لوبوان: لماذا يُثير هجوم حفتر في ليبيا قلق الجزائر؟
|
تحت عنوان: “لماذا يقلق هجوم حفتر في ليبيا الجزائر؟”، قالت مجلة “لوبوان” الأسبوعية الفرنسية إن الهجوم الذي شنته مؤخراً قوات المشير خليفة حفتر الليبية بالقرب من الحدود الشرقية الجزائرية أدى إلى تجدد التوتر الدبلوماسي بين البلدين، مشيرةً إلى عاصفة التعليقات التي أثارها انتشار الفيديو الذي يظهر فيه صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر مع جنود تابعين له بالقرب من نقطة الدبداب الحدودية الجزائرية، من قبيل: “هروب الجنود الجزائريين أمام تقدم الميليشيات الليبية”، وعن “التهديد المباشر الذي يشكله المشير خليفة حفتر على الجزائر” و“احتمال الرد العسكري الجزائري”.
الهجوم باتجاه الشرق والجنوب
وأضافت المجلة الفرنسية التوضيح أن انتشار هذه الصور، التي يعود تاريخها في نهاية المطاف إلى العام الماضي وليس لها أي صلة بأي حادث عسكري، تغذيه حقيقة: منذ 7 أغسطس/آب الجاري، شنت الوحدات التابعة لصدام، نجل خليفة حفتر، عملية في المناطق الغربية والجنوبية الليبية، بالقرب من الحدود مع الجزائر والنيجر، خاصة مع التحركات نحو ممر السلفادور، وهي منطقة صحراوية بين الدول الثلاث، ومرور مختلف أنواع التجار والمهاجرين والجهاديين في المنطقة. وبحسب “الجيش الوطني الليبي” التابع لحفتر، فإن هذه العملية تهدف إلى “تأمين الحدود الجنوبية للبلاد وتعزيز استقرار ليبيا في المناطق الاستراتيجية”.
وإلى الشمال قليلاً، يستهدف هجوم نجل حفتر أيضاً مدينة غدامس (مطارها الاستراتيجي والمنطقة النفطية والغازية التابعة لها)، القريبة من الحدود الجزائرية، والواقعة على بعد 650 كيلومتراً جنوب غرب طرابلس. بالنسبة للعديد من المراقبين، فإن تحرك القوات من الشرق سيكون في الواقع محاولة جديدة للاستيلاء على طرابلس، من الجنوب – مقر حكومة الوفاق الوطني التي لا تعترف بسلطة المشير حفتر، تُشير “لوبوان”.
قوات المشير الليبي تطمح منذ عدة سنوات إلى الوصول لمطار غدامس والمناطق المحيطة به
كما تُشير المجلة إلى ما صرح به جلال حرشاوي، الباحث المشارك في Royal United Services، لوكالة فرانس برس، بقوله: “قوات المشير الليبي تطمح منذ عدة سنوات إلى الوصول لمطار غدامس والمناطق المحيطة به، لأن السيطرة عليها من شأنها أن تعزز بشكل كبير الوضع الإقليمي لحفتر في مواجهة الجزائر وتونس والنيجر. وبذلك يصبح المعسكر الشرقي مسيطراً على الجنوب بأكمله من الشرق إلى الغرب”.
وستكون هذه هي المحاولة الثالثة للسيطرة على طرابلس بعد تلك التي قام بها حفتر في عامي 2015 و2019، بدعم خاص من مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة.
الخوف من حرب أهلية ليبية جديدة
وتابعت “لوبوان” موضّحة أنه في بداية هذا الهجوم الأخير، دعت الجزائر، التي وصفتها المجلة بـ“المعادية لحفتر”، في 10 أغسطس/آب الجاري، “الأطراف الليبية إلى الحكمة وضبط النفس”، قائلة إنها تشارك المخاوف التي أعربت عنها الأمم المتحدة بشأن التعبئة الأخيرة للقوات في مناطق مختلفة من ليبيا وخاصة تجاه مناطقها الجنوبية والغربية. وفي اليوم التالي، استقبل وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، السفير الليبي بالجزائر العاصمة، ممثل حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، للتعبير عن المخاوف نفسها.
وقال المجلس الأعلى للدولة الليبية (وهو ما يشبه مجلس الشيوخ)، ومقره طرابلس، إنه “يتابع بقلق بالغ التعبئة العسكرية لقوات حفتر في الجنوب الغربي خلال اليومين الماضيين، والتي تهدف بوضوح إلى تعزيز نفوذه وتوسيع نطاقه، من خلال السيطرة على المناطق الاستراتيجية المشتركة مع جيران ليبيا”.
وتنقل “لوبوان” عن أحد المراقبين، قوله إنه “إلى جانب الخوف من اندلاع حرب أهلية جديدة بين الليبيين، تخشى الجزائر من التعرض لضغوط على حدود حساسة للغاية، بالقرب من منشآت الطاقة الاستراتيجية على وجه الخصوص. فذكرى الهجوم المميت على موقع غاز تيقنتورين في عام 2013 ما تزال حاضرة بقوة في أذهان المسؤولين الجزائريين”.
قلق الجزائر يعود لأسباب منها أن حلفاء الرجل القوي في الشرق، لا سيما الإمارات العربية المتحدة، على حافة القطيعة الدبلوماسية مع الجزائر
كما تنقل “لوبوان” عن محلل قوله: “هناك أسباب أخرى للقلق بالنسبة للجزائر منها أن حلفاء الرجل القوي في الشرق، لا سيما الإمارات العربية المتحدة، على حافة القطيعة الدبلوماسية مع الجزائر. أما بالنسبة لروسيا، فإن الجزائر لا تريد وجود مرتزقة مثل فاغنر أو الفيلق الأفريقي على حدودها، كما هو الحال بالفعل في شمال مالي. ومع ذلك، فإن وجود جيش حفتر على حدودها يعني بالضرورة وجود هؤلاء المرتزقة. علاوة على ذلك، فإن صدام حفتر قام مؤخرًا بزيارتين على الأقل إلى إسرائيل، بينما ترفض الجزائر التطبيع مع الدولة العبرية، دون أن يكون هناك سلام عادل ودائم مع الفلسطينيين”، وفق ما ذكر هذا المحلل لإذاعة فرنسا الدولية.
ولطالما كانت العلاقات بين حفتر والجزائر مشوبة بالعداء والتوتر، توضح “لوبوان”، مذكِّرة أنه في عام 2018، اتهم حفتر الجزائريين [الذين] وجدوا فرصة لدخول ليبيا، قائلا: “عندما اكتشفنا ذلك، أرسلت الجنرال عبد الكريم إلى الجزائر ليوضح لهم أن ما حدث ليس عملاً أخويًا. يمكننا نقل الحرب من الشرق إلى الغرب في وقت قصير”.
يقول الرئيس تبون: “لا أحد يستطيع تهديد الجزائر”.
وفي عام 2019، خلال الهجوم الثاني للمشير على طرابلس، فكرت الجزائر في التدخل في ليبيا، لأن “طرابلس خط أحمر”، كما كشف الرئيس عبد المجيد تبون. “لا نقبل أن يحتل المرتزقة عاصمة دولة شمال إفريقية وإفريقية. وقال لقناة الجزيرة في عام 2021: “كنا سنتدخل”.
وفي عام 2021، أعلن حفتر المناطق الحدودية مع الجزائر “مناطق عسكرية” وأمر بإغلاق الحدود. ورد الرئيس الجزائري، عندما سألته الصحافة فيما يتعلق بتصرفات وتهديدات المشير الليبي: “لا أحد يستطيع تهديد الجزائر”.
إذا كان على المستوى العسكري، يبدو أن الهجوم الذي شنه نجل حفتر في 7 أغسطس/آب يشهد توقفاً – إذ ما تزال غدامس في أيدي حكومة طرابلس – فيما الجبهة الدبلوماسية ما تزال محمومة. لأنه، بالإضافة إلى توسيع نفوذه نحو الغرب والجنوب إلى الحدود مع الجزائر والنيجر، بدأ حفتر اتصالات معمقة للغاية مع نيامي من أجل تثبيت قبضته على الجنوب بشكل أفضل. من جهتها، وفي الفترة نفسها تقريبا خلال الأسابيع الأخيرة، جددت الجزائر علاقاتها مع النيجر بعد فترة أزمة، في سباق على النفوذ الإقليمي، توضح “لوبوان”.
صحيفة القدس العربي
موقع أمريكي: واشنطن تعطي مزيدا من الوقت للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بمحادثات وقف إطلاق النار
|
نشر موقع “إنترسبت” الأمريكي مقالا، للمحلل والمدافع عن حقوق الإنسان سانجيف بيري، بعنوان مفصل “محادثات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة لا تؤدي إلا إلى شراء المزيد من الوقت للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل”، أكد فيه أنه بالنسبة لأي شخص يتابع بانتباه، فقد أصبح من الواضح تماما الآن، أن محادثات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة في غزة، أصبحت أداة لإدامة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أن ما يسمّى بمفاوضات وقف إطلاق النار هي شكل من أشكال التمويه الذي يستخدمه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ونائبته كامالا هاريس (مرشحة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية) لصرف الانتباه عن حقيقة دعمهما للفظائع الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة”. واعتبر أن “مجرد استخدام كلمة “وقف إطلاق النار” لوصف ما تسعى إليه إدارة بايدن، هو في حد ذاته شكل من أشكال العنف اللغوي”.
وشدد على “أن أحدث مسودة لمقترح وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تؤيد بشكل أساسي استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة دون وقف دائم للحرب. ولكن حتى هذا كان على ما يبدو تنازلا كبيرا بالنسبة لنتنياهو، ولهذا السبب يُقال إنه يواصل تقويضه”.
وأضاف أنه “في الوقت نفسه، قبل أسبوع واحد فقط، أعلنت وزارة الخارجية عن بيع 20 مليار دولار أخرى من الأسلحة الأمريكية لإسرائيل. إن الشروط سيئة النية في أحدث اقتراح ليست سوى البداية”.
من غير المرجح أن توافق حماس على الشروط الجديدة التي وضعها بلينكن على الطاولة، وهذا الرفض بدوره سيمكن بايدن وهاريس وبلينكن ونتنياهو من إلقاء اللوم على حماس
ووفقه “فمن غير المرجح أن توافق حماس على الشروط الجديدة التي وضعها بلينكن على الطاولة، وهذا الرفض بدوره سيمكن بايدن وهاريس وبلينكن ونتنياهو من إلقاء اللوم على حماس بشكل أكبر لرفض السلام. وهذا من شأنه أن يمنح نتنياهو المزيد من الوقت لمواصلة قصف وتجويع وقتل الفلسطينيين”.
وبرأيه “تتكرر الدورة مرة أخرى، مع عودة بلينكن قريبا إلى الشرق الأوسط، لجولة أخرى، من مفاوضات وقف إطلاق النار المزعومة، بينما تستمر الولايات المتحدة في إرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل لحربها”.
وبحسبه “فإن كسر هذه الدائرة الساخرة يتطلب الصدق بشأن دور بايدن وهاريس في هذه المهزلة الملطخة بالدماء”، مبرزا أنه “في حين يتحمّل بايدن المسؤولية النهائية عن دعم أمريكا الكامل للعنف الإسرائيلي، فقد دعمت هاريس مرارا وتكرارا استمرار الرئيس في تسليح إسرائيل”.
وأضاف: “من خلال عملية تفاوض احتيالية لا تنتهي أبدا لوقف إطلاق النار، مكّن كل من بايدن وهاريس الحزب الديمقراطي الأوسع من تجنب الاعتراف بالواقع المروع المتمثل في مسؤولية قادة إسرائيل عن الإبادة الجماعية”.
وأكد الكاتب “أن القوة الدافعة وراء كل هذا هي جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بشبكتها الواسعة من المانحين ذوي الثروات العالية. ويلتزم العديد من الساسة بنقاط الحوار التي تطرحها جماعات الضغط من أجل تجنب مقصلتها”.
وشدد بيري على أن “بايدن وهاريس مستمران في التظاهر بأنهما وسيطان للسلام بينما يرسلان مليارات الدولارات من الأسلحة إلى الجنود الإسرائيليين”.
واعتبر أن “هذا الخيال له جذور عميقة، تعود إلى ما يسمى بعملية أوسلو للسلام، والتي منحت إسرائيل عقودا من الوقت لسرقة الأراضي الفلسطينية وتوسيع حدودها من خلال بناء المستوطنات الإسرائيلية اليهودية في جميع أنحاء الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة”.
موقع انترسبت الاميركي
ترجمة صحيفة القدس العربي
خبير عسكري أمريكي: إسرائيل ستخرج من غزة مهزومة
|
عاموس هرئيل
بعد أسبوع على ما وصف كقمة الفرصة الأخيرة في الدوحة، تبذل الإدارة الأمريكية جهودها للمضي بصفقة تبادل عالقة ومنع اشتعال حرب إقليمية واسعة. مساء أمس، استؤنفت المحادثات في القاهرة، هذه المرة بمشاركة حماس. ولكن احتمالية تحقيق أي تقدم ما زالت ضعيفة، يتصاعد القتال والخسائر في هذه الأثناء في القطاع وعلى الحدود مع لبنان.
