1

صادرات روسيا إلى الهند تبلغ مستوى تاريخيا ودولة عربية من كبار مشتري البضائع الهندية

ارتفعت صادرات روسيا إلى الهند في مايو الماضي إلى نحو 7 مليارات دولار، وسجلت بذلك مستوى تاريخيا جديدا، في دلالة على عزم موسكو ونيودلهي مواصلة تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية.

وبناء على تحليل أجرته وكالة “نوفوستي” لبيانات وزارة التجارة والصناعة الهندية فقد بلغ حجم التجارة البينية بين البلدين في شهر مايو الماضي 7.5 مليار دولار، مسجلة بذلك مستوى تاريخيا جديدا.

واللافت في بيانات التجارة أن كفة الميزان التجاري هذه تصب بجدارة لصالح روسيا إذ أن صادراتها إلى الهند بلغت قرابة 7 مليارت دولار، فيما استوردت بضائع وسلعا هندية بنحو نصف مليار دولار فقط.

وتفصيلا، بلغت صادرات روسيا إلى الهند في مايو الماضي 7.1 مليار دولار بزيادة مقدارها الثلث عن الشهر الذي قبله (أبريل 2024)، وارتفاعا بنسبة 18% عن حجم التجارة المسجل في الشهر نفسه (مايو 2023) من العام الماضي. 

بالمقابل صعدت صادرات الهند إلى روسيا في الشهر نفسه (مايو 2024) بنسبة 5% لتصل إلى مستوى 425.4 مليون دولار.

وعلى مدى الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري ارتفعت التجارة الروسية الهندية بنسبة 12% ووصلت إلى 30.7 مليار دولار، وهو ما يمثل 48% من حجم التجارة المسجلة بين البلدين خلال العام الماضي ككل.

وصعدت الصادرات الروسية إلى الهند في الفترة (يناير – مايو 2024) بنسبة 11.4% إلى 28.7 مليار دولار، واحتلت بذلك روسيا المرتبة الثانية في قائمة كبار مصدري السلع إلى السوق الهندية بعد الصين التي بلغت صادراتها إلى الهند 41.1 مليار دولار.

كذلك أظهرت البيانات ارتفاع صادرات السلع الهندية إلى السوق الروسية في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بمقدار الربع إلى 2 مليار دولار.

واستحوذت روسيا بذلك على المرتبة التاسع والعشرين في قائمة كبار مستوردي السلع والبضائع من الهند، فيما احتلت الولايات المتحدة المركز الأول إذ استوردت بضائع هندية في الفترة المذكورة بقيمة 34.9 مليار دولار، وبعدها جاءت الإمارات 16.6 مليار دولار ومن ثم هولندا 12 مليار دولار.

وزيادة زخم التجارة بين روسيا والهند يفسر عزم موسكو تعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية مع الدول الصديقة وتوطيد علاقات استراتيجية مع الهند والصين، وخاصة بعد فرض الغرب عقوبات واسعة على موسكو.

وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى العاصمة الروسية الشهر الجاري، اتفقت موسكو ونيودلهي على تعزيز العلاقات وبناء شراكة قوية وواسعة ما يوفر البيئة المناسبة لزيادة التجارة البينية في المستقبل.

المصدر: RT + نوفوستي




بوليتيكو: الاتحاد الأوروبي يعتبر ترشيح الحزب الجمهوري لفانس “كارثة” على أوكرانيا

أفادت صحيفة بوليتيكو نقلا عن مسؤول رفيع المستوى بالاتحاد الأوروبي قوله إن اختيار السيناتور جيمس ديفيد فانس كمرشح جمهوري لمنصب نائب الرئيس الأمريكي يشكل “كارثة” بالنسبة لأوكرانيا.

وجاء في  تصريح أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي للصحيفة: “إن اختيار فانس كان بمثابة كارثة لأوكرانيا”.

وفي وقت سابق من المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أنه رشح السيناتور عن ولاية أوهايو فانس للعمل نائبا للرئيس إذا فاز في انتخابات نوفمبر. وبعد ذلك بقليل، رشح المؤتمر الوطني الجمهوري فانس لهذا المنصب.

ويعد فانس من أشد المنتقدين للتمويل الإضافي لأوكرانيا قبل إقرار أحكام أمن الحدود، حيث عارض إرسال المزيد من الأموال إلى كييف، مشيرا إلى أن أوكرانيا لن تكون قادرة على هزيمة روسيا وأن حزمة جديدة من المساعدات المالية لن تساعد كييف طالما أن كل الأموال المرسلة سابقا لم تفض إلى إنهاء الصراع”، وأن بلاده استنفدت مخزونات الأسلحة بسبب أوكرانيا والتي كانت ستكفيهم لـ10 سنوات، مؤكدا عجزها عن توفير الذخيرة لاحتياجات الأمن القومي للدولة.

وفي تصريحات سابقة له أكد فانس أن الجميع يعلم أن ما يجري يجب أن ينتهي بالمفاوضات، وأن النظرية التي تفيد بأن أوكرانيا ستجبر روسيا على العودة إلى حدود عام 1991 هي أطروحة سخيفة، ولن يصدقها أحد”.

وأوضح أن أوكرانيا قد دمرت وظيفيا كدولة، وأصبح متوسط عمر ضابط القوات المسلحة الأوكرانية 43 عاما، وهو أمر مأساوي، وأشار إلى أنه من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية أن تدرك بأن أوكرانيا سوف تضطر إلى التنازل عن بعض الأراضي للروس“، مؤكدا على أنه ينبغي على السلطات الأمريكية أن توقف إراقة الدماء، لا أن “تكتب مزيدا من الشيكات على بياض للحرب”. 

وشدد السناتور على أن رأيه لم يتغير بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى التراجع، وعدم المشاركة “في جهود أوكرانيا لهزيمة روسيا”.

المصدر: “بوليتيكو”+RT




فانس: في حال فوزه سيبحث ترامب تسوية الأزمة الأوكرانية مع روسيا و”سيكون الجميع في وضع أفضل”

صرح جي دي فانس المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس الأمريكي بأنه إذا فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية، فسوف يتفاوض مع روسيا لإنهاء الصراع في أوكرانيا.

وقال فانس في مقابلة أجرتها معه شبكة “فوكس نيوز” الاثنين: “لقد وعد دونالد ترامب بالذهاب إلى المفاوضات مع روسيا والأوكرانيين لإنهاء هذه المشكلة بسرعة حتى تتمكن أمريكا من التركيز على المشكلة الحقيقية، وهي الصين”.

وحسب فانس، فإن ذلك سيحول دون خطر التصعيد والحرب النووية.

وقال فانس: “لم تكن روسيا لتغزو أوكرانيا لو كان دونالد ترامب رئيسا. الجميع متفقون على ذلك. حتى العديد من زملائي الديمقراطيين متفقون على ذلك في الأحاديث الخاصة”.

وشكك فانس في جدوى إنفاق واشنطن مليارات الدولارات على احتياجات كييف، متسائلا: “ما هو الهدف؟ ما الذي نحاول تحقيقه؟”.

مع ذلك، لم يرد فانس على سؤال وجهته له وكالة “نوفوستي” على هامش المؤتمر الوطني الحزب الجمهوري في ميلواكي، عن كيفية تعامل واشنطن مع موسكو، لكنه وعد بأنه في ظل إدارة ترامب “سيكون الجميع في وضع أفضل”.

وكان الحزب الجمهوري الأمريكي وافق الاثنين على ترشيح السيناتور عن ولاية أوهايو جيمس ديفيد فانس لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة في السباق نحو البيت الأبيض.

ويعتبر أن فانس أشد المنتقدين للمساعدات العسكرية الأمريكية لكييف والتي تكلف البلاد مليارات الدولارات، ويدعو إلى إجراء مفاوضات مع روسيا. وسبق أن قال فانس إن هدف كييف المعلن المتمثل في استعادة حدود عام 1991 غير واقعي، والتسوية تتطلب تعزيز الحياد الأوكراني وتجميد النزاعات على الأراضي.

