres 7 (الميراكل Miracles)، التي تعتمد علة تشييع رمزي لنعش عيسى مصلوباً وهبوطه وعروجه ونحو ذلك”.

“أما النوائح التي تؤدّى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدّى في الكنائس ويطلَق عليها اسم ‘كر’، كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشَّح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة”.

البداية من لبنان

كان لا بدّ من وضع بداية تمهيدية لشيوع طقوس عاشوراء عند الشيعة، وذلك لسرد بداية هذه الطقوس في جبل عامل، الذي كان مركز شيوعها الأساسي، حتى وصلت إلى عهدنا الحالي، حيث مرّت المناطق الشيعية المختلفة بمراحل زمنية محددة بحسب العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة فيها، وتنوعت وتبدلت أماكن إقامة الشعائر الحسينية من “التكيات” و”الحسينيات”، بالإضافة إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. كتب السيّد محسن الأمين في “خطط جبل عامل”، أن “الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، لأنها تُبنى لإقامة مراسم عزائه فيها، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً. وأورد أن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، فالتجمعات تقام في المساجد وهي أفضل”. 

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء،

يؤيد هذا الكلام الشيخ ياسر عودة، خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن “الحسينيات بدأت عند الشيعة في العهد الصفوي، والمؤسس لها هم الفاطميون قبل الصفويين، وهم أصحاب فكرة إنشاء المراقد لتكريس الفكر الديني الذي يريدونه ولترويج السياحة”. 

جاء في “خطط جبل عامل” أن الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً، وأن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، لأن التجمعات كانت تقام في المساجد 

ويقول عودة: “هناك فارق زمني كبير بين العهدين البويهي والصفوي، ففي عهد الصفويين أُدخل على الدين الكثير من المفاهيم وأكثرها أحاديث لعن الصحابة المنسوبة إلى أهل البيت. العقل البويهي أنتج الكثير من القضايا التي شوّهت التشيّع ومنها الشتم واللعن”.

الاضطهاد وبداية عاشوراء في لبنان

وبالعودة إلى جبل عامل (أي مناطق جنوب لبنان)، أولى الشهادات المكتوبة التي وصلتنا حول احتفالات عاشوراء فيه، أتت من جون ورتابيه، سنة 1860. فهو يصف في بضعة أسطر مقتضبة، ما كان يجري من احتفالات في ذلك الحين: يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في حداد وبكاء، على ذكرى مقتل الحسين، ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً مؤثرةً ويكفّون عن العمل. ويسمّونها الأيام العشرة، وكانت إقامة الشعائر في تلك الحقبة مقتصرةً إذاً على مجالس العزاء. وما ينقله التاريخ الشفهي عنها، أنها كانت تقام في السرّ. فالروايات المتناقَلة إلى اليوم، تقول إن العامليين كانوا يقيمون هذه المجالس في بيوتهم لكي يختفوا عن أنظار العثمانيين، الذين منعوا إقامتها في العلن، بحسب ما نقلت المستشرقة الفرنسية في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل و أدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.

تروي ميرفان: “كان الجنود يقومون بدوريات لرصد ما قد يقوم به الشيعة من احتفالات دينية؛ وكان الناس يوقفون أولاداً في الأزقّة يراقبون مرورهم فينذرون المجتمعين. فإذا ما دخل الجنود عليهم، وجدوهم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن”.

ووثّقت ميرفان حول تاريخ هذه الشعائر، نقلاً عن السيد محسن الأمين في سيرته، “أن المجالس كانت تقام في عهد طفولته، أي في ما يعود إلى العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وكان يُقرأ في أثناء الليالي العشر الأولى من محرم، في كتاب ضخم مؤلّفه من البحرين واسمه المجالس، وفيه عشرة فصول طويلة، كل فصل مخصص لمجلس”.

ويلاحظ الأمين أن في هذا الكتاب تشويهاً للتاريخ، وأحاديث مكذوبةً أشبه بالأساطير. ومع ذلك فإنه كان مقدّراً عند الناس في جبل عامل. حتى أنه يقول: “والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب أو يملكه، ولم تكن هذه المجالس تخضع لنظام احتفالي فقد كان المشاركون فيها يدخّنون ويتحادثون كما لو أنهم كانوا في مقهى حول الراوي. كذلك فإنها لم تكن مطردةً ولا منظمةً. أما في اليوم العاشر، يوم مقتل الحسين، فإن هذه العادة تُكسر ويُقرأ في مقتل أبي مخنف (تـ774م)، وهو من المؤرخين الأوائل في تاريخ الإسلام، ثم يُتلى دعاء زيارة قبر الحسين، فإن لم يكن بالإمكان زيارة كربلاء يوم عاشوراء فإن تلاوة هذا الدعاء على غير قبره واجبة. ثم كان يؤتى بالطعام إلى المساجد وفي الغالب يكون من الهريسة، وهي طعام خاص بيوم عاشوراء مؤلّف من القمح واللحم يوزّع على الفقراء”.

وفي عام 1880، بعد عودته من العراق، جاء الشيخ موسى شرارة، بتغييرات كثيرة على هذه العادات، كانت بحسب ما يقول محسن الأمين: “مبدأ الإصلاح لمجالس العزاء”، وأول ما قام به من عمل، هو أنه بدّل الكتب المستعملة في المجالس، فاستبدلها بكتاب أتى به من العراق، كان قد جمع نصوصه أحد قرّاء التعزية، فنسخ منه العديد من النسخ ووُزّعت في جبل عامل. ومع أن في هذا الكتاب الجديد في رأي محسن الأمين، جملةً من الأكاذيب، وتزويراً للتاريخ الصحيح، فإنه كان أصلح مما كان قبله ومجالسه أكثر تنظيماً. واستبدل موسى شرارة مقتل أبي مخنف، بمقتل ابن طاووس، اتّباعاً لما كان سائداً في العراق وإيران، واتّبعه الناس في ذلك، بحسب ميرفان.

يرى علي شريعتي أن الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، إذ تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا

ولم يكتفِ موسى شرارة، بتوطيد قراءة المجالس في الأيام العشرة الأولى من محرم احتفالاً بذكرى فاجعة كربلاء، بل أسس لغيرها على مثالها على مدار السنة. فأقام مجالس أسبوعيةً في بيته، بالإضافة إلى ذلك، أدخل عادات جديدةً في الدفن، فأقام مجالس الفاتحة عن أرواح العلماء والشخصيات الكبرى تُقرأ فيها المرائي. وقد شجّع رجال الدين والأدباء على نظم المراثي لقراءتها في هذه المناسبات. وقد اتّبعه الشعراء في ذلك وانتشر هذا التقليد في جبل عامل. كذلك فإنه منع النساء من السير وراء الجنازة، وسنّ لأهل بلدته بنت جبيل، عادة عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام.

وتؤكد المستشرقة الفرنسية: “وبذلك يكون موسى شرارة قد قام بتنظيم مجالس العزاء وإحيائها” (وهي اللفظة التي يستعملها محسن الأمين)، فبات القارئ يتلو نص رواية المعركة في كربلاء واستشهاد الحسين على الجماعة، فينوحون ويبكون على ما حلّ بأهل البيت، كما أنه وسّع نطاق الشعائر المتصلة بالاحتفال باستشهاد الحسين، ولم يكن بالإمكان اعتبار هذا الإصلاح القائم على إدخال عناصر خارجية جديدة، من باب البدع القبيحة، بل من باب البدع الحسنة، ولا سيما أن من أدخلها مجتهد مشهود له بالعلم والاستقامة”.

تحريض تجّار إيرانيين على المواكب

ترى المستشرقة الفرنسية خلال توثيقها حركة الإصلاح الشيعية في كتابها، أن “مجالس العزاء التي أدخلها موسى شرارة طُعّمت بالتمثيليات المسرحية وبالمواكب الحسينية على الطريقة الإيرانية، بتحريض من إيرانيين كانوا قد استقروا في جبل عامل من فترة وجيزة. وبالفعل، نزلت في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر جماعة من الإيرانيين معظمهم من التجار، وقد تأقلموا شيئاً فشيئاً، ولم يكونوا تياراً من الهجرة ذا أهمية كبرى، بل حالات من الأسر المنفردة، وكان من بينهم ميرزا يمارس الطب التقليدي وكان يُعدّ واحداً من أدباء النبطية المقربين من أحمد رضا وسليمان ظاهر. وكان ابنه بهيج، أول من درس الطب من العامليين في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد كان للأب والابن دور في إدخال هذه الشعائر على مرحلتين، بفارق يناهز العشرين سنةً”.

وتوثّق عن السيد محسن الأمين: “يذكر محسن الأمين المرحلة الأولى منهما، وقد حدثت بعد عودة حسن يوسف مكي من العراق، أي نحو سنة 1895. فقد قام بعض الإيرانيين في ذكرى عاشوراء بممارسة الشعائر على الطريقة الإيرانية، ولاسيما منها ‘الشبيه’ أي تمثيل الفاجعة. وقد منع حسن يوسف مكي استعادتها ثانيةً لحكمه بأنها خارجة على الشرع، مستعيناً على ذلك بالقائمقام في صيدا. إلا أن الإيرانيين تدخّلوا لدى والي بيروت، فأمر القائمقام بالسماح لهم بإقامة هذه الشعائر، أي تمثيل الفاجعة وإقامة الشعائر المتعلقة بأذى النفس. وهكذا استطاع الإيرانيون أن يدخلوا هذه الشعائر إلى النبطية، وما لبث العامليون أن قلّدوهم في إقامتها، وقد تعاظم عددهم، فانتشرت المواكب واستقطبت الجماهير من القرى

المجاورة، ويختم محسن الأمين عرضه بمقارنة هذه المواكب، وكان يُطلق عليها اسم المواكب الحسينية، بحلقات الذكر الصوفية، مما يعني أنه كان يشجب هذين العملين على حد سواء”.

و”تأصّل” هذا التطعيم الشعائري في النبطية، وكانت الشعائر تقام فيها على الطريقة الإيرانية، وباللغة الإيرانية. بعد وفاة حسن يوسف مكي، سنة 1906، خلفه عبد الحسين صادق، على الرياسة الدينية في النبطية، فترك الحرية للناس في إقامة هذه الشعائر، بل شجّع على إقامتها وشارك في إعادة تصميمها على أن من العلماء من كان يعارضها، فكان بعضهم يبدون مقاومةً لهذه الشعائر الجديدة، بحسب ميرفان التي تؤكد في كتابها أن “المرحلة الثانية من هذا التطعيم الشعائري بدأت سنة 1919، على أغلب الظن، وكان الفتى بهيج میرزا قد أنهى دراسته في الطب، وعاد إلى النبطية حيث كان أحد صانعي عودة هذه الشعائر الإيرانية”.

ثورة “التنزيه”

لم يقف السيد محسن الأمين، صامتاً من هذه الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل “جنوب لبنان”، فقد ألّف رسالة “ثورة التنزيه” في شهر محرم سنة 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها. وقد ذكر السيّد الأمين تسعة إشكالات على الشعائر الحسينية، هي: “الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تأييده، إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج النحاسية، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه وتشبيههنّ ببنات الرسول، الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكلّ ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر”.

