1

التمثيل السياسي لفلسطينيي 48

أفرزت النكبة الفلسطينية في عام 1948 حالةً جيوسياسيةً جديدةً في فلسطين، إذ هجرَ قرابة 800 ألف فلسطينيٍ من 531 قريةٍ ومدينةٍ احتلتها إسرائيل ووضعتها تحت سيطرتها في حينها، كما بقي تحت سلطة إسرائيل قرابة 150 ألف فلسطينيٍ فقط، لم يكن من مهربٍ أمام الحكومة الإسرائيلية إلّا منحهم هوياتها، والاعتراف بهم مواطنين فيها، وإنْ كانت حقوقهم منقوصةً.

ترتّب على هذه الحالة سعيٌ إسرائيلٌ لدمج العرب في مؤسَّسات الدولة، تحت رقابةٍ أمنيةٍ مُشدّدةٍ، بزعم احتمال تواصلهم مع امتدادهم العربي المحيط، سواء في الضفّة الغربية وقطاع غزّة أو الدول المجاورة. كما سمحت لهم بالمشاركة في الحياة السياسية ضمن منظومتين، الأولى أحزاب، الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزبٌ مشتركٌ يهوديٌ عربيٌ. والثانية قوائم عربية انتخابية تابعة لحزب العمال الحاكم بعد 1948، ومحكومةٌ بتوجيهات قيادته السياسية. في حينها رفضت حكومات إسرائيل تشكيل أحزابٍ عربيةٍ مستقلةٍ حتّى نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، بعدها تشكلت بعض الأحزاب، وكان من أبرزها حزب التجمّع الوطني الديموقراطي برئاسة عزمي بشارة.

نلاحظ من ذلك وجود تمثيلٍ عربيٍ في الكنيست الإسرائيلي منذ دورته الأولى، إلّا أنّه تمثيلٌ تحت رايةٍ مقبولةٍ ومُرْضيٌّ عنه في السياق السياسي الإسرائيلي. ونعني بذلك اعتراف هذه الأحزاب، أو القوائم الانتخابية بإسرائيل، وقبول قوانينها. مثّلَ تمثيل الفلسطينيين السياسي تحدّيًا كبيرًا لدولة إسرائيل في تعامُلِها مع مواطنيها من غير اليهود. إذ اعتبرتهم دخلاء عليها، وغير مرغوب فيهم.

أثارت فكرة القائمة العربية المشتركة مخاوف وشكوك وحذر الأحزاب السياسية اليهودية، على تياراتها المختلفة

توزّعت أصوات الناخبين الفلسطينيين في إسرائيل على الحزب الشيوعي، ثمّ جبهته الديموقراطية، والقوائم العربية التابعة للحزب الحاكم، ولباقي الأحزاب الصهيونية سواء اليسارية أو سواها. بعد ذلك حصل تحوُّلٌ بدأ منذ ثلاثة عقودٍ، إذ توزّعت أصوات الفلسطينيين بين التيارات السياسية التالية: الحزب الشيوعي بتسميته “الجبهة الديموقراطية”، التجمُّع الوطني الديموقراطي (أيّ التيار القومي)، قائمة إسلامية، وقائمة مستقلة بمُسمّى “التغيير” برئاسة أحمد الطيبي. لكن، وهذه نقطةٌ مهمةٌ، أنّ تحولاتٍ ديناميكيةً شهدتها ساحة التمثيل السياسي في الكنيست الإسرائيلي أسوةً بتلك الحاصلة في المجتمع اليهودي، هذا يعني أنّ التمثيل البرلماني عكس التيارات الفكرية والسياسية للفلسطينيين في إسرائيل، أي أصبح الكنيست الإسرائيلي ساحةً للمنافسة السياسية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، ومرآةً لساحات هذا المجتمع. وهناك إجماعٌ واتّفاقٌ على تبنّي خطوطٍ موحّدةٍ في طرح القضايا الرئيسية، التي يعاني منها الفلسطينيون، كما هناك خلافاتٌ وتبايناتٌ في عددٍ من القضايا الجوهرية، مثل تعريف مفهوم المواطنة، طروحات حلّ القضية الفلسطينية، مفهوم وتعريف الدولة.. الخ، أما القضايا اليومية والحياتية فكان هناك توافقٌ في الحدّ الأدنى في ما بين الأحزاب السياسية العربية الممثّلة في الكنيست الإسرائيلي.

شاركت الأحزاب العربية في الجولات الانتخابية منفردةً ومستقلةً، إذ رفضت تشكيل قائمةٍ واحدةٍ تمثِّل كلّ التوجهات، حتّى رفع الكنيست في عام 2014 نسبة الحسم، أيّ الحدّ الأدنى لفوز حزب سياسي في مقاعد برلمانية، بعدها بات على قيادات هذه الأحزاب الاتّفاق مرغمةً على خوض الانتخابات في قائمةٍ عربيةٍ مشتركةٍ تُمَثِّل كلّ الأحزاب والتيارات السياسية في المجتمع الفلسطيني في اسرائيل حتّى تتمكّن جميعها من الفوز بمقاعد تحت قبّة الكنيست. حظيت فكرة التمثيل السياسي لفلسطينيي الـ 48 بقائمةٍ مشتركةٍ واحدةٍ بقبولٍ لدى الجماهير الفلسطينية في الداخل، مع ترحيبٍ فلسطينيٍ وعربيٍ خارج حدود الخط الأخضر، فارتفعت نسبة مشاركة الجمهور الفلسطيني في إسرائيل في الانتخابات البرلمانية، بنية إيصال أكبر عددٍ من ممثليه إلى الكنيست، والتأثير من هناك، إذ شارك أكثر من 80% من أصحاب حقّ الاقتراع من الفلسطينيين في إسرائيل في الانتخابات، ليعبروا عن رغبتهم في المشاركة في الحياة السياسية من خلال التمثيل السياسي في الكنيست، باعتباره ساحةً رئيسيةً للمطالبة بالحقوق، والتعبير عن الرأي. في مقابل ذلك، أثارت فكرة القائمة العربية المشتركة مخاوف وشكوك وحذر الأحزاب السياسية اليهودية، على تياراتها المختلفة، ونعني بذلك تشكُّـل قوّةٍ عربيةٍ فلسطينيةٍ يُحسب لها حسابٌ في البرلمان الإسرائيلي. آثرت القائمة المشتركة أنْ تبقى في صفوف المعارضة، إذ إنّ الأحزاب العربية منذ تأسيس إسرائيل، حتّى تلك التي كانت محسوبةً على حزب العمال الحاكم، بقيت خارج الائتلافات الحكومية، ودعمتها من الخارج. شكـّلت القائمة المشتركة صوتًا عربيًا مؤثِّرا في المشهد السياسي في إسرائيل، إذ نجحت هذه القائمة في اجتياز نسبة الحسم والفوز بـ 15 مقعدًا في انتخابات الكنيست لعام 2020.

ثمّ دبّت خلافاتٌ داخل مرُكبات القائمة المشتركة، حول رئاستها، والتناوب في مقاعدها بين الأحزاب التي تُشكِّلها، حتّى انفصلت في عام 2021 القائمة العربية الموحدة، الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي برئاسة منصور عباس، وتوجّهت للانتخابات منفردةً، في حين استمرت القائمة المشتركة بمكوناتها الثلاثة الأخرى: الجبهة الديموقراطية، حزب التجمع الدمقراطي وقائمة التغيير.

تبع ذلك، وللمرّة الأوّل في تاريخ التمثيل السياسي للفلسطينيين في إسرائيل، مشاركة حزبٍ عربيٍ في تشكيل ائتلافٍ حكوميٍ كلّ أحزابه صهيونية العقيدة والنهج، كان هذا الحزب هو القائمة العربية الموحدة، التي أعلن رئيسها، منصور عباس، عن توقيعه على اتّفاقية الائتلاف لتشكيل حكومةٍ برئاسة الثنائي نفتالي بينت ويئير لبيد.

مثّلت هذه الخطوة تحوّلًا في علاقة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مع الدولة، ونعني بذلك تحقيق خطوةٍ متقدِّمةٍ نحو أسرلة المشهد السياسي، والمشاركة في حكومةٍ إسرائيليةٍ مؤلفةٍ من أحزابٍ صهيونيةٍ. ادّعى عباس أنّه حان الوقت للتأثير من الداخل، وتحصيل الحقوق والامتيازات التي يستحقُّها المجتمع العربي في إسرائيل. تعرّضت هذه الخطوة إلى انتقاد لاذِعٍ وشديدٍ من قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع العربي في إسرائيل، لإدراكها أنّها غير صحيحةٍ، وليست في الوقت المناسب، خصوصًا مع حكومةٍ مؤلّفةٍ من أحزابٍ صهيونيةٍ وقوميةٍ متطرفةٍ وعنصريةٍ لا تعترف بالشعب الفلسطيني، ولا تسعى إلى السلام والعدالة والانصاف تجاه الفلسطينيين.

حظيت فكرة التمثيل السياسي لفلسطينيي الـ 48 بقائمةٍ مشتركةٍ واحدةٍ بقبولٍ لدى الجماهير الفلسطينية في الداخل

لم تستمر حكومة بينت-لبيد، التي شاركت فيها القائمة العربية الموحدة، إلّا سنةً تقريبًا، إذ استقالت وتوجهت إسرائيل إلى انتخاباتٍ جديدةٍ عام 2022 فاز بها حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو، وشكّـل حكومةً يمينيةً متطرفةً جدًّا، لذا عادت القائمة العربية الموحدة إلى مقاعد المعارضة رافضةً أيّ محاولةٍ لإعادة تشكيل، أو ترميم القائمة المشتركة حسب النسق السابق.

أدّى انهيار القائمة المشتركة إلى وقوع حالةٍ من الانقسام بين الأحزاب السياسية، وانعكس ذلك داخل المجتمع. وبالتالي، تراجع التمثيل السياسي في الكنيست للمواطنين الفلسطينيين، إذ لم يجتز حزب التجمُّع الوطني نسبة الحسم، عِلمًا أنّه كان قاب قوسين أو أدنى من ذلك، وعليه فإنّ المشهد الحالي مؤلَّفٌ من حزبين عربيين، وهما: القائمة العربية الموحدة (خمسة مقاعد) والجبهة والعربية للتغيير (خمسة مقاعد). ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أنّ حالة الانقسام في الداخل الفلسطيني ليست بعيدةً عن حالة الانقسام بين الفصائل الفلسطينية بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وهذا موضوعٌ نتركه للمستقبل، للغوص في موجاتٍ تحليليةٍ ذات أهمّيةٍ لفهم طبيعة ديناميكية السياسة الفلسطينية في مواقع وجود وانتشار الفلسطينيين.

كما لا يجب أن يغيب عن بالنا بالمرّة، أنّه مقابل التمثيل السياسي في الكنيست الإسرائيلي للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، هناك تياراتٌ سياسيةٌ ترفض خوض أيّ انتخاباتٍ برلمانيةٍ، من منطلق رفضها المشاركة في العمل السياسي تحت قبّة برلمان إسرائيل، باعتباره مؤسّسةً صهيونيةً مشارِكةً في هضم حقوق الفلسطينيين وقضمها منذ 1948. وتفضل هذه التيارات التأثير من الخارج، من أبرزها حركة أبناء البلد، وهي إطارٌ سياسيٌ غير مُسَجّلٍ رسميًّا، لكنه فاعلٌ على الأرض في تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، والتمسُّك بالثوابت الفلسطينية كاملةً.

يبقى السؤال هنا، إلى أيّ مدى يؤثِّر هذا التمثيل السياسي على صُنّاع القرار؟ ويُحقّق انجازاتٍ تعود بالنفع على المجتمع العربي، الذي يواجه منذ 75 عامًا سياساتٍ تمييزيةً وعنصريةً. إنّه سؤالٌ جديرٌ بالنقاش والحوار.