المصدر: “نوفوستي”




لقادة إسرائيل: اغتيال الضيف لا ينهي حماس ولا يعفيكم من إيجاد البديل

هناك قضيتان أساسيتان ستبقيان بدون جواب حتى لو تحقق نجاح تصفية الضيف. الأولى، ما مصير المفاوضات حول صفقة المفقودين؟ والثانية، كيف ستدار غزة ومن سيديرها؟ لأن تصفية الضيف، مع أهميتها الرمزية والعملية، هي بالأساس تصفية حساب مع ماضيه، وانتقام لعمليات إرهابية فظيعة نفذها، لكن ليس فيها ما يرسم خارطة سياسية وأمنية لما سيأتي. لا أحد يعرف كيف ستؤثر عملية التصفية على صفقة المخطوفين. وبناء على ذلك ثمة شك بأن تصفية الضيف ستطمس أي اعتبار آخر، بما في ذلك المس بالمفاوضات حول إطلاق سراح المخطوفين. هل ستصفي إسرائيل السنوار أيضاً إذا سنحت الفرصة، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يقرر والذي بيده مصير المخطوفين، على أمل ألا يؤدي موته أيضاً إلى موتهم؟

حصل الضيف على عدة ألقاب، منها “رئيس أركان كتائب عز الدين القسام”، و”وزير الدفاع في حماس”، و”مهندس هجوم 7 أكتوبر”، وبالأساس الشخص الذي حول حماس من منظمة إرهابية إلى منظمة عسكرية. ولكن اللقب الأخير يوضح بأن حماس كمنظمة عسكرية ليست منظمة تعتمد على قائد واحد، لا يمكنها البقاء بدونه. ونرى ترجمة هذه البنية في أداء مقاتلي حماس في الأسابيع الأخيرة، حيث إن خلايا صغيرة، ليست كتائب أو ألوية، هي التي تدير المعارك على الأرض، وثمة قادة صغار يخططون وينفذون هجمات دقيقة ضد قوات الجيش الإسرائيلي دون الحاجة للتنسيق مع الأعلى، أو توجيهات عملياتية من القيادة المركزية.

إن تفكك البنية الرئيسية، وربما الهرمية، والانتقال إلى أسلوب عمل “ذري”، الذي عرفته وسائل الإعلام العربية “حرب العصابات”، تتصرف فيه ساحات “أحياء” بشكل مستقل، ميز منظمات كثيرة أخرى، التي انتقلت بسبب ضغط على قيادتها الرئيسية أو بسبب قيادتها العليا، إلى حرب العصابات. هذه هي العملية التي مرت بها “القاعدة” عندما أقام ابن لادن فروعاً في أرجاء دول عربية وفي إفريقيا، ما أعطى الاستقلال العملياتي لكل فرع وكل رئيس فرع. هذه الفروع واصلت وتواصل العمل حتى بعد تصفية ابن لادن في 2011. النتيجة أن حرباً طويلة ودموية ضد الفروع والرؤساء احتلت مكان الحرب ضد القيادة الرئيسية، وأن كل فرع من هذه الفروع كان فيه بديل للقائد المحلي الذي تمت تصفيته.

“داعش” أيضاً، التنظيم الذي في ذروة قوته، سيطر على مناطق واسعة في سوريا والعراق، وبدأ بالفعل في تطبيق فكرة الدولة الإسلامية. وكخطة استراتيجية، فقد تبنى أسلوب اللامركزية في القاعدة، وبنى له فروعاً في دول إسلامية كثيرة. اغتيال زعيم “داعش”، أبو بكر البغدادي، في 2019، وقبل ذلك اغتيال من اعتبر مؤسس التنظيم، أبو عمر البغدادي، في 2010، وقبل ذلك في 2006 اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، زعيم “القاعدة” في العراق الذي جند أبو عمر البغدادي، وريثه… كل ذلك لم يقض على هذا التنظيم الذي ما زالت بعض فروعه تعمل حتى الآن في سوريا والعراق وأفغانستان ودول أخرى. في هذا السياق، ليس من نافل القول التذكير بأن سلسلة التصفيات التي نفذتها إسرائيل ضد قادة حماس في بداية سنوات الألفين، لم تدمر المنظمة أو تفقدها سيطرتها في قطاع غزة ولم تمنع تشغيل فروعها في الضفة الغربية ولبنان.

يخترعون الدولاب

الإمكانية الاستراتيجية الكامنة المهمة، التي تطورت في الحرب في غزة، لا تنبع من تصفية قادة حماس الكبار، بل في فقدان حماس لسيطرتها المدنية في القطاع، التي منحتها الإنجاز الأهم، وإقامة الحكم الإسلامي الفلسطيني في منطقة جغرافية معينة، الذي بواسطته تم إملاء جدول أعمال كل النضال الوطني الفلسطيني والعملية السياسية. بسبب ذلك، حماس مدينة بشكل كبير لنتنياهو الذي قام بالفعل بعمليات عسكرية ضدها، لكن هذه العمليات كانت دائماً “عملية رد” على هجمات إرهابية أو على إطلاق الصواريخ. ومن جهة أخرى، كان يحرص على الحفاظ عليها وعلى مساعدتها، وتمويل استمرار سيطرتها في القطاع. هنا يكمن الفرق الجوهري بين الحرب التي تم شنها والحرب التي يتم شنها ضد تنظيمات إرهابية أخرى مثل “القاعدة” أو “داعش”، وبين الحرب ضد حماس.

في كل الساحات الأخرى التي قادتها الولايات المتحدة والدول المشاركة في التحالف، تم العثور على شركاء محليين في الدول التي انضمت للحرب. الجيش العراقي الذي هزم في 2014 من قبل “داعش” أعيد ترميمه بسرعة، ووقف على قدميه بمساعدة أمريكية مكثفة، وقام باجتثاث منظمة البغدادي، وأعاد لنفسه السيطرة على المنطقة الجغرافية التي احتلها “داعش”. ومصر تستمر في شن حرب ضروس ضد التنظيمات الإسلامية في شبه جزيرة سيناء. والأسد شن حرباً ضد “داعش” وكذلك أيضاً إيران، وحتى “طالبان” تواصل شن حرب دموية ضد هذا التنظيم. النجاح غير كامل، لكن من الواضح أنه بدون سلطة محلية مركزية، قوية ولها دافعية، فإن دولة عظمى وحدها مثل الولايات المتحدة لم تنجح في وقف نشاطات وطموحات هذه المنظمات.

إسرائيل على ثقة بأنها ستخترع الدولاب، وأن بإمكانها إدارة غزة وتدمير سلطة حماس بدون التعاون مع قوة محلية. ولكن تصفية قيادة حماس في غزة لا تطرح البديل لسلطة مدنية فلسطينية. ورفض رئيس الحكومة السماح للسلطة الفلسطينية بلعب دور في القطاع، سيحول الجيش الإسرائيلي إلى شرطي محلي وجهة ستكون مسؤولة عن التعليم والصحة وتوفير المياه والكهرباء، بل وسيبعد من يمكنه استكمال مهمة طرد حماس من السيطرة المدنية ويأخذ منه إنجازه التاريخي.

لكن حتى قبل هذا الانقلاب الاستراتيجي الذي قد يقرر ويحدد مستقبل غزة، فإن تصفية محمد الضيف لا تعفي إسرائيل من الحاجة لطرح خطة عمل عملياتية الآن. على فرض أن صفقة التبادل ستستمر، فالخطة التي وافقت عليها إسرائيل تنص على انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي بعد انتهاء العملية في غزة. ستكون هذه عملية تدريجية، ولكن لن تستطيع إسرائيل في المراحل الأولى التواجد في أجزاء كبيرة في القطاع، وسيسمح للغزيين الذين هجّروا من شمال القطاع إلى الجنوب بالعودة في المرحلة الأولى إلى بيوتهم والبدء في ترميم حياتهم.

