1

رواندا… قصة 3 عقود من التطوّر المدهش

بعد معاناة طويلة مع العداء والحرب الأهلية

من حرب أهلية، كانت بين الأكثر دموية في القرن العشرين، إذ حصدت نحو مليون قتيل، لم تسدّ طريق رواندا نحو النجاح. ومن الاستعمار الذي ودع البلاد في الستينات، مروراً بتلك الحرب التي أشعلها إسقاط طائرة الرئيس جوفينال هابياريمانا (من شعب الهوتو)، إلى التنمية على يد الرئيس الحالي بول كاغامي، كتبت رواندا قصة نجاح استثنائية.

التاريخ السياسي لرواندا بدأت ملامحه خلال الفترة الاستعمارية البلجيكية، بين عامي 1916 و1962، ويومذاك كان السكان الأصليون بسوادهم الأعظم من غالبية الهوتو، وأقلية التوتسي. واتهم الاستعمار وقتها بالعمل على غرس بذور التمييز بينهم لكي يستمر، وهنا بدأت الأزمة السياسية الأكبر في تاريخ البلاد.

تلك الأزمة طفت على السطح مع إنهاء الاستعمار البلجيكي وسيطرة غالبية الهوتو على السلطة، وتسارع نزعة بعض أبنائها الانتقامية تجاه أقلية التوتسي التي تمتعت طويلاً بامتيازات ومكانة أرفع. وهذا الأمر دفع كثيرين من التوتسي المهددين بالتمييز والعنف إلى الفرار لبلدان مجاورة، كان أبرزها أوغندا. وبقي هؤلاء في المنفى لفترة غير قصيرة، وكان بينهم الطفل بول كاغامي، وسط رفض لعودتهم من قبل السلطة في رواندا.

وكان ذلك الملمح الثاني الأبرز بتاريخ رواندا الذي شهد بداية تغير دراماتيكي، مع تأسيس الشاب بول كاغامي مع آخرين بأوغندا في الثمانينات «الجبهة الوطنية الرواندية»، منادياً بعودة الروانديين المنفيين إلى وطنهم وتشكيل حكومة جديدة وتقاسم السلطة. لكن ردّ نظام الرئيس الرواندي (آنذاك) جوفينال هابياريمانا تمثّل في تأسيس ميليشيات من متشدّدي الهوتو. وهكذا، اندلعت عام 1990 المواجهات بين «الجبهة» والنظام، ولم تهدأ نيرانها إلا عبر مفاوضات بين عامي 1992 و1993، في مدينة أروشا بتنزانيا، وكلّلت تلك المباحثات بخطط للاندماج وتقاسم السلطة… إلا أنها كانت تسير ببطء وظلت حبراً على ورق.

لكن شهر أبريل (نيسان) 1994 شكّل علامة فارقة في المشهد السياسي الرواندي، إذ قتل الرئيس هابياريمانا في استهداف صاروخي لطائرته، ما أشعل حرب إبادة بين الهوتو والتوتسي، الذين اتهمهم متشددو الهوتو بارتكاب جريمة الاغتيال، بينما اتهمت جهات أخرى جماعات من الهوتو معادية للرئيس بارتكابها. ولقد سقط في تلك الحرب نحو مليون شخص، لكن الكلمة الأخيرة في الحرب كانت لـ«الجبهة»، التي سيطرت تحت قيادة كاغامي على العاصمة كيغالي، وأنهت الأعمال الانتقامية.

بذا، بدأ فصل سياسي جديد شهد تشكيل حكومة وطنية لأول مرة في رواندا، برئاسة باستور بيزيمونغو، مع تعيين كاغامي نائباً للرئيس، قبل أن يطيح الثاني بالأول وسط اتهامات متبادلة. ومن ثم، يزكي البرلمان كاغامي رئيساً للبلاد في عام 2000. وهكذا، توقف المشهد السياسي عند كاغامي على امتداد نحو 24 سنة، شهدت انتخابه تكراراً في أعوام 2003 و2010 و2017. وفي 15 يوليو (تموز) الماضي، استكمل مسيرته في السلطة وانتخب للولاية الرابعة الرئاسية، وحقق فوزاً ساحقاً بنسبة 99.18 في المائة من الأصوات. وللتذكير، طيلة ربع قرن، شهدت الحياة السياسية إجراء استفتاءين: الأول في 2003، لسنّ دستور يحظر العرقية والأعمال الانتقامية، وآخر في 2015، شمل تعديلات سمحت له بالبقاء في الحكم حتى 2034، إذا فكر بالترشح مجدداً رغم رفض متزايد من معارضيه.

محمد تورشين، المحلل السياسي المختص بالشؤون الأفريقية، قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن رواندا «مرّت بفصول سياسية مهمة منذ مواجهة الاستعمار، مروراً بحرب الإبادة الفارقة بالحياة السياسية، حتى انتخاب كاغامي»، غير أنه يرى أن الرئيس الرواندي المُعاد انتخابه سيواجه «تحديات كبيرة». فوفق تورشين، سيواجه كاغامي «خيارات صعبة» داخل المنظومة الحاكمة، سواء لجهة إيجاد خلف له، أو محاولة تعديل الدستور للبقاء بالحكم.

ومن ثم، يتوقع تورشين أن يقدم الرئيس الرواندي، بعد ولايته الجديدة، على تغييرات سياسية تضمن استمراره في السلطة عبر تعديل الدستور استناداً لشعبيته، ووجود شريحة كبيرة عاشت فترة الازدهار الاقتصادي بعهده مع وعود بالسعي لتحقيق أكبر قدر من النجاحات داخل الدولة.

صحيفة الشرق الاوسط




أطفال جواسيس روس اكتشفوا جنسيتهم الحقيقية في طريقهم إلى موسكو… ولا يعرفون بوتين!

في تطور مثير حول واحدة من أكبر عمليات تبادل الأسرى منذ الحرب الباردة، كشف الكرملين أمس عن تفاصيل صادمة تتعلق بجواسيس روس وأطفالهم. فقد صرح الكرملين لأول مرة بأن بعض الروس المحتجزين في الغرب كانوا ضباطاً في خدمات الأمن الروسية، بما في ذلك زوجان اكتشف أطفالهما جنسيتهم الحقيقية أثناء رحلة العودة إلى موسكو، حسبما أفادت شبكة «سي بي إس نيوز».

وأكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن الزوجين المعتقلين، أرتيوم وآنا دولتسيف، اللذين أُفرج عنهما في سلوفينيا، كانا ضابطين في الاستخبارات الروسية يعملان تحت غطاء الاستخبارات السرية.

متخفين كأرجنتينيين، استقرا في ليوبليانا منذ عام 2017 لنقل أوامر إلى عملاء نائمين آخرين، واعتُقلا في 2022 بتهمة التجسس.

وأثناء عملية التبادل التي جرت في تركيا، انضم أطفال الزوجين إليهم على متن الرحلة إلى موسكو.

قال دميتري بيسكوف، الدبلوماسي الروسي والسكرتير الصحافي لبوتين: «إن الأطفال، الذين لا يتحدثون الروسية، اكتشفوا أن والديهم مواطنون روس، فقط على متن الرحلة… كما لم يكن لديهم أي معرفة بالرئيس الروسي؛ إذ سألوا: (من هو الذي يحيينا؟)».

بوتين أثناء استقباله مواطنين روساً في موسكو 1 أغسطس بعد إتمام صفقة التبادل (إ.ب.أ)

وأضاف بيسكوف: «هذه هي طريقة عمل (غير الشرعيين)، وهذه هي التضحيات التي يقدمونها بسبب تفانيهم في عملهم».

وشملت عملية التبادل التاريخية يوم الخميس 24 أسيراً، بالإضافة إلى أطفال الزوجين الجاسوسين، وتم تغيير الطائرات في مدرج أنقرة.

واستقبل الرئيس الأميركي جو بايدن، الصحافيين إيفان غيرشكوفيتش وألسو كورماشيفا، والمارينز السابق بول ويلان في ماريلاند. وأيضاً استقبل بوتين جميع الروس العائدين في مطار فنوكوفو، ووعدهم بجوائز دولة.

بايدن وهاريس يستقبلان السجناء الذين أفرجت عنهم روسيا بموجب صفقة تبادل تاريخية (رويترز)

وعاد أيضاً إلى موسكو فاديم كراسنيكوف، القناص الروسي الذي كان يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في ألمانيا بتهمة قتل مقاتل شيشاني سابق في برلين عام 2019. ووصف القضاة الألمان جريمة قتل خانغوشفيلي بأنها عمل إرهاب دولي روسي، مما أدى إلى توتر دبلوماسي بين البلدين.

وأكد بيسكوف أن كراسنيكوف كان ضابطاً في خدمة الأمن الفيدرالية الروسية (FSB) وخدم في وحدة القوات الخاصة «ألفا»، التي تشمل بعض حراس بوتين الشخصيين.

وتأتي هذه العملية الكبرى بعد أقل من عامين من تبادل نجمة رياضة السلة، بريتني غراينر، بتاجر الأسلحة الروسي فيكتور بوت في مطار بأبوظبي.

واعتُقلت غراينر في عام 2022 في مطار موسكو عندما تم العثور على عبوات فايب تحتوي على زيت القنب في حقائبها، وحُكم عليها بالسجن تسع سنوات بتهمة المخدرات. أما بوت، فقد تم اعتقاله في 2008 وكان يقضي عقوبة بالسجن لمدة 25 عاماً في الولايات المتحدة بتهمة التآمر لبيع أسلحة تهدف لقتل أميركيين.

الشرق الاوسط




من «العشاء الأخير» إلى تلوث نهر السين والسرقات… الأزمات تطارد أولمبياد باريس

بعد مرور نحو عشرة أيام على انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في باريس، كانت الأزمات هي العنوان الأبرز للألعاب التي انطلقت بحفل افتتاح أثار انتقادات لاذعة من مثقفين ورجال دين وسياسيين على مستوى العالم.

والأسبوع الماضي، انطلقت دورة الألعاب الأولمبية (باريس 2024) التي تستمر فعالياتها حتى 11 أغسطس (آب)، بإقامة حفل افتتاح ضخم ومبهر على ضفاف نهر السين شمال فرنسا، وسط حضور غفير من الضيوف ووفود الدول المشاركة والجماهير.

وبخلاف الدورات السابقة، دخلت الوفود المشاركة في الأولمبياد وهي تلوِّح بالأعلام على متن قوارب عبرت نهر السين، بمشاركة رياضيين من 205 دول (على 85 قارباً).

وتزامن ذلك مع تقديم عروض فنية مميزة على النهر، شارك فيها 6800 رياضي أمام معالم تاريخية في العاصمة الفرنسية.

إلا أن بعض العروض خلال حفل الافتتاح فجرت أزمة استدعت اعتذار اللجنة المنظمة، كذلك انتقد العديد من الرياضيين بعض الأمور التنظيمية ومنها تلوث نهر السين الذي يستضيف بعض منافسات السباحة، وكذلك تعرُّض بعضهم للسرقة وعدم وجود وسائل تبريد وسط الحر الشديد.

«العشاء الأخير»

تضمَّن الاحتفال الذي أُقيم الجمعة، على طول نهر السين، عرض «دراغ كوين» الذي «يحاكي لوحة العشاء الأخير» التي رسمها الفنان الإيطالي الشهير، ليوناردو دا فينشي، وجسَّد فيها المسيح مع تلاميذه وهم على مائدة طعام.

وفي اللوحة الاستعراضية التي جرى تقديمها في حفل الافتتاح، ظهر ما يبدو أنه محاكاة ساخرة لـ«العشاء الأخير»، تضمنت وجود أشخاص يعبِّرون عن المثلية.

المدير الفني لحفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية توما جولي نفى أن يكون العرض مستوحى من لوحة «العشاء الأخير» (أ.ب)

وأثار المشهد غضب الكنيسة الكاثوليكية والسياسيين من اليمين المتطرف في فرنسا وتيار اليمين المحافظ في الولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد، قال الأساقفة الكاثوليك الفرنسيون في بيان، إن الحفل «تضمَّن للأسف مشاهد تسخر من المسيحية وتستهزئ بها».

واعتذر منظمو دورة باريس 2024 لاحقاً قائلين إنه لم يكن هناك أي نيَّة لإظهار عدم الاحترام تجاه أي مجموعة دينية.

مدة «مخيفة»

نشرت صحيفة «موندو» الإسبانية رسالة من رياضي مشارك في بعثة إسبانيا إلى الألعاب الأولمبية، قال فيها إنه لم يتم إعلام الرياضيين بالكثير بخصوص حفل الافتتاح، ولكن تم إبلاغهم بمدته التي وصفها بالمخيفة، وقد تصل إلى 7 ساعات ونصف الساعة تقريباً.

واشتكت كثير من البلدان المشاركة من إجبار الرياضيين على الوقوف تحت المطر خلال حفل الافتتاح رغم خطورته على الصحة.

تلوث نهر السين

كانت نظافة مياه نهر اسين من النقاط الرئيسية في الألعاب الحالية، وقد أدى التلوّث إلى تأجيل سباق الترياثلون لفردي الرجال والسيدات لمدة 24 ساعة، الثلاثاء. وسبح الرجال والسيدات في نهاية المطاف بعد اعتبار مستويات التلوث «مطابقة».
وألغى منظّمو أولمبياد باريس، السبت، تمارين المسابقة المختلطة لرياضة الترياثلون، بعد أن لوّثت الأمطار الغزيرة الممرّ المائي بحيث لا يمكن السباحة فيه.
وحدها تمارين الركض والدراجات ستقام كما هو مقرّر، بحسب ما أعلن المنظمون في بيان.

وفي السنوات الأخيرة، أنفقت فرنسا 1.4 مليار يورو (1.5 مليار دولار) على محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وشبكة الصرف الصحي في منطقة باريس الكبرى، من أجل تحسين جودة المياه.
وللتاكيد على نظافته، سبحت وزيرة الرياضة الفرنسية إميلي أوديا كاستيرا قبل انطلاق الألعاب في مياه نهر السين، والتقطت عدسات المصورين لقطات للوزيرة الفرنسية في أثناء السباحة لفترة وجيزة في النهر الشهير بالقرب من جسري ألكسندر الثالث وأنفاليد.

