أزمة السيولة في غزة: عملات قديمة عادت للتداول… والحصول على الراتب يمر بابتزاز التجار

Spread the love
image_pdfimage_print

في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، مع اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على غزة، أغلقت البنوك الفلسطينية جميع فروعها في القطاع، وتوقفت جميع عمليات السحب والإيداع، ومنذ ذلك الوقت لم يدخل إلى غزة أيّ أوراق نقدية من إسرائيل.
والعملة المتداولة في فلسطين هي الشيكل، وتعتمد البنوك الفلسطينية على تمويل البنك المركزي الإسرائيلي لها بالعملات الورقية.
وزاد الطلب على الأوراق النقدية، واختفت تدريجياً من أسواق التداول، لعدة أسباب، بينها توجه آلاف العائلات للسفر حيث تصل تكلفة الفرد الواحد (5 آلاف دولار أمريكي) وزيادة الطلب على الاحتياجات الأساسية للأسر التي نزحت ولم تأخذ معها شيئاً من أغراضها، والتضخم غير المعقول في أسعار السِلع والبضائع التي ما زالت موجودة في الأسواق بشكل نادر وشحيح قلّص القيمة النقدية للنقود.
وفي الشهر الرابع للعدوان، دمر جنود الاحتلال ماكينات الصرافة الآلية وسرقوها، وسرقوا مخزون التجار والأغنياء من النقود، كما سرقوا خزائن البنوك في شمال غزة، وقاموا بتدمير عدة فروع للبنوك في مختلف محافظات القطاع، خصوصا فروع البنك الوطني الإسلامي وبنك الإنتاج، التابعين لحركة «حماس».
وعليه بات الحصول على العملات الورقية من الشيكل والدولار الأمريكي والدينار الأردني شبه مستحيل.
وظهر تجار العملة الذين يبتزون الناس بالنسب المئوية للصرف، حيث وصلت نسبة الصرف إلى (20٪) في شمال غزة، وتتراوح من (8٪ – 17٪) في مناطق جنوب القطاع. حيث لا يمكن للموظفين صرف رواتبهم من البنوك فيتوجهون إلى تجار العملة من أجل الحصول على النقود «كاش» ويتم استغلالهم بصورة بشعة. حاجة الناس للنقود بعد أشهر من الحرب، بعدما نفدت الأموال التي كانوا يحملونها أو التي خزنوها نقداً، دفعتهم للسحب من أرصدتهم البنكية عن طريق تجار العملة أيضاً.
وأثناء تجوّلك في الأسواق تجد أنّ العملات النقدية الجديدة قد اختفت تماماً من السوق، وحلت مكانها العملات النقدية القديمة والبالية، وهي من الأموال التي كان يخزنها التجار في مناطق جنوب القطاع.
يتفقّد البائع عمر السكني، في سوق دير البلح ما يحمل من النقود قائلاً لـ «القدس العربي»: «في بداية الحرب كانت الأوراق النقدية متوفرة بكثرة، ولم نواجه هذه المشاكل التي نواجهها حالياً حيث لا توجد سيولة نقدية في الأسواق، مما يضطرنا للتعامل مع الأوراق النقدية القديمة والبالية، والتي تتسبب لنا أحياناً بخسائر، لأن التجار لا يأخذونها مقابل بضائعهم، فهذه الأوراق كانت قد انقرضت في الأسواق، والآن ظهرت فجأة وامتلأت الأسواق منها».
ويكمل: «الناس تعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بسبب الحرب وانعدام فرص العمل، وقِلة النقود وغلاء الأسعار وزيادة الطلب على البضائع الأساسية كالأكل والشرب وأدوات النظافة والملابس وغيرها. الناس نزحت ولم تعد تملك شيئاً، ونحن الآن قد اقتربنا من عام على الحرب، فالناس صرفت كل ما تملك من الأموال، وليس بمقدورها توفير الأموال، بالرغم من شُح الاوراق النقدية بالأسواق».
وفي المكان نفسه في سوق دير البلح تجد طابوراً طويلاً يقف فيه سعد الغوراني، من أجل سحب راتبه الذي يتقاضاه من السلطة الوطنية الفلسطينية عبر أحد مكاتب الصرافة.
ويقول الغوراني لـ «القدس العربي»: «أنا كغيري من الموظفين، في حاجة ماسة للمال من أجل توفير احتياجاتنا في النزوح، بعد أن تركنا كل ما نملك خلفنا في مدينة غزة، واضطررنا للهرب من الموت والدمار. كلما وفّرنا بعض الأدوات والمقتنيات يطالبنا الجيش الإسرائيلي بالنزوح مرة أخرى في اتجاه أماكن أخرى، وفي كل مرة نفقد فيها أغراضنا ونحتاج المال لشرائها مرة أخرى، بالرغم من ارتفاع الأسعار الجنوني وقلة فرص الحصول على النقود».