أمس، قتل أربعة جنود احتياط في الجيش الإسرائيلي وأصيب سبعة جنود في حادثين في القطاع. في الشمال، أطلق حزب الله صليات ثقيلة من الصواريخ والمسيرات نحو الجليل بعد سلسلة هجمات لإسرائيل في لبنان وسوريا، قتل فيها ثمانية من أعضاء الحزب على أقل تقدير. استمرار الجهود الأمريكية للتوصل إلى الصفقة يتعلق بالخوف من عملية ثأر لحزب الله ضد إسرائيل في الأيام القريبة القادمة، وأن المنطقة قريبة من تدهور أكبر.
في موازاة المحادثات في القاهرة، وصل رئيس الأركان الأمريكي الجنرال تشارلز براون إلى المنطقة، ويخطط للتنقل بين إسرائيل ومصر والأردن. تحاول الولايات المتحدة المضي بالمحادثات بحل نقطة خلاف رئيسية، وهي السيطرة على محور فيلادلفيا. فحماس ومصر تعارضان الوجود الإسرائيلي في هذا المحور. وطرحت القضية أيضاً في مكالمة هاتفية بين بايدن ونتنياهو مساء الخميس. يحاول الأمريكيون التوصل إلى اتفاق إسرائيلي للانسحاب من المحور على مراحل. يبدو أنه هناك ليونة ما في موقف نتنياهو بعد هاتف بايدن، هذا رغم حرص مكتب رئيس الحكومة على أن إسرائيل لن تتزحزح عن موقفها وستبقى في محور فيلادلفيا.
أحد الادعاءات الرئيسية الذي يطرحه رؤساء جهاز الأمن يتعلق بضعف قدرة حماس العسكرية. وزير الدفاع، غالنت، زار رفح وكرر ادعاء بتفكيك وهزيمة لواء حماس في رفح. يعتقد جهاز الأمن أنه كان يمكن العودة واحتلال محور فيلادلفيا بدون صعوبة، حتى بعد الانسحاب منه، إذا انهارت الصفقة بعد انتهاء المرحلة الأولى، التي يتوقع فيها أن تطلق حماس سراح النساء وكبار السن والمرضى مقابل بضع مئات من السجناء الفلسطينيين في إسرائيل.
يحذر نتنياهو من إخلاء محور فيلادلفيا بذريعة أن انسحاب الجيش الإسرائيلي سيمكن حماس من تجديد أنبوب الأوكسجين الرئيسي لها، وهو عمليات التهريب من خلال الأنفاق الموجودة تحت المحور. يحتج جهاز الأمن أيضاً على ذلك، ويقول إن معظم عمليات التهريب في السنوات الأخيرة كانت فوق الأرض من خلال معبر رفح، مع غض نظر مصر. يضغط غالنت والضباط على رئيس الحكومة للتركيز على الحدود مع لبنان إزاء خوف من تصعيد المواجهات مع حزب الله.
حساب مفتوح
في الوقت الذي يتشاجر فيه نتنياهو مع غالنت وقادة كبار في جهاز الأمن حول مسألة الانسحاب من محور فيلادلفيا وممر نتساريم، الجنود يسقطون في المعارك هناك، في المناطق التي يوصي الجيش بإخلائها في إطار الصفقة. ثلاثة من الجنود الأربعة في الاحتياط قتلوا في نهاية الأسبوع بسبب تفجير بيت في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة. جهود ضرب بنى حماس التحتية تجري على مسافة بعيدة من ممر نتساريم. الجيش يختلف على النشاطات، لأن هذا الأمر -حسب رأي بعض الضباط- لا يخدم الأهداف الرئيسية للحرب الآن. ولكن عندما تكون القوات منتشرة في المكان، سيسمح للوحدات بالانطلاق إلى عمليات هجومية وعدم انتظار انتشار الدفاع الذي قد يواجه بهجمات حماس.
المقدم جون سبنسر، الخبير في حرب المدن من الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت”، ومن المؤيدين البارزين لإسرائيل في الساحة الدولية أثناء الحرب في غزة، رافق قوات الجيش الإسرائيلي في غزة بضع مرات منذ بداية الحرب، وامتدح سلوك إسرائيل في القطاع، وقال إن جيوشاً غربية أخرى كانت ستقتل عدداً أكبر من المدنيين في مواجهة التحديات الصعبة للعدو المتخندق في أوساط المدنيين.
وكتب سبنسر في المقال الذي نشره الأسبوع الماضي في مجلة “فورن افيرز”، بأنه لا يصدق أي شيء من الأقوال التي يحاول نتنياهو تسويقها. حسب هذا الخبير الأمريكي، فإن حجم الإضرار بقدرة حماس يسمح لإسرائيل بالانتقال إلى مرحلة “اليوم التالي” في مناطق محدودة في القطاع والاظهار للغزاويين والمجتمع الدولي بأنها تملك برنامجاً عقب الإنجازات العسكرية.
“على زعماء إسرائيل التركيز بوجوب تغير أسلوب الحرب؛ فإذا لم تستغل إسرائيل الفرصة لضمان قيادة جديدة في غزة تستبدل حماس، فستتنازل عن تفوقها الحالي وتنهي الحرب بهزيمة”، وأضاف سبنسر بأن نتنياهو قد يكون مرتاحاً مما كتبه حتى الآن، ويعتقد أن على إسرائيل خلق ظروف تمكن القيادة الجديدة في القطاع من البقاء، وهي النتيجة التي يأمل رئيس الحكومة، لاعتبارات سياسية، بالوصول إليها. استمرار القتال في غزة وجمود المحادثات يؤثران سلباً على الوضع الإقليمي. تولد انطباع لدى الاستخبارات الإسرائيلية بأن إيران، وبالأساس حزب الله، لم تتنازل عن خطط الانتقام عقب اغتيال شكر وهنية. في نهاية الأسبوع الماضي، احتفل الشيعة في الشرق الأوسط بالذكرى الأربعين، التي تعد كربلاء مركز الأحداث المرتبطة فيها. ولكن حزب الله يرى أن الحساب مع إسرائيل ما زال مفتوحاً. واستناداً لتصريحات جهات رفيعة في حزب الله، فمن المرجح أن الرد سيأتي في وقت قريب نسبياً. حجم الأهداف ونتائج الهجوم سيؤثران على استمرار الأحداث في المنطقة، وفي أقصى الحالات قد تؤدي إلى حرب شاملة، رغم أن معظم الأطراف المشاركة فيها يقولون إنهم غير معنيين بذلك. إضافة إلى صراخ عائلات المخطوفين، تعد هذه خلفية الجهود التي يبذلها الأمريكيون للتوصل إلى صفقة بمساعدة دولتي الوساطة، مصر وقطر.
عاموس هرئيل
صحيفة هآرتس الاسرائيلية
ترجمة صحيفة القدس العربي
الحرب هي السبب.. شركات التكنولوجيا في إسرائيل بين الإغلاق والإفلاس والتقليص
|
في فترة الفقاعة، كمية كبيرة من الأموال المتاحة والسهلة تدفقت إلى “الهايتيك” في إسرائيل، التي ضخمت صناعة المشاريع المحلية الناشئة. ولكن الآن، بعد سنتين على الأزمة في هذا الفرع، بدأت أموال صناديق الشركات تنفد، والثمن مؤلم.
في فحص أجرته “ذي ماركر”، تبين أن سلسلة من المشاريع الناشئة في إسرائيل أغلقت أو تقلصت نشاطاتها في السنة الماضية، لا سيما في الأشهر الأخيرة. القاسم المشترك بينها هو جولة لتجنيد رؤوس الأموال الأخيرة لها حيث تم استكمالها في 2021، سنة ذروة فقاعة “الهايتيك”. أغلقت بعض الشركات بعد نفاد صناديقها، ولم تنجح في تجنيد جولة جديدة. في بعض الحالات، كما يقول المبادرون، كانت الحرب عاملاً مهماً آخر لهذه الصعوبات.
المستثمرون في البلاد قرروا الانسحاب
لا توجد معطيات تشير إلى أن إغلاق المشاريع الناشئة في إسرائيل كان استثنائيا من ناحية تاريخية في السنة الماضية؛ فالمشاريع الناشئة أغلقت طوال الوقت. مع ذلك، نشرت “فايننشال تايمز” الأسبوع الماضي، معطيات لشركة “كارتا” أظهرت قفزة 60 في المئة في إفلاس المشاريع الناشئة في الولايات المتحدة مقارنة مع السنة الماضية. حسب هذه المعطيات، فإن وتيرة إفلاس المشاريع الناشئة أعلى بسبعة أضعاف مقارنة مع العام 2019. ولأن التوجه في إسرائيل تابع لما يحدث في الولايات المتحدة، فلا سبب للتفكير بأن الوضع أفضل هنا.
“كانت لدينا مبيعات بمئات آلاف الدولارات في السنة، واقتربنا من مليون دولار، كنا في نوع من الزخم، لكننا لم ننجح في تجنيد الأموال”، قال رفيف كولا، أحد مؤسسي شركة “فروت سبيك”. جولة تجنيد الأموال الأخيرة لهذه الشركة استُكملت في 2021، في حينه جندت الشركة 5 ملايين دولار. في السنة الماضية، أرادت الشركة تجنيد 4 ملايين دولار إضافية، لكنها لم تنجح في الحصول على التزام بدفع كل المبلغ. لم يخرج التجنيد إلى حيز التنفيذ، وفي شباط تم إغلاق الشركة، وأقيل العشرون عاملاً فيها.
“لهذا علاقة مباشرة بالحرب”، قال كولا. “المستثمرون الأجانب اختفوا، والذين أرادوا المشاركة قالوا إنه ليس الوقت المناسب. ومستثمرون في البلاد، الذين أظهروا الاهتمام، تراجعوا. وهو وضع شركات أخرى، يصعب تجنيد الأموال، حتى لمبالغ صغيرة. هذا يتعلق أيضاً بانخفاض الاستثمارات في العالم وبالوضع في إسرائيل، مع عدم اليقين الاقتصادي والسياسي”.
مبادر آخر أغلق شركته في بداية هذه السنة، يتفق مع ذلك. “تقديرات الأسعار انخفضت، المستثمرون أوقفوا استثمارهم. يقولون لأنفسهم: سقطت قنبلة هنا، وننتظر”.
شعرنا بأننا في المسار الصحيح
شركة الصحة الرقمية أيضاً “جيست ميد” أُغلقت مؤخراً بعد عدم نجاحها في تجنيد رأس مال إضافي، حدث هذا بعد أقل من أربع سنوات على تجنيدها مبلغ 6.5 مليون دولار في نهاية 2020. “جيست ميد وصلت إلى نهايتها، واضطررنا إلى إغلاقها”، قال المدير العام والمؤسس دان رولس بلينكداين، قبل شهر تقريباً. “شعرنا أننا في المسار الصحيح. فرغم عدد كبير من التحديات والصعوبات، نجحنا في التعاون مع منظمات صحة ومع شركات رائدة في البلاد والعالم. ولكن جولة تجنيد الأموال التي فشلت في التوصل إلى اتفاق وتأخير الدفعات، أدى إلى دوامة التدفق. وفي مرحلة معينة، امتص ثقب التدفق كل شيء. قطعنا شوطاً طويلاً، لكن ليس بما فيه الكفاية. هذه أوقات مؤلمة جدا”. وكتب رولز أيضاً بأنه هو وشركاء له يحاولون الآن العثور على تمويل لشراء أصول الشركة ونشاطاتها من الوصي الذي عينته المحكمة.
إضافة إلى هذه الشركات، ثمة شركات كثيرة أعلنت عن تجنيد الأموال للمرة الأخيرة في العام 2021. شركة تكنولوجيا التأمين “سبراوت” الناشئة، التي جندت في 2021 حوالي 200 مليون دولار، قدمت في أيار الماضي طلباً للبدء في إجراءات التوقف عن تسديد الديون. وكتب في هذا الطلب أن “الشركة بذلت جهوداً كثيرة لتجنيد استثمارات أخرى. ولكنها جهود لم تنجح”.
شركة “اوركان” أغلقت خط إنتاج منتجات بصرية بالكامل، وأقالت معظم العمال، وبقي فيها طاقم صغير يواصل تطوير السماعات. وشركة “دايتو” العاملة في المواد الغذائية، وجندت 85 مليون دولار خلال السنين، أغلقت بعد صعوبات كثيرة.