هؤلاء السكان سيكونون بحاجة إلى أجهزة مدنية منظمة، شرعية ولديها صلاحيات، تجند المساعدات والاستثمارات، وتنسق نشاطاتها مع إسرائيل ومصر والمجتمع الدولي لتتمكن من ترسيخ بنية تحتية لمؤسسة فلسطينية تستبدل حماس. صحيح أن إنشاء مؤسسة كهذه لن يقضي على حماس التي تعمل كحركة سياسية خارج القطاع وكمجموعة من الخلايا الإرهابية داخل القطاع، ولكن عندها ستجد حماس نفسها أمام سكان وجدوا بديلاً سلطوياً وأفقاً اقتصادياً ومنظمة فلسطينية على شكل دولة تسيطر على هذه المنطقة الجغرافية.

تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




نيويورك تايمز: مفخخات وألغام وكمائن.. كيف تحولت حماس من الحرب التقليدية إلى قتال الشوارع؟

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا حول الطريقة التي تخوض فيها حماس الحرب ضد إسرائيل في غزة والتي تقوم على استخدام الأنفاق والمفخخات والكمائن.

 وفي التقرير الذي أعده عدد من مراسليها قالوا إنهم قابلوا مقاتلين من حماس وجنودا إسرائيليين ومحللين قاموا بتحليل عشرات من أشرطة الفيديو التي نشرها الذراع العسكري لحماس. وقالت الصحيفة إن مقاتلي حماس يخرجون من مخابئهم بزي مدني، يرتدون في بعض الأحيان جينز وملابس رياضية قبل أن يطلقوا النار على القوات الإسرائيلية أو يربطون سيارات الجيش بقنابل متفجرة ويطلقون الصواريخ.

وفي أحيان أخرى يفخخون البيوت المهجورة أو يخدعون الجنود الإسرائيليين للدخول إليها من خلال ترك آثار عن وجود حماس فيها. وتقول الصحيفة إن الجناح العسكري لحماس خاض خلال الثمانية أشهر السابقة حربا لا مركزية وبقوة قتالية خفية، مقارنة مع القوة التي استخدمت في هجمات تشرين الأول/أكتوبر والتي بدأت بعملية منسقة لاختراق الجدار الأمني العازل وفرق كوماندوز بالزي العسكري داخل إسرائيل.

وبدلا من مواجهة القوات الإسرائيلية الغازية بمعارك حقيقية، فقد انسحب معظم مقاتلي حماس إلى قواعدهم ومراكزهم العسكرية، وصدوا القوات الإسرائيلية المتفوقة عدديا وتكنولوجيا من خلال هجمات مفاجئة ومجموعات صغيرة من المقاتلين. ومن تحت الأرض كان جيش الأشباح التابع لحماس يخرج بسرعة ويستهدف الجنود بالقذائف الصاروخية والعودة بسرعة إلى شبكة الأنفاق المحصنة. وفي أحيان أخرى يختبئون في المناطق التي هجرها السكان بعد تقدم القوات الإسرائيلية والتي تركتها لاحقا.

انسحب معظم مقاتلي حماس إلى قواعدهم ومراكزهم العسكرية، وصدوا القوات الإسرائيلية المتفوقة عدديا وتكنولوجيا من خلال هجمات مفاجئة ومجموعات صغيرة من المقاتلين

وتقول الصحيفة إن قرار حماس مواصلة القتال وعدم الاستسلام كان كارثيا على سكان غزة، حيث مضت إسرائيل في حملتها وقتلت حتى الآن 2% من السكان وشردت نسبة 80% منهم، وذلك حسب أرقام الأمم المتحدة ودمرت معظم بنايات غزة. وتبنت الصحيفة هنا الأرقام الإسرائيلية من أن أقل من 350 جنديا قتلوا في غزة وهو عدد أقل مما توقعت في تشرين الأول/أكتوبر.

ورغم الدمار إلا أن حماس استطاعت تحقيق بعض من أهدافها، فقد شوهت الحرب صورة إسرائيل حول العالم، وقادت لاتهامات بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. كما فاقمت من الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي وزادت من الخلافات حول إن كانت هناك إمكانية لهزيمة حماس. وأعادت فكرة الدولة الفلسطينية إلى الخطاب العالمي ودفعت عددا من الدول للاعتراف بها. وأدت الحرب أيضا لنجاة عقيدة حماس. ولا يزال زعيم حماس يحيى السنوار على قيد الحياة إلى جانب القيادات الرئيسية.

وتزعم إسرائيل أنها قتلت أكثر من 14,000 من مقاتلي حماس البالغ عددهم 25,000 مقاتل، وهو رقم لم يتم التثبت من صحته وهو محل خلاف، ولو كان صحيحا فإنه يعني وجود الآلاف من المقاتلين على قيد الحياة. وكشفت الصحيفة في تحليل لأشرطة فيديو بثها الجناح العسكري لحماس إلى جانب مقابلة 3 عناصر فيها وعدد من الجنود الإسرائيليين، أن حماس تعتمد في استراتيجيتها على: استخدام شبكة الأنفاق الممتدة على طول مئات الأميال والتي فاجأت القادة الإسرائيليين، والتحرك بحرية حول غزة بدون أن يراهم الجنود الإسرائيليون.

وزعمت الصحيفة أن حماس تستخدم المنشآت المدنية بما فيها المؤسسات الصحية والمساجد لتخزين الأسلحة ونصب كمائن للقوات الإسرائيلية والهجوم عليها بأعداد قليلة من المقاتلين الذين تزيوا بالزي المدني. وكذا وضع علامات سرية على البيوت، مثل شريط احمر معلق من النافذة أو كتابة جدارية، لكي تعطي إشارة للمقاتلين أن هناك لغما أو كمية من السلاح أو مدخل نفق. كما نجحت حماس بإطالة أمد الحرب حتى تورط إسرائيل في حرب استنزاف طويلة.

ونقلت الصحيفة عن صلاح الدين العواودة، عضو حماس والمقاتل، الذي يعمل حاليا كمحلل سياسي في إسطنبول “الهدف هو الاختفاء وتجنب المواجهة المباشرة وشن هجمات تكتيكية ضد جيش الاحتلال والتحلي بالصبر”. وقال العواودة إن كتائب القسام عملت قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر كـ “جيش بقواعد تدريب ومخازن” و”لكنهم يتصرفون أثناء الحرب كعصابات” من المقاتلين.

ونفى أحد مسؤولي حماس البارزين في قطر، موسى أبو مرزوق، أن تكون حماس قد استخدمت المناطق المدنية لتخزين الأسلحة في البيوت، قائلا إن هذا الكلام يحرف النظر عما ترتكبه إسرائيل من جرائم. وقال أبو مرزوق “لو وجد شخص أخرج سلاحه من تحت سريره، فهل هذا مبرر لقتل 100,000 شخص؟” و”لو كان هناك شخص يخرج سلاحه من تحت السرير، فهل هذا مبرر لقتل مدرسة بأكملها أو تدمير المستشفى؟”.

نفى أحد مسؤولي حماس البارزين في قطر، موسى أبو مرزوق، أن تكون حماس قد استخدمت المناطق المدنية لتخزين الأسلحة في البيوت

ودافع أفراد من حماس عن القتال في المناطق المدنية، نظرا لعدم وجود خيار. وقال العواودة إن حروب التمرد من فيتنام إلى أفغانستان قاتل فيها الناس من بيوتهم و”لو عشت في حي الزيتون، مثلا وجاء الجيش فسأقاتل من هناك ومن داخل بيتي والحي أو من داخل المسجد وسأقاتلهم من حيث وجدت”. وأضاف أن ارتداء مقاتلي حماس الزي المدني هو عمل شرعي لتجنب تعرف الجنود عليهم و”هذا أمر طبيعي لحركة المقاومة” ولا “شيء غير عادي بشأنه”.

