1

مرتزقة أكاديميون.. عن الأبحاث الممولة من الجيش في جامعة كاليفورنيا

منذ بداية اعتصامات التضامن مع فلسطين في الجامعات الأمريكية في سنة 2024، كانت مطالب الطلاب متشابهة نسبيًا على صعيدين: سحب الاستثمارات من شركات تصنيع الأسلحة والمؤسسات الصهيونية، والكشف عن الأصول والاستثمارات المؤسسية. لكن المطالب الأقل تواترًا تشير إلى علاقات الجامعات بالصناعة العسكرية عن طريق تمويل البحوث الذي تقدّمه أطراف مثل وزارة الدفاع وشركات الأسلحة الخاصة، الذي يعقّد مسألة التواطؤ المؤسسات الأخلاقي مع الإبادة الجماعية وبالتالي يعقد أيضًا مفهوم سحب الاستثمارات.

إن العديد من الطلاب الباحثين في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة يتورّطون في إضفاء الطابع المدني والتقني على الحرب بدءًا من أساس حياتهم المهنية، وهذا يعني أن المساعي الحالية لنزع السلاح وتحرير فلسطين ومكافحة الإمبريالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل الطلابي.

مع ذلك، دون نموذج منهجي لفهم مدى اتساع نطاق البحوث المموّلة من الجيش في مجمل الجامعات الأمريكية، سنفقد فهمنا لمدى انتشارها بسهولة. ودعونا نستخدم نظام جامعة كاليفورنيا كدراسة حالة لأغراض التطبيق على نطاق أوسع. وفقًا للبيانات الواردة من موقع “استكشاف المنح” التابع  لجامعة كاليفورنيا، تلقى نظام جامعة كاليفورنيا بأكمله تمويلًا مرتبطًا بالجيش بقيمة 400 مليون دولار في السنة المالية 2022-2023، و2.3 مليار دولار بين سنتي 2017 إلى 2022، و5.6 مليار دولار بين سنتي 2005 إلى 2022 من مختلف أذرع وزارة الدفاع والجهات الراعية الخاصة مثل لوكهيد مارتن وجنرال أتوميكس ورايثيون وبوينغ ووزارة الدفاع الإسرائيلية، من بين جهات أخرى لا حصر لها.

وفي الفترة من 2017 إلى 2022، حصلت جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، التي تشتهر عالميًا بأبحاثها العلمية، على 548 مليون دولار، بينما حصلت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على 309 مليون دولار، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا على 224 مليون دولار.

ووفقًا لموقع “استكشاف المنح”، فقد كان هناك 1428 منحة بحثية ممولة من الجيش في نفس الفترة، إذ حصلت جامعة كاليفورنيا في سان دييغو على 243 منحة، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على 205 منحة،وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا على 174 منحة، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي على 151 منحة، وجامعة لورانس بيركلي على 99 منحة، وهكذا. 

ويرجع أحد التعزيزات الأخيرة للأبحاث والتصنيع المرتبطين بالدفاع في جامعة كاليفورنيا إلى “قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم” الصادر سنة 2022 الذي أجاز تخصيص 52.7 مليار دولار لأبحاث أشباه الموصلات وتصنيع الرقائق. وقد ساعد هذا التمويل في تشكيل المركز العملاق للإلكترونيات الدفاعية الجاهزة والأجهزة الدقيقة المعروف باسم “دريمز”، الذي يتألف من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة كاليفورنيا في إيرفين، وجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، وجامعة جنوب كاليفورنيا. وتعمل هذه الجهات معاً على تسريع عملية تطوير النماذج الأولية واعتماد تقنيات الحرب الكهرومغناطيسية، والتي يتم فيها توظيف أشباه الموصلات التي تستخدم الموجات الكهرومغناطيسية لردع ومهاجمة الأعداء.

لا يمثل هذا النوع من التمويل البحثي الفيدرالي والخاص الانتقال التاريخي من القوى البشرية إلى التكنولوجيا الفائقة في الحرب على مستوى الرقائق الدقيقة فحسب، بل أيضًا الانتقال من العمل مع العسكريين إلى المدنيين، الذين يمثلهم في هذه الحالة الطلاب الباحثون غير المنخرطين في أي أعمال قتال.

عسكرة الجامعة

من وجهة نظر تاريخية، يمكننا تتبع نمو البحوث التكنولوجية وعسكرة الجامعات إلى بدايات الحرب الباردة. في أوائل خمسينيات القرن العشرين، تصاعدت رغبة الولايات المتحدة في موازنة الرعب المرتبط بالمخزون النووي لروسيا السوفيتية والقمر الصناعي “سبوتنيك” من خلال تقليص القوى البشرية والأنظمة غير التكنولوجية مع زيادة النفقات العسكرية في البحث العلمي والابتكار التكنولوجي، وبالتاليالج خلق نظام دفاعي يتفوق على الخصم.

وتجسدت زيادة النفقات العسكرية في قانون الأمن المتبادل الذي أصدره ترومان سنة 1951، والذي أدى إلى زيادة بنسبة 20 بالمائة في عدد العلماء والمهندسين وزيادة بنسبة 135 بالمائة في البحث والتطوير في وزارة الدفاع من أجل التسليح في الحرب الكورية. وعلى مستوى الجامعات، تم إقرار قانون التعليم الدفاعي الوطني سنة 1958، الذي كان يهدف إلى “ضمان أمن الأمة من خلال تنمية الموارد العقلية والمهارات التقنية لشبابها وشاباتها إلى أقصى حد”. ونتج عن ذلك تخصيص 450 مليار دولار في الفترة من 1959 إلى 1964 للمؤسسات من خلال القروض والزمالات والإرشاد والتعليم. 

أخفت هذه التحولات في طبيعة الحرب، ولا سيما توظيفها للقوى المدنية العاملة، الفساد الأخلاقي للمؤسسة الأكاديمية. وربما يفسر ذلك الآثار التي تنزع الشرعية عن مطالبات سحب الاستثمارات من الإبادة الجماعية في الوقت الراهن.

يقول جورج ويلنيوس في كتابه “التاجر المحارب المسالم” إنه “مع تزايد الدور المدني في الحرب إلى حد كبير، أصبح رسم خط دقيق بين العمليات العسكرية وغير العسكرية أكثر صعوبة”. وهذا يعني أن العلاقات المؤسسية مع إنتاج الحرب تبدو غير مؤكدة في حين أن الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج الحرب من شركات الأسلحة الخاصة مثل شركة لوكهيد مارتن أصبح أقل وضوحا على نحو متزايد من الاستعانة بمصادر خارجية للأبحاث من جامعة عامة.

قد يكون من السهل أيضًا إخفاء الفساد الأكاديمي عن طريق التمويل العسكري للتكنولوجيات الناشئة. وفي حين أن العديد من المشاريع البحثية تدعم بشكل واضح أنظمة المهام البحرية والجوية والبرية، فإن الغالبية العظمى كما هو موضّح في ملخصاتها، قد يبدو للوهلة الأولى أنه ليس لها ارتباط مباشر بإنتاج الأسلحة. 

فعلى سبيل المثال، يهدف مشروع بعنوان “أنيون الأكسدة في كبريتيدات المعادن الانتقالية غير المتبلورة”، الذي حصل على تمويل بقيمة 2,400,000 دولار في سنة 2023 من قبل وزارة البحرية الأمريكية، إلى “المساعدة في توجيه تطوير مواد بطاريات ليثيوم أيون من الجيل التالي”. وبالنسبة للباحث الهندسي الذي تبدو أبحاثه غير مهددة بل ومفيدة للمجتمع، يعتبر تمويل وزارة الدفاع أمرًا لا غنى عنه نظرًا لاتساع نطاق الدعم الذي يقدمه.

مع ذلك، يمكن العثور على تواطئ أقل وضوحًا مع الإبادة الجماعية في عدد من عمليات التعاون البحثي لجامعة كاليفورنيا مع حلفاء الولايات المتحدة مثل “إسرائيل”. ووفقًا لموقع “استكشاف المنح”، حصلت مشاريع مثل “الردع بالوكلاء” من قسم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا سان دييغو على مبلغ 964.916 دولارًا في سنة 2016 من قبل وزارة البحرية الأمريكية. وينص ملخص المشروع على أنه يبحث في “علاقة إسرائيل مع حماس في قمع الإرهاب من غزة” وكذلك “العلاقات في مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد في أفغانستان والعراق والفلبين”. 

ويتناول كتاب نُشر لاحقًا حول هذا البحث بعنوان “قمع العنف من خلال الوكلاء المحليين” طرق تحسين استراتيجيات السياسة الخارجية من أجل فرض “السيطرة غير المباشرة” من خلال الحلفاء بالوكالة. وتم التعاقد مباشرةً على مشاريع أخرى بعنوان “الكشف عن التعليمات البرمجية الضارة في الأجهزة المدمجة باستخدام التحليل الثابت والتعلم الآلي” و”نهج عملي للملاحة تحت الماء نحو توطين الأجسام تحت الماء” لتقديم الأبحاث إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية.

علاوة على ذلك، كانت الأبحاث الممولة من وزارة الدفاع تاريخيا بمثابة التمويل الأولي للتكنولوجيات الناشئة التي يتم استخدامها في نهاية المطاف للتطبيقات العسكرية حتى قبل أن يتدخل رأس المال الاستثماري.

وفي مقابلة مع مايسون ماكلاي، وهو طالب دراسات عليا في علم النفس بجامعة كاليفورنيا، قال: بطريقة ما يمكن للمرء أن يفكر في وكالات تمويل وزارة الدفاع باعتبارها شركة استثمار رأس المال الاستثماري العسكري. كدراسة حالة، لنأخذ شركة “أوربيتال إنسايت”، التي قامت، من خلال شراكة مع جامعة كاليفورنيا في بيركلي وبتمويل قدره مليار دولار تقريبًا، بتطوير الذكاء الجغرافي المكاني من أجل “تدريب نماذج الكشف عن الأشياء في الصور الكهروضوئية”، والتي وعدت بأنها ستكون مفيدة لمجتمع لاستخبارات الدفاعية.

كما دخلوا في شراكة مع شركة إسرائيلية ناشئة لمراقبة البنية التحتية. في المراحل الأولى التي اتبعتها شركة “أوربيتال إنسايت”، قدمت جامعة كاليفورنيا أبحاثًا مهمة ممولة من وزارة الدفاع، وبمجرد أن تطورت الشركة وبدأت في تطوير الأنظمة العسكرية، قفزت شركة رأس المال الاستثماري سيكويا كابيتال، التي استثمرت فيها جامعة كاليفورنيا أيضًا، لجمع رأس المال. 

فشلت شركة “أوربيتال إنسايت” في النهاية كشركة ناشئة، وأصبحت حاليا جميع تقنياتها جزءًا من شركة تسمى “برافتير”، والتي يتمثل هدفها وفقًا لموقعها على الإنترنت، في “جعل بيانات الفضاء ورؤية الأرض أكثر قوةً ويمكن الوصول إليها من أي وقت مضى”.

ومن منظور السوق، فإن هذه التقلبات من الإنتاج العسكري إلى الإنتاج التجاري تسد الفجوة في الميل الطبيعي لصناعة الحرب نحو اقتصاد الازدهار أو الكساد. إن التمويل غير المخصص للأسلحة من وزارة الدفاع يبقي الأفراد العسكريين والباحثين الجامعيين على قيد الحياة، حيث سيكونون عاطلين عن العمل خلال فجوات التمويل في فترة ما بعد الحرب.

وفي تقرير صادر عن وكالة الحد من الأسلحة ونزع السلاح الأمريكية، ذكر جيفري فو الحاجة إلى المرونة الشخصية والمؤسسية من أجل “السماح للعلماء والمهندسين بالتحرك مع التحولات في الطلب – من الصواريخ على سبيل المثال إلى أجهزة التلفزيون أو القلوب الاصطناعية وهلم جرّ- بسرعة أكبر بكثير”. وهذا الوضع الفريد للطالب الباحث باعتباره منخرطًا في آليات السوق الخاصة التي تساهم في الحرب والسلام، يضع الشخص العادي في موقع قوة من خلال عمله.

في مقال سابق مشترك بعنوان “صناعة الحرب تستخرج العمالة الرخيصة من طلاب جامعة كاليفورنيا في سان دييغو”، أوضحت أنا ومايسون ماكلاي وآخرون كيف أن العمل البحثي في جامعة كاليفورنيا يمثّل بديلًا أرخص بكثير للموظفين المتفانين في وزارة الدفاع أو شركات الأسلحة.

وعلى الرغم من أن الإضراب الطلابي العمالي الرسمي يو أي دبليو 4811 الذي انتهى في حزيران/ يونيو الماضي، نأى بنفسه عن مطالب مخيمات التضامن الفلسطينية، إلا أن انسحاب العمال لا يزال قائمًا كأداة محتملة لسحب الاستثمارات. ويمكن أن يشمل ذلك تعديل متطلبات عقود النقابة للسماح للطلاب باختيار مصدر تمويلهم.

ويمكن أن يعمل اتحاد الطلاب على خفض التمويل المرتبط بالجيش بمرور الوقت أو وضع حد أقصى للمشاريع البحثية التي ترعاها وزارة الدفاع. ويجب ضمان التمويل الانتقالي للطلاب الباحثين الذين يختارون الانسحاب من المشاريع البحثية المرتبطة بإنتاج الأسلحة، أو وزارة الدفاع، أو مقاولي الدفاع من القطاع الخاص.

المصدر: موندويس 

ترجمة موقع نون بوست




النيجر: بوابة تركيا لترسيخ نفوذها في الساحل الأفريقي

يزداد الحضور التركي في منطقة الساحل الأفريقي على كافة المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية، تزامنًا مع ترنُّح النفوذ التاريخي لفرنسا والغرب عمومًا، ما يثير تكهنات عن توجّه أنقرة لأن تحل تدريجيًا محل الوجود الفرنسي والغربي في القارة الأفريقية.

آخر محطات الحضور التركي تمثّلت في الزيارة التي أجراها إلى النيجر وفد رفيع المستوى بقيادة وزير الخارجية هاكان فيدان، الأربعاء والخميس 17 و18 يوليو/ تموز، لتعزيز التعاون مع هذا البلد الذي تديره حكومة عسكرية، ويعاني من استهداف تنظيمات متطرفة.

رافق رئيس الدبلوماسية التركية خلال الزيارة كل من وزير الدفاع يشار غولر، ووزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار، ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن، ورئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التابعة للرئاسة التركية خلوق غورغون، وأوزغور فولكان آغار مساعد وزير التجارة.

حظيَ الوفد التركي باستقبال رسمي من رئيس النيجر الجنرال عبد الرحمن تشياني، ما يدل على الأهمية التي توليها الحكومة العسكرية في النيجر لزيارة الوفد التركي رفيع المستوى. 

الجنرال تشياني يستقبل وزير الخارجية التركي والوفد المرافق له

استقبل رئيس الدولة، الجنرال عبد الرحمن تشياني، اليوم الأربعاء، وفدا تركيا رفيع المستوى برئاسة هاكان فيدان وزير الخارجية، برفقة كل من وزراء الدفاع، والطاقة والموارد الطبيعية، ورئيس الاستخبارات.#النيجر 🇳🇪 #تركيا 🇹🇷 pic.twitter.com/o0QuNJDnEP

— أخبار النيجر (@Nigerenarabe) July 17, 2024

وبحسب ما ورد، جرى خلال الاستقبال استعراض العلاقات الثنائية والتعاون المشترك وسبل تعزيزه، إضافة إلى تكثيف التنسيق الثنائي في القضايا التي تهمّ البلدان، كما جرى بحث أوجُه توطيد التعاون الأمني والدفاعي والاقتصادي والتنموي، ومناقشة المستجدات الإقليمية والدولية.

تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا

كانت منطقة الساحل التي استعمرتها فرنسا في السابق قد شهدت موجةً من الانقلابات العسكرية في الآونة الأخيرة (2020-2023)، ويرجّح مراقبون أن تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا أسهم في توفير دعم شعبي كبير للانقلابات التي شهدتها كل من مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر والغابون، لتجد باريس نفسها أمام متغير جديد يُضاف إلى سلسلة نكساتها في القارة السمراء.

القوة الاستعمارية السابقة متهمة بصنع الحكومات في غرب أفريقيا وإفشالها، وإبقاء البلدان تحت وصايتها الاقتصادية من خلال الفرنك الإفريقي، وبأنها غير فعّالة، بل متواطئة مع التنظيمات المتطرفة التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

أتاح خروج فرنسا وما تبعه من انسحاب أمريكي المجال واسعًا أمام الصين وروسيا وتركيا، لملء الفراغ وإقامة شراكات جديدة مع الأنظمة العسكرية التي تحكم الدول الخمس في منطقة الساحل

هذه المشاعر ليست جديدة وتعود جذورها إلى التاريخ الاستعماري المضطرب، وقد تعززت في الآونة الأخيرة بعد تبنّي الحكام العسكريين الذين استولوا على السلطة في الدول المعنية خطابًا معاديًا لباريس.

حيث قال رودريغ كوني، الباحث في معهد دراسات الأمن: “كان هناك دائمًا شعور ضمني معادٍ لفرنسا، بسبب التعالي الفرنسي وغطرسة السياسة الفرنسية في أفريقيا التي لم تشهد تغييرًا عميقًا منذ نهاية حقبة الاستعمار”.

في النيجر بالتحديد، اتخذت الحكومة العسكرية التي تولت السلطة بعد الانقلاب قرارًا بطرد القوات الفرنسية العام الماضي، كما طلبت من الولايات المتحدة سحب عسكرييها وهو ما يتوقع أن يحدث في سبتمبر/ أيلول القادم، وكذلك أنهت حكومة نيامي اتفاقيات أمنية مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عقود تعدين لدول غربية كثيرة.

وفي الجانب المقابل، أتاح خروج فرنسا وما تبعه من انسحاب أمريكي المجال واسعًا أمام الصين وروسيا وتركيا، لملء الفراغ وإقامة شراكات جديدة مع الأنظمة العسكرية التي تحكم الدول الخمس في منطقة الساحل.

المساعدة في مكافحة الإرهاب 

فيما يتعلق بزيارة الوفد التركي إلى نيامي، عُقد اجتماع للعمل المشترك بين البلدَين برئاسة رئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين، شارك فيه من الجانب النيجري وزير الدفاع الفريق سالفيو مودي، ورئيس الهيئة العامة للقوات المسلحة الجنرال صلاح برمو.

NEW: Also from #Turkiye#Niger meeting of ministers in Niamey:
– 3 working groups on foreign policy + security, energy + mining, economy + trade
Foreign Minister Fidan:
– As in Somalia, we discussed how to help defence industry + intelligence capacity in terrorism fight 🇹🇷🇳🇪 https://t.co/WCS0DtQScg pic.twitter.com/Zg3IJKrzP6

— Andrew Hopkins (@achopkins1) July 18, 2024

وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، كشف عن أهداف زيارة الوفد التركي، قائلًا: “تركيا حساسة جدًّا لمكافحة الإرهاب، إنه وضع يزعزع الاستقرار في منطقة الساحل، ونحن مستعدون لمشاركة خبراتنا في مكافحة الإرهاب والتعاون مع النيجر التي هي بلد صديق وشقيق، السلام والأمن والاستقرار في أفريقيا من بين أولوياتنا”.

ولفت فيدان إلى أن علاقات التعاون بين تركيا والدول الأفريقية مستمرة في النمو بمجالات مثل الدبلوماسية والاقتصاد والمالية والأمن والدفاع والتعليم والصحة، وأن تركيا لديها سفارات في 44 دولة أفريقية من أصل 54 بلدًا بالقارة.

وممّا يجدر ذكره أن النيجر اشترت من تركيا 6 طائرات مسيّرة قتالية “بيرقدار تي بي 2” في مايو/أيار عام 2022، بعدما أعلنت البلدان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 عن صفقة تشمل توريد أسلحة للنيجر بينها طائرات “بيرقدار تي بي 2” المسيّرة، وطائرات التدريب “حر كوش”، ومدرعات لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية في مواجهة الجماعات الإرهابية.

وقد أعلنت الدول الثلاث الأسبوع الماضي إنشاء اتحاد كونفدرالي تحت اسم تحالف دول الساحل (Alliance of Sahel States (AES))،  نتج عن مناقشات استضافتها عاصمة النيجر نيامي في القمة الأولى لتحالف دول الساحل، التي شارك فيها زعماء الدول الثلاثة الموقعة على الاتفاق إبراهيم تراوري (بوركينا فاسو)، وآسيمي غويتا (مالي)، وعبد الرحمن تياني (النيجر).

يعني ذلك أن تركيا ستكون شريكًا لا غنى عنه في مجال الدفاع ومكافحة الإرهاب لتحالف دول الساحل، خاصة أن الدول الثلاث قامت بطرد القوات الفرنسية، وإلغاء معظم الاتفاقيات الأمنية مع دول الغرب بما في ذلك الولايات المتحدة.

اتفاقية في مجال النفط 

خلال الاجتماعات وقّعت تركيا والنيجر على إعلان نيات حول التعاون في مجال النفط والغاز الطبيعي، وفقًا لبيان لوزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية الأربعاء.

NEW: #Turkiye and #Niger have signed a Declaration of Intent in the field of oil + gas, during all these multiple ministerial meetings in Niamey 👇

It aims to support + encourage Turkish companies in the development of oil and natural gas fields in Niger #Africa 🇹🇷🇳🇪 https://t.co/7We8SSatRe pic.twitter.com/Ow9WKleqBi

— Andrew Hopkins (@achopkins1) July 17, 2024

وأفاد البيان أن وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أجرى محادثات مع المسؤولين في النيجر، موضحًا أن الوزراء الأتراك التقوا رئيس وزراء النيجر، علي محمد الأمين زين، خلال اجتماع عمل، وعقب اللقاء عقد الوزير بيرقدار اجتماعًا مع وزير المناجم النيجري عثمان أبارشي، ووزير النفط مهامان مصطفى باركة، ووزير الطاقة أمادو هاوا، قبل أن يلتقي الوفد التركي رئيس النيجر عبد الرحمن تشياني.

وحسب الإعلان الموقّع، من المخطط زيادة الحوار بين المؤسسات والشركات ذات الصلة في البلدَين، وفي هذا السياق يهدف البرنامج إلى دعم وتشجيع الشركات التركية في تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي في النيجر، وستُواصل الأعمال المخطط لها ضمن جدول زمني معيّن.

التدخل العسكري في النيجر 

الحفاوة التي اُستقبل بها الوفد التركي من جانب النيجر، تذكّر بالمواقف المتوازنة التي اتخذتها أنقرة من تطورات المشهد في نيامي، والتي قدّرتها السلطات العسكرية الحاكمة.