ثورة الأمين أحدثت ردود أفعال وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على مناصري هذه الثورة، حيث جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يذكر الشيخ محمد الحسون الذي جمع وحقق رسالة التنزيه بأجزائها الثلاثة أنه ما أن وصلت الرسالة إلى النجف الأشرف حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين، وهم الأكثر، ومؤيدين وهم القلة القليلة، حتى أتت ردود الأفعال من مراجع دينية ومختلف طبقات المجتمع حتى تضمنها السبّ واللعن”.

دور الصحف في الثورة

ولم تقف الصحف موقف المحايد من هذه الثورة بحسب ما ورد في “رسالة التنزيه”: “فكانت الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية، حيث قامت صحيفتا ‘الأوقات العراقية’ و’العهد الجديد’ البيروتية، بنشر آراء السيد محمد مهدي الموسوي البصري والسيد محسن الأمين، والمؤيدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له، لأنهم القلة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، فكتبوا فيها حتى أن البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ’حبيب بن مظاهر’ و’أبي فراس'”. 

رفض السيد محسن الأمين الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل جنوب لبنان، فألّف رسالة “ثورة التنزيه” 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس كالصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها 

ويقول جامع الرسالة الشيخ محمد حسون، إنه “كان أيضاً لصحيفة ‘ديوائن ميسج’، التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الهند، دور كبير وقد كتب صاحبها ‘محمد علي سالمين’ مقالات عديدةً مؤيدةً للسيد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية، وصحيفة ‘الهاتف’، وإن كانت صدرت متأخّرةً عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الأستاذ جعفر الخليلي، كان له دور فعّال في مناصرة السيد الأمين”.

شيعة صفويون وشيعة علويون!

“لم تقتصر ردة الفعل على الشتائم واللعن والاضطهاد بل انقسم الناس إلى طائفتين؛ ‘علويين’ و’أمويين’، وعُني بالأمويين أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلةً قليلةً لا يُعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى”، كما جاء في الرسالة.

ومن الصحافة إلى الشعر الذي كان له دور كبير، صيغت أبيات ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، مما لقنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، حيث أوردت منها الرسالة:

“لعن الله أناساً

حرموا ندب الحسين”.

فكان الردّ الشعري:

“عدّ الله أناساً قولهم كذب ومـيـن

ألصقوا بالدين مما قد أتــــوه كــل شــين

أظهروا للدين حباً وهو حب الدرهمين”.

وتسرد الرسالة في تلك الحقبة أنه “كان للمجالس العاشورائية في النبطية دور كبير في هذه الجدلية، حيث راح سقاة الماء يجولون في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: ‘لعن الله الأمين – ماء’، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخص في ترديدهم القول: ‘لعن الله حرملة – ماء’، فأبدلوا حرملة بـ’الأمين’ نكايةً وشتماً”.

ومن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلي (تـ1359هـ)، الذي وقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ومما قاله فيه بحسب ما جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يا راكباً أما مررت بـ’جلّق’ فأبصق بوجه ‘أمينها’ المتزندق”.

الأمين إلى دمشق ومنع الطقوس في مقام السيدة زينب

هذه الحرب لم تقتصر على جبل عامل، بل انتقلت إلى دمشق مقر إقامة السيد محسن الأمين، حيث ورد في الجزء الثالث من رسالة التنزيه، أن “دعوة الأمين تطورت من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319هـ. يقول المؤرخون: لم يمضِ خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق وكان قد عرف ما يجري في هذا اليوم في مقام السيدة زينب بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء الرؤوس فقاطع وجمعاً من مؤيديه هذه الطقوس واكتفى بإقامة حفل تتلى فيه السيرة الحسينية بدمشق”.

وفي السنة الثالثة، عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الدامية مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين المؤيدين له الذين انطلقوا إلى مقام السيدة زينب يخبرون القادمين من الخارج بأن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك، وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكل وسيلة، بحسب ما جاء في الجزء الثالث من الرسالة.

هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحالي، إذ يرى الشيخ حسن حمادة العاملي، في حديثه إلى رصيف22، أن “موضوع عاشوراء حزن وبكاء على الحسين (ع)، فأول من بكى عليه هو النبي محمد (ص)، وهذا بإجماع جميع المسلمين فكلهم يقول إنه لما وُلد الإمام الحسين (ع)، نعاه رسول الله (ص)، وقبّله في نحره، فسألته السيدة فاطمة الزهراء (ع): لماذا قبّلته في نحره؟ فأجاب النبي (ص): لأنه يُقتل مذبوحاً”.

ويضيف: “طبعاً نحن نتحدث عن إقامة العزاء بحيث لا نشوّه الدين أو المذهب، أمّا بخصوص التطبير والنواح فبرأيه يختلف عن موضوع البكاء؛ فإن فقدت عزيزاً أو سمعت بمظلومية شخص ما بطبيعتي أحزن عليه، فما بالك بالإمام الحسين وما جرى عليه في كربلاء؟”.

ويتابع: “أنا لا أطبّر، لكنّها مسألة فقهية مختلف عليها بين المراجع في المذهب الجعفري، فمنهم من يقول مستحبّ وآخرون يحرّمون ولا أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، فأنا لست بفقيه”، مشيراً إلى أن “هناك أموراً أدخلت على الدين من حيث التمثيل واللحن بالقصائد، لكن لا يمكن أن أعمّم بأنها جميعها دخيلة، وفي حال كان هناك شخص ما يشوّه الدين لا يمكن أن نلزمه للمذهب، أما إدخال الموسيقى أي الغناء في القصائد الحسينية ففي حال كان اللحن محرماً، فلا يجوز، أما اللطميات المتعارفة فلا إشكال فيها”.

وحول التمثيل في عاشوراء، برأيه هو “موجود وهناك مسلسل عن معاوية. كيف أقبل بهذا الأمر ولا أقبل بتمثيل ما جرى مع الحسين (ع) لتجسيد مظلوميته”، في حين اعتبر أن “الحسينية هي مكان ليجتمع الناس على ذكر أهل البيت (ع)، وإحياء أمرهم والمراد منها إقامة مجالس الحسين (ع)، وفي حال كان هذا المكان تعليمياً وتنويرياً فأين المشكلة؟ وإن كانت بدعة فهي بدعة حسنة ولكن يجب أن تصل رسالة أهل البيت، ولكل مفهوم معنى، وأشك أن يكون السيد محسن الأمين قد نهى عن البكاء على الحسين عليه السلام”.

حسن سنديان

موقع رصيف 22




تحت وطأة الحرب.. الاستثمارات الأجنبية تهرب من السوق الإسرائيلية

لطالما تفاخرت تل أبيب بكونها عاصمة الشركات الناشئة، و”وادي السيلكون” في الشرق الأوسط، لكن تتوالى أخبار هروب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية من شركاتها وأصولها ومقراتها، إذ لم تقتصر الحرب على غزة على التطورات الميدانية العسكرية فحسب، بل امتدت لتضرب قلب الاقتصاد الإسرائيلي، في مشهد غير مسبوق، شمل كذلك الشركات المحلية حيث اختارت 80% من الشركات الإسرائيلية الناشئة ولاية “ديلاوير” الأمريكية كمقر لها، وحتى قبل الحرب انخفض الاستثمار الأجنبي بنسبة 60% في الربع الأول من 2023.

تزامنًا مع الانسحاب المتتالي للاستثمارات المحلية والأجنبية، تلاشت أحلام الازدهار وحلت محلها مخاوف وتساؤلات مصيرية حول قدرة “إسرائيل” على الصمود أمام هذه التحديات المتزايدة التي أفقدتها جاذبيتها الاستثمارية، فما أهم الشركات والصناديق السيادية والبنوك التي انسحبت من السوق الإسرائيلية؟

شركات وصناديق سيادة انسحبت من “إسرائيل”

منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت “إسرائيل” موجة غير مسبوقة من هروب الاستثمارات، حيث تسابقت الشركات الكبرى والصناديق السيادية للخروج من السوق الإسرائيلي، وفيما يلي قائمة بأبرز المنسحبين وتفاصيل قراراتهم الحاسمة:

نون بوست
تحركات وضغوط شعبية في لندن ضد باركليز.

الصناديق السيادية والتقاعدية والاستثمارية:

  • صندوق الثروة السيادي النرويجي: سحب استثماراته بالكامل من “إسرائيل”، محذرًا من “حالة عدم اليقين الخطيرة” في السوق.
  • صندوق التقاعد الدنماركي “بنسيون” (Danske Bank): سحب جميع استثماراته من البنوك الإسرائيلية.
  • صناديق التقاعد البريطانية: واجهت ضغوطًا كبيرة للتخلص من استثماراتها في الشركات التي تزود “إسرائيل” بالأسلحة.
  • صندوق تقاعد الجامعات البريطاني (USS): قلل استثماراته في الديون الحكومية الإسرائيلية والشيكل خلال الأشهر الستة الماضية.
  • الوكالة الوطنية الأيرلندية لإدارة الخزانة: سحبت ما يقرب من 3 ملايين يورو من محفظة الأسهم العالمية الخاصة بها في صندوق الاستثمار الإستراتيجي الأيرلندي، وتحديدًا من الشركات الست التالية: بنك هبوعليم، وبنك لئومي، وبنك الخصم الإسرائيلي، وبنك مزواجي، والبنك الدولي الأول، ومتاجر رامي ليفي.

البنوك:

  • بنك باركليز (Barclays): أعلن البنك البريطاني انسحابه المفاجئ من مزادات السندات الحكومية الإسرائيلية تحت ضغط نشطاء معارضين للعدوان الإسرائيلي على غزة.
  • بنك HSBC: قلص البنك البريطاني استثماراته بشكل حاد في “إسرائيل”، محذرًا من عدم الاستقرار في السوق الإسرائيلي.

الشركات:

  • إنتل (Intel): أوقفت الشركة الأمريكية العملاقة استثماراتها الاستراتيجية في “إسرائيل”، استجابةً للضغوط الدولية المتزايدة وحملات المقاطعة.
  • نيلسن (Nielsen): قررت الشركة الأمريكية المتخصصة في المعلومات والبيانات وقياس السوق إغلاق فرعها في “إسرائيل”.