جوني منصور

صحيفة العربي الجديد




المهمة الشاقة: تفعيل المقاومة الشعبية في الضفة الغربية

بالتوازي مع ما تشهده الضفّة الغربية من تغوّلٍ في المشروع الاستيطاني الهادف إلى تحقيق الضم الفعلي لها، وما يتبع ذلك من بلوغ ذروة عملية مصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني، وعنف المستوطنين المفضي إلى التهجير وسياسات الخنق الاقتصادي، والتعطيش والتدمير والهدم؛ فإنّ هناك ضرورةٌ لتحركٍ شعبيٍ عاجلٍ، يترافق مع دعواتٍ ومبادراتٍ، لتفعيل ما يسمى “المقاومة الشعبية” في مواجهة المخاطر الوجودية التي تتهدد الشعب الفلسطيني في الضفّة الغربية.

لكن من المهمّ أنّ نعود ونكرر ونذكر بما يقال دائمًا حول أسباب تراجع الفعل الشعبي في الضفّة الغربية، ولا سيّما أنّ هذا الفعل لم يرقَ إلى مستوى الحدث، سواء في ما يتعلق بالضفّة نفسها أو بفصول الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزّة، التي كان تفاعل الضفّة الغربية معها هامشيًا بالمجمل.

بطبيعة الحال، لا يمكن أن يحدث فعلٌ شعبيٌ منظمٌ في ظلّ عملية تدمير المؤسسات الوطنية الشعبية وتفكيكها والهيمنة عليها، وتحوير مساراتها. فلا وجود لاتحاداتٍ شعبيةٍ وطلابيةٍ ونسويةٍ وعماليةٍ، ولا لجان عملٍ تطوعيٍ، أو نقاباتٍ أو نوادٍ أو غيرها من الأوعية المؤطرة للناس. أما المؤسسات الموجودة حاليًا، تحت مسميات مجتمعٍ مدنيٍ واتحاداتٍ ونقاباتٍ ومؤسساتٍ شعبيةٍ وما إلى ذلك، فبعضها مكونةٌ من طواقم بيروقراطيةٍ برجوازيةٍ مرتبطةٍ بتمويلٍ أجنبيٍ، وبعضها مجرد أسماءٍ في الإعلام كالقوى الوطنية والإسلامية، وما هو موجودٌ منها على الأرض ملاحقٌ ومطاردٌ منذ سنواتٍ طويلةٍ من الاحتلال والسلطة الفلسطينية، كالحركات الطلابية. أما النقابات الموجودة حاليًا، فهي تلك التي تمثّل مهن الطبقة الوسطى، الأطباء والمهندسين والمحامين، وليست نقاباتٍ للعمال والفلاحين وغيرهم من الفئات الشعبية.

مهمّة إعادة تفعيل المقاومة الشعبية طويلةٌ وشاقةٌ ومضنيةٌ، لأنّ هذه العملية تتطلّب إعادة بناء/ إيجاد البنية التحتية التنظيمية

وإذا أراد أحدٌ دليلًا على أن هذه المؤسسات مجرد أسماء لا علاقة لها بالشارع، فليسأل أيّ شابٍ أو شابةٍ فلسطينيةٍ إن كانت له/ لها عضويةٌ في أيّ مؤسسةٍ أو اتحادٍ أو نادٍ أو حزبٍ، ولن أبالغ إن قلت إنّ الإجابة ستكون لا كبيرةً. وبطبيعة الحال، وفي ظلّ عدم وجود هذه البنية التحتية المؤسسية، التي تساهم في تثقيف الناس وتعبئتهم وتنظيمهم وتوجيههم، لا يتوقع أن نشهدَ مقاومةً شعبيةً منظمةً في الضفّة الغربية.

من ناحيةٍ أخرى، وفي السنوات الأخيرة، منذ ما بعد الانتفاضة الثانية على أقلّ تقدير، جرت عملية إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني اجتماعية، التي أدت إلى تراجع البعد الجماعي العام في تكوين الشخصية الفلسطينية، وبروز الفردانية، وتفوق المصلحة الخاصّة على المصلحة العامة، وتقوقع الناس حول ذواتهم، وسعيهم إلى تحقيق الخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي. من أهمّ مظاهر هذا التحول النزعة الاستهلاكية (التفاخرية) المفرطة المستشرية في المجتمع الفلسطيني، إذ أصبح الاقتراض من البنوك، ومؤسسات الإقراض والتقيسط لتمويل سلعٍ استهلاكيةٍ بالدرجة الأساسية مهيمنًا على المجتمع الفلسطيني. وفي هذا الإطار، على سبيل المثال، أصبحت مسألة اقتناء السيارات، الممولة بالقروض، والتنافس على الأنواع الفارهة منها سمةً بارزةً في الشارع. وأكثر من ذلك، أن الناس أصبحوا يستخدمون القروض والتقسيط لتمويل الرحلات السياحية والكماليات.

في السياق ذاته، أصبح مصدر الدخل أو “الراتب” هو المقدس شبه الوحيد لدى الناس، فعندما حاولت حكومة رامي الحمد الله فرض قانون الضمان الاجتماعي، أواخر عام 2018، خرج الناس إلى الشوارع ضدّه، وانخرطت قطاعاتٌ واسعةٌ من الناس في فعاليات الاحتجاج ضدّ القانون. بعيدًا عن تفاصيل القانون، كان محرك الناس الأساسي هو الخوف على المقدس الأخير (مصدر الدخل)، من أن يعبث به أيًّا كان، بعدما جُرّد الناس من قضاياههم الوطنية العامة. وقد حدثت موجات احتجاجٍ وحراكاتٌ مطلبية أخرى في السنوات الأخيرة، كان دافعها الأساسي المطالبة بتحسين الدخل، لكن خلال المرحلة ذاتها حدثت تطوراتٌ مهمةٌ على مستوى القضية الفلسطينية، مثل الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً موحدةً لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ومحاولة تطبيق ما سميَ “صفقة القرن” لإنهاء القضية الفلسطينية. غير أنّ هذه التطورات الخطيرة لم تؤدِّ إلى أيّة تحركاتٍ شعبيةٍ ترقى إلى مستوى الحدث، وسادت حالةٌ من اللامبالاة تجاهها، وكأنّها لا تعني الناس بشيءٍ.

على أيّة حال، كانت هناك دائمًا استثناءاتٌ متكررةٌ، وما زالت تحدث، بعضها يسير نحو تجاوز حالة الاستثناء ليكون القاعدة، مثل ظاهرة معاقل المقاومة في شمال الضفّة الغربية. قبل ذلك شهدت الضفّة الغربية تحركاتٍ شعبيةً، وهباتٍ عفويةً لكنها امتدت مكانيًا وزمانيًا، مثل هبة القدس عام 2015، والهبات المقدسية المتتالية في السنوات الأخيرة، إلى هبة أيار (القدس) عام 2021. وقد دفعت هذه التحركات والهبات الشعبية المتكررة الاحتلال ليحسب حساب ردة فعل الشعب الفلسطيني في أكثر من حدثٍ ومناسبةٍ، خصوصًا في ما يتعلق بالأسرى والمسجد الأقصى.

لكن خطورة الوضع الحالي، الذي تعيشه الضفّة الغربية تحديدًا، على مختلف الأصعدة، الذي يترافق مع تردي الأوضاع الاقتصادية، وانقطاع مصادر الدخل، إذ لا يوجد أحد إلّا وتضرر اقتصاديًا بدرجاتٍ خطيرةٍ؛ لم يؤدِّ إلى تحرك الشارع تحركًا عفويًا أو منظمًا. هنا تبرز عوامل الخوف، والشعور بالعجز والإحباط، وعبيثة الأدوات المتاحة، وضياع البوصلة على اعتبارها عوامل مثبطةٍ للناس، ومانعةٍ لتحركهم تحركًا عفويًا أم منظمًا.

ربّما هنا مدخل الإجابة عن سؤال الآليات. فكلّ ما سبق كان الهدف منه القول إنّ مسألة تفعيل المقاومة الشعبية ليست مسألةً بسيطةً تحتاج إلى بعض الآليات والأدوات والنقاشات في المؤتمرات وما إلى ذلك، وبعدها سنجد الناس في الشوارع. بل على العكس تمامًا، فمهمّة إعادة تفعيل المقاومة الشعبية طويلةٌ وشاقةٌ ومضنيةٌ، لأنّ هذه العملية تتطلّب إعادة بناء/ إيجاد البنية التحتية التنظيمية، بمعناها الواسع، وإعادة بناء مؤسساتٍ وطنيةٍ شعبيةٍ، والأهمّ من ذلك، هدم قيم النيوليبرالية الفردانية، المتمحورة حول الخلاص الفردي في عقول الناس.

لا يمكن أن يحدث فعلٌ شعبيٌ منظمٌ في ظلّ عملية تدمير المؤسسات الوطنية الشعبية وتفكيكها والهيمنة عليها، وتحوير مساراتها

هذه الأمور تحتاج إلى عملٍ مكثفٍ طويل المدى، وإدراك مكامن الخلل وعوامل الهدم المستشرية في المجتمع، وأهمّها السلطة الفلسطينية وبناها الأمنية والإدارية والمالية، التي تحوّلت إلى أهمّ معول هدمٍ، وعائقٍ أمام أيّ إمكانيةٍ لإعادة تنظيم المجتمع، وبناء مؤسساته الشعبية. لا بدّ لهذه المعضلة أن تكون واضحةً لدى من يتساءلون عن لا مبالاة المجتمع الفلسطيني، أو غياب المقاومة الشعبية.  فلا يمكن التعويل على كيان ضبط السكان أمنيًا وإداريًا، ولا بوجوده، في شكله الحالي، لتفعيل المقاومة الشعبية.

لكن وعلى أيّة حالٍ، لا تزال بعض النوافذ مفتوحةً لإمكانية العمل، لكن هذا الأمر يتطلّب استثمارًا جيدًا للظروف، وحالات الغضب الشعبي، أو حالات ردات الفعل الشعبية ردا على اعتداءات الاحتلال في الضفّة الغربية، أو تفاعلًا مع أحداث الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، فأحيانًا تمثّل الفوضى فرصةً لإعادة البناء، في ظلّ تشتت جهود الضبط والمراقبة واستنزافها.

لكن من المهمّ أن تكون الأهداف واضحةً، فمثلًا مفهوم المقاومة الشعبية نفسه غير متفقٍ عليه فلسطينيًا. وإذا ملنا إلى المعاني الدارجة له وأدواتها، كالتظاهرات والمواجهات والحجارة واللجان الشعبية، فهنا يجب أن تكون الحقيقة واضحةً. فهناك جزءٌ، إن لم يكن غالبية الناس، غير مؤمنٍ بجدوى هذه الأدوات في المرحلة الحالية، لأن مستوى التحدي والجرائم الصهيونية قد بلغ عنان السماء.

من ناحيةٍ أخرى، حتّى الراغبون بممارسة هذه الآليات خائفون من عواقبها، إذ إنّ الاحتلال يشن حملات اعتقالٍ شرسةٍ، ويمارس على المعتقلين أقسى أنواع التعذيب والحرمان. إضافةً إلى مجمل اعتداءات الاحتلال، التي تساهم في إحجام الناس عن التفاعل مع الوضع العام سواء على الأرض، أو حتّى على وسائل التواصل الاجتماعي.

يمكن معالجة هذه الإشكاليات بوسائل مختلفةٍ، منها خلق عملية تثقيفٍ بين الأجيال، والعمل على نقل التجارب النضالية من الأجيال السابقة إلى الجيل الحالي، فالنضال الفلسطيني الممتد غزيرٌ بالتجارب والخبرات والتقييمات لمراحل الفشل أو الأخطاء التي رافقت تجارب نضالية معينةٍ. من هنا من المهمّ توعية الجيل الحالي بتجارب الانتفاضة الأولى، على سبيل المثال، كونها الحالة المنشودة عندما نتحدث عن المقاومة الشعبية.