كانت تركيا قد عارضت الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس محمد بازوم في البداية، وهو موقف مفهوم لكون تركيا بلدًا ديمقراطيًا وعضوًا في حلف الناتو، إلا أن الرئيس أردوغان عبّر بحزم لاحقًا عن معارضته التدخل العسكري الذي هددت به المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) لإعادة الرئيس النيجري المخلوع، حيث علّق الرئيس التركي قائلًا: “موقفنا ثابت بشأن الأزمة في النيجر، ولا نصوّب قرار “إيكواس” بخصوص التدخل العسكري”.

وأضاف: “نحن ندرس كيفية لعب دورنا المحوري في النيجر. نرى أن التدخل العسكري في النيجر قد يساهم في نشر حالة عدم الاستقرار في العديد من البلدان الأفريقية”.

وأشار الرئيس التركي إلى أنه “بعد هذا القرار، حذرتُ مالي وبوركينا فاسو أيضًا، من أن مثل هذا التدخل العسكري في النيجر يُعتبر بمثابة إعلان الحرب عليهما”، مؤكدًا أن “تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب شعب النيجر”.

بعد ذلك، استقبل الرئيسُ التركي رئيسَ وزراء النيجر، علي محمد الأمين زين، في العاصمة أنقرة، حيث أُقيمت مراسم استقبال رسمية لزين، وذكر بيان رسمي تركي أنه تمّ بحث العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدَين، ومكافحة الإرهاب، وقضايا إقليمية ودولية.

وأعرب أردوغان خلال اللقاء عن “دعم تركيا لخطوات النيجر لتعزيز استقلالها السياسي والعسكري والاقتصادي”، بحسب البيان. وعليه، من المرجّح أن تكون زيارة الوفد التركي إحدى ثمرات اجتماع رئيس وزراء النيجر مع الرئيس أردوغان، وما تم الاتفاق بشأنه بين الجانبَين، فليس من المعتاد أن تقوم تركيا بإرسال مثل هذا الوفد رفيع المستوى دون أن تكون هناك قمة، أو أن تكون هناك زيارة خارجية للرئيس، ما يشير إلى أن تركيا تنظر إلى النيجر كبوابة لترسيخ حضورها في منطقة الساحل الأفريقي.

وربما كانت ليبيا آخر دولة يقصدها وفد تركي بمثل هذا الثقل عام 2022، فقد زارها آنذاك وفد يضمّ وزراء الخارجية مولود تشاووش أوغلو، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز، والدفاع خلوصي أكار، والتجارة محمد موش، إلى جانب رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة فخر الدين ألطون، ومتحدث الرئاسة السفير إبراهيم قالن.

تركيا تنجح في ملء الفراغ

منذ عقدَين من الزمن، تعمل تركيا على توسيع حضورها في أفريقيا التي تمتلك، وفق تقديرات اقتصادية، نحو 65% من الموارد العالمية التي لم يجرِ العمل على استغلالها.

يكفي أن نشير إلى أن النيجر تمتلك خامات اليورانيوم الأعلى جودة في أفريقيا، وهي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، لذلك تعتقد الولايات المتحدة أن تقارُب تركيا من النيجر يأتي بهدف تأمين وصول أنقرة لليورانيوم، من أجل دعم صناعة الطاقة النووية الناشئة في البلاد.

وفي السنوات الأخيرة عزّزت الشركات التركية حضورها في النيجر، فقد فازت بعدد من العقود، بينها عقد بقيمة 152 مليون يورو لتحديث مطار نيامي، وعقود أخرى بقيمة 50 مليون يورو لإقامة فندق فخم، و38 مليون يورو للمقرّ الجديد لوزارة المالية النيجرية في قلب العاصمة، كما أنشأت تركيا عام 2019 مستشفى بقيمة 100 مليون يورو في مارادي، ثالث أكبر مدن البلاد والمركز الإداري لمنطقة مرادي.

وبشكل عام، زادت تركيا من تحركاتها في منطقة الساحل بعد موجة الانقلابات التي شهدتها عدد من الدول الفرانكفونية منذ العام 2020، والتي تسبّبت في تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في القارة.

تكثيف تركيا حضورها في منطقة الساحل عبر السلاح والتعاون الاقتصادي، يجعلها شريكًا موثوقًا في المنطقة التي تشهد سباق نفوذ بين القوى العالمية، حيث أسفر الاستقطاب الذي تشهده منطقة الساحل عن تشكيل تكتّل جديد سبق الإشارة إليه، وهو تحالف دول الساحل الذي يتكوّن من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وكلها حليفة لتركيا.

محمد مصطفى جامع

موقع نون بوست




“اليوم التالي”.. كيف يحاول نتنياهو تفكيك أية كينونة فلسطينية في غزة؟

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في أحدث بياناتها أن “إسرائيل بدأت مشاورات أولية محليًا لوضع خطة لليوم التالي في غزة بعد الحرب”، في تكرار ممجوج حول المحاولات المتكررة أمريكيًا وإسرائيليًا لهندسة ما اصطلح على تسميته “اليوم التالي” للحرب في قطاع غزة.

يعيد بيان الخارجية الأمريكية الرهان على إمكانية الوصول إلى أفق لهندسة “اليوم التالي” في قطاع غزة إسرائيليًا، وهو ما فشل الاحتلال في تحقيقه على مدار أشهر الحرب العشرة، على حدّ سواء في شمال قطاع غزة وجنوبه، فيما لم تتوقف الأطروحات والأفكار عن التوالد والتوالي من أقطاب حكومة دولة الاحتلال ومجلس الحرب فيها، الذي انهار فيما بعد لأسباب يقع في قلبها تهرُّب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من تبني مقاربات منطقية (من وجهة نظر عضوَي المجلس المستقيلَين بيني غانتس وغادي أيزنكوت) لـ”اليوم التالي”.

في إطار محاولة تجنُّب انهيار مجلس الحرب، وقبيل أيام من استقالة غانتس وحزبه من حكومة الحرب، أُقرّت الخطة التي قدمها وزير الحرب في حكومة الاحتلال يوآف غالانت، وحملت عنوان “الفقاعات الإنسانية” أو “الجزر الإنسانية”، في محاولة لخلق نماذج متعددة ومصغّرة لإمكانية إقامة أنظمة محلية تتعاون مع الاحتلال وتتجاوز السلطات في قطاع غزة، التي يندرج “القضاء عليها” ضمن أهداف حرب الإبادة المستمرة على القطاع والشعب الفلسطيني.

من المفترض أن الخطة المذكورة استخلصت ملامح الفشل في الخطط السابقة، خصوصًا بعد الفشل الكبير لخطة العمل مع العائلات والعشائر، والتي أقرَّ نتنياهو بفشلها في مقابلته الصحفية مع “القناة 14” العبرية، معلنًا أن العمل يجري على نموذج آخر وصفه بأنه “تدريجي” لإنشاء “إدارة مدنية بالتعاون مع محليين” في قطاع غزة دون أن يخوض في التفاصيل، سوى أن هناك تعاونًا بشأن الأمر مع “جهات خارجية”.

الجوهر “خطة الحسم”

حمل بيان الخارجية الأمريكية إشارة واضحة إلى أن الخطوة الإسرائيلية المقصودة تستند إلى العمل مع “شركاء محليين”، ما يمثل ضمنيًا قبولًا أمريكيًا بمنح الاحتلال فرصة جديدة لتطبيق مقاربات تنسجم مع ما سبق أن رفعه رئيس وزراء الاحتلال حول رؤيته لـ”اليوم التالي”، التي استندت إلى وصفه بأنه “لا حماس ستان، ولا فتح ستان“، ورفضه الإقرار بأن السلطات الحاكمة الحالية والمحسوبة على حركة حماس لم تتعرض للانهيار بفعل الضربات العسكرية المتكررة واستهداف كل القدرات الحكومية لها، أو حتى التعامل مع أطروحات قبول عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة.

رغم كون بنيامين نتنياهو يحمل برنامجًا يستند إلى فكرة حصار السلطة الفلسطينية، والحدّ من تأثيرها وسلطتها على الأرض والتوسع الاستيطاني، فإنه فضّل على مدار عقود رئاسته الحكومات الإسرائيلية التمسك بمبدأ “إدارة الصراع”، بحيث لا يصل إلى حلول قطعية في أي عنوان، وبحيث يستثمر عامل الوقت في فرض وقائع على الأرض، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس، تجعل من خيارات إقامة دولة فلسطينية غير قابلة للتنفيذ.

إلا أن أطروحاته حول “اليوم التالي” في قطاع غزة باتت أكثر قربًا ممّا ينسجم مع شريكَيه في الائتلاف الحكومي، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بشأن نظام الحكم، والخلاف معهما بشأن إمكانية عودة الاستيطان إلى قطاع غزة، والذي وصفه بأنه “غير واقعي”.

ينسجم نتنياهو في أطروحات “اليوم التالي” مع توجهات سموتريتش صاحب رؤية “حسم الصراع“، التي تحمل بين طياتها هدف تفكيك أية كينونة فلسطينية أيًا كانت صفتها أو أهدافها (حتى لو كانت سلطة يقع في صلب وظيفتها التنسيق الأمني وتقليص كلفة الاحتلال)، وتقتضي رؤيته إعادة صياغة الحضور الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بوصفه حضورًا عشائريًا في مناطق محددة لمن يرفض الهجرة من الأراضي الفلسطينية.

مع أن الولايات المتحدة لا تتبنّى هذا الطرح، وتتمسك بأهمية الاستثمار في السلطة الفلسطينية و”تجديدها“، بما يهيئها للعودة إلى الإمساك بزمام الحكم في أراضي السلطة في قطاع غزة والضفة الغربية، وتوليها مهمة إعادة ترتيب المشهد بما يشمل القدرة على الإيفاء بالتزاماتها الأمنية، إلا أن تمرير أفكار رئيس وزراء الاحتلال وحكومته بالخصوص ناتج عن حاجة الولايات المتحدة لوجود أية صيغ انتقالية لـ”اليوم التالي” تخرج الجميع من “عنق الزجاجة”.

فقاعات غالانت “الإنسانية”

أعلن يوآف غالانت، في بدايات يونيو/ حزيران الماضي، أن “الفقاعات الإنسانية” تعدّ الإجابة الواضحة لسؤال “كيف يبدو شكل غزة في اليوم التالي؟”، التي تضمن “خلق حكومة سلطوية جديدة” في قطاع غزة في نهاية الجهود الحربية الهادفة إلى “خنق حماس”، ومنع السماح باستمرارها في “الوجود”، وتعطيل قدرتها على إعادة التسلح.

ووفقًا لوزير الجيش في حكومة الاحتلال، تقتضي “الفقاعات الإنسانية” تقسيم قطاع غزة إلى مناطق صغيرة على شكل فقاعات دائرية، يدخل الجيش الإسرائيلي إلى كل منطقة تدريجيًا، ويعمل على “تطهيرها” من عناصر حماس، ثم تدخل إلى تلك المنطقة قوات أخرى، هدفها ضبط الأمن وتشكيل حكم آخر يقضي على صورة سلطة الحركة.

يعود مصطلح “الإنسانية” في التسمية إلى فكرة أن البوابة الرئيسية لمباشرة الجهات المحلية المتعاونة للعمل، هي بوابة المساعدات الإنسانية والتخفيف من معاناة الناس، عبر السماح بوصول شاحنات المساعدات

شرح الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس، في مقال له في صحيفة “واشنطن بوست”، التصور الإسرائيلي لـ”الفقاعات الإنسانية”، قائلًا إن “الفكرة أن تبدأ إسرائيل عملية انتقالية أحادية الجانب في منطقة في شمالي غزة تكون خالية إلى حد كبير من مقاتلي حماس. وبعد إقامة محيط محكم هناك، سينسحب الإسرائيليون ويتركون الحكم والأمن المحلي لمجلس فضفاض يتألف من عائلات محلية بارزة وتجار ونقابات عمالية وأعيان آخرين”، على أن يبقي الجيش سيطرته العسكرية على هذا المناطق حتى لا يسمح لحركة حماس بالعودة والسيطرة عليها، وبعد ذلك سيجري تزويد هذه القوات بسلاح يسمح لها بأن تتمكن من تشكيل حكومة بديلة للحركة.

ومن المقرر، حسب الخطة، تدريب قوات محلية في غزة على يد القوات الدولية، مع توفير القدرة والإمكانات اللازمة لها لفرض الأمن والنظام. وحسب صحيفة “معاريف” العبرية، سيتفق الجيش الإسرائيلي مع الحكومة المحلية في غزة على حرية عمله في القطاع في أي وقت يشاء، وهذا دليل على السيطرة العسكرية لا المدنية على غزة.

يعود مصطلح “الإنسانية” في التسمية إلى فكرة أن البوابة الرئيسية لمباشرة الجهات المحلية المتعاونة للعمل، هي بوابة المساعدات الإنسانية والتخفيف من معاناة الناس، عبر السماح بوصول شاحنات المساعدات الإنسانية بالتنسيق مع الهيئات الدولية، التي ستنقل المساعدات إلى هيئة محلية تكون مسؤولة عن التوزيع كي يعزَّز نفوذها وحضورها الشعبي في الدوائر المستهدفة، بعد أن أُنهك المجتمع، خصوصًا شمالي قطاع غزة، بحرب التجويع المستمرة والحصار المشدد. 

وحول النموذج الأول، كشف الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنياع، في مقال سابق، أن “خطة اليوم التالي تصور تجريبي وافق نتنياهو على تنفيذه في العطاطرة، وهي قرية صغيرة، أو في الواقع حي في الطرف الشمالي من القطاع، مقابل الحدود الشمالية”.

العجز المزدوج

لإنجاح الخطة المذكورة، المطلوب توفُّر عاملَين رئيسيَّين: الأول التمكن فعليًا من تحييد القدرات العسكرية والسلطوية لحماس في قطاع غزة، والذي في إطاره عملت “إسرائيل” على مدار أشهر الحرب المستمرة في قطاع غزة على استخدام القوة النارية الغاشمة، من أجل إنجازه باستهداف القدرات المختلفة للحركة في قطاع غزة.

إذ إنه إلى جانب المواجهة العسكرية المستمرة مع كتائب المقاومة العسكرية على امتداد أراضي القطاع، لم يتوانَ جيش الاحتلال عن استهداف المقدرات الحكومية البشرية والمادية، إذ شكّلت المقرات الحكومية والأجهزة الأمنية لحركة حماس جزءًا رئيسيًا من بنك الأهداف الإسرائيلي.

لم يقتصر هذا الاستهداف على الأجهزة الأمنية لتعطيل القدرة على السيطرة الأمنية في القطاع أو بسط النظام، بل شمل الاستهداف المباشر للجهاز الحكومي المدني، بما يشمل اغتيال/ محاولة اغتيال المفاصل الحكومية، بداية من رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي في قطاع غزة، وليس انتهاءً باغتيال وكيل وزارة العمل، وما بينهم من عشرات عمليات الاغتيال والاستهداف لمفاصل العمل الحكومي، التي طالت حتى رؤساء البلديات ولجان الطوارئ الحكومية في مدن قطاع غزة المختلفة من جنوبه إلى شماله، إضافة إلى كون المستشفيات والقطاع الصحي على رأس بنك أهداف العدوان منذ اليوم الأول لحرب الإبادة.

لم تنجح الضربات الكبرى والاستهداف الموسع واستخدام القوة الغاشمة في تحييد القدرات الحكومية في قطاع غزة، وثمة شواهد متعددة حول تمكُّن حماس من إعادة ترتيب حضورها السلطوي والأمني فور انسحاب آليات جيش الاحتلال من الأحياء والمدن المستهدفة، وفي مقدمتها أحياء ومدن شمالي قطاع غزة، الذي شكّل عنوان الاستهداف الأبرز والنموذج الأول المفترض لخطط “اليوم التالي”.

في الشق المرتبط بالقدرات العسكرية، فإن المؤشرات الميدانية واضحة جدًّا، ورغم ادّعاءات النجاح المتكررة من جيش الاحتلال حول تمكّنه من تفكيك كتائب وألوية المقاومة في عدة مناطق، فإن محاولة تثبيت مبدأ حرية الحركة والسيطرة الأمنية على هذه المناطق يصطدم دائمًا بالتصدي الكبير من المقاومة لعمليات الاجتياح الإسرائيلية، ما ظهر جليًّا في أحياء الزيتون والشجاعية ومخيم جباليا، وأخيرًا في حي تل الهوا جنوبي مدينة غزة، ما أقرَّ به المتحدث باسم جيش الاحتلال، إذ أوضح أنه حتى بعد 5 سنوات لن تنجح المحاولات العسكرية في القضاء على حماس.

العامل الثاني الرئيسي من عوامل العجز الإسرائيلي يتمثل بالعجز عن إيجاد طرف/ أطراف محلية متعاونة مع الاحتلال، وكان عنوان فشلها الأبرز العجز عن خلق تعاون مع العشائر والحمولات العائلية في قطاع غزة، ما أقرَّ به بوضوح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في مقابلته مع “القناة 14” العبرية، لاصطدام هذا الخيار بالرفض وعدم التعاون حتى من عائلات عوّل الاحتلال على وجود خصومة بينها وبين حماس.

ليس من اليسير على أي طرف محلي في قطاع غزة أن يقبل بأن يوصم بالعمالة لـ”إسرائيل”، وأن يساهم في تمرير مخططات “اليوم التالي”، خصوصًا أن خطط الاحتلال لا تهدف إلى تجاوز سلطة حركة حماس فحسب، بل إلى تجاوز أية كينونة فلسطينية، بما يشمل حتى السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح.

دلالات الفشل

تعكس الأحداث الميدانية، خصوصًا في شمال قطاع غزة، الدلالات الواضحة على أن خطة “الفقاعات الإنسانية” لم تجد أي أفق واقعي لتطبيقها، إذ إنه إلى جانب توسيع جيش الاحتلال من حجم عدوانه على أحياء شمالي القطاع بوتيرة وزخم يشبهان ما كان عليه الأمر في الأشهر الأولى للحرب، فإنه عاد أيضًا إلى مجموعة من السياسات التي تتناقض مع جوهر الرؤية المطروحة من وزير الجيش.

توجّه جيش الاحتلال إلى استئناف الدعوات المرافقة لعملية إخلاء الأحياء المستهدفة بالعدوان بتوجيه النازحين إلى مناطق جنوب وادي غزة، وصولًا إلى إلقاء مناشير ودعوات لإخلاء كل أحياء مدينة غزة من سكانها ودعوتهم إلى النزوح جنوبًا، بعد أن توقفت هذه الدعوات في الأشهر الأخيرة والاكتفاء بالدعوات إلى النزوح داخليًا في أحياء شمالي القطاع.

يحاول جيش الاحتلال ممارسة الضغط على المقاومة عبر استمرار إنهاك المجتمع واستنزاف الحاضنة الشعبية، أملًا في دفع طرف محلي إلى الرضوخ تحت وطأة الأزمة الإنسانية، لقبول التعاون من منطلق مواجهة التجويع

في الإطار ذاته، أعاد جيش الاحتلال تشديد حصاره على مناطق الشمال، والعودة إلى شبح التجويع والحرمان من أبسط أنواع الغذاء، وتعطيل العمل حتى في المعبر المستحدث الموازي لموقع إيرز العسكري، ورفض دخول أية شاحنات إلى القطاع الخاص أو المؤسسات الإغاثية من جنوبي قطاع غزة إلى شماليه.

العودة إلى أساليب الفتك العدواني المباشر والقتل السريع (بالاجتياحات الموسعة والقصف المكثف والمجازر) والقتل البطيء (بالتجويع وإعدام كل مقومات الحياة، وحتى إعادة تدمير المستشفيات التي رُمّمت، بتوافق من منظمة الصحة العالمية مع حكومة الاحتلال)، تتناقض مع ما كان يفترض أن تنتجه خطة وزير جيش الاحتلال الهادفة إلى إنشاء “الفقاعات”، التي تتحول من خلالها بعض مناطق شمال قطاع غزة إلى واحة نموذجية خالية من المقاومة، وأيضًا من القتال والاستهداف الغاشم، وأن تغرق بالمساعدات.

تؤكد الدلائل الميدانية اصطدام خطة غالانت بحائط الفشل، ما دفع جيش الاحتلال إلى العودة إلى ممارسة الضغط على المقاومة عبر استمرار إنهاك المجتمع واستنزاف الحاضنة الشعبية، أملًا في دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، أو دفع طرف محلي إلى الرضوخ تحت وطأة اشتداد الأزمة الإنسانية، لقبول فتح نافذة التعاون من منطلق تخفيف وطأة الأزمة ومواجهة التجويع.

البحث عن نماذج نجاح

ينقل إغناتيوس عن بعض المسؤولين الإسرائيليين “الأكثر خبرة”، أنهم يقولون إن معظم الفلسطينيين في غزة لا يعتقدون أن حماس قد فقدت قوتها. ولكسر هذه الحالة النفسية، كما يقولون، “كان على إسرائيل أن توقف تهريب حماس من خلال الاستيلاء على ممر رفح في الشهر الماضي. وعلى نحو مماثل يتعيّن عليها أن تستمر في محاولة اغتيال قيادات حماس، والتمسك بشكل حاسم بهدف نزع السلاح”.

تحتاج كسر الحالة النفسية، وفق توصيف المسؤولين الإسرائيليين، إلى تقديم نماذج نجاح حول قدرة إمكانية تجاوز القدرات السلطوية لحركة حماس في قطاع غزة، ما دفع الاحتلال إلى محاولة الوصول إلى صيغة لتشغيل معبر رفح بترتيبات مصرية-إسرائيلية تتجاوز أي دور فلسطيني رسمي، ما اصطدم بحائط الرفض المصري وقصور الطرح الإسرائيلي، خصوصًا مع الإصرار على رفض تسليم المعابر للسلطة الفلسطينية رسميًا، وقبول صيغة غير معلنة لتواجد السلطة تحت عنوان كونها جهات محلية من القطاع.

لجأ الاحتلال إلى عدد من الممرات الإجبارية لخلق صيغ تعاون مع المجتمع المحلي في قطاع غزة تتجاوز أي دور حكومي هناك، كان أبرزها العمل المباشر مع التجار والمستوردين في القطاع، عبر فتح قنوات لتنسيق التجار لدخول شاحنات البضائع من الأراضي المحتلة والضفة الغربية عبر معبر كرم أبو سالم، بالتواصل المباشر ما بين التاجر والسلطات الإسرائيلية، دون السماح بأي دور فلسطيني، سواء على المعبر أو في الإجراءات أو الإدارة الاقتصادية، مستغلًّا الحاجة الملحّة لأسواق قطاع غزة للعديد من السلع بعد حصار مشدد استمرَّ شهورًا طويلة.

في السياق ذاته، سمح الاحتلال لمؤسسة أمريكية بالتنسيق والترتيب لسفر مجموعة من الأطفال من مرضى السرطان عبر كرم أبو سالم، مسجّلًا بذلك أول نموذج للسفر من قطاع غزة عبر معبر إسرائيلي-مصري، ومتجاوزًا أيضًا أي دور مفترض لوزارة الصحة في القطاع في فرز الحالات وترتيب الأولوية وإنجاز المعاملات اللازمة لتحويلها طبيًا.

