1

لما لا تستطيع الولايات المتحدة التخلّي عن دعم إسرائيل؟

في أولى تصريحاتها الساخطة على انتهاك سيادتها على أراضيها، وجّهت طهران أصابع الاتهام لواشنطن، ملمحة إلى علمها المسبق بعملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، مشيرة في بيان صادر عن خارجيتها إلى “مسؤولية واشنطن كشريك لإسرائيل”.

وعلى الرغم من إنكار البيت الأبيض لعلم الولايات المتحدة المسبق بعملية الاغتيال، وتصريحه الذي جاء ضمنيًا ضد الخطوة الإسرائيلية، إذ صرّح بايدن بأنها “لن تفيد إسرائيل في المفاوضات”، إلا أن الشراكة التي تجمع بينهما ستضعها دائمًا في موقع الشريك، فهل يبالغ من يقول بأن الولايات المتحدة تعمل على حماية إسرائيل طوال الوقت؟

لمن تذهب المليارات؟

بالأرقام، إسرائيل هي الدولة التي حصلت على أكبر قدر من المساعدات من الولايات المتحدة طوال تاريخ الأخيرة، ومن جميع النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية. فمنذ تأسيسها، تلقت إسرائيل مساعدات أمريكية تقدر بأكثر من 310 مليار دولار في شكل مساعدات اقتصادية وعسكرية، بحسب “Visual Capital“.

وبحسب “CFR” مجلس المساعدات الخارجية، وهو مؤسسة بحثية مستقلة غير حزبية تأسست في 1921، فقد تركزت المساعدات الأمريكية في السنوات الأخيرة بشكل كبير على الدعم العسكري.

وفي عام 2016، وقّعت الولايات المتحدة وإسرائيل مذكرة تفاهم لتوفير 3.8 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية لإسرائيل، تستمر حتى عام 2028. هذه المساعدات تشمل تمويل برامج الدفاع الصاروخي مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” و”سهم 2″، حيث تشارك الولايات المتحدة في البحث والتطوير والإنتاج لهذه الأنظمة.

بعد الحرب على قطاع غزة في تشرين الثاني/ أكتوبر 2023، أقر الكونغرس الأمريكي تشريعات لتقديم مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 12.5 مليار دولار. 

بالأرقام، إسرائيل هي الدولة التي حصلت على أكبر قدر من المساعدات من الولايات المتحدة طوال تاريخها، فمنذ تأسيسها، تلقت إسرائيل مساعدات أمريكية تقدر بأكثر من 310 مليار دولار في شكل مساعدات اقتصادية وعسكرية

تضمنت هذه المساعدات 3.8 مليار دولار من الميزانية المعتادة، بالإضافة إلى 8.7 مليار دولار من تشريع إضافي تم تمريره في نيسان/ أبريل 2024. بحيث تستخدم إسرائيل هذه المساعدات لشراء معدات وخدمات عسكرية أمريكية، وتشكل حوالي 15% من ميزانية الدفاع الإسرائيلية.

ماذا تعني “QME” ولماذا هو ملزم للولايات المتحدة؟

بحسب المصادر السابقة، تعني التفوق العسكري النوعي وهي اختصار وترجمة لـ(Qualitative Military Edge).

هذا المفهوم يشير إلى التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على قدرة إسرائيل العسكرية على التفوق في مواجهة أي تهديدات عسكرية تقليدية من الدول أو الجماعات غير الحكومية في المنطقة.

يهدف “QME” إلى “ضمان أن تكون لإسرائيل القدرة على الدفاع عن نفسها بفعالية ضد أي هجوم محتمل، مع تحقيق الحد الأدنى من الخسائر والأضرار على اعتبارها جزءًا من السياسة الأمريكية في المنطقة، والحليف الأساسي في الشرق الأوسط”.

ففي عام 2008، أقرّ الكونغرس الأمريكي تعديلًا لقانون مراقبة تصدير الأسلحة (AECA) يلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” (QME) لإسرائيل. يعني هذا أن أية مبيعات لأية أسلحة أمريكية لدول الشرق الأوسط الأخرى مثل السعودية والإمارات ومصر والأردن يجب أن لا تقوّض تفوّق إسرائيل العسكري في المنطقة.

كما يتطلب القانون أن يقدم الرئيس الأمريكي أو من ممثله المعتمد شهادة للكونغرس توضح قدرة إسرائيل على التعامل مع التهديدات المتزايدة وكيفية تأثير نقل الأسلحة على التوازن الاستراتيجي والتكتيكي في المنطقة. وبكلمات أخرى فأي رئيس أمريكي ملزم بالإيفاء بهذا التعهد القانوني، وبغض النظر عن توجهه أو رأيه، لأن هذه المساعدات الأمنية “تعتبر جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الأمريكية لضمان الاستقرار الإقليمي وردع التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط” بحسب مسببات القانون.

لكن العلاقة التي تبدو مثالية بين الحليفتين، لا تخلو من خلافات، إنما لم يحدث أن وصلت الخلافات بينهما إلى حد الأزمة الدبلوماسية أو التصريحات المتبادلة، تالياً بعض القضايا الأساسية التي تظل محل خلاف بين الحليفتين.

خلافات بسبب القضية الفلسطينية

بحسب “جيروزالم بوست” فإن أبرز القضايا الخلافية هي المستوطنات، فبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، صرحت الولايات المتحدة بأنها تنظر إلى بناء المستوطنات كعائق أمام السلام. لكنها رغم ذلك، لم تصفها ولو لمرة واحدة بأنها “غير قانونية”، وذلك لتجنب فرض عقوبات دولية على إسرائيل. 

