1

المجال العسكري: بوابة القوى الدولية لتعزيز نفوذها بالساحل الإفريقي

توضح هذه المقالة، من بين ما توضح، أن حماية المصالح وتعزيز التموقع الجيوستراتيجي هو ما يفسر تنافس القوى الدولية على الدخول عبر المجال العسكري لمنطقة الساحل، وهناك إرهاصات بشأن توسع خارطة التنافس والانتشار نحو الدول المطلة على خليج غينيا الذي يعاني من انتشار القرصنة.


مقدمة

شكَّل سقوط مدن بالشمال المالي على أيدي مجموعات مسلحة، عام 2012، نقطة تحول فيما يخص تنامي التنافس على منطقة الساحل وغرب إفريقيا عبر البوابة العسكرية.

فقد أدى الانهيار السريع للجيش المالي أمام زحف المقاتلين الأزواديين ومقاتلي حركة “أنصار الدين” بقيادة إياد أغ غالي، ودخول العاصمة (باماكو) منطقة الخطر؛ إذ بات المقاتلون على بعد مئات الكيلومترات منها، إلى مطالبة الرئيس الانتقالي الأسبق، ديونكوندا تراوري، في يناير/كانون الثاني 2013، فرنسا بالتدخل السريع من أجل نجدة بلاده.

ولم تتأخر الاستجابة الفرنسية لتلك الدعوة، ففي غضون أيام قليلة نشرت فرنسا قوات جوية وبرية في مالي، وقد نجحت هذه القوات في استرجاع المدن التي كانت تحت سيطرة المجموعات المسلحة، ولكنها أخفقت في القضاء على هذه المجموعات، وكان من نتائج ذلك تمدد نشاطها باتجاه دول أخرى مجاورة كبوركينا فاسو والنيجر.

وقد شكَّل هذا التمدد مسوغًا لتمدد وانتشار القوات الفرنسية بالمنطقة تحت لافتة ملاحقة الجماعات المسلحة، وهو ما تم من خلال عملية “برخان” التي تم إطلاقها عام 2014، وشملت كلًّا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد.

وفي سنة 2020، أعلنت فرنسا، بالتعاون مع عدة حلفاء أوروبيين وأفارقة، إطلاق عملية “تاكوبا”، من أجل القتال إلى جانب جيشي مالي والنيجر، ضد الجماعات المسلحة التي باتت تشكل تهديدًا متعاظمًا لبلدان منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

وتحت ذات ذريعة التصدي للجماعات المسلحة، نشرت الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا، وإيطاليا قوات عسكرية في النيجر، كما نشرت واشنطن قوة خاصة في تشاد، التي تواجه خطرًا مسلحًا ثلاثي الطابع، فمن جهة تهددها الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة، على حدودها مع النيجر، ومن جهة أخرى تواجه خطر جماعة بوكو حرام الناشطة على حدودها مع نيجيريا. كما أن حدود البلاد مع ليبيا، مهددة هي الأخرى من طرف مجموعات التمرد التشادية المسلحة.

وبطبيعة الحال، فإنه لا يمكن تجاهل أن المصالح الاقتصادية، والأبعاد الإستراتيجية، هي المحرك الأساسي للدول الأجنبية من أجل تعزيز نفوذها في بلدان المنطقة، تحت ذريعة الحماية والتكوين.

وهي أهداف كان الفشل في تحقيقها، السبب الأساسي المعلن لسلسلة الانقلابات التي عرفتها بعض دول الساحل خلال السنوات الأخيرة، وعلى إثرها تم طرد القوات الفرنسية من مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، واستبدال روسيا بها، التي قدمت أسلحة حربية لهذه البلدان، ونشرت في بعضها قوات عسكرية. 

وأمام هذا المتغير الجديد، باتت فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، تناوران من أجل إعادة نشر قواتهما في دول أخرى بالمنطقة، فيما عززت تركيا دخولها حلبة التنافس عبر بيع السلاح.

فرنسا في الساحل الإفريقي: من النفوذ إلى التكيف

أتاح استعمار فرنسا للعديد من الدول الإفريقية بشمال وغرب، وشرق وجنوب القارة، الاحتفاظ بنفوذ واسع بمختلف هذه البلدان بعد الحصول على استقلالها، وهو ما مكَّنها من الاستفادة على مدى عقود من مختلف خيرات القارة الإفريقية، تحت بنود مختلفة، ظاهرها الشراكة والتعاون، وباطنها الحفاظ على مصالح باريس الاقتصادية والتجارية، والإستراتيجية.

وقد نُسب إلى الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، القول: إنه “من دون إفريقيا، ستنزلق فرنسا إلى مرتبة دول العالم الثالث”، ومن قبله قال الرئيس الاشتراكي، فرانسوا ميتران: إن فرنسا “من دون إفريقيا، لن تملك أي تاريخ في القرن الحادي والعشرين”(1).  

وتعكس المقولتان أعلاه، مدى اعتماد فرنسا الوثيق على إفريقيا، خصوصًا من الناحية الاقتصادية؛ إذ تهيمن عبر شركاتها المختلفة المنتشرة في الساحل وغرب إفريقيا، على الكثير من الموارد، وكمؤشر على ذلك، فإن بعض البلدان الإفريقية مثلًا، ظلت تزود فرنسا بنسبة “25% من احتياجات مفاعلاتها النووية”، كما أن نسبة تقدر بنحو %80 من مستخرجات الموارد والثروات المعدنية بإفريقيا “يُصدَّر بإشراف فرنسي نحو القارات الأخرى”(2).

ومن أجل أن تسوغ فرنسا حضورها الطاغي بالقارة الإفريقية خلال حقبة ما بعد الاستقلال، ركزت على زرع فكرة أنها الحامي الحقيقي لهذه البلدان وللأنظمة الحاكمة، ولذلك عملت على نشر قوات عسكرية بعدد من هذه الدول لمواجهة أي مخاطر محتملة. 

وقد نفذت فرنسا عشرات العمليات العسكرية على مدى نحو ستة عقود، بعضها خاضته بشكل فردي، وبعضها الآخر خاضته مع قوات أخرى إما إفريقية، أو غربية، أو أممية(3).

وقد تدخلت فرنسا عسكريًّا منذ بواكير حقبة الاستقلال في بعض الدول الإفريقية، كما هي الحال في الغابون سنة 1964، وفي تشاد سنوات 1968-1972، ثم توالت تدخلاتها في إفريقيا الوسطى، عام 1979، وجزر القمر، سنة 1989، ورواندا، عام 1990(4).

لقد ركزت التدخلات العسكرية الفرنسية بإفريقيا في مراحلها الأولى، على حماية الأنظمة الحاكمة حفاظًا على مصالحها، فأحبطت عدة انقلابات، وأفشلت عددًا من حركات التمرد. وفي مرحلة لاحقة، انضاف إلى مسوغات التدخل العسكري الفرنسي بالقارة الإفريقية، التصدي للجماعات المسلحة، كما حصل في مالي عام 2012، من خلال عملية “سرفال”، التي استلمت منها المشعل عملية “برخان” وتوسع نطاقها ليشمل عدة بلدان مجاورة باتت مهددة بالنشاط المسلح(5).

غير أن فشل القوات الفرنسية في وضع حدٍّ لخطر الجماعات المسلحة بالساحل على مدى أزيد من عقد، انقلب إلى نتائج عكسية، فقد باتت الشعوب تخرج في المظاهرات مطالبة بسحب قواتها.

وقد استغلت جيوش عدة بلدان في المنطقة هذا الحنق الشعبي المتصاعد، ونفذت انقلابات عسكرية أطاحت بحكام مدنيين متحالفين مع فرنسا، ورفع الانقلابيون شعار السيادة، وعلى أساس ذلك طُردت القوات الفرنسية من مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو.

وقد شكَّل هذا العامل المستجد بداية فعلية لتراجع النفوذ الفرنسي بمنطقة حضوره التقليدية، على مختلف المستويات الأمنية، والاقتصادية، والدبلوماسية. 

وأمام هذا المعطى، باتت فرنسا تبحث فقط عن آلية للتكيف تسمح لها بالبقاء في المنطقة، وتحصين قواعدها العسكرية الموجودة في دول أخرى بالساحل وغرب إفريقيا، حتى لا تتعرض للطرد.

وقد تحدثت عدة وسائل إعلام فرنسية عن أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يدرس تقليص عدد قوات البلاد في السنغال والغابون من 350 جنديًّا بكل منهما إلى 100 عسكري، وكذلك الأمر بالنسبة لساحل العاج حيث يوجد نحو 600 جندي، أما في تشاد فإن باريس تسعى للإبقاء على 300 جندي من أصل حوالي 1000 عسكري(6).

الولايات المتحدة: الانسحاب العسير والبحث عن وجهات جديدة

لقد أحرجت سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل والغرب الإفريقي منذ 2020، الإدارة الأميركية، بل وأربكت حساباتها؛ لأنها وجدت نفسها أمام خيارين صعبين، فإما أن تحافظ على بقائها العسكري، وحماية مصالحها الإستراتيجية، وذلك بمجاراة الحكام الجدد العسكريين، وإما أن تعارض الانقلابات، انسجامًا مع إستراتيجيتها بالقارة والتي يشكل احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان مرتكزًا رئيسيًّا فيها.

وفي غياب خيار ثالث، لا يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية وُفِّقت في مقاربتها إزاء التحولات الجديدة بالمنطقة عبر القوة الخشنة، وهو ما تجلى في طرد قواتها من النيجر، والتهديد بطردها من دولة تشاد.

وقد شكَّل إعلان المجلس العسكري الحاكم بنيامي، في مارس/آذار 2024، إلغاء اتفاق التعاون العسكري القائم بين نيامي وواشنطن منذ العام 2012، البداية الفعلية لوصول العلاقات الأميركية النيجرية إلى طريق مسدود.

وقد عدَّد المجلس العسكري الذي يتولى السلطة إثر انقلاب أطاح بالرئيس المدني، محمد بازوم، في نهاية يوليو/تموز 2023، جملة من الأسباب وراء قراره إلغاء اتفاق التعاون العسكري مع واشنطن، ودعوته القوات الأميركية لمغادرة البلاد، ومن ضمن تلك الأسباب اعتباره الاتفاق “غير قانوني” و”ينتهك كل القواعد الدستورية والديمقراطية”(7).

وأمام هذا الموقف الرسمي، المسنود بدعم شعبي؛ إذ خرجت عدة مظاهرات تطالب بمغادرة القوات الأميركية على غرار ما حصل مع القوات الفرنسية -وإن بدرجة أقل- وافقت واشنطن على الانسحاب، وحددت منتصف سبتمبر/أيلول 2024 لمغادرة آخر جنودها البلاد.

وقد اكتمل الانسحاب الأميركي أولًا من القاعدة الجوية 101 بالعاصمة، نيامي، وتحدثت وزارتا الدفاع الأميركية والنيجرية عن أن الأمر “تم دون تعقيدات”، وانسحب في المجموع “766 عسكريًّا”، كما تم سحب “ست طائرات وهي مروحيتان من طراز رابتور، وأربع مسيرات، إضافة إلى 1593 طنًّا من المعدات”(8)؛ وذلك منذ مايو/أيار 2024.  

وينتظر في الخطوة اللاحقة البدء التدريجي في الانسحاب من القاعدة الجوية “201” الموجودة في أغاديز، والتي تعد “إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية”، و”تتوفر على معدات جوية مهمة”(9).

وفي مسار مشابه لخروجها من النيجر -لكن بدرجة أقل حدة ووقعًا- تلقت الولايات المتحدة دعوة من تشاد إلى سحب قواتها منها، وذلك في رسالة صادرة عن رئيس أركان القوات الجوية التشادية، مطلع أبريل/نيسان 2024، وعزا السبب إلى عدم وجود اتفاق يسمح ببقائها.

ونقلت وسائل إعلام عن متحدث باسم البنتاغون “وزارة الدفاع الأميركية” مغادرة نحو “60 من أفراد الخدمة الأميركية من تشاد إلى ألمانيا؛ حيث يواصلون عملهم”(10)، على أن تكتمل عملية الانسحاب لاحقًا. 

ومن الواضح أن الانحسار الذي تواجهه القوات الأميركية في هذين البلدين، ومن قبلها القوات الفرنسية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، يأتي في ظل تزايد الحضور الروسي بهذه الدول، ورغم أن تشاد لم تطرد القوات الفرنسية، ولم تنشر بعد فيها روسيا قوات عسكرية، إلا أن خطوات التقارب بين نجامينا وموسكو تتسارع على نحو حثيث، فبعد زيارة محمد إدريس ديبي إلى موسكو، مطلع يناير/كانون الثاني في 2024، زار وزير الخارجية الروسي تشاد في يونيو/حزيران من نفس السنة، واعتبرت زيارته الأولى من نوعها منذ عقود.

ولكن الولايات المتحدة الأميركية، لم تستسلم لهذا الاختراق الروسي المتزايد لمناطق نفوذها، فقد بدأت البحث عن وجهات جديدة لقواتها العسكرية، ونقلت وسائل إعلام فرنسية عن مصادر وصفتها بالقريبة من الملف، أن “أبيدجان أعطت الضوء الأخضر لإنشاء قاعدة أميركية في أوديينيه بالشمال الغربي؛ حيث الجماعات الجهادية في الساحل تهدد دول خليج غينيا”(11)، وهو ما يعني إعادة تموضع أميركي في المنطقة.

كما كانت لمسؤولين عسكريين أميركيين رفيعين مباحثات مكثفة مع عدد من وزراء الدفاع الأفارقة خلال مؤتمر “قادة الدفاع في إفريقيا” الذي احتضنته مؤخرًا بوتسوانا، وهي المرة الأولى التي ينظم فيها هذا الحدث السنوي منذ إطلاقه من طرف الولايات المتحدة الأميركية، عام 2017، داخل القارة الإفريقية، وهو ما يؤشر على البحث الأميركي المتواصل عن إيجاد موطئ قدم جديد للقوات الأميركية بالقارة.

“فاغنر” و”الفيلق الإفريقي”: المدخل الروسي إلى إفريقيا

بعد تراجع حضورها في القارة الإفريقية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، عام 1991، عادت روسيا بقوة خلال السنوات الأخيرة إلى إفريقيا عبر بوابات مختلفة.

وقد عززت الانقلابات العسكرية الأخيرة بمنطقة الساحل، وتعالي الأصوات شعبيًّا ورسميًّا ضد الحضور الفرنسي، أهمية البوابة الأمنية والعسكرية مدخلًا رئيسيًّا لروسيا في المنطقة المحسوبة تقليديًّا منطقة نفوذ فرنسية.

وزاد من التقارب الروسي ودول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كون بعض العسكريين الذين قادوا الانقلابات سبق وأن تلقوا تكوينات في روسيا، واحتفظوا بعلاقات جيدة مع بعض الأوساط هناك.

ولا تمتلك روسيا حتى الآن -رسميًّا على الأقل- أي قاعدة عسكرية في إفريقيا، ولكنها وسَّعت منذ عام 2017 دائرة الاهتمام بالبعد العسكري في علاقاتها مع القارة الإفريقية، من خلال توقيع اتفاقيات تعاون في هذا المجال، تشمل تصدير السلاح، وتكوين الجيوش.

وشكَّلت مجموعة “فاغنر” إحدى آليات ووسائل بحث موسكو عن النفوذ، فظاهر هذه المجموعة أنها جهاز أمني يمكن لأي دولة إفريقية كانت أو غير إفريقية التعاقد معه، وباطنها أنها أداة لجس النبض “لاستكشاف الوضع الداخلي، وصنع نفوذ ووجود مستقر”، يؤهل روسيا فيما بعد لبحث إمكانية الحصول على قاعدة عسكرية تخدم أهدافها(12).

مجموعة فاغنر وخارطة الحضور بإفريقيا

ظهرت مجموعة “فاغنر” سنة 2014، تزامنا مع الهجوم الروسي على الشرق الأوكراني، وبدأت أنشطتها الخارجية عام 2015 في سوريا، أما انتشارها بالقارة الإفريقية فيعود إلى العام 2017 بتوجيه من قائدها الراحل، يفغيني بريغوجين، رجل الأعمال الروسي “المعروف باسم طاه بوتين”(13).

وتتضارب الروايات حول عدد الدول الإفريقية التي توجد بها “فاغنر”، لكن المؤكد أنها توجد على الأقل في أربع دول بالقارة، وهي ليبيا وخصوصًا مدينتي سرت بالشرق، والجفرة في الجنوب الشرقي، كما توجد بإفريقيا الوسطى منذ العام 2018، والسودان منذ سنة 2017(14)، وهناك أيضًا قوات من فاغنر في مالي يقدر عددها بالمئات، وتم نشرها بعد اكتمال انسحاب القوات الفرنسية من البلاد(15).

وتشير بعض المصادر إلى حضور مجموعة “فاغنر” كذلك في دول إفريقية أخرى مختلفة بينها بوتسوانا، وبوروندي، وجزر القمر، وغينيا، والكونغو، وزيمبابوي(16).

لكن إعلان مقتل يفغيني بريغوجين إثر تحطم طائرة كان على متنها، في 23 أغسطس/آب 2023، أثار عديد التساؤلات بشأن مستقبل “فاغنر”، وقد برزت إزاء ذلك عدة سيناريوهات، تراوحت بين “حل المجموعة، أو تأميمها من قبل روسيا، أو تعيين قائد جديد لها”(17).

الفيلق الإفريقي: مسعى توسعي روسي جديد

مع مطلع العام 2024، تم الكشف عن “فيلق إفريقيا” كتشكيل عسكري روسي جديد بالقارة، يهم بالأساس خمسة بلدان هي: ليبيا، وبوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وإفريقيا الوسطى، ويشرف على هذا الفيلق الجنرال يونس بك إيفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي(18).

ولعل أبرز ما يميز “الفيلق الإفريقي” هو طابعه الرسمي الروسي، فمن خلاله تريد روسيا تأكيد ابتعادها -ظاهريًّا- عن الميليشيات المسلحة، التي يطلقها خصومها الغربيون على “فاغنر”، ويتحدثون عن ارتباط هذه المجموعة بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في مختلف البلدان التي توجد فيها.