النموذج الثالث الذي سعى الاحتلال إلى تكريسه يتمثل بوضع محددات إعادة ترميم مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، الذي دُمّر بفعل العدوان الإسرائيلي، إذ حدد الاحتلال لمنظمة الصحة العالمية المساحات المسموحة للتحرك في إعادة العمل في المستشفى، وأخضع قوائم العاملين للفحص الأمني، ووضع اشتراطات بعدم السماح بتواجد الصحفيين أو النازحين داخل أسوار المجمع الطبي، وأن يجري كل ذلك بمعزل عن أية إدارة حكومية أو إشراف من وزارة الصحة في قطاع غزة أو حتى الوزارة في رام الله.

يكشف تصميم الاحتلال ممرات إجبارية تحت عنوان “الحاجة الإنسانية” حجم الحاجة الإسرائيلية لتقديم نموذج نجاح حول قدرة تجاوز السلطات الحكومية في قطاع غزة، والتعويل على فكرة كسر الحاجز النفسي لأهالي القطاع في فتح آفاق لإمكانية تمرير مخططات هندسة “اليوم التالي”، وتجاوز مواضع الفشل السابقة في إيجاد طرف محلي متعاون.

بيئة قطاع غزة المعقدة وتجذُّر المقاومة

تعكس الأطروحات الإسرائيلية المتكررة تهرُّب حكومة الاحتلال من الإقرار بحجم تعقيد المجتمع في قطاع غزة، ومستوى تجذُّر وحضور المقاومة والمنظومة الفصائلية هناك، إذ تعكس كل أطروحات “اليوم التالي” العجز المتكرر عن التعامل مع بيئة القطاع وتجلياتها، رغم أن المنظومة الأمنية لدولة الاحتلال تدرك هذه التعقيدات جيدًا، والتي سُخّرت من أجل دراستها وهضمها الملايين من الدولارات، عبر عقود من المتابعة الأمنية اللصيقة لكل تفاصيل الحياة في قطاع غزة.

صحيح أن تشكيلات المقاومة في القطاع سرّية، وأن العديد من أصولها تقع ضمن بند السرية، إلا أن ثمة شواهد أخرى كثيرة من العمل العلني للفصائل ونشاطها المجتمعي والجماهيري والمؤسساتي، تعطي صورة واضحة حول حجم الحضور الفصائلي في مجتمع قطاع غزة، الذي يمكن عدّه مجتمعًا مسيّسًا ومنظّمًا من الدرجة الأولى.

المخيمات وسكانها جزء غالب من التركيبة السكانية للقطاع، ويشكّلون عصبًا هامًّا لا يمكن تجاوزه لا في المنظومة الفصائلية وتركيبة المقاومة، ولا في التأثير السكاني داخل قطاع غزة

وبالتالي إن المنظومة الفصائلية حاضرة فيه في أدق التفاصيل، بما فيها حتى المنظومة العشائرية وتركيبتها، إذ إن العديد من مخاتير العشائر وكبارها قد وصلوا إلى مواقعهم نتيجة توافق فصائلي، أو أن ارتباطهم الحزبي قد منحهم النفوذ اللازم للوصول إلى هذه المواقع، إلى جانب أن العشائر تعمل على مدار السنوات السابقة كمكوّن متكامل مع الفعل السياسي، وهي منخرطة في كل أنشطة وبرامج القوى الوطنية والإسلامية في القطاع، وكان لها حضور بارز في “مسيرات العودة”، وهيئات كسر الحصار، وفعاليات لجنة التواصل مع المجتمعي الفلسطيني في الداخل، وكلها هيئات شكّلتها لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية.

يكفي أن نأخذ نموذجًا مصغّرًا بشأن البنية التحتية للمقاومة في المناطق التي يمكن أن تعدّ مناطق ذات حضور عشائري، فإن كلًّا من مدينة بيت حانون وحيَّي الشجاعية والزيتون من المناطق التي تسكنها عشائر وحمولات كبيرة، ومن أكثر الأماكن التي تشهد ضراوة كبيرة في مواجهة الاحتلال والتصدي لمحاولات الاقتحام، رغم كونها قابعة تحت العدوان والاستهداف منذ الأشهر الأولى للحرب.

من جانب آخر، إن إغفال أكثر من 60% من سكان قطاع غزة من اللاجئين وساكني المخيمات الممتدة على طول قطاع غزة بمثابة دفن للرأس في الرمال، فالمخيمات وسكانها جزء غالب من التركيبة السكانية للقطاع، ويشكّلون عصبًا هامًّا لا يمكن تجاوزه لا في المنظومة الفصائلية وتركيبة المقاومة، ولا في التأثير السكاني داخل قطاع غزة، خصوصًا أن مخيمات القطاع التسعة منتشرة في كل محافظات القطاع ومدنه.

إلى جانب التركيبة السكانية وتجذُّر المقاومة داخل العشائر وخارجها، يتعدى الحضور الفصائلي في قطاع غزة الشكل النمطي للفعل الفصائلي المرتبط بالانخراط العسكري والجماهيري في الأحزاب، بل إنه ينخرط في كل تفاصيل الحياة العامة التي تشكّل الفصائل وأذرعها الجماهيرية والاجتماعية والقطاعية والاقتصادية مكونًا رئيسيًا فيها.

التخلُّص من الأوهام

لخّص العميد (احتياط) في دولة الاحتلال، أودي ديكال، الأطروحات التي سبق وناقشها معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، الذي أخضع كل السيناريوهات لحلقات نقاش واستشراف، في أن الوقت حان للتحرُّر من الوهم القائل إن هناك “حلًّا سحريًا” لغزة بعد يوم من حكم حماس، وأن البديل الأجدى سيكون الاستثمار في السلطة الفلسطينية (المتجددة) لتحكم القطاع، وأن الفرصة الأمثل لـ”إسرائيل”، من وجهة نظر ديكال، تتمثل بأن تعمل على تحديد شكل وطبيعة هذه السلطة وتضع محدداتها.

وكخلاصة.. إن أي نموذج يمكن أن ينجح الاحتلال في خلقه سيكون معرّضًا للاشتباك والمواجهة مع كل المنظومة الفصائلية المنظمة (الحليفة لحركة حماس والمعارضة)، كون الموقف الوطني الجمعي، من يمين المشهد الفلسطيني حتى يساره، رافضًا للصيغ التي تحاول دولة الاحتلال الصهيوني بناءها في قطاع غزة، ما يضاعف من حجم التحديات المطلوب من الاحتلال تجاوزها، لإنجاح أي من الأطروحات التي قيّدها نتنياهو برؤيته الساعية إلى تصفية كل أشكال الكينونة الفلسطينية.

رهان الاحتلال على اختراق الحاجز النفسي بنماذج مصغّرة في المعابر أو المستشفيات أو الحاجة الإنسانية الملحّة، رهان يتغافل قدرة المقاومة على إجهاض كل هذه الخطوات، في الوقت الذي تقدّر فيه أنها باتت تشكّل خطرًا ملحًّا يسمح بتمرير مخططات الاحتلال، فطالما استمرَّ تماسك البنى المنظمة للفصائل، فإن هذا الرهان لن يجد أي أفق فعلي.

بيئة قطاع غزة، وقدرة المقاومة على تجاوز الهجمات الإسرائيلية الكبرى، وإعادة تنظيم وترتيب الصفوف، وتجاوز أثر الضربات بسرعة قياسية، إضافة إلى حجم عمق الحضور الفصائلي في القطاع، والرأي العام الشعبي الرافض لتمرير أية صيغة تعامل مع الاحتلال، متجاوزًا كل الرهانات من الاحتلال على تأليب المجتمع على المقاومة أو خلق هوّة، أو الرهان على الخلافات الفلسطينية في مستنقع يمكن أن تنمو فيه أطروحات البدائل المحلية، كلها كوابح تجعل الحديث عن “اليوم التالي” بمعزل عن الإرادة الفلسطينية والتوافق الوطني الفلسطيني دورانًا في حلقات مفرغة، دون أية إمكانية للوصول إلى نتائج.

احمد الطناني

موقع نون بوست




في سراييفو ما بعد الحرب يتردد صدى التشابه مع اضطرابات الشرق الأوسط

التقيت أنا ورفيقي في فصل الربيع في سراييفو، أو سراي بوسنة بالتركية وتعني قصر أو بلاط البوسنة. كانت المدينة ذات يوم تمثّل أقصى الحدود الغربية التي وصلت إليها الإمبراطورية العثمانية في القرن الرابع عشر، تاركةً وراءها العديد من العلامات المألوفة – الأذان في المساجد، والنوافير المتدفقة في الساحات، وعددًا لا يحصى من التقاليد الصوفية – مما يجعلها نافذة فريدة على التاريخ الإسلامي في أوروبا.

واليوم، تستحضر البوسنة أيضًا ذكريات أسوأ إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. في التقارير الأخيرة، يعتبرها حلف الناتو من بين “الشركاء المعرضين للخطر” مع ازدياد تدخّل موسكو في شؤونها منذ غزو روسيا لأوكرانيا في سنة 2022.

تاريخ البوسنة وجغرافيتها السياسية مألوفة بالنسبة لي، فبعد أن شهدتُ الحرب والنزوح خلال طفولتي غير المستقرة – بين الجزائر ولبنان وسوريا والسعودية – عندما كانت عائلتي تحاول الصمود في مواجهة الحرب والركود الاقتصادي، أردت أن أرى كيف يمكن أن تبدو دولة تواجه تحديات موازية لتحديات الشرق الأوسط في أوروبا.

بينما كنت أهم بالنزول من سيارة أجرة المطار بالقرب من الفندق الذي أنزل فيه في المدينة القديمة، لاحظت الضوء الأصفر الخفيف المنبعث من مصباح الشارع المرصوف بالحصى، الذي علِق لفترة وجيزة في عجلة حقيبتي. استحوذ المشهد على سحر العالم القديم الذي ذكّرني بأماكن عثمانية أخرى مثل حلب التي دمّرتها الحرب السورية التي استمرت 13 سنة، وفكرتُ في أن سراييفو ربما تكون مثالًا لمكان ضاع في الحرب والحصار يجد طريقه للعودة من حافة الهاوية على الرغم من أنه يواجه تصدعات داخلية تفسح المجال للاستغلال الأجنبي.

كنا لا نزال في شهر رمضان خلال فترة تواجدنا هناك، وبمجرد أن جلسنا على طاولة لشخصين في الخارج، سمعنا صوت مدفع الإفطار التقليدي من بعيد، وهو مدفع ناعم أيقوني لا يزال منتشرًا في جميع أنحاء الأراضي العثمانية السابقة. ووفقًا لبيانات التعداد السكاني، فإن نصف البوسنيين تقريبًا مسلمون بينما ثلثهم من الصرب المسيحيين الأرثوذكس و15 بالمائة من الكروات الكاثوليك.

أشخاص يقومون بنزهة مسائية في مدينة سراييفو القديمة خلال شهر رمضان.

تزامنت زيارتنا أيضًا مع الذكرى السنوية لحصار سراييفو سيء السمعة، الذي بدأ بعد شهر تقريبًا من إعلان البوسنة والهرسك – إحدى الجمهوريات الست المنبثقة عن تفكك يوغوسلافيا – استقلالها في آذار/مارس 1992 في استفتاء أوصت به المجموعة الأوروبية. صوّت البوشناق – وهي تسمية يشير بها المسلمون البوسنيون إلى أنفسهم – والكروات لصالح الاستقلال، بينما عارض القوميون الصرب الاستقلال وقاطعوا التصويت مستائين من فكرة أن يصبحوا أقلية في البوسنة والهرسك التي تشكلت حديثًا.

بدت هذه الانقسامات مألوفةً، فالأشخاص الذين وُلِدوا من أمة واحدة ويتحدثون لغة واحدة يتصورون أنفسهم منفصلين عن بعضهم البعض، ومنحازين بشكل مريح لثقافة بلد أجنبي أكثر من أبناء بلدهم. في البوسنة والهرسك، يعتبر القوميون الصرب في البلاد أنفسهم على أنهم امتداد لدولة صربيا، الحليف الروسي القديم، ويشيرون إلى البوشناق بصيغة التحقير، ويطلقون عليهم اسم “الأتراك”. (وقد شكّل القوميون الصرب لاحقًا جمهورية صرب البوسنة، كاستمرار لحزبهم العسكري الذي تم دمجه في الاتفاق الثلاثي بين البوشناق والكروات والصرب في البلاد في اتفاقات دايتون التي استضافها الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون في أوهايو سنة 1995. ولا تزال جمهورية صرب البوسنة اليوم كيانًا انفصاليًا).

وفي سنة 1992، رغم التطهير العرقي الذي بدأ في الشمال، ظلّت الاحتجاجات في العاصمة سراييفو سلميةً حتى وقوع هجوم قاتل في 5 نيسان/أبريل. كان ذلك اليوم يتوافق مع عطلة نهاية الأسبوع التي تُحيي ذكرى تحرير سراييفو من ألمانيا النازية واليوم الذي كان من المقرر أن يدخل فيه استقلال البوسنة والهرسك حيز التنفيذ، كما أنه كان اليوم الأول من عيد الفطر، في عطلة لمدة ثلاثة أيام تُقام فيها الولائم والاحتفالات مع الأحباء. بدلاً من ذلك، قُتلت امرأتان بنيران قناصة في شارع لا يبعد كثيرًا عن المكان الذي كنت أتناول فيه أنا ورفيقي إفطارنا. وقد تم تخليد ذكراهما بصورة في معرض دائم في متحف الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. كانتا متعانقتين، وقد حاولتا الاحتماء ببعضهما البعض من الرصاص. واليوم، يتم تذكرهما كأول ضحايا الحصار، وهي نقطة حزينة لرحيل السلام المفترض.

ما أعقب موتهما كان ثلاث سنوات وعشرة أشهر من الحصار – أي أطول بسنةٍ من حصار لينينغراد – مما جعله لفترة من الزمن أطول حصار في العصر الحديث لعاصمة حتى حصار الغوطة (دمشق) الذي انتهى في سنة 2018 بعد خمس سنوات وأسبوع واحد.

وبعد أن كنت شاهدًا بشكل شخصي على حصار الغوطة، ومع اطلاعي على حصار سراييفو، نشأت عندي ألفة مهووسة. فالوحشية البشرية لها وجه متجانس بغض النظر عن السياق، وفي كلا الحصارين كانت هناك أزقة للقناصة حيث كان الأجداد والأمهات والأطفال يركضون للنجاة بحياتهم، وأحيانًا كان ذووهم الذين يعودون إلى جثثهم التي سقطت، يصابون ويقتلون أيضًا بنيران القناصة. كانت هناك عائلات جائعة تصطف في طوابير الخبز تنتظر دون أن تحصل على دورها، وقصفت الصواريخ منازل الناس، وحوّلت المباني السكنية إلى هياكل من الخرسانة المحطمة والفولاذ الملتوي الذي يكشف عن حياة الناس التي توقفت.

كانت الأعمال البطولية التي قام بها أشخاص عاديون مألوفة أيضًا. فقد قرأت قصة عن إسلام دوغوم داخل متحف الإبادة الجماعية في سراييفو، وهو عداء ماراثون محلي غادر سراييفو عدة مرات خلال الحرب وشارك في مسابقات دولية مختلفة، بما في ذلك ألعاب البحر الأبيض المتوسط، حاملاً علم البوسنة والهرسك. وخلال هذه الرحلات، كان يتواصل مع اللاجئين والمنفيين من بلده ويجمع المساعدات ليعود بها إلى سراييفو ويهرّبها عبر نفق الأمل الذي بُني في الأشهر الأولى من الحصار وظل الطريق الوحيد للدخول إلى المدينة أو الخروج منها حتى نهاية الحرب. وجد دوغوم نفسه من بين أكثر أبناء بلده امتيازًا بحكم قدرته على السفر، فخدم مواطنيه من خلال العمل في التهريب.

إنها قصة مألوفة للملايين على مدار العقود الأخيرة في العديد من الصراعات، إذ يجد المدنيون العاديون أنفسهم مضطرين لتهريب كل ما يحتاجونه من أدوية وأغذية وأموال على متن سياراتهم لأحبائهم العالقين في أوطانهم والذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة، بغض النظر عن مخاطر هذا النقل. أنا الآن شاهد على أصدقاء يفعلون ذلك لمساعدة أحبائهم العالقين في غزة، كما فعلت أنا مع أحبائي خلال الحرب في سوريا.

من أكثر التفاصيل المؤسفة التي صادفتني في حصار سراييفو الوجود المروّع الموثق “للسياح الذين يصطادون البشر”، وهو مصطلح مرعب صاغه المخرج السينمائي ميران زوبانيتش في فيلمه الوثائقي “رحلات سفاري سراييفو”، حيث زعم أن الأجانب الأثرياء كانوا يدفعون أموالاً مقابل إطلاق النار على الناس في سراييفو المحاصرة، وكان أحد هؤلاء “السائحين” هو الكاتب الروسي الراحل إدوارد ليمونوف، وهو منشق سوفييتي هاجر إلى الولايات المتحدة، ثم عاد إلى روسيا في سنة 1991 وأسس حزبًا قوميًا متطرفًا. ورغم أنه من غير الواضح ما إذا كان قد دفع ثمن هذه الفرصة الدنيئة، إلا أنه تم تصويره في موقع إطلاق نار صربي في 22 حزيران/يونيو 1992، وهو يقبل دعوة من الزعيم الصربي البوسني رادوفان كارادزيتش لإطلاق النار من مدفع رشاش، مصوّبًا إياه على شوارع سراييفو في الأسفل حيث أطلق عدة رصاصات، وتوقف لفترة وجيزة للسماح لكارادزيتش بضبط حامل المدفع ثلاثي القوائم قبل أن يواصل المهمة. توقفت عيناي على التلفاز الذي كان يعرض هذه اللقطات في حلقة متكررة داخل متحف الإبادة الجماعية، وحاولت أن أفهم لماذا – وكيف – يمكن لزميل كاتب يتطلب عمله تنمية الحساسية تجاه الحالة الإنسانية، أن يقسو بسهولة ليقتل بدم بارد.

أجد أن الحرب تقلب المجتمع رأسًا على عقب، ليس فقط من خلال آثار الدمار التي تتركها، وإنما أيضًا من خلال دفع ما يبقى في العادة خفيًا إلى السطح، مثل العاصفة التي تجرف الوحل من مجرى النهر. يجد المرء في هذا الوحل العلة الأخلاقية للمجتمع، والأجزاء الخفية والدنيئة من الطبيعة البشرية التي يدفعها العنف والكوارث إلى السطح. ويمكن للحرب أيضًا أن تبرز أفضل ما في الإنسانية. خلال الحرب في سوريا، رأيت كلا الأمرين في كل مكان نظرت إليه تقريبًا: رأيت أناسًا يعانون من الجوع تحت الحصار يتقاسمون الطعام القليل الذي بحوزتهم مع الآخرين، وأناس لم يكن لديهم سبب وجيه للكراهية صوّبوا سلاحهم وقتلوا أناسًا غرباء. ذات مرة رأيت مسلحًا مجنونًا يصوّب سلاحه نصف الآلي ويطلق النار على حمار لم يفعل شيئًا. وفي مرة أخرى كنت عالقًا في زحمة السير خلف شاحنة محملة بأفراد ميليشيا مسلحين عندما لاحظت أحدهم يصوّب بندقيته نحوي من مكان جلوسه على سرير الشاحنة، وهو يحدق في وجهي مبتسمًا بخبث. ربما كان يأمل أن يرى في عيني من وراء نظارتي الشمسية أي شعور مريض بالقوة كان يشعر به، لحسن الحظ، تحركت حركة المرور وصرف انتباهه شيء آخر.

بلاغاج تيكيجا (منزل صوفي) يطل على نهر بونا في البوسنة والهرسك.

استأجرت أنا ورفيقي سيارة وقدناها عبر الطرق الخلفية، وتوقفنا مرارًا للتنزه في الغابات التي كانت نقية وجميلة في جميع أنحاء البوسنة. كانت الصنابير العامة توفر المياه النقية من الجداول، ومن حولنا كانت هناك مزارع صغيرة تملكها عائلات تربي الخراف والنحل، ولم تكن حرارة الصيف قد حلت بعد، لذا بدا كل شيء مثاليًا في ظاهره.

لكن أحد الجوانب المذهلة في قيادة السيارة عبر البوسنة والهرسك هو ترسيم حدود الأراضي من قبل جمهورية صرب البوسنة الانفصالية، وقد رأينا هذا الأمر كثيرًا: علم جمهورية صرب البوسنة (الذي يشبه العلم الروسي) المرفوع على سارية فوق نصب تذكاري للحرب الصربية أو ساحة عامة يمكن رؤيته عند دخولنا إلى إحدى البلدات معلناً عن الأراضي التي تسيطر عليها جمهورية صرب البوسنة. وتواصل هذه الأراضي، التي تشغل جزءًا كبيرًا من المناطق الشمالية والجنوبية الشرقية من البوسنة والهرسك، زرع هوية متميزة ومنفصلة غارقة في القومية الصربية، وتدرّس مناهجها الخاصة بها في المدارس، بما في ذلك روايتها للحرب والحصار، والتي تنكر فيها إلى حد كبير الجرائم التي ارتكبت باسم الصرب.

تسعى صربيا إلى توحيد مناهجها المدرسية مع مناهج جمهورية صرب البوسنة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الوضع المحفوف بالمخاطر بالفعل للأمة الصربية المدعومة من روسيا داخل دولة البوسنة والهرسك، وهي الدولة التي تأمل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ذات يوم. (مع ذلك، يقول العديد من السكان المحليين إن هذا الهدف نبيل للغاية نظرا للبنية السياسية والاقتصادية الصعبة لبلادهم، حتى من دون تعقيد وجود دويلة داخل الدولة). وحتى اللافتات التي تحمل أسماء المدن على جانب الطريق تكشف عن ساحة معركة منخفضة المستوى من أجل تقسيمات إقليمية، مع كتابات على الجدران التهجئة السيريلية أو اللاتينية للمدينة. وتستخدم البوسنة والهرسك الحروف اللاتينية بينما تستخدم صربيا وجمهورية صرب البوسنة السيريلية، على الرغم من أن كلاهما، وكذلك الكروات، يتحدثان نفس اللغة السلافية، وإن كان بلهجات مختلفة قليلاً.

ذكّرتني هذه الانقسامات، إلى جانب الحكومة الفاسدة ومتعددة الطوائف، بالوضع في لبنان حيث فشلت السلطات أيضًا في توحيد المناهج المدرسية التي تُدرّس السرد الوطني. ومن خلال إحالة رواية تاريخ البلاد وحربها الأهلية إلى أهواء الرواة الطائفيين، يظل الوعد بنشوب صراع طائفي آخر في الأفق على الدوام. ويبدو أن هذا هو الحال أيضاً في البوسنة والهرسك.