أزمة مواصلات

كما انتقد عدد من الرياضيين المشاركين في الأولمبياد الصعوبات التي تواجههم أثناء التنقل من أماكن الإقامة باتجاه أماكن إقامة المنافسات.

وانتقدت السباحة الألمانية أنجيلينا كولر بطلة العالم لسباق 100 متر فراشة الوضع، قائلة: «المواصلات لم تسر على النحو المأمول في الأيام الأخيرة. إنها فوضى، وبعض السباحين يفترشون أرضية الحافلات».

وأضافت: «الجميع يعاني من تلك المشكلة، سنرى كيف سيكون الوضع في الأيام المقبلة».

وواجه المنتخب الفرنسي للمبارزة أزمة مرورية خانقة استغرقت ساعة و40 دقيقة، للوصول من القرية الأولمبية إلى موقع المنافسات.

وتسببت إقامة حاجز فحص بتقنية الرمز المربع (كيو آر) التي تسمح بالوصول إلى المنطقة في تكدس عشرات السيارات أمام الفريق الفرنسي.

الحر… والطعام

إلى ذلك، انتقد الرياضيون المصريون دورة الألعاب الأولمبية بسبب عدة أمور يرونها سلبية.

ووفقاً لتقارير إعلامية مصرية، فإن بعثة مصر هي الأكبر عربياً في الأولمبياد، ويبلغ عدد أفرادها 164 رياضياً.

وانتقدت لاعبة منتخب مصر للكرة الطائرة الشاطئية، دعاء الغباشي، العديد من الأمور التنظيمية في أولمبياد باريس، على رأسها عدم وجود وسائل لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

وقالت دعاء الغباشي في تصريحات: «تنظيم أولمبياد ريو دي جانيرو (2016) كان أفضل بكثير من أولمبياد باريس. نعاني بشدة من ارتفاع درجات الحرارة داخل الغرف بالقرية الأولمبية، حيث لا توجد مكيفات هواء، ونُضطَر لفتح النوافذ للحصول على نسمة هواء».

وأوضحت أن «التنظيم ليس مثالياً، ولا نشعر بالراحة أثناء النوم، وأحيانا لا يتوفر الطعام داخل القرية الأولمبية، وهناك كثير من الرياضيين يشتكون من سوء التنظيم».

وكان لاعب منتخب مصر لكرة اليد، علي زين، قد انتقد في وقت سابق تنظيم أولمبياد باريس كما تحدث عن أزمة الطعام أيضاً.

وقال زين في تصريحات عقب مباراة المجر في الجولة الأولى إن هناك «معاناة في توفير الطعام والمياه»، وإن هذا الأمر يعاني منه الجميع، وليس منتخب مصر فقط.

واعتبر أن «تنظيم دورة الألعاب الأفريقية أفضل من تنظيم أولمبياد باريس».

سرقات

أيضاً، قال منظمون للألعاب إن رياضيين وقعوا ضحية لعمليات سرقة في القرية الأولمبية خلال المشاركة في أولمبياد باريس، وتم إبلاغ الشرطة عن تلك الحوادث.

وكشفت وكالة «كيودو» اليابانية للأنباء، يوم الاثنين الماضي، أن لاعباً في فريق الرغبي السباعي الوطني، تعرض لسرقة خاتم زفافه وعقد ومبلغ مالي من غرفته في القرية.

كما وقع درَّاجون من سلوفاكيا ضحايا لسرقة معداتهم في القرية الأولمبية بالقرب من باريس، حسبما أفاد به صحافي من مجلة «أموري بريليه» الفرنسية، نقلاً عن مصدر في الشرطة.

وأفاد المدير الفني لمنتخب الأرجنتين الأولمبي لكرة القدم، خافيير ماسكيرانو أيضاً، بأن بعض لاعبيه تعرضوا للسرقة قبل مباراتهم الأولى الأربعاء الماضي.

ولم يتمكن المنظمون من تحديد عدد رجال الأمن المنتشرين في القرية الأولمبية، التي يُفترض أن تستوعب نحو 14 ألف رياضي على مساحة 52 هكتاراً (128.5 فدان).

صحيفة الشرق الاوسط




المشهد الانقسامي في فنزويلا يتعمّق… فأين سيقف الجيش؟

قبل خمس سنوات وستة أشهر: «ها هي فنزويلا تسقط في دوّامة لعبة الاستقطاب العالمي، بين من لا يستطيعون أن يقدّموا لرئيسها المطعون بشرعيته سوى الدعم الكلامي…، وخصوم له يحاصرونه سياسياً ويعترفون بزعيم المعارضة… رئيساً».

كان الرئيس «المنتخب» يومذاك نيكولاس مادورو والرئيس «الآخر» رئيس البرلمان خوان غوايدو، وقد اندلعت أزمة سياسية واقتصادية حادة هددت بانزلاق الدولة النفطية نحو حرب أهلية لولا دعم الجيش لمادورو الذي بقي في منصبه فيما كان الملايين من الفنزويليين يخرجون من البلاد إلى كولومبيا المجاورة وسواها هرباً من التدهور الدراماتيكي لمستوى معيشتهم بعد انهيار عملتهم البوليفار.

اليوم يتكرر المشهد إلى حد كبير: مادورو رئيس منتخب وإدموندو غونزاليس أوروتيا رئيس تعترف به دول أخرى تعتبر أن السلطات زوّرت نتائج الانتخابات. وفي واجهة المشهد أيضاً زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو التي تملك شعبية وتأثيراً كبيرين في البلاد.

الواقع أن فنزويلا تعرف انقساماً منذ انتخاب الزعيم اليساري هوغو شافيز أواخر القرن العشرين، بين المواطنين من الطبقة المتوسطة وما فوق الذين عارضوا الرئيسين تشافيز (توفي عام 2013) وخليفته نيكولاس مادورو، وبين الطبقة الفقيرة التي ناصرت الزعيمين الشعبويين. أما اليوم فيبدو أن المشهد السياسي تغير، بمعنى أن أكثرية المواطنين تعارض السلطة. فقد تظاهر سكان الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة كاراكاس بالتكافل والتضامن مع سكان المدينة الأكثر ثراءً، وواجهوا معاً قوات الأمن التي استعملت معهم القمع العنيف.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (أ.ب)

قال نيكولاس مادورو من قصر «ميرافلوريس» في كاراكاس، إنه لن يسمح باندلاع حرب أهلية، واتّهم «يداً أجنبية» باستهداف الاقتصاد والوقوف وراء الاحتجاجات الأخيرة، وتعهد عدم السماح للبلاد بالسقوط في أيدي «الإمبريالية والفاشية والمجرمين». وجزم بأنه لن يكون هناك تسامح مع المتظاهرين الذين يرتكبون أعمال عنف مؤكداً أنه يعرف من يحرّضهم ويموّلهم.

وأضاف في تلميح واضح إلى الولايات المتحدة: « إذا أرادت الإمبراطورية المضي قدماً في مخططها الإجرامي، فإننا سندافع عن وطننا حتى النهاية (…). سنحمي كل شعبنا. ومهما فعلنا، فإننا نفعل ذلك لحماية عمالنا وموظفينا وتجارنا وشعبنا».

إذا كان من المتوقع أن يلوم مادورو واشنطن ويحمّلها مسؤولية الأزمة الطويلة، ويشبّه ما حصل في فنزويلا بالحصار الأميركي الطويل لكوبا، فإن المؤكد أن الانقسامات والاضطرابات التي تمخضت عنها الانتخابات الرئاسية تضرب الاستقرار وتقوّض الجهود لإنهاض الاقتصاد المنهك. والمؤكد ايضاً أن سبحة الدول التي ستعترف بإدموندو غونزاليس أوروتيا رئيساً ستكرّ بعد أن بدأت ذلك الولايات المتحدة. وبالتالي سيكون لفنزويلا مجدداً «رئيسان» وتتجدد الأزمة التي لم تؤدِّ في المرة الأولى إلى سقوط مادورو و«التشافيزية»، فيما انتهى مع مرور الوقت دور خوان غوايدو بعدما تخلت عنه واشنطن.

فهل يسقط نيكولاس مادورو هذه المرة بناءً على تغيّر المعطيات والديناميكيات داخل المجتمع الفنزويلي واتحاد القوى المعارضة في جبهة واحدة؟

الجيش ثم الجيش

لا بد من أن تتجه الأنظار إلى المؤسسة العسكرية الفنزويلية التي تضطلع بدور حاسم في مختلف مناحي الحياة في الدولة. فبعد سنوات من التلقين العقائدي الذي بدأ في عهد هوغو تشافيز (ترأس البلاد بين 1999 و2013) والنفوذ السياسي والاقتصادي المتزايد، أصبح الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى جزءاً راسخاً من الدولة العميقة. ويتولى جنرالات العديد من الوزارات ويديرون شركة النفط الوطنية، ولا توجد أي مصالح وأعمال لا تتمتع فيها الأجهزة الأمنية بنفوذ كبير ودور مؤثر.

زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو والمرشح الرئاسي إدموندو غونزاليس في لقاء شعبي حاشد بعد الانتخابات في كاراكاس (أ.ف.ب)

بالتالي، كان الجيش في السنوات الأخيرة داعماً أساسياً للسلطة السياسية، وعقبة كأداء في وجه التغيير. وبناء على ذلك، قال مادورو إن القوات المسلحة «الثورية» تدعمه «لأننا نجسّد اتحاداً مدنياً – عسكرياً – أمنياً مثاليّاً».

في المقابل، لم تبقَ المعارضة مكتوفة الأيدي، فقد تعهدت ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة التي مُنعت من خوض السباق الانتخابي بعد فوزها الساحق في الانتخابات التمهيدية في تشرين الأول (أكتوبر) بزعم أنها «دعمت العقوبات الأميركية، وكانت متورطة في فساد»، بجعل المؤسسة العسكرية أكثر احترافية وأفضل تجهيزاً من غير أن تنسى إغراء العسكريين برواتب أعلى. وقالت في شريط فيديو طويل توجهت به إلى العسكريين: «سنعمل لإعادة المؤسسات إلى مسارها الصحيح… لا تخذلونا. لن نخذلكم».

ولا شك في أن هذا الكلام يرمي إلى جذب المؤسسات العسكرية وإقناعها بأن التغيير السياسي سيكون مفيداً لها. وربما وجدت المعارضة مؤشرات إيجابية في قول وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز قُبيل الانتخابات: «أياً يكن الفائز فليبدأ مشروعه للحكم، ومن لم يفز فليذهب ليستريح».

إلا أن هذا الكلام لا يعني ابتعاداً حتمياً للمؤسسة العسكرية عن مادورو، فلعبة المصالح كبيرة والأوراق لم تُكشف كلها بعد. ويجب ألا ننسى البعد الخارجي، فمقابل العداء الأميركي لمادورو، هناك دعم روسي وصيني له.

يبقى أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في رسم المستقبل، مع التسليم بأن المؤشرات تبدو سلبية وتشي بأن البلاد ستنقسم على نفسها بحدّة غير مسبوقة، وهنا يبرز دور الجيش أكثر فأكثر، فهل سيبقى سنداً لمادورو حفاظاً على مصالحه، أم سيبتعد عن سفينة يرى كثيرون أنها ستغرق حتماً؟

انطوان الحاج

صحيفة الشرق الاوسط




انتخابات فنزويلا…الفتنة الدامية أو نهاية الثورة البوليفارية

مع انتصاف ليل الأحد الفائت كانت قد انقضت ست ساعات على إقفال آخر صناديق الاقتراع في العاصمة الفنزويلية كاراكاس عندما أعلن المجلس الوطني الانتخابي فوز الرئيس اليساري نيكولاس مادورو بولاية رئاسية ثالثة إثر حصوله على 51 في المائة من الأصوات مقابل 44 في المائة نالها مرشح المعارضة الموحدة إدموندو غونزاليس. وجاء في بيان الهيئة الانتخابية، التي يسيطر عليها الحزب الحاكم، أن النتيجة باتت بحكم النهائية بعد فرز 80 في المائة من الأصوات، وأن نسبة المشاركة في التصويت بلغت 59 في المائة.

مارينا كورينا، زعيمة المعارضة الفنزويلية، مع مرشحها الرئاسي إدموندو غوزنزاليس (إيبا – إيفي)

المعارضة ترفض النتيجة

بعد صدور بيان الهيئة الانتخابية سارعت المعارضة التي تقودها ماريا كارينا، التي كانت المحكمة الانتخابية قد نزعت عنها أهلية الترشح، إلى رفض النتيجة التي وصفتها بأنها «انتهاك صارخ للحقيقة». وشددت على إدانتها «التلاعب بالفرز»، بينما راحت عواصم إقليمية وأوروبية تطالب بالكشف عن مضابط جميع أقلام الاقتراع للتحقق من النتائج. وحقاً، طلب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن «نشر نتائج التصويت مفصلة مع السندات الثبوتية أمام المراقبين الدوليين»، وفي حين شكّك الرئيس التشيلي (اليساري) غابرييل بوريتش بصدقية النتائج الرسمية، قائلاً: «على نظام مادورو أن يعرف بأنه من الصعب جداً تصديق النتائج التي أعلن عنها»، أكّد أن تشيلي لن تعترف بها ما لم يجرِ التحقّق منها على يد جهات مستقلة ومحايدة.

ما يُذكر أنه قبل صدور بيان المجلس الانتخابي الذي أعلن فوز مادورو قبل نهاية عملية الفرز، كانت المعارضة اليمينية والليبرالية الفنزويلية قد شكت من أن الهيئة الانتخابية لم تطلعها سوى على 30 في المائة من المضابط بعدما توقفت عمليتا طبعها وتوزيعها. وأفاد مراقبون بأنه مع ظهور النتائج الأولى كان القلق قد بلغ ذروته في أوساط النظام، وراحت قيادات رسمية تدلي بتصريحات توحي بفوز مادورو مع أن عملية الفرز كانت لا تزال في بداياتها.