 وأصبحت طريقة رد حماس على الغزو الإسرائيلي نموذجا على استراتيجيتها. ففي يوم الجمعة، وعندما تقدمت الدبابات الإسرائيلية وفرق المشاة داخل غزة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لم تلق أي مواجهة تذكر ولعدة أميال، حسب أربعة جنود. في هذه الجمعة قام الجنود بهدم مواقع رقابة لحماس تبعد عدة أمتار عن الحدود، ولم يكن فيها أحد. وقال ليور سوهارين، جندي الاحتياط الذي ساهم في تدمير هذه النقاط “لقد تعلمنا لاحقا أنهم كانوا هناك ولكن تحت الأرض”.

وبعد انسحابهم للأنفاق تخلى المقاتلون عن مساحات من الأرض، وهذا لأن الجيش الإسرائيلي تحرك في طريق لم تزرع فيه حماس ألغاما، وذلك حسب ضابط صغير في حماس ترك القطاع قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر وظل على تواصل مع المقاتلين التابعين له. ولأن استراتيجية حماس هي مهاجمة القوات الإسرائيلية بعد تقدمها وليس التصدي لها مباشرة، حسب قول المقاتل. وكشفت أشرطة فيديو بثتها حماس على منصات التواصل الكيفية التي ظهر فيها مقاتلو حماس من الأنفاق واندفاعهم نحو الدبابات أوعربات الجنود وهم يطلقون المقذوفات الصاروخية عليها أو قنص الجنود من بنادق القنص.

وقال ضابط حماس إن الحركة تحضر لهذه اللحظة منذ عام 2021 عندما خفضت إنتاج الصواريخ البعيدة المدى وزادت من إنتاج المتفجرات والصواريخ المضادة للدبابات. ووسعت من شبكة الأنفاق وأنشأت نقاط دخول وخروج في البيت بحيث لا يتم الكشف عن المقاتلين من الجو. وزودتها بشبكة هواتف أرضية لم تكن إسرائيل قادرة على مراقبتها، حتى وأثناء قطع التغطية على شبكة الهواتف المحمولة، التي تسيطر عليها إسرائيل.

وقال الضابط إن حماس كان لديها مع بداية الحرب ترسانة كافية من الأسلحة لمواصلة الحرب عدة أشهر، وكذا طعام معلب ومياه شرب وتمور تغطي 10 أشهر على الأقل. وامتدت شبكة الأنفاق تحت الطرق الرئيسية والمنشآت المدنية، وبعد تسعة أشهر يقول الإسرائيليون إنهم لم يكتشفوا إلا جزءا صغيرا منها وأبطأ ذلك جهودهم لتدمير الحركة. وتلقت وحدات الكوماندوز التابعة لحماس تدريبات لكي تظل متأهبة ومركزة أثناء نقص الطعام والماء.

ويقول الضابط إن مقاتلي حماس طلب منهم قبل الحرب الاكتفاء بحبات قليلة من التمر يوميا والجلوس لعدة ساعات بدون حركة، حتى مع محاولة المدرب رش الماء على وجوههم لحرف انتباههم. ومع فراغ منازل بسبب الحرب، بدأ المقاتلون بتفخيخها، حيث توقعوا دخول القوات الإسرائيلية إليها. وربطت الألغام بأسلاك تعثر وجهاز استشعار وكاشف صوتي يفجر المتفجرات حالة تحفيزها. وفي أحسن الحالات يقوم مقاتلو حماس بجر الجنود إلى مناطق وإشعارهم بالأمن لساعات وأيام.

ويقول مقاتلو حماس والجنود الإسرائيليون إن حماس تتابع حركة الجنود من خلال كاميرات مخفية، ومسيرات ومعلومات يقدمها مدنيون يراقبون المكان. وتظل فرقة الكمائن لحماس مخفية لحين تقدم القوات الإسرائيلية عدة أميال أو تجمع القوات الإسرائيلية في مكان ولعدة ساعات، بشكل منحهم الأمن والاعتقاد أن حماس لم تعد موجودة. وبعد فترة هدوء تخرج فرقة الكمائن من تحت الأرض، وهي مكونة من 4 جنود في العادة. يقوم اثنان منهم بوضع المتفجرات على جانبي العربة وإطلاق النار، وثالث يحمل الكاميرا لتصوير العملية، أما الرابع فيقوم بتحضير مفخخة جاهزة للتفجير عند عودة الثلاثة وتترك عند مدخل النفق.

وحتى مع زعم إسرائيل أنها هزمت حماس إلا أنها عادت بعد أسابيع وحتى أشهر لمواصلة القتال ضد المقاتلين الناجين من مراحل الحرب الأولى. ويقول أندرياس كريغ، الخبير في استراتيجية الحرب بكينغز كوليج في لندن “إنه بالنسبة لحماس فالأمر له علاقة بتجنب الخسائر قدر الإمكان ومواصلة القتال ليوم آخر، و”هم لم يهزموا بعد”.

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




الصين تجمع الفصائل الفلسطينية لترتيب البيت الداخلي ومناقشة الحرب الإسرائيلية على غزة 

تستضيف العاصمة الصينية بكين، الأحد المقبل، اجتماعاً خاصاً بمعظم الفصائل الفلسطينية، لتحقيق توافق وطني فلسطيني، ومناقشة تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة وموقف الصين من تطورات الأحداث في المنطقة. ويعدّ الاجتماع الأول من نوعه بهذا الحجم، والذي يضم قادة وممثلين لأربعة عشر فصيلاً فلسطينياً، في مسعى تقوده الصين لتسجيل حضورها على الساحة الفلسطينية، وتحقيق اختراق في ملف المصالحة الفلسطينية.

وكان يفترض عقد لقاء في وقت سابق، لكن السلطة الفلسطينية تراجعت عن الاجتماع الموسّع مع كل الفصائل، وهو ما يصطدم برغبة الصين أن يكون لها إسهام في عقد لقاء موسّع لكل الفصائل الفلسطينية.

ويرأس وفد حركة “فتح” نائب رئيس الحركة محمود العالول، بعد أن كان عضو اللجنة المركزية عزام الأحمد يرأس الوفود السابقة. ويعد العالول الشخصية الثانية في الحركة بعد رئيسها محمود عباس في السلّم التراتبي. وجاء التغيير في قيادة وفد “فتح” لإرسال رسالة إيجابية للطرف الصيني المستضيف للقاء الموسّع، مع محاولات التأكيد على رغبة “فتح” الجادة لمناقشة خيارات ترتيب البيت الفلسطيني.

وبحسب مصادر تحدثت مع “القدس العربي”، فإن قيادة “حماس” كانت بصدد إرسال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية لترؤس الوفد “تقديراً لدورها السياسي في مجلس الأمن الدولي”، وتراجعت قيادة حركة “حماس” عن ذلك لاحقاً، على ضوء تصريحات الرئاسة الفلسطينية التي حملت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” تداعيات استمرار الحرب الإسرائيلية، بعد مجزرة مواصي خان يونس. وعمّقت تصريحات الرئيس الفلسطيني من حجم الخلافات بين “فتح” و”حماس”، وتعيد تلك التصريحات جهود ترتيب البيت الفلسطيني إلى نقطة البداية، بحسب متابعين.

 ويرأس وفد “حماس”، بعد تراجعها عن إرسال إسماعيل هنية إلى بكين، عضو مكتبها السياسي  موسى أبو مرزوق.

وعلمت “القدس العربي” أن وفد حركة “الجهاد الإسلامي”، يرأسه نائب الأمين العام محمد الهندي، ويرأس وفد “الجبهة الشعبية” نائب الأمين العام جميل مزهر . فيما ترأس ماجدة المصري وفد “الجبهة الديمقراطية”.