في 24 أيار/ مايو، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إنشاء يوم سنوي لإحياء ذكرى مذبحة سريبرينيتسا، ما أثار استياء زعيم صربيا وصرب البوسنة ميلوراد دوديك، الذي سارع إلى عقد مؤتمر صحفي وأعلن أنه “لم تكن هناك إبادة جماعية في سريبرينيتسا”. وقالت ياسمين مويانوفيتش، عالمة سياسية ومؤلفة كتاب “البوشناق: أمة بعد الإبادة الجماعية”، لصحيفة نيو لاينز إنه ردا على تصويت الجمعية العامة، شوهدت قوات الشرطة الخاصة للجمهورية الاشتراكية الصربية منتشرة حول سربرينيتسا في استعراض للقوة. وأضافت: “من الواضح جدًا أن المقصود من ذلك هو محاولة تخويف ومضايقة وإرهاب السكان المحليين فيما يتعلق بالتصويت في الأمم المتحدة”. وأضافت مويانوفيتش أن هناك “تصاعدا مثيرا للقلق في الهجمات” ضد البوشناق العائدين إلى منازلهم في الأجزاء الشمالية والشرقية التي يديرها الصرب من البوسنة والهرسك، بعد طردهم خلال الحرب. بشكل عام، تدهور الوضع اليومي لمجتمع البوشناق في أجزاء من جمهورية صرب البوسنة وتنتشر ثقافة الخوف حيث تصاعد خطاب دوديك وسياساته خلال العام ونصف العام الماضيين”.

بينما كانت زيارتنا للبوسنة والهرسك تقترب من نهايتها، حان الوقت أخيرًا لنشهد على سربرنيتسا. لقد ذهبت إلى أماكن أخرى حيث ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وحيث لم يتحقق سوى قدر ضئيل من العدالة والمصالحة، وحيث تظل هناك حقيقة مروعة غير معترف بها وتعتبر مجرد “رأي” اعتمادًا على “الجانب الذي تقف فيه” أو حقيقة مفادها أن لا أحد يجرؤ على النطق.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قمت بزيارة مدينة حماة السورية. حدث ذلك بعد سنوات قليلة من المذبحة الشائنة التي ارتكبها نظام الأسد سنة 1982 ضد انتفاضة محلية، مما أسفر عن مقتل جماعي لأكثر من 20 ألف شخص، بما في ذلك، كما هو معتاد في أعمال الإبادة الجماعية، عائلات بأكملها. وأكثر ما أذهلني في المكان، عندما كنت أسير في شوارعه، هو مدى حذر الناس ومدى ترددهم في استقبال شخص غريب وكيف اختلف سلوكهم المشبوه عن حسن الضيافة في أماكن أخرى من البلاد.

أتذكر أحد جوانب حماة التي كانت تقشعر لها الأبدان بشكل خاص: عندما وجدت نفسي أسير فوق تلة محاطة ببناء جديد نسبيًا. كان موقع المقبرة الجماعية حيث قام النظام بإلقاء جثث القتلى بعد القتل الجماعي، ثم غطاها بالتراب وقام ببناء موقف للسيارات. إن الصمت الذي أعقب ذلك، وغياب الاحتجاجات الدولية دون عواقب لمرتكبي الجرائم أو تحقيق العدالة للضحايا، كان معلقا بثقله في الهواء.

واليوم في سوريا، والعديد من البلدات في العراق ولبنان وأماكن أخرى في المنطقة، ناهيك عن الحرب المستمرة في غزة، أصبحت حماة مجرد واحدة من بين العديد من الأماكن الحزينة. وتساءلت: هل سيطارد هذا الشعور سريبرينيتسا أيضًا؟

كان من المستحيل تفويت زيارة النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا على جانب الطريق عند اقترابنا من المدينة، حيث يوجد أكثر من 6000 قبر محدّد، بما في ذلك عدد قليل من القبور الجديدة. ومع استمرار العثور على قبور غير مميزة في جميع أنحاء البلاد، يتم استخراج الرفات والتعرف عليها قبل إعادة دفنها في المقبرة التذكارية. وصادف أنه كان ثاني أيام عيد الفطر عندما وجدنا أنفسنا هناك أنا ورفيقي. ومن حولنا، كان هناك سيل مستمر من العائلات تتوافد لزيارة أحبائهم الموتى، كما هو معتاد في العيد عند العديد من المسلمين، لأنه كما هو الحال دائمًا، يكون الموت أصعب على الأحياء.

قطة تعبر النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا.

على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك مباني مهجورة كانت تؤوي قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة، حيث انكشفت بشكل مأساوي واحدة من إخفاقات المجتمع الدولي العديدة. في الساعات الأولى من يوم 6 تموز/ يوليو 1995، هاجمت القوات الصربية سريبرينيتسا وقوات حفظ السلام الهولندية (الكتيبة الهولندية) المتمركزة هناك كجزء من قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة.

خلال الأيام القليلة التالية، سقطت القرى المحيطة ببلدة سريبرينيتسا وموقع الأمم المتحدة في أيدي القوات الصربية، على الرغم من طلبات الكتيبة الهولندية المتكرّرة للحصول على الدعم من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي – وهو الدعم الذي لم يأتِ قط لأسباب لا تزال غير واضحة. ومع تشديد القوات الصربية حصارها للمنطقة، فرّ البوشناق سيرًا على الأقدام، وشقّوا طريقهم إلى مدينة سريبرينيتسا التي سقطت في أيدي الصرب في الحادي عشر من تموز/ يوليو من تلك السنة. ولم تخف القوات الصربية نواياها، ولا طبيعة الصراع طويل الأمد لهذا الصراع.

أعلن الجنرال الصربي البوسني راتكو ملاديتش لدى دخوله المدينة التي صنفتها الأمم المتحدة منطقة آمنة: “لقد حان الوقت للانتقام من الأتراك هنا”. وكان ملاديتش يشير إلى معركة كوسوفو، حيث هزم العثمانيون أميرًا صربيًا سنة 1389. تبع ذلك المزيد من النزوح. وشكّل الرجال والفتيان البوسنيون طابورًا وانطلقوا إلى الغابة، بهدف عبور الأراضي الصربية إلى الأراضي البوسنية والهرسك الآمنة. وبدأ نحو 30 ألف امرأة وطفل ومسن التحرك نحو مجمع الأمم المتحدة بحثًا عن ملاذ ومساعدات إنسانية.

حاول الجنود الهولنديون المساعدة فقاموا بفتح فتحة في سياج مجمعهم للسماح بدخول أكبر عدد ممكن من اللاجئين، وهو عدد لم يكن كثيرًا، نظرًا للمساحة المحدودة والمراحيض الفائضة وتضاؤل ​​الإمدادات الغذائية والطبية. لقد استمروا في طلب الدعم من المجتمع الدولي – عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية والغطاء الجوي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي لم يأتِ أبدًا. (مؤخرا اعتذرت الحكومة الهولندية للمحاربين القدامى في الكتيبة الهولندية، واعترفت بأنهم أُرسلوا في مهمة “ثبت في نهاية المطاف أنها مستحيلة التنفيذ”، مع خذلان العالم لضحايا الإبادة الجماعية في سربرينيتسا “بأبشع طريقة”.

وهناك لقطات لملاديتش وهو يخاطب اللاجئين، ويعدهم بعدم تعرض أي منهم للأذى لأنهم كانوا على وشك أن يتم نقلهم (قسرا) في حافلات خارج الأراضي الصربية – وهي الوعود التي لم يكن لديه أي نية للوفاء بها. واقترح أن يذهب النساء والأطفال أولاً، من أجل الفروسية، كما أشار ضمنًا. ولكن في الواقع، كان لديه خطط أخرى للرجال. بدأت حافلات الإخلاء في الوصول، ومع وقوف قوات حفظ السلام التابعة للكتيبة الهولندية، بدأ الصرب فصل الرجال والفتيان عن بقية اللاجئين. كما أسر الصرب الآلاف من الرجال والفتيان البوسنيين من الطابور الذي انطلق سيرًا على الأقدام إلى الغابة.

على امتداد الأيام القليلة التالية، أعدمت القوات الصربية بشكل منهجي وبدم بارد نحو 8000 رجل وصبي بوسني. لقد فعلوا ذلك في المروج والمزارع العسكرية وفي المباني المدرسية المهجورة وداخل المراكز الثقافية السابقة. وروى الناجون في وقت لاحق قصصهم المرعبة خلال شهاداتهم في لاهاي.

تمكنت أنا ورفيقي من دخول المجمّع المهجور تقريبًا، والمغلق أمام الجمهور، وسرنا عبر بعض مبانيه غير السليمة التي ظلت قائمة دون تغيير منذ الحرب. داخل أحد المستودعات، برزت حفرة مربعة داكنة مملوءة بالمياه في الأرضية الخرسانية الناعمة ولكن القذرة. كان هناك حيوان بحجم خنزير يطفو على سطحه، منتفخ وميت منذ فترة غير معروفة من الوقت. لقد بدا ذلك كناية مناسبة عن الفظائع التي شهدها هذا المكان، الفظائع التي عجزت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عن منعها.

أطلال مقر الكتيبة الهولندية في سريبرينيتسا.

بينما تستمر البوسنة والهرسك في مواجهة إنكار الإبادة الجماعية، والخلافة بين الفصائل، والتدخل الأجنبي المتزايد، ماذا يخبئ المستقبل؟ هل هي دولة فاشلة مثل بعض الدول التي كنت أعتبرها موطني ذات يوم؟ لقد طرحت هذا السؤال على بيتر ليبمان، مؤلّف كتاب “النجاة من السلام: النضال من أجل التعافي بعد الحرب في البوسنة والهرسك”. وأجاب قائلا: “الإجابة المختصرة هي أن البوسنة والهرسك هي شكل خاص من أشكال الدولة المختلة التي يحكمها ساسة محليّون فاسدون في ظل التمكين الكامل من المسؤولين الدوليين”. وأضاف ليبمان أن البلاد لا تزال “في شكل ما بعد الحرب ولم تتح لها الفرصة بعد لتكون دولة، لذلك لا يمكن أن تكون دولة فاشلة بالتعريف الكلاسيكي”.

ربما يعبر أحد المشاعر التي لاحظناها أنا ورفيقي أثناء التنزه عن المزاج العام السائد في البلاد. وجاء ذلك ردًا على تساؤل السائحين بصوت عالٍ، باللغة الإنجليزية، عما إذا كان بإمكانهم ركن سياراتهم بالقرب من بداية الطريق فأتى شرطي وقال “نعم، نعم، لا بأس” ثم تعطيه 10 قروش. وأكد لهم رجل محلي في منتصف العمر بضحكة مكتومة “هذه البوسنة. إنه الغرب المتوحش”. وكان ذلك أيضًا مألوفًا.

رشا العاص

موقع نون بوست




تصعيد غير مسبوق منذ الاستقلال.. ماذا يحدث في بنغلاديش؟

ارتفعت حصيلة الاحتجاجات التي تشهدها بنغلاديش منذ الأول من يوليو/تموز الجاري إلى 105 قتلى، فيما أصيب العشرات من الطلاب والمدنيين جراء المواجهات العنيفة مع رجال الشرطة، بحسب إحصاء وكالة “فرانس برس”، ما دفع الحكومة لفرض حظر تجوال كامل وقطع الإنترنت ونشر الجيش للمساعدة في استعادة الأمن.

واندلعت تلك الاحتجاجات تنديدًا بنظام المحاصصة في الوظائف الحكومية الذي يمنح أكثر من ثلث الوظائف تقريبًا لأبناء المحاربين القدامى في حرب الاستقلال، الأمر الذي اعتبره الطلاب مخلًا بمعايير العدالة ومهددًا لمستقبلهم الوظيفي، ما أسفر في النهاية عن مواجهات دامية بين الطلاب والمدنيين المعارضين لهذا النظام من جانب والشرطة والجيش وأنصار حزب “رابطة عوامي” من جانب آخر.

وتتصاعد حدة المواجهات بين الطلاب وقوات الأمن وأنصار الحزب الحاكم، بعد انضمام منتسبي الجامعات الحكومية والخاصة وفئات أخرى من المدنيين للاحتجاج، في أعقاب رفض رئيسة الحكومة الشيخة حسينة واجد الاستجابة لمطالب المحتجين بإنهاء نظام المحاصصة، وسط انفتاح المشهد على كل السيناريوهات.. فإلى أين تذهب الأمور في بنغلاديش؟

نظام المحاصصة.. ما القصة؟

– منذ تولي الشيخة حسينة، ابنة الشيخ مجيب الرحمن، الذي قاد استقلال بنغلادش عن باكستان 1971، رئاسة الحكومة عام 2009 اُقرّ نظام الحصص وجرى تخصيص ثلث الوظائف الحكومية تقريبًا لأبناء قدامى المحاربين في حرب التحرير ضد باكستان، وهو القانون الذي أثار غضبًا شعبيًا متزايدًا عامًا بعد الآخر.

– أول يناير/كانون الثاني 2018.. اضطرت الحكومة لإصدار تعميم يلغي نظام المحاصصة وتفضيل أبناء المحاربين، استجابة لمطالب ما عُرف بـ”حركة إصلاح الحصص”، حيث شهدت البلاد احتجاجات عارمة دفعت رئيسة الحكومة لإعادة النظر في هذا القانون.

– 6 يناير/كانون الثاني 2018.. أصدرت المحكمة العليا في بنغلاديش قرارًا يشير إلى أن التعميم الحكومي الصادر في أول يناير/كانون الثاني بإلغاء الحصص للمقاتلين من أجل الحرية وأحفادهم كان غير قانوني، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات جديدة تنديدًا بهذا الحكم، لكن أجهزة الأمن تعاملت معها بقوة، ما أدى إلى تجميد الفعاليات الشعبية حتى إشعار آخر.

– يونيو/حزيران 2024.. بدأت الدعوات على منصات التواصل الاجتماعي تتصاعد لإحياء الاحتجاجات مرة أخرى بعدما ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب، حيث كانت البداية بالعاصمة دكا، لكن سرعان ما تراجع زخم تلك الاحتجاجات بسبب عيد الأضحى والعطلة الصيفية.

– أول يوليو/تموز 2024.. عادت الاحتجاجات للشارع مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل أعنف وأكثر زخمًا، حيث شارك فيها العديد من الجامعات الحكومية والخاصة وعدد من المدارس والجهات الحكومية، تزامن ذلك مع تحرك قانوني لإلغاء حكم المحكمة العليا.

– 10 يوليو/تموز 2024.. أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا بتأييد حكم المحكمة العليا وإبقاء الوضع على ما هو عليه، ما تسبب في إشعال الموقف وزيادة الغضب الشعبي وانضمام فئات جديدة للاحتجاجات التي عمت الكثير من مدن الدولة.

– 14 يوليو/تموز 2024.. أصدرت رئيسة الوزراء، الشيخة حسينة واجد، بيانًا هددت فيه المتسببين في عمليات القتل والنهب وأعمال العنف بالملاحقة والحساب، دون أن تحدد هوية المقصود بهذا الوعيد، بل شبهت المشاركين في تلك الاحتجاجات بالخونة الذين قدموا المساعدات للجيش الباكستاني خلال حربه مع بنغلاديش عام 1971، ما أدى إلى زيادة درجة حرارة المشهد الذي وصل إلى الغليان، وفي النهاية سقط 105 قتلى وأصيب المئات من المدنيين ورجال الشرطة.

تعزيز سلطة حسينة

تهدف تلك الاحتجاجات التي اندلعت والمستمرة لقرابة 6 سنوات، منذ 2018 وحتى اليوم، وإن تأرجحت بين الصعود والخفوت، إلى إنهاء نظام المحاصصة، واعتماد نظام جديد يجعل التعيين في الوظائف الحكومية على أساس الكفاءة والجدارة وأن يُمنح الجميع الفرص المتساوية في الالتحاق بتلك الوظائف التي باتت حلمًا لمعظم الشباب في ظل تزايد معدلات البطالة خلال الآونة الأخيرة.

المعارضون يرون أن هذا النظام يخدم رغبة الشيخة حسينة التي تحكم البلاد منذ 2009 في فرض سيطرتها الكاملة على الدولة وعسكرتها بشكل ممنهج، وتوظيف كل المؤسسات لتعزيز قبضتها على السلطة من خلال تعيين الموالين لها في الوظائف الحكومية، فيما يتهمها حقوقيون بالرغبة في القضاء على كل المعارضة لتعزيز سلطتها.

الخبير في شؤون بنغلادش في جامعة أوسلو، مبشر حسن، يقول في حديث لوكالة “فرانس برس”، إن المتظاهرين “يحتجون على الطبيعة القمعية للدولة، ويشككون في قيادة حسينة ويتهمونها بالتمسك بالسلطة عنوة”، فيما يصف أستاذ السياسة في جامعة إلينوي علي رياض تلك الاحتجاجات بأنها “فورة السخط الكامن بين الشباب الذي تراكم على مر السنين بسبب حرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والسياسية”، وتابع: “أصبحت حصص التوظيف رمزًا لنظام مزيف”.

وقد شهدت معدلات البطالة ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأعوام الثلاث الأخيرة مقارنة بما كانت عليه قبل ذلك، حيث هناك أكثر من 32 مليون شاب عاطل عن العمل (من إجمالي 170 مليون نسمة عدد السكان الكلي) بخلاف عمل شريحة ليست بالقليلة في وظائف لا تلبي الحد الأدنى من مقومات الحياة، بحسب وكالة “رويترز”.

طفرة اقتصادية ولكن..

شغلت الشيخة حسينة منصب رئيسة وزراء بنغلاديش 5 فترات (الأطول حكمًا كرئيس وزراء في العالم)، الأولى كانت ولاية واحدة من 1996 – 2001 قبل أن يُمنى حزبها “رابطة عوامي” بهزيمة في انتخابات 2001 بعد فوزه بـ60 مقعدًا فقط في مجلس النواب مقابل 200 مقعد لغريمه الحزب الوطني البنغالي، ثم 4 فترات متتالية منذ عام 2009 إلى عام 2024.

حققت حسينة خلال فترة حكمها  طفرة هائلة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي تحديدًا، تفوقت بها على نمور آسيا، حيث تراجعت معدلات الفقر من 31.5% إلى 20.5%، كما ارتفع متوسط نمو الناتج المحلي السنوي الإجمالي في المتوسط بنسبة 7% ووصل إلى ذروته عام 2021 حين وصل إلى 8%، وأصبحت بنغلاديش من بين أسرع 5 اقتصادات نموًا في العالم، كما احتلت المرتبة 41 من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

ويرجع البعض تلك الطفرة إلى اهتمام حسينة وحكوماتها بالتعليم والمرأة، حيث وصل عدد الأطفال الذين أكملوا تعليمهم الابتدائي إلى 98% مقارنة بـ30% أوائل الثمانينيات، كما شهدت المرأة في عصرها تقدمًا ملحوظًا، حيث تفوقت على الرجل في نسب التعليم ومحو الأمية، لتتحول المرأة البنغالية من أكثر نساء العالم فقرًا إلى رائدات أعمال كان لهن دورهن الملموس في نهضة البلاد.

كما أوكل للمرأة هناك بإدارة مصانع الملابس، لتتحول بنغلاديش إلى أكبر مصدر للملابس في العالم بعد الصين، بخلاف دورهن الواضح في المنظمات الخيرية والإنسانية ومساعدتهن في حملات تطعيم الأطفال والترويج للمراحيض وتعليم القرويين والحد من زواج الأطفال.

لكن في المقابل، كانت القبضة الأمنية الوجه القبيح لتلك التجربة، حيث اتُهمت رئيسة الحكومة طيلة فترات حكمها الممتدة لقرابة 20 عامًا بتزوير الانتخابات وقمع المعارضة وتعزيز هيمنتها على الساحة، ما دفع المعارضة لإعلان انسحابها من الانتخابات أكثر من مرة.

وفي الانتخابات العامة التي جرت في يناير/كانون الثاني 2024 التي بموجبها بدأت حسينة ولايتها الخامسة كرئيسة للحكومة، اتهمها الحزب الوطني البنغالي المعارض باستهداف أنصاره، لافتًا إلى أنه خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى بداية الانتخابات اعتُقل أكثر من 20 ألف من قادة الحزب وأعضائه وأنصاره، من أجل التمهيد لحسم الماراثون لصالحها مبكرًا دون منافسة.

وخلال السنوات الأخيرة ومنذ جائحة كورونا وما شهده العالم من أزمات اقتصادية طاحنة، تعرضت بنغلاديش لهزات قاسية، ساهمت في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع المستوى المعيشي وانخفاض معدلات النمو، الأمر الذي أثار غضب الشارع لا سيما أن الحكومة بدأت في محاباة أنصار رئيسة الوزراء وتعيينهم ومنحهم الامتيازات المعيشية، ما أجج مشاعر الاحتقان والتمييز لدى عامة الشعب الذي انتفض مطالبًا بالعدالة وتوحيد المعايير.

المشهد مفتوح على السيناريوهات كافة

وصلت الاحتجاجات هذه المرة إلى مستويات غير مسبوقة طيلة السنوات الـ6 الماضية، منذ اندلاعها تنديدًا بنظام المحاصصة عام 2018، حيث غلق الطرق واقتحام السجون وتهريب نزلائها وإحراق عدد من المقار الأمنية والإعلامية والصدام العنيف مع الشرطة، الأمر الذي ينذر باحتراب أهلي، خاصة بعد نزول أنصار الحزب الحاكم للشارع والصدام مع المعارضين.

وأمام هذا المشهد الملتهب هناك 3 سيناريوهات محورية أمام الشيخة حسينة للتعامل مع تلك الاحتجاجات المتصاعدة، لا سيما بعد إصرار المحتجين على الاستمرار في فعالياتهم حتى تحقيق مطالبهم:

الأول: الاستجابة لمطالب المحتجين وإلغاء نظام المحاصصة، وهنا قد تفقد رئيسة الوزراء جزءًا من حاضنتها الشعبية المتمثلة في القاعدة الجماهيرية لحزب “رابطة عوامي” الحاكم، كونه المستفيد الأول من هذا النظام الذي يلبي طموحات أبنائه وأحفاده في التوظيف الحكومي الذي تحول إلى حلم للجميع في السنوات الأخيرة.

الثاني: الاستمرار في العناد ورفض مطالب المحتجين، الأمر الذي قد ينذر بمزيد من التصعيد خاصة بعد سقوط 105 قتلى وأضعافهم من المصابين، وهو التصعيد الذي من المتوقع أن يُدخل البلاد في نفق من الدماء والأشلاء ويضع المجتمع على حافة حرب أهلية، المعارضون المؤججون برغبات الثأر لإخوانهم من جانب، وأنصار الحزب الحاكم والمؤسسة الأمنية بشقيها، الشرطي والعسكري، المدافعون عن مكاسبهم، من جانب آخر.