ومنذ فجر الاثنين بدأت بلدان أميركية لاتينية عدة، بينها البيرو والأوروغواي وكوستاريكا، تعرب عن شكها بشفافية النتائج، في حين كانت برقيات التهنئة تتوالى من كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا وهوندوراس. لكن اثنتين من الدول الوازنة في المنطقة، البرازيل والمكسيك، اللتان تربط حكومتيها علاقات جيدة مع نظام مادورو، التزمتا الصمت لساعات طويلة، مع أن وزير الخارجية البرازيلي سلسو اموريم كان ضمن فريق المراقبين الدوليين الذين أشرفوا ميدانياً على سير الانتخابات وعمليات الفرز. كذلك كان الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا قد أعرب منذ أيام عن أنه «شعر بالخوف من التصريحات التي صدرت عن مادورو وقال فيها إن فنزويلا ستشهد حمام دم في حال فوز المعارضة»، وحثّ الرئيس الفنزويلي على احترام العملية الانتخابية والرحيل في حال الخسارة.

وبينما صدر بيان عن لويس موريّو، وزير خارجية كولومبيا المجاورة لفنزويلا – والتي تربطها بها علاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية وثيقة – طالب بتدقيق مستقل في نتائج الانتخابات، أعربت كوبا عن تهنئتها بلسان وزير خارجيتها برونو رودريغيز، الذي قال: «لا بد من احترام إرادة الشعب الفنزويلي».

وخارج أميركا اللاتينية، طالب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، جوزيب بورّيل، من جهته السلطات الفنزويلية «بأقصى درجات الشفافية في عملية الفرز»، داعياً إلى «احترام إرادة الناخبين» بالكشف عن مضابط جميع أقلام الاقتراع.

تحية لتشافيز في ذكرى ولادته الـ70

وبعد الإعلان عن النتائج صباح الاثنين توجّه مادورو من القصر الحكومي إلى «ثكنة الجبل»، حيث ضريح الرئيس الراحل هوغو تشافيز للاحتفال بذكرى مولده في اليوم نفسه الذي أجريت فيه الانتخابات، وقال: «هذا الفوز هو تكريم لقائدنا في ذكرى ميلاده السبعين». لكن زعيمة المعارضة مارينا كورينا، كانت تواصل التأكيد: «نحن من فاز في الانتخابات، والكل يعرف ذلك… الفوز كان كاسحاً في جميع الولايات، والبيانات التي في حوزتنا تبيّن بما لا يترك مجالاً للشك أن غونزاليس نال 70 في المائة من الأصوات مقابل 30 في المائة لمادورو». وأردفت أن المعارضة «على أتمّ الاستعداد للدفاع عن الحقيقة؛ لأن ما حصل ليس مجرد تزوير آخر، بل هو انتهاك صارخ للإرادة الشعبية».

في أي حال، بعد تطوّرات اليوم الأول بعد الإعلان عن نتيجة الانتخابات، ظلت الأمور محصورة ضمن الإطار السياسي. إذ تراوحت بين تأكيد المعارضة على فوز مرشحها وتنديدها بالتلاعب بعملية الفرز وتزوير النتائج، ومطالبة عواصم إقليمية ودولية بإعادة الفرز تحت إشراف مراقبين محايدين، واستدعاء سفراء عدد من الدول الأميركية اللاتينية بعدما دعت «منظمة البلدان الأميركية» مادورو إلى الاعتراف بهزيمته أو الدعوة لإجراء انتخابات جديدة، في موقف انتقده الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. لكن، لاحقاً، دخلت الأزمة مرحلة جديدة على وقع الاحتجاجات الشعبية التي عمّت جميع أنحاء البلاد وتخللتها أعمال عنف وصدامات بين المتظاهرين والقوى الأمنية أوقعت حتى الآن أكثر من 15 قتيلاً ومئات الجرحى.

غضب شعبي… وتطورات متسارعة

وبينما كان الغضب الشعبي يجتاح المدن الفنزويلية، حيث أسقط المتظاهرون تماثيل للرئيس السابق هوغو تشافيز وبتروا رأس أحدها وجرّوه في الشوارع، كان الرئيس الأميركي جو بايدن يجري اتصالاً مطولاً مع نظيره البرازيلي لولا حول الوضع في فنزويلا. ولقد وصفه بيان صدر لاحقاً عن البيت الأبيض بأنه يشكّل «لحظة حرجة جداً بالنسبة للديمقراطية والاستقرار في شبه القارة». ثم اتفق الطرفان الأميركي والبرازيلي على مواصلة التنسيق الوثيق حول الوضع الفنزويلي مع الجهات الإقليمية والدولية. غير أن البيرو ذهبت أبعد؛ إذ اعترفت بمرشح المعارضة غونزاليس رئيساً جديداً لفنزويلا، وعرضت كوستاريكا اللجوء السياسي لمرشح المعارضة ولزعيمتها كورينا، بعد الدعوات التي صدرت عن قيادات في النظام الفنزويلي لاعتقالهما وإحالتهما إلى المحاكمة بتهمة التحريض على أعمال العنف وزعزعة السلم الأهلي.

كذلك، تزامنت إدانة «منظمة البلدان الأميركية» مع إعلان «مركز كارتر»، – الذي سمحت له الحكومة الفنزويلية بمراقبة العملية الانتخابية – عجزه عن التحقق من نتائج الانتخابات التي قال إنها «افتقدت أدنى درجات الشفافية». واعتبر لويس ألماغرو، الأمين العام لـ«المنظمة» أن إصرار مادورو على رفض الاعتراف بهزيمته «يترك أمامه مخرجاً واحداً من الأزمة هو الدعوة لإجراء انتخابات جديدة بإشراف مراقبين من الاتحاد الأوروبي و(منظمة البلدان الأميركية) وهيئة انتخابية جديدة مستقلة».

ومنذ صباح الأربعاء، تسارعت التطورات بشكل يبعث على القلق والخوف من صدامات دامية بين الأجهزة الأمنية والمحتجين، لا سيما بعد إعلان وزير الدفاع فلاديمير بادرينو «تأييد القوات المسلحة بلا شرط لمادورو»، وتحذيره من أن الجيش «سيتصرف بحزم من أجل صون السلم الداخلي في البلاد». في المقابل، أمام إصرار مادورو على موقفه أعلن لناطق بلسان البيت الأبيض «أن صبر واشنطن والأسرة الدولية بدأ ينفد»، وتابع القول إن مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس «فاز بفارق ملايين الأصوات على مادورو المنتهية ولايته»، وتزامن هذا الموقف من واشنطن، مع حض زعيمة المعارضة اليمينية أنصارها على مواصلة التحرك للضغط على النظام من أجل إجباره على التراجع وتسليم السلطة لمرشحها، وتشديدها على أنها لن تلجأ إلى أي بلد وستواصل النضال بجانب مؤيديها.

أخيراً، مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، بما في ذلك من حكومات يسارية كحكومات البرازيل وكولومبيا وتشيلي والمكسيك، ردّ مادورو بقوله أمام صحافيين إنه جاهز لتقديم جميع سجلات التصويت، والتجاوب مع استدعائه للتحقيق من لدن الهيئة الانتخابية حول كل ما يتعلق بعملية الفرز. لكن مراقبين في العاصمة الفنزويلية يستبعدون تراجع مادورو عن موقفه بعدما ضمن تأييد الجيش؛ لأنه يدرك جيداً مدى أهمية هذه الانتخابات بالنسبة لاستمرارية «الثورة البوليفارية» التي أطلقها هوغو تشافيز منذ 25 سنة، وأيضاً بالنسبة لمستقبله السياسي ومصيره القانوني. دخلت الأزمة مرحلة جديدة على وقع الاحتجاجات الشعبية التي عمّت

جميع أنحاء البلاد

مادورو… جدار الثورة الأخير

> عندما قام الضابط الفنزويلي هوغو تشافيز بمحاولته الانقلابية ضد حكم الاشتراكي المعتدل كارلوس أندريس بيريز يوم 3 فبراير (شباط) 1992، وانتهت بفشلها سريعاً بعد وقوع عشرات القتلى في محيط القصر الرئاسي، كان نيكولاس مادورو في الثلاثين من عمره ويعمل سائقاً لإحدى قاطرات مترو العاصمة الفنزويلية كاراكاس. بعد تلك المحاولة دخل تشافيز السجن، حيث كان يمضي وقته بمطالعة أعمال وسيرة بطل التحرير الأميركي اللاتيني سيمون بوليفار، ويجري «محاورات» وهمية مع تمثال صغير له صُنع من الجبس الأبيض، كما يروي كاتب سيرته. تلك كانت بذرة «الأسطورة» التي نمت مع خروج تشافيز من السجن نتيجة عفو رئاسي بعد سنتين من اعتقاله، ثم تأسيسه «حزب الجمهورية الخامسة» وفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 1998. أما مادورو، فمنذ وصوله إلى الحكم في انتخابات عام 2013، حاول الارتقاء بمسيرته إلى مستوى تشافيز الذي كان بلغ من الشهرة و«الكاريزما» ما جعله أقرب الزعماء إلى ملهمه الراحل فيدل كاسترو. وللعلم، كان تشافيز يزور كاسترو في هافانا عشرات المرات كل سنة، ويضخّ في عروق الثورة الكوبية المترهلة الملايين من عائدات النفط بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بيد أن المقارنة بين تشافيز ومادورو كانت مستحيلة منذ بدايتها رغم المحاولات الكثيرة التي بذلها الأخير منذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى عام 2013. إذ تلقى مادورو علومه الابتدائية والثانوية عند الراهبات، ونشأ في عائلة من الطبقة المتوسطة، حيث كان والده ناشطاً يسارياً في حزب «العصبة الاشتراكية»، الذي انضمّ إليه نيكولاس لاحقاً، قبل أن يسافر إلى كوبا ويلتحق بمعهد إعداد الكوادر السياسية اليسارية في هافانا الذي أسسه فيدل كاسترو. وبعد عودته إلى كاراكاس انخرط مادورو في الحركة التي كان أسسها تشافيز بمساعدة مستشارين كوبيين. ومن ثم ساهم إلى جانب طارق صعب وآخرين في تنظيم الحملة التي أثمرت في نهايتها الحصول على عفو رئاسي للإفراج عن هوغو تشافيز بعد اعتقاله إثر محاولة الانقلاب الفاشلة. شغل مادورو مناصب عدة في كنف زعامة تشافيز، فكان نائباً ثم رئيساً للبرلمان، ووزيراً للخارجية، ونائباً لرئيس الجمهورية ورئيساً للحزب الاشتراكي الموحّد.

تشافيز مع «أستاذه» فيدل كاسترو (أ.ب)

وفي عام 2012 عندما كان تشافير في آخر مراحل المرض الذي قضى عليه دعا أنصاره إلى تأييد مادورو في الانتخابات الرئاسية المقررة في العام التالي. وفعلاً، يوم 14 أبريل (نيسان) 2013 انتُخب مادورو رئيساً للجمهورية، ثم أعيد انتخابه عام 2018 في انتخابات لم تشارك فيها المعارضة ورفضت دول كثيرة الاعتراف بشرعيتها، على غرار ما حصل مع نتائج انتخابات الأحد الماضي التي قد تكون إما «رصاصة الرحمة» في جسم الثورة البوليفارية، أو شرارة أزمة دامية كما حذّر مادورو قبل أيام في حال فوز المعارضة.

شوقي الريس

صحيفة الشرق الاوسط




عضلات نتنياهو انتفخت… والنتيجة مخيفة

كثيرون من شهود العيان، ينشرون تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كان في حالة اكتئاب شديد وإحباط أشد، في صبيحة السبت 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما أبلغه مستشاره العسكري بتفاصيل هجوم «حماس» على 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة في غلاف غزة.

هذه الحالة رافقته لأيام طويلة عدة. لكن الطريقة التي اختارها جيشه للرد على «حماس»، بالهجوم العسكري الجنوني الذي دمّر غزة بكل ما فيها من عمار وحضارة، وقصد قتل روح أهلها كباراً وصغاراً، أعجبت نتنياهو وأخافته في آن. ويقال إنه لم ينتعش ويبدأ العودة إلى طبيعته، إلا عندما جاءه الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تل أبيب في زيارته التضامنية الشهيرة، بعد 11 يوماً من الهجوم. في حينه شوهد نتنياهو وهو لا يتمالك نفسه وحاشر رئيس الدولة يتسحاق هيرتسوغ لكي يسبقه على عناق بايدن. وقد انتقده الإسرائيليون على خرق «البروتوكول» الذي ينص على أن الرئيس (هيرتسوغ) يسبقه في استقبال الرئيس الضيف (بايدن). واعتبروا ذلك تصرفاً صبيانياً فحسب. لكن الأميركيين أدركوا أن الرجل منهار وقد اهترأت أعصابه وهو ينتظر وصول بايدن… وما إن رأته عيناه حتى ارتمى في حضنه كما يفعل طفل ضائع يلتقي والدته.

منذ تلك اللحظات مرت عشرة أشهر، والطفل المنهار صار «طاووساً» أرعن مستأسداً… لا يتردد في مهاجمة بايدن في عقر داره ويعود إلى إسرائيل كما لو أنه حقق الانتصار عليه. وحقاً عاد من واشنطن أكثر تشدداً في مواقفه من الحرب. يتكلم عن ضرورة استمرارها بلا خجل ولا تردد. ويعمل بشكل واضح على توسيعها. وصادق على اغتيالات مشكوك في جدواها العسكرية والاستراتيجية. وأتت هذه الاغتيالات، بالصدفة أو بالتخطيط المقصود، لتتوّج زيارته إلى الولايات المتحدة.

خطط لنقل رسالة

اليوم، يتضح أن الحوارات الدائرة بين تل أبيب وواشنطن، تدل على أن نتنياهو ليس فقط نسي المشهد الذي ارتمى فيه على أحضان بايدن، بل يتصرف كما لو أنه هو صاحب الحضن. وعندما التقى الرئيس بايدن، شاءت الأقدار أن يكون الأخير في عز اضطراره إلى التنازل عن الترشيح للرئاسة.