في هذا الإطار أيضًا، من المهمّ توضيح أهمّية المقاومة الشعبية وجدواها للناس، وشرح أشكالها وأدواتها، وفاعليتها في التخفيف عن قطاع غزّة، والدفاع عن الضفّة الغربية في وجه الاحتلال ومستوطنيه. وإضافةّ إلى ذلك، من المهم أن يوضح للناس كيف يحمون أنفسهم، ويتجنبون عواقب انخراطهم في المقاومة، وكيف يمكن لمشاركتهم بالحدّ الأدنى أن تكون فعالةً وآمنةً في الوقت نفسه.

وعليه، فالمهمّة الملقاة على عاتق المثقفين والنشطاء والفاعلين كبيرةٌ، وهم في حاجةٍ إلى التقاء الناس، والتواصل معهم مباشرةً، وعدم الاكتفاء بالمواد المكتوبة، واللقاءات والمؤتمرات الأكاديمية والنخبوية. هنا يجب أن نسلّم بحقيقة أنّ قلةً من الناس تقرأ المقالات والدراسات والتحليلات، فالقراءة ليست ثقافةً عامةً في مجتمعنا. في حين يبحث كثيرون عن المعرفة، وعن إجاباتٍ عن أسئلةٍ عالقةٍ. وحرّي بمن ينتظر من الناس شيئًا أن يبحث عنهم ويخاطبهم بلغتهم الشعبية البسيطة، والناس يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي والتكتوك واليوتيوب، ولديهم جلدٌ لمشاهدة حلقاتٍ طويلةٍ نوعًا ما، وعميقةٍ لكن بأسلوبٍ بسيطٍ، قد تكون هذه الوسائل بديلًا ممكنًا لخلق التواصل المفقود. فواجب المثقفين والنشطاء والنخب إنّ كانوا عاجزين عن الالتحام المباشر بالجماهير أن يذهبوا إليهم حيث يكونون.

صحيفة العربي الجديد




اغتيال هنيّة وتداعياته

تعرّض رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إسماعيل هنيّة (1963- 2024)، فجر الحادي والثلاثين من تموز/ يوليو 2024، لاستهدافٍ مباشر في مقرّ إقامته في العاصمة الإيرانية، طهران، ما أدّى إلى اغتياله وأحد مرافقيه. وجاء استهدافه بعد ساعات فقط من انتهاء مراسم تنصيب الرئيس الإيراني المنتخب، مسعود بزشكيان، والذي شارك فيه وفد من حركة حماس بقيادة هنيّة، كما جاء بعد ساعات أيضاً من استهداف إسرائيل القيادي في حزب الله، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية، بيروت.. وفي الوقت الذي لم تعلن فيه إسرائيل صراحةً عن مسؤوليتها عن اغتيال هنيّة (خلافًا لاغتيال شكر)، إلا أنها تتصرّف على هذا الأساس، وتتّهمها “حماس” والسلطات الإيرانية بالوقوف خلف العملية.

تريد إيران أن تقوم بردٍّ ما، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل

احتمالات ما بعد الاغتيال
يمثّل اغتيال هنيّة، الذي يحظى بشعبية واسعة، تطوّراً خطيراً في مسار الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزّة منذ عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي حين يأمل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من خلال عملية الاغتيال، زيادة شعبّيته في إسرائيل (وهو ما حصل فعلاً بعد جريمتَي الاغتيال)، وانتزاع صورة انتصارٍ ما زال عاجزاً عن تحقيقه في الحرب المستمرّة على القطاع منذ عشرة شهور، بحيث يمكنه استخدامه مبررّاً لمواصلة الحرب بطريقته إلى حين فرض تصوّره لما يسمّى اليوم التالي، أو ربما للمضي في اتفاق الهدنة الذي طرحه الرئيس الأميركي، جو بايدن، في أيار/ مايو 2024، ويعارضه بعضٌ من أكثر أعضاء حكومته تطرّفًا، إلا أن عملية الاغتيال تهدّد، في الوقت نفسه، بتوسيع رقعه الصراع، إذا ما قرّرت إيران الرد على الهجوم الذي وقع على أراضيها وأسفر عن اغتيال أحد أبرز ضيوفها المشاركين في مراسم تنصيب رئيسها الجديد، وإذا ما قرر أيضاً حزب الله الردّ بقوة غير متوقّعة على اغتيال الشخصية القيادية فؤاد شكر. 
احتمال توسّع رقعة الصراع العسكري
يرتبط هذا الاحتمال بالضرورة بحسابات إيران، وردّها المتوقّع على اغتيال هنيّة، وعلى إظهار أن لإسرائيل اليد الطولى في المنطقة، فالعالم العربي عموماً يقف موقف المتفرّج تجاه ما يمكن اعتبارها عربدةً إسرائيليةً في المنطقة.
في ساعات الصباح الباكر التي أعقبت الإعلان عن عملية الاغتيال، اتسمت التصريحات الإيرانية بالانضباط إلى حد لافت، حيث لم يُشِر أيٌّ منها إلى ضلوع إسرائيل في العملية. ولم تحمل التصريحات الإيرانية أيّ التزام بالرد، وبوجه خاص تلك التي صدرت عن الحرس الثوري ووزارة الخارجية. لكن التوجه الإيراني بدأ يتّخذ منحىً مختلفاً بعد اجتماع مجلس الأمن القومي، الذي شارك فيه قائد الحرس الثوري، وكبار قادة الجيش والداخلية والمخابرات. ونشر حساب المرشد الأعلى، علي خامنئي، على منصة إكس، تصريحاً توعّد فيه إسرائيل بما سمّاه “عقاباً قاسياً”، في حين هدّد بيان صدر عن الحرس الثوري الإيراني بأن “الرد على الكيان الصهيوني سيكون قاسياً وموجعاً”.
وعلى الرغم من التريّث الإيراني في اتهام إسرائيل بعملية الاغتيال، والذي يمكن تفسيرُه بمحاولة فهم ما جرى بالضبط في ساعات الفجر الأولى، فإن إيران لن يكون في مقدورها، نتيجة حجم الضربة التي وقعت على أراضيها، إلا أن تقوم بردٍّ من نوعٍ ما، قد يشبه ما قامت به ردًاً على اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في مطار بغداد مطلع عام 2020، واستهداف إسرائيل قنصليّتها في دمشق مطلع نيسان/ أبريل 2024. 
تجد إيران نفسها مع بداية عهد رئيسها الجديد الذي يسعى إلى فتح باب الحوار مع الغرب، وخصوصاً مع الولايات المتحدة، أمام اختبار كبير، حيث إنها تريد أن تقوم بردٍّ ما، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورّط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ولا تريد التأثير سلبيًا في فرص الحوار مع واشنطن، ولا سيما أن ذلك كان أحد أهداف عملية الاغتيال التي أمر بها نتنياهو في طهران. فالعمليات أخيراً في الحديْدة وفي حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية وفي طهران نفسها موجّهة كلها ضد إيران التي شدّد نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس على الصراع معها، وعلى ضرورة التحالف الأميركي – الإسرائيلي ضدها.

لن يكون في مقدور إيران، نتيجة حجم الضربة التي وقعت على أراضيها، إلا أن تقوم بردٍّ من نوعٍ ما

احتمال التوجّه نحو اتفاق 
في الوقت الذي تشتد فيه الضغوط الداخلية والأميركية على نتنياهو للتوصّل إلى اتفاق يتم بموجبه إطلاق سراح الرهائن ووقف الحرب التي استنفدت أغراضها في قطاع غزّة، وفق منطق الإدارة الأميركية، وأيضًا في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الضربات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله وتهدّد بنشوب مواجهة أوسع، جاءت عملية اغتيال هنيّة في طهران وشكر في بيروت لترفع التصعيد إلى مستوياتٍ أعلى. لكنّ رفع مستوى التصعيد قد يمثّل المرحلة التي تسبق عملية التهدئة، حيث تخشى أطرافٌ إقليمية ودولية عديدة من فقدان السيطرة كليّاً على الوضع ودخول المنطقة في مواجهة شاملة تنجرّ إليها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. ويعني هذا أن الضغوط ستزداد في الفترة المقبلة على نتنياهو للقبول “بصورة الانتصار” الذي حاول انتزاعه من خلال الهجمات التي حصلت في طهران وبيروت والتوجّه إلى إبرام اتفاق يُنهي الحرب في قطاع غزّة. ويبدو أن نتنياهو فهم ذلك في زيارته أخيراً واجتماعه مع مرشّحَي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كاميلا هاريس ودونالد ترامب، اللذيْن أصدرا، على الرغم من مزايدتهما على بعضهما في مسألة دعم إسرائيل في لقاءيهما بنتنياهو، مواقف تدعو إلى ضرورة إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاقٍ لاستعادة المحتجزين الإسرائيليين.
وعلى الرغم من أن الوسيط القطري، وعلى لسان رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تساءل: “كيف يمكن أن تنجح مفاوضات يقوم طرفٌ بقتل من يفاوضه في الوقت ذاته؟”، وما بدت عليه العملية لحركة حماس كأنها محاولة أخيرة من نتنياهو لتوجيه ضربةٍ نهائيةٍ إلى مسار التفاوض، وقد تكون كذلك فعلاً، فإن التوصل إلى اتفاق يبقى الخيار الوحيد؛ فحركة حماس، ومعها بقية فصائل المقاومة وحاضنتها الشعبية لديها مصلحة حقيقية في إنهاء الحرب، في ضوء الإبادة التي يتعرّض لها قطاع غزّة منذ عشرة شهور. وينطبق الأمر نفسه على بقية الأطراف الإقليمية والدولية التي تتوجّس من اتساع نطاق المواجهة وخروج الأمور عن السيطرة. أما على المستوى الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن نتنياهو لا يبدو مهتماً بالتوصل إلى اتفاق، فإن الخيارات أمامه محدودة؛ فهو لا يبدو اليوم بعد شهور من المحاولات الفاشلة أقرب إلى تحقيق أيّ من هدفَي الحرب، وهما القضاء على “حماس” وإطلاق الأسرى، في الوقت الذي تتزايد فيه ضغوط الشارع والمؤسّسة العسكرية التي باتت تلحّ في طلب هدنة نتيجة التعب والإنهاك المستمرَين.

قد تشكّل عملية اغتيال هنية نقطة تحول في الحرب الدائرة في قطاع غزة، وقد تفتح الباب واسعًا أمام تصعيد كبير

انعكاسات الاغتيال على المشهد السياسي الفلسطيني
يمثّل ردّ فعل السلطة الفلسطينية التي نعت رئاستها هنيّة، باعتباره قائداً وطنيّاً كبيراً، وإعلانها الحداد وتنكيس الأعلام، فرصةً جدّيةً للبناء على اتفاق بكين، الذي وُقّع في 23 تموز/ يوليو 2024، والتوصل إلى وفاق وطني فلسطيني بدا متعثراً بلوغه منذ بداية الحرب. ويعزّز هذا الأمر موقف قوى شعبية وشخصيات وفصائل فلسطينية، وقوى إقليمية، ما فتئت تطالب بتشكيل قيادة فلسطينية موحّدة في إطار منظمّة التحرير الفلسطينية باعتباره الخيار الوحيد أمام الفلسطينيين للاستثمار في التضحيات العظيمة التي قدّموها، خاصة في الشهور العشرة الأخيرة وعدم السماح بإضاعتها. 
وبالنسبة إلى “حماس” نفسها، يضع اغتيال هنية قيادتها، في الخارج خصوصاً، مجدّداً في قلب النقاش العام جماهيريّاً، نظراً إلى أنها تدفع ثمن مواقفها من دمائها ودماء أبنائها، وأنها تقدّم بذلك تضحيات مثل أهل غزة المحاصرين في الداخل. وهكذا يضرب الاحتلال بنفسه السردية التي اشتغل عليها ومنصاته الإعلامية خلال عشرة شهور من الحرب حول افتراق أجندة قيادة المقاومة في الخارج عن هموم الشارع.
خاتمة
قد تشكّل عملية اغتيال هنيّة في طهران نقطة تحوّل في الحرب الدائرة في قطاع غزّة منذ نحو عشرة شهور، وقد تفتح الباب واسعًاً أمام تصعيد كبير في المنطقة إذا قرّرت إيران (وحزب الله) الرد على الخرق الكبير الذي تعرّضت له سيادتها من إسرائيل، أو قد تدفع نحو ممارسة مزيد من الضغوط الإقليمية والدولية على حكومة نتنياهو للذهاب في اتجاه قبول المقترح الذي قدّمه الرئيس بايدن لاتفاق الهدنة منعاً لسيناريو التصعيد الأول. ويعزّز هذا التوجّه مستوى الضيق الذي باتت تعبّر عنه دول كثيرة من سلوك إسرائيل التي تتصرّف مثل دولة مارقة باتت تتجاوز أبسط القواعد والأعراف المتوافق عليها لخوض الصراعات والحروب، بما فيها قتل الطرف الذي تخوض المفاوضات معه! 

المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات




ميديابارت: لهذا تحول موقف فرنسا من الصحراء الغربية.. وهل يمكن أن يتغير؟

اعتبر موقع “ميديابارت” الفرنسي في تقرير بعنوان الصحراء الغربية.. أسباب التحول الفرنسي، أن تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب، أن الصحراء الغربية، هي جزء من السيادة المغربية، يشكل نقطة تحول تاريخية في العلاقات الفرنسية المغربية، وانتصاراً دبلوماسياً كبيراً للمغرب الذي يعمل من أجل الاعتراف بسيادته على هذه المساحة البالغة 266 ألف كيلومتر مربع الواقعة على حافة المحيط الأطلسيفبعد الولايات المتحدة 2020 وإسبانيا 2022، انتهت فرنسا إلى توضيح موقفها.حتى لو كان ذلك يعني إثارة غضب الجزائر التي سحبت مباشرة سفيرها من باريس.

 وأوضح “ميديابارت، أنه في شهر فبراير/شباط الماضي، مهد ستيفان سيجورنيه، وزير الخارجية الفرنسي المعين حديثا، الطريق خلال زيارته للمغرب، حيث قال وقتها: “إن الصحراء قضية وجودية بالنسبة للمغرب، وفرنسا تعرف ذلكلقد حان الوقت الآن للمضي قدما“. وذكرت أن الملك محمد السادس تلقى الرسالة بشكل واضح وردّ عليها برسالة رحبت بـموقف فرنسا الواضح والقوي” بشأن “موضوع الصحراء المغربية، ولذلك فإن إيمانويل ماكرون مدعو إلى زيارة دولة” تهدف إلى تعزيز الشراكة الاستثنائية التي بنيت منذ عقود على الصداقة والثقة.

 وينقل “ميديابارت” عن المعطي منجب، المؤرخ المغربي والناشط في مجال حقوق الإنسان (الذي تم العفو عنه من قبل الملك منذ أيام)، قوله“ماكرون هو أول رئيس يولد بعد تصفية الاستعمار. وبالنسبة له، مصلحة فرنسا الاقتصادية تأتي في المقام الأول، وهي موجودة في المغرب، الذي يعد شريكا ممتازا، على عكس الجزائر”وبالنسبة لباسكال بونيفاس، مؤسس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس)، فإن رسالة إيمانويل ماكرون هي اعتراف ضمني، مضيفاًربما ينتظر ليرى ما إذا كان موقعه الجديد سيجلب شيئا للجانب المغربي ليحتفظ بإعلان الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء خلال زيارته للمغرب”.

 في أبريل/نيسان، تحدث وزير التجارة الخارجية الفرنسية، فرانك ريستر، عن الفرص الاقتصادية خلال زيارة للمغربوتم فتح الباب أمام استثمارات الوكالة الفرنسية للتنمية في الصحراء الغربيةوبحسب صحيفة لوموند، فقد اهتم إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي لإيمانويل ماكرون، باستقبال رؤساء عدة مجموعات فرنسية كبيرة مقيمة بالمغرب، لإبلاغهم بالموقف الفرنسي الجديد.

 واعتبر باسكال بونيفاس أن فرنسا امتنعت عن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء لأنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدةلكنها أرادت الآن اللحاق بإسبانيا والولايات المتحدة، وكانتا أعربتا بالفعل عن دعمهما لسيادة المغرب على الصحراء، في عامي 2022 و2020 على التوالي”.

 ويذكر التقرير بأنه في السنوات الأخيرة، عانت فرنسا والمغرب من أزمة تلو الأخرىففي عام 2021، أدى الكشف عن استعمال المغرب لبرنامج “بيغاسوس” للتجسس في فرنسا، إلى أزمة. كما شعر المغاربة بالإهانة بسبب القيود المفروضة على منح تأشيرات السفر إلى فرنسا. وأخيرا، عندما ضرب أكبر زلزال في تاريخ البلاد الأطلس الكبير، في سبتمبر الماضي، لم يقبل المغرب المساعدة التي قدمتها فرنسا، مفضلاً دولة قطر أو حتى إسبانيا.

 بالنسبة للمعطي منجب، كان المغرب بحاجة إلى تسويق خطاب قومي للشعب، وإظهار قدرته على معارضة فرنسا، مستعمره السابقويتذكر قائلاًكانت الصحافة القريبة من السلطة قاسية للغاية مع فرنسا”.

 ولفت الموقع إلى تواجد ثلاثة وزراء من الحكومة الفرنسية، وهم جيرالد دارمانان وأورور بيرجي وستيفان سيجورنيه ، في سفارة المغرب بباريس مساء الثلاثاء، للاحتفال بمرور خمسة وعشرين عامًا على حكم محمد السادس. وكذلك حضرت أودري أزولاي، وزيرة الثقافة السابقة في عهد فرانسوا هولاند، والمديرة الحالية لـ”اليونسكو”.

 وقال الموقع إن الصحراء الغربية بمياهها الغنية بالأسماك وأراضيها المخصصة للزراعة ورواسب الفوسفات، تشكل قضية حاسمة بالنسبة للرباط، إلى حد جعلها أولوية مطلقة في دبلوماسيتهاوذهبت بعض الدول، مثل السنغال والإمارات العربية المتحدة والغابون، إلى حد إنشاء قنصليات في العيون أو الداخلة، وهما مدينتان في الصحراء الغربية.

 وأشار إلى أن الملك محمد السادس كان واضحا في 2022 عندما قالقضية الصحراء هي المنظور الذي ينظر من خلاله المغرب إلى محيطه الدولي، وهذا مهما كان الثمن”ولفت إلى أنه عام 2020، كان لا بد من دفع ثمن اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء المغربية من خلال التوقيع على اتفاقيات أبراهام، لتطبيع العلاقات المغربية الإسرائيليةوهذا ما يفسر أيضًا، بالنسبة للمعطي منجب، أهمية الخطاب الوطني المغربيإنها مسألة مواجهة هذا التطبيع، الذي لا يحظى بشعبية كبيرة، بل وأكثر من ذلك منذ 7 أكتوبرالمجتمع المدني المغربي يظهر بشكل مكثف ومنتظم دعمه للقضية الفلسطينية وينتقد التطبيع باعتباره خيانة.

 واعتبر “ميديابارت” أنه مع فرنسا سيكون المغرب قادرا على الاعتماد على الدعم المعزز من دولة هي عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة… باستثناء، ربما، إذا غيرت الحكومة موقفها السياسي، وانتقد جزء من اليسار الأزمة التي اندلعت مع الجزائر.

موقع ميديا بارت الفرنسي

ترجمة صحيفة القدس العربي




اغتيال زعيم حماس في إيران يقربنا من “الأرمغدون” في الشرق الأوسط

حذر مارك ألموند، مدير معهد أبحاث الأزمات في أوكسفورد، من مخاطر اغتيال إسرائيل الزعيم السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية. وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغب دائما بالهجوم على إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي، إلا أن مقتل زعيم حماس في طهران قد يدفعها وبسرعة لبناء القنبلة النووية. وأضاف: “في النظرة الأولى، فقدرة إسرائيل على توجيه ضربة قاتلة لعدو فلسطيني مهم في قلب العاصمة الإيرانية وتحت جنح الظلام هي دليل على ذكائها في المعارك الحديثة. وكما حدث مع استهدافها لفؤاد شكر في بيروت قبل ساعات، اغتيال زعيم حماس في طهران، كشف لأعداء إسرائيل أنه لا يوجد مكان آمن للاختباء فيه”. و”مع ذلك، فسجل إسرائيل الطويل في العثور على منظمي أعمال عنف ضدها وقتلهم، يقترح أن هذه الاغتيالات هي طريق مسدود لو قصد منه قمع جماعات إرهابية ذات قاعدة شعبية”.

وقال ألموند “إن تحويل هنية لشهيد سيكون بلا شك مرضيا للكثير من الإسرائيليين الذين يرون أنه هندس هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن هذه الشهادة ستمنح السلطة والمرجعية لهدفه العنيد”. وأضاف أنه “طالما ظل هنية مقيم في قطر وبأمن بعيدا عن المذبحة التي أشعلها في غزة، كان بإمكان إسرائيل الزعم بأنه لا يأبه بالمعاناة الإنسانية والثمن الباهظ لإستراتيجيته. والآن، وقد مات فمن الصعب القول للغزيين: “لماذا تريدون القتال لرجل يعيش حياة ميلياردير في الدوحة وأنتم تجوعون وتنزفون”.

ويرى الكاتب أن اغتيال زعيم حماس قد يربكها لفترة، لكن هنية ينتمي إلى مجموعة من قيادات حماس التي صعدت إلى القمة بعدما اغتالت إسرائيل الزعيم الروحي للحركة أحمد ياسين عام 2004. وحتى لو افترضنا أنه “إذا” كانت حماس في حالة احتضار في غزة قبل الغارة ضد هنية، وهذا في الحقيقة أمر مستبعد في الواقع، لأن الإشارات تؤشر إلى توسع الحرب مع حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين الذين يستهدفون السفن التجارية بالبحر الأحمر وميناء إيلات. وربما اكتشفنا لاحقا أن غزة هي مرحلة أولى في نزاع متزايد بالشرق الأوسط.

وتابع الكاتب “اقترح بعض الإسرائيليين أنه من خلال التخلص من زعيم حماس، فربما استطاع بنيامين نتنياهو استعادة السلطة السياسية الكافية التي فقدها بسبب الثغرات الأمنية في7 تشرين الأول/أكتوبر، وبهذا يكون قادرا على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن هذا يتجاهل حقيقة أنك تحتاج لطرفين كي تصنع السلام. فلن تكون حماس فقط تحت ضغط الانتقام لمقتل هنية بل وإيران وحزب الله وبقية الجماعات الموالية لإيران في العراق والحوثيين في اليمن الذين سيتعرضون لضغوط التدخل. وحتى قطر، فقد أعلنت عن نهاية دورها كوسيط بعد مقتل هنية”.

وقال الكاتب إن نتنياهو لم يكن أبدا راغبا بتسوية بناء على حل الدولتين، ومن الصعوبة بمكان الآن رؤية كيفية تقديم الإسرائيليين أو الفلسطينيين تنازلات من أجل التسوية، فقد ماتت الثقة بينهم منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وعلينا ألا ننسى أن الكثيرين في إسرائيل الكارهين لنتنياهو يفعلون هذا ليس بسبب فساده بل لأنه فشل بتوفير الضمانات الأمنية لهم وحمايتهم من الهجمات الفلسطينية، فلم يعد هناك حركة سلام في إسرائيل.

ويرى الكاتب أن نتنياهو طالما حذر من امتلاك إيران القنبلة النووية، وربما سرعت الإهانة التي وجهها لها بقتل هنية لإنتاج القنبلة النووية وبأقرب وقت ممكن. وهذا سيقربنا للمعركة النهائية أو أرمغدون. وقال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن إن امريكا ستدافع عن إسرائيل لو تعرضت للصواريخ الإيرانية من جديد. وسيضيف هذا أمريكا إلى قائمة أهداف حلفاء إيران مثل حزب الله والميليشيات في العراق وسوريا واستهداف القواعد الأمريكية. لقد فقدت إيران هيبتها، وفي الوقت نفسه، لن ترغب إسرائيل وأمريكا بالتراجع في مواجهة دعوات الانتقام. وهذه وصفة لدوامة من العنف.