الثالث: مسك العصا من المنتصف، وامتصاص غضب الثائرين، من خلال عدة خطوات منها اعتذار الشيخة حسينة للمحتجين عن سقوط قتلى، والتعهد بملاحقة المتورطين ومحاسبتهم، واستمالتهم من خلال التعهد بإعادة النظر في نظام المحاصصة، بما يلبي طموحات المعارضين، كأن يتم تخفيض نسبة الوظائف، أو أن تكون هناك ضوابط وشروط أكثر تعقيدًا، تحقيقًا لمبدأ تكافؤ الفرص وترسيخ العدالة بين الجميع.

وفي الأخير فإن المشهد الراهن في بنغلاديش وحالة الفوضى التي تخيم على الأجواء تفتح الباب على مصراعيه أمام السيناريوهات كافة، فهل تنجح الشيخ حسينة في استدعاء إرث أبيها، مؤسس بنغلاديش ورئيسها السابق، الشيخ مجيب الرحمن، لتبريد نار الاحتجاجات بمناهضتها للظلم الذي عانت منه سابقًا، ونصرتها للعدالة المنشودة، أم سيقودها طموحها اللامتناهي واستبدادها إلى إدخال البلاد في نفق من الصعب التكهن بمآلاته؟

عماد عنان

موقع نون بوست




مفاوضات حماس وإسرائيل: المسار والمحددات والمآلات

تراجع الورقة المسار التفاوضي بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وترى أن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تعتبر العملية التفاوضية أداةً لكسب الوقت للاستمرار في حرب لا تملك أية رؤية واضحة لها، ولا تعدو المفاوضات أكثر من أداة لاحتواء الشارع الإسرائيلي واحتجاجاته، ولإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تريد على الأقل استمرار العملية التفاوضية ولو لم تصل لنتيجة.


مقدمة

بعد مضي شهر ونصف تقريبًا من بدء إسرائيل حربها على قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها كتائب عز الدين القسام، نجحت جهود الوساطة في الوصول بحركة حماس وإسرائيل إلى هدنة إنسانية بدأت في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أدت إلى الإفراج عن جزء من الأسرى الموجودين لدى الفصائل الفلسطينية مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطييين من سجون الاحتلال، على أن يترافق ذلك مع دخول شاحنات المساعدات(1). كان المأمول فلسطينيًّا، وكذلك من قبل الوسطاء، أن تسمح هذه الهدنة بمفاوضات أكثر فاعلية من أجل إنهاء الحرب من خلال عمليات تمديد متتالية للهدنة، بيد أن إسرائيل كانت لها رؤيتها المختلفة؛ إذ استأنفت القتال بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سبقه حديث واضح حول المصادقة على خطط التوغل البري(2).

استمرت الحرب، وبدأت إسرائيل تشهد تباينًا داخليًّا، ولم تنجح الحرب في طمس الخلافات الداخلية سوى لأسابيع قليلة، إضافة إلى بدء تآكل المظلة الدولية التي تمتعت بها إسرائيل في بدايات الحرب. وبالرغم مما أحدثته إسرائيل من دمار واسع وإبادة جماعية وتهجير إلا أنها لم تكن قادرة على المحاججة بتحقيق إنجازات مرتبطة بهدفيها المعلنين: القضاء على حماس واستعادة الأسرى، وهو ما فاقم من أزمة الحكومة الإسرائيلية التي وجدت نفسها أمام تنامي الحراك الشعبي الإسرائيلي المطالب بتبديل أولويات مجلس الحرب، في ظل إخفاق الجيش في استعادتهم عسكريًّا، وأمام تحرك دولي لمقاضاة إسرائيل وقادتها أمام المحاكم الدولية. بالإضافة إلى التغيرات التي حدثت في الخطاب الأميركي تجاه الحرب خصوصًا بعض الاحتجاجات الشعبية في أميركا، إلى جانب تحولات في مواقف دول غربية أخرى، بالتزامن مع تعاظم الخسائر البشرية والاقتصادية الإسرائيلية مع كل يوم تستمر فيه الحرب.

على هذه الأرضية من المتغيرات؛ اضطرت حكومة نتنياهو للتعامل مع أطروحات الوسطاء بشأن بدء المفاوضات، في الوقت الذي كانت فيه حركة حماس مستعدة لذات الأمر، لوقف المأساة التي يعيشها أهالي قطاع غزة أولًا، ولتحقيق مطالبها الأخرى المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وفك الحصار وتبادل الأسرى. 

من الهدنة إلى محاولات إنهاء الحرب: مسار متعثر

شهد منتصف يناير/كانون الثاني 2024 بداية النقاشات الإسرائيلية حول إمكانية المشاركة في مفاوضات باريس التي كانت تهدف إلى عقد صفقة جديدة، وقد استطاع نتنياهو المماطلة لمدة عشرة أيام قبل أن يسمح للوفد الإسرائيلي المفاوض بالذهاب إلى باريس؛ حيث انعقدت المباحثات ما بين 28-31 يناير/كانون الثاني، وعاد رئيس الموساد في حينها بتقدم ملموس، بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سارع إلى إعلان عدة تصريحات مفادها أن الفجوة كبيرة بين الطرفين(3).

جاء رد حركة حماس في السادس من فبراير/شباط تفصيليًّا على إطار باريس؛ إذ اقترحت صفقة من مراحل ثلاث، تنص على تبادل للأسرى ووقف للحرب وانسحاب للاحتلال وعودة النازحين وإعادة الإعمار وفك الحصار(4). ويُستشف من هذا الإطار المعدل أن تركيز حركة حماس كان ينصب بالدرجة الأولى على المعالجة السريعة للأزمة الإنسانية المتفاقمة، وضمان وقف الحرب، لاسيما أن لديها قناعة بأن إسرائيل تريد هدنة مؤقتة لاستعادة جزء من “أسراها”، وتستمر لاحقًا في عملياتها العسكرية، لذلك اقترحت حماس أن يكون هناك ضامنون للاتفاق، هم: مصر وقطر وتركيا وروسيا والأمم المتحدة.

أرسلت إسرائيل وفدها إلى القاهرة، في 13 فبراير/شباط، لاستكمال المباحثات مع عضو جديد في الوفد هو أوفير فيلك، المستشار الشخصي لنتنياهو، الأمر الذي عكس حينها أن الأخير لا يريد لرئيسي الموساد والشاباك أن ينفردا بالاطلاع على مجريات العملية التفاوضية، ويريد أن يحجِّم من صلاحياتهما، وهو ما تأكد حين قلَّص نتنياهو صلاحيات الوفد الذي اتجه إلى باريس في 23 فبراير/شباط، ليكون وفدًا منزوع الصلاحيات إلا من الاستماع ونقل مواقف الحكومة، وهو ما أفشل مباحاثات باريس الثانية.

وخلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان، مارَسَ الوسطاء كثيرًا من الجهد لإعادة المفاوضات إلى مسارها، لكن نتنياهو استمر في ذات النهج المعرقل للمفاوضات، حتى بعد رد حركة حماس الإيجابي على المقترح المصري(5)، قام نتنياهو بالدفع نحو اجتياح رفح وهو ما أدى إلى انهيار المفاوضات، إلى أن أقدم جو بايدن على تقديم مقترح جديد، في 31  مايو/أيار 2024، مؤكدًا أنه مقترح إسرائيلي(6)، إلا أن نتنياهو تنصل منه أكثر من مرة تلميحًا أو تصريحًا في ظل حالة تعامٍ للولايات المتحدة التي ما زالت تؤكد التزام إسرائيل بالمقترح. لكن وبعد انهيار المباحثات أكثر من مرة بدأت منطلقات إسرائيل التفاوضية تتكشف بوضوح، بأنها تخالف منطلقات الفلسطينين والوسطاء المصريين والقطريين، وبشكل ما الأميركيين.

منطلقات إسرائيل التفاوضية ومحددات موقفها  

بالرغم من الخلافات الواسعة في إسرائيل والآخذة في التعمق، فإن الذي يتحكم حتى هذه اللحظة في العملية التفاوضية من الطرف الإسرائيلي هو رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، فأعضاء مجلس الحرب قبل حله وقبل انسحاب المعسكر الصهيوني، لم يستطيعوا إقناع نتنياهو بالمضي قدمًا في العملية التفاوضية؛ إذ بدا أنهم مقتنعون بعدم إمكانية استعادة الأسرى لدى حركة حماس دون صفقة، وتحديدًا بيني غانتس وغادي آزيزنكوت؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور هذه الخلافات بشكل علني والتلويح بالانسحاب من مجلس الحرب إلى أن تم ذلك فعلًا بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2024(7).

تتمثل منطلقات نتنياهو في المفاوضات في استخدامها مسارًا متداخلًا مع العملية العسكرية، وليست مسارًا موازيًا قد يشكل بديلًا عن الحرب بما ينهيها، فأصبحت العملية التفاوضية في يد نتنياهو أداة لضمان الحد الأدنى من العوامل المشكِّلة للبيئة السياسية الداخلية والخارجية لاستكمال العمليات العسكرية وإطالة أمدها، ومواجهة التحديات، وذلك على النحو التالي:

داخليًّا: تنامي حراك الشارع الإسرائيلي المحتج ضد حكومة نتنياهو والمطالب بداية بتعديل أولويات مجلس الحرب في حينها لتصبح إعادة الأسرى مقدمة على القضاء على حركة حماس، ثم المطالبة بإسقاط الحكومة التي تمثل عقبة في طريق الصفقة مؤخرًا، شكَّل تحديًا حقيقيًّا لنتنياهو. وقد زاد من خطورة هذا التحدي تفاقم خسائر إسرائيل البشرية والاقتصادية والإعلامية(8)، والتي تتضخم مع كل يوم تستمر فيه الحرب على قطاع غزة؛ الأمر الذي انعكس على الرأي العام الإسرائيلي؛ إذ بدأت استطلاعات الرأي تشير إلى تحولات مهمة في مواقف الإسرائيليين تجاه الحرب، لتكون الأغلبية مع إنهاء الحرب والذهاب إلى صفقة(9).

كما أثار انسحاب المعسكر الصهيوني من الحكومة والعودة إلى الشارع تخوفات نتنياهو بإمكانية قيادة بني غانتس للشارع المحتج؛ وهو الأمر الذي لم يحدث فعليًّا بعد، بيد أن انسحاب المعسكر الصهيوني أفقد نتنياهو فكرة الإجماع الإسرائيلي بكل الأحوال، وأفقده القدرة على الادعاء بوحدة القرار. ومما زاد الضغوط على نتنياهو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تفصح للجمهور والإعلام عن عدم القدرة على تحقيق النصر المطلق، وتحاول الدفع باتجاه إتمام الصفقة.

هذه العوامل مجتمعة دفعت نتنياهو إلى الإبقاء على باب المفاوضات مفتوحًا وعدم إغلاقه نهائيًّا لكن دون السماح بالوصول إلى مخرجات من هذه العملية التفاوضية، وهو بذلك كان، وما زال، يستخدم المفاوضات أداة من أدوات ضبط المشهد الداخلي الإسرائيلي، واحتواء حركة الشارع قدر الإمكان، والإبقاء عليه في حالة ترقب دائم. وقد استطاع نتنياهو أن يبقي المجتمع الإسرائيلي في تلك الدائرة؛ حيث تستمر العملية التفاوضية لتخفف من حدة الاحتجاجات الشعبية والرسمية، لكنها لا تصل إلى نتيجة ليبقى تحالف اليمين مستقرًّا في ظل وضوح موقف شريكيه، بن غفير وسموتريتش، الرافضَين لأي اتفاق مع حركة حماس وهو موقف لا يتعارض مع رؤيته أيضًا.

خارجيًّا: حظيت إسرائيل بدعم دولي غربي كبير وغير مشروط بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد تمثل بالتضامن الإعلامي والإسناد الدبلوماسي والمدد العسكري والشراكة الاستخباراتية وبكثير من أوجه الدعم إلى الدرجة التي دفعت نتنياهو بعد حجيج قادة العالم الغربي إلى تل أبيب، لأن يصور حربه على غزة على أنها حرب “العالم المتحضر”، وأن إسرائيل رأس حربة هذا الأخير على “العالم الظلامي” ونموذجه حماس، وقد مدَّه هؤلاء القادة بما يكفي لتوهم تلك الحالة، من بايدن إلى سوناك وماكرون، وبدأ بدعوة ما أسماه العالم المتحضر لمحاربة ما اعتبرهم “قوى الهمجية”(10).

لكن سرعان ما تهاوت هذه الحالة نتيجة لعدة عوامل، منها:

  • انكشاف زيف المزاعم الإسرائيلية حول كثير مما جرى يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول بعد تحقيقات إعلامية، بعضها إسرائيلي مثل تحقيق هآرتس(11).
  • شدة العمليات والقصف الإسرائيلي الذي استهدف كل البنى المدنية في القطاع من مستشفيات ومدارس وبيوت مخلفات عشرات آلاف الشهداء والجرحى والنازحين.
  • التصريحات الإسرائيلية الداعية للإبادة الجماعية والتطهير العرقي، في مقابل ظهور صور وشهادات حول التعامل الإنساني مع الأسرى الإسرائيليين الذين وقعوا في قبضة الفصائل الفلسطينية.

هذه العوامل أسهمت في خلق تحولات مهمة على مستوى الرأي العام الغربي لتصبح حركة احتجاجية عالمية ضد الحرب، بالإضافة إلى مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية وقادتها في الجنائية الدولية. دفعت هذه التحولات بعض الدول لاتخاذ خطوات متقدمة في دعم الفلسطييين مثل اعتراف إسبانيا والنرويج وإيرلندا بالدولة الفلسطينية(12)، ودفعت بأخرى نحو تعديل مواقفها أو خطابها على أقل تقدير؛ إذ باتت دول مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تدعم علنًا، ضرورة التوصل لاتفاق يفضي إلى هدوء مستدام، وهو ما جعل حكومة نتنياهو في مواجهة مع إدارة بايدن، فأصبح إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا جزءًا من آليات إدارة العلاقة بين نتنياهو والإدارة الأميركية دون أن تفضي بالضرورة إلى اتفاق ناجز. ويبدو أن إدارة بايدن قد قبلت بهذه المعادلة التي تحفظ لها إمكانية الادعاء أمام رافضي الحرب أميركيًّا بأنها تبذل جهدًا لإنجاز صفقة، فيما تُبقي على دعمها في شتى المجالات لإسرائيل، لذلك لم تتخذ خطوات فعلية للضغط على نتنياهو للانتقال من التعامل مع المفاوضات كجزء من إدارة الحرب إلى إنهائها.

وقد استخدم نتنياهو من أجل هذه الغاية عدة أدوات لإفراغ المفاوضات من مضمونها، منها المماطلة في إرسال الوفد المفاوض، ومن ثم تقييد صلاحيات الوفد، بل وسحب الصلاحيات تقريبًا والاكتفاء بنقل الرسائل من وإلى الوسطاء، إلى جانب تكثيف وتوسيع استهداف المدنيين الفلسطيين مع كل حديث عن إمكانية تحقيق تقدم في العملية التفاوضية. وكانت آخر أدوات نتنياهو في هذا الصدد، التراجع عمليًّا عن البنود الواردة في مقترح جو بايدن -قُدم على أنه مقترح إسرائيلي- وإصراره على رفض الانسحاب من معبر رفح ومحور فيلادلفيا وبالتالي الحؤول دون الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.

منطلقات حماس التفاوضية ومحددات موقفها

أبدت حركة حماس استعدادها للتفاوض بشكل غير مباشر مع الإسرائيليين استجابة لطرح الوسطاء، وقد بدا واضحًا أنها غيَّرت من استراتيجيتها التفاوضية بعد تجربة الهدنة الإنسانية الأولى؛ إذ تبين لها حقيقة السعي الإسرائيلي لتوظيف المفاوضات كي توفر للحكومة هامشًا أوسع للتحرك السياسي والعسكري، وعدم الاستعداد لإنهاء الحرب. وقد دأبت الحركة على تسخير العمليات العسكرية التي يقوم بها جناحها العسكري، كتائب القسام، لخدمة العملية التفاوضية وليس العكس، وذلك من أجل تحسين شروط التفاوض للوصول إلى اتفاقٍ يُتوج بوقف نهائي للحرب، وانسحاب كاملٍ لقوات الاحتلال وإعادة الإعمار وفك للحصار وإطلاق سراح الأسرى، بيد أن هذه الغايات كانت، وما زالت، تصطدم بالعوامل التالية:

أولًا: التكلفة الباهظة للحرب والناجمة عن استهدف إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين، فأعداد الضحايا من شهداء وجرحى ونازحين تجعل المفاوض الفلسطيني تحت ضغط الحاجة الملحَّة لوقف هذا النزيف. وهو الأمر الذي يفسر أن أكثر المواضيع حساسية للمفاوض الفلسطيني هي مسألة ضمان عدم استئناف القتال في القطاع.

ثانيًا: مستوى التضامن الشعبي العربي والإسلامي لا يكاد يُذكر مما يجعله عاملًا غير مؤثر على توجهات الدول العربية نحو غزة، أو أن تدفع باتجاه دور مختلف للولايات المتحدة كحلفاء لها في هذه المنطقة.

ثالثًا: فتور التفاعل الفلسطيني الداخلي مع ما يجري في قطاع غزة على المستوى الشعبي، وذلك بالمقارنة مع أحداث عام 2021، حين التحمت الضفة الغربية بما فيها القدس مع قطاع غزة والداخل الفلسطيني والشتات في مشهد مغاير تمامًا لما يجري اليوم. وبالرغم من وجود تفسيرات كثيرة لهذا المشهد يمكن اختصاره بخطوات إسرائيل الاستباقية والقمعية لأي تحرك شعبي أو عسكري، إلا أن هذا لا يغير من حقيقة تأثر المفاوض الفلسطيني سلبيًّا بفتور هذه الساحات.

لكن رغم هذه العوامل؛ بقيت حركة حماس قادرة على التماسك في العملية التفاوضية وفرض شروطها، وتقديم المرونة فيما هو غير جوهري، وذلك بالاستناد على صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة رغم كل ما حل به، وبقاء القدرة على الفعل العسكري للفصائل الفلسطينية في القطاع بعد أشهر من الحرب، ووجود جبهات أخرى مفتوحة أهمها الجبهة اللبنانية، وتحولات الرأي العام الغربي، والملاحقة القضائية لإسرائيل، وتغذية الخلافات الإسرائيلية الداخلية عبر ضخ مواد إعلامية مرتبطة بحال الأسرى لدى الفصائل الفلسطينية.

خاتمة

يمكن القول، في ظل ثبات العوامل الحالية وعدم حصول أي تغيير جوهري فيها: إن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تسير في ذات النهج القائم على اعتبار العملية التفاوضية أداةً لكسب مزيد من الوقت للاستمرار في عملية عسكرية دون رؤية واضحة، وبذلك لا تغدو المفاوضات أكثر من أداة لاحتواء الشارع الإسرائيلي كي لا يتجاوز حد الاحتجاجات التي يقوم بها منذ أشهر، وأداة لإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تريد أيضًا استمرار العملية التفاوضية. كما أن نتنياهو لا يريد الآن تقديم صفقة ناجزة بوقف إطلاق النار فتسعف بايدن في حملته الانتخابية. وبالمقابل، فإن الاستثمار في المماطلة التفاوضية هو استثمار في العلاقة مع الجمهوريين.

أما موقف الفصائل الفلسطينية فيما يتعلق بوقف إطلاق النار الدائم، ليس من المتوقع أن يتغير، قد تبدي مرونة في المفردات المستخدمة، كأن لا يُذكر (وقف إطلاق النار الدائم) بشكل حرفي لتمريره من قبل الحكومة اليمينية، لكن مع وجود ضمانات بالانتقال من مرحلة إلى أخرى في الصفقة دون استئناف القتال، وهو ما يجري العمل عليه حاليًّا. كما لن توقِّع حماس على اتفاق لا ينص على الانسحاب من القطاع، فبقاء الحال على ما هو عليه رغم كل ما يحمله من أذى على الفلسطينيين في القطاع، أقل ضررًا من عودة الحرب بعد المرحلة الأولى من صفقة توافق عليها حماس.

من الممكن أن تتغير الحالة التفاوضية الراهنة إذا ما اجتمعت جملة من العوامل الموجودة مسبقًا لكن بشكل مختلف. مثل أن تتزايد حالة المكاشفة على المستويات الرسمية الإسرائيلية، نتيجة لتطورات الميدان وعدم القدرة على تحقيق هدفي الحرب، استعادة الأسرى وإنهاء حماس، وبذلك تتجه المؤسسة الأمنية إلى الكشف عن الكثير من المعلومات أو التصريحات التي تهدف إلى إخلاء مسؤوليتها عن مصير الأسرى تحسبًا لأي مساءلة ومحاسبة لاحقة.

أن تزداد عوامل تغذية الشارع المحتج بمحفزات كافية لنقل الاحتجاج إلى مستوى مختلف، كمًّا ونوعًا؛ فمن الأول أن تصبح الأرقام التي تظهرها استطلاعات الرأي ممثلة في الحركة الاحتجاجية، ومن حيث النوع أن ينتقل الشارع المعارض من المسيرات والاعتصامات إلى الإضرابات المفتوحة؛ ما قد يشكِّل ضغطًا من الممكن أن يدفع نتنياهو أو حزب الليكود إلى إعادة تقييم السلوك السياسي والعسكري والقبول بصفقة تنهي الحرب. وفي مثل هذا السيناريو قد يكون نتنياهو أعدَّ أدوات الحفاظ على ائتلافه القائم رغم كل تهديدات سموتريتش وبن غفير.

بلال الشوبكي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1-    “Cease-fire Set to Begin at 7 A.M.; 13 Women and Children to Be Released in Afternoon”, Haaretz, November 23, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.haaretz.com/israel-news/2023-11-23/ty-article-live/israel-n…

2-“Israel strikes Gaza after truce expires”, Al Jazeera, December 1, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.aljazeera.com/gallery/2023/12/1/israel-strikes-gaza-after-t…

3-    Ethan Bronner and Galit Altstein, “Netanyahu Says Big Gaps Remain in New Hostage Negotiations “January 29, 2024, “accessed July 13, 2024.  https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-01-29/netanyahu-says-big-g…

4-    “Full Text of Hamas Response to Ceasefire Proposal”, Palestine Chronicle, Febreuary 7, 2024. “accessed July 13, 2024”. 

https://www.palestinechronicle.com/our-conditions-full-text-of-hamas-re…

5-    “Hamas accepts Qatari-Egyptian proposal for Gaza ceasefire”, Al Jazeera,  6 May 2024, “accessed July 13, 2024”.