أسباب الانسحاب المستمر

في خضم العاصفة الاقتصادية التي تجتاح “إسرائيل”، تتجلى أسباب هروب الاستثمارات بوضوح في عدة عوامل رئيسية، كل منها يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل المشهد الاقتصادي الحالي:

  1. الإبادة الجماعية في غزة: ألقى الصراع المستمر بظلاله الثقيلة على الاقتصاد الإسرائيلي، فالحرب لم تقتصر على ساحات المعارك، لكن امتدت لتضرب في صميم الثقة الاستثمارية، فالخسائر البشرية والمادية الفادحة، إلى جانب الإنفاق العسكري الهائل، خلقوا حالة من عدم اليقين دفعت المستثمرين للبحث عن ملاذات آمنة بعيدًا عن “إسرائيل”.
  2. تصاعد حملات المقاطعة الدولية، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) اكتسبت زخمًا غير مسبوق، ونجحت الحركة في التأثير على الرأي العام العالمي والضغط على الشركات والمؤسسات المالية. هذا الضغط الأخلاقي والاقتصادي دفع العديد من المستثمرين لإعادة النظر في علاقاتهم مع “إسرائيل”، خوفًا من الأضرار التي قد تلحق بسمعتهم وأعمالهم.
  3. تراجع الاستقرار السياسي الداخلي: الانقسامات السياسية الحادة داخل “إسرائيل”، والتي تفاقمت مع الإصلاحات القضائية المثيرة للجدل، زعزعت ثقة المستثمرين في استقرار البلاد، وأثارت مخاوف حول قدرة “إسرائيل” على الحفاظ على بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتنبؤ.
  4. تآكل الميزة التنافسية في قطاع التكنولوجيا، مع هجرة الكفاءات وبحث الشركات عن بدائل أكثر استقرارًا.

توقعات مقلقة

في لحظة مفصلية من تاريخها الاقتصادي، تواجه “إسرائيل” عاصفة غير مسبوقة تهدد كيانها الاقتصادي، من تداعيات انسحاب الشركات والصناديق السيادية على الاقتصاد الإسرائيلي وتدهور تصنيفها الائتماني إلى “A2” مع نظرة مستقبلية سلبية تعكس عمق الأزمة الحالية.

على المدى القصير:

  • الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من انكماش هائل بنسبة 19.4% في الربع الرابع من عام 2023، هذا الانهيار الحاد يعكس تأثير الحرب على غزة على كل القطاعات.
  • تراجع حاد في الاستهلاك الخاص بنسبة 27%، والاستهلاك العام انكمش بنسبة 90%.
  • ارتفع الإنفاق العام بنسبة 7.1% في الربع الأول من 2024 على أساس سنوي، بعد ارتفاع غير مسبوق بنسبة 86% في الربع الأخير من 2023، ويرجع ذلك أساسًا إلى الإنفاق الدفاعي.
  • انهيار في الاستثمارات بنسبة 70%.
  • سوق الأسهم لم يسلم من هذه العاصفة، مع تراجع مؤشر تل أبيب 35 بأكثر من 20% منذ بداية الحرب. في الوقت نفسه، يفقد الشيكل الإسرائيلي قيمته، مما يزيد من تكاليف الاستيراد ويؤجج التضخم.

على المدى البعيد:

  • انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1% على أساس سنوي.
  • تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 2% لعام 2023 مقارنة بـ6.5% في 2022، مع نمو سلبي لنصيب الفرد بنسبة 0.1%.
  • تراجع الاستثمارات الأجنبية يهدد القطاعات الحيوية، وخاصة التكنولوجيا.
  • تآكل الميزة التنافسية في سوق الابتكار العالمي بسبب هجرة الكفاءات.
  • ارتفاع تكلفة الاقتراض مع تدهور التصنيف الائتماني.
  • احتمال تحول جذري في هيكل الاقتصاد الإسرائيلي، مع تقلص دور القطاعات المعتمدة على الاستثمار الأجنبي.

تداعيات انسحاب الاستثمارات على الاقتصاد الإسرائيلي

نون بوست

في ظل هذه الظروف الاستثنائية، تبرز أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاقتصاد الإسرائيلي عن تداعيات انسحاب الاستثمارات، كل منها يرسم مسارًا مختلفًا للسنوات القادمة. هذه السيناريوهات تتراوح بين الانكماش الحاد والتكيف الهيكلي، مرورًا بالانتعاش التدريجي البطيء، وصولًا إلى نموذج الاعتماد على الذات والانغلاق النسبي.

1. سيناريو الانكماش الحاد:

  • تراجع الاستثمارات الأجنبية: استمرار الانخفاض بنسبة قد تصل إلى 70-80% بحلول نهاية العام مقارنة بفترة ما قبل الحرب، ما يعمق الأزمة الاقتصادية.
  • انهيار قطاع السياحة: قد تتجاوز خسائر القطاع 90% من عائداته مقارنة بعام 2023، مع تداعيات خطيرة على الوظائف والإيرادات.
  • ارتفاع البطالة: زيادة غير مسبوقة في معدلات البطالة، خاصة في القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا والسياحة والخدمات.
  • انكماش الناتج المحلي الإجمالي: تراجع قد يتجاوز 10% سنويًا، مما يقود البلاد إلى ركود اقتصادي عميق.
  • تدهور قيمة الشيكل: انخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية، يزيد من تكاليف الاستيراد ويؤجج التضخم.
  • انخفاض الإنفاق: تراجع حاد في الاستهلاك والاستثمار، مما يؤدي إلى دوامة انكماش يصعب السيطرة عليها.

2. سيناريو التكيف والتحول الهيكلي:

  • تحول اقتصادي جذري: انتقال نحو قطاعات أقل اعتمادًا على الاستثمار الأجنبي والسياحة، مثل التكنولوجيا الحيوية والطاقة النظيفة.
  • تعزيز السياحة المحلية: تطوير برامج مكثفة لتشجيع السياحة الداخلية وسياحة المغتربين لتعويض الخسائر.
  • زيادة الاستثمار الحكومي: دعم البحث والتطوير في القطاعات الاستراتيجية، مما يخلق فرصًا جديدة ويعزز النمو.
  • تعزيز الشراكات الاقتصادية: استغلال اتفاقيات التطبيع مع دول الجوار لفتح أسواق جديدة وتنويع مصادر الاستثمار.
  • تنمية الصناعات المحلية: توجيه الموارد نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية.

3. سيناريو الانتعاش التدريجي البطيء:

  • عودة تدريجية للاستثمارات: استعادة ما بين 50-60% من مستويات ما قبل الحرب بحلول 2026، ما يدعم الانتعاش الاقتصادي.
  • تحسن بطيء في السياحة: توقعات بالوصول إلى 70% من مستويات 2023 بحلول 2027، مع تركيز على حملات ترويجية مكثفة.
  • تحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي: بدء عودة النمو الإيجابي بحلول 2026، لكن بمعدلات أقل من فترة ما قبل الحرب.
  • استقرار قيمة الشيكل: تحسن جزئي لقيمة العملة الوطنية، مما يساعد في تخفيف الضغوط التضخمية واستقرار الأسعار.

4. سيناريو الاعتماد على الذات والانغلاق النسبي:

  • نموذج اقتصادي انغلاقي: تركيز أكبر على تنمية السوق المحلية وتشجيع الاستهلاك الداخلي، مع تقليص الاعتماد على الاستثمارات الخارجية.
  • زيادة الإنفاق العسكري: تحويل موارد كبيرة نحو القطاعات الأمنية، مما يؤثر سلبًا على القطاعات الإنتاجية والخدمية.
  • دعم الشركات الناشئة المحلية: تعزيز برامج حكومية مكثفة لدعم الابتكار وتعويض تراجع الاستثمارات الأجنبية.
  • سياسات حمائية: فرض قيود على حركة رؤوس الأموال وتبني سياسات حمائية لحماية الصناعات المحلية.
  • تراجع مستوى المعيشة: انخفاض القوة الشرائية للمواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع التنافسية.

في نهاية المطاف، يقف الاقتصاد الإسرائيلي على مفترق طرق تاريخي، في لحظة فارقة تحمل في طياتها تحديات غير مسبوقة وفرصًا للتحول الجذري، فالعاصفة التي تجتاح أركان الاقتصاد اليوم ليست مجرد نكسة عابرة، لكنها زلزال عميق يهز أسس النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه “إسرائيل” لعقود.

إن انسحاب الاستثمارات وانهيار الثقة في “الدولة الآمنة” يكشفان عن هشاشة كامنة في بنية الاقتصاد الإسرائيلي، فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه قوة أصبح اليوم نقطة ضعف في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية.

احمد حسني

موقع نون بوست




أي دور لـ”إسرائيل” في تصاعد العنف ضد المسلمين في بريطانيا؟

تصدرت أعمال الشغب العنصرية الأخيرة ضد المسلمين والمهاجرين في بريطانيا عناوين الصحف العالمية، لتوصف بأنها الأعنف منذ 13 عامًا، ومع ذلك، هناك جانب لم يركز عليه أحد تقريبًا، وهو كيف يحاول المؤثرون من أقصى اليمين الذين حركوا الاحتجاجات العنيفة ربط قضية معاداة المهاجرين بـ”إسرائيل”، وكيف أن معظمهم من المأجورين للدفاع عن الحرب الإسرائيلية على غزة.

الفتيل الذي أشعل العنصرية

ما شهدته بريطانيا مؤخرًا من “عنصرية متفشية” ليس سوى مثالًا على كيف أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي والكراهية اليمينية المتطرفة العنف في جميع أنحاء بريطانيا، في أعقاب هجوم وقع في 29 يوليو/تموز الماضي، وأسفر عن مقتل 3 فتيات صغيرات وإصابة 8 أطفال آخرين واثنين من البالغين في ساوثبورت بشمال إنجلترا.

حسابات يمينية على منصات التواصل استغلت الحدث، وأججت الأوضاع بزعم أن المشتبه به الرئيسي كان مهاجرًا ومسلمًا متطرفًا، وصل إلى بريطانيا بشكل غير قانوني في قارب.

انتشر هذا الخبر الكاذب بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار احتجاجات عنيفة ضد المسلمين في ساوثبورت، وهاجم المتظاهرون المناهضون للمسلمين مسجدًا محليًا، وأشعلوا النيران في المركبات، وألقوا الحجارة على الشرطة، وأصيب أكثر من 50 ضابط شرطة في الاشتباكات.

وعلى الرغم من تأكيد الشرطة لاحقًا أن الحادث لم يكن مرتبطًا بالإرهاب، وتحديد هوية المشتبه به على أنه شاب مراهق في الـ17 من عمره، ليس مسلمًا ولا حتى مهاجرًا، ولد في بريطانيا لأبوين مسيحيين من رواندا، انتشرت الاحتجاجات في أكثر من 20 مدينة بجميع أنحاء بريطانيا، وشملت هجمات عنصرية على المسلمين والبريطانيين الآسيويين والبريطانيين السود.

وتعرضت فنادق المهاجرين للهجوم، وتم اقتحام المتاجر وإشعال النار في السيارات، وامتدت الممارسات العنصرية لتشمل مقبرة إسلامية في بورنلي، حيث دنس متظاهرون شواهد بعض القبور بالطلاء، وهو ما أدى إلى تعزيز شعور الخوف والقلق في أوساط ما يناهز 4 ملايين مسلم في بريطانيا.

ووصف العديد من المحتجين أنفسهم بأنهم “وطنيون مهتمون بارتفاع مستويات الهجرة”، وهذا سرد يغذيه زعيم حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني المناهض للهجرة نايجل فاراج الذي فاز حزبه بـ4 ملايين صوت و4 مقاعد في البرلمان في الانتخابات العامة لعام 2024.