الأميركيون يسمّون وضع الرئيس في حالة كهذه «بطة عرجاء». ومع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي امتدحه وشكره على دعمه، فإنه لم يتردد في انتقاده أيضاً على ضغوطه لوقف الحرب. وبالفعل، لليمين الإسرائيلي خطاب سياسي واضح مع الأميركيين، وقد حرص نتنياهو على أن يصل إلى كل أذن في الولايات المتحدة. ملخص الخطاب، أن ما تفعله إسرائيل في غزة أقل بكثير مما فعلته الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان أو فيتنام. وأحد كتاب اليمين المشهورين، أليكس غوردون، صاغ هذا الموقف قائلاً: «في 4 يونيو (حزيران) 2024، قال الرئيس بايدن في مقابلة مع مجلة (تايم) إن (الناس لديهم سبب للاعتقاد) بأن رئيس الوزراء نتنياهو يطيل الحرب في غزة لأسباب تتعلق بالبقاء السياسي». ولكن من يدري إلى متى يجب أن تستمر هذه الحملة؟ ففي نهاية المطاف، لا يوجد ذكاء اصطناعي أو ذكاء طبيعي يعرف على وجه اليقين الفترة الزمنية الدقيقة والأمثل للحروب، بما في ذلك الحرب ضد الإرهابيين في غزة. وبما أن الذكاء الفائق الذي يعرف كل شيء غير موجود، فإننا مضطرون إلى إجراء تقدير زمني لمدة الحرب ضد الإرهابيين من خلال مقارنتها بحروب أخرى مع إرهابيين آخرين. فقد بدأت الحرب مع إرهابيي تنظيم (داعش) في مدينة الموصل العراقية يوم 24 مارس (آذار) 2016 واستمرت حتى 9 يوليو (تموز) 2017. وفي هذه الحرب التي قادها الجيش العراقي شاركت القوات الجوية الأميركية والبريطانية وفرنسا وألمانيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى جانب العراقيين. وهزم هذا التحالف الإرهابيين وطردهم من الموصل. كان يعيش في الموصل نحو 1.5 مليون نسمة. وبلغت مساحة الموصل 180 كيلومتراً مربعاً. أما في غزة فيبلغ عدد السكان نحو 2.23 مليون نسمة. وتساوي مساحة غزة 362 كيلومتراً مربعاً، أي ضعف مساحة الموصل. من حيث حجم المنطقة وحجم السكان وحدهم، من المتوقع أن تكون الحرب في غزة أطول بـ1.5 – 2 مرة من الحملة في الموصل، أي ما بين سنة و11 شهراً وسنتين و6 أشهر».

واضاف غوردون: «لقد قاتل نحو 8000 من إرهابيي (داعش) في الموصل، وعدد إرهابيي (حماس) أكبر بثلاث أو حتى أربع مرات من إرهابيي (داعش). ومن الواضح أيضاً من هذه الأرقام أن الحملة في غزة من المتوقع أن تكون أطول بكثير من تلك التي حدثت في الموصل. لكن في الموصل، لم يكن لدى إرهابيي (داعش) أنفاق تحت الأرض يصل طولها إلى نحو 500 كيلومتر كما هو الحال في غزة. ولهذا السبب لم يكن لديهم إمكانية المناورة تحت الأرض، ونقل سريع للقوات وهناك عدد لا يحصى من الكمائن كما هو الحال في غزة. لذلك؛ لا مفر من أن يؤدي تأثير الأنفاق إلى إطالة أمد الحرب في غزة أكثر بكثير من مدّتها في الموصل. لكن هناك عاملاً آخر يطيل أمد الحرب؛ لأن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع السكان المدنيين في غزة بشكل أبطأ وأكثر حذراً من الجيش العراقي وحلفائه في الموصل».

ومع أن نتنياهو لم يلتقِ مسؤولاً أميركياً واحداً يشجعه على سياسته، وحتى المرشح الجمهوري دونالد ترمب، حثّه على إنهاء الحرب، عاد إلى إسرائيل رافعاً حدة تهديداته وراح يصعّد اجراءاته الحربية.

تغيّر توجه الجيش

من جهة ثانية، بشكل مفاجئ، وجد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي عارضت سياسته، وقد غيّرت توجهها. ففي يوم هبوط طائرة نتنياهو بمطار تل أبيب، تعرّضت ثلاث قواعد عسكرية إسرائيلية لهجوم من نحو ألفي شخص من ميليشيات اليمين المتطرف يحتجون على قيام الشرطة العسكرية التابعة للجيش باعتقال تسعة جنود للتحقيق معهم في شكاوى أسرى فلسطينيين تعرّضوا للتعذيب والتنكيل والاغتصاب الوحشي. ولقد اعتدى هؤلاء على الجنود وراحوا يطالبون بإقالة رئيس أركان الجيش هرتسي هليفي. ورافقهم في الهجوم عدد من الوزراء والنواب أعضاء أحزاب اليمين الحاكم، الليكود بقيادة نتنياهو والصهيونية الدينية بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

هذه أول مرة في تاريخ إسرائيل يحصل فيها هجوم على الجيش من مواطنين. لكنه تطور حتمي. فهو حصيلة تحريض شرس من اليمين على قيادة الجيش، مستمر منذ أكثر من عشر سنوات، بعدما اختلفت هذه القيادة مع نتنياهو ومنعته من إطلاق خطة للهجوم على إيران، واتهمته بالتخلي عن عقيدة القتال والاشتباك والإقدام.

ولكي نأخذ فكرة عن مضمون هذا الهجوم نقتبس ما قاله سموتريتش في مؤتمر حزب «تكوما» (البعث)، في أول الشهر الفائت: «نحن نحتاج إلى قيادة عسكرية مع حمض نووي (DNA) مختلف، لا يخاف من صنع النصر». وسموتريتش، الذي لم يخدم في الجيش، ومع ذلك وضعه نتنياهو وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، هاجم عدداً من الجنرالات، مثل عاموس يدلين وتمير هايمان، الرئيسين الأسبقين لشعبة الاستخبارات العسكرية، والمحرر العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، «الذين بدلاً من أن يدفنوا أنفسهم في البيت خجلاً وحياءً بسبب مفاهيمهم التي أوصلت الجيش إلى حالة الترهل، يواصلون حرث استديوهات التلفزيونات للتحليل والتعليق وتقديم النصائح المخزية التي تشجع على وقف الحرب وتقبل الهزيمة».

ما يُذكر، يعيش الجيش ومعه بقية أجهزة الأمن في إسرائيل كارثة معنوية منذ 7 أكتوبر الماضي؛ بسبب الإخفاق في منع هجوم «حماس». ولقد حاول الجيش التغلب على الكارثة بحرب جنونية دمر فيها قطاع غزة بشكل شبه كامل… اتضح أنها ليست موجهة ضد «حماس»، بل ضد الشعب الفلسطيني كله. إذ قتل نحو 40 ألفاً، ثلثاهم من النساء والأطفال والمسنين والعجزة، ودمّر كل الجامعات والمستشفيات ومعظم المدارس والجوامع والكنائس. وقَتَل علماء وصحافيين وأطباء ومعلمين وباحثين ومخترعين وفقهاء ورجال دين ومسعفين وطواقم إغاثة. لكن هذا كله لم يحقق أياً من أهداف الحرب. وبقيت الصورة الختامية أن هذا الجيش بعظمة قوته (ثلاثة أرباع المليون جندي ومئات الطائرات الحديثة والصواريخ الجبارة وآلاف الأطنان من المتفجرات) وبضخامة وحداثة أسلحته ودعم الولايات المتحدة وحكومات الغرب له، يدير حرباً تستغرق 10 أشهر ضد تنظيم مسلح محدود القوة (30 – 40 ألف عنصر) وفقير الأسلحة، ولم يستطع حسمها.

التصعيد … لاستعادة هيبة مهدورة

هذه المشكلة أضعفت الجيش وأثارت تساؤلات كثيرة لدى الحلفاء والأصدقاء، الذين كانوا يأتون لتعلم دروس الحرب منه. وفي الوقت عينه، أثارت أسئلة كثيرة لدى الجمهور الإسرائيلي. وكلما عاد الجنود من الجبهة، ازدادت الأسئلة وأصبحت استنكارية أكثر. وبسبب الصراعات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي، ومحاولات حكومة اليمين درء الاتهامات عنها بالمسؤولية عن الإخفاق، زاد اليمين على الوقود زيتاً فراح يحرّض على قيادة الجيش ويتهمها بالفشل وبالجبن. وفعلاً دلّت الاستطلاعات على أن ثقة الجمهور الاسرائيلي بالأجهزة الأمنية انخفضت بشكل حاد من 90 في المائة إلى 70 و60 في المائة. وصار رئيس أركان الجيش وجنرالاته يتعرضون لإهانات حتى في جلسات الحكومة، من وزراء كثيرين وليس فقط بن غفير وسموتريتش. وكان نتنياهو يسمع ويسكت. ومن هنا تفاقم الاستخفاف بالجيش لدرجة أن المستوطنين اعتدوا على جنوده في الضفة الغربية، ونشطاء اليمين هاجموا القواعد العسكرية.

لذا؛ قررت الأجهزة الأمنية استعادة هيبتها المهدورة أياً كان الثمن. فانتهزت فرصة التراخي الأمني في الضاحية وفي طهران، ووجهت ضربتيها، باغتيال رئيس حركة «حماس»، إسماعيل هنية في قلب مجمع «الحرس الثوري» الإيراني، واغتيال قائد أركان «حزب الله» فؤاد شكر. وخرج نتنياهو يعلن بتفاخر مخضّب بسكرة نصر: «لقد أغلقنا حسابات مع (القائد العسكري بـ«حزب الله»، فؤاد شكر) محسن، وسنغلق الحسابات مع أي شخص يسيء إلى بلادنا». وأردف: «منذ هجوم بيروت، سمعت التهديدات من جميع الجهات. نحن مستعدّون لأي سيناريو، وسنقف مركّزين، ومصمّمين ضدّ أي تهديد، وستجبي إسرائيل ثمناً باهظاً، إزاء أي عدوان علينا من أي ساحة. قلت بالفعل في الأيام الأولى للحرب إن الأمر سيستغرق وقتاً ويتطلّب الصبر منّا جميعاً، وسأكرّر ذلك اليوم أيضاً».

وبعدما ألقى هذا الحجر في البئر، واستعرض العضلات المنفوخة على أقصى حد، دخلت المنطقة برمتها في توتر خطير، وتصعيد مخيف، باتجاه توسيع الحرب نحو مدى يصعب تقديره.

نظير مجلي

صحيفة الشرق الاوسط




اشتراكية الصين… تناقضات رأسمالية الدولة وأيديولوجيا الحزب الحاكم

تتعايش رأسمالية الدولة في الصين مع أيديولوحيا الحزب الشيوعي الحاكم، رغم التناقضات التي تزداد في بلد يقوم خطابه على سياسة الرخاء المشترك، بينما تتركز الثروة في يد فئة محددة من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الخاصة.

 دفع الطالب الفلسطيني المقيم في الصين محمد خليفة، “ثمنا باهظا” جراء إطلاق الرئيس شي جين بينغ، حملة ضد الدروس الخصوصية نهاية عام 2020، ضمن سياسة محاربة “المظاهر الرأسمالية في المجتمع”، ما اضطره إلى مغادرة البلاد وخسارة عامين من دراسة الطب التقليدي، بعدما فقد مصدر دخله الذي استعان به من أجل تغطية تكاليف الإقامة ونفقات التعليم، عبر تدريس الإنكليزية بواسطة تطبيقات الإنترنت، لطلاب المرحلة الابتدائية.

ومن وجهة نظر الدولة، فإن ما يقوم به خليفة، وغيره من العاملين عبر تطبيقات التعليم الإلكتروني، يتعارض مع “البناء الاشتراكي الصيني” وهو مصطلح برز لأول مرة في خطاب ألقاه الزعيم الراحل دينغ شياو بينغ، في حفل افتتاح المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر/أيلول 1982، ويهدف حسب أستاذ الدراسات السياسية في جامعة جينان (شرق البلاد)، شياو لونغ، إلى محاربة قطاعات تصفها الدولة بالرأسمالية من بينها “العملات الرقمية والدروس الخصوصية والألعاب الإلكترونية وشركات الإنترنت”، إذ استهدفتها حملة حكومية لأنها “مصادر أساسية لتعاظم الثروة وتركزها في يد فئة محددة من المجتمع وتناقض مبادئ الاشتراكية الصينية”.

وتطورت فعاليات الحملة إلى مواجهة مع القطاع الخاص، وتحديداً كبرى الشركات التكنولوجية وكانت الأهداف المعلنة تقويض الممارسات غير التنافسية، ما تسبب في خسائر كبيرة لهذه القطاعات قُدرت بمليارات الدولارات، من بينها على سبيل المثال ما جرى في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020 بعدما أعاقت الصين إدراج أسهم مجموعة “آنت جروب”، عملاقة التكنولوجيا المالية، في بورصة هونغ كونغ والتي تقدر قيمتها بـ 37 مليار دولار، وفق إفادة شياو لونغ، وتذرعت الحكومة بأن السياسات المعروفة بـ”التخفيض المزدوج”، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين من أجل تحقيق مبدأ الرخاء المشترك عبر منع  الأنشطة التي تستنزف أفراد المجتمع، لكن ما جرى أسفر عن فقدان عشرات الآلاف وظائفهم في قطاعات متنوعة منها التعليم جراء إغلاق مئات المراكز التي تقدم تلك الخدمات، كما يقول دونغ يي عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة جينان، (حكومية في جنوب الصين).

الاشتراكية ذات الخصائص الصينية

برزت معالم ما يسمى بـ”البناء الاشتراكي في عصر الانفتاح” بعد ما بدأت الصين في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكان أول ظهور لمصطلح “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” ضمن خطاب ألقاه الزعيم الراحل دينغ شياو بينغ، في حفل افتتاح المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1982، كما يقول شياو لونغ، موضحا أن المصطلح عنى آنذاك عملية تحول السياسات الاقتصادية باتجاه الرأسمالية.

وجاء إطلاق المصطلح ضمن دفاع الحزب عن هويته الشيوعية بعد تعرضه لهجوم من العقائديين المعارضين لفكرة الانفتاح على العالم الخارجي وعلى رأسهم هو تشياو مو، وو لينغ شي، وهو شنغ، مستشارو بينغ، الذين اختلفوا معه بشأن الهوية الأيديولوجية للحزب.