ورغم أن روسيا ظلت خلال الفترة السابقة تتحدث عن أن “فاغنر” شركة خاصة يمكن لأي طرف التعاقد معها إذا أراد، فإنها من خلال هذا الفيلق، تسعى لأن يأخذ حضورها العسكري بإفريقيا طابعًا رسميًّا، شبيهًا بالحضور الفرنسي والأميركي، وذلك من خلال إبرام اتفاقيات مع الدول التي سيتم فيها نشر هذه القوات.

ولا يستبعد أن يتوسع نطاق “الفيلق الإفريقي” لاحقًا ليشمل بلدانًا أخرى في القارة، خصوصًا في ظل الاهتمام الروسي المتزايد ببعض دول منطقة الساحل وغرب إفريقيا بشكل عام.

تركيا ودبلوماسية المسيرات 

تزايد اهتمام تركيا بدول الساحل الإفريقي التي حدثت فيها انقلابات عسكرية، وانعكس ذلك بشكل جلي من خلال تعدد الزيارات المتبادلة، وتوقيع اتفاقيات تعاون بعضها يهم تصدير السلاح.

ومن ضمن أحدث الزيارات، تلك التي قادت وفدًا تركيًّا رفيعًا يضم وزراء الخارجية، والدفاع، والطاقة، بالإضافة إلى رئيسي جهاز الاستخبارات، ومؤسسة الصناعات الدفاعية التابعة للرئاسة، ومساعد وزير التجارة، إلى نيامي.

وقد وقَّع الطرفان، التركي والنيجري، بالمناسبة “إعلان نيات حول التعاون في مجال النفط والغاز الطبيعي”، يقضي بـ”دعم وتشجيع الشركات التركية في تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي في النيجر”(19).

وقبل ذلك، زار نهاية يونيو/حزيران 2024، قائد القوات البرية المالي، هارونا ساماكي، تركيا، بدعوة رسمية من نظيره، الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو(20)، كما استقبل وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، نظيره المالي، العقيد ساديو كامارا، بأنقرة، وبحث الطرفان تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية(21).

وفي مؤشر على تعزيز العلاقات الثنائية التركية-المالية، حصلت باماكو، في ديسمبر/كانون الأول 2022، على “طائرات مسيرة من طراز بيرقدار TB2 تركية الصنع”. وفي أبريل/نيسان 2024، سلَّم رئيس بوركينا فاسو الانتقالي، النقيب إبراهيم تراوري -الذي سبق أن كرَّم خلوق بيرقدار، مدير عام شركة بايكار التركية لصناعة الطائرات المسيرة، بوسام الدولة وهو أرفع وسام في البلاد- وزارة دفاع بلاده، عددًا من طائرات بيرقدار، اقتناها من تركيا(22).

وقد زار عدد من المسؤولين في نظام تراوري تركيا، ووقَّعوا مع نظرائهم الأتراك اتفاقيات تعاون في مجالات متعددة، وذات الخطوة اتخذتها النيجر، التي تشير بعض التقارير إلى حصولها على مسيرات تركية، في مايو/أيار 2022، حالها حال عدة دول أخرى بالمنطقة(23).

وعلى غرار عدد من الدول المتنافسة على إفريقيا، تسعى تركيا إلى توطيد العلاقات الأمنية والعسكرية مع الدول الإفريقية، من أجل تعزيز نفوذها، فقد وقَّعت اتفاقيات مع أكثر من خمس وعشرين دولة بالقارة في قطاعي الدفاع والأمن، ومن ضمن تلك الدول السنغال، ومالي، ونيجيريا، كما أجرت تدريبات أمنية في أكثر من عشرة بلدان بينها غامبيا(24).

ويعكس هذا البعد اهتمام تركيا بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا، وسعيها للتنافس على الحضور في ظل تراجع الحضور العسكري الغربي. ومع ذلك، فإن أنقرة لها اهتمام شمولي بمختلف بلدان القارة، والبعد العسكري حاضر في ذلك بقوة؛ ذلك أن لديها قاعدتين عسكريتين، أولاهما في الصومال وبها نحو ألفي عسكري، وثانيتهما في ليبيا ويوجد بها عشرات العسكريين إضافة لبعض المسيرات والعربات المدرعة.

ويتوقع أن يتعاظم دور القاعدة العسكرية التركية بليبيا في الفترة المقبلة، بالنظر إلى حدود ليبيا مع النيجر، التي تدخل في نطاق اهتمام أنقرة منذ عهد الرئيس المدني الأسبق، محمدو إيسوفو، ومن بعده محمد بازوم، وهي تحافظ الآن على ذات الاهتمام في عهد الرئيس الانتقالي، الجنرال عبد الرحمن تياني.

وفي هذا السياق، فقد زار رئيس وزراء النيجر، علي الأمين زين، تركيا، في فبراير/شباط 2024، تلبية لدعوة من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وتحدثت وسائل إعلام نيجرية بالتزامن مع الزيارة عن سعي أنقرة إلى إقامة قاعدة عسكرية في أغاديس شمالي النيجر على تماس مع ليبيا، وتشاد، والجزائر(25).

وبالإضافة إلى موقعها الإستراتيجي، تكتسي أغاديس بُعدًا آخر مهمًّا بالنسبة لتركيا؛ حيث توجد لدى الولايات المتحدة الأميركية قاعدة عسكرية بها، هي القاعدة الجوية “201” التي كلف بناؤها 110 ملايين دولار(26)، لكنها تستعد لمغادرتها، ضمن إطار انسحابها العسكري الشامل من النيجر، المرتقب أن يكتمل في منتصف سبتمبر/أيلول 2024.

الصين وسلاح تصدير الأسلحة 

توجد لدى الصين قاعدة عسكرية واحدة في القارة الإفريقية، أقامتها في جيبوتي عام 2017، ضمن سباق دولي محموم على تعزيز النفوذ في هذا البلد ذي المساحة الصغيرة، والعدد السكاني القليل، لكن له موقعًا إستراتيجيًّا فريدًا، ويتحكم بحركة الملاحة الدولية، عبر مضيق باب المندب وخليج عدن(27).

وبفعل موقعها الإستراتيجي، باتت جيبوتي تستضيف ست قواعد عسكرية، لكل من الصين، وفرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، واليابان، وإسبانيا، وإيطاليا، وذلك من أجل حماية المصالح الإستراتيجية لهذه البلدان في المنطقة، وتوسيع نفوذها(28).

وكما تنافس الصين في منطقة القرن الإفريقي عبر البوابة العسكرية، من خلال إقامة قاعدة عسكرية بجيبوتي، فإنها تنافس بمنطقة الساحل كذلك عبر بيع السلاح، وتدريب الجنود. وتشير بعض التقارير إلى أن بكين التي تعتبر ثاني أكبر منتج للأسلحة ورابع أكبر مصدِّر لها عالميًّا، ارتفعت صادرات أسلحتها بشكل كبير إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى(29).

وتتدفق الأسلحة الصينية نحو عدة دول بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا، كتشاد ونيجيريا، كما فتحت إحدى شركات بكين مكتب مبيعات لتوريد الأسلحة الصغيرة والمدفعية والمركبات المدرعة، في السنغال(30).

ويبدو أن الصين، استغلت بشكل كبير الفراغ الذي خلَّفه انشغال روسيا بالحرب على أوكرانيا؛ ما أسهم في تراجع كبير لصادرات موسكو من الأسلحة إلى إفريقيا بنسبة ناهزت 44%، فعززت الصين بذلك حضورها، وأصبحت مورِّدًا رئيسيًّا لإحدى وعشرين دولة إفريقية(31).

ويشير تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام بشأن أكبر مصدِّري الأسلحة خلال عام 2022، إلى حلول الصين في المرتبة الرابعة بنسبة 5.2%، بعد الولايات المتحدة وروسيا بنسبة 31%، وفرنسا بنسبة 11%(32).

وتعكس هذه الأرقام أن الصين لم تكن تركز كثيرًا على تصدير السلاح للقارة الإفريقية، باعتباره أحد المنافذ التي يمكنها من خلال تعزيز الحضور، ولكنها أدركت أنه عبر هذه البوابة بالذات تتسابق القوى إلى الانتشار والتوسع، وعبرها أيضًا يمكن تحقيق الكثير من الأهداف الأخرى. وقد زاد من اهتمام الصين وغيرها من الدول المتنافسة على المنطقة، مساعي بعض دول الساحل إلى البحث عن حلفاء جدد عوضًا عن الغربيين، الذين يعتبرهم الحكام العسكريون الجدد جزءًا من مشكل تدهور الوضعين، الأمني والاقتصادي، وليسوا جزءًا من الحل.

خاتمة

شكَّل البعد العسكري خلال السنوات الأخيرة مضمار تنافس رئيسيًّا بين القوى الكبرى على منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وأحد المداخل المهمة نحو تعزيز النفوذ فيها، والاستفادة من الموارد التي تزخر بها.

إن موارد الذهب، والقطن، والزنك، والفوسفات الموجودة في بوركينا فاسو، واليورانيوم، والذهب، والغاز والنفط -المرتقب بدء إنتاجهما- في النيجر، والذهب، والقطن، والأسمدة، والحديد في مالي، يشكِّل البعد العسكري المدخل الأساسي للهيمنة على رخص استغلالها.

ولا يقتصر الأمر على هذه الدول فحسب، وإنما يشمل بلدانًا أخرى عديدة، بينها ساحل العاج التي يوجد بها النفط والغاز، والألماس، والحديد، والنحاس، والبوكسيت، وتشاد كذلك التي يعد البترول الخام واحدًا من صادراتها الرئيسية نحو فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والصين، كشركاء تجاريين رئيسيين لها.

وقد ظلت فرنسا بحكم الماضي الاستعماري مهيمنة كشريك أجنبي شبه وحيد، أو رئيسي على الأقل لكل هذه الدول، بل ولكل البلدان التي كانت تستعمرها، وما زال مستوى كبير من تلك الهيمنة قائمًا، رغم التراجع المشهود في بعض دول نفوذها التقليدي.

لقد عمدت فرنسا من أجل الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في بلدان الساحل وغرب إفريقيا، إلى نشر آلاف الجنود، وأقامت عدة قواعد عسكرية، لحماية قادة الدول المتحالفة معها من الانقلابات العسكرية، وحين ظهر الإشكال الأمني وتنامى نشاط الجماعات المسلحة، أضحت مواجهة هذا التحدي جزءًا من أدوار القوات الفرنسية، بل إن باريس نشرت قوات خاصة لمجابهة الجماعات المسلحة.

ومع مرور الوقت وتوسع رقعة الخطر الأمني الذي بات يهدد عددًا من بلدان المنطقة، دخلت عبر البوابة العسكرية عدة دول أخرى، فأقامت قواعد، ونشرت قوات عسكرية، وبالمقابل استفاد العديد من شركات هذه الدول من رخص تنقيب المناجم واستغلالها، ومن صفقات تجارية واقتصادية كبيرة.

إن حماية المصالح وتعزيز التموقع الجيوستراتيجي، هو ما يفسر تنافس القوى الدولية على الدخول عبر المجال العسكري إلى منطقة الساحل، وهناك إرهاصات بشأن توسع خارطة التنافس والانتشار نحو الدول المطلة على خليج غينيا الذي يعاني من انتشار القرصنة، ويشكِّل مصدرًا حيويًّا لحصول بعض هذه القوى على جزء مهم من احتياجاتها من النفط والغاز.

محفوظ ولد السالك – باحث متخصص بالشؤون الافريقية

مركز الجزيرة للدراسات




ما هي السيناريوهات المصرية بعد تصديق جنوب السودان على اتفاقية عنتيبي؟

تتناول هذه الورقة تداعيات اتفاقية الإطار التعاوني المعروفة اختصارا بعنتيبي بين ست من دول منبع نهر النيل وتقدم قراءة لمختلف السيناريوهات التي من الممكن أن تحدد الموقف المصري من هذه الاتفاقية.


في خطوة مفاجئة، صادق برلمان جنوب السودان في الثامن من يوليو /تموز 2024 وبالإجماع على اتفاقية الإطار التعاوني Cooperative Framework Agreement (CFA) المعروفة اختصارا بعنتيبي، لتصبح سادس دولة تصادق عليها بعد كل إثيوبيا، ورواندا، وتنزانيا، وأوغندا، وبوروندي، ولتدخل الاتفاقية حيز النفاذ بموجب المادة 43 منها التي تنص على أن يتم ذلك بعد 60 يوما من إيداع سادس دولة تصديقها لدى الاتحاد الإفريقي.

هذه المصادقة تطرح تساؤلات عن تأثير قيام مفوضية لحوض النيل بموجب الاتفاقية، على الموقف المصري المتحفظ عليها لرفض دول المنبع “لا سيما إثيوبيا” التعامل بإيجابية معها، خاصة ما يتعلق بحصة مصر السنوية من المياه والتي تقدر بـ55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاقية 1959، كما تطرح تساؤلا ثانيا عن تأثير هذا التصديق على ملف سد النهضة الشائك، ثم البدائل “السيناريوهات” المصرية للتعامل مع هذا الإطار القانوني الجديد.

أولا: التحفظات المصرية على اتفاقية عنتيبي

تعد اتفاقية عنتيبي أول محاولة لوضع إطار قانوني مؤسسي لدول حوض النيل مجتمعة اتساقًا مع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لاستخدام المجاري المائية الدولية في غير أغراض الملاحة لعام 1997، والتي طالبت الدول المعنية في كل حوض بوضع إطار قانوني يتضمن تفاصيل عملية استخدام الموارد، وآليات فض النزاعات فيما بينها، كما أن الاتفاقية الجديدة ستكون بمنزلة البديل لمبادرة دول حوض النيل التي تم التوقيع عليها عام 1999، وكانت بمثابة منتدى غير ملزم للدول الأعضاء.

وبالرغم من نبل الهدف والغاية، إلا أن الخلافات السابقة بين دول المنبع، وفي مقدمتها إثيوبيا، والمصبِّ، وفي مقدمتها مصر، ألقت بظلالها مرة أخرى على الاتفاقية التي استغرق الإعداد لها قرابة عقد (2000-2010)؛ إذ دارت الخلافات بينهما بالأساس حول جزئيتي الاتفاقيات السابقة سنة 1902 ثم سنة 1929 وأخير 1959، والحقوق المكتسبة؛ إذ لم يتغير الموقف بالنسبة لهما، وإن كانت مصر ومحاولة منها تقديم اقتراحات بديلة للتغلب عليها، وذلك عبر طرح بعض المصطلحات الجديدة التي ربما تحمل ذات الدلالة، ومنها مفهوم الأمن المائي كبديل عن مفهوم الحقوق المكتسبة والاتفاقيات التاريخية.

لكن حتى هذه المحاولة باءت بالفشل أيضًا، وكان واضحًا مدى تحدي دول المنبع لما تعتبره الهيمنة المصرية تحديدًا على حوض المياه، والرغبة في وضع نظام قانوني جديد يحدُّ من هذه الهيمنة، ويعيد توزيع الحصص المائية في إطار مبدأ الاستخدام العادل والمنصف.

ويمكن القول بوجود أربع قضايا خلافية أساسية، تحفظت عليها مصر والسودان، على النحو التالي:

1- مبدأ الحقوق المكتسبة والاتفاقيات التاريخية

لقد كان واضحًا منذ بداية المفاوضات مطلع هذه الألفية، مدى الحرص المصري/السوداني على إقرار مبدأ الحقوق المكتسبة والاتفاقيات التاريخية، فقد طالب الجانبان بضرورة النص على عدم تعارض الاتفاقية الجديدة مع الاتفاقيات السابقة، وهو ما رفضته دول المنبع. هذا الرفض يمكن تلمُّسه في ديباجة المعاهدة، التي أكدت مبدأ الاستخدام العادل والمنصف كبديل لمبدأ الحقوق التاريخية، مع الاسترشاد بالمعايير الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة في هذا الشأن.

فلقد نصت المادة 3/ بند 4 على مبدأ الاستخدام العادل “المنصف” والمعقول لمياه نهر النيل، والذي فصَّلته المادة الرابعة في بندين(1):

البند الأول: نصَّ على أن “تستخدم دول حوض النيل الموارد المائية داخل أراضيها بطريقة عادلة ومعقولة، وعلى وجه الخصوص، تستخدم هذه الدول الموارد وتطورها لتحقيق الاستخدام الأمثل والمستدام لها والاستفادة منها، مع مراعاة مصالح دول الحوض المعنية، بما يتفق مع الحماية الكافية لتلك الموارد. ويحق لكل ولاية حوض الحصول على حصة عادلة ومعقولة من الاستخدامات المفيدة لموارد المياه في نهر النيل.

أما البند الثاني، فوضع بعض الأسس والمعايير على سبيل المثال لا الحصر، التي يتم وضعها في الحسبان لتحديد هذا الاستخدام، حيث نصَّ على “لضمان أن يكون استخدامها لموارد مياه نظام نهر النيل منصفًا ومعقولًا، يجب على دول حوض النيل مراعاة جميع العوامل والظروف ذات الصلة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

(أ) العوامل الجغرافية والهيدروغرافية “قياسات المياه” والهيدرولوجية “دورة وخصائص المياه” والمناخية والإيكولوجية “البيئية” وغيرها من العوامل ذات الطبيعة الطبيعية.

(ب) الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لدول الحوض المعنية.

(ج) السكان الذين يعتمدون على الموارد المائية في كل ولاية حوض.

(د) آثار استخدام أو استخدامات الموارد المائية في إحدى دول الحوض على دول الحوض الأخرى.

(هـ) الاستخدامات الحالية والمحتملة لموارد المياه.

(و) حفظ وحماية وتنمية والاقتصاد في استخدام موارد المياه وتكاليف التدابير المتخذة لهذا الغرض.

(ز) توافر بدائل ذات قيمة مماثلة للاستخدام المخطط أو الحالي.