6-  Karen DeYoung, “Biden announces new cease-fire plan for Gaza”, May 31, 2024,  “accessed July 13, 2024”. https://www.washingtonpost.com/national-security/2024/05/31/biden-israe…

7-    Adam Rasgon, “Benny Gantz Quits Israel’s Emergency Government in Dispute Over Gaza”, The New York Times,  June 9, 2024, “accessed July 13, 2024”. https://www.nytimes.com/live/2024/06/09/world/israel-gaza-war-hamas

8-    Rabia Ali, “200 days of war on Gaza: ‘Israel has already lost strategically and operationally’” Anadolu Agency, April 24, 2024,“accessed July 14, 2024”.  https://www.aa.com.tr/en/middle-east/200-days-of-war-on-gaza-israel-has…

9-    Sam Sokol, “Poll: Majority of Israelis support prioritizing hostage deal over Rafah operation” The Times of Israel, May 7, 2024, “accessed July 14, 2024”, https://www.timesofisrael.com/poll-majority-of-israelis-support-priorit…

10-    David Isaac, “Netanyahu calls civilized world to arms against ‘forces of barbarism’”, JNS,  October 30, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.jns.org/netanyahu-calls-civilized-world-to-arms-against-for…

11-    Liza Rozovsky, “Families of Israelis Killed in Be’eri Home Hit by IDF Tank on October 7 Demand Probe”, Haaretz, Jan 6, 2024, “accessed July 14, 2024”. https://tinyurl.com/3a29pezp

12-    Joshua Askew & Mared Gwyn Jones, “Spain, Ireland and Norway announce they will recognise the State of Palestine”, Euro News, May 22, 2024, “accessed July 14, 2024”. https://www.euronews.com/2024/05/22/ireland-and-spain-poised-to-recogni…
 




التحول الطاقي في شمال إفريقيا: محور جديد للتنافس الجيوسياسي

تعالج هذه الورقة إشكالات بروز شمال إفريقيا ساحة محورية في معادلة التحول العالمي في مجال الطاقة؛ حيث أصبحت هذه المنطقة ساحة معركة للمصالح المتنافسة الساعية للوصول إلى الموارد الوفيرة في المنطقة من الغاز الطبيعي إلى مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.


أصبح التركيز على الانتقال إلى أنظمة طاقة أكثر استدامة أولوية متزايدة لدى دول شمال إفريقيا، بالنظر الى أن التحول العالمي الجاري في مجال الطاقة، يمكن أن يتيح فرصًا جديدة حقيقية لم تكن متاحة من قبل.

فالبلدان الخمسة التي تمتد عبر شمال إفريقيا لديها ظروف مختلفة بشكل كبير تؤثر على مسارات تحولات الطاقة. حيث تضم كبار منتجي ومصدِّري الهيدروكربونات (الجزائر ومصر وليبيا)، فضلًا عن البلدان التي تعتمد على الواردات لتلبية الطلب المحلي (المغرب وتونس)، كما تختلف الدوافع الاقتصادية والسياسية لكل واحد منها اختلافًا كبيرًا.

إن معظم هذه الدول صاغ بالفعل إستراتيجيات وتعهدات بزيادة إنتاج الطاقات المتجددة، وخفض انبعاثات الكربون وزيادة كفاءة الطاقة. وفي حين أن هذه الالتزامات ستفيد البيئة إذا تم الوفاء بها تبقى أهداف هذا التحول مدفوعة إلى حدٍّ كبير بالحوافز الاقتصادية المتعلقة بالاحتياجات المحلية وأسواق الطاقة العالمية؛ إذ إن هناك إمكانية كبيرة لبلدان المنطقة لأخذ زمام المبادرة لتصبح منتجة إقليمية للمواد اللازمة لهذا التحول.

بالإضافة لذلك، فإن التحول الطاقي لدى حكومات شمال إفريقيا يمكن أن يُنظر إليه كفرصة لتحقيق مكتسبات على المستوى الجيوسياسي على الصعيدين، الإقليمي والدولي.

انطلاقًا من هذه المعطيات، إلى أي مدى يشكل الانتقال نحو الطاقات النظيفة امتدادًا طبيعيًّا لدينامية التنافس الموجودة بين دول شمال إفريقيا؟ وما مظاهر استخدام دول شمال إفريقيا التحول الطاقي كأداة جيواقتصادية وجيوسياسية بهدف ربط شراكات وكسب النفوذ على الصعيدين، الإقليمي والدولي؟ وهل سيكون لذلك انعكاسات على العلاقات بين هذه الدول مستقبلًا؟

أولًا: أهداف وإستراتيجيات طموح

تعد دول شمال إفريقيا مشاركًا نشطًا في منتديات المناخ العالمي، وقد مضت قدمًا في تحقيق أهداف الطاقة المتجددة الطموح بشكل متزايد؛ إذ وقَّعت اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ في عام 2016، وقد استضاف المغرب ومصر مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعامي 2016 و2022 على التوالي.

واعترافًا بدور الطاقة المتجددة في التنمية المستدامة، وتحقيق فوائدها الاقتصادية المحتملة، قدمت دول المنطقة تعهدات طموحًا تخص الطاقات المتجددة على الصعيد الوطني. باستثناء ليبيا، قدمت جميع بلدان شمال إفريقيا مساهماتها الأولى المحددة وطنيًّا بين عامي 2016 و2017. وفي عام 2021، قدم المغرب وتونس تحديثًا لمساهماتهما، بينما قدمت مصر ثالث تحديث لها في يونيو/حزيران 2023، في حين لم تقدم الجزائر بعد تحديثًا حول ذلك منذ العام 2016(1) والتي تتضمن جميع المساهمات والأهداف المحددة وطنيًّا لتوسيع قدرة الطاقات المتجددة لعام 2030.

وتشير طموحات بلدان شمال إفريقيا في مجال السياسات الطاقية إلى رغبتها في تحقيق حصة أكبر من مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، لكن تختلف الخطط في الطموحات والجداول الزمنية المستهدفة.

ولدى المغرب المساهمات الأكثر طموحًا وتفصيلًا في المنطقة مع حلول عام 2030، ويهدف المغرب إلى تعزيز حصة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء لتصل إلى 52%، بالإضافة إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 20%، وقد تم تحديد هذه الأهداف في الأصل ضمن (إستراتيجية التنمية طويلة الأجل منخفضة الانبعاثات 2050). وإذا تم استيفاء جميع الشروط، فإن قدرة المغرب المركبة على مصادر الطاقات المتجددة ستتضاعف ثلاث مرات في هذا العقد(2).

وقد قامت الجزائر وتونس بتحديد أهداف طموح للطاقة المتجددة، والتي تهدف على التوالي إلى الوصول إلى 27% و30% من توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030. كما أن مصر لديها هدف لتركيب قدرة إضافية للطاقة المتجددة للوصول إلى هدف حصة 42% من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2035، بما يتماشى مع إستراتيجيتها المتكاملة للطاقة المستدامة 2035(3).

على الرغم من كون معظم بلدان المنطقة لم تحقق إلا أقل بكثير من أهدافها وتعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء، إلا أنه بالنظر إلى هذه الأهداف، من المتوقع أن تزداد أهمية الطاقات المتجددة في السنوات القادمة.

وبالنظر لحجم الاستثمارات الملتزم بها والمخطط لها للفترة ما بين 2021-2025؛ إذ تعد استثمارات مصر في الطاقة (36 مليار دولار) هي الأعلى في المنطقة، وتليها الجزائر (23 مليار دولار) والمغرب (12 مليار دولار). كما التزمت تونس وليبيا وخططتا لاستثمارات بقيمة 3 مليارات دولار و0.3 مليار دولار على التوالي.

وتمثل الطاقة المتجددة نسبة كبيرة من هذه الاستثمارات، أي 62% للمغرب، و39% لتونس، و36% للجزائر، و15% لمصر، ومن المتوقع أن تصل هذه الاستثمارات إلى متوسط سنوي يبلغ حوالي 15 مليار دولار أميركي خلال الفترة 2021-2025، والتي سيتم تخصيص حوالي 5 مليارات دولار منها للطاقات المتجددة(4).

استثمارات الطاقة الملتزم بها والمخطط لها في شمال إفريقيا في الفترة ما بين 2021-2025

1
المصدر: الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA (2023)(5)

ومن المتوقع أن تصبح معظم بلدان المنطقة لاعبًا مهمًّا في ميدان الطاقات المتجددة على المستويين، الإقليمي والعالمي. ومع ذلك، فإن الاحتياجات المالية لبلدان شمال إفريقيا لتحقيق هذه الأهداف كبيرة. وقد حددت التقييمات حاجة تمويلية تتراوح بين 11 و73 مليار دولار سنويًّا لتحقيق صافي الانبعاثات بحلول عام 2050، وذلك بمبلغ تراكمي قدره 3.636 مليارات دولار للفترة بين 2020-2030. وتركزت معظم الاستثمارات في مصر والمغرب.

وحظيت مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية والطاقة الحرارية الشمسية واسعة النطاق بغالبية الاستثمارات (60%)، وتليها طاقة الرياح (27%). وقد حصل المغرب على أكبر حصة من استثمارات الطاقة الشمسية في إفريقيا خلال عام 2010، وفي عام 2018 اجتذب ما يقرب من نصف إجمالي 2.5 مليار دولار مستثمرة في مشاريع الطاقة الشمسية في القارة.

وعلى النقيض مما حدث في بقية أنحاء العالم، لعب القطاع العام دورًا أكثر أهمية في تمويل مشاريع الطاقات المتجددة بين عامي 2013-2020، واستحوذ القطاع العام على 46% من إجمالي الاستثمارات.

وقد سهَّل التمويل العام الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع، لاسيما في مصر والمغرب، بفضل إصلاحات قطاع الكهرباء، كما اجتذبت هذه الإصلاحات تمويلًا خاصًّا كبيرًا من خلال منتجي الطاقة المستقلين. وقد تلقى العديد من هذه المشاريع دعمًا إنمائيًّا على شكل قروض ومنح ومساعدات فنية من جهات مانحة مختلفة بلغت حوالي 9 مليارات دولار بين عامي 2011-2020. وكذلك لعبت مؤسسات تمويل التنمية وبنوك المؤسسات المالية متعددة الأطراف دورًا حاسمًا من خلال الاستثمارات المباشرة(6). وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الاستثمارات الخاصة أقل بكثير من إمكانات المنطقة، لكن توقعات الاستثمارات المستقبلية مثيرة للاهتمام بنفس القدر لفهم ما يمكن أن تتوقعه المنطقة.

ثانيًا: منافسة محتدمة داخل سوق الطاقة

تتسم الديناميكيات الجيوسياسية القائمة على تحول الطاقة في شمال إفريقيا بعدم التكامل ونموذج العمودية بين الشمال والجنوب الذي يضع كل دولة في شمال إفريقيا في منافسة مع دول أخرى على الموارد والشراكات وكسب النفوذ. ويمكن في هذا السياق رصد جملة من الديناميات المهمة:

  1. الشراكات الاقتصادية: دبلوماسية جديدة للطاقة

أعلنت بلدان مثل المغرب والجزائر ومصر وتونس عن أهداف وإستراتيجيات طموحة للطاقات المتجددة، وإلى جانب تلبية الطلب الداخلي المتزايد، تسعى هذه البلدان إلى أن تصبح مصدِّرة في المستقبل. وبالاستفادة من هذه الإمكانات، رفع العديد من دول شمال إفريقيا تنافسيته في هذا المجال لاسيما مع الاتحاد الأوروبي، ثم مع الصين والهند.

1.  تمويل الاتحاد الأوروبي للتحول الأخضر

في فبراير/شباط 2021، اقترحت المفوضية الأوروبية شراكة متجددة مع الجوار الجنوبي بميزانية تبلغ 46.79 مليار يورو للفترة 2021-2027، منها 30% لدعم الأهداف المناخية، ويوفر التمويل المنح والمساعدة الفنية والأدوات المالية وضمانات الميزانية، ويهدف تحديدًا إلى تحفيز الاستثمارات كوسيلة للمساهمة في النمو المستدام، ومكافحة تغير المناخ. ويتوخى المشروع الرئيسي نشر أدوات تمويل مبتكرة بما في ذلك السندات الخضراء التي تهدف إلى تعزيز انتقال الطاقة من خلال الدفع نحو الاقتصاد الأخضر في مصر، ودعم المغرب في تحقيق أهدافه في مجال الطاقات المتجددة، وكفاءة وتسريع انتقال الطاقة في الجزائر(7). ويمكن أن يشمل ذلك الدعم المالي، ونقل التكنولوجيا، و/أو تعزيز العلاقات التجارية واستثمارات الشركات الخاصة.

وعلى المستوى الإقليمي، تتمثل إحدى المبادرات التي تجسد هذه الرؤية على أفضل وجه في منصة الاتحاد من أجل المتوسط للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والتي تسعى جاهدة إلى تعزيز الحوار بين أصحاب المصلحة الرئيسيين.

وبالنظر إلى أهمية الربط الكهربائي وتكامل أنظمة الطاقة، تشمل المشاريع الأخرى التي سترى النور في أفق 2030 الربط البيني الجديد بين المغرب وإسبانيا (يوجد ربط بيني بمقدار 1400 ميغاواط)، والربط الكهربائي (ELMED) بين تونس وإيطاليا بمبلغ قدره 307 ملايين يورو، ومشروع الربط الجزائري-الإيطالي الذي يربط منطقة الشافية الجزائرية بجزيرة سردينيا الإيطالية والذي من المقرر أن يسمح بتبادل 2000 ميغاواط من الكهرباء. وخارج إطار البحر الأبيض المتوسط، يعد مشروع “إكس لينكس” المغرب-المملكة المتحدة للطاقة (Xlinks) أول مشروع من نوعه حيث سيتم نقل الكهرباء باستخدام كابل بحري يمتد لمسافة 3800 كيلومتر، وهناك مشاريع أخرى للربط البيني قيد الدراسة(8).

وحتى الآن، تشمل أبرز الإنجازات في مجال الطاقات المتجددة المستفيدة من التمويل الأوروبي مزرعة رياح مصرية بقدرة 240 ميغاواط في الساحل الغربي لخليج السويس، وأول محطة للطاقة الكهروضوئية متصلة بشبكة الكهرباء الوطنية في أسوان، ومجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية في المغرب بقدرة 580 ميغاواط، ومشروع نور ميدلت الجاري بقدرة 1600 ميغاواط. وفي الوقت الذي تحسنت فيه السياسات والأطر التنظيمية لا تزال القيود المالية التي تحول دون توسيع نطاق مصادر الطاقات المتجددة قائمة. وفي هذا الصدد، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب دورًا أكبر في تعبئة رأس المال والاستثمارات؛ حيث من المتوقع أن تستفيد المنطقة من استثمارات تصل إلى 300 مليار يورو بين عامي 2021-2027(9).

وهنالك مجال آخر للتعاون اكتسب زخمًا سياسيًّا غير مسبوق في السنوات الأخيرة وهو الهيدروجين الأخضر، كما هو موضح في خطة إعادة تزويد الاتحاد الأوروبي بالطاقة (RepowerEU)، وسينمو الطلب على الهيدروجين الأخضر حيث سيحل 15 مليون طن إضافي من الهيدروجين الأخضر محل 27 مليار متر مكعب من واردات الغاز الروسي بحلول عام 2030.

وتتوقع الخطة أن يتم استيراد 10 ملايين طن من تلك الحاجة من الخارج. وقد شجَّع ذلك الاتحاد الأوروبي على البحث عن شراكات مع العديد من البلدان في شمال إفريقيا نظرًا لإمكاناتها الهائلة. وأعربت دول مثل المغرب ومصر والجزائر عن استعدادها لدخول سوق الهيدروجين الأخضر لإزالة الكربون من صناعاتها وتصدير جزء منه إلى أوروبا، وبالتالي، سيكون العامل المهم هو الجوار الجغرافي، ووجود البنية التحتية لخطوط الأنابيب و/أو ربط الموانئ.

والمغرب هو أحد البلدان القليلة في المنطقة التي صممت ونشرت خارطة طريق وطنية للهيدروجين الأخضر؛ مما يجعله لاعبًا جذابًا في المستقبل. وفي يونيو/حزيران 2020، تم توقيع اتفاقية مع ألمانيا التي التزمت بتقديم 38 مليون يورو لبناء أول مصنع للهيدروجين الأخضر في المغرب والسماح ببيعه في السنوات القادمة. وبالمثل، وخلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيُّر المناخ (COP27) الذي عُقد في شرم الشيخ، كشفت الحكومة المصرية عن خطتها الإستراتيجية للهيدروجين منخفض الكربون، مما يشير إلى عزمها على أن تصبح لاعبًا مهمًّا في هذا الميدان بهدف يصل إلى 8% (10 ملايين طن سنويًّا) بحلول عام 2040(10).

وكل ذلك سيسهم بشكل كبير في تطوير قطاع صناعات الهيدروجين الأخضر المحلية والإقليمية، يبقى أن نرى كيف سيسرع ذلك من وتيرة التنافس الموجودة حاليًّا.

2. شراكات ناشئة

في حين تم تخصيص نسبة أقل من مشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية للطاقات المتجددة حتى الآن، فإن الاستثمارات الخضراء في نمو متصاعد. ووفقًا لتقرير مركز التمويل الأخضر والتنمية(GFDC)  الصادر في النصف الأول من عام 2023، فقد مثَّلت استثمارات الطاقة الخضراء (الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة الكهرومائية) 56% من مشاركة الصين في دول مبادرة الحزام والطريق.

وعلى الرغم من تركز سياسة الصين على منطقة الخليج الغنية بالنفط، فقد اكتسبت منطقة شمال إفريقيا أهمية أيضًا بسبب موقعها الإستراتيجي، ناهيك عن مواردها الطبيعية الغنية، تستعد مجموعة الطاقة الصينية الدولية للإنشاءات، بالتعاون مع ائتلاف تجاري مغربي وسعودي، بتنفيذ مشروع الهيدروجين الأخضر جنوب المغرب. ويتضمن المشروع بناء محطة للطاقة الشمسية ومزرعة رياح ومصنع للأمونيا الخضراء بهدف إنتاج 4.1 ملايين طن من الأمونيا الخضراء سنويًّا وهو ما يعادل حوالي 320 ألف طن من الهيدروجين الأخضر.

 كما تجدر الإشارة بنفس القدر إلى المشاركة المتزايدة للهند في المنطقة، وتتمتع الهند بالفعل بعلاقات تجارية راسخة مع دول المنطقة،؛ إذ إن هناك ميلًا ملحوظًا نحو مصادر الطاقات المتجددة. وكجزء من هذا التحول، أعلنت شركة “ذي نيو إنيرجي” (ReNew Energy)، مؤخرًا عن استثمار ثمانية مليارات دولار في مشروع الهيدروجين الأخضر في قناة السويس المصرية، كما أنها تستكشف أيضًا آفاق إنتاج الهيدروجين الأخضر والميثانول في المغرب(11).

إن وتيرة انتقال الطاقة التي حققها العديد من دول شمال إفريقيا بأهداف طموحة وإجراءات ملموسة تحفز بسرعة مناخًا جيوسياسيًّا جديدًا يتميز بالتنافس على إنجازات الطاقة المتجددة، خاصة في ضوء الطلب المتزايد عالميًّا.

2. تحول ذو امتدادات جيوسياسية

لقد أصبح التحول العالمي في مجال الطاقة ساحة معركة جديدة للمصالح المتنافسة، مع بروز شمال إفريقيا ساحة محورية في هذه المعادلة. يتنافس اللاعبون الدوليون للوصول إلى الموارد الوفيرة في المنطقة، من الغاز الطبيعي إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر إلى المعادن الحيوية اللازمة لتصنيع التكنولوجيا الخضراء، سعيًا وراء تطلعاتهم الصناعية الصافية والخضراء.

وفي الوقت نفسه، تؤكد حكومات شمال إفريقيا بشكل متزايد على دورها في تشكيل خطاب ونتائج انتقال الطاقة بناء على مصالحها وطموحاتها. في حين أن المنافسة يمكن أن تدفع الابتكار، فإن المشهد الحالي للتنافس الجيوسياسي يخاطر بإعاقة التقدم في الانتقال لجميع دول المنطقة. وقد ظهرت نماذج لشراكات مختلفة بين اللاعبين الدوليين، مثل دول الخليج والدول الأوروبية والصين والهند وغيرها، والحكومات الشمال إفريقية؛ إذ يتنافس كل واحد منهم على تقديم امتيازات مختلفة؛ الأمر الذي قد يؤثر على مسار التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

ولا يخفى أن صراع الصحراء في المنطقة المغاربية قد يلقي بظلاله على ملف الطاقة، فخطوة إسبانيا وألمانيا في تأييد الاقتراح المغربي بشأن الصحراء، يمكن أن تترجم التعاون مع المغرب إلى مزيد من الشراكات والاستثمارات. من ناحية أخرى، من الممكن أن تتجه إسبانيا وألمانيا لتقليل الاعتماد على الغاز الجزائري، ويحدث ذلك في سياق إغلاق خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي وصعوبات توريد كميات إضافية من الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر خط أنابيب “ميد غاز” (MedGaz). وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تجاهل الجزائر للتقدم المحرز في تحولها الطاقي البطيء، مع الأخذ في الاعتبار أن التعاون مع دول الاتحاد في هذا الميدان محدود مقارنة بالمغرب.

في المقابل، من الممكن أن تسعى إيطاليا للحصول على إمدادات إضافية من الغاز الجزائري عبر خط الأنابيب عبر البحر الأبيض المتوسط، كما يمكنها أن تستثمر بشكل كبير في الجزائر مقابل شحنات واسعة النطاق من الغاز بأسعار مواتية، وتوسيع سوق مصادر الطاقات المتجددة في البلاد، بما يجعل الجزائر أكثر قدرة على التفاوض ومحاصرة مد المواقف الأوروبية الداعمة للموقف المغربي من نزاع الصحراء.

ولطالما أدت المنافسة الشرسة بين المغرب والجزائر من أجل شراكات الغاز الطبيعي إلى بروز اصطدام غير مباشر، ففي محاولة لمواجهة مشروع خط الأنابيب النيجيري/المغربي، أعادت الجزائر طرح مشروع “خط أنابيب الغاز العابر للصحراء”، لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر جمهورية النيجر. كما تسعى أيضًا، لبناء خطوط أنابيب غاز مع موريتانيا لنقل الغاز المستخرج من حقل “سلحفاة أحميم” البحري على الحدود مع السنغال(12).

في الجانب الآخر، تتجاوز أهمية خط أنابيب ترانس-ميد بالنسبة للجزائر احتياجات إيطاليا من الطاقة، وهو خط يمتد من الجزائر إلى إيطاليا عبر تونس، وهو ما يزيد من أهمية الجزائر الإستراتيجية في المنطقة المغاربية، ويسهم في تنشيط الاقتصاد التونسي الذي يعرف ظروفًا اجتماعية واقتصادية صعبة. وعلى هذا الأساس، فإن هذه البنية التحتية للطاقة تفسر العلاقات الثنائية المعززة بين تونس والجزائر، لاسيما بالنظر إلى السياسة الخارجية للرئيس، قيس سعيد. كما تواجه العلاقات بين تونس وليبيا رياحًا معاكسة ملحوظة، لاسيما بعد اكتشاف حوضين كبيرين للنفط والغاز، يقعان على مساحات واسعة، تمتد على الحدود بين البلدين(13).