ورغم أن المشاعر المعادية للمسلمين والعرب كانت مرتفعة منذ بدأت حرب الغرب على الإرهاب، خاصة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، فإن حدة هذا الخطاب خفتت قليلًا على مدى السنوات القليلة الماضية، ومع ذلك، تصاعد الخطاب المعادي للإسلام بشكل غير مسبوق في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وفقًا لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، كان عدد الشكاوى الواردة بشأن الحوادث المعادية للإسلام في عام 2023 – التي جاءت معظمها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول – هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ مجموعة الحقوق المدنية للمسلمين الأمريكيين أو الاجانب الممتد على مدار 30 عامًا. ووفقًا للإحصاءات المقدمة لهذا العام، ارتفعت الحوادث المعادية للإسلام بنسبة بلغت 70% في النصف الأول من عام 2024.

وفي المملكة المتحدة، كان ارتفاع معدلات الإسلاموفوبيا أسوأ بكثير حيث تشير بيانات “وحدة الاستجابة للإسلاموفوبيا IRU”، وهي منظمة خيرية مقرها لندن، إلى ارتفاع حالات الكراهية التي سُجلت ضد المسلمين في البلاد بنسبة تزيد على 300% خلال الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

ما تخبرنا به هذه البيانات هو أن هناك زيادة كبيرة في المشاعر المعادية للمسلمين، التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالتغطية المتعلقة بالعدوان الإسرائيلي على غزة، سواء كان ذلك في وسائل الإعلام المؤسساتية المتحيزة أم على وسائل التواصل الاجتماعي التي يبدو أن غالبية الآراء المتشددة اليوم تتشكل عليها.

من يقف وراء هذا التحريض؟

مجموعات عديدة من اليمين المتطرف شاركت في أعمال الشغب أو روجت لها على وسائل التواصل، مثل الحركة البريطانية، وهي مجموعة من النازيين الجدد، ومجموعة البديل الوطني الفاشية التي تستخدم العنف، وتحاول تأجيج هذه المواجهات.

ثالث المنظمات الرئيسية التي تنسب لليمين المتطرف هي رابطة الدفاع الإنجليزية، وهي حركة عنصرية معادية للمسلمين والمهاجرين، من أبرز مؤسسيها ستيفن كريستوفر ياكسلي لينون، الذي غير اسمه الحقيقي إلى تومي روبنسون، أحد أبرز نشطاء اليمين المتطرف الموالين لـ”إسرائيل” والمعادين للإسلام.

يُتهم روبنسون بلعب دور مهم في التحريض على العنف القائم في بريطانيا، فقد استقطبت مظاهرة له ضمت العديد من أنصار “إسرائيل” حشدًا من نحو 20 ألف شخص في لندن قبل أيام قليلة من بدء أعمال الشغب، لكن روابط روبنسون بـ”إسرائيل” أعمق بكثير من اللافتات المرفوعة في مسيراته.

نون بوست
تومي روبنسون يميني متطرف متهم بالتحريض على أعمال الشغب في بريطانيا.

ساهم اليمينيون المتطرفون بما في ذلك روبنسون، في نشر اسم مزيف للمشتبه به، مدعيًا أنه طالب لجوء، رغم التشكيك في هذه المعلومات المضللة حتى على التلفزيون الإسرائيلي، لكن روبنسون ضاعف جهوده، وألقى بظلاله مرة أخرى على الحقيقة، وعمد إلى الترويج لذلك وكأنه دليل على وجود مشكلة مع طالبي اللجوء المسلمين في بريطانيا، ما أدى إلى المزيد من الاستقطاب، ومن ثم ضمان تضليل الجمهور الإسرائيلي أيضًا.

وبعد إثارة التوترات، وربط الحادث المروع بالهجرة غير الشرعية والحث على القيام بشيء حيال ذلك، سارع أمثال تومي روبنسون إلى النأي بأنفسهم عن العنف على الإنترنت، ولكنهم برروا أعمال الشغب، فلم تكن النقطة الأولى التي أثارها في مقطع الفيديو الذي تناول فيه أعمال الشغب تتعلق بالهجرة غير الشرعية، بل بحركة حماس.

وقدَّم روبنسون التفسير التالي لغضب بلطجيته وأعمال الشغب العنصرية المناهضة للمسلمين: “لماذا الناس غاضبون؟ سأخبرك لماذا هم غاضبون، لأن حماس سُمح لها بالسيطرة على لندن. الاستيلاء على عاصمتنا. كل أسبوع تُرفع أعلام داعش وحماس. تدعو إلى الجهاد. الشرطة لم تفعل شيئًا. بدلًا من ذلك ألقت القبض علي” وأضاف: “إن تصرفاتك في الأسابيع الثلاثة الماضية أو منذ السابع من أكتوبر، خلقت الآلاف من تومي روبنسون”.

هناك أيضًا سبب يدفع روبنسون إلى محاولة الإيحاء بأن أعمال الشغب تحدث بسبب استيلاء حماس على لندن، وهو ما يعني به المحتجين السلميين المؤيدين للفلسطينيين، لأن هذا في الواقع لا علاقة له بالسبب وراء حدوث أعمال الشغب العنصرية على الإطلاق.

ومن خلال إضافة المعلومات المضللة المنتشرة عبر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي اليمينية المتطرفة بأن المحتجين المؤيدين للفلسطينيين جميعهم من حماس وأنهم كانوا يحملون أيضًا أعلام داعش، فإن هذا يصب الوقود إلى النار، ويساعد في توجيه الكراهية نحو الفلسطينيين ودعم “إسرائيل”.

على خطى المنظمات الإرهابية الصهيونية

ليس من المستغرب أن يتم التحريض على أعمال العنف التي تشهدها بريطانيا، وأن تصدر هذه التصريحات العنصرية عن رجل لطالما اعتبر نفسه صهيونيًا، ويعمل لصالح “إسرائيل” كجزء من حركة الإسلاموفوبيا “المناهضة للجهاد” التي أنشأتها دولة الاحتلال، إذ صرح في وقت سابق بأنه “سيكون في الخطوط الأمامية للقتال من أجل إسرائيل”، ولكن لماذا يعتبر روبنسون مهووسًا بجعل كل قضية تتعلق بـ”إسرائيل” والسابع من أكتوبر/تشرين الأول؟

اكتسب روبنسون شهرة واسعة عندما شارك عام 2009 في تأسيس رابطة الدفاع الإنجليزية (EDL) اليمينية العنصرية المتطرفة والمعادية للإسلام بشكل صريح، والمعروفة بأعمال العنف والشغب والمسيرات العنصرية ضد المسلمين والمهاجرين، وقاد المجموعة حتى عام 2013.

بعد عامين من تأسيسها تم تسمية المنظمة باسم رابطة الدفاع الإنجليزية واليهودية، استنادًا إلى رابطة الدفاع اليهودية، وهي منظمة إرهابية صهيونية أسسها الحاخام مائير كاهانا في الولايات المتحدة على أيديولوجية يمينية متطرفة عام 1968، وكانت جزءًا رئيسيًا من أعمال البلطجة العنيفة المعادية للإسلام في شوارع بريطانيا على مدى العقد الماضي.

ومع ذلك، لم يُذكر إلا القليل عن المؤسس المشارك لرابطة الدفاع الإنجليزية، وهو بول راي، الذي عمل لصالح المخابرات الإسرائيلية، حيث قام بالتسلل والتجسس على حركة التضامن الدولية المؤيدة للفلسطينيين (ISM)، التي كانت الأمريكية راشيل كوري التي قتلت بجرافة إسرائيلية عضوًا فيها، وقدم المعلومات التي جمعها عن أعضائها إلى العديد من وكالات الاستخبارات.

في سلسلة تغريدات نُشرت على موقع إكس (تويتر سابقًا)، يكشف مغني الراب الشهير البريطاني من أصل عراقي كريم دينيس المعروف باسمه الفني “لوكي”، بالتفصيل علاقة رابطة الدفاع الإنجليزية بالحركة الصهيونية، مشيرًا إلى أن “رابطة الدفاع الإنجليزية مسجلة في سجل الشركات (موقع الحكومة البريطانية) عن طريق الجندية السابقة في جيش الاحتلال الإسرائيلي روبرتا مور”.

ووفقًا لمغني الراب الشهير المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، والذي تعرض لهجوم من جماعات اللوبي البريطانية الموالية لـ”إسرائيل”، كانت مور تخضع لتدريب عسكري في إحدى المستوطنات الإسرائيلية، وتتولى رئاسة الوحدة اليهودية في رابطة الدفاع الإنجليزية، التي كان عدد أعضائها نحو 100 عضو.

ولسنوات طويلة، نظَّمت رابطة الدفاع الإنجليزية تظاهرة داعمة لـ”إسرائيل” بالتعاون مع الاتحاد الصهيوني، وظهرت مور في صورة مع النائب السابق لرئيسه جوناثان هوفمان، وعندما سُئلت مور عما إذا كانت رابطة الدفاع الإنجليزية تستغل الحركة الصهيونية، ردت قائلة: “إذا كان هناك أي شيء، فهو أننا نستغلهم”.

في فبراير/شباط 2013، غيَّرت روبرتا مور اسم رابطة الدفاع الإنجليزية على الموقع الرسمي لسجل الشركات البريطانية إلى رابطة الدفاع اليهودية في المملكة المتحدة، واستخدمت شعار حركة كاهانا، وهي جماعة إرهابية أخرى، وظهرت روبرتا في صورة لها إلى جانب عضو الكنيست الإسرائيلي السابق موشيه فيجلين ورئيس الفرع الكندي لرابطة الدفاع اليهودية مائير وينشتاين.

كانت رابطة الدفاع اليهودية محظورة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة، ويُفهم على نطاق واسع أنها الجناح المسلح لحركة “كاخ” الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تأسست عام 1971 في “إسرائيل”، وهي من أشهر الجماعات المتطرفة التي تنادي بهدم المسجد الأقصى، وتتبع لعضو الكنيست الإسرائيلي السابق اليميني المتطرف الحاخام الأمريكي مائير كاهانا.

وعرفت كاخ بأفكارها العنصرية وسلوكها العنيف ضد الشعب الفلسطيني ودعوتها لطرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة وإيمانها بأفضلية اليهود على غيرهم، وشكلت مجموعات مسلحة للاعتداء على قرى الفلسطينيين وتخريب ممتلكاتهم، كما تبنت عمليات قتل بحقهم، وأنتجت حركات وشخصيات متطرفة أخرى من أبرزها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي انضم إليها في الـ16 من عمره، وأسس حزبًا متطرفًا يدعى “عوتسما يهوديت”.

وعندما تشكلت رابطة الدفاع الإنجليزية لأول مرة، كان أحد المتحدثين الرئيسيين في مسيراتهم هو أيضًا المدرب العسكري الإسرائيلي السابق والحاخام اليهودي الأمريكي المتطرف ناخوم شيفرين، الذي وُصف بأنه أحد كبار الناشطين في احتجاجات حركة حزب الشاي “تي بي إم” التي ظهرت في المشهد السياسي الأمريكي عام 2009.