(ح) مساهمة كل دولة في مياه حوض النيل.

 (ط) مدى ونسبة منطقة الصرف في إقليم كل دولة من دول الحوض.

ويلاحظ أن هذه المبادئ هي التي تضمنها كل من إعلان هلسنكي، 1966، واتفاقية الأمم المتحدة، عام 1997، باستثناء البندين الأخيرين “ح، ط”؛ إذ تمت إضافتهما لعنتيبي بضغط إثيوبي، وهما يعطيان ميزة إضافية ووزنًا أكبر لدول المنبع في تحديد الحصص المائية لاسيما البند “ح”(2).

كما يلاحظ أنها استرشادية، تستهدف وضع قواعد يمكن الاستناد إليها عند التفاوض حول حصص تقسيم المياه أو عند توقيع اتفاقية دولية، وفي حال عدم الاتفاق الأطراف المعنية بشأنها؛ يعتمد عليها الطرف الثالث سواء أكان وسيطا في عملية التفاوض، أو جهة تحكيم دولي عند إصدار الحكم الملزم.

وإزاء هذا، طرحت مصر تحديدًا فكرتين أساسيتين في البداية لمحاولة إثبات حقوقها بطريقة أو بأخرى دون الاصطدام بدول المنبع:

الأولى: خاصة بالتعريف، هل هو مجرى (حوض النيل) الذي نصَّت عليه قواعد هلسنكي، 1966، أم مجرى (نهر النيل) الذي أقرَّته اتفاقية الأمم المتحدة، 1997، لما لكلٍّ منهما من دلالة خاصة يترتب عليها معرفة حجم المياه المتساقطة والتي يمكن استخدامها بشكل منصف ومعقول بين الدول المشاطئة.

فبحسب بعض الباحثين(3)، فإن المفهوم الأول (مجرى الحوض) أكثر شمولًا من الثاني (مجرى النهر)، لأن الأول يتضمن الحوض المائي وجميع مشتملاته مثل الغابات والمراعي التي تسقط عليها الأمطار، ولا تتوجه إلى المجرى المائي الذي يشكِّل النهر، في حين أن التعريف الثاني يقتصر على المياه التي تجري في النهر وما يتصل بها من المياه الجوفية القريبة فقط، وكذلك الأنهار الجليدية والبحيرات وروافد هذا النهر، أي باختصار يركز على ما يُعرف بالمياه الزرقاء “المحدودة”، ويتجاهل المياه الخضراء الخاصة بالنباتات والغابات والحياة البرية. ووفق هؤلاء الباحثين، فإن منابع النيل وأحواضها المختلفة تسقط عليها أمطار تُقدَّر بـ1660 مليار متر مكعب سنويًّا، في حين أن الذي يجري في نهر النيل ويصل إلى أسوان يقدَّر بـ84 مليار متر مكعب فقط، أي حوالي 5% فقط. هذا الفارق بين المفهومين جعل بعض الدول، خاصة دول المصب مثل مصر، تطالب بالأخذ بتعريف هلسنكي، لأنه الأقرب للاستخدام العادل والمنصف بين دول النهر؛ حيث يضع في الحسبان المياه الخضراء التي تستفيد منها إثيوبيا من نواحٍ عدة منها سياحة السفاري، كما أنه الأقرب لمبدأ عدم الضرر الذي قد يحدث بسبب تلوث المياه نتيجة هذه الاستخدامات التي تحدث في محيط الحوض، كما أنه يعد الأقرب أيضًا لمبدأ التعاون بين الدول المشاطئة، لاسيما أن مصر ليس لها مورد مياه رئيسي آخر سوى النهر، عكس إثيوبيا التي تسقط عليها هذه الكميات الكبيرة من المياه والتي تقدَّر بـأكثر من 930 مليار متر مكعب، ومع ذلك تصرُّ على أن تكون لها حصة في مياه النيل، وربما كان هذا أحد أوجه التباين في وجهات النظر بخصوص عنتيبي.

وقد ظهر هذا التباين المصري-الإثيوبي في مسودة الاتفاق، التي استخدمت المفهومين معًا “الحوض والنهر” في المادة 2/أ، ب، وإن عملت على تضييق نطاق الحوض “وجهة نظر دول المصب”؛ إذ يستخدم وفق الفقرة “أ” فقط في قضايا الحفاظ على البيئة وتنمية النهر وصيانته وليس فيما يتعلق بقضايا المياه وحجمها وبالتالي توزيعها؛ حيث نصَّت الفقرة “أ” على أنه “يُقصد به المنطقة الجغرافية المحدودة بحدود المستجمع المائي لشبكة نهر النيل، على أن يُستخدم المصطلح عند معالجة جوانب الحماية البيئية والصيانة والتنمية”، أما النهر فيُستخدم فيما يتعلق بالانتفاع بالمياه وفق الفقرة “ب” “وجهة نظر دول المنبع”، التي عرَّفت شبكة أو نظام مياه النيل (Nile River System) بأنه نهر النيل والمياه السطحية والجوفية الخاصة به، ويُستخدم هذا المصطلح عند معالجة الانتفاع بالمياه(4).

2- مفهوم الأمن المائي

يعد هذا المفهوم من المفاهيم المستحدثة؛ حيث لم يرد في اتفاقيات مماثلة، وإنما طرحه وفد البنك الدولي المشارك في اجتماعات أديس أبابا، يناير/كانون الثاني 2006، كمفهوم بديل عن الاتفاقيات السابقة التي كانت تصرُّ عليها دولتا المصب وتعارضها دول المنبع، وقد وافق الجميع عليه من حيث المبدأ(5)، لكن حدث خلاف بشأنه عند الصياغة النهائية؛ فلقد عرَّفت المادة الثانية في الفقرة (F) الأمن المائي بأنه “حق جميع دول حوض النيل في الوصول الموثوق واستخدام نظام نهر النيل لأغراض الصحة والزراعة وسبل العيش والإنتاج والبيئة”، كما تم النص على ذات المبدأ في البند 9 من المادة الثالثة والتي أكدت على “أنه مبدأ عام لكل دول الحوض”، بينما تم إفراد المادة 14 لذات المبدأ حيث جاء في ديباجتها “مع مراعاة أحكام المادتين 4 و5، تدرك دول حوض النيل الأهمية الحيوية للأمن المائي لكل منها، كما تعترف الدول بأن إدارة التعاون وتطوير مياه نهر النيل ستسهِّل تحقيق الأمن المائي والفوائد الأخرى، لذلك تتفق دول حوض النيل بروح من التعاون على:

أ‌-        العمل معًا لضمان تحقيق الأمن المائي لجميع الدول والحفاظ عليه”.

ب‌-      تُركت فارغة للتفاصيل الخاصة بذلك.

ومناط الخلاف بين دول المنبع والمصب يتعلق بحجم الضرر: هل هو الضرر البسيط “السلبي” أم الضرر الكبير أو “الجسيم ذو الشأن؟”.

وخلال المفاوضات بات هناك تعريفان للمادة 14 (ب):

الأول تبنته دول المنبع السبع استنادًا للمبدأ رقم 6 من مسودة الاتفاقية الخاص بحق دول حوض النيل في استخدام المياه داخل أراضيها؛ حيث أكد هذا المبدأ على أن “لكل دولة في حوض النيل الحق في استخدام مياه نظام نهر النيل داخل أراضيها بطريقة تتفق مع المبادئ الأساسية الأخرى المشار إليها هنا (حُسن النية وتجنُّب الضرر الكبير الذي كان عنوان البند الخامس من المادة 3)، واستنادًا لذلك تبنت دول المنبع هذا التعريف للمادة 14 “ب” وهو “عدم التأثير -أي الاستخدام- بشكل كبير على الأمن المائي لأي دول أخرى في حوض النيل”، لكنَّه حظي باعتراض السودان ومصر، التي قدَّمت صياغة أخرى هي “عدم التأثير سلبًا على الأمن المائي والاستخدامات والحقوق الحالية لأي دولة أخرى في حوض النيل”(6).

لكن هذه الصياغة رُفضت من دول المنبع وبالتالي بات الخلاف حول صياغة عدم التأثير بشكل كبير “جسيم”، أو عدم التأثير السلبي.

وإزاء هذا التباين الذي استمر قرابة تسع سنوات، قرَّر الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء النيل المنعقد في كينشاسا (22 مايو/أيار 2009)، رفع المادة 14 (ب) من الاتفاقية ووضعها كملحق، على أن تقوم لجنة حوض نهر النيل بحل الخلاف بشأنها خلال ستة أشهر من إنشائها، لكن مصر والسودان رفضتا مرة أخرى هذا الاقتراح، وطالبتا بالاستمرار في المفاوضات لحين التوصل لحل لهذه المادة، واقترحتا إنشاء لجنة النيل بموجب إعلان رئاسي من الدول الأعضاء، لصياغته قبل التوقيع على الاتفاقية، لكن الاقتراح المصري قوبل بالرفض من دول المنبع بدعوى عدم استناده لأي أساس قانوني(7). لذا فإن هذه القضية” الأمن المائي” ستناقشها الاتفاقية الجديدة بعد دخولها حيز النفاذ

3- شرط الإخطار المسبق

حرصت مصر على التأكيد على هذا المبدأ الوارد في الاتفاقيات التاريخية السابقة، وفي المقابل رفضته دول المنبع التي حرصت على عدم تضمينه في مبادئها العامة، أو بنودها. وإزاء هذا التباين، تمت الإشارة إليه بصورة غير مباشرة في المادة 3/البند 8 الذي جاء تحت عنوان “معلومات بشأن التدابير المخطَّط لها”، وتنص على “مبدأ قيام دول حوض النيل بتبادل المعلومات حول الإجراءات المخطط لها من خلال هيئة “مفوضية” حوض نهر النيل”، وهي تشبه إلى حدٍّ كبير ما جاء في المادة 8 تحت عنوان التدابير المخطط لها، وتنص على(8):

1. توافق دول حوض النيل على تبادل المعلومات من خلال هيئة حوض نهر النيل.

2- تلتزم دول حوض النيل بالقواعد والإجراءات التي تضعها هيئة حوض نهر النيل لتبادل المعلومات بشأن الإجراءات المخطط لها.

لكنَّ مصر تحفظت على هذه الصياغة، كما طالبت بإدراج هذا المبدأ في صلب الاتفاقية وليس في ملاحقها.

 4 – آلية اتخاذ القرارات

لقد كان البند الثالث من المادة 36 والمعنون بـ”عملية التصويت على تعديل الإطار والبروتوكولات الأخرى”، أحد النقاط الخلافية بين دول المنبع والمصب؛ إذ أصرَّت دول المصب على ضرورة اتخاذ القرارات بالإجماع “التوافق”، أو بأغلبية الثلثين المشروطة بموافقتها؛ ما يعني إعطاءها حق الفيتو على أية قرارات، بينما أكدت دول المنبع على أن هناك بعض القرارات تؤخذ بالإجماع، في حين تُبذل الجهود للحصول على هذا التوافق أو الإجماع في قرارات أخرى، وإن تعذر يتم تمريرها بموافقة ثلثي الدول دون وجود حق الفيتو لأي منها. لذا، جاء نص هذا البند في المسودة على النحو التالي “لا يجوز تعديل المواد من الأولى إلى الخامسة، وأيضا الثامنة والتاسعة، وكذلك الرابعة عشرة، والثالثة والعشرين والتي بعدها، ومن الرابعة والثلاثين إلى السابعة والثلاثين من هذا الإطار إلا بتوافق الآراء، وفيما يتعلق بالتعديلات المقترحة على مواد أخرى أو على أي بروتوكول، تبذل الأطراف قصارى جهدها للتوصل إلى اتفاق بتوافق الآراء، وإذا استُنفدت جميع الجهود المبذولة للتوصل إلى توافق في الآراء، ولم يتم التوصل إلى اتفاق، يُعتمد التعديل كملاذ أخير بأغلبية ثلثي الأصوات”(9).

وإزاء استمرار تحفظات مصر والسودان، قررت دول المنبع خلال اجتماع المجلس الوزاري في شرم الشيخ بمصر (13 أبريل/نيسان 2010)، فتح الاتفاقية بصيغتها الراهنة للتوقيع، وفي 14 مايو/أيار 2010، وقَّعت عليها 4 دول، هي: إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا، تلتها كينيا بعدها بخمسة أيام، ثم بوروندي في 28 فبراير/شباط 2011، ثم جنوب السودان 2012، فيما لم توقِّع الكونجو الديمقراطية، بالإضافة لمصر والسودان.

وبموجب القسم السادس من الاتفاقية والذي يتضمن إجراءات التعديلات والتصديق عليها ودخولها حيز النفاذ “المادة 43″، فإن الاتفاقية لا تكون نافذة إلا بعد 60 يومًا على الأقل من تصديق سادس دولة على الوثيقة أو الانضمام إليها وإيداعها لدى الاتحاد الإفريقي، كما أن الدول الموقِّعة عليها غير ملزمة بالتصديق عليها، فالتوقيع بمنزلة خطوة وسيطة تشير من خلالها البلدان إلى استعدادها للتصديق عليها مستقبلًا؛ وإن كان هذا التوقيع يفرض عليها التزامًا بعدم القيام بأي أعمال من شأنها أن تقوِّض هدف وغرض الاتفاقية. ولقد أعطت الاتفاقية المرونة لإعادة النظر في بنودها؛ إذ يمكن إعادة التفاوض بشأنها؛ وإذا نتج عن ذلك تغييرات في النص، فستخضع الوثيقة الجديدة مرة أخرى لعملية التوقيع والتصديق المكونة من خطوتين، وليس للاتفاقية أثر قانوني على الدول التي لم توقِّع أو تصدِّق عليها. ومع تصديق جنوب السودان الأخير دخلت الاتفاقية حيز النفاذ

ثانيا: ماذا يعني دخول الاتفاقية حيز النفاذ “انعكاسات التصديق على مصر”

بالرغم من أن اتفاقية عنتيبي غير ملزمة لمصر، لأنها لم توقع عليها، إلا أن لها مجموعة من التداعيات ” السلبية” عليها:

  1. إنهاء فكرة الحقوق التاريخية المكتسبة التي تنادي بها مصر وفق الاتفاقيات السابقة، والحديث بدلا من ذلك عن مبدأ الاستخدام العادل “المنصف” والمعقول. وهو ذات المبدأ الذي نصت عليه الاتفاقية الإطارية التي وقعتها مصر والسودان وإثيوبيا في مارس /آذار 2015، ما يعني أن إثيوبيا ودول حوض النيل باتت هي المتحكمة في تحديد حصة مصر المائية (85% منها تأتي من الهضبة الإثيوبية، 15% من بحيرة فيكتوريا) وبالتالي ستخضع حصة مصر لاعتبارات متعددة وفق هذا المبدأ، وما يرتبط به من فترات الجفاف والجفاف الممتد، وهو ما يعني إمكانية تراجع هذه الحصة، أو بمعنى آخر تباينها من عام لآخر.

  1. ضعف الموقف التفاوضي المصري في مواجهة دول حوض النيل بصفة عامة، التي لا تعترف بالاتفاقيات السابقة التي تحدد الحصص المصرية، وبالتالي فإن التفكير المصري في أي جهود تعاونية مع هذه الدول، قد يجعلها أمام خيارين، إما القبول بشروط عنتيبي، أو وقف مشاريع التعاون المائي التي تحتاج إليها بشدة في ظل حالة الفقر المائي الذ حددته الأمم المتحدة بألف متر مكعب سنويا للفرد الواحد ” حصة المواطن المصري أقل من500 متر مكعب سنويا “، ولا شك أن هذه المشاريع المشتركة من شأنها حسن استغلال مياه النيل، وإمكانية استغلال الفواقد المائية الهائلة التي لا يتم الاستفادة منها، وتحتاجها مصر بشدة، ومما يزيد من تعقيد الأمور إمكانية اتخاذ المفوضية الجديدة قرارات تضر بمصالح مصر المائية.
  2. حرمان مصر من التمويل الدولي، فالمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، والصندوق الإنمائي للأمم المتحدة ستجعل أولوية التمويل للمشاريع المائية المشتركة مقارنة بالمشاريع الثنائية . وبالتالي فإن هذا التمويل ستحصل عليه دول اتفاقية عنتيبي، مقابل حرمان مصر منه.
  3. تفاقم مشكلة المياه في مصر بسبب إمكانية تذبذب حصتها، واضطرارها في المقابل للاعتماد على مشاريع إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي مرة أخرى، فضلا عن عملية تحلية مياه البحر، وهي عملية مكلفة جدا، فعملية تحلية المتر الواحد من مياه البحر بحسب بعض الخبراء(10)، تتكلف 5 جنيهات مصرية قبل 4 سنوات “الدولار يساوي 15 جنيه، أي أن المليار متر مكعب يتكلف 5 مليارات جنيه، فإذا كانت مصر ستقوم بتحلية 10 مليار متر مكعب، فمعنى هذا أنها تحتاج إلى 50 مليار جنيه”. وربما هذه التكلفة أقل من تكلفة تحلية مياه الصرف الصحي لتكون جاهزة للشرب، حيث تخضع لعملية تحلية ثلاثية المراحل، ما يزيد من تكلفتها، وتبلغ هذه التكلفة بحسب تصريحات سابقة للسيسي قبل 4 سنوات ب 60 مليار جنيه(11)” أي ما يعادل 4 مليار دولار.