يضيف شياو لونغ أن الحزب قال إن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية تقوم على بعض مفاهيم اقتصاد السوق في ظل استمرار وهيمنة الأيديولوجية التوجيهية الشيوعية وحكم الحزب الواحد القائم على الماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ، بينما كان الحزب قد التزم خلال حقبة الستينيات والسبعينيات بالاقتصاد الموجّه مسيطرا على الشركات الكبرى، ولكن في ظل التحولات الجديدة تمتعت الشركات بهامش من الحرية، من أجل توجيه رسالة إلى الغرب بأن الصين منفتحة ومتحررة بالرغم من احتكار الحزب للسلطة السياسية، كما يقول شياو لونغ ومؤيدو التحديث الاشتراكي ومن بينهم الباحث المختص في الدراسات الشيوعية بمركز النجمة الحمراء (غير حكومي في بكين)، لاو بينغ، والذي يرى أن ما جرى ساهم في تطوير نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، عبر إنشاء قطاعات جديدة، حققت خلال فترة قصيرة طفرة كبيرة وضرب مثالا عمليا بالدراجات التشاركية، أوفو وموبايك، وسيلة المواصلات الأكثر استخداماً في الصين، مستدلا بتقرير صادر عن مركز معلومات وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي في 6 سبتمبر الماضي، توصل إلى أن حجم المعاملات في سوق الاقتصاد التشاركي خلال عام 2022 بلغ حوالي 3.832 مليارات يوان (530 مليون دولار).

تناقضات رأسمالية

يعتبر لاو بينغ، أن التساؤلات حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وإذا ما كانت الصين دولة رأسمالية بغطاء اشتراكي؟ هي مؤشر على سوء تقدير وفهم للمصطلح، مضيفا: “هناك من يصف ما يجري بأنه “اشتراكية رأسمالية”، و”رأسمالية الدولة”، و”رأسمالية بيروقراطية”، هذه التصنيفات خاطئة تماماً، وهدف ما يجري خلق آلية تقوم على خصائص مميزة وفقاً لظروف وروح العصر وبالتالي فإنها ليست عقيدة أخرى أو أي مذهب آخر”.

لكن مظاهر الرأسمالية المتفشية داخل المجتمع الصيني تعطي رسالة مختلفة للداخل والخارج عما قاله بينغ، عبر عدة أوجه، أبرزها: تعاظم الثروة وتركيزها في يد فئة محددة من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الخاصة. فحسب قائمة “فوربس” لأغنى أثرياء العالم لعام 2024 والتي نُشرت في الثاني من إبريل/نيسان احتلت الصين المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، بواقع 473 مليارديراً تبلغ قيمة ثرواتهم مجتمعة 1.7 تريليون دولار، وفي قائمة أخرى لأغنى النساء لعام 2024، احتلت الصين المرتبة الأولى من حيث عدد المليارديرات بواقع 43 امرأة من أصل مائة سيدة، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بواقع 30 امرأة.

وتتركز الثروة في ثلاث مدن، هي: شينزن وبكين وشانغهاي، وفق رصد مؤسسة “هورون” الصينية التي تصدر قائمة سنوية لأثرياء العالم، بينما يوجد 600 مليون صيني من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وهو رقم يمثل حوالي 43 في المائة من تعداد الشعب الصيني البالغ 1.4 مليار نسمة، الأمر الذي يشير إلى الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع.

تتركز الثروة في ثلاث مدن هي شينزن وبكين وشانغهاي

وأثار إعلان الرقم السابق جدلا كبيرا بعدما كشف عنه رئيس الوزراء السابق لي كه تشيانغ، في 28 مايو/أيار عام 2020 خلال المؤتمر الصحافي للدورة الثالثة للمجلس الوطني الثالث عشر لنواب الشعب، ولمواجهة الجدل المجتمعي، عكفت وسائل إعلام رسمية تابعة للحزب الحاكم، على تحليل الأرقام لتجميل الصورة بما لا يتعارض مع خطط الحكومة لانتشال أكبر عدد من السكان من تحت خط الفقر، إذ قالت صحيفة شينخوا الحكومية بأنه يجب أن ندرك أن متوسط الدخل الشهري لـ 600 مليون شخص يبلغ حوالي 1000 يوان (ما يعادل 137 دولاراً)، ويضم هؤلاء العاملين وغير العاملين مثل كبار السن والأطفال.

لكن استطلاعا أجراه معهد توزيع الدخل بجامعة بكين للمعلمين، (مؤسسة حكومية)، ضمن التقرير السنوي لتوزيع الدخل في عام 2021، توصل إلى أن حوالي 964 مليون شخص في الصين يكسبون أقل من 2000 يوان شهرياً (280 دولاراً) بإجمالي مليار شخص، ما يعني أن حوالي 72 في المائة من الصينيين يدخلون ضمن فئة ذوي الدخل المحدود، وما كان من السلطات إلا أن حذفت التقرير من جميع المواقع الإلكترونية، غير أنه عاد وظهر في وقت لاحق إذ نشرته الجمعية الصينية للضمان الاجتماعي (مؤسسة حكومية) على موقعها الإلكتروني بتاريخ 27 ديسمبر/كانون الأول 2023، ويفسر لي ين تشين، المختص في تحليل البيانات المالية، في مؤسسة تاي بو البحثية المستقلة ومقرها هونغ كونغ، ما جرى بأن الصين دأبت على إخفاء البيانات المتعلقة بمستويات الفقر في البلاد، ضمن توجيهات من الحزب بعدم بث الأخبار السلبية.

72 % من الصينيين يصنفون ضمن فئة ذوي الدخل المحدود

وأضاف أن نسب الفقر العالية في المجتمع الصيني تتعارض مع خطاب الرئيس شي جين بينغ، بشأن الاشتراكية والرخاء الاجتماعي، وتظهر الوجه الحقيقي لرأسمالية الصين التي تأبى إلا أن تقدم نفسها على أنها دولة اشتراكية. وتابع أنه قد تكون بكين قطعت خطوات ملحوظة في الحد من الفقر، لكن التحديات لا تزال قائمة، ويشكل عدم المساواة في الدخل مصدر قلق السلطات، إذ تتمتع المناطق الحضرية بمستويات معيشة أعلى من المناطق الريفية الأمر الذي يفاقم اتساع تفاوت الثروة في البلاد، إذ بلغ متوسط الدخل الشهري المتاح للفرد في المناطق الحضرية 4780 يواناً (659 دولارا)، في حين لم يتجاوز متوسط الدخل الشهري للفرد في الريف 1640 يوانا (226 دولارا)، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصادرة في عام 2023.

التوسع غير المحدود لرأس المال

في خطاب ألقاه الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للشؤون المالية والاقتصادية في أغسطس/آب 2020، تناول ما وصفه بسياسة الرخاء المشترك، قائلا إنه يجب على كوادر الحزب أن يعارضوا بحزم التوسع غير المحدود لرأس المال، ويدعموا الدور المهيمن للقطاع العام.

وقال شي إن الصين تواجه تحدياً جديداً بعد عقود من النمو السريع، يتمثل في “التناقض بين التنمية غير المتوازنة واحتياجات الناس المتزايدة من أجل حياة أفضل”. وأضاف بأن الصين ستولي اهتماماً متزايداً للرقابة على الشركات وتوجيهها بما يخدم دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة في البلاد.

في أعقاب ذلك، شهدت الصين حملة شرسة ضد إمبراطورية شركات الإنترنت التجارية المملوكة للملياردير جاك ما، ما أدى إلى اختفائه إلى حد كبير عن الأضواء، أيضاً تم استهداف صناعة التدريس عبر الإنترنت في البلاد، وتقييد الوصول إلى الألعاب الإلكترونية. وكذلك استدعى البنك المركزي الصيني مسؤولين تنفيذيين لشركات عملاقة من أجل إطلاعهم على عمليات هيكلة جديدة.

لكن ذلك لم ينعكس على أرض الواقع كما يرى لي ين تشين، ظلت الرأسمالية الصينية ملمحاً بارزاً. ففي عام 2021، أي بعد عام من إطلاق الحملة، احتلت الصين المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في قائمة نشرتها فوربس كأكثر الدول التي لديها مليارديرات في العالم بواقع 698 مليارديراً، بزيادة 84 مليارديراً عن العام السابق، ونتيجة للمكاسب التي حققتها الصين، أصبحت بكين موطنا لعدد أكبر من المليارديرات من أي مكان في العالم، متجاوزة مدينة نيويورك.

وفي رده على سؤال حول حرية التملك والتوسع الرأسمالي للشركات الصينية وتعارض ذلك مع سياسات الحزب الشيوعي، قال لي ين تشين، بأن حملة الرئيس شي جاءت في هذا الإطار لأن توسع رأس المال الخاص يحرج الحزب ورؤية شي لمفهوم الرخاء المشترك. لكنه لفت إلى أن هذه الحملة لم تمض إلى نهايتها، وعادت هذه الشركات إلى التغول المالي بعد رفع القيود الحزبية على عملياتها مطلع عام 2022.

وفي تبرير ذلك قال: تعتبر التكنولوجيا الصينية أساس المنافسة الاقتصادية مع الغرب، وأي قيود عليها سيضعف مركز وموقع الصين، وحسب الرئيس شي، فإن تمويل تحول الصين إلى مركز عالمي للإبداع في مجال التكنولوجيا الفائقة يشكل أهمية مركزية للدفاع الوطني. لذلك كان لا بد من تحرير اقتصاد السوق بما يخدم أجندة الحزب.

لماذا لم تنجح الصين في بناء مجتمع اشتراكي؟

بالنسبة إلى لي ين تشين، فإن الصين جادة في بناء مجتمع اشتراكي، لكنها تواجه تحدي تعزيز المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الغرب. وبالتالي فإن أي قيود على توسع رأس المال من شأنه أن يعيق مسيرة التنمية، وهنا سيكون قادة الحزب الشيوعي أمام مفاضلة بين تحقيق الرخاء المشترك من خلال إيجاد توازن في امتلاك الثروة، أو المضي قدماً في المنافسة الاقتصادية مع الغرب على حساب صورة الصين الاشتراكية. وأضاف: ربما تكون مزاوجة الصين بين الرأسمالية والاشتراكية سبباً في تجنب الدولة مصير الاتحاد السوفييتي الذي دفع ثمن التخطيط المركزي للاقتصاد ما أدى إلى انهياره.

وأضاف بأن هذه الحقيقة جعلت المحافظين في الحزب الشيوعي يتفهمون الجوهر الرأسمالي للاشتراكية الصينية باعتبارها صمام أمان وحصناً منيعاً ضد انهيار الحزب على غرار نظيره السوفييتي، خاصة أنه جرى اتخاذ قرارات تتيح للشعب الاستفادة من رأس المال، من بينها دعم الشركات الناشئة، وتقليص النفوذ الاقتصادي للشركات الكبرى، ومكافحة التوسع غير المنظم لرؤوس الأموال، لكن الصين لم تجن ثمار ذلك، بحكم حجم العمليات الضخم للشركات الصينية العملاقة التي لا يمكن منافستها بأي شكل من الأشكال.

لكن شياو لونغ، يقول حتى وإن كانت بكين قد قطعت أشواطاً كبيرة في تحول الشعب الصيني إلى مجتمع اشتراكي، إلا أن تنفيذ مبدأ “الرخاء المشترك” يصعب تحقيقه من الناحية العملية بسبب الفجوة الكبيرة في التنمية بين الريف والمناطق الحضرية. وأضاف بأن إحدى معضلات تطبيق هذا المبدأ هي نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في الصين، والذي يشترط أن يتمتع الفرد بمزايا الضمان الاجتماعي في مسقط رأسه فقط، ما يعني أن المهاجرين من العمال والموظفين لن يتمتعوا في المدن بأي مزايا اجتماعية، مثل توفر التعليم لأبنائهم إلى جانب الخدمات الصحية، وفي حال إلغاء النظام سيزيد التوسع الحضري وينعش الطلب على العقارات، لكن ذلك سيأتي على حساب التنمية في الريف. ما يعني أننا لا نزال أمام نفس التحدي في كيفية تحقيق التوازن بين الريف والمدينة، والتوجه الرأسمالي لدولة يحكمها حزب شيوعي.

علي ابو مريحيل

صحيفة العربي الجديد




مزارع الهيدرو في سيناء… استهلاك محلي وتصدير إلى الجوار

يكشف التحقيق عن خفايا زراعة وتصنيع مخدر الهيدرو في سيناء، والذي يعد أحدث وأكثر الأنواع المخلقة انتشارا، وتضاف إليه مواد سامة يصل عددها إلى 63 مركبا كيميائيا تزيد من أرباح المتورطين كما تفاقم مخاطره على المتعاطين.

– بالكاد تمكن العشريني المصري محمد (طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول تجنبا للمساءلة القانونية) من رفع رأسه بعد يوم عمل شاق في مجال المقاولات، لكنه تجاهل الإرهاق الشديد وجمع “يوميته” (أجره) حتى يشتري “كيسا من مخدر الهيدرو” الذي أدمنه قبل عامين، عندما قاده فضوله لتجربة سيجارة مخلوطة بالمخدر المنتشر بين أصدقائه.

“تلك كانت البداية، ومن بعدها أشتري الهيدرو من تجار ينتشرون في مدينتي، حسب ما يتوفر من مال، حتى بدأ دخانه يتغلغل إلى عقلي ويسيطر على فكري وأنفق عليه كل ما أملكه”، يروي محمد لـ”العربي الجديد” خلال لقائه في محل صديق له بمدينة العريش شمال شرق سيناء، عن محاولاته الكثيرة الفاشلة للعلاج من الإدمان، في أكثر من مركز مختص، للحفاظ على ما تبقى من صحته وماله المستنزفيْن، ولكن دون جدوى، في ظل سهولة الحصول على الهيدرو بسبب زراعته المنتشرة في سيناء، وتجارته التي تتنامى محليا، وخارجيا عبر تهريبه إلى الجانب الإسرائيلي في مقابل جلب الكوكايين والهيروين.

ويعد مخدر الهيدرو واحدا من المواد المهلوسة، إذ تحتوي خلطته على المادة الفعالة رباعي هيدروكانابينول والتي ينسب اسمه إليها وتستخرج من نبات القنب الهندي وتدخل في صنع الماريغوانا والحشيش، إلا أن الهيدرو يضاف إلى الأعشاب الجافة الداخلة في تكوينه مواد كيميائية سامة تصل إلى 63 مركبا مثل حمض إيزوفثالك المستخدم في صناعة المواد الكيميائية، والكافيين، والأسيتون وهو مركب كيميائي أيضا، ومبيدات الحشرات، ما يجعله ذا مفعول أكبر من الحشيش، ويسبب الإدمان بسرعة، وهو السبب الذي يجعله أكثر خطورة من غيره من المخدرات، بحسب ما يوضحه إسلام سعد، الطبيب المتخصص في علاج الإدمان في مستشفى دار الشفاء للطب النفسي (خاصة) بمحافظة الجيزة وسط البلاد.