مارك الموند – مدير معهد ابحاث الازمات بجامعة اوكسفورد

ترجمة ابراهيم درويش




فورين أفيرز: الحرب السرية الإماراتية في السودان.. معادلة الذهب والسلاح ودور الدول الغربية في الضغط عليها

نشرت مجلة “فورين أفيرز” تقريرا أعده جون بريندرغاست المؤسس المشارك لمنظمة “سينتري” والتي تحقق في الشبكات التي تستغل العنف وتدعم النخب الفاسدة، وأنطوني ليك الذي عمل مستشارا للأمن القومي في إدارة بيل كلينتون، ناقشا فيه الدور السري للإمارات في حرب السودان.

وجاء فيه أن مليونين ونصف سوداني سيموتون من الجوع ونقص المواد الغذائية في الأربعة أشهر المقبلة.

وهو رقم يفوق بالضعف على عدد الكمبوديين الذين جوعهم زعيم الخمير الحمر بول بوت. وهو أكبر بمرتين ونصف من عدد الذين ماتوا بمجاعة إثيوبيا ما بين 1983- 1985، والتي ألهمت أغنية “نحن العالم”.

 ومثلما قال أكبر مسؤول للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث “لا أعتقد أننا رأينا مثل هذا العدد من الناس المعرضين لخطر المجاعة”. ويقول الكاتبان إن التوسع الضخم للمقابر في منطقة دار فور والعنف الإبادي الناجم عن المعارك في المدن الرئيسية هو الجزء الظاهر في المعاناة الإنسانية. ورغم الحروب الطاحنة المندلعة حول العالم إلا أنه لا توجد مقارنة لكثافة ومدى النزاع في السودان.

لا توجد دولة تعمل ما يكفي من أجل إنهاء الأزمة، لكن بعض الدول تقوم بتغذية الحرب الأهلية وتنتفع منها

فمنذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، هرب عشرة ملايين سوداني من بيوتهم، مما يعني أن واحدا من كل ثمانية نازحين ببلادهم حول العالم هو سوداني. كما تم تشريد المزيد من الأطفال في السودان وأكثر من أي مكان آخر.  ومع ذلك، تظل معاناة السودانيين بعيدة عن اهتمام العالم، فلم تساهم الدول المانحة إلا بنسبة 31% من ميزانية 2.7 مليار دولار طلبتها الأمم المتحدة لعملياتها في السودان، وهو نقص كبير في أسوأ كارثة جوع في العالم.

ولا توجد دولة تعمل ما يكفي من أجل إنهاء الأزمة، لكن بعض الدول تقوم بتغذية الحرب الأهلية وتنتفع منها. فقد قدمت مصر وتركيا وإيران الدعم العسكري للخرطوم، رغم الأدلة عن ارتكاب القوات السودانية المسلحة لعمليات قصف لا يميز وتعذيب واستخدام التجويع كوسيلة حرب. ودعمت روسيا في البداية قوات الدعم السريع، الطرف الآخر للحرب وبجذوره التي تعود لميليشيات الجنجويد في حرب الإبادة بدار فور قبل عقدين.

إلا أن موسكو تلعب الآن على الحبلين، ففي أيار/مايو وقعت اتفاقا مع الجيش السوداني لبناء قاعدة دعم لوجيستي على البحر الأحمر مقابل تزويده بالمعدات العسكرية والأسلحة. ووفق التقرير ففي الوقت نفسه قضت السعودية، ذات العلاقة التاريخية مع الجيش السوداني أشهرا لتقويض الجهود الرامية لاستئناف محادثات السلام المتوقفة منذ نهاية عام 2023، وظل الأمر حتى تموز/يوليو حيث حصلت الولايات المتحدة على موافقة الرياض لاستئناف المحادثات في جنيف بشهر آب/أغسطس. غير أن التقرير أكد أن الطرف الخارجي الذي يتحمل المسؤولية عن الجوع والتطهير العرقي هي الإمارات العربية المتحدة.

وذكر أنه بينما ترتكب قوات الدعم السريع أعمال إبادة جماعية ضد المدنيين في دارفور ومناطق أخرى، تقوم أبوظبي بتسليم الأسلحة للميليشيات. وفي الوقت نفسه، تقوم شركات عديمة الضمير بتهريب الذهب السوداني إلى الأسواق الإماراتية، مما يؤدي إلى تأجيج الصراع. ويرى الكاتبان أن الإمارات استطاعت التصرف دون خوف من العقاب بسبب احتياطاتها النفطية وثقلها الإستراتيجي المهم والدور الذي تلعبه في غزة، وهذا هو سبب تردد القادة الغربيين في الضغط بشكل كبير على أبو ظبي. ويعتقد الكاتبان أن الدور الذي تلعبه الإمارات في إثارة الأزمة السودانية، يضع ضغوطا على اللاعبين الخارجيين  ليجبروا الإمارات على تغيير المسار.

 الحرب على الذهب

ويرى الكاتبان أن الذهب هو العامل الأكبر المحرك للحرب، حيث تتورط قوات الدعم السريع بشكل أعمق في تجارته مع أن الجانبين قاما بتهريب كميات كبيرة من الذهب وبيعها لتغذية آلات الحرب الخاصة بهما. وتستفيد الإمارات حاليا من هذه التجارة.

 ولم تتوفر إحصاءات عام 2023 بعد، ولكن في عام 2022، استوردت الإمارات 39 طنا من الذهب من السودان، بقيمة تزيد عن 2 مليار دولار، ولا تزال الشحنات المباشرة من الذهب السوداني مستمرة بالتدفق على الإمارات وحتى اليوم. وهناك لاعبون سيئون يهربون الذهب السوداني إلى تشاد ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، مع أن معظم الذهب ينتهي في السوق الإماراتي.

وبحسب بيانات تجارية من الأمم المتحدة، فقد وصل 60 طنا من الذهب إلى الإمارات عام 2022. وفي تقرير استشاري حول مخاطر الأعمال صدر في أيار/مايو، لاحظت وزارة الخارجية أن الإمارات تحصل على “كل” الذهب القادم من السودان.

وتعتبر الإمارات المركز العالمي لغسيل الذهب وهي أكبر وجهة للذهب المهرب من أفريقيا. وأشار تقرير لمنظمة غير حكومية سويسرية تدعى “سويس إيد”، نشر قبل فترة، إلى أن 405 أطنان من الذهب هربت من دول الصحراء إلى الإمارات عام 2022، مما يجعل الإمارات أكبر مستورد للذهب الأفريقي غير المشروع في ذلك العام.

تعتبر الإمارات المركز العالمي لغسيل الذهب وهي أكبر وجهة للذهب المهرب من أفريقيا

ويقول خبراء الصناعة إن كميات كبيرة من الذهب المهرب التي لم يتم الإعلان عنها مطلقا في بلدانها الأصلية تصبح فجأة قانونية عند نقلها عبر الإمارات العربية المتحدة، مما يعزز دور الأخيرة في غسيل الذهب. وأضاف الكاتبان أن جمعية سوق السبائك في لندن وهي مؤسسة مؤثرة في تنظيم تجارة الذهب العالمي قامت مع مهمة العمل المالية، وهي جهة حكومية دولية تقوم بمواجهة غسيل الأموال، ما بين 2020- 2022 بالضغط على الحكومة الإماراتية لمعالجة عملية غسيل الذهب غير المشروع.

وردت الإمارات باتخاذ بعض الخطوات، بما في ذلك وضع الجهات التي تقوم بتصفية الذهب تحت التدقيق بناء على المعايير الدولية. ومع ذلك تظل هناك ثغرات مهمة في أسواق الذهب في البلد حيث يتم تبادل الذهب نقدا.

ويقول الكاتبان إن اتخاذ إجراءات صارمة ضد تجارة الذهب غير المشروع، من شأنه أن يمنع الشركات الإماراتية من التربح من الحرب. كما يتعين على جمعية سوق السبائك في لندن أن تنسق مع الحكومات الأخرى لدفع الإمارات العربية المتحدة إلى السماح بالمراقبة المستقلة لأسواق الذهب لديها ــ على غرار بعثات المراجعة المستقلة التي تعطل تجارة الماس الملوث بالدم في إطار ما يعرف بنظام شهادة عملية كيمبرلي. وبدون المراقبة المستقلة لأسواق الذهب، لن تفعل الإصلاحات المحلية الكثير لعرقلة تجارة الذهب في مناطق الصراع.

ويؤكد الكاتبان أنه يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض مزيد من العقوبات على الشركات التي تشتري وتبيع الذهب المهرب من السودان. وفي حزيران/يونيو منعت وزارة الخزانة الأمريكية سبع شركات من التداول في السوق المالي الأمريكي للاشتباه بأنها خرقت العقوبات المفروضة على السودان. وهذه خطوة جيدة، لكن التأثير على تفكير القادة الإماراتيين يحتاج إلى استهداف شبكة الشركات والأفراد في الإمارات المتورطة في تهريب الذهب السوداني. ذلك أن أصحاب هذه الشركات يغيرون أسماءها وبشكل مستمر ويستخدمون مدراء وهميين ليحلوا محل الملاك الحقيقيين، ولهذا يجب أن  تكون العقوبات شاملة لتنجح.

استهداف الاستثمارات

ويرى الكاتبان أن تعطيل تجارة الذهب السوداني الممول للصراع، ربما كان وسيلة فعالة بشكل خاص بالنسبة للجهات الفاعلة الخارجية لإبعاد الإمارات العربية المتحدة عن دعم قوات الدعم السريع، ولكنها ليست الطريقة الوحيدة المتاحة لها. فالإمارات استثمرت وبشكل واسع فيما يعرف بالغسيل الرياضي، أي تبييض سمعتها عبر المال، إما مباشرة أو عبر شركات خاصة أو نوادي الدوري الإنكليزي الممتاز والفرق حول العالم. وقد باتت أهم نوادي كرة القدم الأوروبية مثل مانشستر سيتي وإي سي ميلان وأرسنال وريال مدريد مدعومة ماليا من الإمارات. وهو نفس الحال مع فورمويلا وان، رابطة سباقات السيارات الدولية وبيسبول يونايتد، وهي رابطة مقرها في دبي وتضم لاعبين سابقين في دوري البيسبول الأمريكي.

وأكد الكاتبان أنه سوف يشعر المشجعون بالانزعاج بحق عندما يعلمون أن رعاة رياضييهم المفضلين يتعهدون أيضاً بتمويل العنف الإبادي. وإذا استخدمت حتى بضعة فرق رياضية ودوريات ولاعبون ومشجعون وسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد مساهمات الإمارات العربية المتحدة في أزمة السودان، فإن الإحراج العلني قد يجعل الإمارات العربية المتحدة تفكر مرتين في سياساتها.

دق أعضاء في الكونغرس ومنظمات حقوقية دولية، مثل أمنستي انترناشونال ومنظمة هيومان رايتس ووتش، ناقوس الخطر حول تسليح الإمارات قوات الدعم السريع

وقال الكاتبان إنه يجب على الولايات المتحدة إعادة النظر في صفقات الأسلحة وبمليارات الدولارات التي تبيعها كل عام للإمارات. وقد دق أعضاء في الكونغرس ومنظمات حقوقية دولية، مثل أمنستي انترناشونال ومنظمة هيومان رايتس ووتش، ناقوس الخطر حول تسليح الإمارات قوات الدعم السريع وحثوا الدول التي تقدم السلاح إلى الإمارات على بذل المزيد من العناية الواجبة للتأكد من عدم وصول هذه الشحنات إلى دارفور. وقد قدمت النائبة الديمقراطية من كاليفورنيا سارة جاكوبس، العضو البارز في اللجنة الفرعية الأفريقية للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، مشروع قانون في أيار/مايو 2024 من شأنه أن يحظر مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات حتى يصادق الرئيس الأمريكي بأن أبو ظبي توقفت عن تسليح قوات الدعم السريع.