منذ بدء العدوان لم تدخل القطاع أي أوراق نقدية… والاحتلال دمّر بنوكاً وماكينات صرافة

ويضيف: «يقوم تجار الصرافة باستغلالنا لعدم مقدرتنا الحصول على الكاش، ويصرفون لنا رواتبنا بنسبة (13٪) من قيمة الراتب، يعني كل (1000 شيكل) نضيف فوقها (130 شيكلا) من أجل استلامها نقداً، ولا نعرف طرقا أخرى للحصول على رواتبنا، وليست أمامنا خيارات، وهذا ما يجعلنا مُكرهين على التعامل مع هؤلاء التجار الفاسدين».
وفي شمال غزة، حيث وصلت العمولة لـ(20٪) يقول اسماعيل علي لـ«القدس العربي»: «منذ أشهر لم يدخل أي أوراق نقدية إلى قطاع غزة، تحديداً منطقة شمال القطاع المحاصرة منذ أول أسبوع بالحرب، وقد سرق الاحتلال عشرات البنوك وخزنات النقود، ما جعل السيولة معدومة في الشمال، حتى أن تجار الصرافة لا يملكون سيولة لأنفسهم».
وأضاف: «يعتمد الناس هنا على تدوير الأموال نفسها في الأسواق، يعني أنا اليوم أملك مبلغا من المال أقوم بالشراء به، غداً المبلغ نفسه يذهب لشخص آخر ثم لآخر ثم يعود إلي عبر عملية معقدة من البيع والشراء، فليس لدينا خيارات أخرى، وكان مؤخراً قد انتشرت الأوراق النقدية القديمة في الأسواق والتي يرفض أغلب البائعين التعامل معها على خِلاف مناطق جنوب القطاع».
وزاد: «أغلب العائلات في الشمال تعتمد على المساعدات المالية لهم من أقاربهم وأصدقائهم في الخارج، هنا لا نملك رفاهية العمل، بل نقضي أوقاتنا فقط بالنزوح من منطقة إلى أخرى، وبالهرب من الموت، المهم أنّ هذه الأموال عند قيام المرء بصرفها وتحويلها من عملة الدولار مثلاً إلى الشيكل فهو يخسر قرابة (10٪) من قيمتها الحقيقية، ومن ثم يأخذها نقداً فيخسر (20٪) من قيمتها بعد الصرف، مما يجعل حصوله على الكاش شبه مستحيل، وأكثر صعوبة، ولكن الناس هنا تعيش بمجاعة تحت النار، وهم في حاجة إلى كل (شيكل) من أجل تأمين أقل ما يمكن تأمينه لاستمرار على قد الحياة قدر الإمكان».
باسل السلطان لـ «القدس العربي» وهو مسؤول عن توزيع مساعدات في الشمال وتكية طعام، قال لـ «القدس العربي»: «يقوم المتبرعون بإرسال الأموال لنا عبر حساباتنا على البنوك الفلسطينية، ولكننا نجد صعوبة كبيرة في الحصول على هذه الأموال من أجل شراء وتأمين الطرود الغذائية والمواد اللازمة للتكيات، مما يضطرنا أحياناً للتعامل مع تجار الصرافة الفاسدين».
ويتحدث عن حل آخر وهو التحويل البنكي، أي الدفع عبر تحويل النقود بنكياً من خلال تطبيقات البنوك على الهواتف الخلوية، وهو «ما يسهل عمليات الشراء».
ووفق السلطان: «حسابات المبادرين الذين يعملون على تقديم خدمات ومساعدات للناس، مليئة بالأموال، لكن لا يمكنهم الحصول عليها نقداً من أجل توفير وشراء المساعدات وتقديم الخدمات للنازحين وغيرهم، مما يصعّب عليهم وعلى المحتاجين حياة الحرب والنزوح، فنُدرة الأوراق النقدية سببت الكثير من العوائق في طريق تقديم الخدمات».
ويقول عائد الخزندار لـ«القدس العربي» أحد موظفي البنوك في القطاع: «الاحتلال يرفض دعم قطاع غزة بالعملات الورقية، كنوع من العقاب الجماعي الذي يمارسه ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ضمن حربه المسعورة على كل شيء حي في هذه البقعة».
ويضيف: «عادةً عملية تدوير النقود من المستهلك للتجار للصرافين للبنوك تعود إلى البنك الإسرائيلي المركزي، ومن جهته يقوم بإرسال واستقبال النقود الورقية من وإلى البنوك الفلسطينية، كعمليات السحب والايداع».
ويكمل: «لكن بسبب الحرب توقفت هذه العمليات منذ أكثر من تسعة أشهر، فليست هناك سيولة نقدية في فروع البنوك العاملة في القطاع، وخصيصاً بعد تعرض عشرات الفروع للقصف والتدمير والسرقة، واليوم يقوم التجار الفلسطينيين بإيداع مبالغ نقدية ليست كبيرة من أجل شراء بضائع من الضفة الغربية والداخل المحتل، وبدورها تقوم البنوك بتصريف هذه السيولة عبر فروعها العاملة في مخيم النصيرات إلى المواطنين، ولكنها لا تكفي 2٪ من حاجة المواطنين والموظفين، فهناك طلب دائم ومستمر على السيولة لحاجة الناس سد احتياجاتهم اليومية، وحسابات الآلاف من الفلسطينيين مليئة بمالغ كبيرة من الأموال ولكنهم لا يستطيعون الحصول عليها او حتى على جزء منها».
وتعتبر مشكلة السيولة و«الكاش» أحد أهم مشاكل قطاع غزة بعد أشهر من الحرب على القطاع، وذلك بسبب حاجة الناس اليومية للنقود من أجل احتياجاتهم، وبسبب صعوبة تخزين الطعام والبضائع بسبب النزوح المتكرر وعدم وجود الكهرباء، يجعل الناس في حاجة يومية لشراء الطعام والبضائع واستهلاك يومي أضعاف الأيام العادية، بالإضافة لاستغلال التجار حاجة الناس ورفع أسعار البضائع، خصيصاً بعد عملية رفح منذ اكثر من شهرين، حيث تقلّصت المساعدات بشكل كبير جدًا، بعد اعتماد آلاف العائلات على هذه المساعدات المجانية والتي توقّفت مؤخراً.

محمد الحجار

صحيفة القدس العربي