زراعة الهيدرو

بدأ طارق عياد (اسم مستعار تجنبا للمساءلة القانونية) من بدو قرية البرث التابعة لمدينة رفح في محافظة شمال سيناء، زراعة الهيدرو بين أشجار الزيتون منذ عام 2021، ليحصد حوالي 200 كيلو غرام من المخدر عبر مساحة بسيطة يقول إنها لا تتجاوز نصف فدان وصغيرة بالمقارنة مع المزارع الأخرى، ويجري الحصاد تقريبا بعد 100 يوم من الزراعة، ويبيع الكيلو غرام بـ 7500 جنيه (الدولار يعادل 48.67 جنيها) يمنحه إياها تجار الجملة المتواجدون في محافظة شمال سيناء.

وخلال عمله في مزارع الهيدرو على مدار عامين، يروي كريم الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول لضرورات أمنية، أن النباتات المخدرة تزرع في المناطق ذات التربة الرملية شرق وجنوب شرق مدينة العريش، وتستخدم مياه الآبار الجوفية لري المزارع بالتنقيط، كما تصل سيارات نقل محملة بالسماد العضوي وأدوات الري عبر معدية “نمرة 6” بمحافظة الإسماعيلية، قادمة من محافظات الدلتا بتسهيلات مسبقة لا يعلم السائقون من وراءها ولكنها تضمن حركة مرور السيارات بعد إجراءات تفتيشية بسيطة، وهو ما يؤكده سبعة من العاملين في هذه التجارة قابلهم معد التحقيق.

ويمكن زراعة المخدر لكون “شبه جزيرة سيناء ممتدة على 61 ألف كيلومتر مربع، وهذه المساحة عبارة عن تضاريس متنوعة من سهول وهضاب وجبال، لهذا السبب توفرت ظروف مناسبة لزراعة وتصنيع الهيدرو، فالمنطقة شاسعة وتتميز النباتات المخدرة بأنها لا تحتاج لى مياه ري كثيرة، بالإضافة إلى ذلك تُعد تجارة رابحة بشكل كبير” بحسب ما يوضحه لـ”العربي الجديد” العميد السابق في القوات المسلحة المصرية سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية (مختصة بالدراسات الأمنية).

تجارة آخذة بالتوسع

ظهر مخدر الهيدرو وانتشر على مستوى البلاد عام 2018، لكن وجوده في محافظة جنوب سيناء سبق هذا التوقيت، وتحديدًا في المدن الحدودية مثل نويبع وطابا وشرم الشيخ، ثم بدأ في الانتشار تدريجيًا حتى وصل إلى غرب قناة السويس، ومن ثم إلى مدن القناة وبعدها بقية المحافظات المصرية، إذ ينتشر بين الشباب خاصة من تتراوح أعمارهم بين 15 و20 عاما، كما يقول الدكتور محمد غريب، مدير مؤسسة نحن معك للتأهيل النفسي ومكافحة الإدمان، بمحافظة الإسماعيلية شمال شرق البلاد، عبر ما رصده من خلال شهادات المتعاطين.

ويستخدم تجار الجملة وأصحاب المزارع المهربين لتمرير المواد المخدرة عبر نقاط عبور في قناة السويس من الجانب الشرقي (شمال سيناء) إلى الجانب الغربي حيث بقية محافظات مصر، ويصل سعر عبور 1 كيلوغرام من مخدر الهيدرو بواسطة قوارب تقطع قناة السويس أو أنفاق القناة الخمسة إلى نحو 3000 جنيه، وما يعادل 10 آلاف جنيه لشنطة تزن 3.5 كيلو غراما، ويتم إخفاء المخدرات في ملابس المهرب أو سيارته ويتسلمها موزعون في المحافظات لإيصالها إلى التجار الذين دفعوا مبالغ مالية مسبقا من أجل شراء المخدر، حسب ما يكشفه أحمد سليمان، وهو اسم مستعار لأحد العاملين في تهريب الهيدور.

ويقرّ الأربعيني سامي أبو عوف، اسم مستعار تجنبًا للمساءلة القانونية، بأنه جرّب المتاجرة بأنواع كثيرة من المخدرات لكنه استقر أخيرا على بيع مخدر الهيدرو، كاشفا عن تورط جميع التجار الذين يروجون لهذا المخدر ويبيعونه في استخدام مواد سامّة وخطيرة تزيد من درجة الشعور بالدوار والنشوة والإدمان على حد تعبيره، لزيادة تعلق الناس به وبالتالي أرباحهم، قائلا أن التاجر الذي يشتري كميات تترواح بين كليوغرامين وخمسة كيلوغرامات لن يحقق أرباحا جيدة ما لم يخلطها بمواد أخرى من شأنها زيادة مفعول المخدر وتؤدي إلى عملية الإدمان، وتكون عادةً عبارة عن أعشاب تشبه الهيدرو، مع إضافة مواد كيميائية لتمنح الخلطة النهائية مفعولا ووزنًا زائدًا وتعزز تأثيرها على المستهلكين.

تجارة الهيدرو في سيناء آخذة بالتوسع (العربي الجديد)
مراسلات بين تجار تجزئة ومتعاطي مخدر الهيدرو حصل عليها معدّ التحقيق (العربي الجديد)

طريق الهيدرو إلى إسرائيل

تُحمّل سيارات خاصة بتجار الهيدرو المخدر من مخازن داخل المزارع التي ينمو فيها، وتتجه صوب السياج الحدودي ليلا مع إغلاق أضوائها، ويسلك المهربون مدقات صحراوية وعرة وبعيدة عن الأعين تخترق الناحية الشرقية لقرية أم شيحان في مركز الحسنة بمحافظة شمال سيناء أو بالقرب من تجمع أبو جهامة، حتى لا يثيروا أي انتباه معتمدين على دراية السائق بخط سيره، وما أن يصلوا إلى السياج الحدودي بين مصر وفلسطين المحتلة، حتى يلقوا أجولة (أكياسا من الخيش بأوزان مختلفة) الهيدرو من فوق السلك الشائك، ليستقبلها أشخاص على الجانب الآخر ينتظرون عند نقطة محددة ومتفق عليها بتنسيق مسبق، وينقلونها بسيارات دفع رباعي سريعة عبر نقاط تشكل ثغرات رخوة يستغلها المهربون جنوب معبر العوجة الحدودي بين مصر وإسرائيل، ولا تستغرق العملية 15 دقيقة، ويتمكن المهربون عادة من اجتياز السياج بسهولة من الجانب المصري، حيث لا توجد صعوبات كبيرة، بينما تزيد المخاطر في الطريق إلى الجانب الإسرائيلي، إذ تنشر سلطات الاحتلال قوات أكبر وكاميرات مراقبة للرصد، كما يكشف لـ”العربي الجديد” سليمان المشارك في عمليات تهريب التبغ والهيدرو، مشيراً إلى أن معدلات التهريب تتفاوت بين فترة وأخرى، تماشياً مع الظروف المحيطة، إذ تهدأ الحركة مع إعلان الاستنفار الأمني في الجانبين المصري والإسرائيلي، أو في الأيام ذات الأحوال الجوية الصعبة.

الرواية السابقة، يؤكدها خمسة آخرون امتهنوا تهريب الهيدرو التقاهم معد التحقيق، ومن بينهم حسن محمد (اسم مستعار تجنبا للمساءلة القانونية)، ويسكن شرق العريش وعمل في تهريب مخدر الهيدرو بين عامي 2018 و2020، واصفا حركة التهريب إلى إسرائيل “بالنشطة”، بخاصة بين المزارعين في المنطقة الحدودية أقصى شرق شمال سيناء مثل قريتي مربع البرث ووادي العمرو التابعة لمركز الحسنة، إذ يقايضونه بمخدر الكوكايين والهيروين من الجانب الإسرائيلي، موضحا أن 20 كيلوغراما من مخدر الهيدرو يمكن استبدالها بكيلو واحد من مخدر الكوكايين، أو يبيعونه بالجملة لمروجيه على الجانب الآخر بأسعار متفاوتة تبدأ من 5000 شيكل للكيلو الواحد (1375 دولارا)، ويمكن أن يزيد السعر حسب نوعية وخلطة المنتج.

مكافحة الهيدرو

ينافس الهيدرو في سعره ورواجه داخل سيناء مخدري البانجو والحشيش ويقول عياد، الحشيش هنا مخلوط بمواد أخرى لزيادة وزنه وحجمه وأخرى عطرية كثيرة ويباع بمبالغ كبيرة إذ يصل سعر الغرام منه إلى 100جنيه تقريبا، والبانجو بات غير مرغوبا فيه لذا يقبل الشباب على الهيدرو الذي صار موضة، قائلا أنه لم يتعرض لأي مداهمة سابقا، على يد السلطات المحلية سواء الجيش أو الشرطة، ويمنّي نفسه بأن يبقى بعيدا عن أعينهم.

ويفسر العميد راغب استمرار الظاهرة قائلا بأنه “على الرغم من تنفيذ القوات المسلحة حملات موسعة لضبط وإعدام منتجات مزارع الهيدرو، إلا أنها لم تقضِ عليها تماما، نظرا لانتشارها في سفوح الجبال أو في وديان عميقة بخاصة في الظهير الصحراوي وسط وشرق سيناء، ما يجعل من الصعب إزالتها بشكل كامل أو الكشف عنها بسهولة”.

لكن حملة نفذتها قوات الشرطة المصرية بالتنسيق مع القوات المسلحة استهدفت مروجي وتجار مخدر الهيدرو في مدن شمال سيناء، خلال الفترة الممتدة من إبريل/نيسان 2022 وحتى مايو/أيار 2024، أسفرت عن ضبط 640 بائع جملة، و1354 بائع تجزئة، و3000 متعاط، بينما صادرت 10.600 كيلو غرام من الهيدرو، وتم القضاء على مساحات واسعة من المزارع في مناطق وسط سيناء تعدت الـ 1000 فدان متفرقة، بحسب توضيح مقدم في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بمنطقة القناة وسيناء يحتفظ “العربي الجديد” باسمه، واصفا صعوبة الأمر بقوله: “غالبًا ما يلجأ من يزرعون المخدرات إلى إخفائها في أماكن لا تتوقعها القوات وهنا لا بد من دراسة أمنية حول مآلات مداهمتها، ما قد يمنحهم فرصة حصاد المخدر والهروب أو الانتقال إلى مكان آخر”.

 وأقر غالبية المقبوض عليهم من مروجي الهيدرو، بأنهم يستخدمون وسيلة مواصلات عملية مثل الدراجة النارية لتوصيل المخدرات إلى وكلائهم في القرى والأحياء، وغالباً ما تكون المضبوطات التي بحوزتهم كمية من مخدر الهيدرو وبعض المخدرات الأخرى بحسب نشاط كل مروج، بالإضافة إلى مبلغ مالي من عائدات البيع، وهواتف محمولة متعددة للتواصل مع الزبائن والوكلاء، بالإضافة إلى ميزان حساس لوزن الكميات المراد بيعها، ومن خلال المواجهة معهم يعترفون بأنهم يروّجون لبيع المخدر، بقصد كسب المال بسرعة، ويُحوّلون للجهات المعنية باستكمال التحقيق، بحسب المصدر الأمني السابق.

تأثيرات خطيرة

عندما يدخن الشخص الهيدرو، تنتقل مادة هيدروكانابينول الموجودة فيه بسرعة من الرئتين إلى مجرى الدم ثم إلى مستقبلات الخلايا في الدماغ والأعضاء الأخرى في جميع أنحاء الجسم، وتعمل على تنشيط مفرط لأجزاء الدماغ التي توجد فيها هذه المستقبلات بكثرة، ما يجعل المتعاطين يشعرون بالنشوة، وتغيير في وظائف الحواس ويتبع ذلك عدم الإحساس بالوقت وتبدل المزاج، لكن له تبعات سلبية خطيرة، أبرزها إعاقة الحركة الجسدية، وصعوبات في التفكير وحل المشكلات، ضعف الذاكرة، الهلوسة (رؤية أو سماع أشياء غير حقيقية)، الأوهام، الذهان، وتأثيرات ضارة على نمو الدماغ، خاصةً إذا استُخدم خلال فترة المراهقة المبكرة، بالإضافة إلى اضطرابات في الجهاز التنفسي، وزيادة معدل ضربات القلب، ما قد يسبب نوبات قلبية، مع تعرض كبار السن والمصابين بأمراض القلب لخطر أكبر، بحسب الكيميائي عبد الله محمد، الذي يعمل في مركز السموم بمستشفى العريش العام، مضيفاً أن تعاطي الهيدرو مرتبط بمشاكل الصحة العقلية الأخرى والنفسية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية لدى المراهقين، أما المواد السميّة المضافة إليه كالأسيتون والمبيدات، فتسبب الالتهابات في الجسم، وتعد سببا لتكون الكتل السرطانية على المدى البعيد.

وهو ما يؤكده اختصاصي الصحة النفسية في مركز لعلاج الإدمان بمدينة العريش، فضّل عدم ذكر اسمه، مبيناً أن التأثيرات على سلوك متعاطي الهيدرو الخمسة الذين قام بمتابعة حالاتهم تشمل زيادة السلوك العدواني لديهم وجعلهم غير أسوياء نفسياً، إذ تتغيّر الحالات المزاجية بعد انتهاء نشوة التعاطي من شخص طبيعي عادي لشخص عدواني يختلق المشكلات مع أسرته وداخل مجتمعه، موضحاً أن العوامل المذكورة أعلاه تزيد من احتمالية الإصابة بالفصام الاجتماعي والجنون، كما أن تعاطي المخدر يؤدي إلى فقدان وزن المتعاطي بشكل لافت، وتسوس الأسنان وتآكلها، وفي جميع الحالات “الحكة الشديدة التي تؤدي إلى التقرحات، والقلق، واضطرابات النوم، والسلوك العنيف، والأوهام والهلوسة”. ويصف الثلاثيني علي سلامة (اسم مستعار تجنبا للملاحقة القانونية) من سكان مدينة بئر العبد في محافظة شمال سيناء، حاله لدى بدء تعاطيه الهيدرو لأول مرة قبل ثلاثة أعوام، قائلا : “شعرت بأن هويتي سُرقت وانعدم انتمائي للعالم المحيط بي”، ورغم أنه كان يشعر بدوار وغثيان شديدين، لكنه زاد الجرعة من سيجارة خلال اليوم إلى اثنتين أو ثلاث، “ويشعر بأنه مغيب عن العالم المحيط به ، وتسيطر عليه شهوة الأكل بشراهة، وينسى ما يثقل كاهله من مشاكل”، على حد تعبيره.