وشركة “كهولو” الناشئة، التي عملت في تطوير البرامج، جندت 3 ملايين دولار في 2021 إلى جانب جولة تجنيد أخرى واسعة في 2022، أوقفت نشاطاتها في نهاية السنة الماضية. وفي تموز، استكملت الشركة عملية التفكك الطوعي. في بداية هذه السنة، أوقفت شركة السايبر “ريزليون” نشاطاتها وباعت الملكية الفكرية لشركة “غيتلاب”. واستكملت في 2021 جولة التجنيد المهمة الأخيرة، ومنذ ذلك الحين وجدت صعوبة في الصعود على مسار النمو. في السنوات الأخيرة نجحت في تجنيد جزء صغير فقط من المبلغ الذي كانت تحتاجه. والاتصالات لبيعها انهارت بسبب الحرب.
ساغي كوهين
صحيفة هآرتس الاسرائيلية
ترجمة صحيفة القدس العربي
البحث عن الشبح: وحدة خاصة لملاحقة السنوار بتعاون أمريكي- إسرائيلي… استمرار بقائه يحرم نتنياهو من النصر
|
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً أعده مارك مازيتي وجوليان إي بارنز ورونين بيرغمان وآدم غولدمان جاء فيه أن زعيم “حماس” يحيى السنوار حَرم الجيش الإسرائيلي من النجاح، بسبب قدرته على المراوغة والهروب من الاعتقال أو القتل.
وقال التقرير إن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين اعتقدوا، في كانون الثاني/يناير، أنهم توصلوا لاختراق في ملاحقة واحد من أهم المطلوبين في العالم.
وفي 31 كانون الثاني/يناير، قامت القوات الخاصة بمداهمة مجمع أنفاق محكم في جنوب غزة، بناء على معلومات تقول إن السنوار موجود فيه. واكتشفوا أنه كان موجوداً فيه، لكنه غادر النفق تحت مدينة خان يونس، قبل أيام من المداهمة، مخلّفاً، حسب قول الصحيفة، وثائق وأكواماً من الشواقل الإسرائيلية تبلغ قيمتها مليون دولار، ومنذ ذلك الوقت استمر البحث بدون وجود أدلة قاطعة عن مكان وجوده.
وتضيف الصحيفة أن السنوار، الذي تتهمه إسرائيل بالتخطيط وتوجيه هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، أصبح مثل الشبح، ولم يظهر أبداً للعلن، ومن النادر أن يرسل رسائل إلى أتباعه، ولم يعط أيّ إشارا ت عن المكان الذي ربما اختبأ به.
يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن قتل السنوار، أو القبض عليه، سيترك أثره الدراماتيكي على الحرب، وسيعطي نتنياهو وسيلة للزعم أنه حقق انتصاراً عسكرياً
وتقول إن السنوار هو أهم رمز في حركة “حماس”، ونجاحه في تجنّب الاعتقال أو القتل حَرمَ إسرائيل من القدرة على تقديم ادعاء أساسي، أي أنها انتصرت في الحرب وقضت على “حماس”، في صراع أدى إلى تدمير صفوف المجموعة، ولكن أيضاً تدمير قطاع غزة، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين قولهم إن السنوار تجنّبَ الاتصالات الإلكترونية، منذ وقت طويل، وقد تجنّبَ، حتى الآن، شبكة استخباراتية معقدة. ويعتقد أنه يظل على اتصال بالمنظمة التي يقودها من خلال شبكة من المراسيل البشر. مع أن طريقة عمل هذا النظام تظل لغزاً. وهو أسلوب اعتمدت عليه “حماس” في الماضي، وكذا جماعات أخرى، مثل أسامة بن لادن، ومع ذلك، فإن وضع السنوار أكثر تعقيداً، ومحبطاً بشكل كبير للمسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين.
فعلى خلاف أسامة بن لادن في سنواته الأخيرة، يدير السنوار عملية عسكرية. ويقول الدبلوماسيون المشاركون في مفاوضات وقف إطلاق النار إن قادة “حماس” في الدوحة يصرّون على معرفة رأيه بالقرارات المهمة والمتعلقة بالمفاوضات.
وباعتباره أكثر الزعماء احتراماً وحظوة في “حماس”، فهو الشخص الوحيد الذي يقرر ما يتخذ من قرارات في الدوحة وتنفذ في غزة.
و تكشف المقابلات التي أجراها الصحافيون مع أكثر من عشرين مسؤولاً في إسرائيل وأمريكا أن كلا البلدين خصّصا موارد هائلة في محاولة العثور على السيد السنوار. وأنشأوا وحدة خاصة داخل مقر جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت)، وطلب من أجهزة التجسس الأمريكية اعتراض اتصالات السنوار. كما قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل راداراً يخترق الأرض للمساعدة في البحث عنه وعن قادة “حماس” الآخرين.
ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن قتل السنوار، أو القبض عليه، سيترك بلا شك أثره الدراماتيكي على الحرب، وسيعطي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسيلة للزعم بطريقة ما أنه حقق انتصاراً عسكرياً ويجعله مستعداً لإنهاء الحرب في غزة. لكن ما هو ليس معروفاً هو الأثر الذي سيتركه مقتله، أو القبض عليه، على مسار المحادثات لتحرير المحتجزين، فربما قرر خليفته تبني موقف متشدد، ويرفض التفاوض على صفقة مع إسرائيل.
وقال مسؤولون مصريون وقطريون وأمريكيون إن التواصل مع السنوار أصبح أكثر صعوبة في الأشهر الأخيرة، حيث كان يرد على الرسائل في غضون أيام، إلا أن الإجابة تنتظر هذه الأيام فترة أطول، وكان نوابه ينوبون عنه في هذه المناقشات.
وفي بداية آب/أغسطس، اختارت الحركة السنوار (61 عاماً) زعيماً للمكتب السياسي، بعد مقتل رئيس المكتب إسماعيل هنية في طهران.
مع أن السنوار، وحتى قبل انتخابه، كان يعتبر الزعيم الفعلي، حتى لو كان القادة في الدوحة يحملون اللقب. وتشير الصحيفة إلى أن زعيم “حماس” أصبح تحت ضغط لتوجيه العمليات العسكرية اليومية في القطاع، مع أنه احتفظ بالقدرة لتحديد الإستراتيجية العامة للحركة.
وتضيف أن قادة الاستخبارات والساسة الإسرائيليين اجتمعوا بعد هجمات تشرين الأول/أكتوبر لتحديد قائمة القتل لقادة “حماس” ومسؤوليها السياسيين، وقُتل عدد منهم في الأشهر الأخيرة، بمن فيهم هنية.
ومع كل عملية قتل يضع وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت علامة “إكس” على كل اسم في الرسم البياني لقادة “حماس” والمعلق على جدار مكتبه، لكن السنوار لا يزال هارباً.
وقبل الحرب، كان حضور السنوار طاغياً في غزة، حيث أجرى مقابلات، وأشرف على مناورات عسكرية، وظهر وهو يقدم جائزة في برنامج تلفزيوني يظهر هجوماً لـ “حماس” على إسرائيل.
ويعتقد المسؤولون الاستخباراتيون والعسكريون أن السنوار كان يعيش في شبكة من الأنفاق تحت غزة، كبرى مدن القطاع وأول هدف للغزو الإسرائيلي.
وفي واحدة من الغارات المبكرة عثر جنود إسرائيليون على فيديو، صُوّر قبل أيام، ويظهر السنوار وهو ينقل عائلته إلى مخبأ جديد تحت المدينة.
ويعتقد المسؤولون الاستخباراتيون الإسرائيليون أن السنوار أبقى على عائلته معه لمدة ستة أشهر من الحرب. في ذلك الوقت، كان السنوار لا يزال يستخدم الهواتف المحمولة والفضائية، التي أصبحت ممكنة بفضل شبكات الهواتف المحمولة في الأنفاق. وكان يتحدث من وقت لآخر مع مسؤولين من “حماس” في الدوحة. وكانت وكالات التجسس الأمريكية والإسرائيلية قادرة على مراقبة بعض تلك المكالمات، لكنها لم تتمكن من تحديد موقعه. ومع تراجع الوقود في غزة، دفع غالانت، على الرغم من معارضة حكومة اليمين المتطرف، بنقل شحنات أخرى من أجل توفير الوقود للمولدات التي تغذي شبكات الهواتف، ما يعطي إسرائيل الفرصة للتنصت.
وتمكنت وكالات الاستخبارات الإسرائيلية خلال هذه الفترة رصد حياته تحت الأرض، بما في ذلك متابعته للأخبار وإصراره على مشاهدة نشرة أخبار الساعة الثامنة على التلفزيون الإسرائيلي.
والتقى السنوار مع محتجزين إسرائيليين وخاطبهم بالعبرية التي يتحدث بها بطلاقة، وأخبرهم أنهم آمنون، ولن يصابوا بأيّ أذى، وذلك حسب محتجز إسرائيلي أفرج عنه في تبادل تشرين الثاني/نوفمبر.
ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن جميع قادة “حماس” يعيشون في الأنفاق تحت الأرض، لكنهم والسنوار يخرجون منها في مناسبات ولأسباب صحية.
لكن شبكة الأنفاق واسعة ومعقدة للغاية، ويملك مقاتلو “حماس” معلومات استخباراتية جيدة عن أماكن تواجد القوات الإسرائيلية، لدرجة أن السنوار قد يخرج أحياناً إلى السطح دون أن يتم اكتشافه.
ويقول المسؤولون إنه في الوقت الذي داهمت فيه القوات مخبأ خان يونس، كان السنوار قد هرب. وظل متقدماً على الملاحقين له خطوة، حيث كانوا يتفاخرون بأنهم اقتربوا من الوصول إليه. ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر، حيث كانت وحدات الجيش الإسرائيلي تحفر أنفاقاً في منطقة بالمدينة، أخبر غالانت الصحافيين بأن السنوار “يسمع جرافات الجيش الإسرائيلي فوقه وسيواجه فوهات بنادقنا قريباً”. ويبدو أن السنوار غادر المكان سريعاً، وخلّف وراءه كوماً من الشواقل الإسرائيلية.
الصحيفة: تمكّنت الاستخبارات الإسرائيلية من رصد حياة السنوار تحت الأرض، بما في ذلك متابعته للأخبار وإصراره على مشاهدة نشرة أخبار الساعة الثامنة على التلفزيون الإسرائيلي
وتشير الصحيفة إلى أن الاستخبارات العسكرية وشين بيت، وكالة الأمن الداخلي، أنشأتا، بعد فترة قصيرة، وحدة خاصة داخل شين بيت بمهمة البحث عن السنوار. وشكلت سي آي إيه قوة مهام خاصة، وأرسل البنتاغون قوات عمليات خاصة لتقديم المشورة للقوات الإسرائيلية حول الحرب القادمة. وقال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض: “خصصنا جهوداً وموارد كبيرة للإسرائيليين من أجل البحث عن القيادة العليا، وبخاصة السنوار. لقد كان لدينا أشخاص في إسرائيل يجلسون في الغرفة مع الإسرائيليين يعملون على حل هذه المشكلة. ومن الواضح أن لدينا الكثير من الخبرة في مطاردة الأرصدة المهمة”.
ونشرت الولايات المتحدة، تحديداً، راداراً لديه القدرة على اختراق الأنفاق وتصوير الشبكة التي تمتد على مئات الأميال. وبهذه الصور والمعلومات التي جمعتها إسرائيل ممن تقول إنهم مقاتلو “حماس”، والوثائق التي تم العثور عليها، استطاعت بناء صورة كاملة عن شبكة الأنفاق. وقال مسؤول إسرائيلي بارز إن المعلومات الاستخباراتية التي قدّمتها الولايات المتحدة “لا تقدّر بثمن”.
وتعلق الصحيفة بأن الإسرائيليين والأمريكيين لديهم مصلحة مشتركة للبحث عن قادة “حماس” والمحتجزين، بمن فيهم أمريكيون في غزة. ولكن شخصاً مطلعاً على التبادل الاستخباراتي بين الحكومتين يرى أن العملية عادة ما تكون “غير متوازنة”، حيث قدم الأمريكيون معلومات أكثر مما أعطاه الإسرائيليون في المقابل.
وفي بعض الأحيان يقدم الأمريكيون، كما قال هذا الشخص، معلومات عن قادة “حماس” على أمل أن يوجه الإسرائيليون بعض مواردهم الاستخباراتية نحو العثور على المحتجزين الأمريكيين.
وتشير الصحيفة إلى صعود السنوار في داخل الحركة، وسجنه لمدة عقدين في السجون الإسرائيلية، قبل الإفراج عنه في صفقة جلعاد شاليط، عام 2011، وتقول إنه يتمتع بتأثير كبير على صناعة القرار داخل الحركة، مع أنه شكل موقعه في الحركة من خلال التنسيق الوثيق مع قادة الجناح السياسي والعسكري في “حماس”. وتضم دائرة الشخصيات الموقوثة، مروان عيسى، الزعيم العسكري الذي أعلنت إسرائيل مقتله في آذار/مارس، وعز الدين الحداد، أحد القادة العسكريين البارزين، ومحمد السنوار، شقيق يحيى السنوار، وأحد المسؤولين البارزين في الجناح العسكري، ومحمد الضيف قائد الجناح العسكري.