وبرأي الكاتبين فيجب على المشرعين في الكونغرس والصحافيين ودعاة حقوق الإنسان الكشف وانتقاد شركات العلاقات العامة التي استعانت بها أبو ظبي للتأثير على السياسة الأمريكية وتشكيل الرأي العام حسب رغبتها.

فقد أبرمت مثلا مجموعة أف جي أس غلوبال للاستشارات الإستراتيجية، عقدين مع الحكومة الإماراتية بقيمة إجمالية 5.6 مليون دولار، بالإضافة إلى النفقات، للفترة 2024-2025. وتعاقدت شركة المحاماة البارزة أكين غرامب شترواس هوير أند فيلد مع شركة ضغط مقرها واشنطن  لتقديم المشورة للإمارات بشأن المبيعات العسكرية في عام 2023، وحصلت خلال ستة أشهر من ذلك العام على رسوم بقيمة 3.8 مليون دولار من الإمارات.

 وشدد الكاتبان على أنه طالما ظلت الإمارات تساعد وتشجع قوات الدعم السريع، فجماعات الضغط في واشنطن وشركات المحاماة التي تعمل لصالح حكومة الإمارات تعتبر متورطة في تمكين الفظائع.

أين تحالف أنقذوا دار فور؟

ويذكر الكاتبان أن تحالفا دوليا شكل قبل عقدين اسمه “أنقذوا دار فور” واستهدف أكبر مستثمر في حينه في السودان وهي الصين. واتهموا بيجين التي كانت تحضر لدورة الألعاب الأوليمبية عام 2008 بأنها تتجاهل المذابح الجارية في الإقليم.

واستقال في بداية شباط/فبراير 2008 ستيفن سبيلبرغ، الذي عينته الصين كمدير فني لحفلة الافتتاح والنهاية للألعاب احتجاجا على علاقة الصين بالإبادة.

وأكدا أنه كان للضغوط الدولية والشجب أثره، ففي نهاية شهر شباط/فبراير 2008 انضمت الصين إلى الأصوات الضاغطة على الخرطوم والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى معسكرات النازحين والعمل على منع الجرائم ضد المدنيين. وكما أظهرت استقالة سبيلبرغ قبل عقدين من الزمان، فإن الضغوط من مصادر غير متوقعة يمكن أن تحدث فرقا.

واليوم، يرى الكاتبان، أنه يجب على جماعات المناصرة والشركات والفرق الرياضية والرياضيين وصناع السياسات وأي شخص لديه منصة عامة استخدام كل الأدوات المتاحة لهم لمنع تصاعد المجاعة والإبادة الجماعية في السودان. وشددا على أن الإمارات متورطة بشكل عميق مع قوات الدعم السريع وتتحمل مسؤولية ثقيلة عن الأزمة، لكن هذا يعني أنها تتمتع أيضا بنفوذ هائل يمكن لأبو ظبي أن تستخدمه في التأثير على قرارات قوات الدعم السريع.

مجلة فورين أفيرز

ترجمة ابراهيم درويش




تايم: نتنياهو اغتال هنية لجر أمريكا إلى حرب إقليمية واسعة

نشرت مجلة “تايم” مقالا لتريتا باريسي، مدير معهد كوينسي للحكم المسؤول، قال فيه إن إسرائيل تريد جر الولايات المتحدة لحرب مع إيران.

وأشار إلى أن إسرائيل تقف بدون شك وراء اغتيال المسؤول السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران يوم الأربعاء، فمن خلال إحراج إيران بشكل كبير، حيث قتل هنية بعد ساعات من حضوره حفل تنصيب الرئيس الجديد، مسعود بزشكيان، فإن إسرائيل في الوقت نفسه تزيد من مدى الانتقام الإيراني.

وهذا هو على الأقل رأي الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي في إسرائيل، لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو راغب بإشعال حرب واسعة في المنطقة وجر الولايات المتحدة إليها. ومع أن إسرائيل نفسها ستدفع الثمن الباهظ في ذلك، إلا أن الحرب ستدعم أهداف نتنياهو وبطرق متعددة.

أولا: أنهى مقتل هنية أي منظور لاتفاق وقف إطلاق النار، فقد عارض نتنياهو وبشكل ثابت صفقة تنهي الحرب. وكشفت “هآرتس” الإسرائيلية أن نتنياهو قام قبل جولات المفاوضات بتسريت معلومات حساسة من أجل تخريبها.

وكما تحدث الرئيس بايدن للمجلة عندما سئل عن محاولة نتنياهو إطالة أمد البقاء في الحكم، حيث قال: “هناك كل الأسباب التي تجعلنا نتوصل لتلك النتيجة”. ويعرف نتنياهو أن هذه الصفقة ستؤدي إلى انهيار تحالفه وتنهي حكمه. كما أنها ستسرع من محاكمات الفساد التي يواجهها، وتعني أنه قد يدخل السجن. ولا شيء ينهي المفاوضات فعليا أكثر من قتل المفاوض على الطرف الآخر.

ثانيا: يضع مقتل هنية الرئيسةَ الأمريكية المقبلة كامالا هاريس في الزاوية، ذلك أن إدارة بايدن ظلت تلوم حماس على تعطيل المفاوضات والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

وهناك دلائل تظهر أن هاريس قد تتبنى موقفا مختلفا عن ذلك الذي اتخذه بايدن والقائم على الميل الشديد لإسرائيل. و”كما أخبرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد حان الوقت للتوصل لصفقة”، وذلك بعد مقابلته الأسبوع الماضي في واشنطن. ووضعت اللوم عليه في عدم حدوث تقدم. وكان من الصعب على نتنياهو تجاهل لغتها الباردة وحركة جسمها وتعاطفها مع الفلسطينيين، واستعدادها للوم إسرائيل على خنق المفاوضات.

ثالثا: قتل هنية يعني قتلَ خط آخر للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد جاء الانتخاب المفاجئ للإصلاحي مسعود بزشكيان واستعداده للنظر في المفاوضات مع الولايات المتحدة بمثابة نافذة صغيرة للدبلوماسية. وهذا صحيح؛ لأن إيران تعتقد أن إسرائيل تحركت بمباركة من إدارة بايدن. وفي رسالة لمجلس الأمن الدولي، كتب ممثل إيران في الأمم المتحدة أن الهجمات “لم تكن لتحدث بدون مصادقة ودعم استخباراتي من الولايات المتحدة”.

وفي ضوء المعارضة الإسرائيلية الطويلة للعلاقات الأمريكية- الإيرانية، فإن قرار اغتيال هنية أثناء مشاركته في حفل تنصيب بزشكيان لم يكن مصادفة على الأرجح.

وقضى نتنياهو العقدين الماضيين وهو يحرض الأمريكيين ضد إيران ويحاول إقناعهم بضربها. وقد تعرض الرؤساء الأمريكيون الأربعة السابقون لضغوط إسرائيلية من أجل مهاجمة إيران. ورغم أن التركيز ظل على المشروع النووي الإيراني، إلا أن الرغبة بالحرب مع طهران تذهب أبعد من مجرد تخصيب اليورانيوم.

وترى إسرائيل في إيران تهديدا للترتيبات الإقليمية، ولقدرتها على التحرك لضرب سوريا ولبنان بحرية بدون خوف من العقاب. ويعتقد الإسرائيليون أن صفقة نووية مع إيران لن تؤدي إلى تغيير ميزان القوة في الشرق الأوسط.

وفي الحقيقة، فتخفيف العقوبات على إيران، كما في معاهدة 2015 التي وقّعتها إدارة أوباما ودول أخرى مع طهران، أصبح لدى الأخيرة التفوق النوعي في ميزان القوة بالمنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي إلى إسرائيل. ولا يمكن الحفاظ على التفوق الإسرائيلي من خلال العمل العسكري فقط، بل هو بحاجة إلى عقوبات اقتصادية وتدخل عسكري أمريكي.

ومن هنا ترغب إسرائيل من خلال عملية الاغتيال إلى دفع إيران لكي ترد بطريقة يمكن أن تتسبب بحرب واسعة تجر أمريكا إليها.

ففي نيسان/ أبريل، منعت إدارة بايدن توسع الحرب من خلال المساعدة في ترتيب رد إيراني مضبوط ضد إسرائيل انتقاما لضرب القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/ أبريل. وتستطيع إدارة بايدن اليوم منع المنطقة من الانزلاق للفوضى، ولكنها لن تنجح بدون وضع خطوط حمر واضحة وعامة لنتنياهو.

مجلة تايم الاميركية

ترجمة ابراهيم درويش




الغارديان: حماس لم تُهزم باغتيال هنية.. وانتقال القيادة سيكون سلسا ولن يؤثر على غزة

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لبيثان ماكرنان قالت فيه إن إسرائيل وجهت ضربة لحركة حماس عندما قتلت رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية أثناء زيارة لطهران يوم الأربعاء.

وتساءلت عن الخطوة المقبلة للحركة، مضيفة أن هنية ليس الزعيم الأول الذي تغتاله إسرائيل، فقد اغتالت مؤسس الحركة وزعيمها الروحي أحمد ياسين والمؤسس المشارك عبد العزيز الرنتيسي والقائد العسكري صلاح شحادة في بداية القرن الحالي. وقتل أحمد الجعبري الذي قاد عملية السيطرة على غزة عام 2007 في غارة جوية بمدينة غزة عام 2012.

 وترى الصحيفة أن حماس كانت دائما قادرة على تجميع وإعادة تنظيم نفسها إلا أن الحرب الجارية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر تركت الحركة في حالة من فراغ القيادة، فقد اعتبرت إسرائيل في حربها على الحركة وتعهدها بتدميرها سياسيا وعسكريا القادة في الخارج أنهم “أهداف للقتل”.

ففي بداية العام الحالي، قتلت إسرائيل صالح العاروري، أحد نواب هنية بغارة جوية على لبنان. وقالت إسرائيل إن مروان عيسى أحد قادة حماس العسكريين قتل في النصيرات في آذار/مارس. وأعلنت إسرائيل يوم الخميس أن قائد كتائب القسام محمد الضيف قتل في الغارة الإسرائيلية على خان يونس قبل ثلاثة أسابيع.

وتلاحق إسرائيل الضيف منذ عام 1995 ونجا من عدة محاولات اغتيال. وكان الضيف ويحيى السنوار وهنية على قائمة قدمها مدعي عام الجنائية الدولية لاستصدار مذكرة اعتقال بتهم ارتكاب جرائم حرب، إلى جانب مذكرات ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يواف غالانت. وتقول الصحيفة إن حماس لم تؤكد مقتل الضيف، ولو تأكد فسيشعر زعيم حماس في غزة السنوار بأنه بات وحيدا. ولم يكن هنية من قاعدة إقامته في العاصمة القطرية، الدوحة قادرا على إدارة الأمور في غزة. ولم يكن هنية أو أي من قادة حماس في الخارج يعرف عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولو كانت قيادة الخارج تعرف فليس من الواضح إلى أي مدى.

لم يكن هنية أو أي من قادة حماس في الخارج يعرف عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولو كانت قيادة الخارج تعرف فليس من الواضح إلى أي مدى

وعلى خلاف السنوار، كان هنية يتنقل ويسافر وظل حتى مقتله الوجه المعروف لحماس، حيث أدار علاقات الحركة مع إيران والحركات الموالية لها في الشرق الأوسط، مثل حزب الله. وكان معتدلا ووجه وفود حماس لمفاوضات الهدنة التي توسطت بها مصر وقطر والولايات المتحدة، والتي ابتعد منظورها كثيرا الآن.

وفي الماضي، استخدمت حماس الانتخابات الداخلية في غزة والضفة الغربية والسجون لاختيار زعيم جديد، وهو أمر صعب في الظروف الحالية. وبدلا من ذلك فقد يتقدم خالد مشعل سلف هنية لتولي منصب مدير المكتب السياسي وإن بصفته قائما بالأعمال.