عنصرية بتمويل إسرائيلي

كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن الناشط اليميني المتطرف يتلقى دعمًا من مجموعة واسعة من الجهات والأفراد خارج بريطانيا بما في ذلك مراكز أبحاث أمريكية ويمينيون أستراليون ومتصيدون روس.

ووفقًا للتحقيق، فإن أحد مصادر التمويل هو الملياردير الأمريكي في مجال التكنولوجيا روبرت شيلمان الذي كان – حتى وقت قريب – مديرًا لمنظمة أصدقاء قوات الدفاع الإسرائيلية، وموَّل السياسيين اليمينيين المتطرفين الهولنديين مثل النائب الهولندي المعروف بعدائه للإسلام خيرت فيلدرز.

ويمول شيلمان أيضًا مشروعات كثيرة مناهضة للإسلام، بما في ذلك مركز “هوروويتز Horowitz” الذي يُوصف بأنه “شبكة من المشروعات التي تمنح الأصوات المعادية للمسلمين والأيديولوجيات الراديكالية منصة لنشر الكراهية والتضليل الإعلامي”، كما يمول العديد من قنوات البروباغندا السياسية مثل موقع الأخبار اليميني الكندي “ريبل نيوز Rebel News”.

وبتمويل من شيلمان، دفع “ريبل نيوز” لروبنسون راتبًا قدره 5 آلاف جنيه إسترليني شهريًا، لكن صحيفة “تايمز” البريطانية تحدثت إلى زميلة سابقة عملت عن كثب إلى جانب روبنسون، تدعى لوسي براون، وقالت إن شيلمان ساعد في دفع راتب روبنسون الذي يصل إلى 5 أرقام شهريًا للعمل هناك.

بالإضافة إلى ذلك، حصل صحفي “ريبل نيوز” على أموال من منظمة أخرى مؤيدة لـ”إسرائيل”، حيث اعترفت مؤسسة الفكر المسماة منتدى الشرق الأوسط، بتنظيم مسيرة يمينية متطرفة مؤيدة لروبنسون في لندن، ودفع 60 ألف دولار على الأقل كنفقات قانونية بعد اعتقاله بتهمة ازدراء المحكمة في عام 2018، لبثه مقطع فيديو مباشر على فيسبوك للمتهمين المتورطين في عصابة التحرش الجنسي، منتهكًا حظر التغطية الإعلامية للمحاكمة، ومع ذلك، قضى شهرين فقط من عقوبته البالغة 13 شهرًا.

مدير مركز الأبحاث المحافظ المؤيد لـ”إسرائيل” هو جريج رومان، وهو موظف سابق في الحكومة الإسرائيلية ومنسق سابق للأنشطة في الضفة الغربية لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وقد صرح بأنهم يساعدون روبنسون من خلال تمويل دفاعه القانوني، وممارسة الضغوط الخارجية على الحكومة البريطانية من أجل سلامته، وتنظيم المسيرات لدعمه.

كان روبنسون – وربما لا يزال – يتلقى التمويل من منظمات مؤيدة لـ”إسرائيل” ومعادية للمسلمين، ففي عام 2016، سافر إلى “إسرائيل” في جولة عسكرية، وظهر على دبابة إسرائيلية وهو يحمل بندقية وارتدى قميصًا مكتوبًا عليه جيش الدفاع الإسرائيلي، في الضفة الغربية، بل وقام أيضًا بزيارة مخيم للاجئين في بيت لحم.

نون بوست
صورة تظهر تومي روبنسون يقف على دبابة إسرائيلية وهو يحمل سلاحًا في أثناء رحلة إلى “إسرائيل”.

على الرغم من هذه الجولة التي قال عنها إنه “استفاد كثيرًا من التجول حول هذا المكان”، فقد أطلق مؤخرًا على فلسطين “المدينة المليئة بالطفيليات والإرهابيين الإسلاميين المتأصلين”، وكتب فوق ملصق يحمل علم فلسطين: “اللعنة على فلسطين” و”هل تحبهم؟ اذهب إلى الجحيم وادعمهم”.

ووفقًا لأستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة بريستول الإنجليزية ديفيد مولر، فإن روبنسون يعد جزءًا من برنامج المؤثرين عبر الإنترنت الذي تموله “إسرائيل”، ويظهر كضيف دائم على شاشات القنوات الإسرائيلية والغربية المؤيدة للاحتلال بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، للترويج للدعاية الصهيونية، التي تعتبر التصدي للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وزرع الإسلاموفوبيا هدفين مهمين ومترابطين.

وبذلك، يكفي أن نقول إن روبنسون لديه تاريخ طويل في تلقي الأموال من الصهاينة، بالإضافة إلى حقيقة أن اليمينيين المتطرفين مرتبطون بشكل مباشر برابطة الدفاع الإنجليزية العنصرية، وليس من المستغرب إذًا أن يلجأ إلى استخدام خطاب معاد للفلسطينيين لا علاقة له بالموضوع في تعليقاته على أعمال الشغب التي ساعد في تشجيعها، في حين يستمر في تبريرها، على الرغم من حرصه على عدم تأييد العنف.

شبكة يمينية معادية للمسلمين

إذا نظرنا أيضًا إلى مجموعة الشخصيات اليمينية المتطرفة الأخرى التي ظهرت مؤخرًا على نطاق واسع في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ما أثار مشاعر معادية للمسلمين، فسوف نجد أنهم يعملون دائمًا على ربط “إسرائيل” بأي نقاط معادية للمهاجرين يتبنونها.

ولنتأمل هنا على سبيل المثال الكاتب البريطاني اليميني المشهور بدعمه للاحتلال الإسرائيلي دوغلاس موراي، الذي ظهر من العدم ليقدم دعاية معدة بعناية عن الشرق الأوسط والمسلمين وطالبي اللجوء وما يسمى بـ”القيم الغربية”، ومن مؤلفاته كتاب “الحرب على الغرب”.

سافر موراي إلى “إسرائيل” التي يعتبرها “مثالًا يجب أن تحتذي به بقية دول العالم الديمقراطية”، وأصبح مدافعًا بارزًا عن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة، في حين كان يروج لخدع الدعاية التي روجت لها “إسرائيل” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

في فبراير/شباط الماضي، رفض موظفو مسارح نيماكس بلندن العمل على نشاط جمع تمويلات كان يعتزم موراي تنظيمه لصالح جنود جيش الاحتلال، رغم تعهد إدارة المسارح لهم بـ3 أضعاف الأجر، وبدلًا من ذلك، اتهمه متظاهرون أمام المسرح بتمويل الإبادة.

نون بوست
الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ (يمين) مع الكاتب البريطاني اليميني المشهور بدعمه للاحتلال دوغلاس موراي

إذا أخذنا آخرين، مثل كاتي هوبكنز، وهي شخصية يمينية متطرفة ومذيعة معروفة بوصف المهاجرين بـ”الصراصير” و”الحشرات” في الصحف الوطنية، نجد أنهم أيضًا يربطون رسائلهم المناهضة للإسلام والهجرة بنقاط نقاش مؤيدة لـ”إسرائيل”.

إلى جانب روبنسون، كانت هوبكنز واحدة من الشخصيات الرئيسية التي ساهمت في بدء أعمال الشغب العنصرية، وكانت تستخدم حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي التي يتابعها أكثر من مليوني شخص للمساعدة في نشر المعلومات المضللة وحشد المسيرات العنصرية، ولا يزال مقطع الفيديو الذي أطلقت فيه اسمًا عربيًا على قاتل الأطفال في ساوثبورت منشورًا على الإنترنت.

مثل روبنسون، كانت هوبكنز زميلة في “ريبل نيوز”، وواحدة من الذين اصطحبتهم وسيلة الإعلام اليمينية الكندية الممولة من شيلمان، في رحلة مدفوعة إلى “إسرائيل”، ونشرت صورًا لها وهي ترتدي زي جيش الاحتلال الإسرائيلي، ووصفت رحلتها بكلمات عنصرية: “كل ما أستطيع سماعه هو نداء الصلاة، أشعر كأنني أتعرض للتعذيب في زنزانة على يد تنظيم القاعدة”.

وتدير كاتي مجموعة أخرى معادية للمسلمين تسمى مركز ديفيد هورويتز للحرية، وتتحدث بانتظام في الفعاليات التي ينظمها المركز، وتتلقى أجرًا مقابل إلقاء خطابات عنصرية ساخرة بعد العشاء ونشر الكراهية ضد المسلمين، ففي إحداها تقول بسخرية: “على عكس أصدقائي المسلمين الذين لديهم 15 طفلًا تحت سن الثالثة، أنا أمزح، أنا أمزح، ليس لدي أي أصدقاء مسلمين”.

بخلاف هؤلاء الذين يبعدون آلاف الكيلومترات عن “إسرائيل”، اتُهم نائب رئيس بلدية القدس، أرييه كينج، بمحاولة إثارة أعمال شغب وتوترات اليمين المتطرف في بريطانيا بعد نشره مرارًا وتكرارًا في الأيام الأخيرة صورًا ومقاطع فيديو تغذي الكراهية وتسيء إلى المجتمع الإسلامي في بريطانيا، مدعيًا ​​أن مقاتلي حماس الذين قتلوا مدنيين إسرائيليين في 7 أكتوبر/تشرين الأول مدعومون من المسلمين في بريطانيا.

كينج، مؤسس منظمة استيطانية تسمى “صندوق أرض إسرائيل”، صاحب تاريخ طويل من الكراهية ضد المسلمين، ومعروف بعمله على توطين الإسرائيليين بشكل غير قانوني في القدس الشرقية المحتلة وطرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، واتهمه المنتقدون على نطاق واسع بالعنصرية، وقد رد على اتهام بأنه كان يحاول إثارة حرب عرقية، مدعيًا أنه كان يحاول إنقاذ إنجلترا من الحركة الإسلامية المتطرفة.

وبينما كانت الهجمات العنصرية والمناهضة للمسلمين تجتاح المدن والبلدات في أنحاء مختلفة من المدن البريطانية، نشر كينج صورة كاريكاتورية تُظهر رجلًا أسمر اللون ذا مظهر مسلم ولحية وقلنسوة يحتضن ضابط شرطة بريطاني أبيض، يضع ذراعيه حول المسلم، قال الشرطي: “معًا سنجعل هذا البلد ملكك”، وكان المسلم يقول: “شكرًا لك على كونك ضعيفًا جدًا”.

وبشكل عام، تحولت السياسة الإسرائيلية تحت قيادة رؤساء مثل بنيامين نتنياهو إلى اليمين بشكل أكبر من خلال تشكيل تحالفات مع شخصيات اليمين المتطرف على مستوى العالم، وهذا يشمل العلاقات مع زعماء مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذين تعرضوا أيضًا لانتقادات بسبب آرائهم عن الإسلام والهجرة.