ثالثا: عنتيبي وسد النهضة

يمكن القول إن التصديق على اتفاقية عنتيبي سيؤثر بصور أو أخرى على موضوع ملف سد النهضة، من عدة نواح:

  1. ضعف الموقف المصري في مواجهة الموقف الإثيوبي بشأن سد النهضة.. فإثيوبيا لن تكترث بحقوق مصر التاريخية، وستستمر في عملية الملء الخامس التي بدأت في يوليو بعد التصديق على عنتيبي بأسبوع، حيث يبلغ حجم الملء الخامس المتوقع 23 مليار بنهاية سبتمبر القادم، ليصبح إجمالي ما يتم تخزينه 64 مليار متر مكعب من إجمالي 74 مليار متر مكعب. أي لن يتبق سوى 10 مليار متر مكعب فقط. ومن ثم فإن أية عملية تفاوض محتملة لن تكون ذات جدوى مع قرب اكتمال ملء بحيرة السد، كما أن أديس أبابا لن تكترث بكون موسم الأمطار غزيرا أم متوسطا، أم شحيحا، ناهيك عن عدم إعطاء معلومات بشأنه لمصر. ويؤدي عدم التنسيق المسبق، إلى حدوث ضرر لمصر، حتى في حالة الفيضان العالي أو المتوسط، إذ إن غياب هذه المعلومات المسبقة، يجعلها دائما، تحافظ على المياه المخزنة في بحيرة السد العالي، وبالتالي عدم ضخها للمزارعين العاملين في مجال الزراعات التي تحتاج إلى مياه كثيفة مثل الأرز، ومن ثم حرمان ملايين المزارعين من زراعة أراضيهم، وعندما يأتي موسم الفيضان مرتفعا، تضطر مصر لتصريف جانب كبير من مياه بحيرة السد إلى مفيض توشكي دون استفادة منها، لتوفير حيز في البحيرة لاستقبال مياه الفيضان الجديد. لذا دائما ما تطالب مصر بضرورة التنسيق مع إثيوبيا في مجال توفير المعلومات خلال الملء الأول، ثم عند بدء عملية الملء المتكرر وتشغيل السد بعدها، وهو ما ذهبت إليه المادة 5 من إعلان مبادئ الخرطوم “مارس 2015 “، التي نصت على اتفاق الدول الثلاث على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي للسد، والتي يجوز لمالك السد ” إثيوبيا ” ضبطها من وقت لآخر، مع إخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية التشغيل، و لضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتي المصب، ستنشئ الدول الثلاث، من خلال الوزارات المعنية بالمياه، آلية تنسيقية مناسبة فيما بينهم”. لكن دائما ما تتهم مصر، إثيوبيا بتعمد إخفاء المعلومات عنها، مما يؤثر على سياسة الري والزراعة المصرية، التي تبنى على تخمينات، تضر المصريين حتى في سنوات الفيضان والفيضان المتوسط(12).

لقد لخص وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري الأضرار المختلفة لسد النهضة على مصر في خطابه أمام مجلس الأمن 1 مايو 2020 “أي قبل الملء الأول”، حيث جاء نصا ما يلي “… يمكن أن تكون هناك آثار كارثية على مصر جراء المشاريع التي تقوم بها إثيوبيا، إذ ستضيع ملايين فرص العمل وستختفي آلاف الهكتارات من الأرضي الصالحة للزراعة وستشهد الأراضي زيادة في الملوحة وتزداد تكلفة الواردات الغذائية بصورة هائلة، وزيادة نسبة التحضر بسبب نزوح مواطني الريف؛ وبالتالي زيادة معدلات البطالة والجريمة والهجرة عبر الوطنية.. أي انخفاض في المياه بمقدار مليار متر مكعب سيؤدي في القطاع الزراعي إلى فقدان 290 ألف شخص لدخلهم، وفقدان 130 ألف هكتار} 320 ألف فدان{، وزيادة قدرها 150 مليون دولار في الواردات الغذائية، وخسارة 430 مليون دولار في الإنتاج الزراعي…… ومع استمرار النقص في المياه على مدى فترة طويلة ستحدث تداعيات لا تحصى ولا تعد على قطاعات اقتصاد مصر وعلى استقرار البلد الاجتماعي والسياسي”(13).

وهنا نذكر بأن القاهرة أعلنت في ديسمبر الماضي توقف المفاوضات بسبب المماطلات الإثيوبية “، فما بالنا مع هذا الزخم الذي حصلت عليه أديس أبابا بتصديق جنوب السودان على عنتيبي، والذي جعل رئيس الوزراء أبي أحمد يصفه بأنه لحظة تاريخية لبلاده. لكن ربما يكون التفاوض مستقبلا بشأن عملية الإدارة المشتركة للسد، وإن كانت أديس أبابا تعتبر هذا أيضا يدخل في إطار سيادتها الوطنية.

  1. عدم حرص إثيوبيا على التوصل لاتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، خاصة وأن لديها خطة مستقبلية لإنشاء 33 سدا آخر، منها 3 على النيل الأزرق ب بسعة تخزينية إجمالية تقدر ب 138 مليار متر مكعب، لتخفيف الحمل عن سد النهضة من خلال خفض سرعة تدفق المياه إليه، وحجز كمية من الطمي، وبالتالي إطالة عمره. ومعروف أن النيل الأزرق يساهم بـ ٥٠ مليار م3، أي ما يعادل 70% من حجم المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية، و60% من إجمالي المياه عند أسوان؛ وبالتالي فهو الأكثر أهمية بالنسبة لمصر التي تعتمد على مياه النيل بنسبة 93%.

 هذه السدود هي:

– سد كارادوبي جنوب بحيرة تانا، بسعة تخزينية 40 مليارًا م3، وطاقة كهربائية 1600 ميجاوات.

– سد مندايا غرب كارادوبي، بسعة تخزينية 49 مليارًا م3، وطاقة كهربائية تتراوح بين (1600-2000) ميجاوات.

– سد بيكو أبو الذي اختير بدلًا من سد مابيل، شرق الحدود السودانية، بسعة تخزينية 49 مليارًا م3، وطاقة كهربائية 1600 ميجاوات، وبتكلفة تقدر بـ2 مليار دولار.

هذه السدود تحفظت عليها مصر عندما قدمتها إثيوبيا عبر المكتب الفني الاقليمي لحوض النيل الشرقي “الإنترو” عام 2010، لإبداء الرأي بشأنها، حيث شكلت مصر في حينها وفدا فنيا من مختلف التخصصات لدراستها ؛ وكانت النتيجة التحفظ عليها لآثارها السلبية ليس فقط على حصتها المائية خلال فترة الملء الأول، ولكن على كهرباء السد العالي، وحصة مصر من الزراعة المروية، ونفس الأمر طال سد بوردر أو الحدود “أحد الأسماء السابقة لسد النهضة”، حيث أشارت بعض السيناريوهات لاحتمال انهياره، وبالتالي تدمير سدي الروصيرص وسنار السودانيين، فضلا عن غرق الخرطوم، وصولا لجنوب مصر(14).

رابعا السيناريوهات وطبيعة الخيارات المصرية المتاحة

 يشكل التصديق على عنتيبي، تحديا كبيرا أمام مصر والحكومة الجديدة خاصة بعد تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في بيان الحكومة أمام البرلمان في شهر يوليو/ تموز 2024، بأن الحكومة ستعمل على حماية أمن مصر المائي، من خلال تعزيز التعاون مع دول حوض النيل والقرن الأفريقي، ولعل صمت مصر الرسمي بعد التصديق، مقابل الترحيب الإثيوبي يحمل دلالة في هذا الشأن. وهنا يدور السؤال حول البدائل أو السيناريوهات المقترحة لمصر لمواجهة عملية التصديق.

البدائل الدبلوماسية.. وهي تتضمن مجموعة من الآليات

  1. إمكانية إعادة التفاوض مع دول الحوض بشأن البنود المختلف عليها، خاصة وأنها ستناقش البند الخاص بالأمن المائي المتحفظ عليه مصريا خلال ستة أشهر من دخول الاتفاقية حيز النفاذ، لكن هذا التصور قد يصطدم بالرفض الإثيوبي. فإثيوبيا من وجهة نظرنا، ترغب في أن تصبح الطرف الفاعل والمهيمن والمبادر في حوض نهر النيل، وفي منطقة الشرق الأفريقي ككل، ولم يكن سد النهضة تكتيكا عابرا، بل سبقته سدود أخرى تمت بصورة منفردة مثل تكيزي، وتانا بيليس، وسيليه سدودا أخرى “ثلاثة منها في المنظور القريب هي كارادوبي ومندايا وبيكو أبي بسعة إجمالية تبلغ حوالي 138 مليار متر مكعب”، وباقي الثلاثين التي أوصى بها المكتب الأمريكي في خمسينيات القرن الماضي، على المديين المتوسط والبعيد، وبالتالي حرصت أديس أبابا في مفاوضات واشنطن 2020، وما بعدها، على مطالبة مصر أولا بالانضمام إلى اتفاقية عنتيبي، ثم الموافقة على إقامة سدود أخرى دون توضيح ماهية هذه السدود، ودون تقديم الدراسات عنها أولا لتتم مناقشتها وتحديد مدى الفائدة والضرر التي قد يترتب عليها(15).

وقد يسمح السياق الإقليمي والدولي لإثيوبيا، القيام بذلك، لا سيما في ظل علاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أن إدارة بايدن، لم ترغب في فرض ضغوط عليها لصالح مصر، بل ألغت قرار ترمب الخاص بربط تعليق المساعدات بموقف أديس أبابا من السد، وذلك حتى لا تخسر إثيوبيا كحليف ” ووكيل ” هام لضمان الأمن في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

ومعنى هذا أننا قد نكون أمام نظام هيمنة مائية جديدة بقيادة إثيوبية، لم تتضح معالمه الكلية بعد، وأن سد النهضة هو نقطة البداية الحقيقية في هذا الشأن.

  1. السعي المصري لتشكيل تحالف إقليمي يضم باقي دول الحوض التي لم توقع على عنتيبي الكونغو الديمقراطية وإريتريا، أو تلك التي وقعت ولم تصادق عليها كينيا، كما يمكن أن يتسع التحالف ليضم السودان، وبعض دول الجوار الإثيوبي التي تشهد علاقات متوترة مع أديس أبابا في الآونة الأخيرة مثل الصومال وجيبوتي.

وهنا يمكن القول إن مصر أمام فرصة تاريخية، لمحاولة تشكيل تحالف إقليمي بقيادتها، يضم دول الجوار الإثيوبي، مستغلة حالة السخط العام لدى هذه الدول من الاتفاق الأخير لأديس أبابا مع أرض الصومال أوائل هذا العام للحصول على مساحة 20 كيلو متر في محيط ميناء بربرة لمدة 50 عاما، مقابل الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، وحصولها على حصة من شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، ومن ممارسات أبي أحمد بصفة عامة، لا سيما بعد هيمنته بصورة شبه مطلقة على مقاليد الأمور بعد الانتخابات الأخيرة عام 2021، والتحول من سياسة “صفر مشاكل” التي انتهجها في عامه الأول من الحكم ” 2018 “، إلى سياسة إثارة المشاكل مع دول الجوار عبر سعيه لفرض الهيمنة الإثيوبية في الإقليم.

لذا ربما يكون المدخل الأول لمصر في هذا الشأن، هو تقويض التحالف الذي أسسته إثيوبيا عام 2018 مع كل من الصومال، وإريتريا، لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز التنمية الاقتصادية

– فالصومال الآن يرغب في إثبات أحقيته في السيادة على كامل أراضيه، وعدم حصول أي اعتراف بأرض الصومال، لذا لم يقتصر الأمر على رفضه الاتفاق، والتصعيد ضد إثيوبيا، بل لجأ لخصوم أديس أبابا، فكانت أسمره المحطة الأولى للرئيس حسن شيخ محمود “12 يناير الماضي”، ثم القاهرة “21 يناير.

– ونفس الأمر بالنسبة لإريتريا التي ترى أن هذا الاتفاق لن يأتي فقط على حساب موانئها التي تستخدمها إثيوبيا في عملية التصدير” مصوع وعصب”، لكن وهذا هو الأهم تخشى من إمكانية قيام أبي أحمد بمحاولة الاستيلاء على ميناء عصب من جديد في ظل طموحاته التوسعية من ناحية، وبعد البيان الصادر من الحكومة والذي يري أن أديس أبابا فقدت منفذها إلى البحر” المنفذ الإريتري” نتيجة “خطأ تاريخي وقانوني” في إشارة إلى الموافقة عام 1991 على استفتاء استقلال أسمرة عن أديس أبابا، لذا وحسب البيان فإن “الحكومة الإثيوبية تعمل منذ سنوات “لتصحيح هذا الخطأ”. ومما يزيد من تعقيد العلاقات بين الجانبين، رفض أسمرة اتفاق بريتوريا الذي وقعته إثيوبيا مع جبهة تغراي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، لوقف الحرب، وما تردد من دعم أسمرا لجبهة فانو الأمهرية في حربها الأخيرة ضد النظام، علاوة على بداية التقارب “مجددا” بين إريتريا والنظام المصري.

لذا فإن مصر يمكن أن تستغل هذه التطورات في محاولة تشكيل هذا التحالف مع كل من الصومال، وإريتريا، وربما مهدت زيارة الرئيس الصومالي الأخيرة للقاهرة “يناير الماضي”، والدعم المصري للصومال، وكذلك زيارة وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري لأسمرة بعد انتهاء زيارة الرئيس الصومالي لها مباشرة، وتصريحاته بأن إثيوبيا “باتت مصدراً لبث الاضطراب في محيطها الإقليمي”، مؤشرا على إمكانية حدوث تقارب بين الدول الثلاث حول رفض هذه الهيمنة الإثيوبية.

أما بالنسبة لجيبوتي، فهي تعد أحد أبرز المتضررين من الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال لاعتبارين، الأول أنه جاء بعد يومين فقط من الاتفاق التي رعته بين الصومال وأرض الصومال، والذي نص على استئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين مع التركيز على القضايا المصيرية” الانفصال أم الوحدة”، وهو ما يعني نسف جهود جيبوتي الدبلوماسية، ونسف فكرة المفاوضات، أما الاعتبار الثاني، فهو أن هذا الاتفاق قد يضر بمصالح جيبوتي الاقتصادية، حيث تمر عبر أراضيها 95% من التجارة الخارجية الإثيوبية، وتحصل في مقابل ذلك على رسوم تتراوح بين مليار ونصف، وملياري دولار. ومن ثم، فإنها تدرك أن أبي أحمد يسعى للبحث عن منافذ أخرى غير منفذها. ويبدو أن مصر تسعى منذ فترة لتوطيد العلاقات مع جيبوتي التي كان السيسي أول رئيس مصري يزورها في مايو/ أيار 2021.

أما الدولة الخامسة التي يمكن أن تنضم إلى هذا التحالف فهي السودان، التي شهدت علاقتها توترا مع أديس أبابا، خاصة في ظل دعم أديس أبابا لحميدتي في مواجهة البرهان والقوات المسلحة(16). وإن كانت الزيارة الأخيرة التي قام بها أبي أحمد للبرهان مؤخرا، والتوسط بينه وبين الإمارات المتهمة بدعم قوات الدعم السريع، قد يجعل السودان يقف على الحياد مؤقتا، أو وربما هذا هو الأخطر، قد تدفعه الظروف الحالية إلى إمكانية الانضمام لعنتيبي، خاصة في ظل وجود تيار داخل السودان يرى أن سد النهضة أو عنتيبي لا تضر بالمصالح المائية السودانية.

– أما سادس هذه الدول التي يمكن أن تنضم لهذا التحالف، فهي كينيا، والتي باتت هامة جدا لكونها الدولة الوحيدة التي وقعت على عنتيبي، ولم تصادق عليها حتى الآن، لكن التحرك المصري قد يصطدم بالتحركات الإثيوبية التي تحاول إقناع نيروبي بالتصديق على الاتفاقية، والدخول إليها عبر فكرة التكامل الإقليمي والعوائد من المشاريع الإقليمية المشتركة، ومنها مشروع إنشاء خط سكة حديد كهربائي عالي السرعة “مشروع لابست-(Lapsset) ” الذي يمتد من لامو الكينية حتى أديس أبابا وجوبا بتكلفة ضخمة تقدر بـ13 مليار دولار، وعائد سنوي يقدر ب 12%، ويتم البحث الآن عن مصادر للتمويل من المؤسسات الدولية المانحة(17).

ويمكن لهذا التحالف “المقترح” تقويته عبر إيجاد داعمين إقليميين له، وهنا تبرز تركيا التي ازداد اهتمامها بمنطقة القرن الإفريقي “خاصة الصومال”، وإثيوبيا” دعم أبيي أحمد بمسيرات بيرقدار خلال حربه الأخيرة مع التغراي”، فضلا عن السودان. فالتحركات التركية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي، وهذا النفوذ المتعاظم،، يمكن استغلاله مصريا في ظل التقارب الأخير بين القاهرة وأنقره، في تشكيل تحالف إقليمي مصري مدعوم تركيا ضد إثيوبيا.. هذا التحالف يمكن استخدامه للضغط على أديس أبابا في موضوع سد النهضة تحديدا ” مستغلة الخبرة التركية في مجال مفاوضات السدود”، فضلا عن علاقاتها الوطيدة حتى الآن مع أبي أحمد، علاوة على تقارب الجانبين المصري والتركي مع الصومال، والذي قد يكون أداة لأي منهما في تطويق إثيوبيا وكبح جماحها في المنطقة.

– كما يمكن استغلال التقارب التركي مع الصومال، في قيام الأخيرة بدعم قوى المعارضة المناوئة لأبي أحمد. ونفس الأمر يمكن تصوره بالنسبة لجيبوتي ثاني أكبر متضرر من الاتفاق الأخير بين أديس أبابا وأرض الصومال.

ويمكن لهذا التقارب المصري التركي حال تحققه في القرن الأفريقي، أن يكون مدخلا لتسوية الخلافات بين الجانبين في ملفات أخرى سواء في ليبيا أو بالنسبة لغاز شرق المتوسط.