ويترك إدمان مخدر الهيدرو آثاراً سلبية بعد التعافي، لكنها تختفي مع مرور الوقت (بعد ستة أشهر على الأقل من التعافي)، أبرزها إحساس المتعافين بعدم الرضا عن الحياة، وتراجع كبير في الصحة البدنية والنفسية، ويواجهون مشاكل في العلاقات الاجتماعية، وقد يتسبب لهم بمشكلات طبية كبيرة بخاصة إن كانوا يتعاطونه بنسب كبيرة، أبرزها أمراض الكبد والأمراض الرئوية والفشل الكلوي وقصور عمل خلايا المخ، بحسب اختصاصي الصحة النفسية السابق.

وبلغت نسبة التعاطي في مصر 5.9%، في حين كانت نسبة الإدمان 2.3%، وفق آخر مسح شامل لظاهرة تعاطي وإدمان المخدرات، نفذه صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، ووزارة الصحة، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية التابع لوزارة التضامن في يوليو/تموز من العام الماضي، وشمل الشريحة العمرية بين 12 و60 عاما في 30 ألف أسرة. وعلى الرغم من عدم وجود تفاصيل بشأن نسب تعاطي الهيدرو تحديدا، إلا أن محمد عبد العظيم، أستاذ مساعد في دائرة علم النفس الاجتماعي بكلية الآداب في جامعة الزقازيق بمحافظة الشرقية شمالا، يؤكد على انتشار هذا المخدر بشكل كبير بين فئة الشباب، خاصة الأعمار الصغيرة، التي تقع في الإدمان لخفض التوتر، والهرب من الشعور بالألم والغضب، والضيق بحسب ما تظهره نتائج أبحاث النظرية السلوكية لإدمان المخدرات.

حملات أمنية على مزارع الهيدرو في سيناء (العربي الجديد)
حملة أمنية لمداهمة مزارع الهيدرو في سيناء (صفحة المتحدث العسكري للقوات المسلحة على فيسبوك)

وسيلة للثراء

يتمنى عياد أن يستمر في زراعة النبات الذي يدخل في تصنيع الهيدرو تحديداً، نظراً لمكسبه السريع والمضمون، ولأنه مرغوب لدى تجار الجملة والتجزئة في جميع محافظات مصر كما يقول، متذرعا بأن لديه إعاقة في قدمه وليس له مصدر رزق آخر من أجل إعالة أطفاله!

أما الثلاثيني محمود عسيلة (اسم مستعار خوفاً من الملاحقة القانونية) فجاء من إحدى محافظات دلتا مصر، للعمل في حقول النبات المخدر بقرية مربع البرث، ويسرد تجربته لـ”العربي الجديد” قائلا: “جئت لأعمل في مزارع الهيدرو عندما سمعت من أحد أصدقائي الذي يعمل في تلك المزارع بأنه يتقاضى أجراً عالياً، يصل إلى 1500 جنيه في الأسبوع، فقررت الذهاب إلى هناك لأسدد ديوني التي باتت في ازدياد وأكفّ عائلتي عن السؤال”.

ويصل عسيلة إلى المنطقة متخطياً حواجز أمنية عديدة، لكنه يخبرهم أنه يعمل في مجال المقاولات سبّاكاً، وهي وظيفته المثبتة في بطاقة الرقم القومي، ويصف طبيعة عمله في مزارع الهيدرو بأنه يُتابع الريّ عبر خراطيم التنقيط، وتسميد المساحة المراد زراعتها، كما يعمل على تنقية الحقل من الحشائش التي قد تضرّ النبات المخدر، ويعمل غيره على رشه بالمبيدات، وآخرون مهمتهم وزن وتغليف النبات عقب جنيه. ويؤكد: “كنت أتقاضى 700 جنيه أسبوعيا في بداية العمل، ووصل أجري إلى 2000 جنيه في الأسبوع بعد مرور ثلاثة أسابيع على عملي، نظراً لخبرتي بأمور الفلاحة”.

ورغم أن عسيلة ترك العمل في مزارع الهيدرو قبل عام واحد، بعدما سدد جميع ديونه، لكنه ما زال يتعاطى المخدر الذي أدمنه خلال العمل في مزارع سيناء، ويشتريه من الباعة في قريته الواقعة بإحدى محافظات دلتا مصر بحوالي 300 جنيه للكيس زنة 12 غراماً.

محمد سليمان

صحيفة العربي الجديد




فساد الشرعية اليمنية… تبرعات للمشاريع الخدمية جراء نهب الإيرادات الحكومية

يكشف تحقيق “العربي الجديد” الاستقصائي، ثمن فساد حكومة الشرعية وتبعاته على الحياة اليومية للمواطن اليمني، إذ ينهب مسؤولون الإيرادات الحكومية، ويتجاهلون تسليمها للبنك المركزي، لينفق الأهالي على المشاريع الخدمية.

– غزت علامات التوتر وجه الثلاثيني اليمني عبد الكريم قاسم، قبل يوم من سفره على طريق تعز- التربة – عدن جنوبيّ اليمن، جراء الإهمال وعدم صيانة الحكومة الشرعية للطريق الذي يُعَدّ بديلاً يمكن السفر عبره، بعد فرض جماعة الحوثي حصاراً على طريق عدن – العند – تعز جنوب غربيّ البلاد منذ عام 2015.

يسافر قاسم بانتظام، وفي كل مرة يخشى تعرّضه لحادث بسبب ضيق الطريق كما يقع لآخرين يومياً، قائلاً: “الشرعية لم تكلف نفسها صيانة أو توسعة الطريق وإيجاد حلول للحد من مخاطر السيول في موسم الأمطار التي تجرف السيارات وتودي بحياة المسافرين”، ويضيف متسائلاً:” أين تذهب إيرادات الضرائب والجمارك وغيرها من موارد الدولة؟، أليس من المفترض أن تُستخدَم خدمياً”.

ويجيب تقرير اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق بشأن ما أثير من مخالفات في قطاعات الكهرباء والنفط والاتصالات والجوانب المالية، عن سؤال قاسم، إذ يكشف الكتاب الموجه إلى رئيس الوزراء السابق الدكتور معين عبد الملك (ترأس الحكومة خلال الفترة من 15 أكتوبر/ تشرين الأول حتى الخامس من فبراير/ شباط 2024) في 25 أغسطس/ آب 2023، عن وقوع “اختلالات كبيرة وإهدار للمال العام وعدم تحصيل الموارد المالية للدولة والتصرف ببعضها بشكل عبثي والإنفاق من الموارد مباشرةً، وعدم تطبيق القانون المالي، ما أدى إلى تدنٍّ في الإيرادات وازدياد مطّرد في المصروفات، وعدم قدرة وزارة المالية على تسديد الالتزامات الحتمية والضرورية”.

ويستدل التقرير بما حدث في مجال الكهرباء التي يصفها بـ”الثقب الأسود” في ابتلاع المال العام نتيجة تفشي ظاهرة الفساد والاختلالات القائمة، الأمر الذي أرهق كاهل الدولة والمواطنين جراء عدم توافر الحد الأدنى من التيار الكهربائي، إذ ارتفعت نسبة العجز إلى 75%، وخرجت 80% من منظومة التوليد في الآونة الأخيرة، ووصل معدل الإطفاء إلى 18 ساعة يومياً، رغم إنفاق الحكومة ما بين 100 و150 مليون دولار شهرياً قيمةً للوقود والطاقة المشتراة للمحطات”، مؤكداً “أن الحكومة لم تقم بأي معالجات لوقف حالة التدهور في إنتاج الطاقة وتوفير الوقود لضمان استمراريتها”.

الفساد يدمر ما تبقى لليمنيين

يُعَدّ قاسم واحداً من بين خمسة مواطنين يشتكون من تأثير فساد المسؤولين الحكوميين في حياة سكان المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، بحسب ما تكشفه وثائق التحقيق التي تكشف عن جوانب الفساد والنهب للمال العام، وعدم تسليم الإيرادات للبنك المركزي وفقاً للقانون المالي نتيجة لتدخل السلطات المحلية في بعض المحافظات.

اختلالات كبيرة وابتلاع المال العام بسبب تفشي الفساد
اختلالات كبيرة وابتلاع المال العام بسبب تفشي الفساد (موقع مجلس النواب التابع للحكومة الشرعية)

ومن وقائع الفساد، امتناع السلطة المحلية بمحافظة المهرة شرقيّ البلاد عن توريد الإيرادات إلى البنك المركزي في عدن، وفق مذكرة رقم 122 موجهة من الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد التابعة للحكومة الشرعية إلى رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الملك في الأول من يوليو/ تموز 2019، والتي طالبت بـ”إلزام السلطة المحلية والمؤسسات الحكومية بمحافظة المهرة بإيداع إيرادات الحكومة في الحسابات الخاصة بها في البنك المركزي وعدم الصرف منها، لكون الصرف يحصل بالمخالفة للضوابط والإجراءات، ودون خضوعها لرقابة البنك المركزي حسب الإجراءات القانونية والتعليمات المنظمة لذلك”.

و”لم تلتزم السلطة المحلية في محافظة عدن بتوريد الإيرادات (رسوم ضريبية وجمركية وعوائد أخرى) المحصلة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إلى حساب الحكومة العام، وتقدَّر بـ 28 ملياراً و310 ملايين و285 ألف ريال يمني (15 مليوناً و172 ألف دولار أميركي وفق سعر الصرف في مناطق الشرعية)”، بحسب مذكرة (رقم 1182) الموجهة من وزير المالية التابعة للحكومة الشرعية سالم صالح بن بريك إلى محافظ عدن أحمد حامد لملس في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2021.

امتناع السلطات المحلية في المحافظات عن توريد الإيرادات للبنك المركزي في عدن
امتناع السلطات المحلية في المحافظات عن توريد الإيرادات للبنك المركزي في عدن

الوقائع السابقة يؤكدها اعتراف رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الملك، بأنّ “بعض المحافظين أخذ جزءاً من الإيراد العام لعمل مدرسة أو طريق، لكن البعض كان ينهب المال العام”، مؤكداً في حوار منشور على الموقع الرسمي للحكومة في العاشر من أكتوبر 2021، أن “تقارير جهاز الرقابة والمحاسبة توضح وجود نهب غير مسبوق من قبل محافظ سابق”، فضلاً عن “إنفاق 10 مليارات ريال (خمسة ملايين و555 ألف دولار) على سيارات لمحافظة واحدة”، ويضيف: “من المهم أن يدخل إيراد الدولة لحساب الحكومة العام ويُعاد عكسه لحساب السلطة المحلية ليُنفَق على مشاريع بنية تحتية”.

امتنعت السلطة المحلية في عدن عن توريد 27 مليار ريال

ويعيد أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، معين علي، سبب الفساد وإهدار الإيرادات إلى غياب الدور الرقابي وعدم فعالية هيئة مكافحة الفساد، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “الحكومة تفتقر إلى الإدارة الرشيدة التي تمكّنها من استغلال الموارد المحدودة، بحيث تخصص جزءاً منها للمشاريع الخدمية، وتنعكس على حياة المواطنين، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات صعبة في ضبط الاقتصاد اليمني وتحديد الأولويات من خلال وضع خطط تنموية تُطبَّق على أرض الواقع”. لكن فيصل العواضي، مستشار وزارة الإعلام التابعة للحكومة الشرعية، يقول لـ”العربي الجديد” إن الأجهزة الرقابية بدأت تفعل دورها، وإن كان بشكل ضئيل، إذ تُحال قضايا فساد على نيابة الأموال العامة.

الفساد يدمر ما تبقى لليمنيين

يُعَدّ قاسم واحداً من بين خمسة مواطنين يشتكون من تأثير فساد المسؤولين الحكوميين في حياة سكان المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، بحسب ما تكشفه وثائق التحقيق التي تكشف عن جوانب الفساد والنهب للمال العام، وعدم تسليم الإيرادات للبنك المركزي وفقاً للقانون المالي نتيجة لتدخل السلطات المحلية في بعض المحافظات.

اختلالات كبيرة وابتلاع المال العام بسبب تفشي الفساد
اختلالات كبيرة وابتلاع المال العام بسبب تفشي الفساد (موقع مجلس النواب التابع للحكومة الشرعية)

ومن وقائع الفساد، امتناع السلطة المحلية بمحافظة المهرة شرقيّ البلاد عن توريد الإيرادات إلى البنك المركزي في عدن، وفق مذكرة رقم 122 موجهة من الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد التابعة للحكومة الشرعية إلى رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الملك في الأول من يوليو/ تموز 2019، والتي طالبت بـ”إلزام السلطة المحلية والمؤسسات الحكومية بمحافظة المهرة بإيداع إيرادات الحكومة في الحسابات الخاصة بها في البنك المركزي وعدم الصرف منها، لكون الصرف يحصل بالمخالفة للضوابط والإجراءات، ودون خضوعها لرقابة البنك المركزي حسب الإجراءات القانونية والتعليمات المنظمة لذلك”.

و”لم تلتزم السلطة المحلية في محافظة عدن بتوريد الإيرادات (رسوم ضريبية وجمركية وعوائد أخرى) المحصلة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إلى حساب الحكومة العام، وتقدَّر بـ 28 ملياراً و310 ملايين و285 ألف ريال يمني (15 مليوناً و172 ألف دولار أميركي وفق سعر الصرف في مناطق الشرعية)”، بحسب مذكرة (رقم 1182) الموجهة من وزير المالية التابعة للحكومة الشرعية سالم صالح بن بريك إلى محافظ عدن أحمد حامد لملس في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2021.