برغم الخلافات حول الاستيطان والبرامج النووي الإيراني والعلاقات الصينية، لكن تظل برامج التجسس الإسرائيلية هي المشكلة الكبرى للولايات المتحدة مع إسرائيل.

ففي عهد الرئيس جورج بوش الأب، تم ربط المساعدات المالية الأمريكية لإسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات. ورغم ذلك، أعطت إدارة كلينتون لاحقًا استثناءات لهذا الأمر في بعض الحالات. في عهد أوباما، امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت في مجلس الأمن في قرار يدين المستوطنات، ما اعتُبر توبيخًا غير مباشر لإسرائيل.

كما شكّل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018 نقطة خلاف لاحقة انتقلت إلى تركة إدارة بايدن، فاعتراف الرئيس ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، كان قد أثار استياء المجتمع الدولي والفلسطينيين. في المقابل، تدعم إدارة بايدن أو الديمقراطيين بشكل أدق إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية لتعزيز العلاقات مع الفلسطينيين، وهو ما تعارضه إسرائيل بشدة وتعتبره نقطة خلاف.

كذلك يسبب الدعم الأمريكي لبعض منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في الضفة الغربية، والتي تصنّفها إسرائيل منظمات إرهابية نقطة خلاف غير محلولة.

خلافات بسبب إيران والصين

ثاني القضايا الخلافية هي العلاقات الأمريكية الإيرانية بالطبع، والاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 الذي قادته إدارة أوباما. والذي تعتبر إسرائيل أنه لا يحد بشكل كاف من القدرات النووية الإيرانية ويمثل تهديداً لأمنها.

في المقابل، دعمت الولايات المتحدة الاتفاق كوسيلة لردع إيران عن تطوير أسلحة نووية عبر الدبلوماسية بدلًا من العمل العسكري. هذا التوتر استمر حتى بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق في 2018، وهو ما لاقى ترحيباً إسرائيلياً. 

في عام 2008، أقرّ الكونغرس الأمريكي تعديلًا لقانون مراقبة تصدير الأسلحة (AECA) يلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” (QME) لإسرائيل. يعني هذا أن أية مبيعات لأية أسلحة أمريكية لدول الشرق الأوسط الأخرى مثل السعودية والإمارات ومصر والأردن يجب أن لا تقوّض تفوّق إسرائيل العسكري في المنطقة

وعلى الجانب الآخر، ليست الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر المعجبين بالتطور السريع للعلاقات الإسرائيلية الصينية، حيث أعربت أمريكا عن مخاوفها بشأن العلاقات الاقتصادية بينهما، وضغطت على إسرائيل لتقليص تعاملاتها التجارية مع الصين، خاصة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية.

التجسس… نقطة خلاف كبرى

برامج التجسس الإسرائيلية قد تكون نقطة الخلاف الأكبر، نظراً لعدم وجود طرف ثالث في المعادلة كالإيرانيين والصينيين والفلسطينيين ولدخولها في جوهر العلاقة بين الحليفتين.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، فرضت إدارة بايدن في سابقة أمريكية عقوبات على شركتين إسرائيليتين لصناعة برامج التجسس، هما “NSO Group” و”Candiru”. ووُضعت الشركتان في القائمة السوداء من قبل وزارة التجارة الأمريكية، مما يمنعهما من شراء التكنولوجيا الأمريكية الضرورية لتطوير برمجياتهما.

وقد صرّح نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية حينها بالقول: “نحن نتطلع إلى مزيد من المناقشات مع حكومة إسرائيل لضمان عدم استخدام منتجات هذه الشركات لاستهداف مدافعي حقوق الإنسان والصحافيين وآخرين لا ينبغي استهدافهم”.

وتم اتهام شركة “NSO” بتطوير برامج تجسس مثل “Pegasus”، التي استُخدمت لاختراق الهواتف المحمولة للنشطاء والصحافيين والمعارضين في عدة دول. أكدت تقارير صحافية واستقصائية أن بعض الحكومات استخدمت هذه التكنولوجيا لمراقبة الخصوم السياسيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

كما رفعت شركة “Apple” دعوى قضائية ضد “NSO”، متهمة إياها بانتهاك الخصوصية باستخدام برامج التجسس الخاصة بها.

كم مرة استخدمت الولايات المتحدة حق النقض لصالح إسرائيل؟

منذ تأسيس الأمم المتحدة استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو 83 مرة، 46 منها لصالح إسرائيل بشكل مباشر، وهي التالية بحسب موقع مجلس الأمن، وبحسب المكتبة اليهودية الافتراضية:

1. 10 أيلول/سبتمبر 1972، وكان موضوع الجلسة الشكوى بشأن العدوان الإسرائيلي ضد لبنان.

2. 26 تموز/يوليو 1973 – وكان موضوع الجلسة إدانة الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية.

3. 8 كانون الأول/ديسمبر 1975 – وكان موضوع الجلسة إدانة الغارات الجوية الإسرائيلية ضد لبنان.

4. 26 كانون الثاني/يناير 1976 – وكان موضوع الجلسة الدعوة إلى انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية.

5. 25 آذار/مارس 1976 – وكان موضوع الجلسة الدعوة لحماية الأماكن المقدسة.