في تفاعلات مصر مع الدول الأخرى، تلعب الطاقة دورًا مهمًّا في تشكيل توقعاتها الإستراتيجية، خصوصًا أن مصر تسعى إلى ترسيخ نفسها مركزًا عالميًّا محوريًّا للطاقة. وقد اكتسب هذا الطموح زخمًا في عام 2015، بعد اكتشاف حقل “ظهر” البحري للغاز الطبيعي، وهو أكبر حقل غاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط (850 مليار متر مكعب) أي ما يقرب من 15 عامًا من الاستهلاك المحلي، وقد أشعل هذا الاكتشاف بلا شك طموح مصر لتأكيد نفسها لاعبًا بارزًا في مشهد الطاقة العالمي(14). وسيصبح بإمكان مصر زيادة إمداداتها من الغاز إلى أوروبا، بالموازاة مع متابعة أجندة تحول الطاقة، والتي يمكن أن تعزز من خلاله نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وتعتبر الجهود الحالية التي تبذلها دول المنطقة للتفوق على بعضهما البعض في مجال صادرات الطاقة، مظهرًا آخر من مظاهر الصراع الجيوسياسي. في كلتا الحالتين، يبدو أن أوروبا ستكون هي أبرز المستفيدين.

ثالثًا: الانعكاسات الإقليمية

إن الموقع الجغرافي لشمال إفريقيا وقربه من أوروبا يعني أن المنطقة يمكن أن تصبح مصدرًا مهمًّا للطاقات النظيفة، وهذا يعزز إمكانية فتح مصادر دخل جديدة على طول سلسلة توريد الطاقات المتجددة، كما يعزز لعب أدوار بارزة على الصعيدين، الإقليمي والدولي، فضلًا عن التطلع إلى الاستثمار بشكل كبير في سياق هذا التحول.

ومع ذلك، من المتوقع أن تتأثر هذه الإمكانات بالسياسات الخاصة بكل دولة، والتي ستلعب دورًا حاسمًا. فلكل بلد بيئته السياسية وتحدياته الاقتصادية ورهاناته الجيوسياسية الخاصة به. ومن المتوقع أن يجري إطلاق مبادرات واستثمارات وإصلاحات على نطاق كل بلد لجعل مكاسب التحول الطاقي أكثر جاذبية، بما يمكِّن من تحقيق أكبر استفادة من هذه الطفرة الاقتصادية، وما لها من امتدادات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية، لاسيما في وقت أصبحت فيه المزادات التنافسية بهذا الشأن هي القاعدة.

وإذا كان بإمكان ملف الطاقة وتحولاته وتطوراته أن يشكِّل المفتاح للعديد من التحديات في المنطقة وأن يبشر بالتعاون والسلام والازدهار، فإنه يمكنه أن يشكل في الآن ذاته عاملًا جديدًا من عوامل إذكاء التنافس والصراع الجيواقتصادي والجيوسياسي في أبعاده المتعددة؛ الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلبيًّا على العلاقات الشمال إفريقية في شموليتها.

وفي الواقع، لا تتم المنافسة بين الدول في هذا المحور الجديد “على أرض الواقع” فحسب من خلال القرارات الاقتصادية والشراكات وجذب الاستثمار وغيرها، ولكن أيضًا من خلال حرب السرديات، أي الطريقة التي تتم بها صياغة ونشر الأخبار والروايات حول مشاريع التحول الطاقي وتفوق هذه الدولة مقابل الدول الأخرى وفي دينامية الاستثمار العمومي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية والإنتاج وعقود التصدير.

خاتمة

لقد اكتسب التنافس الإقليمي الطويل الأمد بين كل من المغرب والجزائر ومصر، بالإضافة لتونس، بُعدًا جديدًا، فقد صارت الحكومات تتنافس على الاستثمار وعقد الشراكات في مجال التحول الطاقي. ويعتبر الوصول المستمر إلى مصادر طاقة جديدة ضامنًا للازدهار الاقتصادي وكسب النفوذ الجيوسياسي كما هو مشاهد. وكما هي الحال مع تحولات الطاقة السابقة، فإن التحولات التي نشهدها اليوم مصحوبة بمنافسة على الأسبقية في اتجاهها والسيطرة عليها.

ومع ذلك، يتيح تحول الطاقة اليوم في شمال إفريقيا فرصًا كبيرة للتعاون وإعادة بناء الثقة، فبإمكان دول المنطقة التعاون في مشاريع التحول، مثل مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر على نطاق واسع، وتطوير شبكات الطاقة المترابطة. كما ستسمح البنية التحتية المشتركة بالتوزيع الفعال للموارد المتجددة وتقاسمها، وتحسين الوصول إليها عبر الحدود.

وينطوي هذا التعاون على إمكانية تعزيز التكامل الاقتصادي، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية، كما أن التقريب بين بلدان شمال إفريقيا ينطوي أيضًا على إمكانية تحسين موقفها التفاوضي في الاتفاقات التجارية مع الشركاء الدوليين، في إطار نوع من (المنافسة التعاونية Co-opetition)، بهدف ألا يصبح أيُّ حديث عن الانتقال الأخضر تعبيرًا أنيقًا وواجهة لامعة لمخططات استعمارية جديدة.

مصطفى جالي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1)- Nationally Determined Contributions Registry, UNFCCC, 2024. https://tinyurl. com/mm67s5zm  (accessed May 27, 2024).

2) إستراتيجية قطاعات الطاقة والمعادن والجيولوجيا، موقع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية، 12 مايو/أيار 2022، (تاريخ الدخول: 27 مايو/أيار 2024)،  https://tinyurl. com/4tyk8a3p

3)- Nationally Determined Contributions Registry, 2024.

4)- “North Africa: Policies and finance for renewable energy,” Irena. org, Dec. 21, 2023. https://tinyurl. com/8t7ef6sk (accessed May 27, 2024).

5)- “Planning and prospects for renewable power: North Africa,” Irena. org, Jan. 04, 2023. https://tinyurl. com/mvxr5erx  (accessed May 28, 2024).

6)- Policy Brief Better Policies to Accelerate the Clean Energy Transition Focus on De-Risking Investments in The Energy Transition in North Africa, RES4Africa Foundation, April 3,2024. (accessed May 27, 2024). https://tinyurl. com/2uc6a554

7)- Amine Bennis, “North Africa’s Energy Transition: A Key Asset in the War? | ISPI,” ISPI, May 30, 2023. (accessed May 27, 2024). https://tinyurl. com/2n7a2bua

8)- “Navigating the Transition in Times of Uncertainty: From a paradigm of energy security to electricity security in North Africa,” Policy Center, 2024. https://tinyurl. com/s755b8f5 (accessed May 27, 2024).

9)- Bennis. North Africa’s Energy Transition. Op. cit.

10)- Navigating the Transition in Times of Uncertainty, Op. cit.

11)- Ibid.

12)- Nashat Shawamreh, “The Energy Geopolitics of North Africa,” The Washington Institute, 2023. (accessed May 27, 2024). https://tinyurl. com/4fh2pv4c

13)- تونس تحسم الجدل حول اكتشاف احتياطيات ضخمة للنفط والغاز قبالة سواحل البلاد، الطاقة، 28 مارس/آذار 2023، (تاريخ الدخول: 27 مايو/أيار 2024)،. https://tinyurl. com/msjrsuc4

14)- Navigating the Transition in Times of Uncertainty. Op. cit.




اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

يصر ديفرين، سائق الأجرة البريطاني، على أن يشير بيده لمحدّثه إلى مساحات خضر على جانبي الطريق بين لندن ومدينة ستانستد (شمال شرقي العاصمة البريطانية) قائلاً: «هذه الحقول مزروعة بالقمح». كلما انكشفت للطريق السريع مساحة خضراء، كرر ديفرين جملته: «حقول قمح، بدأ بعضها يميل إلى الاصفرار». ثم يفسّر إصراره على الإشارة إلى ذلك بأنها المرة الأولى التي يرى فيها مساحات مزروعة بالقمح في هذه المنطقة، عازياً لجوء بريطانيا إلى زراعتها إلى الحرب الروسية ـــ الأوكرانية.

ثم يخوض مع محدثه في حوار عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد بعد انتهاء فترة كورونا، إذ أصبح جنيهاً ونصف الجنيه سعر كل سلعة كانت تباع بجنيه واحد قبل سنة ونصف السنة. ويقول ديفرين ساخراً: «هل تعيد حقول القمح هذه الأسعار إلى ما كانت عليه؟ كل شيء في هذه البلاد، من السلعة البسيطة إلى إيجار المنازل، ارتفع سعره نحو 50 في المائة، فيما الرواتب لا تزال على حالها». ويضيف: «كذلك ارتفعت الرسوم الحكومية وأقساط الجامعات، وكأن الحكومة تريد استرداد المبالغ الطائلة التي أنفقتها خلال إغلاق (كورونا) على الناس والشركات».

ما يتمناه ديفرين وكل البريطانيين وسواهم من سكان دول العالم يحتاج إلى «معجزة مالية ونقدية»، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي إسلام الشافعي لـ«الشرق الأوسط».

ويوجز الشافعي، الذي يتابع الاقتصاد العالمي من مكان إقامته في نيويورك، ما أصاب العالم خلال هاتين السنتين بالأرقام والوقائع، قائلاً: «تسببت الحرب الروسية ــ الأوكرانية في مشكلات للاقتصاد العالمي أدت إلى تباطئه، خصوصاً أن هذا الضغط جاء بعد الخروج من فترة كورونا التي أحدثت أزمة في سلاسل الإمداد وحالة من التضخم في كثير من الاقتصادات الكبرى. وعلى سبيل المثال، وصل التضخم في بريطانيا إلى 11 في المائة، وهذا من أعلى معدلات التضخم المتوقعة لدولة صناعية مثل بريطانيا لكنه عاد وانخفض إلى 2 في المائة في مايو (أيار) الماضي فيما سمي إعجازاً نقدياً ومالياً.

ذلك مع العلم أن انخفاض التضخم لم ينعكس على السلة الاستهلاكية للبريطانيين التي ترتفع سلعها بوتيرة بطيئة. وكذلك أصاب التضخم أميركا، إذ توقع البنك الدولي تراجع الاقتصاد الأميركي من 5.7 في المائة إلى 1.6 في المائة، وتراجع الاقتصاد الصيني، (مصنع العالم) من 8.1 في المائة إلى 3.2 في المائة».

وبعد كورونا فوراً، جاءت الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وهما دولتان ذواتا مشاركة كبيرة جداً في حجم التجارة العالمية، فتعاظمت مشكلة الإمدادات وتعطلت سلاسلها نتيجة الحرب التي لم تقتصر تداعياتها على مسألة الحبوب وزيوت الطعام، بل على سبيل المثال أيضاً تسببت في إغلاق جزئي لصناعة السيارات في ألمانيا، وكذلك تأثرت كثيراً صناعة الحديد والصلب في اليابان. حصلت اضطرابات كثيرة عالمية في الصادرات السلعية، كما حصل ارتفاع كبير في كلفة النقل، إذ فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على الطائرات والشاحنات في روسيا ما رفع تكلفة النقل 60 في المائة.

وهذا ما تؤكده دراسة حديثة نشرها «مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية»، إذ أكد أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت مزيداً من الأعباء على الاقتصاد العالمي؛ فارتفعت الديون، وزاد حجم الاستثمارات الخاصة المتعثرة، وشهدت التجارة الدولية أبطأ معدل للنمو لم تشهده منذ خمسة عقود، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة جعل من الصعب على الحكومات والشركات الخاصة الحصول على الائتمان وتجنب التخلف عن السداد. ويزداد ذلك بشكل خاص بالنسبة للعديد من الاقتصادات ذات الدخل المنخفض مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وابتعاد المستثمرين عن الأسواق الناشئة خوفاً من التوقعات العالمية الضعيفة بالفعل، والانكماش الإقليمي.

وتفيد الدراسة بأن الديون الحالية، وخاصة في شكل سندات حكومية وصكوك، تتعرض لضربة قوية بالفعل مع انخفاض قيمتها في التداول، حيث تفيد التقارير بأن السندات السيادية في بعض الدول الأوروبية كانت من بين أسوأ السندات العالمية أداءً خلال تلك الفترة المواكبة لبداية حرب إسرائيل على غزة. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للحكومات ذات التصنيفات الائتمانية الجيدة إلى الممتازة، فإن الحكومات ذات الائتمان الأضعف ستشهد خصم الديون الحالية في التداول، ويصبح الوصول إلى الديون الجديدة أكثر تكلفة، وربما أكثر صعوبة في جذب المستثمرين.

إشارة أخرى للتأثير الاقتصادي ستكون في صناديق المؤشرات للأسهم في الأسواق الناشئة، مما يعني أن الشركات المدرجة في البورصات الإقليمية مدرجة في المؤشرات الرئيسية، مثل مؤشر MSCI. وقد انخفضت أسهم الأسواق الناشئة في MSCI بنسبة 1 في المائة تقريباً في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بسبب التوترات في الشرق الأوسط والصراع المحتمل.

لاعبان كبيران

للحرب الروسية تكلفة كبيرة على أكثر من صعيد، وتقدر بمليارات الدولارات. وفيما لم تعلن الدول الخسائر التي تكبدتها، فإن «سكاي نيوز» نقلت في فبراير (شباط) الماضي تصريحاً لمسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية (لم تذكر اسمه) قال فيه إن روسيا أنفقت على الأرجح 211 مليار دولار على تجهيز أفراد قواتها ونشرهم وصيانة أسلحتهم لتنفيذ عمليات في أوكرانيا، وإن موسكو خسرت أكثر من 10 مليارات دولار بسبب إلغاء صفقات أسلحة أو تأجيلها، مضيفاً أن «الحرب كلفت روسيا نحو 1.3 تريليون دولار من النمو الاقتصادي المتوقع حتى عام 2026».

جاء التصريح الأميركي فيما كانت إدارة الرئيس جو بايدن تمارس ضغوطاً على مجلس النواب الأميركي لقبول حزمة من المساعدات الأمنية الدولية بقيمة 95 مليار دولار لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان.

لماذا كان للحرب الروسية ــ الأوكرانية كل هذا التأثير؟ يضيف الشافعي قائلاً: «لأن روسيا وأوكرانيا لاعبان دوليان كبيران في الاقتصاد العالمي؛ يسيطران على 53 في المائة من التجارة العالمية لزيت الطعام والحبوب، ويستحوذان على 27 في المائة من تجارة القمح العالمية. وهذه نسب كبيرة جداً. ويضاف إلى ذلك توقف صادرات النفط الروسي، التي تشكل 12 في المائة من السوق العالمية للنفط، وكذلك المشتقات النفطية التي تشكل 15 في المائة من تجارة العالم. توقّف هذه الصادرات أدى إلى عجز كبير، ومن ثم ارتفاع كبير في الأسعار. أوروبا تستورد 45 في المائة من حاجتها للنفط والغاز من روسيا، وتوقف ذلك ينعكس ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.

إلا أن الغاز والنفط الروسيين استمرا، رغم الحرب، في التدفق إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب الأوكرانية إلى مصافي التكرير في التشيك وسلوفاكيا والمجر». ووفق تقرير لمجلة «إيكونوميست»، فإن أوروبا كانت تعتمد على روسيا في 40 في المائة إلى 45 في المائة من وارداتها من الغاز ونحو ربع نفطها. ومنذ ذلك الحين، حاولت روسيا التنمر على أوروبا لإسقاط العقوبات الاقتصادية عن طريق خنق الإمدادات. لكن أوروبا، بدورها، فصلت نفسها تقريباً عن الطاقة الروسية. لكن ليس بالكامل، إذ يواصل الجانبان الالتزام باتفاق نقل الغاز الذي تم التوصل إليه بوساطة من الاتحاد الأوروبي لعام 2019 الذي تنتهي مدته نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتسدل معه واحدة من أقدم وأكبر الروابط الاقتصادية بين روسيا وأوروبا من خلال نقل الغاز. كييف من جهتها أعلنت أنها لن تمدد الاتفاق مع شركة «غازبروم» الروسية، فيما أكد مسؤولون روس أنه لا مفاوضات جارية مع أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي.

الأمن الغذائي

أما بالنسبة إلى الغذاء، فيقول الشافعي: «كل دولة تأثرت بحسب اعتمادها على نفسها، وبحسب علاقتها في الاستيراد من روسيا أو أوكرانيا. دول الشرق الأوسط تعتمد بنسبة 75 في المائة من وارداتها من القمح على أوكرانيا وروسيا. أضف إلى ذلك، محاولة الغرب مساندة أوكرانيا ضد روسيا، وهي أصلاً خرجت من فترة كورونا منهكة». وأضاف: «بالتزامن مع ذلك، ارتفعت أصوات في بريطانيا تطالب بخفض ميزانية الدفاع من أجل التخلص من حالة التضخم، على اعتبار أن بريطانيا لا تملك ما يكفي لإمداد أوكرانيا بالسلاح، فيما أميركا تعاني من ديون تبلغ 33 تريليون دولار ومشكلات داخلية وتضخم، وهي مطالبة بإمداد أوكرانيا للوقوف أمام روسيا التي تعد خصماً غير سهل. الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن نقاط الضعف في التصنيع العسكري في دول الاتحاد الاوروبي وأميركا أيضاً. وكل ذلك شكل ضغوطاً رهيبة على ميزانيتها التي كانت أصلاً مضغوطة».

من جانبه، يؤكد الخبير الدولي في الأمن الغذائي مهاب فؤاد الأعور لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الأمن الغذائي العالمي تتأثر بشكل كبير في الجائحات والأزمات العالمية بين الدول، مشيراً إلى أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تركت صدمة في أسواق السلع الغذائية وأضعفت التعافي عقب جائحة كورونا، حيث أسهمت في حدوث ركود اقتصادي وارتفاع للأسعار خلال الأعوام الماضية متأثرة بضعف الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والطاقة، وتقويض فرص العمل والدخل للأشخاص الأكثر ضعفاً، وهو ما حال دون حدوث انخفاض في معدلات الجوع المستهدفة عالمياً، حيث توقع التقرير الأخير حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أن يعاني ما يقرب من 600 مليون شخص من نقص تغذية مزمن في عام 2030. وهو ما يزيد بنحو 23 مليوناً لو لم تحدث الأزمة الروسية الأوكرانية.

ويقول الأعور: «إن دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على روسيا وأوكرانيا، حيث تأتي مصر في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تعتمد على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بما يساوي 23 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2020، وتليها السعودية بمبلغ 17 مليار دولار في الفترة نفسها، وبعدها تركيا بحوالي 12.5 مليار دولار، ثم المغرب بمبلغ 8.7 مليار دولار، والإمارات بـ6.1 مليار دولار، والجزائر بمبلغ 5.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2017، ثم تونس والسودان والأردن واليمن وليبيا وفلسطين والكويت وقطر وعمان».

اتفاق الحبوب

وكانت روسيا وافقت على صفقة مع أوكرانيا، بوساطة تركيا والأمم المتحدة، تقضي بتسهيل مرور الصادرات الزراعية الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود لمدة عام انتهى في يوليو (تموز) 2023. وتجرى حالياً مفاوضات لإعادة تفعيل الاتفاق الذي قضى بعودة حجم صادرات الحبوب الأوكرانية إلى مستوى ما قبل الحرب؛ أي تصدير 5 ملايين طن متري شهرياً، وتضمن الاتفاق عدة بنود وقَّع عليها الأطراف الأربعة.

ونصَّ الاتفاق على أنه يقضي بتفتيش السفن المشاركة في تصدير الحبوب الأوكرانية عند الدخول والخروج من البحر الأسود للتأكد من عدم حمل أسلحة على متنها، وهذا ما قد أعلن عنه أطراف الاتفاق، كما تضمن الاتفاق أنه تُصدر الحبوب من خلال ثلاثة موانئ بحرية هي: أوديسا، ووچورنوموركس، ويوزهنو، على أن تكون تلك الموانئ مطلة على البحر الأسود، وأهم تلك الموانئ ميناء أوديسا الذي يطل على البحر الأسود.

متى التعافي؟

هل هناك أمل بالتعافي القريب؟ يجيب الشافعي: «التعافي يكون في كل دولة بحسب وضعها وإمكاناتها وقدراتها على التعامل مع الصدمة. هناك دول بدأت تتحدث عن تعاف مثل بريطانيا التي أفادت آخر الأرقام بأن التضخم فيها نزل من 11 في المائة إلى 2 في المائة، وهذا أكبر معدل هبوط للتضخم على مدار 50 سنة، لكن التأثير سيبقى قوياً ما دامت هاتان الحربان قائمتين».

عمال يجلسون أمام لافتة كُتب عليها: «أوقفوا وحش التضخم» في ميناء هامبورغ (رويترز)

أما الأعور فيؤكد أن «الأزمة تسببت في تباطؤ التعافي في عام 2022 بنسبة نقطة مئوية واحدة حيث سجل 3.4 نقطة مئوية فقط. كما أن مؤشر منظمة الفاو لأسعار الأغذية قفز لأعلى مستوى له على الإطلاق في مارس (آذار) 2022. وهو ما رفع فاتورة واردات الأغذية في العالم لأعلى مستوى لها في 2022، كما شهدت فاتورة واردات المدخلات الزراعية العالمية زيادة بنسبة 48 في المائة لتصل إلى 424 مليار دولار أمريكي في العام نفسه. وارتفعت معدلات التضخم طوال عام 2022 في جميع الاقتصادات تقريباً، وتجاوز التضخم الكلي العالمي 9 في المائة خلال النصف الثاني من العام، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1995».

وتأتي أهمية الأزمة لكونها شملت اثنين من منتجي السلع الرئيسيين في العالم، حيث كانا في 2021 من بين أكبر ثلاثة مصدرين عالميين للقمح والذرة وبذور اللفت وأقراص بذور دوار الشمس. كما أن روسيا تعدّ مصدراً بارزاً للأسمدة. وفي الفترة بين عامي 2016 و2021، أنتجت أوكرانيا وروسيا أكثر من 50 في المائة من إمدادات العالم من بذور دوار الشمس، و19 في المائة من الشعير في العالم، و14 في المائة من القمح، و30 في المائة من صادرات القمح العالمية، مع اعتماد ما لا يقل عن 50 دولة على روسيا وأوكرانيا للحصول على 30 في المائة أو أكثر من إمدادات القمح.

وفي تقرير منفصل، رفعت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو)، توقعاتها للإنتاج العالمي من الحبوب في 2024 بنحو 7.9 طن بزيادة 0.3 في المائة لتصل إلى 2.854 مليار طن بزيادة طفيفة على مستويات 2023 ليسجل أعلى مستويات له على الإطلاق.