امتناع السلطات المحلية في المحافظات عن توريد الإيرادات للبنك المركزي في عدن
امتناع السلطات المحلية في المحافظات عن توريد الإيرادات للبنك المركزي في عدن

الوقائع السابقة يؤكدها اعتراف رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الملك، بأنّ “بعض المحافظين أخذ جزءاً من الإيراد العام لعمل مدرسة أو طريق، لكن البعض كان ينهب المال العام”، مؤكداً في حوار منشور على الموقع الرسمي للحكومة في العاشر من أكتوبر 2021، أن “تقارير جهاز الرقابة والمحاسبة توضح وجود نهب غير مسبوق من قبل محافظ سابق”، فضلاً عن “إنفاق 10 مليارات ريال (خمسة ملايين و555 ألف دولار) على سيارات لمحافظة واحدة”، ويضيف: “من المهم أن يدخل إيراد الدولة لحساب الحكومة العام ويُعاد عكسه لحساب السلطة المحلية ليُنفَق على مشاريع بنية تحتية”.

امتنعت السلطة المحلية في عدن عن توريد 27 مليار ريال

ويعيد أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، معين علي، سبب الفساد وإهدار الإيرادات إلى غياب الدور الرقابي وعدم فعالية هيئة مكافحة الفساد، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “الحكومة تفتقر إلى الإدارة الرشيدة التي تمكّنها من استغلال الموارد المحدودة، بحيث تخصص جزءاً منها للمشاريع الخدمية، وتنعكس على حياة المواطنين، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات صعبة في ضبط الاقتصاد اليمني وتحديد الأولويات من خلال وضع خطط تنموية تُطبَّق على أرض الواقع”. لكن فيصل العواضي، مستشار وزارة الإعلام التابعة للحكومة الشرعية، يقول لـ”العربي الجديد” إن الأجهزة الرقابية بدأت تفعل دورها، وإن كان بشكل ضئيل، إذ تُحال قضايا فساد على نيابة الأموال العامة.

وبالفعل “المبادرات المجتمعية هي التي رصفت بعض الطرق وسهلت الحصول على الخدمات الصحية الأولية”، وفق بندر سالم أحد المستطلعة آراؤهم، قائلاً لـ”العربي الجديد”: “لا وجود للمشاريع الحكومية ونعتمد على المبادرات المجتمعية”.

ويردّ العواضي على ما سبق بالقول إن تعذر إعداد خطة وموازنة حكومية سنوية خاصة بالمشاريع، سببه انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية، لكنه يردف: “هذا لا يعني أن الحكومة لا تعمل أو أنها لا تمتلك رؤية لتنفيذ مشاريع خدمية”، مضيفاً أن الحكومة نفذت مشاريع تنموية وتعمل على تنفيذ أخرى حالياً”، ولدى سؤال مُعدّ التحقيق عن نوع تلك المشاريع، امتنع العواضي عن الرد.

900 مبادرة خدمية وتنموية وتعاونية

“تُعَدّ المبادرات قيمة مضافة للجهود التنموية والإنسانية التي تسهم في التخفيف من معاناة الفقراء والنازحين، فعلى سبيل المثال قام ألفا شاب (45% منهم إناث) من برنامج روافد (حصلوا على تأهيل من الصندوق الاجتماعي للتنمية ليصبحوا مناصرين للتنمية الاجتماعية في مناطقهم الريفية) خلال عام 2017 بتيسير تنفيذ أكثر من 900 مبادرة خدمية وتنموية وإنسانية وبجهود مجتمعية تعاونية في أكثر من 160 مديرية موزعة على 15 محافظة يمنية، وفق ما نشره موقع البنك الدولي في 15 فبراير 2018، بعنوان “اليمن: شباب يتحدون ويتطوعون من أجل التنمية”.

وخلال الفترة من عام 2018 وحتى 2022 كوّن برنامج روافد 1200 مبادرة في عدة محافظات، حسب تأكيد الدكتورة جميلة مرشد، ضابط برنامج روافد التابع لفرع الصندوق الاجتماعي والتنمية في تعز، قائلة لـ”العربي الجديد”: “البرنامج يعمل على تأهيل الشباب وتدريبهم قبل تمكينهم من النزول الميداني للعمل الطوعي وتكوين مبادرات لتنمية المجتمع المحلي”.

وتنامت المبادرات عقب الحرب الدائرة في البلاد منذ منتصف عام 2015، بحسب إفادات الناشطين المجتمعيين، ومنهم المهندس خير الله العمري، أحد المشرفين على المبادرات التنموية في مديرية جبل حبشي غرب مدينة تعز، والتي تشهد إلى جانب مديريات مشرعة وحدنان، الوازعية، الشمايتين، والمعافر الخاضة للشرعية، 80 مبادرة، 71 منها تعمل في شق طرقات ورصفها، وتوزعت البقية على القطاعين الصحي والتعليمي.

ومن أجل جلب التمويل، يلجأ القائمون على المبادرات إلى مواقع التواصل الاجتماعي ويخاطبون التجار والمغتربين للحصول على الدعم المادي، وكذلك حث المواطنين على المشاركة بالجهد البدني، كما يقول مدير مشروع رصف أحد الطرق في جبل حبشي، مساعد الحمودي، مضيفا لـ”العربي الجديد”: “الأهالي يتطوعون في أعمال الرصف، والأموال التي يتم جمعها نشتري بها الإسمنت”.

نواف الحميري

صحيفة العربي الجديد




“طوفان الأقصى” وغياب اليسار الفلسطيني المؤلم

عكست تداعيات “طوفان الأقصى“، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على كلّ المستويات، الفلسطينية، والإقليمية، والدولية، الدور القيادي الحاسم الذي تلعبه حركة حماس اليوم، ميدانيًا وسياسيًا، في سياق النضال الوطني الفلسطيني. مقابل ذلك، كانت سلطة رام الله، المنبثقة عن اتّفاقيات أوسلو، وما زالت، تراهن على هزيمة حماس عسكريًا، ومن ثمّ موافقة كيان الاحتلال على تمكينها من استعادة حكم قطاع غزّة، وهو الأمر الذي أكد كثيرٌ من قادة العدو الصهيوني، في أكثر من محطةٍ، استحالة تحقيقه.

في خضم هذا التباين التناحري بين الموقف المقاوم، الذي تنتهجه حماس اليوم، وبين استسلامية “سلطة أوسلو” وخضوعها المطلق لإملاءات “العم سام” في واشنطن، يتخذ اليسار الفلسطيني موقفًا ضبابيًا، فهو من ناحيةٍ يدعم ويمارس نهج المقاومة خطابيًا، ومن ناحية أخرى لا يزال متمسكًا بتبعيته السياسية لسلطة رام الله، تحت شعاراتٍ مضللةٍ، من قبيل تحقيق “المصالحة الوطنية”، و”إعادة بناء منظّمة التحرير على أسسٍ ديمقراطيةٍ”.

في خضم حالة الاستقطاب تلك، كان اليسار الفلسطيني يعيش في جلباب منظّمة التحرير، التي تهيمن عليها فتح هيمنةً شبه مطلقةٍ

لا يعني مفهوم المصالحة الوطنية الحقيقي، على الإطلاق، تحقيق الوفاق والاتّفاق بين فصيلٍ يستند إلى نهج الكفاح المسلح لتحقيق أهدافه السياسية، وآخر لا يزال متمسكًا بمبدأ التنسيق الأمني مع العدو، وملاحقة المقاومين والنشطاء، واستجداء الإمبريالية لتثبيت سلطته على أقلّ من 20٪ من أرض فلسطين التاريخية. مثل هذا الوفاق، إن تحقق، ستكون ترجمته على أرض الواقع هي خلق “قيادةٍ موحدةٍ” تستند إلى سياسةٍ توفيقيةٍ مائعةٍ، تتبنّى المقاومة خطابيًا، في الوقت الذي تستجدي فيه الحقوق من العدو وحلفائه.

كان الأجدى باليسار الفلسطيني، عوضًا عن تبني خطاب “المصالحة الوطنية”، العمل على تحقيق الوحدة الشعبية، تحت ظلّ قيادةٍ مقاومةٍ، يلعب فيها الدور الذي يفترض بالفصائل الثورية لعبه على المستويين الميداني والسياسي، ويستبعد تمامًا أيّ فريقٍ مهادنٍ وضع كل أوراق رهانًا على طاولة العدو. لكن الغياب الواضح لدور هذا اليسار ميدانيًا، وميوعة مواقفه السياسية هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لحالة التشوه الأيديولوجي التي عصفت به، ابتداءً من تبعيّته للستالينية، التي اختلقت منظور المرحلية والتحالف مع ما يسمى بالبرجوازية الوطنية، مرورًا بتبنّيه الماوية الصينية، التي آل بها المطاف إلى بناء أعتى الدكتاتوريات الرأسمالية في يومنا هذا، وانتهاءً بالشعبوية “القومية اليسارية” التي بات يتسم بها.

يقول القيادي البلشفي ليون تروتسكي: “إذا كان القادة يسعون إلى الحفاظ على أنفسهم فقط، فإنّ كلّ ما سيصبحون عليه هو كونهم مجرد معلباتٍ مجففةٍ”.. وهذا ما آل إليه حال قيادات اليسار الفلسطيني بعد مهادنته لما يسمى بالحلّ المرحلي، نتيجة التشوه الأيديولوجي الستاليني، الذي يضع مصالح البيروقراطية الحزبية فوق مصالح الطبقات الشعبية المناضلة. مع الأسف، التصالح مع سلطة أوسلو، وهو الموقف الذي لا يزال اليسار الفلسطيني مصرًا عليه حفاظا على مصالحٍ ذاتيةٍ ضيقةٍ، وضعه في موقفٍ يتناقضٍ تمامًا مع الأدبيات التي طرحها في سبعينيات القرن الماضي، ولا يزال يمعن في تحييده شعبيًا وسياسيًا.

صحيحٌ أن أيديولوجيا حركة حماس ليست ثوريةً بالفهم الماركسي للمصطلح، لكن هذا الفصيل لا يزال متمسكًا بنهج المقاومة والكفاح المسلح، وهذا السبب الأساسي الذي جعل من الحركة الجسم القيادي الحقيقي لنضال الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة التاريخية المفصلية. وفي حال عمدت حماس إلى التخلي عن هذا النهج، والرهان على طاولة المفاوضات، والحلول التسووية فحسب، فحتمًا سيؤول بها الحال إلى ذات الوضع الذي حيَّد كلًّا من الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب عن لعب أيّ دورٍ قياديٍ فاعلٍ. لكن في هذه الحالة سينجب الشعب الفلسطيني بلا شكٍّ قيادةً بديلةً تعبّر عن تطلعاته النضالية.

تأسست حركة حماس خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987؛ تلك الانتفاضة التي استغلتها قيادة منظّمة التحرير لتحقيق مكاسب سلطويةٍ آلت إلى حلولٍ تسوويةٍ تتوجت باتّفاقيات أوسلو، ثمّ بدأت بشق طريقها إلى صفوف الطليعة القيادية الوطنية، منذ تشكيل السلطة الفلسطينية وعودة الراحل ياسر عرفات إلى الضفّة الغربية المحتلة، إذ طرحت الحركة نفسها باعتبارها بديلًا عن منظّمة التحرير، التي اعترفت بما يسمى بدولة إسرائيل، عبر تصعيدها العمليات العسكرية، التي قادها القيادي في كتائب عز الدين القسام، يحيى عياش، في أواخر العام 1992.

كان الأجدى باليسار الفلسطيني، عوضًا عن تبني خطاب “المصالحة الوطنية”، العمل على تحقيق الوحدة الشعبية، تحت ظلّ قيادةٍ مقاومةٍ

في ظلّ هذا الاستقطاب الحاد بين نهج التسوية السياسية والمقاومة المسلّحة، بدأت حركة حماس بتحقيق التفافٍ جماهيريٍ متسارع حولها، حتّى كادت تتفوق على جماهيرية حركة فتح، إلى أن اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، التي أعادت صياغة التوازن بين الفصيلين لصالح حركة فتح نسبيًا، إثر عودتها لنهج الكفاح المسلح. وفي خضم حالة الاستقطاب تلك، كان اليسار الفلسطيني يعيش في جلباب منظّمة التحرير، التي تهيمن عليها فتح هيمنةً شبه مطلقةٍ.

بعد ذلك، توالت التطورات السياسية، في ظلّ استمرار تمسك حماس بنهج المقاومة، مقابل إصرار محمود عباس على الحلول الاستسلامية، إلى أن جاءت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 25 يناير/كانون الثاني عام 2006، التي تمخضت عن تحقيق حماس لانتصارٍ انتخابيٍ كبيرٍ، تمثّل في فوزها بـ74 مقعدًا مقابل 45 مقعدًا لحركة فتح، في حين لم تحصل الجبهة الشعبية سوى على ثلاثة مقاعد.

النتيجة كانت مضي حماس باعتبارها بديلًا شرعيًا عن منظّمة التحرير، الأمر الذي أفضى إلى ما يصفه اليسار الفلسطيني، المتمسك بتلك المنظّمة، بالانقسام الوطني، في حين أن الأمر في الواقع يعبر عن التناقض الطبيعي بين نهج الكفاح ومسار التسوية الاستسلامية واستجداء الحقوق. كان الأجدى باليسار الاستمرار في النهج الذي سنه خلال مرحلته الثورية في سبعينيات القرن الماضي، ولعب الدور القيادي الذي يفترض أن ينخرط فيه، باعتباره المعبر الثوري الحقيقي عن الجماهير المضطهدة، على الأقلّ من وجهة نظرٍ ماركسيةٍ، عوضًا عن الوقوف في ظلّ البرجوازية الوطنية، سواء أكانت ممثلةً بحركة فتح أم حركة حماس.

هنا نستحضر مقولةً من أهمّ ما قاله الشهيد غسان كنفاني، الذي كان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حتّى اغتياله في الثامن من يوليو/تموز عام 1972: “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين.. لا أن نغير القضية”. وهذا ما قام به الشعب الفلسطيني طيلة مراحل ثورته المستمرة. الالتفاف الشعبي حول حركة حماس، والذي تحقق نتيجة استمرار تمسكها بالكفاح المسلح، كان يمكن أن يحققه اليسار لولا تأرجح مواقفه بين “ريتا، وعيون البندقية”!

تامر خرمه

صحيفة العربي الجديد