6. 29 حزيران/يونيو 1976 – وكان موضوع الجلسة تأكيد حق العودة والسيادة الفلسطينية في فلسطين.

7. 30 نيسان/أبريل 1980 – وكان موضوع الجلسة تأكيد الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

8. 20 كانون الثاني/يناير 1982 – وكان موضوع الجلسة دعوة لإلغاء الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان.

9. 2 نيسان/أبريل 1982 – وكان موضوع الجلسة التنديد بانتهاك إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة.

10. 20 نيسان/أبريل 1982 – وكان موضوع الجلسة إدانة العدوان على جبل الهيكل.

11. 8 حزيران/يونيو 1982 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل لسحب قواتها من لبنان.

12. 26 حزيران/يونيو 1982 – وكان موضوع الجلسة المطالبة بوقف فوري للعمليات العدائية في لبنان.

13. 6 آب/أغسطس 1982 – وكان موضوع الجلسة إدانة إسرائيل لعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.

14. 2 آب/أغسطس 1983 – وكان موضوع الجلسة تحديد بناء المستوطنات الإسرائيلية كغير قانوني.

15. 6 أيلول/سبتمبر 1984 – وكان موضوع الجلسة الدعوة لاحترام السيادة والاستقلال اللبناني.

16. 12 آذار/مارس 1985 – وكان موضوع الجلسة إدانة الإجراءات الإسرائيلية ضد المدنيين في جنوب لبنان.

17. 13 أيلول/سبتمبر 1985 – وكان موضوع الجلسة إدانة التدابير القمعية التي تتخذها إسرائيل ضد السكان العرب.

18. 17 كانون الثاني/يناير 1986 – وكان موضوع الجلسة إدانة الممارسات الإسرائيلية ضد المدنيين في جنوب لبنان.

19. 30 كانون الثاني/يناير 1986 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل لاحترام الأماكن المقدسة الإسلامية.

20. 6 شباط/فبراير 1986 – وكان موضوع الجلسة إدانة إسرائيل لاعتراضها طائرة ليبية.

21. 1 شباط/فبراير 1988 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل للالتزام باتفاقية جنيف الرابعة.

22. 15 نيسان/أبريل 1988 – وكان موضوع الجلسة حث إسرائيل على احترام اتفاقية جنيف الرابعة.

23. 10 أيار/مايو 1988 – وكان موضوع الجلسة إدانة غزو القوات الإسرائيلية لجنوب لبنان.

24. 14 كانون الأول/ديسمبر 1988 – وكان موضوع الجلسة إدانة الهجوم الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.

25. 17 شباط/فبراير 1989 – وكان موضوع الجلسة إدانة سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي المحتلة.

26. 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 – وكان موضوع الجلسة شجب السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. 

منذ تأسيس الأمم المتحدة استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو 83 مرة، 46 منها لصالح إسرائيل بشكل مباشر. 

27. 31 أيار/مايو 1990 – وكان موضوع الجلسة لجنة للتحقيق في مقتل سبعة عمال فلسطينيين.

28. 17 أيار/مايو 1995 – وكان موضوع الجلسة تأكيد مصادرة إسرائيل لأراضٍ في القدس الشرقية كغير صالحة.

29. 7 آذار/مارس 1997 – وكان موضوع الجلسة دعوة السلطات الإسرائيلية للامتناع عن جميع أنشطة الاستيطان.

30. 21 آذار/مارس 1997 – وكان موضوع الجلسة المطالبة بوقف بناء المستوطنات في القدس الشرقية.

31. 27 آذار/مارس 2001 – وكان موضوع الجلسة الدعوة لإرسال قوة مراقبة للأمم المتحدة في الضفة الغربية وغزة.

32. 14 كانون الأول/ديسمبر 2001 – وكان موضوع الجلسة المطالبة بوقف فوري للعنف الإسرائيلي الفلسطيني.

33. 20 كانون الأول/ديسمبر 2002 – وكان موضوع الجلسة إدانة إسرائيل لقتل موظفي برنامج الأغذية العالمي.

34. 16 أيلول/سبتمبر 2003 – وكان موضوع الجلسة مطالبة إسرائيل بوقف تهديدات طرد ياسر عرفات.

35. 14 تشرين الأول/أكتوبر 2003 – وكان موضوع الجلسة السعي لمنع إسرائيل من توسيع الجدار الأمني.

36. 25 آذار/مارس 2004 – وكان موضوع الجلسة إدانة إسرائيل لقتل زعيم حماس أحمد ياسين.

37. 5 تشرين الأول/أكتوبر 2004 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل لوقف عمليات غزة.

38. 13 تموز/يوليو 2006 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل لوقف عمليات غزة.

39. 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2006 – وكان موضوع الجلسة دعوة إسرائيل لوقف عمليات غزة.

40. 18 شباط/فبراير 2011 – وكان موضوع الجلسة إدانة المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت منذ عام 1967 كغير قانونية.

41. 18 كانون الأول/ديسمبر 2017 – وكان موضوع الجلسة اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

42. 1 حزيران/يونيو 2018 – وكان موضوع الجلسة إدانة العنف الإسرائيلي ضد المتظاهرين خلال “مسيرة العودة الكبرى”.

43. 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023 – وكان موضوع الجلسة الدعوة لوقف إنساني شامل ومحترم في غزة.