إلا أن شبكة المستشارين للسنوار آخذة بالتقلص، فقد قتل بعض قادة “حماس”، واعتقل بعضهم، وكان بعضهم خارج غزة عندما بدأت الحرب، ولم يستطيعوا العودة. إلا أن محمد الضيف، وهو المستشار الأقدم للسنوار، كان أقلّ انضباطاً من رئيسه. وكان يخرج إلى الأرض بانتظام كثيراً، ما سمح لوكالات الاستخبارات الغربية بتحديد مكان وجوده. وفي إحدى المناسبات قتل بغارة جوية، كما يقول الإسرائيليون.
صحيفة نيويورك تايمز
ترجمة ابراهيم درويش
بعد اعتقاله في فرنسا… ماذا نعرف عن مؤسس تطبيق «تلغرام» بافيل دوروف؟
|
جرى اعتقال الملياردير الروسي بافيل دوروف، مؤسس تطبيق الرسائل المشفرة «تلغرام»، بعد هبوط طائرته الخاصة في مطار «لوبورجيه» على مشارف العاصمة الفرنسية باريس.
ونقلت وسائل إعلام فرنسية أنه قُبض على دوروف (39 عاماً) بموجب مذكرة تفتيش أصدرها بحقه محققون فرنسيون على خلفية انتهاكات مختلفة منسوبة إلى تطبيق «تلغرام».
وكان دوروف قد وصل إلى فرنسا قادماً من أذربيجان. وأُلقي القبض عليه بين الساعة السابعة والنصف والثامنة مساءً برفقة حارسه الشخصي ومساعدته، وفق ما أوضح مصدر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وذكرت إذاعة «تي إف1» أنه قد يُفتح تحقيق أولي مع الملياردير الفرنسي الروسي دوروف بدءاً من اليوم الأحد.
تطبيق «المعركة الافتراضية»
وبافيل دوروف رجل أعمال روسي المولد. وفي مجال التكنولوجيا اشتهر بتأسيس تطبيق «تلغرام»، وقد حصل على الجنسية الفرنسية في عام 2021.
ويعدّ «تلغرام» أحد أكثر التطبيقات تحميلاً في العالم، مع توقعات بأن يصل إلى نحو مليار مستخدم في غضون عام، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية، والتطبيق يتنافس مع منصات مثل «واتساب» و«إنستغرام» و«تيك توك».
مؤسس تطبيق «تلغرام» بافيل دوروف (أ.ف.ب)
ويشتهر «تلغرام» بميزات الخصوصية القوية، وقد جمع قاعدة مستخدمين كبيرة، خصوصاً في روسيا وأوكرانيا ودول سوفياتية سابقة أخرى، كما يُستخدم التطبيق في روسيا، ويستخدم من قبل كثير من السلطات والسياسيين للتواصل.
وأصبح «تلغرام» قناة لنقل المعلومات المتعلقة بالصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا، حيث يستخدمه الجانبان على نطاق واسع، مما دفع بعض المحللين إلى وصفه بأنه «ساحة معركة افتراضية»، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».
مغادرة روسيا وحظر «تلغرام»
وغادر دوروف روسيا في عام 2014 بعد رفضه الامتثال لمطالب الحكومة بإغلاق مجموعات المعارضة على «فكونتاكتي»؛ منصة التواصل الاجتماعي التي شارك في تأسيسها.
وكان دوروف قد ابتكر «تلغرام» بمشاركة شقيقه نيكولاي. وبعد رحيل دوروف عن روسيا، باع «فكونتاكتي» وانتقل إلى مكان آخر، وأنشأ في النهاية «تلغرام» في دبي عام 2017.
بافيل دوروف مؤسس تطبيق «تلغرام»… (حسابه على التطبيق)
حُظر تطبيق «تلغرام» في روسيا عام 2018، بعد رفض سابق من دوروف تسليم بيانات المستخدمين. ولكن أُلغي الحظر في عام 2021. وعلى الرغم من التزام الأخوين دوروف بحماية بيانات المستخدمين، فإنهما قد واجها انتقادات لعدم تعاملهما بشكل متسق مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وفق ما أفاد تقرير من شبكة «سكاي نيوز» البريطانية.
100 طفل دون زواج
وقدرت مجلة «فوربس» ثروة دوروف بنحو 15.5 مليار دولار. وعلى الرغم من ثروته، فإن دوروف تحدث كثيراً عن أسلوب حياته البسيط؛ ففي مقابلة أجراها معه الصحافي الأميركي تاكر كارلسون، في أبريل (نيسان) الماضي، أكد على رغبته في الحرية على حساب الممتلكات المادية.
وأشار دوروف في حواره مع كارلسون إلى أنه لا يملك سوى القليل من المال والـ«بتكوين»، متجنباً العقارات والطائرات النفاثة واليخوت.
بافيل دوروف (تلغرام)
وزعم دوروف، في منشور على «تلغرام»، أنه أنجب ما لا يقل عن 100 طفل في 12 دولة من خلال التبرع بالحيوانات المنوية. وذكر دوروف أنه قبل 15 عاماً، طلب منه صديق مقرب التبرع بالحيوانات المنوية. وكتب عبر «تلغرام»: «لقد اكتشفت للتو أن لديّ أكثر من 100 طفل بيولوجي. كيف يكون هذا ممكناً لشخص لم يتزوج مطلقاً ويفضل العيش بمفرده؟».
اتهامات قضائية… وانتقادات لاعتقاله
يتهم القضاء الفرنسي دوروف بعدم اتخاذ إجراءات ضد الاستعمال المسيء لتطبيقه من جانب بعض المستخدمين.
وقال أحد المحققين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يكفي إفلاتاً لـ(تلغرام) من العقاب»، مبدياً دهشته من أن الملياردير قرر المجيء إلى باريس رغم علمه بأنه مطلوب في فرنسا. وقال أحد المصادر المطلعة على الملف، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه فعل ذلك «ربما بدافع الشعور بالإفلات من العقاب».
وفي الوقت نفسه، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن قلقها بشأن اعتقال دوروف، وذكرت أنها تتخذ خطوات لتوضيح الموقف. كما تساءلت عما إذا كانت المنظمات غير الحكومية الغربية ستتدخل نيابة عن دوروف.
وكتبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على «تلغرام» متسائلة عما إذا كانت منظمات حقوق الإنسان الغربية ستلتزم الصمت بشأن اعتقال دوروف.
وأدان كثير من المسؤولين الروس اعتقال رجل الأعمال البارز، كما وضع مالك موقع «إكس»، الملياردير الأميركي إيلون ماسك، علامة تصنيف على أحد المنشورات #freepavel، وفي منشور آخر كتب: «وجهة نظر: إنه عام 2030 في أوروبا وتُعدَم لإعجابك بميم (منشور ساخر)».
ويعتقد المعلق الأميركي تاكر كارلسون في مقال له على موقع «إكس» أن دوروف محتجز في فرنسا بسبب رفضه «فرض الرقابة على الحقيقة».
كما سارع ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، وكثير من السياسيين الروس الآخرين، إلى اتهام فرنسا بالتصرف بدكتاتورية. وكتب أوليانوف على موقع «إكس»: «لا يزال بعض السذج لا يفهمون أنهم إذا لعبوا دوراً أشد أو أقل وضوحاً في الفضاء الدولي للمعلومات، فليس من الآمن لهم زيارة بلدان تتجه نحو أن تكون مجتمعات أكثر شمولية».
يسرا سلامة
صحيفة الشرق الاوسط
ليبيا… العملية السياسية «ميتة»
|
تغيَّرت ليبيا كثيراً منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. فشل الليبيون في إقامة نظام جديد أفضل منه، وأدى تنافسهم على تركة القذافي إلى انقسام البلاد فعلياً إلى شطرين أساسيين؛ حكومة في الغرب تحظى بدعم تركيا، وأخرى في الشرق تحظى بدعم روسيا، لكن الصورة، في الحقيقة، أكثر تعقيداً من مجرد وجود حكومتين متنافستين.
يسلّط هذا التقرير الضوء على الأطراف الأساسية المتنافسة على السلطة في ليبيا اليوم، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، مقابل الحكومة المدعومة من البرلمان وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق. يقدم التقرير صورة عن أسباب الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي توصف بأنها باتت ميتة فعلياً. يتناول العلاقة بين الخمسة الكبار في الساحة السياسية الليبية، ويشرح خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس، ونشوء ظاهرة نظام العائلات القوية في الشرق كما في الغرب.
في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان المعارضون الليبيون يطرقون أبواب العاصمة طرابلس… معقل العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، وهو مجمع ضخم بالغ التحصين، لم يصمد طويلاً. دخلته جماعات مسلحة، بعضها ينتمي إلى تيارات كانت توصف بأنها إرهابية وخرج أفرادها لتوهم من السجون. مع سقوط طرابلس، سقطت فعلياً «جماهيرية» القذافي رغم أنه بقي يقاوم حتى أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، حين تمكن «الثوار» من قتله في ضواحي سرت، مسقط رأسه على الساحل بين طرابلس وبنغازي.
سلكتُ الطريق البرية من الحدود التونسية إلى طرابلس. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. الصراع على معبر راس جدير لم يكن قد حُسم بعد. كان الرصاص يلعلع فوق رؤوس العابرين. مؤيدو القذافي كانوا ما زالوا يتمركزون في البلدات العربية القريبة من المعبر، بينما معارضوه الأمازيغ في زوارة يقودون محاولات الهيمنة على المعبر. لم يختلف الأمر على طول الطريق من هناك إلى طرابلس… حواجز وسواتر ودمار؛ مدن مع القذافي ومدن ضده، حتى في طرابلس نفسها، كان الوجوم بادياً على مناصري النظام السابق. لم يتردد هؤلاء المهزومون في الشكوى، بهمس، من حكّامهم الجدد الذين كانوا يطلقون النار احتفالاً بفرار القذافي بعدما حكمهم طيلة 42 عاماً. في منزل القذافي بباب العزيزية، كانت الأوراق ما زالت مبعثرة على الأرض… بعضها مكتوب بخط اليد. جمعت بعضها على سبيل الذكرى، لكنها لم تكن أوراقاً مهمة، كما يبدو، فالوثائق الأساسية أخذها المعارضون المنتصرون من هناك، كما فعلوا بالوثائق التي حصلوا عليها من قيادة الاستخبارات الليبية.
بعد 13 عاماً من إطاحة القذافي، فشلت ليبيا في إقامة نظام بديل أفضل منه، وسط تنافس بين لاعبين أساسيين على تقاسم تركته. انقسمت البلاد إلى حكومتين متصارعتين على السلطة؛ إحداهما تمسك بالشرق والأخرى بالغرب. الجيش الليبي الذي سقط مع سقوط النظام، أعيدَ تشكيله اليوم إلى حد كبير في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر. لكن الأمور في غرب البلاد تبدو أكثر تعقيداً. جماعات مسلحة عدة تعمل تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكنها تتنافس في ما بينها، وكل منها يمسك بمنطقة نفوذ. وما يزيد الأمور تعقيداً، عسكرياً، أن التنافس والصراع بين الشرق والغرب لم يعد ليبياً صرفاً، فقوى الغرب مدعومة من تركيا التي تنشر قوات ومرتزقة سوريين متحالفين معها في قواعد عسكرية عدة، بما في ذلك طرابلس. أما في الشرق والجنوب، فهناك وجود روسي داعم لحفتر، تمثّل في البداية بمرتزقة مجموعة «فاغنر»، لكنه بات اليوم حضوراً مباشراً للجيش الروسي، وسط حديث عن موطئ قدم جديد للكرملين على البحر المتوسط.
أما العملية السياسية للوصول إلى تسوية، فهي تراوح في مكانها منذ سنوات؛ يأتي مبعوث دولي، لكنه سرعان ما يفشل، فيأتي بديل له… يفشل بدوره. ولا تظهر في الأفق، في الواقع، بوادر حل قريب.
المشهد الليبي تغيّر كثيراً منذ سقوط القذافي. لكن صورة النظام الذي قام مكانه لم تتضح حتى اليوم. هذه محاولة لشرح الصورة الحالية المعقدة من خلال حوار مع المحلل البارز المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون:
المبعوثون الأمميون إلى ليبيا فشلوا واحداً تلو الآخر… (من اليمين) عبدالله باتيلي، ستيفاني ويليامز، ستيفاني خوري ويان كوبيتش (أ.ب / أ.ف.ب)
العملية السياسية.. ميتة
* أين وصلت العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى تسوية في ليبيا؟
– تتولى مهمة العملية السياسية حالياً القائمة بأعمال بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، ستيفاني خوري، التي عُيّنت لتكون نائبة للمبعوث الأممي عبد الله باتيلي. لكن باتيلي استقال. كانت خوري تتوقع أن تقود الفريق السياسي، لكنها بسبب استقالته وجدت نفسها عملياً في قيادة «بعثة الأمم المتحدة (انسميل)» بوصف ذلك أمراً واقعاً. لكن لا بد من الإشارة إلى أن المبعوثين الأمميين الخاصين يعيَّنون من قبل مجلس الأمن، وستيفاني خوري ليست معيّنة من هذا المجلس، وبالتالي فهي ليست مبعوثة خاصة. المهمة الموكلة إليها أقل وضوحاً. مهمتها تأتي من الأمين العام للأمم المتحدة.