وبحسب مصادر تواصلت مع “القدس العربي”، فإن الصين تحاول أن تلعب دوراً في مسار ترتيب البيت الفلسطيني، وتحاول جمع الفصائل في لقاءات من شأنها الخروج بخطة عمل موضوعية تسهم في إنهاء الانقسام الفلسطيني، الذي يقترب من عقده الثاني.

 ودبّت خلافات بين “فتح” و”حماس” منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية بالانتخابات التشريعية، عام 2006، وحسمها إدارة قطاع غزة في العام الموالي، والإطاحة بقوات كانت تحت لواء محمد دحلان. ويؤدي عددٌ من الدول العربية جهوداً لإنهاء الخلافات بين أهم فصيلين فلسطينيين، لكنها لم تصل لنتيجة حاسمة تنهي الصراع القائم.

وجرت عدة لقاءات موسعة وثنائية بين فصائل فلسطينية، في عواصم عدة، منها القاهرة وموسكو والدوحة، لكنها لم تحقق اختراقاً بين الأطراف.

ولم تفلح الجهود التي تبذلها دول عربية بقيادة مصر منذ عام  حتى الآن في إنهاء الخلافات على تقاسم السلطة بين “حماس”، التي تدير غزة، و”فتح” التي تشكّل العمود الفقري للسلطة الفلسطينية.

القدس العربي




كيف تهدد سياسة طهران في إفريقيا المصالح الإسرائيلية في القارة؟

بينما يتركز الاهتمام الإسرائيلي هذه الأيام بشكل رئيسي على المساعدات التي تقدمها إيران للوكلاء في إطار نظام “السيوف الحديدية”، تواصل طهران توسيع أنشطتها في أنحاء القارة الإفريقية، بما يزيد من التهديد السياسي للمصالح الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية في هذه القارة. وفي ضوء ذلك، يتعين على إسرائيل صياغة استراتيجية تمنع إيران من تحقيق أهدافها فيها.

منذ بداية حرب “السيوف الحديدية” بل وأكثر من ذلك منذ هجوم 14 نيسان/أبريل الذي نفذته إيران ضد إسرائيل باستخدام أسراب من الطائرات بدون طيار، يبدو أن الاهتمام الإسرائيلي في السياق الإيراني يتركز بشكل أساسي على المساعدات التي ترسلها طهران إلى وكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط من أجل الضغط على إسرائيل لوقف الحملة في قطاع غزة وبالتالي إنقاذ حماس، فضلاً عن احتمال نشوب حرب شاملة بين البلدين. إن تركيز إسرائيل على النشاط الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط قد يؤدي إلى إغفال اتجاه مهم للغاية في السياق الإيراني، ألا وهو تزايد النشاط الإيراني في القارة الإفريقية في الأشهر الأخيرة. وهذا النشاط يعرض عدداً من المصالح الأساسية لإسرائيل للخطر في القارة.

لقد كانت إفريقيا قارة “مفضلة” لأنشطة إيران منذ بداية الثورة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى مجموعة واسعة من الأسباب: فقد رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”؛ بل إن طهران أرادت حماية الأقلية الشيعية الكبيرة في جميع أنحاء القارة، كما سعت إلى استغلال موارد القارة لتلبية احتياجاتها الخاصة. هذه الأسباب والقرب الجغرافي لإفريقيا من الشرق الأوسط جعل من القارة عاملاً جاذباً في نظر القيادة الإيرانية.

رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”

وحتى في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، زادت إيران من نشاطها السياسي في جميع أنحاء القارة الإفريقية، ولكن يبدو أن الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، أخذ الفكرة عدة خطوات إلى الأمام. وفي إطار رغبته في تعزيز العلاقة مع “الجنوب العالمي”، كبديل سياسي واقتصادي للغرب، اعتبر رئيسي تعزيز العلاقات مع إفريقيا الهدف السياسي الأول والأهم لرئاسته، وعمل على تعزيز العلاقات مع العديد من الدول. في القارة، عقد العديد من المنتديات المشتركة وزار عدة دول.

وفي الأشهر الأخيرة، زادت إيران أنشطتها في إفريقيا. ولا يتعلق الأمر بتعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية فحسب، بل يتعلق وبرغبة إيران في توسيع مبيعات نفطها إلى العديد من دول القارة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية منها. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل خاص في منطقة شرق إفريقيا، ولكن يمكن ملاحظة الزيادة في النشاط الإيراني بشكل عام في جميع أنحاء القارة.

وفي منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة، تواصل طهران توسيع علاقاتها مع السودان وتنقل إلى أيدي الجيش السوداني طائرات بدون طيار من نوع مهجر 6، لتعزيز قدراتها في إطار العمل المدني في البلاد، ومع الاعتقاد أن إيران بهذه الطريقة ستتمكن من جني مكاسب سياسية وأمنية، من حيث تجديد العلاقة السياسية بين الدول، وإنشاء ميناء لاستخدام طهران في منطقة بورتسودان، وهذه العملية تشبه إلى حد كبير المساعدة التي قدمتها إيران لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، كجزء من الحرب الأهلية التي شنها ضد المتمردين من مقاطعة تيغراي، وهي المساعدة التي أدت إلى تحسين قدرات الجيش الإثيوبي بشكل كبير.

تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية

وإلى جانب تعميق العلاقات مع السودان، جددت طهران علاقاتها الدبلوماسية مع جيبوتي العام الماضي بعد انقطاع دام سبع سنوات. وكان موقع جيبوتي الاستراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب أحد الأسباب الرئيسية لرؤية طهران لتجديد هذه العلاقات. إلى جانب هذه الجهود، تعمل طهران على تعميق علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة من خلال مجموعة واسعة من القنوات.

إن تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية. وستخدم هذه الخطوة عددًا من الأغراض المهمة من وجهة نظر إيران، من بينها زيادة “الحصار الاقتصادي” على إسرائيل، وإعادة بناء قنوات لنقل الذخيرة إلى حماس في قطاع غزة، فضلاً عن تحسين القدرة على زيادة إسقاط قوتها.

وحتى في شمال إفريقيا، تواصل إيران توسيع علاقاتها السياسية مع تونس، ومؤخرًا تم إلغاء شرط التأشيرة للمواطنين الإيرانيين الذين يسعون لدخول البلاد، وذلك على ما يبدو بهدف تسهيل بناء العلاقة الاقتصادية بين البلدين. ويضيف توسيع هذه العلاقات أيضاً إلى العلاقات الاستراتيجية التي بنيت في السنوات الأخيرة بين إيران والجزائر، وكذلك إلى البصمة الأمنية والسياسية التي تتمتع بها طهران في ليبيا. ومن خلال القيام بذلك، تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في البلدان الشمالية من القارة، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، بطريقة تزيد من التهديد الذي تتعرض له القارة الأوروبية، بل وبالأساس لزيادة الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره القيادة الإيرانية معقل النشاط الإسرائيلي/الأمريكي في هذه القارة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الوجود الإيراني يسمح لها بزيادة المساعدات العسكرية لمتمردي البوليساريو، الذين يقاتلون الوجود المغربي في منطقة الصحراء الغربية. وإلى جانب ذلك، تحاول إيران أيضاً توسيع علاقاتها السياسية مع موريتانيا، وبالتالي زيادة “الشعور بالحصار” على المغرب من جانبه الغربي أيضاً.

تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في شمال إفريقيا، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، وهو ما يزيد الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره معقل النشاط الإسرائيلي- الأمريكي في هذه القارة

وإلى جانب هذا النشاط في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، تعمل إيران على توسيع علاقاتها الاقتصادية مع مختلف البلدان في شرق القارة، بما في ذلك كينيا وأوغندا وزيمبابوي. إلى ذلك، تحاول طهران استغلال الفراغ الناجم عن “انسحاب” الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، وكما هي الحال مع الصين وروسيا، فإنها تحاول أيضاً الحصول على حصة اقتصادية وسياسية في تلك الدول. ومن الأمثلة على ذلك النيجر، حيث لدى إيران عدد كبير من المصالح مثل خامات اليورانيوم، التي يمكنها شراؤها لاستخدامها في برنامجها النووي. وفي الواقع، لم يتم الإبلاغ إلا مؤخرًا عن توقيع اتفاقية بين البلدين حول هذه القضية.