البدائل القانونية

يمكن القول بوجود عدة بدائل أمام مصر في هذا الشأن:

  1. طلب مصر من الجمعية العامة للأمم المتحدة أو من مجلس الأمن فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية حول مدى قانونية اتفاقية عنتيبي وتأثيرها في الحقوق التاريخية المكتسبة، وهذا يتطلب جهدا دبلوماسيا كبيرا، فضلا عن كون رأي المحكمة الاستشاري غير ملزم، وقد لا يتم الالتفات إليه حال موافقة أطراف النزاع على اللجوء للتحكيم الدولي، ناهيك عن أن دول اتفاقية عنتيبي أعلنت سعيها للبحث في موضوع الأمن المائي “موضع اعتراض مصر “، حيث تم الاتفاق على حل القضية الخلافية المتعلقة بالأمن المائي معالجة المادة 14ب – في غضون ستة أشهر، والتفاوض على شروط مقبولة لجميع الدول الأعضاء، فضلا عن إعلانها بذل الجهود الدبلوماسية لإقناع كل من مصر والسودان، بل والكونغو الديمقراطية وإريتريا بالانضمام للاتفاقية(18)، ما قد يعني رفض الجمعية العامة و مجلس الأمن إحالة الموضوع للمحكمة، ناهيك عن عدم وقوع ضرر حقيقي على مصر من هذه الاتفاقية التي لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن ” يفترض أن يتم ذلك في سبتمبر المقبل بعد 60 يوما من مصادقة برلمان جنوب السودان في 8 يوليو الماضي”.
  2. إعلان مصر الانسحاب من اتفاق الخرطوم 2015 الخاص بسد النهضة الذي لم يصادق عليه البرلمان حتى الآن. صحيح أن هذا الإجراء لن يغير من الأمر الواقع شيئا، لكنه سيعيد الطعن في مشروعية سد النهضة، أو التأثير على تمويل المؤسسات الدولية للسدود الأخرى المستقبلية.

بدر حسن شافعي – استاذ الدراسات الافريقية وخبير في تسوية الصراعات – مصر

مركز الجزيرة للدراسات




الانتخابات الرئاسية الأميركية: رهانات غير مسبوقة على المحك

تضافرت مجموعة من العوامل غير المتوقعة لترشيح كامالا هاريس، بديلًا عن جو بايدن لمواجهة ترامب، فدخلت الانتخابات الأميركية في طور جديد. قد يؤدي هذا التطور إلى تحسين آلية الدمج السياسي، وقد يؤدي، في المقابل، إلى مزيد من الإقصاء الذي يمكن أن يدفع إلى التطرف والفوضى وإضعاف المؤسسات القائمة.


أحدث ترشيح نائبة الرئيس، كامالا هاريس، لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة عن الحزب الديمقراطي زخمًا جديدًا ستكون له آثار مهمة على السباق الانتخابي. لقد حدث من قبل أن ترشح نواب الرئيس لمنصب الرئاسة خلال فترة رئيس آخر لم يترشح سواء بقرار منه أو لعارض يتجاوزه مثل الوفاة، وقد حصلت هذه الحالة في نحو تسع مرات في تاريخ الولايات المتحدة. لكن التحول الجديد مع هاريس هو أن يكون نائب الرئيس المترشح امرأة ومن أصول ملونة (أمها هندية، ووالدها جامايكي) ومن أبناء الجيل الأول للمهاجرين (والداها هاجرا للولايات المتحدة للدراسة، أمها في 1958 ووالدها في 1960).

يضيف ترشح هاريس في السياق الحالي للولايات المتحدة تحديًا إضافيًّا. كان التحدي السابق هو المواجهة بين المدافعين عن المؤسسات السياسية الأميركية القائمة، وهم المترشحون عن الحزب الديمقراطي منذ 2016، والمهاجمون لها، وهو دونالد ترامب، الرئيس السابق والمرشح الحالي. وقد بلغ الخلاف بين الطرفين إلى رفض ترامب الاعتراف بصحة نتائج الانتخابات التي فاز بها جو بايدن في 2020. أما التحدي الذي يضيفه ترشح كاملا هاريس فهو نموذج اندماج المهاجرين من أصول غير بيضاء ومن خلفيات ثقافية ليست مسيحية بالكامل. فهاريس تصلي في كنيسة معمدانية لكنها تحتفل أيضًا بالعادات الهندوسية. في المقابل، يهاجم ترامب المهاجرين، ويعتبرهم سببًا رئيسيًّا في مشاكل الولايات المتحدة، ويتعهد بصد باب الهجرة، ليس على المسلمين فقط، بل على المسيحيين القادمين من المكسيك أيضًا.

قد يفاقم هذا الوضع المستجد حدة الاستقطاب السائد أصلًا بين التيارين الرئيسيين في الولايات المتحدة، تيار يمثله الديمقراطيون يتمسك بالحفاظ على قواعد النظام السياسي الأميركي، وتيار جمهوري يمثله ترامب يشكِّك في صحة هذه القواعد والهيئات المشرفة عليها.

هل يرجح ترشيح كامالا هاريس حظوظ الديمقراطيين للفوز في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024؟ وهل يعزز هذا الترشيح نموذج قواعد الترقية من مختلف الفئات العرقية والثقافية والاجتماعية، أم إنه سيقوي ردَّة الفعل الطاردة التي ترفض هذا المسار في الولايات المتحدة؟

مرشحة الطوارئ

كان ترشيح كامالا هاريس بدلًا من الرئيس بايدن مفاجئًا، وقد ساقت إليه عدة ديناميات تلتقي حول مخاوف الديمقراطيين من قدرة بايدن الخطابية والجسدية على مواجهة ترامب. فقد ارتكب بايدن خلال حكمه عددًا من الأخطاء في أكثر من مناسبة، فخلط بين الأسماء ومناصب الأشخاص والموضوعات، وبدا في حركاته الجسدية ضعيفًا، فتوالى وقوعه. وقد شكَّل كل ذلك انطباعًا بأن قدراته العقلية والجسدية لم تعد تؤهله للقيادة واتخاذ القرار.

لم تشكِّل هذه الشكوك سببًا كافيًا يدعوه للتخلي عن الترشح لعهدة جديدة إلى أن شارك في المناظرة مع ترامب، في 27 يونيو/حزيران 2024، حيث ظهر شاحبًا ضعيفًا وأخطأ مجددًا في بعض الأسماء والمناصب، ولم تكن ردوده على حجج ترامب قاطعة. وقد أفزع هذ الأداء قيادة الحزب الديمقراطي، التي تعزز تقديرها للموقف بسبر للآراء أجرته شبكة سي إن إن عقب المناظرة، خلص إلى أن 66% من الجمهور يعتقدون أن أداء ترامب كان أفضل من بايدن الذي حصل على 33%. تجدر الإشارة إلى أن سي إن إن تُحسب على الاتجاه الديمقراطي المناصر لبايدن، وكان ترامب يعتبرها من القنوات الإعلامية المحرضة عليه.

توالت بعد ذلك الدعوات إلى تنحي بايدن، فنادت بها نيويورك تايمز وواشنطن بوست في افتتاحياتهما، وهما أكبر صحيفتين في الولايات المتحدة. وصدرت الدعوة أيضًا عن شخصيات كبرى في الحزب الديمقراطي، مثل الرئيسة السابقة لمجلس النواب، نانسي بيلوسي، وأعضاء في مجلس الشيوخ. مع تعاظم هذا الضغط، توعد بعض المتبرعين بوقف مساهماتهم المالية إذا لم يتخل بايدن عن السباق، من بينهم الممثل جورج كلوني الذي نظَّم حفلًا لجمع التبرعات للحزب الديمقراطي حصد 30 مليون دولار. وبعد توالي المؤشرات على فقدان بايدن الدعم لمواصلة سباق الرئاسة، أعلن التنحي في 21 يوليو/تموز 2024، وترشيحه لنائبته هاريس لخوص السباق بدلًا عنه.

في هذا السياق العام، تضافرت عوامل أخرى رجَّحت خيار هاريس مرشحة للحزب الديمقراطي للرئاسيات. فهي تحظى بإجماع الحزب على توليها منصب رئيس الجمهورية، وكان يحق لها تولي منصب الرئيس لو وقع لبايدن عارض استثنائي يمنعه من أداء مهامه، فاستفاد قادة الحزب من هذا الإجماع المسبق عليها. ثم إن هاريس تملك مصداقية استعمال إنجازات عهد بايدن كإنجازات لها في حملتها باعتبارها شريكة في صناعة القرار، وهو ما لا يستطيعه مرشح آخر. من ناحية أخرى، قد يؤدي رفض قيادة الحزب ترشيحها لفتح باب الترشحات لغيرها، وقد تتأجج المشاحنات بين القيادات الديمقراطية، وقد تحدث انقسامات فتتشتت أصوات الوعاء الديمقراطي. لذلك، فإن هذا التوافق على هاريس يراعي الوقت القليل المتبقي على اجتماع المؤتمر الديمقراطي، في 7 أغسطس/آب، كي يخرج بمرشح واحد، يخوض بعدها حملته الانتخابية في الأشهر الثلاثة المتبقية. ويتفادى الديمقراطيون بذلك استنزاف طاقاتهم في مشاحنات بين عدد من المترشحين، قد تشق صفوفهم وتشتت قاعدتهم وتشغلهم عن المواجهة الحقيقية مع ترامب.

انطلاقة جديدة

ربما كانت حظوظ هاريس للترشح أقل لو لم تكن الظروف ضاغطة، لكن دلالات اختيارها غيَّرت المشهد الانتخابي لصالحها. فمن الجانب الديمقراطي أعادت الوحدة للحزب وعززت الثقة في إمكانية الفوز، خاصة بعد مسارعة قادة الحزب الكبار لدعمها، مثل بيلوسي، وآل كلينتون، وآل أوباما، وتخلي بقية الديمقراطيين عن منافستها. وقد حصلت في 22 يوليو/تموز، بعد يوم من ترشحها، على أصوات 1976 مندوبًا ديمقراطيًّا، وهي أصوات كافية لحصولها على ترشيح الحزب الديمقراطي في مؤتمره القادم. كذلك، أعطى ترشحها زخمًا لجمع التبرعات، فحصدت حملة الحزب خلال 24 ساعة من إعلان ترشحها 81 مليون دولار، وارتفع المبلغ في اليوم الموالي إلى 231 مليونًا، فحطمت بذلك رقمًا قياسيًّا في تاريخ الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة. علاوة على ذلك، فإن الذين جمعوا هذه التبرعات هم مساهمون صغار، وليسوا أصحاب ثروات ضخمة؛ ما يشير إلى أن التبرعات للحزب الديمقراطي لا تحمل دلالة مادية فقط بل تؤشر إلى عدد الأصوات، وإلى شعور الفئات متوسطة الدخل أو ضعيفته برهانات هذه الانتخابات، والتزامها بفوز مرشح الحزب الديمقراطي. هذه الدلالات ليست متوافرة في المتبرعين الأثرياء للحزب الجمهوري، فقلَّة عددهم لا تعكس بالضرورة عدد الأصوات المحتمل، ولا تدل على حماسة مناصري الحزب للفوز بالانتخابات أو التزامهم الشخصي بإنجاح مرشحهم.

وقد أكدت استطلاعات الرأي هذا التوجه؛ حيث تغيرت نسبة التأييد من 46% لترامب مقابل 44% لبايدن في يونيو/حزيران، إلى 44% لهاريس مقابل 42% لترامب، حسب استطلاع أجرته وكالة رويترز عقب ترشيح هاريس. وأظهر استطلاع ثلاثي أجرته آي بي إس وواشنطن بوست وإيبسوس تقدمها بثلاث نقاط، فحصلت على 49% وترامب على 46%.

ترافقت هذه الأرقام مع تغييرات أعمق، مثل شروع فئات عريضة بالعودة إلى دعم المرشح الديمقراطي بعد أن كانت ترفض دعم بايدن تنديدًا بموقفه الداعم للعدوان الإسرائيلي على غزة. تشمل هذه الفئات الحاضنة الشابة للحزب الديمقراطي، ومكوناته متنوعة الأعراق والثقافات، التي تشترك جميعها في معاناتهم أو معاناة أهاليهم من الفترة الاستعمارية. فلقد أظهر استطلاع أجرته هارفارد للسياسات أن دعم الشباب لبايدن انخفض من 60% في انتخابات 2020 إلى 31% في 2024، وانخفض دعمه أيضًا في الفئات السوداء من 92% صوَّتوا له في 2020 إلى 77% يعتزمون التصويت له في 2024 حسب بيو للأبحاث، كما انخفض دعمه وسط الفئات المسلمة من 64% في 2020 إلى 17% يعتزمون التصويت له في 2024 حسب البوليتيكو.

يقاس تأثير الناخبين ليس من أعدادهم فقط لكن من الولايات التي يؤثرون عليها، وهي الولايات المتأرجحة التي ترجح الفائز بالانتخابات. فالفئات الشابة هي التي رجحت كفة بايدن في الولايات المتأرجحة، ميتشغان وبنسلفانيا ويسكونسن. والسود هم الذين رجحوا كفته في الولايات المرجحة، جورجيا وكارولينا الشمالية وبنسلفانيا. والمسلمون هم الذي رجحوا كفته في ميتشغان وبنسلفانيا. هذه الفئات المؤثرة لا تحمِّل هاريس مآخذها على بايدن، لذلك، انتهزت فرصة ترشيحها لتسارع إلى مراجعة موقفها السابق الرافض لبايدن. ويؤشر على ذلك دعم عضو مجلس النواب، إلهان عمر، ذات الأصول المسلمة، والنائب بيرني ساندرز، الذي يمثل الشباب العنصر الغالب في قاعدته الانتخابية، وكلاهما كان معارضًا لسياسات بايدن.

لم تستعد هاريس كليًّا دعم هذه الفئات التي أسهمت في فوز بايدن بالرئاسة في 2020 لكنها نجحت في إطلاق زخم جديد بما تمثله خلفيتها الثقافية ونضالها السابق، وعدم تحملها المباشر لدعم بايدن لحرب إسرائيل على غزة. وقد يتعاظم هذا الزخم بمرور الوقت إذا نجحت في إبداء مواقف أكثر إنصافًا للفلسطينيين، فتسترد مجددًا الدعم الذي كان ينعم به بايدن في انتخابات 2020، وقد تفوقه.

لقد خدم تنحي بايدن كامالا هاريس، وبقاؤه رئيسًا إلى نهاية عهدته سيخدمها أيضًا لأنه سيساعدها في كسب أصوات الفئات العمالية، أو أصحاب الياقات الزرقاء، الذين ساندوه في انتخابات 2020. وهي الفئات التي لم تكن على صلة وثيقة بهاريس بسبب بُعدها عن هذه الفئات؛ فقد كانت تنشط بالأساس في الهيئات القضائية. لكن بايدن دافع خلال مدته النيابية الطويلة في الكونغرس عن حقوق العمال والنقابات وشارك في إصدار تشريعات ترسخ حقوقهم، فحصل في انتخابات 2020 على 57% من أصوات الأسر النقابية. ومن المرجح أن يصوِّت هؤلاء لهاريس لقناعتهم بأنها ستواصل سياسته في دعمهم مقابل سياسة ترامب التي تغلب مصالح أصحاب رؤوس الأموال وكبار الأثرياء.

في المقابل، خسر ترامب بترشيح هاريس عامل قوة مهم كان يؤطر خطابه الانتخابي، وهو الهجوم المتكرر على نواقص بايدن البادية، مثل التهكم على ضعفه الجسدي، أو الانتقاص من قدراته العقلية، والسخرية من قدرته على التركيز، ومن سقطاته الجسدية واللفظية المتكررة، واتهام ابنه بالفساد. وقد كانت هذه الهجمات فعالة في هز ثقة الناخبين الديمقراطيين ببايدن وفي تعزيز ثقة الناخبين الجمهوريين بقدرة مرشحهم ترامب على الفوز.

لكن هاريس قد تقلب الصورة، فقد صاغت من أول خطاب لترشيحها إطار حملتها، فذكرت أنها ستلعب مجددًا دور المدعي العام الذي كانت تقوم به سابقًا، وستعامل ترامب مثل المجرمين الذين كانت تعاملهم. وهي بذلك ستبني خطابها على وقائع صحيحة، فقد صدرت ضد ترامب أحكام قضائية، وستخاطب الناخبين بلغة بسيطة يفهمونها، وستجذبهم لرغبتهم في تحقيق العدالة على الأقوياء.

بالتأكيد، لا تحسم هذه التغييرات فوز هاريس لكنها عدَّلت دينامية الانتخابات التي كانت تتميز باتجاهين. في الجانب الديمقراطي، أحدث بايدن ارتباكًا في قاعدته الانتخابية وصدوعًا في أركان الحزب، وشعورًا بالعجز وفقدان الثقة بالفوز. وفي الجانب الجمهوري، كان الحزب منظمًا، وملتفًّا حول مرشحه، ويبعث شعورًا في قاعدته بالقدرة على الفوز. وقد ظهرت نتائج هذا التعديل في تقارب هاريس وترامب في نتائج استطلاعات الرأي، التي يبدو في عدد منها تقدم ترامب، وفي أخرى تقدم هاريس. لكن في الحالتين يكون الفارق ضئيلًا يتراوح بين نقطة وثلاث نقاط في الغالب. لكن هذه الدينامية لا تزال في بداياتها وقد يوسع أحدهما الفارق مع اقتراب موعد الانتخابات، وقد يصل إلى الفارق الذي كان في انتخابات 2020، حين كان بايدن يتفوق على ترامب بسبع نقاط، ورغم ذلك كانت نتائج الانتخابات متقاربة، حيث فاز بايدن بـ51.3% من الأصوات وحصل ترامب على 46.8%. وقد تكون نتائج الانتخابات هذه المرة أكثر تقاربًا.