هناك نقاش جارٍ حول من يكون المبعوث الخاص الجديد إلى ليبيا. ولكن نظراً إلى المشكلات التي يعاني منها المجلس، فقد كان هذا الأمر (تعيين مبعوث إلى ليبيا) صعباً في الماضي، وهو صعب اليوم أيضاً. خلاصة القول إنه صار من الصعب جداً تعيين مبعوث جديد من خلال تصويت في مجلس الأمن.
* وماذا عن الجمود في العملية السياسية…
– الجواب هو أن العملية ميتة. لا تتحرك من مكانها. الذي حدث هو أنه خلال تولي ستيفاني ويليامز مهمتها عام 2021 عُيّنت حكومة الوحدة الوطنية. كانت الحكومة الأولى منذ عام 2014 التي يُعترف بها في شرق ليبيا وغربها، وهي الحكومة التي كان يفترض بها أن تعمل من أجل تنظيم الانتخابات بنهاية عام 2021. وهو ما لم يحدث. منتقدو حكومة الوحدة الوطنية قالوا إنها كانت تحاول منع إجراء تلك الانتخابات، وبالطبع كانت هناك خلافات حول من يحق له خوض المنافسة. عودة سيف الإسلام القذافي كانت، على وجه الخصوص، عنصراً مثيراً للجدل.
ومنذ فشل إجراء الانتخابات عام 2022، تشكلت حكومة جديدة من قبل مجلس النواب في الشرق. لكن لم يُقبل بها من قبل «الخريطة السياسية الواسعة». وهكذا عدنا إلى وضع فيه انقسام بين حكومتين فعلياً، وهذا هو الوضع حالياً.
يان كوبيش الذي خلف ويليامز لم ينجح في الحقيقة في فعل ما يجب فعله للوصول إلى إجراء الانتخابات. وعندما ترك منصبه، ترك وضعاً كان في حكم المؤكد أن الانتخابات لن تُجرى فيه. عادت ستيفاني ويليامز مرة جديدة لفترة قصيرة، ثم استُبدلت. جيء بعبد الله باتيلي، المبعوث الخاص للأمين العام، الذي قرر أنه بدل أن يقول إن ما أنا بحاجة إلى أن أفعله هو أن أدفع بالعملية الحالية إلى أمام، قرر أنه بحاجة إلى وقت. أراد أن يقيّم الوضع وينفذ دبلوماسية مكوكية مع مختلف الأفرقاء. ركّز على الوصول إلى اتفاق بين الخمسة الكبار، لكنه لم يصل إلى مكان في الحقيقة.
الخمسة الكبار
* من هم الخمسة الكبار؟
– هم: رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (حل محله أخيراً خالد المشري الذي شغل هذا المنصب سابقاً)، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر.
هؤلاء هم الخمسة الكبار. في نهاية المطاف، خطة باتيلي وصلت إلى هذه النقطة: نحن بحاجة إلى أن نجمع الخمسة حول الطاولة، وأن يُتوصل إلى اتفاق بينهم على ما سيحدث بعد ذلك. لكنه لم يتمكن من جمعهم، ولم تنجح خطته. لم يحصل على اتفاق بين الخمسة الكبار؛ لأن كل واحد منهم رسم الحدود التي يحدّ نفسه بها. الدبيبة، مثلاً، قال إنه لن يشترك في عملية (سياسية) إذا كان الهدف من النقاش هو تشكيل حكومة جديدة، فذلك سيعني أن هذه الحكومة ستحل محله. حفتر، من جهته، صار يقول إنه إذا جاءت حكومة الوحدة الوطنية فحكومة الشرق يجب أن تأتي أيضاً. صار كل طرف يضع الحواجز أمام النقاشات. هذا دفع باتيلي إلى تقديم استقالته؛ حيث لم يكن هناك شيء يمكن البناء عليه.
هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه.
ولكن في الحقيقة في حين أن اللاعبين الخمسة الكبار يبدون كأنهم أعداء، إلا إنهم في الواقع يعملون بعضهم مع بعض بطريقة ما… فمثلاً حفتر والدبيبة لديهما تفاهم على طريقة تقسيم الأموال التي تُجنى من قطاع النفط.
إشكالية الدجاجة والبيضة
* إذا كانت العملية السياسية ميتة، كما تقول، فكيف تبدو المرحلة المقبلة؟
– نحن الآن في وضع «الدجاجة أولاً أم البيضة». كثير من الأطراف الليبية يقول إننا بحاجة إلى حكومة جديدة، وإن الطريق الوحيدة للخروج من النفق تكون بحكومة جديدة. دعونا ننسَ الانتخابات. نريد حكومة مؤقتة تعالج المشكلة. الذي حصل هو أنه عندما عُيّنت حكومة فتحي باشاغا، فإن اللاعبين الدوليين لم يقبلوا بها، وهكذا عدنا إلى وضع حكومتين متنافستين. قيام حكومة جديدة بحاجة إلى الحصول على دعم دولي مسبق من أجل دفع العملية قدماً. إما أن تكون هناك عملية للأمم المتحدة تنتج عنها حكومة جديدة، وإما يضع الليبيون عملية تقول الأطراف الدولية إنها ستدعمها مسبقاً، من أجل تحقيق تقدم وتشكيل حكومة جديدة.
عقيلة صالح وآخرون يعتقدون أنهم بحاجة إلى موافقة دولية على ما ينوون فعله. لكن الأطراف الدولية مترددة. تعتقد أن هناك ضرورة لحدوث إجماع ليبي أولاً، بعد ذلك يدعم الدوليون أي شيء يتفق عليه الليبيون.
ولذلك؛ فإن «إشكالية الدجاجة والبيضة» هي أن الدوليين ينتظرون الليبيين كي يتحركوا أولاً، فيما ينتظر الليبيون الدوليين أن يتحركوا. وفي الوقت ذاته هناك كل هذه التحركات ضمن المعسكرات المتنافسة التي تحاول ضمان أن تبقى في السلطة وأن يكون هناك غطاء أمني لها أو تقوم بعقد اتفاقات من أجل ذلك. كل هذه الأمور تحدث، ولكن العملية السياسية لا تتقدم.
المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
حكم عائلات
* هل يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام بين شرق ليبيا وغربها إلى تقسيم فعلي للبلد… فنحن نتحدث عن حكومتين تتقاسمان ليبيا منذ سنوات؟
– لا أعتقد ذلك. الترابط بين شرق ليبيا وغربها أعمق مما يعتقده كثير من الناس، والصورة يجري تبسيطها، ولكنني أشعر أن ما نتحدث عنه اليوم هو وجود حكّام محددين… حكم عائلات مستفيدة. ما يحدث في شرق ليبيا هو أن الناس الذين في السلطة لديهم ارتباطات عائلية (بالمشير حفتر). في المقابل في حكومة الوحدة الوطنية، عائلة الدبيبة عززت حجم مكتب رئيس الحكومة، وعينت أشخاصاً في مناصب مختلفة لديهم ارتباطات بعائلته.
وهكذا يمكن الحديث عن ارتباطات عائلية وتنافس بين عائلات وشبكات تحاول أن تسيطر على مراكز أساسية في الدولة، أكثر مما يمكن أن نتحدث عن تنافس بين الشرق والغرب.
قضية المقاتلين الأجانب
* وكيف ترى الآن دور الروس و«الفيلق الأفريقي (فاغنر سابقاً)» في الشرق، ودور تركيا والمرتزقة السوريين المرتبطين بها في الغرب؟
– نظام القذافي سعى في عام 2011 إلى توظيف مقاتلين أجانب ومرتزقة في القتال من أجل تأييد قضيته. هناك مقاتلون أجانب ومرتزقة يقاتلون في ليبيا منذ عام 2011. جاءوا من دارفور بالسودان ومن تشاد (ومناطق أخرى). يلعبون أحياناً أدواراً أساسية، وبعضهم يلعب أدوار عصابات. ولكن في السنوات الأخيرة حدث تغيير كبير، خصوصاً بعد محاولة حفتر السيطرة على طرابلس في عامي 2019 و2020. وقتها اعتمد حفتر على دفق من مرتزقة «فاغنر» لدعمه في التقدم نحو طرابلس. ازدياد الدعم لحفتر من مرتزقة «فاغنر» دفع بسلطات طرابلس اليائسة إلى السعي للحصول على مساعدة من تركيا التي وقّعت مذكرة تفاهم مع حكومة عبد الحميد السراج (حكومة الوفاق). نتيجة ذلك بات لتركيا الآن وجود ثابت في الغرب. جلبت معها مرتزقة سوريين. في المقابل ثبّت مرتزقة «فاغنر» وجودهم في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر. هؤلاء اللاعبون باتوا حقاً متجذرين في ليبيا. في شرق ليبيا رأينا، بعدما تحوّلت «فاغنر» إلى «الفيلق الأفريقي»، أن العلاقة تحولت إلى نوع من العلاقة بدولة وليست مجموعة مرتزقة. رأينا نائب وزير الدفاع الروسي (يونس بك يفكيروف) يزور شرق ليبيا بانتظام. نعرف أن هناك معدات عسكرية كثيرة تُجلب عبر الشرق. وإقامة روسيا موطئ قدم لها على البحر المتوسط في ليبيا هو مصدر خوف كبير لدى الأميركيين. وأعتقد أن هناك عمليات بناء تطوير تحدث في مرافئ شرق ليبيا. في الخلاصة، عزز حفتر علاقته بالروس، وهذا الأمر يعبّر عن نفسه من خلال تعاون عسكري.
في غرب ليبيا، الوضع أكثر فوضى بالطبع. ليست هناك عائلة واحدة تسيطر على الأجهزة الأمنية. وزارة الدفاع لا تسيطر على كل الأجهزة الأمنية. تركيا دعمت جماعات معيّنة، لا سيما «اللواء 444» بقيادة محمود حمزة في طرابلس. نفذت تركيا كثيراً من التدريبات (لهذه الفرقة) ووفرت معدات. كما أنها تسلمت السيطرة على قاعدة الوطية الجوية (في غرب ليبيا قرب الحدود التونسية).
والحقيقة أن تركيا لن تذهب إلى أي مكان. وروسيا لا يبدو أنها ذاهبة إلى أي مكان أيضاً. بطريقة ما؛ وجود هذه القوات الأجنبية جعل إمكانية وقوع حرب واسعة في ليبيا مستبعدة… الثمن سيكون مرتفعاً. حفتر لا يستطيع أن يتقدم نحو طرابلس؛ لأنه سيواجَه بالقوات المسلحة التركية. في المقابل، عندما ظن المصراتيون أن بإمكانهم أن يتقدموا شرقاً وينهوا حفتر (بعد هزيمته عسكرياً بمساعدة تركيا في معركة طرابلس) منعهم وجود الطائرات الروسية و«الخط الأحمر» المصري (مصر وقتها أعلنت «خطاً أحمر» يمتد من سرت حتى الجفرة وحذرت قوات الغرب من قطعه للهجوم على الشرق).
وعلى هذا الأساس، وجود المقاتلين الأجانب بات جزءاً من المشهد، وسيبقى كذلك في المدة المقبلة.
قوات من الجيش الليبي في راس لانوف عام 2018 (رويترز)
خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس
* بعكس الشرق حيث هناك الجيش الوطني بقيادة حفتر، خريطة توزيع الجماعات المسلحة غرب ليبيا تبدو معقدة. فلمن الغلبة هناك اليوم؟
– الصورة غير واضحة (لمن الغلبة). في طرابلس كان هناك في عام 2016 عدد كبير من الجماعات المسلحة كل منها يسيطر على منطقة. لكن الوضع تغير الآن. هناك جماعة عبد الغني الككلي المعروف بـ«غنيوة». قواته («قوة دعم الاستقرار» التابعة للمجلس الرئاسي) هي القوة المهيمنة على منطقة أبو سليم بالعاصمة. وهناك «قوات الردع الخاصة» التي تعرف بـ«الردع». هذه القوة هي المهيمنة في سوق الجمعة بطرابلس. قوات «اللواء 444» كانت لديها علاقة صعبة بـ«قوة الردع»، وهي تتمركز أيضاً انطلاقاً من سوق الجمعة. رئيس «قوة الردع» عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي. يُمكن القول إن كارة وغنيوة هما أقوى شخصيتين أمنيتين في طرابلس، بالإضافة إلى محمود حمزة من «اللواء 444». يُضاف إلى هؤلاء الثلاثة وزير الداخلية عماد طرابلسي وهو زنتاني (في غرب ليبيا) ويسيطر على بعض مناطق طرابلس.