ويجب أن تثير هذه التطورات قلق إسرائيل بشكل خاص، لأنها تزيد من التهديد العسكري عليها من منطقة القرن الإفريقي وتهدد قدرتها على مواصلة الاتجاه نحو تشديد العلاقات السياسية مع العديد من الدول في جميع أنحاء القارة. وفي هذه الأثناء، تعمل إيران على الإضرار بالجهود السياسية التي تبذلها إسرائيل، وخاصة تجاه منظمة الدول الإفريقية، من خلال الجزائر وجنوب إفريقيا، اللتين يُزعم أنهما تفرضان ثمناً من دول القارة مقابل دعمها لإسرائيل (المغرب على سبيل المثال). وتستخدم إيران علاقاتها معهم للتحايل على العقوبات المفروضة عليها من قبل الغرب، وقبل كل شيء لتعزيز مكانتها باعتبارها مصدرًا رائدًا للأسلحة في العالم، وذلك بشكل أساسي من خلال تصدير الطائرات بدون طيار التي تمتلكها إلى أي شخص يريدها.

وفي ضوء ذلك، فمن الصحيح أن تفكر إسرائيل في بناء استراتيجية هدفها الحفاظ على قدرتها على النفوذ في القارة الإفريقية إلى جانب تقليص كبير لقدرة إيران على النفوذ في إفريقيا. ولأن التوقيع السياسي لإسرائيل في هذه القارة محدود للغاية (لدى إسرائيل 10 ممثليات في القارة الأفريقية وحدها)، فمن الصحيح دراسة الخطوات التالية:

– التعاون مع دول الخليج، التي تنظر أيضاً بعين الشك الشديد إلى النشاط الإيراني في إفريقيا، والذي يعرض مصالحها الأساسية في القارة للخطر.

– تعميق التنسيق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول التي تخشى النشاط الإيراني وخاصة لتحقيق أسعار الربح (أو الخسارة) لأي دولة تختار عدم التعاون مع إيران.

– تعميق العلاقات الأمنية مع دول القرن الإفريقي ودول شرق إفريقيا؛ لمنع إيران من “السيطرة” على البحر الأحمر لتلبية احتياجاتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تعزيز التنسيق مع مصر فيما يتعلق بالبحر الأحمر. منع الزحف الإيراني في هذه المنطقة.

– تكثيف كبير للحملة السياسية الرامية لمنع إيران من تصدير الأسلحة النووية التي تمتلكها، ومن ثم تحسين وضعها الاقتصادي والأمني ​​(من خلال تبادل هذه المساعدات).

– توسيع المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لدول القارة التي تعارض الوجود الإيراني فيها، والتي اختارت الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، رغم “إغراءات” تعميق التعاون مع طهران.

خلاصة القول، إن توسع النشاط الإيراني في جميع أنحاء إفريقيا يعرض مصالح إسرائيل المهمة في القارة للخطر. ومن دون بناء استراتيجية واسعة مع دول أخرى، يكون هدفها تحدي هذا النشاط، قد تستخدم إيران موطئ قدمها في إفريقيا لزيادة التهديد العسكري والاقتصادي لإسرائيل، ولثني الدول الأخرى عن التعاون معها، ولإقناع الدول الأخرى بعدم التعاون معها، وتحصيل ثمن من تلك الدول التي اختارت زيادة التعاون مع إسرائيل.

داني سيترينوفيتش

منشورات مركز بحوث الأمن القومي الاسرائيلي 15/7/2024

ترجمة صحيفة القدس العربي




واشنطن بوست: الجيش الإسرائيلي متعب من حرب غزة وتذمر جنوده من قتال جديد مع حزب الله بات علنيا

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته شيرا روبن وليور سوروكا قالا فيه إن الجيش الإسرائيلي متعب في غزة ونضبت موارده بسبب الحرب المستمرة منذ عشرة أشهر، وينظر قادته بخوف من تبادل التهديدات بين إسرائيل وحزب الله.
وأشارت التقرير بداية إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وأنهم لا يريدون حربا مع لبنان، لكنهم جاهزون لها، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “نحن جاهزون لكل عملية مكثفة”، فيما هدد وزير دفاعه يواف غالانت بإعادة لبنان “إلى العصر الحجري”.
وذكر أن بين التصريحات المتبجحة هذه هناك مخاوف بين الجنود الإسرائيليين أن الجيش مستنزف ونضبت مصادره بعد أطول حرب تخوضها إسرائيل ومنذ عقود.
وقال الكاتب إنه بعد تسعة أشهر من الحرب العقابية ضد غزة، لم تؤد إلى تدمير حماس ولم يقدم بعد نتنياهو المحاصر سياسيا أي استراتيجية للخروج من هناك.

بعد تسعة أشهر من الحرب العقابية ضد غزة، لم تؤد إلى تدمير حماس ولم يقدم بعد نتنياهو المحاصر سياسيا أي استراتيجية للخروج من هناك.

وأشارا إلى أنه في لبنان ستواجه إسرائيل عدوا أكبر ومجهزا بأسلحة أقوى، مما دفع الخبراء للتحذير من مستنقع عسكري أعمق. وأن إسرائيل تخوض منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر حربا على حبهتين، فبعد ساعات من هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأ مقاتلو حزب الله الذي تدعمه إيران في لبنان بإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، وكانت بداية ضربات متبادلة تسارعت وتعمقت أكثر على جانبي الحدود.
وتقول إسرائيل إنها انتقلت إلى مرحلة أقل شدة في المواجهات بغزة وبدأت التفاوض على صفقة وقف إطلاق النار مع حماس والإفراج عن الأسرى لدى الحركة. إلا أن حزب الله مصّر على عدم وضع أسلحته أو التراجع عن الحدود مع إسرائيل إلا في حالة اتفاقية وقف إطلاق للنار بغزة.

ووفق التقرير يقول حزب الله وإسرائيل إنهما يفضلان الحل الدبلوماسي، لكن أي منهما ليس مستعدا لتقديم تنازلات يتطلبها الحل. والنتيجة هي ركود متوتر وتصاعد في عدد القتلى والمدن الحدودية مهجورة، مزارعها الحيوانية بدون رعاية وثمار أشجارها بدون قطاف، وضغوط مستمرة من النازحين الإسرائيليين على الحكومة للتحرك.
وبحسب التقرير يرسم المخططون العسكريون الإسرائيليون خططا للهجوم على لبنان ومنذ عدة أشهر. وفي يوم الأربعاء وبعد مقتل إسرائيليين في غارات من حزب الله، قال بيني غانتس، الوزير السابق في حكومة الحرب إنه والآخرين دعوا في آذار/مارس إلى توغل في لبنان إلا أن نتنياهو “تردد” ورفض الإلتزام بعودة النازحين إلى بلدات الشمال بحلول الأول من أيلول/سبتمبر وهو بداية السنة الدراسية الجديدة.
وقال غانتس “لا تستطيع إسرائيل تحمل استمرار الوضع كما هو، وخسارة عام آخر” و “حان الوقت لثمن يجب دفعه في الأهداف العسكرية والبنى التحتية المرتبطة بحزب الله”.
وينقل التقرير عن غايل تيلشير، الباحثة السياسية في الجامعة العبرية بتل أبيب قولها إن نتنياهو الذي تفاخر مرة بقدرته على منع الحروب “يعرف بأن الإسرائيليين ليسوا جاهزين لألاف الصواريخ على تل أبيب”. وتؤكد الباحثة على “يعزل” نفسه بدلا من التفكير جديا واتخاذ القرارات المهمة، في محاولة منه لشراء الوقت ويحيط نفسه بالموالين الذين لا خبرة عسكرية لديهم.
ويقول المحللون إن نتنياهو أبعد نفسه أكثر بعد حله حكومة الحرب في أعقاب رحيل غانتس، عن القيادات العسكرية، بمن فيهم غالانت الذي دفع باتجاه وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في غزة والسماح للجيش كي يركز على لبنان. وقال غالانت يوم الأحد “هذه أيام حرجة فيما يتعلق بممارسة قوتنا ضد [حزب الله] والذي لا يرد إلا من خلال القوة”. وكان يتحدث مع استمرار سقوط الصواريخ على إسرائيل بما فيها القاعدة العسكرية في جبل ميرون.