لا شيء يحدث بالصدفة

السؤال الآن: ما الذي يربط “إسرائيل” بمثيري العنف العنصري الأخير في بريطانيا؟ تكمن الإجابة في شبكة عالمية من السياسيين المناهضين للمسلمين والمؤيدين لـ”إسرائيل” ومراكز البحوث والأثرياء الذين يمولون نشاطًا مناهضًا للمسلمين في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، ويروجون لشخصيات اليمين المتطرف الرائدة في بريطانيا التي تشوه سمعة المسلمين والمهاجرين غير البيض، تمامًا مثل القادة الإسرائيليين الذين شوهوا سمعة الفلسطينيين الذين هم أيضًا مسلمون.

كما أن شخصيات مثل تومي روبنسون وكيتي هوبكنز لم يحرضوا ويحشدوا للعنف العنصري الأخير فحسب، بل كانوا أيضًا يحرضون ضد المسلمين والمهاجرين لعقود من الزمن، وهذا التوجه هو جزء من اتجاه أوسع، حيث يرى اليمين المتطرف في أوروبا “إسرائيل” كمدافع عن الحضارة الغربية ضد التهديدات الإسلامية المزعومة.

ويعتبر روبنسون نفسه من أشد المؤيدين لـ”إسرائيل”، ويؤيد السياسة الإسرائيلية، ففي عام 2004، بدأ طريقه في الحزب الوطني البريطاني الفاشي، الذي تشكل من حزب الجبهة الوطنية البريطانية التي بدأ في الظهور سبعينيات القرن الماضي من أقصى اليمين وتأثر بالفكر الفاشي، وتبنى الترويج لأفكار مناهضة للهجرة والتعددية الثقافية، كما ترأس الفرع البريطاني لحركة أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب (بيغيدا) المعادية للإسلام، التي تأسست في ألمانيا.

كانت كلتا الحركتين معاديتين للسامية وعنصريتين بشدة، لكنهما أقرب إلى أيديولوجيات الفاشية مثل النازية، والآن أصبحت الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين هي الأجندة الأساسية لهذه المجموعات، وجعلتهم معاداتهم للإسلام حلفاء طبيعيين لأيديولوجيات أخرى مثل الصهيونية في “إسرائيل” أو القومية الهندوسية في الهند.

لذا فإن الحرب في غزة واحتلال فلسطين والموجة الأخيرة من العنف العنصري في بريطانيا مرتبطة بشبكة من المنظمات المؤيدة لـ”إسرائيل” والمعادية للمسلمين، التي تروج للكراهية ضد المسلمين في بريطانيا بينما تدعم التطهير العرقي والاحتلال العسكري للمسلمين في فلسطين.

لا شيء من كل هذا يحدث بالصدفة، فالدور الذي تلعبه “إسرائيل” في دعم هذه الشخصيات المعادية للإسلام أو استخدام المؤثرين من اليمين المتطرف لتبني نقاط حوار معادية للفلسطينيين، هو جزء من حملة طويلة لإثارة الكراهية ضد المسلمين وطالبي اللجوء مع ربط هذه الكراهية بدعم “إسرائيل”.

وفي حين أن أعمال الشغب العنصرية في بريطانيا قد لا تكون ناجمة بشكل مباشر عن تمويل اللوبي الصهيوني لشخصيات اليمين المتطرف، فإن هؤلاء الأفراد موجودون بسبب الدعم المالي الكبير الذي يتلقونه في المقام الأول.

وهنا يمكن القول إن إثارة مشاعر الإسلاموفوبيا بين الناس الذين يتسمون بالفعل بالعنصرية الواضحة، وتوجيه هذا الغضب نحو الفلسطينيين، هو جزء واضح من أجندة معينة، وعلى الرغم من الروابط الواضحة بين اليمين المتطرف و”إسرائيل”، فإن هناك صمتًا شبه كامل في وسائل الإعلام الرسمية فيما يتعلق بهذه القضية.

ومع استمرار الحرب في غزة، من المتوقع أن تستمر التعبئة اليمينية المتطرفة في بريطانيا التي ستحتاج الآن إلى معالجة المعلومات المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والكراهية اليمينية المتطرفة التي أدت إلى اندلاع أسوأ اضطرابات في البلاد منذ أكثر من عقد من الزمان.

إسراء سيد

موقع نون بوست




الانتخابات الأمريكية: سياسة الديمقراطيين تجاه غزة تنفّر النّاخبين العرب

خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان في شباط/فبراير الماضي، كان لدى حركة غير الملتزمين رسالة بسيطة للرئيس جو بايدن: نفّذ حظر الأسلحة على إسرائيل وإلا لن نصوت لك – مما قد يتسبب في خسارتك ولاية متأرجحة رئيسية في تشرين الثاني/ نوفمبر. وفعلًا اختار أكثر من 100 ألف ديمقراطي في ميشيغان – ما يقارب 13 بالمائة من الذين صوتوا – عدم الالتزام.

لقد أثّرت حرب إسرائيل المستمرة في غزة على مشاعر 390 ألف أمريكي عربي في ميشيغان الذين أعربوا باستمرار عن شكواهم من قيام بايدن وإدارته بتزويد إسرائيل بشحنات الأسلحة غير المحدودة، التي يقولون إنها تمكّن إسرائيل من ارتكاب إبادة جماعية. وبسبب عمليات نقل الأسلحة تلك يرى الناخبون الفلسطينيون والعرب في ميشيغان أن الولايات المتحدة مسؤولةٌ بشكل مباشر عن الموت والدمار والخراب الذي أطلقته إسرائيل في غزة، وقد تم تحويل هذا الغضب إلى عمل وتعبئة سياسيين.

إن غضب هؤلاء الناخبين موجّه عن حق إلى الديمقراطيين الذين يدّعون أنهم يؤيدون حقوق الفلسطينيين ولكنهم غالبًا ما يتعاونون مع نظرائهم الجمهوريين المتشددين لحرمان الفلسطينيين من حرياتهم. وقد أثرت عدة أشهر من المعارضة التي قادها الفلسطينيون والعرب الأمريكيون، بالإضافة إلى الطلاب المحتجين وغيرهم من الديمقراطيين المعارضين للحرب، على أرقام استطلاعات الرأي التي أجراها بايدن في تموز/ يوليو، مما أثار الشكوك حول فرص الرئيس في الفوز في ولاية ميشيغان.

ومع أن بايدن لم يعد على رأس قائمة مرشحي الحزب الديمقراطي، إلا أن العديد من الناخبين الأمريكيين العرب غير الملتزمين في ميشيغان ما زالوا لا يدعمون هاريس. وقال معظمهم لمجلة “فورين بوليسي” إنهم يخططون للتصويت كغير الملتزمين إذا أتيحت لهم الفرصة، في حين قالت فئات أصغر من الناخبين إنهم قد يمتنعون عن التصويت أو يستكشفون خيارات الطرف الثالث في تشرين الثاني/نوفمبر.

ظهر هذا الشعور بوضوح في إحدى فعاليات حملة هاريس الانتخابية في وقت سابق من هذا الشهر، عندما تجمع 15 ألف شخص في محطة صاخبة للحملة في مطار ديترويت. وخلال خطاب هاريس، هتف اثنان من المتظاهرين: “كامالا، كامالا، لا يمكنك الاختباء! لن نصوت للإبادة الجماعية!”. فقدت نائب الرئيس صبرها ووبّختهم قائلةً: “أتعلمون؟ إذا كنتم تريدون فوز دونالد ترامب، فقولوا ذلك وإلا سأواصل أتحدث”.

من بين المتظاهرين الذين وجهت هاريس توبيخها لهم سلمى حمامي، وهي أمريكية من أصل فلسطيني ورئيسة منظمة طلاب متحالفون من أجل الحرية والمساواة ورئيسة تحالف التحرير في جامعة ميشيغان. ووفقًا لما قالته حمامي لمجلة “فورين بوليسي: “كان من الممكن أن تكون هذه لحظةً مناسبة لها للتعبير عن دعمها للفلسطينيين وقول “حسنًا، سأتخذ إجراءات وأقوم بتغييرات”. بدلاً من ذلك، قللت هاريس من شأننا واستخدمت حدثها كمنصة لتقول: “أنتم عالقون معي ولن نفعل شيئًا لمساعدة الفلسطينيين””.

على الرغم من أن استطلاعات الرأي تتوقع حاليًا فوز هاريس في ولاية ميشيغان، إلا أنه لا ينبغي لنائب الرئيس أن تشعر بالراحة بسرعة كبيرة إذ لا يزال تقدمها ضئيلاً، وسيكون من الحكمة ألا تستهين بالناخبين الأمريكيين العرب. عزّزت ليلى العابد، الرئيسة المشاركة للحركة الوطنية لغير الملتزمين، هذه الفكرة في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو يوم الإثنين. قالت العابد في مؤتمر صحفي: “[هاريس] معرضة لخطر خسارة الولايات المتأرجحة الرئيسية. في الوقت الحالي، لا يمكن لغالبية الناخبين في ميشيغان… أن يدعموا نائب الرئيس هاريس. ما نحتاجه الآن هو تغيير السياسة”.

في نفس التجمع الذي واجهت فيه حمامي هاريس، تمكنت العابد وعباس علوية، أحد مؤسسي حركة غير الملتزمين، من تأمين لقاء قصير مع نائب الرئيس. وهناك، أشارت هاريس إلى أن الديمقراطيين يجب أن يكونوا منفتحين على إجراء محادثة حول فرض حظر على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، على حد قولهم. وحسب ما ورد، قالت العابد لهاريس: “يريد ناخبو ميشيغان دعمك، لكننا بحاجة إلى سياسة تنقذ الأرواح في غزة الآن”.

يثير النهجان المتناقضان – الاحتجاجات المزعجة أو المشاركة المباشرة مع قادة الحزب الديمقراطي – سؤالاً حول أي استراتيجية هي الأكثر فعالية؟ بالنسبة لمعظم الناخبين الأمريكيين العرب في ميشيغان، يظل التصويت كغير الملتزم هو الهدف.

يصوّت بعض أفراد الجالية العربية الأمريكية كغير الملتزمين باعتبارها فرصة للتعبير عن مخاوفهم من أن هاريس لن تكون مختلفة عن بايدن في مسألة تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل. ومن بين 70 ناخبًا أمريكيًا عربيًا محتملًا تحدثوا مع مجلة فورين بوليسي، أشار 65 منهم إلى التزامات هاريس تجاه إسرائيل عندما كانت نائبًا لبايدن قبل أربع سنوات. وخلال تلك الحملة، صرّحت هاريس بأن إدارة بايدن ستواصل تزويد إسرائيل بالمساعدات العسكرية غير المشروطة.