هؤلاء هم القوى الأساسية في طرابلس. الأتراك يدعمون على وجه الخصوص «اللواء 444». فكرة الأتراك أنهم يريدون بناء قوات رسمية مدربة ومجهزة عبر سلسلة هرمية من القيادة. في المقابل، هناك كارة؛ الذي، كما أعتقد، كان ميكانيكياً قبل الحرب، و«غنيوة» الذي كان جزاراً. هؤلاء أقوياء كلٌ في المنطقة التي جاء منها حيث ارتبطوا بالثورة. يوصف كل منهم أحياناً بأنه بمثابة «رئيس بلدية» منطقته، مثل أبو سليم، أو سوق الجمعة. هؤلاء ليست لديهم هرمية قيادة نظامية (للمقاتلين التابعين لهم). هم شخصيات سياسية، بالإضافة إلى دورهم الأمني. محمود حمزة، في المقابل، يُنظر إليه على أنه شخصية أمنية (يتبع رئاسة الأركان في حكومة الوحدة الوطنية).
إذا نظرت إلى كل هذه القوى والجماعات المسلحة ترى أنها تتحدث عن ارتباطها بالدولة. «غنيوة» يقول إنه رئيس «قوة دعم الاستقرار». كارة يقول إنه رئيس «الردع» التابعة لوزارة الداخلية. كلهم يقولون إنهم يخضعون للدولة. ولكن في الواقع لديهم استقلالية ذاتية ولديهم برامجهم.
* رغم وجود جماعات مسلحة مختلفة اليوم، فإن الوضع يظل أفضل مما كان عليه قبل سنوات عندما كانت هناك جماعات عدة تسيطر على طرابلس… ألا تعتقد ذلك؟
– سيطرت قوات الزنتان على طرابلس بعد عام 2011، لكنها هُزمت وأُرغمت على الخروج من طرابلس، بعد مواجهة مع قوات كانت بقيادة مصراتة إلى حد كبير. منذ عام 2016 صارت القوات المنتشرة في طرابلس من طرابلس نفسها. هناك قوات من مصراتة حول طرابلس، ولكن القوات المهيمنة حالياً في طرابلس هي قوات طرابلسية. لكن الانقسام والتنافس موجودان في أكثر من منطقة. يمكننا أن نتحدث عن الصراعات بين الجماعات المنتشرة في الزاوية (غرب طرابلس). في الزنتان هناك طرفان؛ أسامة الجويلي الذي هو على اختلاف مع حكومة الوحدة الوطنية، في مقابل عماد الطرابلسي الذي هو وزير داخلية حكومة الوحدة. هناك احتمال أن تصير الزنتان كلها ضد حكومة الوحدة. نصف الزاوية يريد أن تتغير حكومة الوحدة ونصفها يريد بقاءها. مصراتة موحدة إلى حد كبير ضد رئيس حكومة الوحدة (الدبيبة) الذي هو من مصراتة. الصورة صورة فوضى. في راس جدير (الحدود مع تونس) هناك خلاف على من يدير المعبر. الطرابلسي يريد أن تدير قواته المعبر، بينما يقول أمازيغ زوارة: نحن من يسيطر على المعبر.
مسلّحون ضمن قوات موالية لحكومة عبد الحميد الدبيبة في مصراتة (أرشيفية – أ.ب)
التحالفات السياسية… وخلافة حفتر
* رغم هذه الانقسامات، فإنه يبدو أن هناك تغيّرات في التحالفات السياسية. هل يمكنك أن تشرح ما يدور؟
– نرى أموراً عدة تتغير. التغيّر الأكبر هو أنه منذ أن صار للروس والأتراك وجود على الأرض، فقد ازداد نفوذهم. التأثير الإقليمي نما في السنوات الأخيرة. القوى الغربية التي لعبت دوراً أساسياً في ما حدث عام 2011 (إسقاط القذافي) ليس لديها التأثير نفسه على ما يحدث اليوم. هذا تغيّر أساسي.
يمكن أن نشير هنا إلى زيارة الدبيبة إلى الإمارات (التي كانت حكومة الغرب تتهمها بدعم حفتر). الإمارات، كما يبدو، هي التي وصلت إلى اتفاق مع الأتراك حول ما يحدث في قطاع النفط الليبي، الأمر الذي سمح بعقد صفقة بين الدبيبة وحفتر (حول عائدات النفط). اللاعبون الإقليميون هم من يساعد في عقد الاتفاقات بين الأطراف الليبية. هذا هو التغيير الذي حدث. العملية السياسية التي يقودها مبعوثون دوليون باتت اليوم مرتبطة بتجمعات عائلية تبرم «صفقات بيزنس».
* التفاهمات التي تتحدث عنها ربما هي نتيجة للوصول إلى اقتناع بأن أي طرف لا يمكنه هزيمة الطرف الآخر: الدبيبة لا يمكنه هزيمة حفتر، وحفتر لا يمكنه هزيمة الدبيبة؟
– أعتقد أن الدبيبة بالتأكيد وصل إلى اقتناع بأنه لا يمكنه السيطرة على كامل البلاد. وصل إلى اقتناع بأنه لا بد من عقد صفقات وبناء تحالفات. هكذا يكون البقاء في السلطة. كل الجماعات في طرابلس وصلت إلى هذا الاقتناع. لا أعتقد مثلاً أن غنيوة يفكّر في أنه سيذهب إلى بنغازي ويسيطر عليها عسكرياً. الجميع وصل إلى اقتناع بأن هناك منطقة يسيطر كل طرف عليها وأن عليهم بناء تحالفات. الإشكالية هي أن حفتر ربما ما زال يعتقد أنه يستطيع ذلك (السيطرة على كامل ليبيا).
* إذا وصل إلى اقتناع بأنه غير قادر على ذلك، فهل تعتقد أنه يحضّر أحد أبنائه كي يخلفه؟
– صورة الخلافة غير واضحة. صدام حفتر هو الشخص الذي يُذكر كثيراً بوصفه المرتبط بكل ما هو اقتصادي، علماً بأنه شخصية عسكرية قوية (يحمل صدام رتبة «لواء ركن» وهو يرأس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي). لكن شقيقه خالد هو الذي يتعامل مع الروس (يحمل خالد أيضاً رتبة «لواء ركن» وهو رئيس أركان الوحدات الأمنية للجيش). أما بلقسام حفتر فهو الذي يتولى مسؤولية ملف إعادة البناء (يتولى بلقاسم منصب مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا). صدّيق (وهو الابن الأكبر لحفتر) يقدّم نفسه بوصفه دبلوماسياً. إذن هناك اتجاهات مختلفة بين الأبناء في داخل العائلة الواحدة. الصورة معقدة.
تيم إيتون
المحلل المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون (الشرق الأوسط)
تيم إيتون، محلل بارز مختص بشؤون ليبيا في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)
كميل الطويل
صحيفة الشرق الاوسط
محمد يونس… حامل «جائزة نوبل للسلام» و«مصرفي الفقراء» يتولّى حكم بنغلاديش
|
في محاولة لسد الفراغ القيادي في بنغلاديش، ولو بصفة مؤقتة، عُيّنَ محمد يونس الحائز على «جائزة نوبل» والخبير الاقتصادي، كبير مستشاري الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش، وذلك بعدما أدّت انتفاضة شعبية واسعة إلى الإطاحة برئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، وهروبها إلى الهند. وحقاً، أصدر رئيس البلاد، محمد شهاب الدين، قراراً بحل البرلمان البنغالي. وأدت حكومة مؤقتة مكوّنة من 17 عضواً برئاسة يونس اليمين الدستورية يوم 8 أغسطس (آب) الحالي، بعدما تخلّت حسينة عن منصبها، وغادرت إثر أسابيع من الاحتجاجات الطلابية والغضب من نظام الحصص الذي يقتطع نسبة كبيرة من الوظائف الحكومية. وكانت حدة المظاهرات قد اشتدت وتوسّعت إلى تحدٍّ أعنف وأوسع لحكم حسينة الذي اتهم بـ«التسلّط» الزائد. وقُتل في أعمال العنف 400 متظاهر، في حين خلق الفراغ في السلطة تميزاً بالعنف في أجزاء مختلفة من البلاد.
يتولّى الدكتور محمد يونس (84 سنة) قيادة الحكومة المؤقتة في بنغلاديش، وسط شعور عام للمواطنين باشمئزاز عام إزاء الأحزاب السياسية في البلاد. ويتوقع الخبراء السياسيون أنه في تفويضه المحدود زعيماً مؤقتاً، فإنه يواجه مهمات صعبة، أبرزها: إعادة إرساء القانون والنظام، وإعادة بناء الثقة في الدولة، والعمل بفاعلية مع الجيش، وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة. وبالفعل، طلب يونس بعد توليه الرئاسة من المتظاهرين الابتعاد عن العنف، وهدّد بأنه سيستقيل إن لم يمتثلوا.
تعهّدات تغييرية
للعلم، سبق للدكتور يونس وصف الشيخة حسينة بأنها «ديكتاتورة». وعدَّ الإطاحة بها أخيراً «تحريراً ثانياً» لبنغلاديش، عندما علّق «لقد تحررت بنغلاديش… نحن بلد حر الآن».
وحقاً، دعا يونس إلى إجراء تغييرات شاملة قبل إجراء الانتخابات العامة المقبلة، متعهداً: «سننظم انتخابات حرة وتشاركية نزيهة في أسرع وقت ممكن، لاستكمال مهمتنا في إقرار إصلاحات حيوية في لجنة الانتخابات والقضاء والإدارة المدنية وقوات الأمن ووسائل الإعلام». وأردف: «وتُجري حكومتنا أيضاً تغييرات اقتصادية بعيدة المدى؛ هدفها استعادة استقرار الاقتصاد الكلي ودعم النمو، لا سيما أنه في جهدها الحثيث للبقاء في السلطة دمرت ديكتاتورية الشيخة حسينة كل مؤسسات البلاد».
يونس وصف القضاء بأنه «منهار»، واتهم الحكومة السابقة بأنها «سمحت للمحسوبية السياسية بسرقة البنوك ونهب خزائن الدولة»، ورحّب بقرار الأمم المتحدة إرسال بعثة تقصّي حقائق للتحقيق في أحداث العنف الأخيرة، متعهداً بالتعاون الكامل مع التحقيق الدولي.
وحول التطوّرات الأخيرة التي حملت يونس إلى السلطة، قال هارش فاردان شرينغلا، وزير الخارجية الهندي السابق، والمبعوث الهندي السابق إلى بنغلاديش: «إن الاحتجاجات الطلابية الأولية كانت مدفوعة بمظالم مشروعة، خصوصاً ما يتعلق بنظام الحصص وفرص العمل، ولكن سرعان ما تسللت عناصر متشددة إلى الحركة، بينها (الجماعة الإسلامية) وجناحها الشبابي (إسلامي شهاترا شيبير)، ومن ثم اختطفت هذه الجماعات الاحتجاجات، وحوّلتها إلى هجمات عنيفة موجهة ضد الدولة. ومن ثم، فإن تحقيق الاستقرار لا يكمن في معالجة الاقتصاد فحسب، بل أيضاً في فرض الأمن والثقة».
النشأة والمسيرة
ولد الدكتور محمد يونس عام 1940، لأسرة بنغالية مسلمة إبان الحكم الاستعماري البريطاني لشبه القارة الهندية، في قرية باثوا، القريبة من مدينة تشيتاغونغ الساحلية، ثاني كبرى مدن بنغلاديش، وقاعدة جنوب شرقها.
محمد هو الابن الثالث من بين 9 أطفال في عائلة تجارية، وكان والداه يعملان في مجال تجارة المصوغات والمجوهرات. وهو يَنسب الفضل إلى والدته، صوفيا خاتون، لإلهامه بمساعدة الفقراء. وفي سيرته الذاتية «مصرفي الفقراء» قال عنها: «كانت دائماً تضع المال جانباً من أجل أي أقارب فقراء يزوروننا من قرى بعيدة. لقد كانت من خلال اهتمامها بالفقراء والمحرومين، هي التي ساعدتني على اكتشاف مصيري».