هناك مخاوف بين الجنود الإسرائيليين أن الجيش مستنزف ونضبت مصادره بعد أطول حرب تخوضها إسرائيل منذ عقود

وذكر التقرير أنه لا يتوقع العدد القليل من الإسرائيليين الذين ظلوا في الشمال بعد 8 تشرين الأول/أكتوبر البقاء في حالة من المجهول ولوقت طويل. وقال عومير سيمحي، الذي عمل ولتسعة أشهر في فرقة الدفاع المحلي بكيبوتز ساسا بالجليل الأعلى القريب من الحدود اللبنانية “العائلات متعبة”.

وكانت زوجة سيمحي وولديه من ضمن 100,000 تم إجلاؤهم عن الشمال بعد تساقط صواريخ والمسيرات الإنتحارية والصواريخ المضادة للدبابات على الشمال من حزب الله، مما حول هذه المنطقة الزراعية إلى محور حرب. وتم إجلاء نفس العدد من اللبنانيين الذين شردتهم الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان. وقتل على الأقل 98 مدنيا و300 من مقاتلي حزب الله نتيجة للغارات الإسرائيلية. وقتلت ضربات حزب الله 20 جنديا و11 مدنيا في إسرائيل. و يذكر التقرير أنه عندما يريد سيمحي مشاهدة عائلته يجد بديلا عنه، لكن هناك قلة في المتطوعين و “لا أعرف إن كان هناك حل دبلوماسي أو حرب، وما أعرفه أن الوضع لن يستمر على حاله بهذه الطريقة”.

وقال رئيس المجلس المحلي موشيه دافيدوش إن مئات البيوت دمرت في شمال إسرائيل . وهي صورة صغيرة عما يمكن لحزب الله التسبب به من أضرار حالة حرب شاملة والمتوقع أنها ستؤدي إلى قطع التيار الكهربائي ووابل من المقذوفات والصواريخ وحرب برية واسعة ضد مقاتلين على معرفة بتضاريس المنطقة. ويعتقد أن لدى حزب الله أعدادا ضعف ما لدى حماس وعتادا وذخيرة أربعة أضعاف من ترسانة حماس، بما في ذلك الصواريخ.
ووفق التقرير لهذا فقد أصبح التعبير عن عدم جاهزية إسرائيل للحرب مع حزب الله مفتوحا وعلنيا. ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن يائير غولان، زعيم حزب العمل الإسرائيلي ورئيس هيئة الأركان المشتركة قوله في الشهر الماضي: “لقد تم استنزاف جنود الإحتياط والجيش النظامي حتى النخاع”. وقال يوئيل غوزانسكي، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي “تعودت إسرائيل على الحروب القصيرة” و “لكن بعد تسعد أشهر، أصبح الجيش متعبا، والمعدات بحاجة لصيانة وتم استخدام الذخيرة وتأثرت كل عائلة في إسرائيل بها”.
ويذكرالتقرير أنه رغم الوتيرة المتدنية للحرب في الشمال إلا أن الحرب تركت أثرها الكبير على الجنود في الجبهات الأمامية. ونقلت الصحيفة عن جندي احتياط عمره 25 عاما نقل إلى الشمال بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر قوله إنه وبعد اربعة أشهر من العيش تحت النار فقد تراكم “الإجهاد”. وعندما انتهت مدته وجد “صعوبة للعودة إلى الروتين”. وقال إنه بشعور بالذنب طلب فترة راحة من عمله كمدرس حتى يتأقلم مع الحياة المدنية. ويحضر الآن للعودة مرة ثانية إلى الجبهة، ولكنه يتساءل إن كان جاهزا، وقال إن زملاءه يكافحون أنفسهم.
وقتل منذ بداية الحرب في غزة 325 جنديا وهو أربعة أضعاف ما قتل منهم في عام 2014 وقد تفاقمت الخسائر مع الحس المتزايد بالفشل الإستراتيجي. وقد سحبت إسرائيل معظم قواتها بدون أن تحقق أيا من الأهداف المعلنة، تدمير حماس واستعادة الأسرى.

في لبنان ستواجه إسرائيل عدوا أكبر ومجهزا بأسلحة أقوى، مما دفع الخبراء للتحذير من مستنقع عسكري أعمق

وذكر التقرير أنه قتل أكثر من 38,000 شخصا في غزة حسب وزارة الصحة الفلسطينية. وبالمقارنة فستكون الحرب في لبنان كارثة على الطرفين، حسبما يقول الخبراء. وحذر زعيم حزب الله، حسن نصر الله في الشهر الماضي وبعد نشر لقطات عن ميناء حيفا من “حرب بدون قواعد وبدون حدود”. ونشر وزير الخارجية الإسرائيلي إسرائيل كاتز على تغريدة عبر إكس “نصر الله، لو لم تتوقف عن التهديدات والعنف وتنسحب إلى نهر الليطاني فستكون مدمر لبنان”.
ويرى غوزانسكي إن غزو لبنان قد يكون “مصيدة” وجر إسرائيل إلى حرب مكلفة وبدون نهاية “هناك اعتقاد خاطئ في إسرائيل أن الحرب قد تنتهي في عدة أيام أو أسابيع”. كما أن مشاهد الدمار في لبنان ستزيد من الضغوط الدولية والتوترات مع واشنطن. واشتكى نتنياهو الشهر الماضي من تراجع الدعم العسكري الأمريكي. ومن أجل منع الحرب يطلب الإسرائيليون عبر الأمريكيين والاوروبيين انسحاب حزب الله 10 كيلومترات للشمال من الحدود وخلف نهر الليطاني، وهو الحد العسكري الذي تم الإتفاق عليه بعد حرب 2006.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




ملامح التحالفات في القرن الحادي والعشرين

يُعتبر جسم ما، أو منظومة (System) معيّنة، مستقرّاً، فقط عندما يكون مجموع القوى التي تُمارس عليه مساوياً للصفر. هكذا هي قوّة الأشياء وتأثير الجاذبية. هكذا هي قدريّة تفاعل الأشياء مع بعضها البعض، ونحن كبشر، نُعتبر الجزء الأهمّ في هذا التفاعل. لذلك عندما يختلّ التوازن في منظومة ما، تسعى المكوّنات الأساسيّة لهذه المنظومة إلى التعويض في مكان ما. والهدف دائماً هو إعادة التوازن والاستقرار. لكن ليس بالضرورة أن تعود المنظومة إلى سابق عهدها. فعند كلّ خلل في التوازن، والسعي في المقابل للتعويض، تُنتج هذه العملية منظومة جديدة، لكن أكثر استقراراً. لكن الاستقرار المُستدام ليس من صفة هذه المنظومات، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالدور البشريّ. فحيثما وجد الإنسان، كانت الديناميكيّة والتغيير. وعليه قد يمكن القول إن التغيير هو الثابت الوحيد في التطوّر البشريّ.