اليوم التالي: أول رئيسة؟

قد تفضي هذه المنافسة الانتخابية إلى فوز هاريس، فتكرر فوز بايدن في انتخابات 2020، وقد رجح هذا الاحتمال آلان ليشتمان، المختص في توقع نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. فقد توقع نتائجها بدقة منذ انتخابات 1984، وتأكدت صلابة منهجه في توقعه فوز ترامب في 2016، رغم أن التقديرات السائدة آنذاك كانت تستبعد هذا الاحتمال كليًّا. ويتشكل نموذج ليشتمان لتوقع الرئيس الفائز من 13 مفتاحًا، إذا حصل المترشح على سبعة مفاتيح، ضمن الفوز. وقد أحصى ليشتمان حصول هاريس على 8 مفاتيح، وبذلك تكون قد ضمنت الفوز. وهذه المفاتيح هي عبارة عن عوامل تكون في صالح المترشح أو ضده. والمفاتيح الثمانية التي في صالح هاريس هي:

  1. لا يوجد منافس جدي لها للترشح عن الحزب الديمقراطي؛ فقد حصلت هاريس على عدد أصوات كاف من الديمقراطيين لتفوز بترشيح الحزب في مؤتمر القادم.
  2. لا يوجد حزب ثالث قوي، يمكن أن يشتت أصوات القاعدة الديمقراطية الناخبة.
  3. وضع اقتصادي متين في المدى القصير، وهي فترة تتراوح بين عدة أشهر وعام، فقد تدنى مستوى البطالة إلى 3.6%، والتضخم أو متوسط الأسعار في السلع الرئيسية إلى 3%.
  4. وضع اقتصادي متين في المدى الطويل، وهو فترة تتراوح من بضع سنوات إلى عشر سنين. وقد كان متوسط النمو خلال سنوات حكم بايدن 3.1%، وهي نسبة نجحت في خفض معدلات البطالة والتضخم، وبيَّن استمرارها استناد النمو على ركائز قوية.
  5. إصلاحات سياسية داخلية كبيرة، نفذتها إدارة بايدن في تقوية البنية التحتية والنظام الصحي.
  6. لم تقع في هذه الفترة احتجاجات واسعة أو اضطرابات.
  7. لم تحدث فضائح ولم تُرتكب فظائع أجمع عليها الحزبان.
  8. لا يملك المنافس ترامب كاريزما طاغية تسحر الجماهير، بل هو -في نظر ليشتمان- قائد استقطابي، عاجز عن توسيع قاعدته خارج الخطوط التي تضمن تماسكها.

لا يكترث نموذج ليشتمان بنتائج استطلاعات الرأي المتقلبة، بل ينصب تركيزه على هذه الأنماط، وقد أثبت أن نموذجه أصاب بخلاف نتائج استطلاعات الرأي، كالحال في انتخابات 2016 التي فاز بها ترامب.

احتمال عودة ترامب

يرجح عدد واسع من استطلاعات الرأي ومراكز التوقع فوز ترامب لكن بفارق ضئيل. فقد توقع مشروع الحكم الجيد أن تكون النتيجة 45% مقابل 40%، ويقوم هذا المشروع الرائد في مجال التوقع على الاحتمالات، وتعتد به الاستخبارات الأميركية في تقديراتها. ليست نتيجة ميتاكولوس مختلفة، وهي منصة مختصة في التوقع الاحتمالي على نفس نمط الحكم الجيد، فقد خلصت إلى أن النتيجة هي 53% لترامب و47% لهاريس. لكن هذا النموذج من التوقعات يجدد تقديراته كلما جدَّت وقائع فيأخذها في الحسبان ويعيد مراجعة الترجيحات. لذلك تتغير النسب بمرور الوقت لأنها تتأثر بالتطورات الجارية.

ما يزيد من احتمالية تغير هذه الترجيحات أن الفروق بين نسب المترشحين ضئيلة، وليس من المستبعد أن تقع تطورات تغير هذه النسب قبل الانتخابات. لذلك، فإن هذه المراكز لا تقدم نتائج حاسمة يمكن الاعتماد عليها في تفنيد نموذج ليشتمان، بل إنها قد تدل على رجحانه لأن نتائجها غير حاسمة، فتعزز بذلك احتمال صحة توقعه.

خطر الاضطرابات

قد تؤدي شخصية ترامب وتقارب النتائج الراجح إلى سيناريو حدوث اضطرابات شبيهة بتلك التي وقعت عقب انتخابات 2020، حين رفض ترامب نتائج الانتخابات واقتحم أنصاره مقر الكونغرس وعبثوا بمقتنياته. لكن قد تكون الاضطرابات هذه المرة أشد، لأن ترامب لا يزال يلمِّح إلى أنه لا يثق في المؤسسات الفيدرالية ويتوعد بتطهيرها. وقد يشتد غيظه إذا انهزم هذه المرة لأنها فرصته الأخيرة، فلا يكتفي برفض النتائج بل قد يتطرف إلى إعلان فوزه، فيكون للولايات المتحدة فائزان بالرئاسة، يطالب كل منهما بالاعتراف به داخليًّا وخارجيًّا. وقد تحدث تصدعات في الهيئات الفيدرالية، أو يرفض بعضها التصدي لمناصري ترامب في حال هاجموا مراكز الخصوم. وقد تحدث انقسامات في ولاء الولايات، وقد ينزع بعضها إلى الخروج من الاتحاد.

قد يبدو هذا سيناريو متطرفًا، لكن احتماله يظل قائمًا وإن كان ضعيفًا. فقد ظهرت بوادره من قبل وقد تتفاقم مع زيادة الاستقطاب أثناء الحملة الانتخابية. ورغم استبعاد هذا السيناريو في الوقت الراهن لأن المؤسسات الفيدرالية قوية والتقاليد الديمقراطية لا تزال راسخة، فقد يؤدي الهجوم المتكرر على النظام السياسي ومؤسساته إلى صدوع تتسع مع الوقت، خاصة إذا كانت نتائج الانتخابات متقاربة كما ترجح أغلب التقديرات.

مركز الجزيرة للدراسات




سيناريوهات الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران

تستكشف هذه الورقة الاستجابات الإيرانية المحتملة لاغتيال إسماعيل هنية، وتقدم تحليلًا عميقًا للإستراتيجيات العسكرية الإيرانية الموسعة ضد إسرائيل.


بعد حادثة اغتيال قاسم سليماني، في يناير/كانون الثاني 2020، حاولت طهران تطوير نسخة جديدة مما يسمى “محور المقاومة” عبر التحول نحو نموذج أقل مركزية وهرمية، ولذلك فقد تم منح الفصائل المنضوية تحت هذا المسمى، حرية أكبر في اتخاذ القرار وتعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية. وعلى الرغم من نجاح هذا النموذج في تطوير القدرات العسكرية وتوسيع نفوذ هذه الفصائل في المساحات المحلية التي تنتشر فيها، إلا أن عملية طوفان الأقصى وما تبعها من تعويل إسرائيلي على استهداف القيادات الإيرانية وقيادات حزب الله وضرب القنصلية الإيرانية والاغتيال الجريء الأخير لإسماعيل هنية في قلب طهران، أظهر محدودية فاعلية هذه الإستراتيجية في نطاقها الواسع وأظهر كذلك الحاجة إلى تعديل في العقيدة العسكرية الإيرانية لفرض مزيد من الردع على إسرائيل.

وكشكل مواز لمحاولات تطبيع إسرائيل عمليات الاغتيال عاملًا عسكريًّا مستقبليًّا في صراعها مع إيران ومحور المقاومة، مع الحفاظ على عدم الانخراط بحرب مفتوحة، فإن إيران تعمل في ذات الوقت على تطبيع التحول من ضرب الساحات الرمادية والجانبية لإسرائيل إلى استهداف المدن الإسرائيلية بشكل مباشر وأيضًا من دون الانخراط بحرب كلاسيكية. وتشير هذه المرحلة الجديدة في صراع الطرفين إلى تصعيد خطير؛ حيث يعمل كل جانب على تكييف إستراتيجياته للتغلب على الآخر في لعبة جيوسياسية عالية المخاطر وقريبة من حافة الهاوية.

رايات الانتقام

في 31 يوليو/تموز 2024، أعلن الحرس الثوري الإيراني اغتيال الشهيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. وبحسب وكالة فارس للأنباء، فإن اغتيال إسماعيل هنية حدث حوالي الساعة الثانية منتصف الليل إثر مقذوف أُطلق من الجو استهدف محل إقامته في أحد المساكن الخاصة بقدامى المحاربين شمالي العاصمة طهران(1). ووقعت عملية الاغتيال بعد مشاركة هنية في حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد،​​​​ مسعود بزشكيان. ولم يفصح الحرس الثوري عن تفاصيل عملية الاغتيال أو طريقة تنفيذها.

في مصلى جامعة طهران، وهو المكان المخصص لصلاة الجمعة وتشييع القيادات العسكرية الإيرانية، أقام المرشد الإيراني صلاة الجنازة على إسماعيل هنية، وسط هتافات متكررة من المشاركين في الصلاة الذين رددوا شعارات: “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”. وبعد ذلك تم تشييع هنية في شارع الثورة انتهاء بميدان الحرية الذي له دلالات إيرانية تشير إلى شعارات الثورة الأولى وانتصارها.

استنكر أغلب القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية حادثة الاغتيال وتوعدوا بالرد القاسي، ونشر المرشد الإيراني علي خامنئي بيان تعزية باستشهاد إسماعيل هنية. وبحسب البيان، فقد اعتبر خامنئي أن الحادثة تعد انتهاكًا للأراضي الإيرانية وعدَّ الانتقام له واجبًا إيرانيًّا، كما أكد خامنئي: “أن النظام الصهيوني المجرم والإرهابي بهذه العملية قد وفَّر الأرضية لعقابه بشكل حازم”(2). وأشار الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى أن إيران تنعى شريكها في الأحزان والأفراح، رفيق درب المقاومة الدائم وقائد المقاومة الفلسطينية الشجاع، شهيد القدس، الحاج إسماعيل هنية.

وبعد انتهاء صلاة الجنازة، بدأت إيران في صياغة ردها على عملية الاغتيال التي يعتبرها الكثير من المحللين الإيرانيين عملية انتهاك كبيرة للأراضي الإيرانية قد تفوق في حجمها عملية اغتيال قاسم سليماني حتى، ولذلك لا تظهر بوادر تردد أبدًا في عملية الرد القادم.

عقب اغتيال إسماعيل هنية، رُفعت الراية الحمراء والتي كُتب عليها “يالثارات الحسين”، فوق قبة مسجد جمكران في مدينة قم الإيرانية، هذه الراية تشير إلى مطالبات شعبية ودينية واسعة في إيران بالرد الحازم على عملية الاغتيال هذه(3).

ورُفعت هذه الراية لأول مرة فوق قبة هذا المسجد بعد اغتيال قاسم سليماني في العراق، في يناير/كانون الثاني 2020، وبعد ذلك رُفعت كذلك بعد ضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، في أبريل/نيسان 2024.

أميركيًّا، وعلى عكس حادثة اغتيال فؤاد شكر، القائد العسكري في حزب الله والتي أشارت الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى إعلام إسرائيل لها بالعملية قبل تنفيذها، أنكرت واشنطن بسرعة أي علم مسبق بعملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران(4). وكان هذا النفي إستراتيجيًّا؛ حيث هدفت واشنطن إلى الحفاظ على قناة دبلوماسية مع طهران، سعيًا إلى تهدئة الانتقام الإيراني المحتمل ضد إسرائيل. ويوضح النهج الأميركي في هذا السيناريو توازنًا دقيقًا بين دعم حليفتها إسرائيل ومحاولة منع تطور الأحداث إلى حرب مفتوحة قد تنجرُّ لها الولايات المتحدة، وذلك من خلال ممارسة تدخلات دبلوماسية عبر وسطاء بين طهران وواشنطن. وكانت هذه الطريقة في إدارة الحوادث الدولية واضحة أيضًا في أعقاب استهداف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق؛ حيث نأت الولايات المتحدة بنفسها مرة أخرى عن المعرفة المسبقة بالهجوم.

سيناريوهات الرد الإيراني

في ظل اغتيال إسماعيل هنية، الشخصية المهمة والمحورية لإيران والمقربة من مرشدها الأعلى علي خامنئي الذي عدَّ نفسه صاحب الدم وصاحب الانتقام؛ وفي ظل اعتبار إيران بجميع مكوناتها الشعبية والعسكرية والسياسية ما حدث انتهاكًا للسيادة والأراضي الإيرانية، فمن المستبعد بشكل كامل الحديث عن سيناريوهات الرد الضعيف أو الرد السيبراني أو حتى الرد في المساحات الجانبية الأخرى غير الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبناء على ذلك، فإن خيارات إيران الانتقامية تضيق إلى سيناريوهين رئيسيين لا ثالث لهما:

الاستهداف العسكري المباشر والمنفرد

قد يكون العمل العسكري المباشر المنفرد أكثر السيناريوهات المحتملة في رد إيران على إسرائيل. فقد ورد أن المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، دعا إلى توجيه ضربة مباشرة إلى إسرائيل تستهدف كلًّا من تل أبيب وحيفا. ويبدو أن خامنئي طلب من قادة الجيش والحرس الثوري إعداد خطط هجومية ودفاعية لضرب أهداف إسرائيلية عسكرية والتحضر لمواجهة أي عمليات انتقامية(5).

“صحيفة كيهان” الإيرانية المتشددة والمقربة من مراكز صنع القرار، طالبت برد مباشر وسريع لا يستهدف فقط إسرائيل بل يستهدف كذلك القواعد العسكرية الأميركية(6). إلا أن السوابق التاريخية تشير إلى أن إيران لن تتجه إلى توسيع الصراع في اللحظات الأولى بل ستتركز ضرباتها نحو القواعد العسكرية الإسرائيلية فقط.

لابد من الإشارة هنا إلى أن الرد الإيراني سيكون بشكل مؤكد أكبر من عملية الوعد الصادق 1 التي ضربت فيها طهران إسرائيل بنحو 300 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة نتيجة قصف القنصلية الإيرانية في دمشق. فقبل أسابيع من حادثة اغتيال هنية، قال الجنرال أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوية للحرس الثوري الإيراني، في كلمة له: إن إيران تتوق إلى عملية الوعد الصادق 2 والتي سيتجاوز فيها عدد الصواريخ جميع العمليات السابقة ضد إسرائيل والولايات المتحدة(7).

لقد طورت إيران ترسانة هائلة من الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى القادرة على ضرب أهداف في عمق إسرائيل. وتشكل هذه الصواريخ، إلى جانب تكنولوجيا الطائرات بدون طيار المتقدمة، تهديدًا كبيرًا في المنطقة. صاروخ شهاب 3 هو صاروخ متوسط ​​المدى يبلغ مداه حوالي 1300 كيلومتر، وهو أحد الصواريخ الإيرانية الأقدم ولكن الموثوقة، القادرة على حمل حمولات متفجرة كبيرة. ويستخدم صاروخ شهاب 3 محركًا يعمل بالوقود السائل أحادي المرحلة مع مركبة إعادة دخول منفصلة، ​​مما يعزز مداه ودقته. وتمتد النسخة المطورة منه إلى حوالي 1600 كيلومتر. ويبلغ مدى صاروخ عماد الإيراني، مع مخروط أنف مُعاد تصميمه وأنظمة توجيه محسنة، 1700 كيلومتر، مما يجعله قادرًا على ضرب أهداف في جميع أنحاء إسرائيل.

وهناك صاروخ مهم آخر هو صاروخ خرمشهر، الذي اعتمد في تطويره على صاروخ هواسونغ-10 الكوري الشمالي، بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر عند حمل رأس حربي يزن 1500 كيلوغرام. ويمكن لصاروخ خرمشهر التهرب من اكتشاف الرادار واختراق الدفاعات الجوية للعدو بسبب بصمته الرادارية المنخفضة، وهو ما يمثل قفزة كبيرة في قدرات الصواريخ الإيرانية. وعلاوة على ذلك، يبلغ مدى أول صاروخ فرط صوتي إيراني، الفاتح، الذي تم الكشف عنه في عام 2023، 1400 كيلومتر ويمكنه التنقل بسرعات تصل إلى 15 ماخ، مع إصدار مطور، الفاتح-2، تم تقديمه في عام 2024 بمدى متزايد يبلغ 1500 كيلومتر.

إن قدرات الطائرات بدون طيار الإيرانية تكمل ترسانتها من الصواريخ الباليستية؛ مما يوفر أداة متعددة الاستخدامات لكل من المراقبة والهجوم. استُخدمت طائرة شاهد-136، وهي طائرة بدون طيار انتحارية بعيدة المدى يبلغ مداها حوالي 2000 كيلومتر، على نطاق واسع وهي معروفة بفعاليتها من حيث التكلفة ومسارات الطيران المبرمجة مسبقًا؛ مما يجعل من الصعب اعتراضها. وتعد طائرة مهاجر-6 مركبة جوية بدون طيار متعددة الأدوار وتستخدم لأغراض المراقبة والهجوم، ومجهزة بذخائر موجهة بدقة وقادرة على القيام بمهام طويلة الأمد. يمكن تزويد طائرة أبابيل-3، المستخدمة في المقام الأول للاستطلاع، بالمتفجرات لمهام انتحارية ولديها مدى وتحمل معتدلان. ويمكن لطائرة القدس مهاجر-10، وهي طائرة بدون طيار أكثر تقدمًا ذات مدى وحمولة ممتدة، إجراء مهام طويلة المدى وتستخدم لأغراض مختلفة، بما في ذلك المراقبة والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة.

في الأشهر الأخيرة، أظهرت إيران قدراتها الصاروخية من خلال اختبارات وتمارين مختلفة. على سبيل المثال، في فبراير/شباط 2024، أطلقت إيران صواريخ باليستية بعيدة المدى من سفينة حربية(8)؛ مما أظهر قدرتها على ضرب أهداف على بعد يصل إلى 1700 كيلومتر. وأكد هذا الاختبار قدرة إيران المتنامية على إطلاق الصواريخ من منصات متنوعة، مما يزيد من تعقيد التدابير الدفاعية للخصوم مثل إسرائيل. ونظرًا لهذه القدرات، فإن رد إيران على الاستفزازات الكبيرة، مثل اغتيال إسماعيل هنية، قد ينطوي على مزيج من هذه الصواريخ المتوسطة والطويلة المدى والطائرات بدون طيار المتقدمة. وتمكِّن هذه الأنظمة إيران من ضرب أهداف استراتيجية داخل إسرائيل؛ مما يشكل تهديدًا كبيرًا للاستقرار الإقليمي.