ويضيف الأعور: «تم اتخاذ إجراءات لمواجهة التحديات عبر استراتيجيات لتغيير النظم الغذائية والعمل على توفير أنظمة غذائية صحية مستدامة وميسورة التكلفة، وتشمل دمج السياسات الإنسانية والإنمائية وسياسات بناء السلام في المناطق المتضررة من الصراعات، وتعزيز قدرة الفئات الأكثر تضرراً على مواجهة الأزمات الاقتصادية، والمشاركة في إدارة سلاسل الإمداد الغذائي لخفض تكاليف المواد الغذائية، وحل مشكلة الفقر وعدم المساواة، وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلك لتعزيز الأنماط الغذائية ذات الآثار الإيجابية على صحة الإنسان والبيئة، فضلاً عن السياسات التي تم اتخاذها في كل بلد على حدة لمواجهة تلك المشكلات».

النداءات الإنسانية

أطفال فلسطينيون يبحثون عن بقايا طعام في القمامة في منطقة دير البلح بعد انتشار المجاعة جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة (دي بي أي)

الأزمات التي تعاني منها الدول، خصوصاً الدول المانحة، انعكست سلباً على مساعدة الفئات الأكثر تضرراً من الحروب. ويقول الشافعي: «في بداية الحرب الروسية – الاوكرانية غادر أوكرانيا 7 ملايين شخص إلى دول أوروبا. والأمم المتحدة تقول إن هناك 15 مليوناً في حاجة إلى الغوث. ومن ثم فهذه الحرب سببت ضغطاً شديداً على هذه الدول التي لديها مشكلاتها ومصاعبها المالية، ما جعل نداءات الأمم المتحدة لتمويل اللاجئين تقابل باستجابات ضعيفة جداً. وإذا أضفت إلى ذلك حركة اللجوء الفلسطيني الآن والاحتياج الإنساني نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة وضرب منظمة أونروا وما إلى ذلك، فهي تحتاج إلى مصاريف أكثر ودعم أكبر».

تأثير حرب غزة

وبالنسبة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن تأثيرها المباشر والكبير كان على إسرائيل نفسها، إذ تعطل الاقتصاد الإسرائيلي وتكبد خسائر فادحة، حيث أظهرت معطيات بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى نهاية مارس 2024، بلغت أكثر من 270 مليار شيقل (73 مليار دولار).

وبحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، فإن كلفة الحرب اليومية منذ 7 أكتوبر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2023، بلغت مليار شيقل يومياً (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيقل (94 مليون دولار).

لكن تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي نتج عن الهجمات المستمرة لـ«الحوثيين» (الانقلابيين اليمنيين) على السفن في البحر الأحمر، ما تسبب في تراجع حركة مرور السفن بشكل كبير، وانخفض حجم التجارة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره السفن للوصول إلى قناة السويس من المحيط الهندي، بنسبة كبيرة.

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس المصرية أسامة ربيع، في أحدث بيان، بأن عدد السفن التي تستخدم القناة انخفض إلى 20148 سفينة في عام 2023-2024 من 25911 سفينة في العام المالي الذي سبقه 2022-2023، وبالتالي تراجعت إيراداتها إلى 7.2 مليار دولار من 9.4 مليار دولار .

وقدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ومركزها باريس)، الاثنين 5 فبراير 2024، أنّ الارتفاع الأخير في أسعار الشحن البحري قد يؤدي إلى زيادة تضخم أسعار الواردات في بلدان المنظّمة الثمانية والثلاثين بنحو 5 نقاط مئوية إذا استمرت هذه الزيادة بأسعار الشحن، وفق ما نقلت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية المختصّة بالاقتصاد.

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

يعلق الشافعي على ذلك بالقول: «بالنسبة إلى حرب غزة ما كان ليكون لها تأثير دولي لولا التحرك الإيراني في الأساس، الذي ينفذه الحوثيون في البحر الأحمر، لعرقلة الملاحة فيه. قناة السويس يمر فيها 12 في المائة من التجارة العالمية، ومن هنا جاء التأثير على 12 في المائة من حركة التجارة العالمية. ووفق بيانات هيئة قناة السويس، فإن مرور السفن ناقلات المستوعبات انخفض بنسبة 67 في المائة، ومن ثم فإن هذه السفن أصبحت تتفادى المرور في البحر الأحمر وتذهب عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد كلفة النقل نتيجة زيادة المسافة التي أصبحت تقطعها 6 آلاف كيلومتر و15 يوماً في الملاحة، ومن ثمّ زيادة في استهلاك الوقود والوقت في إيصال البضائع، ما انعكس سلباً على التجارة العالمية، إضافة إلى تسديد المستهلكين هذه الأثمان الإضافية».

وعلى الرغم من تأزم الأوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم، فإن صندوق النقد الدولي يرى أن هناك تعافياً عالمياً مطرداً «لكنه بطيء ويختلف من منطقة إلى أخرى». ويقول الصندوق في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي 2024 – 2025» الصادر في أبريل (نيسان) الماضي: «تشير تنبؤات السيناريو الأساسي إلى استمرار نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وتراجع التضخم العالمي باطراد، من 6.8 في المائة في 2023 إلى 5.9 في المائة في 2024، و4.5 في المائة في 2025، مع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات التضخم المستهدفة في وقت أقرب من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ومن المتوقع بوجه عام أن يشهد التضخم الأساسي تراجعاً بشكل أكثر تدرجاً.

مالك القعقور

صحيفة الشرق الاوسط




«حزب ترمب الجمهوري»… جديد الأولويات ومتعدد الأعراق

أورين كاس، المستشار الاقتصادي السابق لحملة المرشح الجمهوري الرئاسي السابق السيناتور ميت رومني الرئاسية، توقّع في سنوات سابقة «نشوء تيار محافظ متعدّد الأعراق منسجم مع الطبقة العاملة كأساس لحزب جمهوري فعلي، يمكن أن يحقق غالبية حاكمة دائمة». لكنه قال بالأمس إن ما سمعه مجتمع الأعمال في وول ستريت، في مؤتمر الحزب «ينبغي أن يُشعرهم بالفزع والقلق العميقين».

وحقاً، يرى مراقبون ومحللون أن ما يجري اليوم من تغييرات على بنية الحزب الجمهوري الأميركي وخطابه، هو نتيجة تلاقي التغيّرات الاقتصادية والديموغرافية والثقافية، بما في ذلك الحركة العمالية الصاعدة حديثاً، التي يجد الحزب الجمهوري نفسه منجذباً إليها بشكل متزايد، على الأقل اسمياً. وهذا التطوّر، خاصة، أدى إلى تسريع مغازلته لها، من خلال محاولته تجديد نفسه عبر خطاب شعبوي. وهنا يعلق النائب الجمهوري اليميني جيم جوردان موضحاً: «أعتقد أن الرئيس ترمب جعل حزبنا كما كان ينبغي أن يكون عليه دائماً… حزب شعبوي متجذّر في المبادئ المحافظة».

في وضع كهذا، كان جي دي فانس هو الخيار الأكثر تميّزاً الذي يمكن أن يتخذه ترمب، من أجل الدفع بخطابه السياسي ومحاولته توسيع «الترامبية» السياسية على المدى الطويل. وحقاً، بعد ما يقرب من تسع سنوات، تحول ترمب إلى الوجه الوحيد للسياسة الجمهورية والزعيم بلا منازع لحركة «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى».

ومن جهة ثانية، مع اختيار ترمب لفانس، بدا أنه يدفع به ليكون طليعة القيادة السياسية الجديدة والشابة للحزب الجمهوري، رافعاً إياه إلى مكانة بارزة على المستوى الوطني في حركة سياسية كانت تختمر على اليمين منذ عدة سنوات.

تسمية فانس لنيابة الرئيس خلال فعاليات المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الأميركي في ميلووكي (سي إن إن)

ومع تعريف نفسه بأنه عضو في «يمين ما بعد الليبرالية»، بات فانس أول مرشح جمهوري لمثل هذا المنصب الرفيع، يعلن انتماءه لهذا التيار الجديد. وفي حين يشترك أتباع «ما بعد الليبرالية» في الاهتمام ببناء مجتمعات قوية، وبسياسات اقتصادية حمائية قد تساعد في كسب تأييد البيئات العمالية التي مزّقها نقل وظائف التصنيع إلى الخارج، فإنهم يضيفون أيضاً ثقلاً فلسفياً إلى هجوم ترمب على «الدولة العميقة». وفي ظل القيد الدستوري الذي يمنع أي شخص من تولي الرئاسة الأميركية أكثر من فترتين، فرضت هذه الفترة القصيرة أهمية إضافية إلى مسألة ما سيأتي بعد ذلك بالنسبة لـ«الترامبية»، الحركة التي ارتبطت بترمب الذي نجح في تحويل الحزب الجمهوري بشكل كامل. وبالتالي، من المنطقي، أن جي دي فانس، ابن الـ39 سنة، سيكون على الفور المرشح الأوفر حظاً للسباق الرئاسي الجهوري لعام 2028، وقد لا يترك البيت الأبيض إلّا في عام 2037، إذا فاز مرتين بالرئاسة.

في الحقيقة، لا يُنظر الآن إلى فانس بصفته سياسياً فحسب، بل بصفته مثقّفاً قادراً على صياغة فلسفة حكم، إلى الحد الذي وصفه فيه الحركي والمفكر اليميني ستيف بانون – كبير مستشاري ترمب السابق -، بأنه «كما كان القديس بولس بالنسبة ليسوع المسيح، فإن فانس المتحول المتحمس، سينشر إنجيل الترمبية أبعد من ترمب نفسه».

وبالفعل، يأمل الجمهوريون في أن يؤدي اختيار هذا السياسي العصامي الشاب إلى تعزيز التوجهات الديموغرافية الجديدة للحزب لدى الطبقة العاملة، والشباب، وبخاصة، بعدما روى في كتابه «مرثاة هيلبيلي»، الذي حولته منصة «نيتفليكس» إلى فيلم بالاسم نفسه عام 2020، نشأته الصعبة في المناطق الفقيرة في ولايتي أوهايو وكنتاكي. ومن ثم أصبح كتابه الأكثر مبيعاً والأكثر قراءة تقريباً، حتى من قبل الليبراليين، الذين يسعون إلى فهم كيف أخفق الديمقراطيون في الانتخابات التي خرج فيها الناخبون البيض من الطبقة العاملة بأعداد قياسية لانتخاب ترمب… وهذا ما حصل فعلاً يومذاك، ولا سيما، في ولايات «الصدأ» التي أصبحت متأرجحة، وقد تحسم نتيجة السباق الرئاسي هذا العام.




ترمب اختار فانس للدفع بـ«الترمبية» قدماً… وتغيير هوية حزب ريغان

لسنوات عدة، كان الحزب الجمهوري الأميركي يمرّ بتغيير جذري، حيث يتبنى بشكل متزايد الشعبوية الاقتصادية في الداخل والانعزالية في الخارج، ويغيّر مواقفه في العديد من القضايا الاجتماعية. ثم إنه لم يعد فقط حذِراً من بعض المصالح التجارية الكبرى، بل صار معادياً لها. لا، بل أكثر من ذلك، إذ عمل على طرح نفسه ليكون حزب الطبقة العاملة، وكل ذلك تحت شعار «أميركا أولاً». ومع أن الرئيس السابق دونالد ترمب عاد، خلال رئاسته الأولى، إلى آيديولوجية الحزب الجمهوري الأكثر تقليدية بشأن بعض القضايا، فإن اختياره جيمس ديفيد «جي دي» فانس نائباً له على بطاقة الانتخابات الرئاسية المقبلة، هو الذي يمكن، في نهاية المطاف، أن يعزّز مسار الحزب نحو مرحلة جديدة مختلفة. وهذا ما يبدو أنه حدث في مؤتمر الحزب الذي انعقد خلال الأيام القليلة الماضية في مدينة ميلووكي؛ كبرى مدن ولاية ويسكونسن.

الواقع أنه خلال مؤتمر الحزب الجمهوري بميلووكي، لم يقتصر الأمر على اختيار السيناتور جي دي فانس، المعارض لتقديم الولايات المتحدة مساعدات لأوكرانيا، بل تبني الحزب أيضاً خطاباً اجتماعياً مخففاً، بجانب انتقاد الشركات الكبرى، وهو ما عدّه البعض إشارة إلى تراجع دور الإيفانجيليين البروتستانت المتشددين في رسم سياسات الجمهوريين.

ومن فوق منصة المؤتمر، خرج برنامج الحزب خالياً من أي ذكر لـ«الزواج بين رجل وامرأة»، الذي يندرج كعنصر أساسي في مبادئ الحزب منذ فترة طويلة، لمصلحة تعزيز «ثقافة تقدّر قدسية الزواج» و«الدور التأسيسي للعائلات». الأمر الذي رحّب به الجمهوريون المؤيدون لمجتمع المثليين وعدّوه انتصاراً، في حين رآه كثيرون بمثابة ضربة للجناح المحافظ المتشدّد في الحزب، ومن صفوفه قال السيناتور المحافظ السابق، ريك سانتوروم: «هذا برنامج حزب المحافظين البريطاني. هذه ليست منصة محافظة. ترمب يستهدف الوسط مباشرة».

من جهة ثانية، قال مارك شورت، الذي شغل منصب كبير موظفي مايك بنس، نائب ترمب السابق، الذي اختاره عام 2016 للحصول على دعم الإيفانجيليين: «أعتقد أن ما نشهده، الآن، هو هجوم مباشر كامل على التيار المحافظ… يمكنك أن تنظر إلى المنصة، وهي تبتعد عن قضايا مثل الحياة والزواج التقليدي، وتتبنّى التعريفات الجمركية في جميع المجالات». وأردف: «أشعر بأن الحزب ذهب خطوة أخرى إلى الأمام، عندما يكون لديك متحدثون يقولون بشكل أساسي إن (الناتو) كان مخطئاً في موقفه من غزو بوتين لأوكرانيا، ويصفون مَن يخلقون فرص العمل بأنهم (خنازير الشركات)». وخلص إلى القول: «هذا خروج هائل عما كان عليه حزبنا، ولا أعتقد أنه وصفة للنجاح».

ولكن من جي دي فانس؟

بطاقة شخصية وعائلية

وُلد جيمس ديفيد فانس في مدينة ميدلتاون، بجنوب غربي ولاية أوهايو، وأمضى جزءاً من طفولته في مدينة جاكسون، بولاية كنتاكي.

وعلى أثر طلاق والديه تولّى تربيته جدُّه لأمه، بينما كانت الأم تعاني إدمان المخدرات. وبعد تخرّجه في المدرسة الثانوية بمدينة ميدلتاون، التحق بسلاح مشاة البحرية «المارينز»، وخدم 4 سنوات في العراق بمهامّ إدارية، ما مكّنه من توفير كلفة دراسته الجامعية.

وبالفعل، في أعقاب تسريحه من الخدمة العسكرية التحق بجامعة ولاية أوهايو، ثم بكلية الحقوق في جامعة ييل الشهيرة. وبعد تخرّجه عمل في شركة «باي بال»، للملياردير بيتر ثيل، الذي كان شريكاً مع إيلون ماسك فيها. ثم أسّس فانس شركته الخاصة للعمل في رأس المال الاستثماري، ثم رشح نفسه عام 2022 لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، وفاز بالمقعد.

زوجته، أوشا تشيلوكوري فانس، تتحدر من أصول هندية، فولداها مهاجران من الهند. ولقد درست الحقوق في جامعة ييل، وتابعت دراسات عليا في جامعة كمبريدج ببريطانيا. وحققت في مجال المحاماة مسيرة مهنية جداً، وعملت كاتبة لدى قاضي المحكمة العليا جون روبرتس، وقاضي المحكمة العليا بريت كافانو. وفي كتابه «مرثية هيلبيلي» وصفها فانس بأنها «مرشدته الروحية» التي ساعدته على النجاح.

قضايا حملته الانتخابية

يركّز المتابعون، اليوم، على نظرة فانس إلى القضايا التي يرجّح أن تكون محوَر حملته الانتخابية مع ترمب، خلال الأشهر المقبلة، وقد تُهيمن على سياسات البيت الأبيض، في حال فازا بالسباق.

بدايةً، يعارض فانس حقوق الإجهاض بشدة، حتى في حالة سفاح القربى أو الاغتصاب، لكنه مع استثناءات للحالات التي تكون فيها حياة الأم في خطر. وكان قد أشاد بقرار المحكمة العليا الأميركية التي أبطلت هذا الحق، وكان عنواناً رئيساً لترشحه لعضوية مجلس الشيوخ عام 2022، لكنه، رغم ذلك، التحق بموقف ترمب الذي يعارض حظر الإجهاض على المستوى الفيدرالي ويتركه للولايات.

قضية الهجرة كانت أيضاً في طليعة اهتمامات حملته عام 2022، وعكست آراؤه، إلى حد كبير، آراء ترمب، فهو مع إكمال بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وأعلن أنه «سيعارض كل محاولة لمنح العفو للمهاجرين غير الشرعيين، الذين عدَّهم مصدراً للعمالة الرخيصة التي تُخفّض أجور العمال الأميركيين، وتأتي على حساب 7 ملايين أميركي خرجوا من سوق العمل». ثم إنه يفضل ما سمّاه «النظام القائم على الجدارة للمهاجرين»، الساعين إلى الاستقرار في أميركا، قائلاً إن الحدود المفتوحة مصدر للمخدّرات غير المشروعة وتدفق «مزيد من الناخبين الديمقراطيين إلى هذا البلد».

فانس يدعم بقوة، في المقابل، فرض تعرفات واسعة النطاق، خاصة على البضائع المستوردة من الصين؛ «لأنها تشكل تهديداً غير عادل للوظائف والتجارة الأميركية». ولقد قال: «نحن بحاجة إلى حماية الصناعات الأميركية من كل منافسة». ويتوافق موقفه هذا، إلى حد كبير، مع ترمب، الذي اقترح فرض تعرفة جمركية قد تصل إلى 100 في المائة، على بعض البضائع الصينية، وتعرفات شاملة بنسبة 10 في المائة على كل البضائع الواردة إلى البلاد.

وحول البيئة، يرى فانس أن «تغير المناخ لا يشكل تهديداً»، مشككاً في الإجماع العلمي على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض ناجم عن النشاط البشري، ولذا يؤيد بقوة صناعة النفط والغاز التي تهيمن على ولايته أوهايو، ويعارض توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية.

إرث الريغانية

على صعيد آخر، أكثر ما يثير قلق الخائفين على إرث «الريغانية» من فانس مواقفه في السياسة الخارجية، إذ إنه من أبرز «حمائم» الأمن القومي في الحزب، ويعزّز يد القوى الانعزالية الحريصة على التراجع عن إجماع الحزب الجمهوري المتشدد الذي استمر منذ عهد رونالد ريغان. وإذا ما فاز ترمب في الانتخابات، فسيحظى أنصار الإحجام عن التدخل الخارجي بنصير قوي وصريح لهم إلى جانب ترمب.

ومثالاً، فانس من أبرز المعارضين لدعم أوكرانيا في الحرب مع روسيا. وسبق له أن قال، في مقابلة إذاعية مع الحركي اليميني المتشدد ستيفن بانون: «أعتقد أنه من السخف أن نركز على هذه الحدود في أوكرانيا». وتابع: «يجب أن أكون صادقاً معك، لا يهمُّني حقاً ما يمكن أن يحدث لأوكرانيا…». وفعلاً، قاد فانس، قبل أشهر، معركة فاشلة في مجلس الشيوخ؛ لمنع إرسال حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 60 مليار دولار لأوكرانيا. وكتب، في مقالة رأي بالـ«نيويورك تايمز»، موضحاً: «لقد صوتت ضد هذه الحزمة في مجلس الشيوخ، وما زلت معارضاً لأي اقتراح للولايات المتحدة لمواصلة تمويل هذه الحرب.. بايدن فشل في توضيح حتى الحقائق الأساسية حول ما تحتاج إليه أوكرانيا، وكيف ستغيّر هذه المساعدة الواقع على الأرض».

وعلى مواقف كهذه اتهمته ليز تشيني – التي كانت زعيمة كتلة الجمهوريين بمجلس النواب قبل إقالتها لمعارضتها ترمب – على منصة «إكس»، بـ«أنه يستسلم لروسيا ويضحّي بحريّة حلفائنا في أوكرانيا.. لم يعد حزب ترمب الجمهوري هو حزب لنكولن أو ريغان أو الدستور». غير أن فانس أكد أن تقديم المساعدات لأوكرانيا يتماشى تماماً مع إرث رونالد ريغان. وشرح: «انظر، أعتقد أن ريغان كان رئيساً عظيماً، لكنه أيضاً تولى الرئاسة قبل 40 أو 45 سنة في بلد مختلف تماماً».

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن فانس مؤيد ثابت متحمس لإسرائيل، قبل وطوال حربها في غزة، ودافع عن سياساتها في مواجهة الانتقادات المتزايدة بشأن عدد القتلى المدنيين الفلسطينيين. وعندما نظر أعضاء مجلس الشيوخ في مشروع قانون ينص على توفير مساعدات عسكرية لكل من إسرائيل وأوكرانيا، رفض فانس ذلك، وكتب: «لدى إسرائيل هدف يمكن تحقيقه.. أما أوكرانيا فلا».

ثم إنه ردَّد تصريحات رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، عن «الحاجة إلى القضاء على (حماس)»، بعد هجوم «حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وهاجم الرئيس جو بايدن؛ لتأخيره شحن الأسلحة إلى إسرائيل، معترفاً بالضحايا المدنيين في غزة، لكنه ألقى اللوم على «حماس» وليس على إسرائيل.

وأخيراً، بشأن علاقة فانس بترمب، تجدر الإشارة إلى أنه أعاد تشكيل نفسه تماماً باعتباره نصيراً متحمساً لحركة «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» الترمبية، إذ إنه لم يدعم ترمب في السابق، ولم يصوِّت له عام 2016، بل ذهب أبعد ملمّحاً بأنه يمكن أن يكون «هتلر أميركا»، منتقداً خطاباته المناهضة للمهاجرين والمسلمين، لكنه تحوّل فجأة إلى أحد أبرز المدافعين عنه، قائلاً إنه «كان مخطئاً» في تقييم سياساته.

أيضاً أيّد فانس ادعاءات ترمب بتزوير انتخابات 2020، وشكّك في أن (نائب الرئيس) مايك بنس كان في خطر، لأنه رفض، بصفته رئيساً لمجلس الشيوخ، منع التصويت الذي يؤكد صحة فوز بايدن. ومما صرّح به فانس، لشبكة «سي إن إن» قوله: «أعتقد أن أهل السياسة يحبّون المبالغة في الأمور من وقت لآخر. يوم 6 يناير كان يوماً سيئاً، لكن فكرة أن دونالد ترمب عرّض حياة أي شخص للخطر عندما طلب منهم الاحتجاج سلمياً فكرة سخيفة»… وقد حظي بعدها بدعمه للترشح في مجلس الشيوخ عام 2022.

ايلي يوسف

الشرق الاوسط