44. 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 – وكان موضوع الجلسة دعوة لوقف فوري لإطلاق النار في غزة.

45. 20 شباط/فبراير 2024 – وكان موضوع الجلسة الدعوة لوقف إطلاق النار في غزة.

46. 18 نيسان/أبريل 2024 – وكان موضوع الجلسة الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.

موقع رصيف 22




هل ينجح نتنياهو في جرّ إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية؟

عمليتا اغتيال الزعيم السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية في طهران، وفؤاد شكر، أحد كبار قادة حزب الله في بيروت، قد تكونان مصممتين لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعض الانتصارات، والانعطاف نحو إنهاء الحرب في غزّة، أو قد تشيران إلى نواياه لتصعيد الصراع، وربما جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إيران وحزب الله، حسب نائب رئيس معهد الشرق الأوسط للمشاركة الدولية، بول سالم.

خيار التصعيد هو الأرجح، يقول الزميل الأقدم للشؤون الإسرائيلية في المعهد، نمرود غورين، “نظراً إلى تصرفات نتنياهو ورسائله خلال الأشهر الأخيرة، والتي لا ترجّح أولوية التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار على جدول أعماله”. يوافقه الرأي، مدير برنامج فلسطين والشؤون الفلسطينية الإسرائيلية في المعهد، خالد الجندي، بقوله: “يجب أن تضع التطورات الأخيرة حدّاً لفكرة اهتمام نتنياهو بوقف إطلاق النار أو بمساعيه لتجنّب حرب إقليمية شاملة. والسؤال الآن: كيف ستستجيب واشنطن لهذه الأزمة الأخيرة؟”.

“يجب أن تضع التطورات الأخيرة حدّاً لفكرة اهتمام نتنياهو بوقف إطلاق النار أو بمساعيه لتجنّب حرب إقليمية شاملة. والسؤال الآن: كيف ستستجيب واشنطن لهذه الأزمة الأخيرة؟”.

واشنطن ستساعد إسرائيل في صدّ هجوم إيراني محتمل، أجاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، لكنه لا يتوقع بعد ذلك مزيداً من التصعيد من قبل تل أبيب، التي يتوجب عليها التحرك الفوري نحو صفقة الرهائن. يضيف أكسيوس، نقلاً عن مسؤول أمريكي، أن بايدن حذّر نتنياهو، خلال حديثهما: “إذا صعّدت مرةً أخرى، لا ينبغي لك الاعتماد علينا لإنقاذك”.

وجاء اتصال بايدن بنتنياهو، لمناقشة الاستعدادات العسكرية المشتركة لمواجهة انتقام محتمل من قبل إيران وحزب الله، ولإبلاغه بعدم الرضى عن الاتجاه الذي اتخذه، وفق مسؤولين أمريكيين تحدثوا إلى أكسيوس، “حيث يشعر الأول بأن الثاني أبقاه في الظلام بشأن خطط تنفيذ الاغتيالات، بعد أن ترك انطباعاً خلال زيارته لواشنطن بالاهتمام بطلب بايدن، التوصل إلى اتفاق حول الرهائن ووقف إطلاق النار في غزة، وضعته إدارة بايدن في قلب إستراتيجيتها الكاملة لمنطقة الشرق الأوسط بعد الحرب، ويراه الأخير عنصراً أساسياً في إرثه للأشهر الستة المتبقية له في منصبه”.

قراءتان متعاكستان

دوافع عدة تقف خلف عملية اغتيال هنية، حسب مركز الإمارات للسياسات، أهمها: تحقيق مصلحة نتنياهو في تقويض مفاوضات التوصل إلى اتفاق التهدئة وإدامة الحرب، حيث تشير بعض التحليلات، إلى أن هدف نتنياهو من ضربتي الضاحية الجنوبية وطهران، هو جرّ إيران وحزب الله وباقي “محور المقاومة” إلى حرب إقليمية واسعة، وتالياً توريط واشنطن فيها، نظراً إلى التزامها بالدفاع عن إسرائيل، وهو ما أكده وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، بعد اغتيال شكر، بقوله إن بلاده “ستُدافع عن إسرائيل إذا تعرّضت لهجوم من حزب الله ردّاً على الضربة الإسرائيلية”. وبذلك يحقق نتنياهو مصلحةً شخصيةً بإطالة عمر حكومته، مع مصالح سياسية تتعلق بحسم المواجهة مع إيران، وربما القضاء على قدراتها النووية بمساعدة أمريكية.

اندلاع حرب إقليمية لا يصبّ في مصلحة الإدارة الأمريكية الحالية التي تواجه سنةً انتخابيةً، لذا من المتوقع أن تبذل كل الجهود الممكنة لعدم انفلات الصراع، خاصةً أن لديها قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران، وإمكانيات ضغط على إسرائيل

في المقابل، يرى آخرون أن “نتنياهو هَدَفَ إلى إظهار الصلابة أمام الجمهور الإسرائيلي، والخروج بصورة نصر لإنهاء الحرب في غزّة من موقع قوة”. وبحسب مركز الإمارات للسياسات، اندلاع حرب إقليمية لا يصبّ في مصلحة الإدارة الأمريكية الحالية التي تواجه سنةً انتخابيةً، لذا من المتوقع أن تبذل كل الجهود الممكنة لعدم انفلات الصراع، خاصةً أن لديها قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران، وإمكانيات ضغط على إسرائيل.