وأكمل محمد يونس مرحلة الدراسة الجامعية الأولى متخصصاً في الاقتصاد بجامعة «دكا» بالعاصمة، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة «فاندربيلت» العريقة بولاية تينيسي في الولايات المتحدة. ثم عمل أستاذاً مساعداً في جامعة ولاية تينيسي الوسطى القريبة، وعاد بعد ذلك لتدريس الاقتصاد في جامعة تشيتاغونغ. وفي الفترة الفاصلة، التقى امرأة روسية تُدعى فيرا فورستينكو، التي تزوّجها، وأنجب منها طفلة واحدة سميَّاها مونيكا يونس -وهي مغنية أوبرا شهيرة في الولايات المتحدة- ثم انفصلا بعد ذلك، ومن ثم، تزوّج من زوجته الثانية أفروزي يونس، وهي باحثة في علم الفيزياء بجامعة مانشستر البريطانية، التي أصبحت لاحقاً أستاذة في جامعة جاهانغيربور. ووُلدت ابنتهما دينا أفروز يونس عام 1986.
أما عن أبرز أقاربه الآخرين، فمن إخوته الكبار محمد جهانغير (توفي عام 2019)، وكان ناشطاً اجتماعياً ومذيعاً تلفزيونياً، في حين أخاه الأصغر، الدكتور محمد إبراهيم، أكاديمي لامع، ومؤسس «مركز التعليم الجماهيري للعلوم»، الذي يقدم تعليم العلوم للفتيات الصغيرات في القرى.
نشاطه السياسي
مع اندلاع حرب استقلال بنغلاديش (انفصالها عن باكستان) عام 1971، أدار محمد يونس مركز اتصالات للبنغاليين الذين كانوا ينتظرون الأخبار خارج البلاد. وأطلق نشرة أخبار بنغلاديش في ناشفيل، عاصمة ولاية تينيسي الأميركية، لزيادة الدعم للحركة. ومع قمع القوات الباكستانية حركة الاستقلال (الانفصال)، شارك يونس -الذي كان آنذاك أستاذاً في الولايات المتحدة- في المعركة من الخارج، وحثّ البيت الأبيض على الاعتراف رسمياً ببنغلاديش. وعندما تحقق الاستقلال، عاد يونس إلى الوطن للانضمام إلى الحكومة الجديدة موظفاً في لجنة التخطيط الحكومية، قبل أن تحبطه البيروقراطية المستشرية. ولاحقاً التحق يونس بالعمل الأكاديمي رئيساً لقسم الاقتصاد في إحدى الجامعات المحلية. إلا أنه مع اجتياح المجاعة بنغلاديش عام 1974، أعرب عن شعوره بالرهبة من تدريس «نظريات الاقتصاد الأنيقة»، وسط مجاعة واسعة النطاق، مفضّلاً أن يكون «ذا فائدة لبعض الناس».
ولقد كتب في سيرته الذاتية «بعد عودتي إلى الديار من عدة سنوات في الولايات المتحدة، وجدت صعوبة في تدريس نظريات الاقتصاد الأنيقة داخل قاعات الدراسة الجامعية، على خلفية المجاعة الرهيبة التي ضربت بنغلاديش. وفجأة، شعرت بخواء هذه النظريات في وجه المجاعات والفقر، وأدركت أن الحكومة عاجزة عن سد حاجات الفقراء، ومن ثم فكرت… لماذا لا يستطيع هؤلاء الفقراء تحسين حياتهم الخاصة بأنفسهم؟».
وهكذا، عام 1976، أثناء زيارة له إلى إحدى القرى، أدرك أن الناس يحتاجون معظم الأحيان إلى قروض صغيرة غير تقليدية للصمود مالياً، وتنمية أعمالهم التجارية، ما خلق عنده فكرة القروض الصغيرة. وفعلاً، بدأ إقراض نساء القرى مبالغ صغيرة من ماله الخاص، متيحاً لهن شراء الخيزران لاستخدامه في صنع الأثاث. ولاحقاً، حصل على قروض من بنوك أكبر، وأعاد توزيع المال على شكل قروض صغيرة للفقراء.
ومع نمو المبادرة، ظهرت مجموعة تضم عدداً من الشركات العاملة في صيد الأسماك والزراعة والائتمان المرتبط بالاتصالات ومساعدة الفقراء. وأخيراً، عندما وجد يونس أن الدولة غير راغبة في زيادة حجم القروض الصغيرة المقدمة للفقراء، أسّس مشروعه الاجتماعي الذي عرف بـ«بنك غرامين» (بنك القرية).
مع اجتياح المجاعة بنغلاديش عام 1974 أعرب يونس عن شعوره
بالرهبة من تدريس «نظريات الاقتصاد الأنيقة»
وسط مجاعة واسعة النطاق
«بنك غرامين»
أسّس يونس «بنك غرامين» عام 1983، ليكون مؤسسة تُقرض المال للفئات الأكثر حاجة، من دون الحاجة إلى ضمانات، وأعرب عن اعتقاده بأن تأمين رأس المال اللازم لأي شخص يرغب في إنشاء مشروع تجاري سيساعد في انتشال المستفيدين من الفقر. في البداية، كان من المفترض تقسيم القروض بالتساوي بين الرجال والنساء، لكن يونس سرعان ما لاحظ أن الأموال تُنفق بشكل مختلف: إذ كانت أولويات الرجال إنفاق المال خارج المنزل، في حين أن النساء يعملن على تعظيم العائد من الأموال، ويواصلن الاستثمار في مشاريع جديدة، ويُنفقن المال على الأسرة. وبناءً عليه، بدأ «بنك غرامين» التركيز في المقام الأول على النساء اللاتي سيطلقن مشاريع تجارية صغيرة، مثل تأجير الهاتف المحمول الوحيد في القرية، أو فتح متجر صغير، أو شراء الماشية. وكُنّ يسددن القروض على نحو موثوق به، وغالباً ما يأخذن قروضاً أكبر للسماح لهن بالتوسّع.
اليوم، يُعد «بنك غرامين» عملاقاً مالياً يضم 23 ألف موظف، وعنده 11 مليون مقترض، في 94 بالمائة من قرى بنغلاديش، وقد صرف تراكمياً نحو 39 مليار دولار في شكل قروض؛ معظمها للنساء الفقيرات. كما صار التمويل متناهي الصغر ظاهرة دولية. وبإلهام من البنك، أُطلقت أكثر من 100 دولة نامية في جميع أنحاء العالم خدمات الائتمان الصغير. وإضافة إلى «بنك غرامين»، أنشأ يونس شركات فرعية أخرى مثل «غرامين فون»، وهي أكبر خدمة للهواتف في بنغلاديش، ومنذ ذلك الحين، تقود الشركة قطاع الاتصالات في بنغلاديش، وتخدم أكثر من 85 مليون عميل.
«نوبل»… وأكثر
وبفضل نجاح «بنك غرامين»، منح الدكتور يونس عام 2006 «جائزة نوبل للسلام»، وإلى جانب «جائزة نوبل»، حصل يونس عام 2009 على «وسام الحرية الرئاسي» الأميركي، و«الميدالية الذهبية للكونغرس» عام 2010. وعلى صعيد التقديرات والتكريمات، حاز يونس على عدة جوائز أخرى مرموقة، ونحو 50 درجة دكتوراه فخرية من جامعات من 20 دولة، و113 جائزة دولية من 26 دولة، بما في ذلك أوسمة الدولة من 10 دول. أصدرت الحكومة البنغلاديشية طابعاً تذكارياً تكريماً لـ«جائزة نوبل» التي حصل عليها.
براكريتي غوبتا
صحيفة الشرق الاوسط
الشيخة حسينة ومحمد يونس… الطريق إلى الصدام الأخير
|
تدريجياً، تعود بنغلاديش البالغ عدد سكانها 170 مليون نسمة، جلّهم من المسلمين، إلى الحياة الطبيعية بعد أشهر من الفوضى والاحتجاجات، واستقالة كبار المسؤولين من الشرطة والقضاء وجهاز الخدمة المدنية. ولقد أُطلق سراح معظم أولئك الذين اعتُقلوا إبان الاحتجاجات، وكذلك بعض السجناء السياسيين المحتجزين، بما في ذلك البيجوم خالدة ضياء، المنافسة السياسية التقليدية للشيخة حسينة، رئيسة الحكومة السابقة. وللعلم، نشأت بنغلاديش إثر حرب الانفصال عن باكستان عام 1971. ولكن تأسيس الدولة كان أمراً بالغ الصعوبة، إذ قُتل ما يقرب من 3 ملايين شخص في الحرب، ونزح نحو 10 ملايين شخص إلى الهند، مع نزوح ما يقرب من 30 مليون شخص داخلياً بسبب الصراع. وفاقم من متاعب البلاد السياسية والأمنية أنها تعاني وضعاً محفوفاً بالمخاطر، وحدوداً جغرافية هشة، وتضربها الأعاصير العاتية بانتظام، في حين تشعر في الوقت نفسه بالتأثير المباشر لتغير المناخ وارتفاع مستويات سطح البحر.
وأما بالنسبة للدكتور محمد يونس، ففي حين كان محل إعجاب في مختلف أنحاء العالم لمساعدته الملايين من الناس على الخروج من براثن الفقر، فإنه في وطنه بنغلاديش، أكسبته شخصيته العامة عداء رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، ابنة مؤسس البلاد الشيخ مجيب الرحمن، التي اتهمته ذات مرة بامتصاص دماء الفقراء. وجاء أول اتهام بالاختلاس بحق يونس عام 2010، عندما اتهم توم هاينمان، مخرج الأفلام الوثائقية الدنماركي، الدكتور يونس و«بنك غرامين» في أحد أفلامه بتحويل ملايين الدولارات من أموال المساعدات التي قدمتها الوكالة النرويجية للتعاون الإنمائي (نوراد). وكان عنوان ذلك الفيلم «متورط في الائتمان الصغير».
على الأثر، بدأت حكومة حسينة التحقيقات في أنشطة يونس، وأقصتْه عن منصب المدير الإداري للبنك إثر مزاعم بانتهاك قواعد التقاعد، وكان قد تجاوز ستين عاماً في ذلك الوقت. وأيَّدت محكمة بنغلاديش العليا قرار فصله في أبريل (نيسان) 2011.
الشيخة حسينة واجد… طي صفحة تاريخية وعائلية (روبترز)
يومذاك، اتهمت حسينة «بنك غرامين» باجتذاب مبالغ ضخمة من المساعدات من البلدان الغربية «من دون حدوث تغيير ملموس على أرض الواقع». وتصاعد التأزم في يناير (كانون الثاني) 2024 عندما اتُّهم يونس وثلاثة من زملائه من شركة «غرامين تيليكوم»، وهي واحدة من شركاته العديدة، بانتهاك قوانين العمل لصالح موظفيهم. ويومها حُكم عليهم بالسجن ستة أشهر، لكنَّ محكمة العمل أفرجت عنهم بكفالة، مما أتاح لهم الوقت للاستئناف أمام محكمة أعلى. وفي حينه، علّقت «منظمة العفو الدولية» بالقول إن إدانة يونس كانت «رمزاً لحالة حقوق الإنسان المحاصرة» في بنغلاديش. ولاحقاً، في يونيو (حزيران)، وجهت المحكمة إلى يونس تهمة اختلاس 2.2 مليون دولار من صندوق رعاية العمال التابع لشركة الاتصالات الخاصة به.
معلّقون ومفكّرون سياسيون رأوا أن جذور الصراع بين يونس وحسينة ترجع إلى عام 2007، عندما أعلن يونس اعتزامه تشكيل حزب سياسي، بينما أقدمت حكومة مدعومة من الجيش على سجن حسينة. والمفارقة هنا، أنه قبل ذلك، كان يونس من مناصري والد حسينة، الشيخ مجيب الرحمن. بل وعيّن يونس حسينة -مع السيدة الأميركية الأولى هيلاري كلينتون- رئيساً مشاركاً لـ«قمة الائتمان الصغير» التي عُقدت بين 2 و4 فبراير (شباط) عام 1997، وحينذاك لم يكن لدى حسينة سوى الثناء على يونس والإعجاب به.
مع كل ذلك، انتهت هذه العلاقة الطويلة عام 2007 بعدما كشف يونس عن نيته تشكيل حزب سياسي باسم «ناغوريك شاكتي» (سلطة المواطن) لإنهاء ثقافة الصدام السياسي في بنغلاديش، التي تخللتها فترات من الاضطرابات وفترات من الحكم العسكري.
صحيفة الشرق الاوسط
فرنسا في مواجهة مأزق البرلمان المُعلق والغموض السياسي
|
بعد انتهاء الهدنة السياسية التي كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلنها بسبب الألعاب الأولمبية 2024، عادت الأنظار من جديد إلى «قصر ماتينيون»، حيث مقر رئاسة الوزراء، في انتظار قرار تعيين رئيس حكومة جديد. ذلك أنه بعد مرور أكثر من شهر على استقالة حكومة غبريال آتال لم يُقدم ماكرون بعد على تشكيل الحكومة العتيدة. وبالمناسبة، لم يسبق في تاريخ فرنسا أن استغرق رئيس جمهورية كل هذا الوقت لتعيين رئيس حكومة بعد انتخابات تشريعية. وأيضاً، لم يسبق أن انتُخبت جمعية وطنية (مجلس نواب) مشرذمة كالجمعية الحالية التي لم تتبلور فيها أي غالبية، ما حمل البعض على وصفها بأنها «جمعية خارجة تماماً عن تقاليد الجمهورية الخامسة، ولا أحد يعرف حقاً كيف يقاربها».