سيناريو الرد المشترك

إن الرد الإيراني أحادي الجانب والمنضبط قد يحقق فائدة مزدوجة؛ فهو من شأنه أن يساعد في استعادة هيبة إيران ويعمل رادعًا مؤقتًا ضد إسرائيل. إن السوابق التاريخية، مثل هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار، في أبريل/نيسان 2024، تثبت قدرة إيران على معايرة ردود أفعالها لتجنب الصراعات واسعة النطاق مع الاستمرار في إظهار قوتها. لقد تسببت هذه الهجمات في أضرار طفيفة بسبب الدفاعات الإسرائيلية الفعالة والتنسيق الدولي؛ مما يشير إلى أن إيران قادرة على الحفاظ على موقعها الإستراتيجي دون التصعيد إلى حرب واسعة النطاق.

إذا ما قررت طهران الاتجاه نحو التصعيد غير المحسوب وغير المنضبط انتقامًا لهنية فقد تبدأ ردًّا مشتركًا ومنسقًا يشمل حزب الله من لبنان والقوات الإيرانية في سوريا والحوثيين من اليمن. هذا الرد المحتمل قادر على تنفيذ هجمات منسقة على المواقع والمصالح الإسرائيلية؛ مما يرفع بشكل كبير من مخاطر اندلاع حرب إقليمية تضم تحالفات متعددة.

حزب الله، الذي انخرط بالفعل في مناوشات متكررة مع القوات الإسرائيلية على طول الحدود، قد يكثف عملياته وينسقها مع هجمات إيرانية صاروخية متزامنة. وفي سوريا، كانت الميليشيات المدعومة من إيران والحرس الثوري الإسلامي نشطة ويمكن أن تشن هجمات من هذه الجبهة. وفي الوقت نفسه، يتمتع الحوثيون في اليمن، الذين تلقوا دعمًا كبيرًا من إيران، بالقدرة على شن هجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار على المصالح الإسرائيلية. وقد أظهر هجوم الحوثيون الأخير عبر مسيرة يافا قدرتهم على ضرب أهداف بعيدة بدقة كبيرة(9)، وهو ما قد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الصراع.

من جانبه، اقترح وزير الدفاع الأميركي السابق، مارك إسبر، أن الرد الإيراني المنسق قد ينطوي على مزيج من الضربات الصاروخية والطائرات بدون طيار ضد المنشآت الإسرائيلية، على غرار الاستجابات الإيرانية السابقة. وقد تطغى إستراتيجية الهجوم متعددة الأوجه هذه على الدفاعات الإسرائيلية وتؤدي إلى تصعيد الصراع بشكل كبير.

خاتمة

إن الإستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية تجاه إسرائيل تتسم بالصبر والحساب بدلًا من المواجهة الفورية والمباشرة. وقد صاغ المرشد الأعلى، آية الله خامنئي، رؤية يتوقع فيها زوال إسرائيل في غضون 25 عامًا، ليس من خلال ضربة قاضية واحدة، بل من خلال سلسلة من الانتصارات الإستراتيجية التدريجية. وتتوافق هذه الطريقة مع العقائد السياسية والعسكرية الأوسع في إيران، والتي تفضل الحرب غير المتكافئة والتخطيط طويل الأجل على الاشتباكات الخطرة وغير المتوقعة.

إن القدرات العسكرية الإيرانية متجذرة بعمق في الحرب غير المتكافئة. وهذا ينطوي على الاستفادة من التكتيكات غير التقليدية وحرب العصابات والقوات بالوكالة لتآكل قوة ومعنويات خصم أكثر قوة تقليديًّا وعسكريًّا خصوصًا في مجال التسليح الجوي. ويجسد دعم إيران لجماعات مثل حزب الله وحماس هذه الإستراتيجية؛ مما يمكِّنها من ممارسة الضغط على إسرائيل بشكل غير مباشر ومستمر دون الانخراط في حرب مفتوحة. تهدف هذه التكتيكات إلى استغلال نقاط ضعف إسرائيل بمرور الوقت، مما يخلق صراعًا مطولًا يُضعف موقف إسرائيل إقليميًّا ودوليًّا.

إن إيران، بدلًا من السعي إلى تحقيق انتصارات فورية واسعة النطاق، تركز على تجميع مكاسب أصغر ولكنها مهمة تعمل بشكل جماعي على تحويل ميزان القوى. وقد تشمل هذه الانتصارات النفوذ السياسي في البلدان المجاورة، أو التقدم التكنولوجي، أو العمليات الناجحة بالوكالة. وكل نجاح يبني قوة إيران، يعزز بالضرورة إستراتيجيتها طويلة الأجل لعزل وإضعاف إسرائيل. ويضمن هذا النهج المنهجي أن تظل إيران مرنة وقابلة للتكيف، وتجنب فخاخ الخسائر الكارثية وضرب منشآتها النووية وبنيتها التحتية.

في هذا الإطار الإستراتيجي، يظل تطوير القدرات النووية قضية مثيرة للجدال ومتوترة للغاية. إن النخب الإيرانية، وخاصة بعد الانتكاسات الكبيرة مثل اغتيال شخصيات بارزة مثل إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية، غالبًا ما تدعو إلى إعادة تقييم السياسة النووية الإيرانية. وتؤكد تصريحات كمال خرازي، مستشار المرشد خامنئي ورئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، حول التحول المحتمل في العقيدة النووية الإيرانية على خطورة التهديدات المتصورة للأمن الوطني. وفي حين يؤطَّر السعي إلى الحصول على القنبلة النووية كإجراء دفاعي، فإنه يعمل أيضًا رادعًا قويًّا، ويوضح لإسرائيل والعالم أن إيران مستعدة للتصعيد إذا كان بقاؤها على المحك.

إن إستراتيجية إيران لها آثار عميقة على استقرار الشرق الأوسط. فمن خلال تجنب المواجهة المباشرة والتركيز على المكاسب التدريجية، تحافظ إيران على حالة مستمرة من الصراع منخفض الشدة مما يعقِّد جهود السلام. كما يضغط هذا النهج على اللاعبين الإقليميين الآخرين للاستجابة، مما يخلق بيئة جيوسياسية ديناميكية ومتقلبة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فإن صبر إيران الإستراتيجي يفتح أيضًا السبل للمفاوضات والدبلوماسية؛ حيث يمكن معالجة أهدافها الطويلة الأجل من خلال الحوار المستدام والتنازلات المتبادلة.

إن النهج الذي تنتهجه إيران في التعامل مع صراعها مع إسرائيل يشبه لعبة شطرنج مطولة؛ حيث تكون كل خطوة مدروسة وتهدف إلى تحقيق هدف بعيد. وتعكس هذه الإستراتيجية، فهمًا عميقًا للديناميكيات الإقليمية ونقاط القوة والضعف التي تتمتع بها إيران. وفي حين يظل التحول المحتمل نحو القدرات النووية يشكل تهديدًا وشيكًا، فإنه يشكِّل جزءًا من استراتيجية معقدة ومتعددة الأوجه تهدف إلى ضمان نفوذ إيران وبقائها في منطقة تزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم.

محمود البازي – باحث متخصص بالشؤون الايرانية

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1) اولین جزئیات ترور اسماعیل هنیه در تهران (التفاصيل الأولى لاغتيال هنية في طهران)، وكالة أنباء فارس، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/4fw4BoL

2) رهبر انقلاب در واکنش به ترور هنیه: خونخواهی مهمان عزیزمان را وظیفه خود می‌دانیم (قائد الثورة ردًّا على اغتيال هنية: نعتبر من واجبنا أن ننتقم لدماء ضيفنا العزيز)، وكالة أنباء إطلاعات، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3WuVjAx

3) اهتزاز پرچم سرخ انتقام برفراز گنبد مسجد جمکران (راية الانتقام الحمراء على قبة مسجد جمكران)، وكالة إيسنا للأنباء، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/46wBDAI

4) أميركا تنفي علمها بعملية اغتيال هنية وإسرائيل تتأهب، الجزيرة نت، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3yuZ5Sn

5) ادعایی درباره دستور رهبر انقلاب برای حمله به اسرائیل (ادعاء حول أمر قائد الثورة بمهاجمة إسرائيل)، وكالة أنباء روز نو، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3WnEibs

6) انتقام خون میهمان با میزبان است، دنیا منتظر است (سوف ینتقم المضیف لدم الضيف، العالم يترقب)، صحيفة كيهان الإيرانية، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3A4QYMW

7) حاجی‌زاده: آرزومند رسیدن فرصت عملیات «وعده صادق ۲» هستیم (حاجي زاده: نتمنى الحصول على فرصة لتنفيذ عملية “الوعد الصادق 2″، وكالة تسنيم للأنباء، 1 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2024)، https://bit.ly/3WMk78E

8) إيران تزعم إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى من سفينة حربية، سي إن إن عربية، 13 فبراير/شباط 2024 (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2024)، https://bit.ly/3LKS6bf

9) قطعت 2000 كيلومتر وضللت أنظمة الرصد.. معلومات جديدة عن المسيرة “يافا”، الجزيرة نت، 20 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3Ag2xAN




من أين أقلعت المقاتلة F-16 التي ناورت فوق لفوف؟

حول استعراض أوكرانيا طائرة F-16 في سماء لفوف، كتبت داريا فيدوتوفا، في “موسكوفسكي كومسوموليتس”:

“استعرضت” أوكرانيا أول مقاتلة من طراز F-16 بطريقة صاخبة. فقد انتشرت صور طائرة تابعة لحلف شمال الأطلسي في السماء فوق لفوف على الإنترنت.

يرى الطيار العسكري اللواء المتقاعد فلاديمير بوبوف أن صورة طائرة F-16 فوق لفوف “حركة إعلانية، من الفنان زيلينسكي” لرفع معنويات سكان أوكرانيا المتعبين. وقال: “ربما نفذ هذه الطلعة طيار أوكراني، لكنه على الأرجح أقلع من أحد المطارات في بولندا. ويحتمل أنه مر فوق لفوف، وقام بدورتين أو ثلاث دورات في ظروف جوية جيدة وأسرع مرة أخرى إلى الأراضي البولندية. لا أظن أن الطائرة ترابط مباشرة في لفوف. لو حدث هذا لكنا علمنا به”.

يقولون إن استخدام مقاتلات الناتو سيتم لأغراض الدفاع الجوي؟

من حيث المبدأ، تشمل مهام الطيران المقاتل ضرب الأهداف الأرضية واعتراض الأهداف الجوية المختلفة وتنفيذ قتال جوي. ويجب على الطائرة F-16، باعتبارها مقاتلة خفيفة، أن تقوم بكل هذه المهام.

لكن تنفيذ معركة جوية ضد صواريخ مثل “الخنجر” أو “كاليبر” أو “Kh-101” و”Kh-55” مشكلة كبيرة لها. أشك كثيرًا في أن يتاح لهذه الطائرة الوقت للإقلاع والدخول إلى المنطقة المحددة على الارتفاع والسرعة المطلوبين لإطلاق صواريخ اعتراضية. أقصى ما يمكنهم تحقيقه هو استعراض حضورها.

هل ست مقاتلات رقم كبير؟

ما تم تسليمه لأوكرانيا قطرة في بحر. خط الجبهة يزيد عن ألف كيلومتر. ولن يتمكنوا حتى من تغطية لفوف وحدها بشكل فعّال، ناهيكم بكييف.

روسيا اليوم




الاقتصاد الروسي الثالث عالميا في أدنى مستوى لحصة الفرد في الدين العام

أشارت بيانات مجموعة العشرين إلى دخول الاقتصاد الروسي قائمة الاقتصادات الـ3 الأدنى عالميا من حيث حصة الفرد في الدين العام للبلاد، فيما تصدر القائمة الاقتصادان الأمريكي والسينغافوري.

ووفق تحليل أجرته وكالة “نوفوستي” يبلغ متوسط ​​مستوى حصة الفرد في الدين العام بين دول مجموعة العشرين 23.6 ألف دولار، في حين أن بين الدول الأعضاء 6 دول فقط لديها مؤشر أعلى من هذا المستوى.

وأشارت الوكالة إلى أن نصيب الفرد في الدين العام بلغ 1316 دولارا في الهند، و1747 دولارا في إندونيسيا، تليهما روسيا بـ2076 دولارا.

وأضافت أن هذا المؤشر بلغ في كندا 25.3 ألف دولار، وفي فرنسا 40.3 ألف دولار.

وسجل دين الفرد في بريطانيا وإيطاليا 51.6 ألف و51.9 ألف دولار على التوالي. 

أما الولايات المتحدة  فحافظت على الموقع قبل الأخير في هذا المؤشر الضار حسب خبراء الاقتصاد بواقع 104.5 ألف دولار، تاركة لسنغافورة ذيل القائمة بواقع 149.3 ألف دولار للفرد.

ولفتت الوكالة إلى أن هذه البيانات جمعت للنصف الأول من العام الجاري.

روسيا اليوم




من يتحمل مسؤولية خسارة الأراضي الأوكرانية؟

حول تسليم زيلينسكي باستحالة النصر على روسيا، وحتمية التفاوض مع موسكو، كتب يفغيني بوزنياكوف، في “فزغلياد”:

قد تُطرح مسألة تغيير حدود أوكرانيا للاستفتاء. فقد عبر عن هذا الرأي فلاديمير زيلينسكي، أثناء مناقشة احتمالات التوصل إلى حل سلمي للصراع مع روسيا.

وفي الوقت نفسه، شكّلت خلفية التغيير في خطاب زيلينسكي سلسلة من دراسات الرأي العام، نوقشت نتائجها على نطاق واسع في كل من أوكرانيا وروسيا. أصبح جزء كبير من الأوكرانيين “فجأة” مستعدين للمفاوضات مع موسكو، وتضاعفت نسبة أولئك المستعدين لتقديم تنازلات من أجل السلام ثلاث مرات، لتصل إلى 32٪. وفي الوقت نفسه، لم يتم تضمين وصول القوات المسلحة الأوكرانية إلى حدود العام 1991 في خيارات الإجابة على الإطلاق.

وقد كتب المحلل السياسي أليكسي تشيسناكوف في قناته على تيليغرام أن تصريحات زيلينسكي تشير إلى تعديل مستمر لموقف أوكرانيا التفاوضي. ويرى أن سلطات البلاد اعترفت رسميا بفشل “قمة السلام” في سويسرا. وتم تقبّل هذه الحقيقة تحت ضغط الشركاء.

وأضاف: “زيلينسكي يخشى أيضًا تحمّل المسؤولية. ففي رده على سؤال مباشر حول إمكانية تقديم تنازلات في الأراضي، أشار فإلى أن “أحدا لم يقترح رسميًا أي شيء على أوكرانيا”، والحكومة، وفقا للدستور، لا تستطيع إعطاء الأرض لأحد”. وهو يخشى أن يتحدث عن استحالة الوفاء بوعوده للغرب بالوصول إلى حدود 1991″.

“يحاول زيلينسكي الاختباء خلف شركائه. ثمة موقف عبثي. شكل القمة وضرورة مشاركة روسيا يحددهما الحلفاء، أما التنازلات الإقليمية فيحددها الشعب. والسؤال المنطقي هو: ماذا يقرر زيلينسكي نفسه؟”

روسيا اليوم




قال لنا روبن هود: “اشتغلوا يابا”… هكذا نتذكر حسن سامي يوسف ونودّعه

اليوم سأعتبر حسن سامي يوسف هو “عبود” الذي كان بطل حدوتة درامية، أما الأستاذ حسن فهو سيناريست كان قادراً تماماً على معايشة حياة السوريين بكل تفاصيلها العشوائية وطرحها بأعمال روائية درامية شكلت منعطفاً هاماً في تاريخ الدراما السورية.

لذلك حبذا لو كانت توجد نهاية غير الموت لكي لا تخسر الدراما السورية قامة كهذا الرجل، لكن من يقرأ عتبة الألم يعي تماماً ما قصده السيناريست الراحل في عبارة “مشكلة الإنسان مع الحياة أنها تنتهي به ذات يوم”.

روبن هود الدراما السورية

إنها المرة الأولى التي ألحظ بها التقاطع الكبير بين شخصية “عبود” والسيناريست حسن سامي يوسف. سأستعير من الصديق الإعلامي علاء الخطيب بعض ما قدمه في حلقة من سلسلة “البيت” الذي تحدث فيها عن روبن هود سوريا وهو شخصية “عبود” في مسلسل “الانتظار”، ذلك الشاب الذي يمثل ابن العشوائيات الدمشقية الذي يسرق الأدوية من الصيدليات ليبيعها بسعر رمزي لأبناء حارته “المعترين”.

يمكن تصنيف مسلسل “الانتظار” على أنه تجربة عالية المستوى، جاءت تماماً في الفترة التي شعر بها السوريون بالفضول لمعرفة ما تحتضنه مناطق العشوائيات في دمشق، وبالفعل استطاع تماماً أن ينقل الداخل للعوام بكل تفاصيله السيئة

أعتقد ومن وجهة نظر واحدة من المتلقين والمشاهدين أن أولئك “المعترين” في رواية حسن سامي يوسف هم السوريون، وهو “عبود” الذي يبيعهم عقاقير الأمل في أعمال روائية فنية ظاهرها يُتهم بالسوداوية على عكس ما خفي منها، لذلك “معلش علاء بدك تسمحلي فيا”، روبن هود الحقيقي هو السيناريست حسن سامي يوسف، لأنه استطاع أن يخلق شخصية استثنائية جديدة على الطرح الدرامي في وقتها، وغيرها من الأعمال التي لا تزال موجودة إلى اليوم في ذاكرة كل السوريين.