إسرائيل تصّعد من آلية الردع مع إيران، وترسل رسالةً مفادها أن الخطوة التالية هي الحرب الشاملة، وتتوقع كل من تل أبيب وواشنطن أن طهران لا تريدها؛ يقول قتيبة إدلبي، لرصيف22، وهو زميل أول ومدير برنامج سوريا في المجلس الأطلسي. ويضيف: “هناك قراءتان في واشنطن لهذا التصعيد؛ أولاهما، أن تصعيد تل أبيب على الجبهات كافة هو لتبرير عدم دخولها في اتفاق وقف إطلاق النار. وبجانبها قراءة معاكسة، أتفق معها بعض الشيء، تقوم على أن حكومة نتنياهو تهيئ عملياً لإجراء اتفاق خاص بتبادل الرهائن، بعد عودتها إلى الشارع الإسرائيلي بقولها: سنوقّع على الصفقة بعد أن انتصرنا على حماس، وقد قتلنا محمد الضيف، وقتلنا إسماعيل هنية، وقتلنا نائب حسن نصر الله”.

وعليه، “يراكم نتنياهو انتصاراتٍ اليوم، ليقدّمها للشارع الإسرائيلي وكأنها انتصار للشارع الإسرائيلي، ويقول: أنا حققت أقصى ما يمكن تحقيقه وها نحن جاهزون للقبول بصفقة تبادل الرهائن”، بحسب إدلبي.

لكن موجة الاغتيالات الإسرائيلية جعلت الحرب الإقليمية أقرب من أي وقت مضى. كما أن دوامة التصعيد الخطيرة يمكن أن تجرّ الولايات المتحدة إلى عمق الأزمة الإقليمية، وتبخّر الآمال في وقف إطلاق النار وصفقة الرهائن بعد أشهر من المفاوضات المتأنية، ما يجعل إصرار الإدارة الأمريكية على أن وقف إطلاق النار لا يزال في متناول اليد، أجوف، حسب تقرير آخر للموقع الأمريكي المشهور بتسريباته الاستخباراتية، أكسيوس.

تقول إيرينا تسوكرمان، وهي محامية أمن قومي وخبيرة أمريكية في الشؤون الدولية والإستراتيجية: “ليست لدى إسرائيل مصلحة في جرّ واشنطن إلى الحرب، فالقيود المفروضة على إسرائيل هي التي تساهم في التصعيد وليس العكس، ومحور المقاومة هو المسؤول عن انتشار الصراعات والاشتباكات في المنطقة، بسبب الاسترضاء والعقاب الأمريكيين”. وبرأيها، طهران في حالة حرب مع واشنطن منذ عام 1979، عندما استولت على السفارة الأمريكية فيها، ومنذ ذلك الحين وهي في تصاعد مستمر.

مع ذلك، تواصل واشنطن انتهاج سياسة متضاربة، تتمثل في السماح لإسرائيل بـ”الدفاع المحدود عن النفس” مع منعها من ضرب إيران مباشرةً، حتى دون مساعدة واشنطن، تضيف تسوكرمان، لرصيف22. وعليه، تفسر إيران هذه السياسة بأنها ضوء أخضر لتوسيع هجومها العسكري في جميع أنحاء المنطقة، والتسلل إلى الدول من الداخل.

عناق الدبّ

“نتنياهو لا يعطي أولويةً لمصالح الإدارة الأمريكية”، يذكر توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز، ويضيف: “مع ذلك، واشنطن مجبرة على اختيار ما يجب فعله حيال إيران، التي أصبحت بفضل سياسات الاسترضاء التي انتهجها بايدن والرئيس الأسبق باراك أوباما، قوة عتبة نووية، وقوة إمبريالية في الشرق الأوسط تهيمن على المنطقة وتفرض صراعات مع إسرائيل لا تريدها معظم الدول العربية”.

وبحسب الجندي: “لم يتم إبلاغ واشنطن مسبقاً بعملية اغتيال هنية، ما يمثل إحراجاً كبيراً للإدارة الأمريكية، يرجّح معه زيادة توتر العلاقة المتوترة أصلاً بين نتنياهو وإدارة بايدن. وتل أبيب تركت واشنطن في الظلام في عملية ذات تداعيات بعيدة المدى على المنطقة بأسرها، برغم المليارات من المساعدات العسكرية والدعم غير المشروط الذي قدّمته الإدارة الأمريكية لإسرائيل طوال الحرب، ما يلقي مزيداً من الشكوك حول فعالية نهج ‘عناق الدب’ الذي يتّبعه بايدن مع إسرائيل، والذي لم يفشل في احتواء الحرب أو منع التصعيد فقط، بل قد يجرّ واشنطن إلى صراع أوسع في المنطقة، خاصةً مع إيران”.

“هناك قراءتان في واشنطن لهذا التصعيد؛ أولاهما، أن تصعيد تل أبيب على الجبهات كافة هو لتبرير عدم دخولها في اتفاق وقف إطلاق النار. وبجانبها قراءة معاكسة، أتفق معها بعض الشيء، تقوم على أن حكومة نتنياهو تهيئ عملياً لإجراء اتفاق خاص بتبادل الرهائن، بعد عودتها إلى الشارع الإسرائيلي”

“لكن الأحداث التي أدت إلى الأحداث الحالية، ترجع في النهاية، إلى الفشل المتعمد في الردع من قبل واشنطن، التي هي أقوى بكثير من إيران ووكلائها مجتمعين، ومع ذلك سمحت لإيران بالانتشار في جميع أنحاء المنطقة، من دون رد عسكري كافٍ لمنعه”؛ حسب تسوكرمان، ما أدى إلى مزيد من الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، واستيلاء “حزب الله” على لبنان، وترسيخ الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” في سوريا والعراق وسواهما.