لوسي كاستيه (آ ف ب/غيتي)
تتوزّع مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة على 3 تشكيلات سياسية كبرى، هي تحالف «الجبهة الشعبية» اليساري الذي حصل على 182 مقعداً، يليه تحالف «معاً من أجل الجمهورية» الوسطي الموالي للرئيس ماكرون برصيد 168 مقعداً، ثم تكتل اليمين المتطرف الذي يمثله «التجمّع الوطني» وحلفاؤه بـ143 مقعداً، وعلى مسافة بعدها يأتي «حزب الجمهوريين» اليميني بـ60 مقعداً.
وهكذا، نظراً لإخفاق كل من الكتل السياسية في جمع العدد المطلوب من المقاعد لضمان الغالبية المطلقة، وهو 289 مقعداً، من مجموع 577، وجدت البلاد نفسها أمام ما يسمى بمعضلة «البرلمان المعلّق». وهذا يعني احتمال فشل أي كتلة في الحصول على الدعم من الغالبية المطلقة، وبالتالي التعرّض لحجب الثقة الفوري والدخول في مأزق قد يّشل عمل الحكومة وتسيير مؤسسات الدولة.
بنجامان مولير، أستاذ القانون الدستوري في جامعة باريس – السوربون، صرح لصحيفة «ليبيراسيون» شارحاً: «إنها وضعية مضطربة للغاية لأن التصويت بحجب الثقة قد يحدث تكراراً بما أن المطلوب لتحقيق ذلك هو عُشر أعضاء البرلمان فقط». وتابع أن «وضعية كهذه قد تؤدي إلى تعاقب سريع لعدة حكومات، تسقط واحدة تلو أخرى، مع ما قد يترتّب عليه من فوضى سياسية وتعليق لملفات مهمة لا تحتمل التأخير كالهجرة وملف التقاعد والبطالة».
ضغوط اليسار
من جهة ثانية، رغم إعلان الرئيس ماكرون نيته في التمهل، يبقى حسم الموقف أمراً لا بد منه. ولذا تحرّك، فدعا رؤساء الكتل النيابية والتشكيلات السياسية المُمثلة في البرلمان الفرنسي أخيراً إلى مباحثات من أجل التوصل إلى اتفاق بخصوص تشكيل الحكومة العتيدة. خطوة الرئيس هذه حرّكتها الضغوط الشديدة الذي يمارسها تحالف اليسار لتعيين رئيس حكومة، علماً بأن شخصيات بارزة من اليسار أعربت بالفعل عن استيائها من مماطلة الرئيس. واقترح النائب السابق لحزب «فرنسا الأبيّة» اليساري أدريان كاتونس تنظيم مسيرة احتجاجية في اتجاه مقر الحكومة (قصر ماتينيون) إذ نشر على منصّة «إكس» ما يلي: «إنذار! ماكرون يريد أن يسرق منا الفوز، وهو يراوغ من أجل عرقلة تطبيق برنامج الجبهة الوطنية. صاحب السيادة الوحيد هو الشعب وهو الوحيد القادر على إيقافه، فلماذا لا ننظم مسيرة شعبية كبيرة نحو ماتينيون؟».
الفكرة لقيت أصداء عند شخصيات أخرى، كالنائب لوي بوايار الذي دافع عنها بعدما كان قد اتهم حزب «فرنسا الأبية» بمحاولة زرع الفوضى وتكرار «سيناريو» أحداث «الكابيتول»، مقرّ مجلسي الكونغرس الأميركي، في قلب العاصمة الفرنسية. وصّرح هذا الأخير لقناة «بي إف إم» الإخبارية بالقول: «أنا خائف على بلادي. نحن أمام رئيس جمهورية خسر رهان الانتخابات، لكنه يواصل تنسيق التحالفات وكأن الشعب الفرنسي لم يقترع. وحين ندعو لتنظيم مسيرة للمطالبة باحترام الديمقراطية، يقال لنا أنتم تحثّون على الفوضى، بينما الفوضى الحقيقية هي ما يفعله الرئيس الذي لا يحترم الديمقراطية، وكأنه يريد من الفرنسيين أن يمحوا من ذاكراتهم أنهم شاركوا في انتخابات تشريعية مبكرة».
شخصيات أخرى، كأبرز زعماء تحالف اليسار جان لوك ميلونشون، وماتيلد بانو رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب «فرنسا الأبية»، وإيمانويل بومبار الناطق الرسمي باسم الحزب ذهبوا أبعد من ذلك، إذ نشروا بياناً في صحيفة «لا تريبون» يوم 18 أغسطس (آب) الحالي بعنوان «إقالة الرئيس بدلاً من الرضوخ»، ورد فيه تهديد واضح باللجوء إلى المادة 68 من الدستور الفرنسي التي تنّص على إمكانية طلب إقالة الرئيس بتهمة الإخفاق في مهامه، منها الامتناع عن تعيين رئيس حكومة. وممّا تضمنه البيان المنشور في «لا تريبون» قول أصحابه إنه تجب «معاقبة» المتسبب في إساءة استخدام السلطة. ولكن هنا، لا يشارك حزب اليسار الاشتراكي حلفاءه فكرة «الإقالة»، وبدلاً من ذلك أعلن أوليفييه فور، زعيم الكتلة الحزبية، أنه في حالة ما إذا رفض الرئيس تعيين الشخصية التي اختارها تحالف اليسار رئيساً للحكومة العتيدة فإن الحزب سيستعمل ورقة «حجب الثقة».
لوسي كاستيه… الخيار الوحيد!
في هذا السياق، وباعتبار أن «الجبهة الشعبية» هي اليوم القوة السياسية الأكبر تمثيلاً في البرلمان، فإن التقليد المتداول في السياسة الفرنسية هو أن يختار رئيس الجمهورية رئيساً للحكومة من هذه المجموعة. ولذا اقترحت قوى «الجبهة»، بعد مشاورات حثيثة استغرقت أسبوعين اسم لوسي كاستيه (37 سنة)، وهي موظفة عالية الرتبة في بلدية باريس، رئيسة للحكومة العتيدة. وحقاً، أطلقت كاستيه حملة إعلامية واسعة لتقديم نفسها إلى الفرنسيين على أساس أنها شخصية من المجتمع المدني، وبالتالي، غير معروفة على نطاق شعبي. وشرحت بالتفصيل في حوار على صفحات صحيفة «ليبيراسيون» الاستراتيجية التي تنوي اعتمادها للحكم، حتى دون أغلبية مطلقة. وفي مقال آخر بصحيفة «لا تريبون» قدّمت كاستيه خطّتها لإنعاش الاقتصاد الفرنسي الذي يشهد حالياً ركوداً، كما استضافتها وسائل إعلام سمعية وبصرية، وشاركت في المشاورات التي نظمتها الرئاسة. ولكن، مع أن كاستيه تبدو مستّعدة لتسلّم مهامها، فالأمور ليست بهذه البساطة، فالرئيس ماكرون لا يعدّ أن هناك فائزاً في هذه الانتخابات. وأعلن هذا في رسالة إلى الفرنسيين يوم 10 يوليو (تموز) حين قال حرفياً: «لم يفز أحد في هذه الانتخابات». ومن هذا المنطلق، يتجه ماكرون نحو اختيار شخصية يرى أنها تستطيع قيادة حكومة تمثل بأفضل صورة القوى السياسية الرئيسة في البلاد، رافضاً الاكتفاء باقتراح تحالف اليسار. عدة أسماء وردت في هذا السياق، أهمها شخصية كزافييه برتران، السياسي البارز في حزب «التجمع الجمهوري» (اليمين) وكان قد رحّب بالفكرة، إذ أكّد عبر عمود في صحيفة «لو فيغارو» يوم 6 أغسطس الحالي أنه «جاهز للتحدي». كذلك من الأسماء التي تملك حظاً طيباً في ترؤس الحكومة اسم برنار كازنوف، وهو رئيس حكومة من عهد رئاسة فرنسوا هولند، وهو ينتمي كهولند للحزب الاشتراكي ويتمتع بخبرة كبيرة، وهو أيضاً رحّب بالفكرة، فأجاب على سؤال طرحه إعلامي بأنه «سيكون دائماً جاهزاً». غير أن أياً من الشخصيات المتداولة أسماؤها لم تحظَ بموافقة اليسار الذي لا يزال متشبثاً بخيار كاستيه، على اعتبار أنها «الأكثر شرعية» من وجهة نظرهم.
ماذا يقول القانون؟
في سياق موازٍ، خلال حوار مع صحيفة «لي زيكو» أوضح جوليان بوني، أستاذ القانون في جامعة مونبلييه، أنه «لا شيء في الدستور الفرنسي يُلزم الرئيس بتعيين مرشحة تحالف اليسار، فهو قانونياً حّر في التصرف، بيد أن واقع النتائج الانتخابية قد يفرض قيوداً بحكم أنه تعبير عن الإرادة الشعبية». وأردف بوني: «لكن إذا افترضنا أن الرئيس أقدم على تعيين شخصية من خارج تحالف اليسار، فإن الحكومة ستكون بالتأكيد قصيرة الأجل، لأنها ستكون معرضة لتصويت الغالبية من أجل إسقاطها».
وأضاف خبير قانوني آخر، هو بنجامان موريل من جامعة باريس – السوربون، في مداخلة على قناة « بوبليك سينا»، ما يلي: «جرت العادة أن يُعين رئيس الجمهورية رئيساً للحكومة من الكتلة السياسية التي تتمتع بالغالبية المطلقة، وهذا ليس وضعنا اليوم… فـ(الجبهة الشعبية) تشكل غالبية جّد نسبية، وهذا أمر غير مسبوق. ففي الانتخابات التي نظمت في 1988 و1993 ظهرت غالبية نسبية أيضاً، لكنها كانت واسعة جداً، أما اليوم فإن (الجبهة الشعبية) ينقصها أكثر من 100 مقعد للوصول إلى الغالبية المطلقة».
إلى متى يستطيع الرئيس الاستمرار في مشاوراته قبل إعلان قرار التعيين؟ حتى بالنسبة لهذه النقطة لا يبدو أن الدستور الفرنسي قد حدّد مدة معينة للتفكير، وهو ما يستغله الرئيس ماكرون من أجل المماطلة وربح الوقت.
في عمود بصحيفة «لوموند» تحت عنوان «يجب على إيمانويل ماكرون أن يتوقف عن المماطلة» نقرأ ما يلي: «مرت أكثر من 6 أسابيع على الانتخابات التشريعية، ولا توجد بعد حكومة في فرنسا (…) مثل هذه الوضعية توّلد عواقب خطيرة، فبحجة تصريف الشؤون الجارية، تتخذ الحكومة المستقيلة، من دون أي شرعية ديمقراطية قرارات مهمة، كتلك التي تخص الميزانية المالية لـ2025».
وبالفعل، كانت قضية الميزانية بالذات موضوع جدل كبير، بعدما وجّه غبريال آتال، المكلف منذ 16 يوليو بتصريف الأعمال، الرسائل التي تحدد سقف الأموال والوظائف الممنوحة لكل وزارة، في مبادرة أوضح مكتبه أن هدفها السماح للفريق الحكومي المقبل بوضع ميزانية، بينما ندّد اليسار بـ«فضيحة حقيقية» وخطوة «مذهلة»، منتقداً الاستمرار في سياسة «التقشف».
البعض انتقد أيضاً قلة احترام الجدول الزمني في إقرار ميزانية 2025، الحاصل تقليدياً في منتصف أغسطس الحالي، ودراستها في البرلمان في الأول من أكتوبر (تشرين الأول). إلا أن الأمر مختلف اليوم، بما أن الحكومة الانتقالية لم تقدّم الوثائق في الوقت المطلوب، ما يُعدّ إنذاراً سيئاً تتلقاه الأسواق المالية من فرنسا، حيث تؤثر الشكوك السياسية سلباً على الأوضاع الاقتصادية.
فريق آخر من المراقبين يرى أن ماكرون يماطل في اتخاذ قرار التعيين لأنه يرفض مواجهة الحقيقة، وكأن الانتخابات التي دعا هو إليها لم تحدث، وبذا يُبقي على سياسته الراهنة دون إحداث أي تغيير. كذلك، من الواضح أن الرئيس يريد «كسب الوقت»، لإضعاف حزب «فرنسا الأبيّة» أكبر قوى المعارضة، مراهناً على «انقسامات اليسار»، وآملاً بأنه مع مرور الوقت سيتصّدع صرح التحالف اليساري وسيضطر الاشتراكيون والخُضر للانفصال عن «فرنسا الأبيّة» للدخول إلى الائتلاف الحكومي.