وحسب ما أفاد به العديد من العرب الأمريكيين، فإن تعاطف هاريس المعلن مع الفلسطينيين في غزة لا يُترجم إلى تغييرات حقيقية في السياسة تجاه إسرائيل. فعند لقائها برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهر الماضي، تحدثت هاريس بصرامة وسلطت الضوء على معاناة الفلسطينيين في غزة. كما أعربت هاريس عن دعمها لإنهاء الحرب. ومع ذلك، بالنسبة للفلسطينيين الأمريكيين مثل أمين، الذي فضّل حجب اسم عائلته، فإن فشل هاريس في الضغط من أجل التغيير يجعلها امتدادًا لسياسات بايدن ومتواطئة بشكل مباشر في معاناة الفلسطينيين. وقال: “لا نريد مجرد كلمات لطيفة، لأن حياة الفلسطينيين ليست شيئًا يمكن الاستخفاف به”.

يعتقد العديد من الناخبين غير الملتزمين أن دعم هاريس للمساعدات العسكرية لإسرائيل لن يتغير إلا إذا أُجبرت على ذلك من قبل الناخبين غير الملتزمين الذين يمارسون ضغوطًا سياسية، على أمل أن يؤدي هذا الضغط، على المدى الطويل، إلى كسر الوضع الراهن المتمثل في دعم واشنطن الثابت لإسرائيل وترجيح الكفة لصالح الفلسطينيين. وبالفعل أدت جهود الحركة إلى تنظيم المؤتمر الديمقراطي في شيكاغو لأول جلسة نقاش حول حقوق الإنسان الفلسطيني.

حسب ساماريا بزي، وهي أمريكية من أصل لبناني، فإن هناك عاملًا آخر يحفّز الناخبين على معارضة هاريس وهو الاعتقاد بأن الحركة غير الملتزمة يمكن استغلالها لإظهار إحباطهم بشأن الاضطرار إلى الاختيار بين “أهون الشرين” (هاريس والرئيس السابق دونالد ترامب). وقالت بزي إنها قد تصوّت لصالح مرشحة الحزب الأخضر جيل شتاين بسبب موقف شتاين من فلسطين. (قبل بضعة أسابيع، بدا أن ستاين تحظى بشعبية كبيرة في ميشيغان. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته لجنة مكافحة التمييز العربية الأمريكية في أواخر تموز/يوليو أن 45 بالمائة من الأمريكيين العرب على مستوى البلاد سيصوتون لصالح شتاين. مع ذلك، أعرب معظم الناخبين الذين تحدثوا مع فورين بوليسي عن القليل من الدعم لشتاين، مشيرين بدلاً من ذلك إلى أنهم يفضلون التصويت كغير ملتزمين أو عدم التصويت على الإطلاق في تشرين الثاني/نوفمبر.)

قالت فرح خان، المتحدثة باسم حركة التخلي عن هاريس (حركة التخلي عن بايدن سابقًا)، لفورين بوليسي إنه من خلال التصويت كغير ملتزم أو لحزب ثالث، يمكن للناخبين “كسر عقلية التصويت لأهون الشرين. نحن بحاجة إلى مرشحين جيدين. نحن بحاجة إلى انتخاب مسؤولين يستحقون أصواتنا”. وتعتقد خان أن حركة غير الملتزمين قد مكنت الجالية العربية الأمريكية في ميشيغان من امتلاك وكالة سياسية وقوة لم تكن تملكها من قبل. وقالت خان: “لقد أصبحنا تهديدًا سياسيًا ملموسًا. ليس لدينا القدرة على وضع شخص ما في المنصب، ولكن لدينا القدرة على إخراجه. نحن لم نكن نعلم أن بإمكاننا القيام بذلك. نحن الآن على دراية بهذه القوة ويجب أن نستخدمها”.

هناك شريحة صغيرة من المجتمع ترى أن التأثير على الحزب من الداخل، بدلاً من الاحتجاج من الخارج، هو التكتيك الأكثر فعالية. ففي مقابلة مع مجلة +972 قال وليد شهيد، مدير التواصل في حركة ديمقراطيي العدالة وأحد مؤسسي حركة غير ملتزمين: “تحتاج حركة حقوق الفلسطينيين إلى زيادة نفوذها وقوتها في الحزب الديمقراطي”.وأضاف شهيد: “يجب على الديمقراطيين التقدميين والشباب والديمقراطيين العرب والمسلمين توفير نوع من البنية التحتية التي يمكن أن تضاهي مستوى التأثير الذي تتمتع به المنظمات المؤيدة لإسرائيل”.

ويرى شهيد بوادر نجاح إلى حد ما، بدءًا من خطاب هاريس في مدينة سيلما بولاية ألاباما الذي ألمحت فيه إلى موقف أكثر تقدمية من القضايا الفلسطينية إلى عمل المنظمين. وأشار شهيد إلى أنه كان “متشككًا في رغبة الحزب الديمقراطي والبيت الأبيض في الاستجابة لتنظيم المسلمين الأمريكيين والعرب الأمريكيين …. لكنني فوجئت بذلك بسرور”.

يصرّ ناخبون آخرون غير ملتزمين على ضرورة الاستفادة من الحركة بطريقة تجعل الأمريكيين الآخرين ينضمون إليها. فوفقًا لماثيو بيتي، الصحفي في مجلة “ريزون”، والذي لا ينتمي إلى الحركة، فإن أولئك الذين اختاروا العمل مع القادة الديمقراطيين لإحداث التغيير قد اتخذوا خيارًا ذكيًا، مما يسمح للحركة بأن تكون جزءًا من الحزب ويحميها من الاتهامات بأنها تساعد ترامب على الفوز. وقال بيتي: “إحدى التهم التي تُوجّه إلى اليساريين وحلفائهم هي أنهم على استعداد لإفشال الانتخابات لصالح الجمهوريين بدافع الانتقام. وقد كان الاحتشاد خلف حركة غير الملتزمين ردًا ذكيًا، حيث أرسلوا رسالة مفادها أنهم جزء من التحالف الديمقراطي ومستعدون للعمل مع الحزب ولكنهم بحاجة إلى مقعد على الطاولة في المقابل”.

بغض النظر عما إذا كانت حركة غير الملتزمين ستختار في نهاية المطاف الاحتجاج العلني أو الضغط الداخلي على الديمقراطيين، فإن لجوء هاريس إلى تهديد المتظاهرين المؤيدين لفلسطين باحتمال تولي ترامب رئاسة ثانية في وقت سابق من هذا الشهر لن يكسبها أصوات الناخبين وذلك لأن هناك شعورًا واسع الانتشار بين الناخبين غير الملتزمين لم يلاحظه خبراء وسائل الإعلام الوطنية: فيما يتعلق بقضية فلسطين، لا يقتصر الأمر على عدم رؤية الأمريكيين العرب في ميشيغان لأي فرق بين هاريس وبايدن، بل إنهم لا يرون أيضًا كيف تختلف هاريس اختلافًا كبيرًا عن ترامب.

وفي حين يدرك الفلسطينيون وغيرهم من العرب الأمريكيين أن رئاسة ترامب قد تكون أكثر خطورة بالنسبة لهم بالنظر إلى أنه وعد بإعادة العمل بحظره سيئ السمعة على المسلمين ومنع اللاجئين من غزة من دخول الولايات المتحدة، فهم ليسوا على استعداد لإعطاء فرصة للديمقراطيين. وقد أشار الذين قابلتهم مجلة “فورين بوليسي” إلى أن كلاً من هاريس وبايدن قد طبقا سياسات ترامب الصارمة المعادية للفلسطينيين بمجرد مغادرته.

فقد طبّق وزير خارجية ترامب مايك بومبيو “مبدأ بومبيو” سيئ السمعة، الذي أكد أن المستوطنات لم تعد غير قانونية، وهو ما يعد خروجًا عن السياسة الأمريكية القائمة منذ فترة طويلة – ووصل الأمر إلى حد فرض وضع علامة “صُنع في إسرائيل” على البضائع المنتجة في المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلال فترة ولايته، نقلت الحكومة الأمريكية السفارة الإسرائيلية إلى القدس، وسحبت التمويل من الأونروا، وكالة الأمم المتحدة التي تركز على اللاجئين الفلسطينيين.

وحسب ما يسارع الناخبون غير الملتزمين بالإشارة إليه، فإن ما يقارب ست سنوات قد مرت ولا تزال إدارة بايدن تطبق العديد من هذه السياسات بشكل فعال حتى اليوم. ولم يتم إعادة فتح القنصلية الفلسطينية في القدس، ولا يزال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن مغلقًا، ولا تزال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لا تحظى بالتمويل الأمريكي المناسب. وبصفتها نائبًا لبايدن، لم تتحدث هاريس ضد هذه السياسات ولم توضح ما إذا كانت ستلغيها إذا تم انتخابها.

من خلال مواصلة الضغط على هاريس، يشعر الناخبون غير الملتزمين بأنهم قد يكونون قادرين على تغيير موقفها. قالت سابا سعيد، طالبة في السنة الرابعة في جامعة ولاية ميشيغان ورئيسة الجمعية الثقافية في الجامعة: “أنت تريد أن تحاول أن تحب هاريس بل وأن تدعمها، لكن استمرارها هي وبايدن في العديد من سياسات ترامب هو علامة تحذير كبيرة. إذا لم تقم هاريس بإعادة تمويل الأونروا وإنهاء سياسات عهد ترامب، فحظًا موفقًا لها في تشرين الثاني/نوفمبر”.

قام رجل فلسطيني من مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، تعود جذور عائلته إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية، ولكنه فقد أيضًا أفرادًا من عائلته في غزة، بتقديم تشبيه كئيب لتعزيز رؤية الناخبين العرب لهاريس وترامب. قال الرجل الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لتجنب صعوبات السفر إلى المنطقة في المستقبل: “قال شاعر فلسطيني شهير ذات مرة: “يمكن للقاتل أن يخنقك بوشاح حريري أو يمكن أن يحطم رأسك بفأس”. كامالا هي صاحبة الوشاح الحريري. قد لا ترحلني، لكنها ستظل ترسل القنابل إلى إسرائيل لقتل شعبي في غزة. ترامب لديه الفأس. سيُرحّلني أنا وشعبي على حد سواء، ثم سيعطي إسرائيل القنابل لقتلنا. ولكن ما الفرق بينهما؟ في كلتا الحالتين، نحن أموات”.

المصدر: فورين بوليسي

ترجمة عبد الحليم عبد الرحمن

موقع نون بوست




في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.. يرى الناس الأمل في حماس

لطالما كان مخيم عين الحلوة، وهو أكبر تجمّع للاجئين الفلسطينيين وأحفادهم في لبنان، مكانًا مضطهدًا وفقيرًا ومُنهكًا بسبب العنف الفصائلي. وعادةً ما ينظر سكانه لمستقبلهم بيأس ولكن بات المزاج العام هنا مفعمًا بالحيوية الآن.

فوفقُا لمسؤولين من حماس ولبنان، ازدادت معدّلات التجنيد لحماس وجناحها المسلح “كتائب القسام” في جميع تجمعات اللاجئين الفلسطينيين الاثني عشر في لبنان، ويقولون إن المئات من المجندين الجدد انضموا إلى صفوف المقاتلين في الأشهر الأخيرة مدفوعين بالحماس الذي أثارته حرب حماس المستمرة ضد “إسرائيل”.