وبرأيها أيضاً، فإن “الصفقات الأمريكية المختلفة مع إيران، هي التي غذّت الصراع الحالي. وعندما حاولت واشنطن إنشاء تحالف دفاعي بين إسرائيل وجيرانها، تناقضت هذه السياسة مع ‘توازن’ علاقات واشنطن مع بعض الدول الإقليمية. والنتيجة النهائية هي وضع سياسي فوضوي”.

وفي هذا السياق، يشير محمد سحيمي، من معهد كوينسي، إلى “هدف ثانٍ لتل أبيب باغتيال هنية، فعدا عن تحييد الأخير، تعمل إسرائيل على مضاعفة عقبات أي حوار محتمل بين إدارة الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزيشكيان، وواشنطن. واغتيال هنية في طهران، هو الفخ؛ إذا لم تفعل إيران شيئاً، ستتعرّض للسخرية في المنطقة، وسيعمل المتشددون فيها على شلّ برامج بزشكيان التفاوضية مع واشنطن قبل بدايتها. وإذا ردّت بقوة، فقد تجبر واشنطن على التدخل مباشرةً للدفاع عن إسرائيل. وفي الحالتين، ستكون إسرائيل ‘رابحةً’ مؤقتاً. كذلك فإن اتساع دائرة الحرب سيلقي بظلاله على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث ستقف إدارة بايدن بجانب إسرائيل، ما سيخلق مشكلات حادةً لنائبة الرئيس كامالا هاريس، التي تحاول تمييز نفسها عن بايدن ودعمه غير المشروط لإسرائيل”.

يؤكد إدلبي أن “الرؤية الغالبة في واشنطن هي أن ما جرى مؤخراً هو تمهيد لاتفاق قادم، لذا ليس لديها تخوف كبير من اندلاع حرب جراء هذا التصعيد. لكن في الوقت عينه، هناك أولوية أمريكية حيال هذا التصعيد، تتمثل في حصره بين أطرافه الموجودة، حزب الله وإسرائيل وحماس، دون تدخّل أطراف أخرى”. لذا، إن كان هناك حديث عن تدخل أمريكي برأيه، فهو حديث عن تدخل لوقف انخراط الحوثيين في الأزمة الحالية بشكل أو بآخر، مع وضع حدّ لهجماتهم في البحر الأحمر، أو محاولاتهم تنفيذ هجمات في شمال الشرق الأدنى.

تقف الحالة السياسية والقانونية لنتنياهو كعائق شخصي أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ تنتظره في نهاية الحرب محاكمة بقضايا فساد، أو في أقل تقدير مساءلة عن الفشل في توقّع عملية “طوفان الأقصى”.

ووفقاً لبيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أبلغ نتنياهو بايدن، بأنه يقّدر الدعم الأمريكي، “وكرئيس لوزراء إسرائيل، فإنه يتصرف فقط وفقاً للاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل”. رداً على ذلك، قال مسؤول إسرائيلي كبير، لأكسيوس: “رفع بايدن صوته وقال إنه يريد التوصل إلى اتفاق في غضون أسبوع إلى أسبوعين”. وأضاف: “اتفاق الرهائن ووقف إطلاق النار هو أهم شيء في الوقت الحالي”.

وفي الصورة الكبيرة، تقف الحالة السياسية والقانونية لنتنياهو كعائق شخصي أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ تنتظره في نهاية الحرب محاكمة بقضايا فساد، أو في أقل تقدير مساءلة عن الفشل في توقّع عملية “طوفان الأقصى”. وبرغم الجبن الذي يوصف به نتنياهو، إلا أن مصالحه الأنانية الضيقة، وتركيبة حكومته المتطرفة، مع خروج شخصيات عقلانية نوعاً ما من كابينة الحرب، تشكل بمجموعها دوافع قويةً لذهاب تل أبيب نحو مزيد من التصعيد، بهدف جرّ الطرف المقابل إلى ردّ قد يؤدي إلى حرب شاملة، وتالياً جرّ واشنطن إلى هذه الحرب، بالاستفادة من دعمها اللامحدود لإسرائيل، مقرونةً بضغوط محدودة عليها، نتيجة الوضع الداخلي الأمريكي، الذي يتسابق فيه مرشحو الرئاسة على الفوز بلقب المدافع الأول عن أمن إسرائيل، كمقدمة للفوز بسيادة البيت الأبيض.

عمار جلو

موقع رصيف 22




بول كاغامي… مُنقذ رواندا وقائد مسيرة تنميتها الاقتصادية

أعاد فوز بول كاغامي الكاسح بولاية رئاسية رابعة في رواندا، ذلك البلد الجبلي في قلب وسط أفريقيا، فتح «صندوق» شخصية أحد أطول القادة الأفارقة بقاءً في الحكم منذ عام 2000. ولقد حرص الرجل، في سيرته الذاتية بموقعه الإلكتروني، على التذكير بأنه «كان قائداً لقوات الجبهة الوطنية الرواندية»، ولقد قاد النضال لتحرير رواندا. ثم الإشارة إلى دور تلك «الجبهة» في وقف حرب الإبادة الجماعية ضد شعب التوتسي (الذي ينتمي إليه) في عام 1994. كذلك ركّز في سيرته الذاتية، بخلاف رئاسته لرواندا، على شغل منصب رئيس الاتحاد الأفريقي من عام 2018 إلى 2019، وترؤس مجموعة شرق أفريقيا من عام 2018 إلى عام 2021.