ماذا عن أرشيف حسن سامي يوسف

بالنظر إلى مكتبة السيناريست الراحل نجد إشباعاً غنياً لمناحٍ ثقافية واجتماعية متعددة لقضايا وطنية وقومية وإنسانية، فإمكانية تحويل أعماله الروائية إلى دراما لم تأت كفعل عبثي، لأن القارئ المتفحص في رواياته يعي تماماً المزج بين الجانب الواقعي الموضوعي وبين الجانب الروائي الفني في أعماله. فعلى صعيد الروايات التي تم تحويلها إلى دراما، وكما أشرنا قبل قليل، فإن الإشباع لكل مستويات الرواية فنياً وواقعياً وأدبياً يجعلها قابلة تماماً لأنها تجاري الحقبة الزمنية التي تسرد في سياقها بكامل عناصرها، سواءً كانت بشرية أم حتى الظروف الاجتماعية؛ فتجسيد مسلسل “الندم” جاء فعلياً بفترة كان السوريون يعيشون فيها بالماضي، وتعمد طرح الماضي بصورة ملونة، والحاضر بصورة أبيض وأسود، ليشرح المفارقة ما بين ماضي السوريين الآمن السلس وحاضرهم الذي حكمته الحرب والظروف الاقتصادية السيئة والشحوب الذي ساد على وجه البلد لفترة معينة.

وبالخطف خلفاً نجد أيضاً مسلسل “الانتظار” الذي يمكن تصنيفه على أنه تجربة عالية المستوى، جاءت تماماً في الفترة التي شعر بها السوريون بالفضول لمعرفة ما تحتضنه مناطق العشوائيات في دمشق، وبالفعل استطاع تماماً أن ينقل الداخل للعوام بكل تفاصيله السيئة. بالمقابل استطاع أيضا أن يدفع جمهوراً درامياً واسعاً للتعاطف مع بطل الحدوتة اللقيط بشخصية “عبود” والذي جسدها الممثل تيم حسن.

لذلك يمكن القول إن تجربة “الانتظار” كانت ناجحة لعدة أسباب، منها النص الجيد والإخراج الجيد والتكامل بين الواقع الذي كان محطَ اهتمام بتلك الفترة والعاطفة التي تسيطر على المتلقي، ويمكن إسقاط الأمر ذاته على تجارب درامية أخرى للراحل مثل “زمن العار”، نص حسن سامي يوسف وإخراج رشا شربتجي.

ماذا ترك حسن سامي يوسف في وعينا؟

في حديثي مع الإعلامي علاء الخطيب بعد خبر رحيل السيناريست حسن سامي يوسف يقول: “إن الذاكرة والتأثير الذي تركه في وعينا أكبر من أن نلخصه، وأبسط من أي تعقيد ممكن أن نستخدمه”.

يكمل علاء: “عرفت حسن سامي يوسف من خلال عبود وعامر وغادة وعزة وأمجد وبثينة وشخصيات وجدت طريقها لأعمالنا بسهولة وبساطة. أذكر أني كتبت اعترافاً سابقاً يقول: ‘بس أكبر بتمنى كون متل حسن سامي يوسف؛ كتير بني آدم متصالح مع كل شي، يمكن مكسور بس رايق، وكل شي حزين بيكتبه في مسحة تفاؤل بتضلا حد اسمه'”.

السوداوية الخالقة للأمل

بالرغم من أنه كان يُنتقد بسبب السوداوية، إلا أنه دائماً ما كان يترك ثقباً من الأمل؛ فقد تكون هذه هي هواية السوريين المفضلة التي تعلموها قسراً بعد هول المصائب التي مرت عليهم. فالسوريون جمهور درامي ليس لديه مشكلة مع السواد إطلاقاً لطالما أن هناك ثقباً مضيئاً؛ يواصلون السعي حتى يجعلوا منه طاقة كبيرة يعبر منها الضوء إلى حياتهم.

“كان ينادينا ‘يابا’، ويردد دائماً: ‘أبنائي في ورشة الفقراء… كلكم أبنائي. اشتغلوا، لا تهدروا وقتكم سُدى، فالوقتُ لا يُباعُ في الصيدليات”

الندم، الغفران، الانتظار، ليست أعمالاً كئيبة بقدر ما هي أعمال واقعية تشبه شكل حياة المشاهدين في الفترة التي يتم بها طرح العمل، تشبه حاراتهم وبيوتهم ومشاكلهم، فيها من آلامهم وآمالهم في آن واحد، ما يفسر الكثير من المجهول.

لربما أطلق وصف السوداوية على كتابات حسن سامي يوسف لأنها اقتصرت على جوانب المعاناة دون الالتفات لزهوِ الحياة التي يمكن ملاحظتها في الدراما المشتركة على سبيل المثال، ولربما هذا ما يفسر غيابه عن الكتابة في السنوات الأخيرة التي جنحت فيها النصوص الدرامية نحو الكتابة عن حياة الترف والقصور التي تحمل معاني ومظاهر مفرغةً من المضمون، بينما كان هو متمسكاً بالكتابة عن الشارع وواقعه فقط.

عن عاطفة حسن سامي يوسف في ورشة الفقراء

اللقاء بمثل هذا الشخص أمر له مهابته؛ سيناريست مهم صاحب هالة تحولت بعد اليوم الأول من ورشة الفقراء إلى عاطفة أبوة تحتضن أولئك الطلاب على مدار شهر كامل. تلك هي أحد الامور التي لا يمكن أن أغفلها: ورشة السيناريو التي قدمها الأستاذ حسن والمخرج الليث حجو سنة 2019، أو لربما وبتعبير أدق “ورشة الفقراء”.

هذا المصطلح الذي يفضله الأستاذ حسن لورشة جمعته مع طلاب يشتركون بظروف سيئة وشغف كبير بكتابة السيناريو، على ضوء الشموع والهواتف المحمولة. استمرت الورشة ساعاتٍ وأياماً من النقاش والحوار عن محاولات شابة متواضعة بكتابة السيناريو، انتهت باختيار 34 نص من أصل 100 على أساس الموهبة والإبداع.

يقول خلدون طه وهو أحد طلاب تلك الورشة لرصيف22: “أذكر بانتهاء الورشة كتب بوست عالفيسبوك وذكَرنا واحد واحد بالاسم, وعبر فيه عن حبو إلنا، هي كانت من الذكريات الحلوة. الأستاذ حسن هادئ جداً، ومثقف؛ يعني ماعنده مشكلة يقعد 3 ساعات على نفس الكرسي ونفس القعدة عم يسمع ويحكي بدون ما يتحرك. أول مرة حدا بيسمعنا وبقدر كتاباتنا غير الناضجة وما بسخف منها بالرغم من أنه هو من عمالقة الأقلام اللي كتبت بيوم من الأيام، سواء روايات أو نصوص درامية”.

قالوا عنه

أتساءل إذا كان هناك طريقة تترجم غصة الصوت ورجفته بالأحرف، فليس عدلاً أن أكتب وداع أولئك الطلاب لمعلمهم بكلمات باردة لا تشبه أصواتهم التي سمعتها. يقول حسن يوسف فخّور: “لقائي بالأستاذ حسن كان منعطفاً هاماً على صعيد حياتي، خلق لي طموحاً”.

إمكانية تحويل أعماله الروائية إلى دراما لم تأت كفعل عبثي، فرواياته تمزج بين الجانب الواقعي الموضوعي وبين الجانب الروائي الفني في أعماله

وتقول بيان: “مرة قررنا نلتقي بالشتا عنده بالبيت، وهو اعتذر لأن ما كان عنده مازوت وخاف علينا نبرد ببيته الكبير، كان ينادينا ‘يابا’، ويردد دائماً: ‘أبنائي في ورشة الفقراء… كلكم أبنائي. اشتغلوا، لا تهدروا وقتكم سُدى، فالوقتُ لا يُباعُ في الصيدليات'”.

الوداع الأخير

لا شك أن رحيل السيناريست حسن سامي يوسف خسارة كبيرة في مجال كتابة السيناريو الدرامي في سوريا، خاصة وأنها تعاود النهوض مجدداً لاستعادة ألقها.

لن أختم هذه المادة بعبارات الوداع، سأكتفي بأن أفسح المجال لأحد أبرز اقتباسات رواية “عتبة الألم” للسيناريست الراحل: “نحن نعرف كيف البشر يفترقون، حتى إنّ مثل هذه اللحظات محببة عند الكُتّاب عموماً، وكُتّاب السيناريو منهم على نحوٍ خاص، لعلها لحظات محببة لدينا نحن معشر الكتاب لأنها غالباً ما تكون مثقلة بالوجع، أو هكذا ندعي، نحن نحسن التعامل مع الفراق لأننا ببساطة نملك تاريخاً كاملاً حول هؤلاء المفترقين، وبالتالي نملك سجلاً يفيض بتفصيلات مدهشة حول كلّ منهم وعلى الأرجح منهما”.

فاطمة كعده

موقع رصيف 22




أبعاد أزمة المياه في مصر وتداعيات سدّ النهضة (13)… إستراتيجيات متكاملة نحو الاستدامة

تناولنا في المقالات السابقة أبعاداً كثيرة، منها الجغرافية والتاريخية والقانونية، للتعاطي مع مشكلة المياه بسبب التداعيات المتوقعة من سد النهضة الإثيوبي على مصر، وأوضحنا أنه سيكون للسد مخاطر وتبعات سلبية على مصر، على المدى القصير أثناء فترة ملء خزان السد، وعلى المدى الطويل بعد ملء الخزان، ومن هذه المخاطر زيادة معدلات التبخر عن معدلاتها الحالية بسبب تكوّن سطح مياه جديد متمثل في بحيرة خزان سد النهضة، وزيادة نسبة الملوحة في منطقة الدلتا، وانخفاض سرعة تدفق النيل وجودة المياه، مما سيؤثر بدوره على كفاءة محطات الضخ، بالإضافة لمشاكل بيئية أخرى.

وكذلك ناقشنا مشكلة ندرة المياه في مصر في العموم، إذ يبلغ نصيب الفرد السنوي من المياه 570 متراً مكعباً/ سنة، وهو أقل بكثير من المعيار الدولي الموصى به البالغ 1000 متر مكعب/ سنة، ويشكل هذا حالة من ندرة المياه المزمنة. ومن المتوقع أن تنخفض هذه النسبة عام 2025 لتصل إلى أقل من 500 متر مكعب/ سنة بسبب النمو السكاني المتزايد، وهو ما ينذر بحالة ندرة مياه شديدة.

مصر تعاني في العموم من مشكلة ندرة مائية بوجود سد النهضة الأثيوبي أو عدمه.

وبالتالي فإن مصر تعاني في العموم من مشكلة ندرة مائية بوجود سد النهضة الأثيوبي أو عدمه، بينما تؤدي سنوات ملء خزان السد إلى تفاقم المشاكل والأعباء المائية على المصريين بالفعل.

أصبحت مشكلة المياه في مصر معقدة لدرجة أنه لا يمكن استخدام أو تطبيق حلول فردية للتعامل معها، وهو ما يُطلق عليه في علم الإدارة “wicked problems”، أي المشاكل الخبيثة، ولكن المقصود بها هنا أنها مشاكل مستعصية، فتتفاعل كل مشكلة مع مشاكل أخرى، وبالتالي فهي جزء من مجموعة تتأثر بالنظام المحيط بها. وعلاوة على ذلك، فإن حلول معظم هذه المشاكل تنتج عنها مشاكل أخرى، ولكن ليس بنفس درجة التعقيد. كما أن أصحاب المصلحة لديهم وجهات نظر مختلفة جذرياً وأطر مختلفة لفهم المشكلة، والقيود التي تخضع لها. والموارد اللازمة لحلها تتغير بمرور الوقت، لكن المشكلة لا تحل بشكل جذري في نهاية المطاف.

ليست هناك حلول فردية أو معجزات من شأنها إصلاح الموقف الراهن، ولكن يجب العمل على مجموعة من المحاور بالتوازي، ووضع إستراتيجيات مبتكرة لإدارة الموارد المائية المصرية، وتحويل التحديات إلى فرص.

من المحاور الهامة التي لا بد من العمل عليها، إيجاد مصادر مياه بديلة لعلاج مشكلة ندرة المياه المزمنة في مصر على المدى البعيد، وزيادة كفاءة استخدام مصادر المياه المتاحة الحالية، إذ تفقد مصر الكثير من المياه في الاستخدامات المتعددة سواء للزراعة أو في قطاعات أخرى.

كما يجب العمل على إدارة أولويات استخدام المياه، وهو ما يتعلق بإدارة القطاعات مثل القطاع الصناعي والقطاع الزراعي والسياحي والخدمي. كما تجب إدارة الأولويات داخل القطاع نفسه، ففي قطاع الزراعة يجب اختيار أنواع المحاصيل التي تتناسب مع الخطة المائية المطلوبة.

محور آخر لا بد منه، وهو دراسة وإنشاء مشاريع إقليمية إفريقياً، والتي من شأنها الوصول إلى حل متكامل للقارة السمراء إن أحسن التخطيط له. وهناك محاور أخرى سنناقشها تباعاً في المقالات القادمة.

من المحاور الهامة التي لا بد من العمل عليها، إيجاد مصادر مياه بديلة لعلاج مشكلة ندرة المياه المزمنة في مصر على المدى البعيد، وزيادة كفاءة استخدام مصادر المياه المتاحة الحالية، إذ تفقد مصر الكثير من المياه في الاستخدامات المتعددة سواء للزراعة أو في قطاعات أخرى

إيجاد مصادر مياه بديلة

هناك حاجة للاستثمار في إيجاد وتوفير بدائل جديدة للموارد المائية لمصر. والبدائل المقترحة، بدءاً بالبدائل الأقل تكلفة، هي الأمطار والفيضانات، والمياه الجوفية، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وتحلية مياه البحر، وإنشاء شبكات المياه وربطها بالدول الأخرى.

الأمطار والفيضانات

قد يكون تخزين مياه الأمطار والفيضانات مفيداً في أماكن معينة في مصر، وخاصة منطقة البحر الأحمر، والذي يمكن معه إنشاء سدود غير صلبة لجمع الأمطار الغزيرة. هذه المياه يمكن استخدامها في الزراعة على نطاق صغير، أو تربية الماشية.

لكن، يظل هذه البديل محدوداً للغاية، إذ تُصنف مصر عالمياً على أنها الدولة الأقل في معدل هطول الأمطار. علاوة على ذلك، فإن مياه الأمطار غير متوفرة في كل مكان في مصر، وإنما في أماكن ومدن معينة فقط.

المياه الجوفية

لا يمكن الاعتماد على كمية المياه الجوفية المصرية كبديل بشكل كامل، ولكنها يمكن أن تساهم بتوفير بعض المياه من أجل الاستخدامات المتعددة. عادة ما تكون هذه المياه على أعماق بعيدة منها ما تقدر بحوالي 1200 متر، وهو أمر مكلف لضخها إلى السطح.

هناك العديد من الخزانات الجوفية في مصر، منها المتجددة وغير المتجددة. أهمها ستة خزانات رئيسية وهي: الخزان الجوفي في وادي ودلتا النيل، خزان الحجر الرملي النوبي، خزان الصخور الجيرية المتشققة، خزان المغرة الجوفي، الخزان الجوفي الساحلي، خزان القاعدة المتشققة.

خزانات المياه الجوفية في مصرخزانات المياه الجوفية في مصر

خزانات المياه الجوفية في مصر. المصدر: الخريطة الهيدرولوجية لمصر، الطبعة الثانية 1999

الخزان الجوفي في وادي ودلتا النيل

تتوزع خزانات هذه المياه الجوفية المتجددة بين وادي النيل وإقليم الدلتا، وتعتبر هذه المياه جزءاً من موارد مياه النيل، إذ يعتبر هذا الخزان استخداماً غير مباشر لحصة مصر من مياه نهر النيل، والتي حدث لها تسرب في فترات سابقة.

يمتد هذا الخزان بطول نهر النيل ما بين الجيزة إلى أسوان على مسافة نحو 900 كيلومتراً، ويبلغ متوسط عرضه نحو 14 كيلومتراً، ويوفر ما يقارب من 80% من المياه الجوفية المستخرجة في مصر.

خزان الحجر الرملي النوبي

هو أكبر الخزانات الجوفية في القارة الإفريقية. يمتد على الحدود السياسية لأربع دول في شمال شرق إفريقيا وهي: الصحراء الغربية في مصر، وجنوب شرق ليبيا، وغرب السودان، وشمال شرق تشاد، بمساحة إجمالية تقارب مليوني كيلومتر مربع. وتتنوع المياه الجوفية في الخزان من عذبة إلى قليلة الملوحة.

هذا الخزان هو خزان غير متجدد، فلا توجد إعادة تغذية كبيرة له في ظل الظروف المناخية الحالية، مما يوجب الحذر عند استخدامه، فلا يتم ذلك بشكل مفرط، إذ يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة.

لا يمكن الاعتماد على كمية المياه الجوفية المصرية كبديل بشكل كامل، ولكنها يمكن أن تساهم بتوفير بعض المياه من أجل الاستخدامات المتعددة. عادة ما تكون هذه المياه على أعماق بعيدة منها ما تقدر بحوالي 1200 متر، وهو أمر مكلف لضخها إلى السطح

في أثناء مقابلاتنا مع بعض من الخبراء في مجال المياه، صرح بعضهم إن المياه في هذا الخزان محدودة، وقد استخدمت ليبيا هذا المورد على نطاق واسع من خلال استخراج كميات كبيرة من المياه منذ عدة سنوات حتى الآن.

أيضاً، أعرب بعض الخبراء عن صعوبة استصلاح الأراضي في المناطق التي يوجد فيها الخزان في مصر، إذ أنه يقع في منطقة صحراوية، مما يجعل من الصعب استخدامه، حيث ستكون تكلفة نقل المياه من الخزان الجوفي إلى المناطق التي هناك الحاجة فيها لاستخدامها باهظة الثمن، بالإضافة إلى تكلفة ضخ المياه إلى السطح. تتطلب المضخات أيضاً الطاقة، أي الكهرباء أو الوقود للعمل. كما أعرب بعضهم عن محاذير تتعلق بالتكلفة المرتفعة لحفر وتشغيل الآبار وتكاليف الرفع والضخ، والهبوط المستمر في مناسيب الآبار والانهيارات داخلها.

عبير يوسف

موقع رصيف 22




آخرهم إسماعيل هنية وفؤاد شكر.. اليكم أبرز القادة السياسيين والعسكريين في حزب الله وحماس الذين اغتالتهم إسرائيل