وولد مشعل، 68 عاما، في الضفة الغربية ونشأ في الكويت وظل شخصية مركزية للحركة منذ التسعينات حيث قام برعاية مصالح الحركة والدفاع عنها من الخارج.

 وفي عام 1997 تعرض لمحاولة تسميم على يد عملاء الموساد في عمان، العاصمة الأردنية، وهو ما أغضب الملك حسين الذي هدد بقتل العملاء الإسرائيليين المتورطين في العملية، إلا في حالة زودت إسرائيل الأردن بالدواء المضاد للسم.

 ومثل هنية، فهو شخصية معتدلة وبراغماتية وقام بمراجعة لميثاق حماس عام 2017. وتنحى عن رئاسة المكتب السياسي في نفس العام نظرا لدعوته إلى المصالحة مع حركة فتح التي تسيطر على الضفة، حسب الصحيفة. وتوترت علاقاته مع سوريا وإيران منذ عام 2011، نظرا لدعمه الثورة السورية ضد بشار الأسد.

وهناك خليل الحية، الذي قاد وفد حماس لمفاوضات الهدنة، ويقيم في قطر، وله علاقات مع المسؤولين الإيرانيين، بشكل يجعله في وضع جيد لخلافة هنية.

وترى الصحيفة أن وفاة هنية لن تترك أي أثر على ساحة المعركة. وتزعم إسرائيل أنها استطاعت قتل نصف قيادة حماس العسكرية في غزة، بمن فيهم ستة قادة بارزين لكتائب وأكثر من عشرين قائد فرقة وقتلت وجرحت 14,000 مقاتل، وهي أرقام لم يتم التحقق من صحتها. ورغم عدم قدرة حماس على شن هجمات صاروخية وضعف نظام القيادة لديها، إلا أنها استطاعت وبنجاح التحول إلى حرب العصابات وزيادة أعدادها من خلال تجنيد متطوعين جدد في صفوفها واستخدام شبكة الأنفاق لمواجهة القوات الإسرائيلية. وقطعت إسرائيل خط الإمدادات الرئيسي من رفح في أيار/مايو وهو ما سيؤثر على قدرة الحركة للقتال، لكنها لم تهزم بعد.

قوة لم تنته

ورأى ريتشارد سبنسر في صحيفة “التايمز” أن المرحلة الانتقالية في القيادة داخل حماس ستكون سلسة، لكن ما تعنيه وفاته للحركة ولغزة ولمستقبل الدولة الفلسطينية أقل وضوحا. فحماس التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها حركة منضبطة وبعملية واضحة وآلية لاستبدال القادة. فعندما حل هنية محل مشعل عام 2017 تم ذلك بدون توضيح ولكن بدون أي معارضة. وظل مشعل ناشطا في مكتب الحركة السياسي وظهر من جديد بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر وكمتحدث قوي في الإعلام العربي. ويتوقع معظم المحللين أن يعاد تكليف مشعل برئاسة المكتب السياسي، فلديه العلاقات الضرورية والدبلوماسية مع تركيا وقطر ومصر التي توسطت في مفاوضات الهدنة، مع أن هنية كان ينظر إليه على أنه الأكثر اعتدالا.

لكن حماس ستتأثر ميدانيا بمقتل الضيف، لو كان التقدير الإسرائيلي أنها نجحت باغتياله في 13 تموز/يوليو. وفي النهاية فالقرارات السياسية تتخذ بموافقة الجميع، بما فيها الصفقات التي تقدم بها هنية، لكن محمد ضيف كان الزعيم الذي أنشأ الجناح العسكري وجعله جيشا متعدد الأهداف خصوصا استهداف إسرائيل.

لعبت كتائب عز الدين القسام دورا مهما في تأكيد حكم حماس في غزة وأطلقت الصواريخ ضد إسرائيل وقامت ببناء مستوى من الردع

فقد لعبت كتائب عز الدين القسام دورا مهما في تأكيد حكم حماس في غزة وأطلقت الصواريخ ضد إسرائيل وقامت ببناء مستوى من الردع غير المتناسق الذي خرب على الغزو الإسرائيلي لغزة. فالدبابات الإسرائيلية قادرة على التحرك في أي مكان تريده داخل القطاع وتقوم طائرات إسرائيل بتدمير أي بناية تريدها من الجو، لكن مقاتلي حماس، يستطيعون الخروج من أنفاقهم حسبما يريدون للقيام بعمليات خاطفة.

وقتل أكثر من 300 جندي إسرائيلي حتى الآن، وبالتأكيد خسرت حماس آلافا من مقاتليها، بحسب التقدير الإسرائيلي الأكثر تفاؤلا وهو 14,000 مقاتل. ومع هذا فهناك أكثر من 15,000 مقاتل لا يزالون في الأنفاق وأماكن أخرى وينتظرون ما تقرره إسرائيل والمجتمع الدولي لغزة في المرحلة المقبلة. وفي غزة اليوم فوضى وعصابات نهب غير مرتبطة بحماس تقوم بنهب ما تبقى في الأنفاق. ولأن إسرائيل اعتبرت الشرطة الفلسطينية هدفا عسكريا، فقد اندمج بعضهم مع المدنيين أو عادوا إلى الأنفاق.

وتقول إسرائيل إنها لن تسمح لحماس بممارسة أي دور في مستقبل غزة، بل واستبعدت أي دور للسلطة الوطنية التي تسيطر عليها فتح في الضفة الغربية، لكنها بالتأكيد قادرة على لعب دور المخرب بما تبقى لديها من قوة تحت قيادة يحيى السنوار الزعيم العام لغزة، وفي حالة قررت إسرائيل فرض قيادة ميدانية تختارها.

ومن الخيارات التي يتم التلويح بها، هي قيادة موالية للإمارات التي تعتبر الدولة العربية ذات العلاقة الجيدة مع إسرائيل. إلا أن أبو ظبي تضع سمعتها وكذا قوات حفظ السلام على الخط لو حاولت فرض حكم مدني في وقت ينتظر عشرات الآلاف من المسلحين للرد سريعا من الأنفاق. صحيح أن حماس لم تعد تمثل تهديدا على إسرائيل علاوة على قدرتها تنظيم هجمات مثل 7 تشرين الأول/أكتوبر، لكنها لا تزال خطرا على غزة. وتواجه إسرائيل ورطة من خلال مواصلة تدمير حماس وقتل السنوار أو المخاطرة بحرب مع حزب الله، المنظمة التي لديها قدرات لإمطار وقصف إسرائيل بالصواريخ.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




أولويات نتنياهو: كرسي الحكم واستمرار الحرب في غزة وإبقاء “حزب الله” ساحة ثانوية.. و”المخطوفون” لاحقاً

سلسلة المتضررين بالاغتيالات في هذا الأسبوع (القيادي الرفيع في حزب الله فؤاد شكر في بيروت، وقائد حماس إسماعيل هنية في طهران وزميله محمد ضيف الذي تمت تصفيته في خان يونس، وأمس تم التأكد نهائياً من موته) أدت إلى هزة إقليمية جديدة. إخراج هؤلاء الثلاثة من العمل سجل في أرجاء الشرق الأوسط كإنجاز لإسرائيل، حتى لو لم يمحُ الانطباع الذي تسببت به مذبحة 7 تشرين الأول. والآن تستعد إسرائيل لصد، بدرجة معينة احتواء، هجوم رد على هذه الاغتيالات من إيران وحزب الله وحماس والحوثيين في اليمن. احتمالية استكمال صفقة التبادل، رغم دعم واضح من القيادة الأمنية، تبدو ضئيلة إزاء تغير جدول الأعمال الإقليمي.
تهديدات طهران وبيروت بالانتقام أدت لرفع جاهزية الأجهزة ذات الصلة في الجيش الإسرائيلي. أعلن أول أمس عن إلغاء جميع الإجازات في الوحدات الحربية. يتوقع أن تكون خطوة إيران وشركائها منسقة. ربما يتعلق الأمر بعدة موجات من الهجمات على مدار بضعة أيام، ومن المرجح أن ترد عليها إسرائيل. ولأن أعضاء المحور يريدون الانتقام على قتل هؤلاء القادة وليس بسبب المس الجماعي بالمدنيين، يمكن التقدير بأن عملياتهم ستوجه لمنشآت عسكرية أو استراتيجية. وهذه المنشآت تنتشر أيضاً في مركز البلاد وفي الشمال؛ اختيار أهداف في حيفا أو في “غوش دان” قد يعتبر رداً مناسباً على الأحداث الأخيرة.
إن اغتيال شكر وهنية، الذي نسبته إيران لإسرائيل في فترة زمنية هي سبع ساعات، أشعل خلافات صاخبة جداً. الأول يتناول جدوى الاغتيال في طهران، والثاني يجدد النقاش المتواصل حول صفقة المخطوفين بدرجة أشد. لم يكن أي خلاف حول اغتيال شكر. حزب الله عرف أنه تجاوز قواعد اللعب غير المكتوبة عندما قتل 12 طفلاً وفتى في قرية مجدل شمس الدرزية في الجولان. وجد حزب الله نفسه في حالة محرجة حتى أمام الطائفة الدرزية في لبنان (لذلك، كذب ونفى بشكل استثنائي مسؤوليته عن الإطلاق). وضربة إسرائيلية محسوبة لهدف عسكري مميز (رئيس أركان الحزب) لا تبدو عملية قد تدهور الطرفين إلى حرب.
لكن جاء اغتيال هنية بعد ذلك، وهذه المرة في إيران، بصورة ستضم حماس إلى هذا التوتر خلال الاتصالات حول عقد صفقة التبادل. يعتبر هذا أصبعاً في عين النظام؛ لأن هنية كان ضيفاً في احتفال تنصيب الرئيس الإيراني الجديد. هي تضع إيران في بؤرة التخبط فيما يتعلق بعملية الرد. وليس من الغريب أن الزعيم الأعلى خامنئي عني بتسريب أمر بتوجيه ضربة مباشرة إيرانية نحو إسرائيل. مع ذلك، أكد متحدثون في كل أجزاء المحور مؤخراً بأنهم غير معنيين بحرب شاملة.
بخصوص الصفقة، يتبين شيئاً فشيئاً وجود سلم أولويات خاص برئيس الحكومة نتنياهو، وإعادة المخطوفين لا تقف في مكان مركزي فيه. نتنياهو معني بتواصل الحرب في القطاع بدون تغيير حجم القوات العاملة ضد حماس وبدون الانسحاب من ممر نتساريم ومحور فيلادلفيا اللذين يسيطر عليهما الجيش الإسرائيلي. المواجهة مع حزب الله في منطقة الشمال ما زالت تحتل أولوية ثانوية لديه؛ فهو لا يريد التورط في حرب إقليمية، ولا في مواجهة كبيرة مع حزب الله. الوضع على الحدود في الشمال -حسب رأيه- ربما يبقى ثابتاً حتى وقت طويل، رغم الخسائر المتراكمة والسكان الذين تم إخلاؤهم.
المشكلة أن القليل من ذلك قيل للجمهور في إسرائيل. نتنياهو يقلل من ظهوره، ولا يظهر أمام الجمهور إلا حين يجني مكاسب على نجاحات عسكرية منها، في حين أن الكوارث والأخطاء أمور يجب على الجيش الإسرائيلي تفسيرها. المتملقون لديه لم يعودوا يهتمون بالدفاع عنه أمام انتقاده في هذا الشأن. فبالنسبة لهم، هذا هو الواقع وليمت الحاسدون. في تصريحاته، ينثر رئيس الحكومة ضبابية بشكل متعمد. في الأسبوع الماضي، عندما كان في زيارة لواشنطن لإلقاء خطاب في الكونغرس، أصدر إشارات لعائلات المخطوفين بأن هناك تقدماً في المحادثات حول الصفقة. وفي الوقت نفسه، شدد طلباته في المفاوضات بشكل يضمن جمودها. الضبابية موجهة أيضاً نحو الجيش الإسرائيلي؛ فالضباط الكبار يشعرون بأنهم مقاولو تفجيرات. لا تهمه مواقفهم.