ميلاد رئيس

يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1957، ووسط صرخات تنادي باستقلال مستعمرة «رواندا – أوروندي» عن الاستعمار البلجيكي، تفتحت أعين كاغامي رضيعاً في بلدة تامبوي لعائلة من شعب التوتسي، الذي إن كان يشكل أقلية صغيرة في البلاد مقارنة مع غالبية الهوتو، فإنه تمتع طويلاً بالزعامة والسلطة.

ولم يصل كاغامي لعامه الثالث، إلا وشقّ الطريق لاجئاً مع أسرته إلى أوغندا تجنباً لفصول اضطهادٍ واجهت التوتسي، وكأن القدر يحمل في العام الخامس من عمر كاغامي بشائر تحريرية لموطنه الأصلي.

وفي عام 1962، كانت أجواء التحرّر والاستقلال والاضطهاد، التي عاشها الطفل كاغامي، وقومه التوتسي، مع موعد نيل «رواندا – أوروندي» الاستقلال عن الاستعمار البلجيكي، بل كتابة رواندا يومذاك الأحرف الأول من مسيرتها السيادية على إثر انفصالها عن «توأمها» بوروندي، التي تماثلها تماماً لجهة تركيبتها الديمغرافية القبلية، بوجود غالبية من الهوتو، وأقلية من التوتسي… الذين كانت لهم هنا أيضاً الموقع الأبرز والمكانة الأرفع.

ومرت سنوات، وكاغامي في أوغندا ينهي دراسته الابتدائية بتفوّق، ساهمت في صنعه المعاناة، داخل مخيم للاجئين بأوغندا. وبالفعل، أنجز من المنفى دراسته الثانوية والجامعية خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، وسجّل خطوته الأولى لتحرير بلاده، حين كان أحد من وقع عليه اختيارات في الجيش الأوغندي للدراسة المتقدمة في «كلية القيادة والأركان العامة للجيش الأميركي» في فورت ليفنوورث بولاية كانساس الأميركية.

صُعود مُبكر

في سن الثانية والعشرين، فعّل بول كاغامي خطوته الأولى، وشكّل مع عدد من الشبان التوتسي الروانديين خلال أكتوبر عام 1979 أحد بواكير مكوّنات «جيش المقاومة الوطنية الأوغندي» بزعامة يوري موسيفيني، الذي كافأهم في ما بعد بتولي مناصب مهمة بالدولة عقب توليه حكم أوغندا عام 1986، ولا يزال موسيفيني حتى اليوم في السلطة ليغدو أحد أطول الرؤساء الأفارقة حكماً.

كاغامي وجد طريق الصعود السياسي مبكراً عقب تعيينه من جانب موسيفيني رئيساً للاستخبارات العسكرية الأوغندية، فور إعلان الأخير رئيساً لأوغندا. لكنه رغم ترسيخ وضعه لم ينس موطنه الأصلي، بل أسس مع أبناء وطنه من التوتسي الروانديين المنفيين «الجبهة الوطنية الرواندية» لخوض حرب ضد النظام السابق في رواندا، الذي اضطهد التوتسي. وبين هذا الصعود وتلك التحركات التحررية، تزوّج عام 1989 وهو في سن الـ32 من جانيت نييرامونجي، وهي من التوتسي أيضاً.

لقد كانت مطالب منع التمييز ضد التوتسي، بوصلة «الجبهة الوطنية الرواندية»، التي أسّسها كاغامي، والتي عززت نشاطها في أكتوبر عام 1990 وسط حرب أهلية قبلية بين شعبي التوتسي والهوتو على امتداد رواندا، قبل أن ترى تلك «الجبهة» كاغامي قائداً جديداً لها إثر إنهائه الصراعات على القيادة. ومن ثم، بين عامي 1991 و1993 قاد وفد «الجبهة» إلى مفاوضات السلام في أروشا بجمهورية تنزانيا لوقف تلك الحرب.

وعام 1994، إثر حملة تصفيات دموية وأجواء إبادة جماعية، طالت نحو 800 ألف شخص، معظمهم من التوتسي، بدأ التحول الدراماتيكي في صعود بول كاغامي نحو السلطة في رواندا، خصوصاً بعدما استغل تلك الإبادة لحشد التعاطف الإقليمي والدولي. وبالفعل، سرَّعت وحشية مجارز الإبادة وتيرة هجمات «الجبهة» التي سيطر عناصرها على العاصمة كيغالي في يونيو (حزيران) عام 1994، وتمكن بدعم دول أفريقية، أبرزها أوغندا الذي يرأسها موسيفيني «الأب الروحي» لكاغامي، بعد شهر، من السيطرة على البلاد برمتها.

بعدها، شُكّلت «حكومة وحدة وطنية» لقيادة رواندا، برئاسة باستور بيزيمونغو. وأُسند إلى كاغامي (كان يومذاك في الـ37 من عمره) منصب نائب الرئيس ورئيس الأمن الداخلي. وبعد أقل من 6 سنوات، بدأ فصل جديد في حياته السياسية، مع تزكية البرلمان له بتولي رئاسة رواندا خلال مارس (آذار) عام 2000، ومنذ ذلك الحين احتفظ بالحكم.