وفي زيارة نادرة إلى عين الحلوة، رأى صحفيون من صحيفة نيويورك تايمز ملصقات للمتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، في كل مكان وعيناه تطلان من وشاح أحمر وأبيض مرقط ملفوف حول وجهه مثل القناع ويحث السكان على “القتال في سبيل الله”.

في قطاع غزة – معقل حماس، حيث قُتل نحو 40 ألف فلسطيني خلال 10 أشهر ونصف من الحرب – انفضّ الكثير من الناس عن الحركة. ولكن في أماكن أخرى، أكسب استعداد حماس للقتال ضد “إسرائيل” أتباعًا جددًا. وحسب ما قاله أيمن شناعة، قائد حماس في هذه المنطقة من لبنان، في مقابلة أجريت معه: “صحيح أن أسلحتنا لا تضاهي أسلحة عدونا. لكن شعبنا صامد ويدعم المقاومة، وينضم إلينا”.

قال بعض الشبان الذين يتجوّلون في أحد شوارع عين الحلوة إن هذه هي المرة الأولى التي يشعرون فيها بالأمل، وإن كلًا منهم يعرف العشرات من أفراد العائلة أو الأصدقاء الذين انضموا إلى حماس منذ بدء الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر.

لا يؤثّر هذا التجنيد على القتال في غزة لأن الدخول إلى القطاع صعب للغاية، لكنه يعزز قوة حماس في لبنان. وعادة ما يبقى المجندون في المجتمع المحلي ويساعدون في إدارة الشؤون المحلية وأحياناً يقتربون من الحدود الجنوبية للبنان لإطلاق الصواريخ على “إسرائيل”.

كان الشباب متفائلين بأن حماس يمكن أن تكسِب الفلسطينيين القدرة على العودة إلى الوطن الوحيد الذي يعترفون به، الأرض التي أصبحت الآن “إسرائيل”. لطالما كانت هذه العودة، مهما بدت مستبعدة، مسألة إيمان بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.

في أواخر الأربعينيات، في الحروب التي أحاطت بإنشاء “إسرائيل”، طردت القوات اليهودية العديد من العرب الفلسطينيين وفرّ العديد من الفلسطينيين الآخرين تحسبًا للعنف. ولم تسمح إسرائيل لهم أو لأحفادهم بالعودة أو استعادة ممتلكاتهم.

استقر مئات الآلاف من الفلسطينيين في مخيّمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة ولبنان والأردن وسوريا، وعلى مدى عقود، أصبحت هذه المخيمات بلدات مبنية – لا تزال تسمى مخيمات في كثير من الأحيان – تمثّل الآن موطناً للملايين. أما في لبنان، فقد مُنع هؤلاء الفلسطينيون من الحصول على الجنسية أو شغل مجموعة واسعة من الوظائف.

وأحد هذه التجمعات هو مخيم عين الحلوة، حيث يتكدس 80 ألف نسمة في مساحة لا تتجاوز نصف ميل مربع، ومعظمها داخل مدينة صيدا الساحلية الجنوبية. وقال شناعة إن الرجال هنا على استعداد للتضحية بأرواحهم لمحاربة “إسرائيل”، لكنه رفض الإفصاح عن عدد الذين تم تجنيدهم من منطقة صيدا.

كان يتحدّث في مركز مجتمعي تديره حماس حيث جلس الرجال يشربون القهوة ويأكلون التمر بينما كانوا يشاهدون لقطات مروعة من حرب غزة. وكانت تزيّن الجدران صور رسمها الأطفال لزعيم حماس السياسي الذي تم اغتياله مؤخرًا، إسماعيل هنية. في الشوارع، أظهر ملصق تجنيد جديد لكتائب القسام عشرات الشبان والفتيان المبتسمين الذين بالكاد أنهوا المرحلة الإعدادية وكان في الخلفية المسجد الأقصى في القدس، وهو موقع يقدسه المسلمون.

أطلقت حماس اسم “طوفان الأقصى” على هجومها على “إسرائيل” في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والذي أدى إلى مقتل نحو 1200 قتيل وخطف نحو 250 شخصًا وأشعل الحرب الدائرة في غزة. وقدّم الملصق ورشة عمل تدريبية لـ”جيل الأقصى” الجديد، معلنًا أن القدس “لنا”.

ويعتبر بعض الفلسطينيين أن أبو عبيدة، الناطق  كتائب القسام، هو “تشي جيفارا” الخاص بهم – وهو ثوري ماركسي مات منذ زمن طويل لا يزال يمثل رمزًا ثقافيًا بالنسبة لهم. وتنتشر صورة أبو عبيدة في كل مكان تقريبًا داخل عين الحلوة وتزين الأوشحة وسلاسل المفاتيح.

ويعد حزب الله، وهو ميليشيا شيعية مسلمة وحزب سياسي وحركة اجتماعية لها علاقات قوية مع إيران، القوة المهيمنة في لبنان، وله جذور عميقة بشكل خاص في الجنوب. لكن في الجيوب الفلسطينية مثل عين الحلوة، تنشط جماعات فلسطينية متعددة ولها أتباع – بعضها علماني والبعض الآخر، بما في ذلك حماس، يتّبع أيديولوجية إسلامية سنية. وتتحالف حماس، التي تدعمها إيران أيضًا، مع حزب الله في عدائها ل”إسرائيل”.

على مدى سنوات، منع الجيش اللبناني الصحفيين من دخول مخيّم عين الحلوة، حيث تقاتلت الفصائل المسلحة عدة مرات فيما بينها ومع الجيش اللبناني من أجل السيطرة على المخيم. وبموجب اتفاق دولي مبرم منذ عقود، يبقى الجيش بشكل عام خارج الجيوب الفلسطينية التي تعمل بشكل شبه مستقل داخل دولة بالكاد تستطيع الحكومة المركزية الضعيفة فيها توفير الكهرباء، ناهيك عن توفير الأمن.

لكن صحفيي صحيفة “نيويورك تايمز” تمكّنوا من دخول البلدة وسط حشد من المشيعين خلال تشييع جنازة مسؤول في حماس، سامر الحاج، الذي قُتل هذا الشهر بغارة جوية إسرائيلية. وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه أحد كبار المتشددين المسؤولين عن شن هجمات من لبنان على “إسرائيل”، وأكدت حماس أنه كان يعمل لصالح الحركة لكنها رفضت الإفصاح عن المنصب الذي كان يشغله.

نون بوست

نعش سامر الحاج، المسؤول في حركة حماس من عين الحلوة الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية هذا الشهر.

حمل المشيّعون النعش من مشرحة قريبة عبر مدخل عين الحلوة، حيث رُفعت لافتة كُتِب عليها “معركة طوفان الأقصى، معركة العزة والنصر”. هتف الحشد: “دماؤنا وأرواحنا فداء لك أيها الشهيد!” بينما أطلق الرجال النار في الهواء فصاحت إحدى النساء في وجوههم: “لا تطلقوا النار! وفروا ذلك للإسرائيليين!”. وشقّ الموكب طريقه عبر متاهة من المباني والأزقة الضيقة التي بالكاد تتسع لعربة فاكهة، إلى منزل الحاج، حيث كانت أرملته وطفلاه في انتظار جثمانه.

نون بوست

برج البراجنة، بالقرب من بيروت، واحد من اثني عشر مجتمعاً في لبنان حيث يعاني اللاجئون الفلسطينيون وأحفادهم من الفقر واليأس.

قالت خيرية كايد يونس (82 سنة) إنها كانت تعرف أن الحاج، وهو صديق مقرب لابنها، كان مع حماس لكنها لم تكن تدرك أنه شخصية مهمة حتى استهدفته “إسرائيل”. وقالت إنه كان معروفًا بلطفه – غالبًا ما كان يلعب مع الأطفال المحليين – واستعداده لتقديم يد العون للجيران المحتاجين.

وأضافت: “هذا الرجل من أهلنا ومن حارتنا ومن مخيمنا ومن وطننا فلسطين، ونحن نبكي على فقده”. وأضافت بصوت مرتفع وهي تمسح الدموع من على وجنتيها المتجعدتين: “إذا مات أحدنا، فسيقوم مائة مكانه، لن نتوقف. نحن صامدون!”.

خارج منزل الحاج، قادت فريال عباس الحشد في هتافات داعمة ليحيى السنوار، الذي خلف هنية كزعيم سياسي لحماس، والذي يُعزى إليه التخطيط لهجوم 7 تشرين الأول/ الأول على “إسرائيل”. وصرخت قائلة: “لا تقلق يا سنوار، لدينا رجال مستعدون للتضحية بأنفسهم!”.

وعلى الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين لم يؤكدوا ولم ينفوا أن قواتهم قتلت هنية، كما هو معتقد على نطاق واسع، إلا أنهم قالوا إنهم يهدفون إلى قتل السنوار. لكن ما إذا كان بالإمكان إضعاف حركات مثل حماس أو تدميرها من خلال حملات اغتيال كبار قادتها أمر لطالما كان موضوع نقاش بين الخبراء الذين يدرسون حركات التمرد.

نون بوست

أنصار حماس ينددون باغتيال هنية بمسيرة في صيدا بلبنان.

ويقولون إن استراتيجية مواجهة العنف بالعنف، بدلاً من معالجة المظالم الكامنة، تخاطر بدفع المزيد من الناس إلى التطرف. فالجماعات العلمانية التي هيمنت على الحركة الفلسطينية لفترة طويلة لم تعد مفضلة لدى الفلسطينيين. وبعد مرور عقدين على وفاته، باتت صور ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في يوم من الأيام، نادرة بشكل ملحوظ وتلاشت في عين الحلوة. وكانت صور خليفته، محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، أكثر ندرة.

نون بوست

رجل يحمل مجسّم قذيفة صاروخية في موكب تكريمي لهنية في صيدا.

لقد امتد الصراع بين السلطة الفلسطينية والجماعات المتشددة مثل حماس إلى اشتباكات عنيفة في غزة والضفة الغربية ومجتمعات اللاجئين، مما قوض قدرة الفلسطينيين على مواجهة “إسرائيل” سياسيًا. وقال خالد الجندي، وهو زميل بارز في معهد الشرق الأوسط، وهي منظمة بحثية في واشنطن: “إن عدم وجود عنوان مركزي في فلسطين للتفاوض من أجل السلام أضعف القضية الفلسطينية وزعزع استقرار المنطقة”.

وأضاف أن “أي صفقة يعقدها عباس مع “إسرائيل” يمكن أن تعطلها حماس. فلا توجد مجموعة واحدة تحتكر التفاوض على السلام أو شن الحرب بين الفلسطينيين. وهذا ما أضعفهم وسيستمر في إضعافهم في المستقبل”. لكن منذ تشرين الأول/ أكتوبر، داخل مخيم عين الحلوة، توقفت الجماعات عن توجيه أصابع الاتهام إلى بعضها البعض – في الوقت الراهن.

المصدر: نيويورك تايمز

ترجمة ماريا ابي حبيب

موقع نون بوست