بعد موت هنية انتشر اعتقاد بأن رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، سيؤخر المحادثات – حتى كعقاب على عملية الاغتيال، ولأنه سيطبق خطته الأصلية في حالة اشتعال إقليمي ولا مصلحة له في إنقاذ إسرائيل من تورطها. في المقابل، يطرح رؤساء جهاز الأمن ادعاء معاكساً. فحسب رأيهم، أصبحت حماس بعد الاغتيالات في نقطة حضيض. السنوار هو الشخص الأخير بعد أن قتل معظم أصدقائه (وخصومه) في قيادة حماس في الاغتيالات. تحقيق صفقة قد يجعل الوضع يستقر بدرجة ما، ويعيد إلى البلاد بالتدريج المخطوفين إلى جانب جثث المخطوفين الذي ماتوا في الأسر، وتمكين الدولة والجيش من إعادة البناء على أمل تحقيق اتفاق مؤقت على الأقل على الحدود مع لبنان.
يقول وزير الدفاع غالنت هذه الأمور علنياً كل يوم تقريباً. جميع رؤساء الأجهزة يشاركونه رأيه في النقاشات الداخلية. نتنياهو يتآمر على إقالة غالنت واستبداله بجدعون ساعر. العمليات الأخيرة تحسن مكانة نتنياهو في الاستطلاعات بشكل قليل، وفي القريب قد يقوم بهذه المقامرة.
السؤال الذي يحلق منذ فترة طويلة هو: متى ستأتي اللحظة التي يقف فيها رؤساء الأجهزة علناً إلى جانب غالنت ويقولون رأيهم بشأن السياسة وطريقة اتخاذ القرارات؟ الحديث لا يدور فقط عن خلاف استراتيجي؛ فثمة جدال أخلاقي حول مستوى التزام الدولة بمواطنيها وجنودها الذين اختُطفوا نتيجة الفشل الأمني – السياسي الأخطر في تاريخها.
بعيدون عن الحل
الخلاف حول صفقة التبادل ليس السبب الوحيد للتوتر الجديد بين نتنياهو والقيادة الأمنية العليا، ورئيس الأركان هرتسي هليفي بشكل خاص. رئيس الأركان قطع مؤخراً خططه مرتين وسارع إلى ساحتين جعلته يصاب بالصدمة، كل واحدة بطريقتها. السبت، ذهب إلى مجدل شمس بعد بضع ساعات على سقوط الصاروخ الذي أطلقه حزب الله وقتل الأطفال. المشاهد التي رآها هناك كانت فظيعة، لكنه استقبل بتقدير كبير. الدروز في هضبة الجولان كانوا بحاجة إلى احتضان من الدولة، وهليفي قدمه لهم. نتنياهو كلف نفسه عناء الذهاب إلى القرية بعد يومين وأطلق شعارات فارغة؛ بعض السكان رافقوه بهتافات الاستخفاف.
الإثنين، اقتحم نشطاء اليمين المتطرف منشأة “سديه تيمان” وبعد ذلك معسكر “بيت ليد” احتجاجاً على اعتقال تسعة من جنود الاحتياط المشتبه فيهم بالتحرش الجنسي القاسي لشاب فلسطيني. وزراء وأعضاء كنيست شجعوهم، وبعضهم قادوا الاقتحام الأول. وصل رئيس الأركان إلى “بيت ليد” ووجد نفسه مع جنود كتيبة الدورية التابعة للواء المظليين، الذين اضطروا إلى صد اقتحام زعران “لافاميليا” بأيدهم، وهي منظمة مشجعي “بيتار القدس”. الضباط هناك قالوا بأنهم لم يروا أمراً كهذا. وأصدر نتنياهو خلال يومين إدانات ضعيفة، في واحدة قارن بنية واضحة بين أعمال الشغب المهذبة جداً لليمين وبين إغلاق الشوارع المهذب لمتظاهري كابلان.
الفجوة بينه وبين جهاز الأمن ستتسع وتبرز كلما اقتربنا من الذكرى السنوية للمذبحة، وكلما تم نشر المزيد من تحقيقات الجيش الإسرائيلي. قبل الذكرى السنوية، من المرجح أن يزداد ضغط الجمهور على هليفي للانسحاب (إذا لم تندلع حرب شاملة). مع ذلك، سلوك نتنياهو في هذا الأسبوع يطرح ادعاءات أيضاً في الاتجاه المعاكس. انسحاب هليفي ورئيس “الشاباك”، رونين بار، قد يفتح الطريق أمام محاولة تعيين مقربين من هذين المنصبين، لا سيما إذا أزيح غالنت من الطريق لصالح بديل خاضع أكثر.
النجاح العملياتي والاستخباري الذي سجلته إسرائيل مؤخراً، والتقديرات حول ضائقة حماس ووعود نتنياهو الفارغة بالنصر المطلق، كل ذلك لا يجب أن يشوش الجمهور في إسرائيل. مرت عشرة أشهر منذ الهجوم المفاجئ في الغلاف والورطة التي وجدت إسرائيل نفسها فيها بعيدة عن الحل. ربما لم يكن من مناص من ذلك، منذ اللحظة التي تفاجأنا فيها. العمليات التي عملت إيران وشركاؤها عليها لسنوات تم تسريعها دفعة واحدة ونضجت، بصورة تضع أمام الدولة تحديات غير مسبوقة. نتنياهو لا يبلور استراتيجية واضحة ولا يعرضها على المنظومة التي تخضع له. هدفه الأساسي والواضح هو ضمان بقائه في الحكم مع إبطاء (تطلع نحو التحييد) الإجراءات القانونية ضده. في حين بقي الميزان الإقليمي على حاله، وفي هذا الوقت هو غير مشجع من ناحية إسرائيل رغم الإنجازات المحددة المثيرة للانطباع. قناني الشمبانيا قد تنتظر.
عاموس هرئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




فيلادلفيا انكوير: جوش شابيرو المرشح لمنصب نائب هاريس هاجم الفلسطينيين وقال ذات مرة إن السلام لن يأتي أبداً للشرق الأوسط

كتب حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو بصحيفة جامعية في عام 1993 أن السلام “لن يأتي أبدا” إلى الشرق الأوسط وأعرب عن شكوكه حول جدوى حل الدولتين ، واصفا الفلسطينيين بأنهم “ذوو عقلية قتالية للغاية” للتعايش مع إسرائيل.

شابيرو: “الفلسطينيون لن يتعايشوا بسلام”، “ليس لديهم القدرات لإقامة وطنهم الخاص وإنجاحه حتى بمساعدة إسرائيل والولايات المتحدة. إنهم ذوو عقلية قتالية للغاية بحيث لا يمكنهم إنشاء وطن مسالم خاص بهم “

ولكن صحيفة ” فيلادلفيا انكوير” لاحظت أن هذه الآراء التي تعود إلى عقود تتعارض مع مواقف شابيرو اليوم – فهو يدعم حل الدولتين في المنطقة – حيث يتم فحصه ليكون المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس.

وبحسب ما ورد، في مقال الرأي، الذي حمل عنوان “السلام غير ممكن”، قال شابيرو، الذي كان آنذاك طالبا يبلغ من العمر 20 عاما في جامعة روتشستر، إن الاتفاق التفاوضي بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين لن ينهي الصراع في المنطقة، وكتب: “باستخدام التاريخ كسابقة، فإن السلام بين العرب والإسرائيليين يكاد يكون مستحيلا ولن يأتي أبدا”.

ووصف العالم العربي بأنه منقسم، وكتب أن الزعيم الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات كان في خطر التعرض للاغتيال “من قبل زملائه العرب المحاربين”.

وكتب شابيرو، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي : “الفلسطينيون لن يتعايشوا بسلام”، “ليس لديهم القدرات لإقامة وطنهم الخاص وإنجاحه حتى بمساعدة إسرائيل والولايات المتحدة. إنهم ذوو عقلية قتالية للغاية بحيث لا يمكنهم إنشاء وطن مسالم خاص بهم “.

و تم نشر المقال الافتتاحي في كامبوس تايمز ، الصحيفة الطلابية في الجامعة حيث كان شابيرو رئيسا للهيئة الطلابية.

وفي المقال، قال شابيرو إن عرفات كان “طاغية مغرور متعطش للسلطة ويواجه خطر الاغتيال على يد زملائه العرب المحاربين لأنه لا يمثل رأي الأغلبية”.

 وكتب أن “الطريقة الوحيدة لنجاح ‘خطة السلام’ هي إذا لم يدمرها الفلسطينيون”.

وكتب شابيرو “أجد أنه من غير العملي الاعتقاد بأن فصائل العرب يمكن أن تتحد بأعجوبة في سلام ، حتى يتمكنوا من التعايش مع إسرائيل”.

الحاكم مدرج في القائمة المختصرة ليكون في منصب نائب كامالا هاريس – وهو قرار من المتوقع أن تتخذه في الأيام المقبلة – وإذا تم انتخاب شابيرو سيكون أول نائب يهودي للرئيس في البلاد.

وزعم مانويل بوندر، المتحدث باسم شابيرو، في بيان أن موقف الحاكم قد تغير على مدى العقود الثلاثة الماضية، وأشار إلى دعمه لحل الدولتين.

وقال بوندر: “لقد بنى الحاكم شابيرو علاقات وثيقة وذات مغزى وغنية بالمعلومات مع العديد من قادة الجالية المسلمة الأمريكية والعربية الأمريكية والمسيحية الفلسطينية واليهودية في جميع أنحاء ولاية بنسلفانيا”. “يقدر الحاكم بشكل كبير وجهات نظرهم والخبرات التي تعلمها على مر السنين – ونتيجة لذلك ، كما هو الحال مع العديد من القضايا ، تطورت وجهات نظره حول الشرق الأوسط إلى المنصب الذي يشغله اليوم”.

في تصريحات للصحافيين يوم الجمعة، كرر شابيرو أن العمود الصحفي لا يمثل معتقداته اليوم.

 وقال في مؤتمر صحافي غير ذي صلة في مقاطعة ديلاوير :” كان عمري 20 عاما ، لقد قلت لسنوات، سنوات قبل 7 أكتوبر، أنني أؤيد حل الدولتين – الإسرائيليون والفلسطينيون الذين يعيشون بسلام جنبا إلى جنب، وأن يكونوا قادرين على تحديد مستقبلهم ومصيرهم”، وفقاتً لصحيفة “فيلادلفيا انكوير”.

شابيرو: على الرغم من شكوكي كيهودي ومتطوع سابق في الجيش الإسرائيلي، آمل بشدة وأدعو الله أن تنجح ‘خطة السلام’ هذه

ومع بروز شابيرو كواحد من المرشحين الأوفر حظا لترشيح نائب الرئيس، عارضته الجماعات المتضامنة مع فلسطين ، مشيرة إلى آرائه حول الحرب في غزة. وكان مؤيدا ثابتا لإسرائيل، وأدان الاحتجاجات في ديسمبر خارج مطعم  مملوك لإسرائيليين باعتبارها معادية للسامية ودعا الشرطة في مايو إلى إنهاء مخيم احتجاج في جامعة بنسلفانيا.

كما انتقد شابيرو بشدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه “قوة خطيرة ومدمرة” و”أحد أسوأ القادة في كل العصور”. في تصريحات للصحفيين الأسبوع الماضي، قال إن المعاناة الواسعة النطاق في غزة غير مقبولة، ودعا إلى حل الدولتين.

وقال شابيرو : “أنا شخص كان دائما يأمل أن يأتي السلام إلى الشرق الأوسط”.

واختتم شابيرو حديثه قائلا: “على الرغم من شكوكي كيهودي ومتطوع سابق في الجيش الإسرائيلي، آمل بشدة وأدعو الله أن تنجح ‘خطة السلام’ هذه. التاريخ لا يصنع بالمصافحة الدبلوماسية بين زعيمين سياسيين، بل عندما يتحلى خصمان قديمان بالشجاعة للتوقف عن الكراهية، والبدء في الشفاء والوجود في سلام وهدوء”.

رائد صالحة

صحيفة القدس العربي