مسيرة التنميةتزكية البرلمان جاءت في الواقع بعد إطاحة كاغامي عام 2000 بحكم بيزيمونغو، وإحالته إلى المحاكمة بتهمة «الفساد ومخالفة توجه المصالحة الوطنية القاضي بنبذ آيديولوجيا التفرقة العرقية»، قبل أن يحُكم على الرئيس المخلوع بالسجن لمدة 15 سنة.

ومن هذه النقطة، باشر كاغامي بناء الدولة من جديد، وقاد الجهود الهادفة إلى سنّ دستور جديد لتجاوز «جرائم الإبادة، وحظر الإشارات العرقية»، وركّز على التنمية ودعم الاقتصاد. وفي عام 2003، أبصر دستور رواندا الجديد (دستور 2003) النور، وسمح له بفترة ولاية مدتها 7 سنوات، وفي العام ذاته، أعيد انتخابه بالاقتراع العام المباشر بنسبة 95 في المائة من الأصوات.

في هذه الأثناء، وجدت رواندا نفسها على موعد مع تحول لافت في ثرواتها الاقتصادية، وخصوصاً مع وضع «رؤية رواندا عام 2020»، التي كانت تتضمن تصوراً لمعدل نمو سنوي نسبته على الأقل 7 في المائة. وبعد 6 سنوات فقط، عام 2006 سجّلت رواندا معدل نمو اقتصادي بنسبة 8 في المائة، وحافظت بالمتوسط على هذا المعدل ليغدو اقتصادها أحد أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا.

ومع هذا التقدم الاقتصادي اللافت، ضمن كاغامي إعادة انتخابه عام 2010 بنسبة 93 في المائة من الأصوات، وقبيل انتهاء فترة رئاسته، قاد البلاد لاستفتاء عام 2015، ما سمح له بالترشح لأكثر من 3 فترات، بعدما كان «دستور 2003» يمنح الرئيس فترة ولاية مدتها 7 سنوات قابلة للتجديد، لكن لمرة واحدة. وفي المقابل، قلّص التعديل الجديد فترة الرئاسة من 7 إلى 5 سنوات، مع الإبقاء على الحد الحالي، وهو تولّي الرئاسة لولايتين، بيد أنه سمح باستثناء كاغامي، الذي يمكنه أن يسعى لفترة ولاية أخرى، مدتها 7 سنوات، ثم الترشح لفترتين، مدة كل منهما 5 سنوات.

الولاية الثالثة

وحقاً، ترشح كاغامي لولاية ثالثة، وحقّق في أغسطس (آب) 2017 فوزاً كاسحاً بنسبة 98.8 في المائة من الأصوات في انتخابات الرئاسة، وحصل على ولاية رئاسية جديدة تمتد 7 سنوات أخرى، انتهت في يوليو (تموز) 2024، وباتت أمامه ولايتان، مدة كل منهما 5 سنوات، وهو ما يمكّنه من البقاء في منصبه حتى عام 2034. أما على الصعيدين الاقتصادي والتنموي، فقد ارتفعت مكاسب رواندا إبّان عهد كاغامي من قطاع السياحة من 2.4 في المائة عام 1998 إلى 12.7 في المائة عام 2017، وارتفعت صادرات رواندا من المعادن، إذ بلغت عام 2017 نحو 373 مليون دولار أميركي، مقارنة بـ 166 مليون دولار في السنة السابقة.

أيضاً سجلت رواندا نمواً قوياً بلغ 7.2 في المائة في المتوسط بين عامي 2012 و2022 بفضل التطوير في البنى التحتية، ولا سيما الطرق والمستشفيات، والتقدّم في مجالي التعليم والصحة. ووفق تقديرات «صندوق النقد الدولي» في مارس (آذار) عام 2024، واصل اقتصاد رواندا نموه القوي في عام 2023، في حين تباطأ التضخم بشكل حاد، نتيجة تركيز السلطات على حماية استقرار الاقتصاد الكلي والاستقرار الخارجي من خلال إعادة بناء احتياطيات السياسات في أعقاب الصدمات المركبة، بما في ذلك الفيضانات المدمّرة.

في المقابل، مع ظهور أصوات معارضة ناشدت كاغامي بالامتناع عن الترشح وتشجيع تداول السلطة، «خشية العودة لفترة الاقتتال العرقي»، أعرب الرئيس عن نيته «مغادرة السلطة واختيار خليفة له»، متعهداً بأن «خطة الخلافة تناقش بنشاط داخل الحزب الحاكم». ووصف تقاعده بأنه «حتمي»، مكرراً ما قاله في أواخر 2022، من أنه لا مشكلة لديه في أن يصبح «مسنّاً عادياً».

وختاماً، نشير إلى أنه ليس أمام كاغامي – الذي يقترب الآن من سن الـ67 – غير احتمال الترشح لفترة رئاسية جديدة وأخيرة، ستكون في 2029، تنتهي حال نجاحه في 2034. ومعها وخلالها ترتفع وتهبط أسهم التساؤلات بين احتمال اختتام الرئيس الرواندي سيرته «بطلاً متقاعداً» في أذهان الروانديين، أو حدوث مفاجآت أخرى قد تكون فصل النهاية لحياته السياسية.

محمد الريس

صحيفة الشرق الاوسط