التحالفات

تعتبر التحالفات منظومة هرميّة مكوّنة من لاعبين أساسيّين وثانويّين في العلاقات الدوليّة. فهي وبمجرّد تشكّلها، تؤّثر مباشرة في تركيبة النظام العالميّ، فتُحدث خللاً في التوازن، الأمر الذي يؤدّي إلى ردّ فعل من المكوّنات الأخرى للتركيبة العالميّة. والهدف دائماً هو التعويض عن الخلل الذي حدث. تُعتبر التحالفات من ضمن منظومة الردع (Deterrence). هكذا هي حال اليابان مع الولايات المتحدة مقابل الاستراتيجيّة الصينيّة الكبرى في شرق آسيا. هكذا هي حال الدول الصغيرة في أوروبا الشرقيّة. فهي انضمّت لحلف الناتو، فقط كي تردع روسيا عن السعي لاستعادة مناطق نفوذها في محيطها المباشر. في كلّ تحالف كبير، هناك مركز ثقل ومحور أساسيّ تدور حوله كل العناصر المكوّنة لهذا التحالف. ويعود هذا السبب إلى قدرات المركز في الجذب المركزيّ (Centripetal). تتجسّد هذه القدرات أكثر ما تتجسّد في البُعدين العسكريّ والاقتصاديّ للقوّة المركزيّة في أيّ تحالف.

تؤثّر التحالفات مباشرة في الاستراتيجيات الكبرى للدول المكوّنة لها. فاستناداً إلى تركيبة التحالف، الأهداف كما القدرات، ترسم الدول الأعضاء استراتيجياتها، وبشكل تكاملي مع المنظمة ككلّ. في التحالف لا حريّة مُطلقة للدول الأعضاء. فهو يؤمّن الردع، مع تقييدات مهمة في الاستراتيجيّات الكبرى.

يُعتبر النصر على أنه العدو الأوّل للتحالفات. فبعد النصر، يسقط عادة التحالف، أو يتغيّر بشكل جذري. لكن الخطر المُحدق، يعتبر على أنه الصمغ، واللحام (Glue) الذي يربط التحالف ضمن شبكة عنكبوتيّة.

هكذا كانت حال حلف شمال الأطلسي «الناتو»، كما حلف وارسو. تغيّر الناتو، فقط لأن حلف وارسو قد انحلّ، ولم يعد يشكّل الاتحاد السوفياتيّ خطراً وجودياً على الدول المكوّنة لحلف الناتو. ألم يقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن حلف الناتو هو حالة الموت السريريّ؟ لكن الناتو عاد، وبحلّة جديدة بعد عودة الخطر الروسيّ والحرب على أوكرانيا.

كلّما كان التحالف كبيراً، وكلّما ضم بعض الدول ذات الثقل الكبير؛ كان تأثيره على النظام العالميّ أكبر. خرج الزعيم الصيني ماو تسي تونغ من التحالف الشيوعي الكبير مع الاتحاد السوفياتيّ، وذلك بعد زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى بكين. وبسبب هذا الخروج، قال بعض المفكّرين إن العالم انتقل من الثنائيّة إلى عالم ثلاثيّ الأقطاب.

ملامح التحالفات في عالم اليوم

تكفي مراقبة حركيّة رؤساء الدول الكبرى، والدول التي يزورونها، وموقع هذه الدول الجيوسياسيّ، والدور الممكن أن تلعبه هذه الدول، لمعرفة أين سيكون مركز ثقل النظام العالميّ في القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت الثورة الصناعية في أوروبا قد جعلت مركز ثقل العالم لمدّة 500 سنة في العالم الغربيّ. فإن الثورة التكنولوجية سوف تنقل مركز الثقل هذا إلى السهل الأوراسيّ، كما إلى منطقة الأندو – باسيفيك. فما هي المؤشرات على ذلك؟

زار الرئيس بوتين كلا من كوريا الشمالية وفيتنام، وهما دولتان تعتبران ضمن منطقة النفوذ الصينيّ. ففي العام 1979، خاضت الصين حرباً محدودة ضد فيتنام تأديباً لها لمشاركتها الاتحاد السوفياتي آنذاك في السعيّ لتطويق واحتواء الصين. كما أن فيتنام على خلاف مباشر مع الصين بسبب ترسيم الحدود البحريّة في بحر جنوب الصين. وبهذه الزيارات، وحسب بعض الخبراء، يهدف الرئيس بوتين إلى إظهار روسيا على أنها قوّة عظمى، وليست قوّة كبرى مُلحقة بالصين.

في المقابل، زار الرئيس الصيني كازاخستان، وهي منطقة النفوذ الروسي التقليديّة والتاريخيّة. ففي آسيا الوسطى يمر مشروع الرئيس الصيني الحزام والطريق. وعبر كازاخستان سيمر المشروع المشترك مع الصين – الممرّ الأوسط – والذي يتجاوز روسيا. حتى أن هناك الكثير من الأصوات التي بدأت ترتفع في الصين مُطالبة باسترجاع الكثير من الأراضي الصينية التي ضمّها بالقوّة الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي حرمها من إطلالة مباشرة على بحر اليابان.

زار رئيس الوزراء الهندي روسيا مؤخّرا، الأمر الذي يكمّل المثلث الجيوسياسيّ الأهم في العالم ألا وهو: الصين، روسيا، الهند. وهو قلق، أي الرئيس الهندي، من التقارب الروسي – الصيني. فمع الصين وروسيا هناك السهل الأوراسيّ. ومع الهند وروسيا هناك صلة الوصل بين السهل الأوراسيّ ومنطقة الأندو – باسيفيك. فهل يشهد العالم حالياً مرحلة ربط منطقة الهارتلاند (Heartland) حسب ما بشّر به المفكّر الإنجليزيّ هالفورد ماكندر، بمنطقة الريملاند (Rimland) حسب المفكّر الأميركي نيكولا سبايكمان؟ أم أن الشيطان يكمن في التفاصيل؟

وأخيراً وليس آخراً، عقدت في واشنطن قمّة حلف الناتو الـ75. وفيها أتى الحلف على ذكر الصين كخطر محتمل. كما حدّد الحلف استراتيجيته للحرب الروسية على أوكرانيا.

في الختام، يقول الخبراء إنه لا شيء ثابتاً في السياسة، وإن المصالح دائماً تتقدّم على الصداقات، وإن ما يجمع تلك الدول العظمى، خاصة الصين وروسيا، هو العداء المشترك للولايات المتحدة الأميركيّة. لكن ما يُفرّقهم هو القدرية الجغرافيّة. فالجغرافيا تربطهم حكماً، لكن الخلاف على أن من يسيطر عليها كان قد أدّى في بعض الأحيان إلى الاستعداد حتى إلى استعمال السلاح النوويّ من قبل روسيا.

صحيفة الشرق الاوسط




«سودان بديل» في مصر يمنح أبناءه ملاذاً آمناً… ويثير حساسيات

حين كانت الشمس تهبط في الأفق لتأذن لليل بالقدوم، بعد نهار صيفي ملتهب أشار الشاب السوداني مصعب حمدان (33 عاماً) بيده إلى «ميكروباص» متوجه نحو نهاية شارع السودان النابض بالحياة والصخب بالجيزة، ليكتشف عقب صعوده أن السائق والركاب جميعهم من بني وطنه.

لم يُبد مصعب (عامل النظافة بإحدى الشركات الخاصة) بحي المهندسين، أي إيحاء بالتعجب جراء هذا الانتشار اللافت لـ«الجلباب والتوب» بالأحياء المصرية، التي تكرست ملاذاً لآلاف النازحين الفارين من الحرب.

مقهى شعبي بالجيزة يضم تجمعاً سودانياً (الشرق الأوسط)

بعدما أسدل الليل ستاره؛ وصل مصعب إلى شارع «الملكة» المكتظ بالوجوه السمراء، ليجد لافتات المتاجر المضيئة وقد أضيأت بعبارات مثل «سنتر أم درمان لأجود اللحوم السودانية»، ومقهى «ملتقى أحباب السودان»، ومخبز «باب جنقرين للخبز البلدي السوداني»، و«مطعم القراصة» و«سلطان الكيف» التي تقع جميعها في نطاق جغرافي ضيق.

«نحن نعيش في مجتمع سوداني متكامل بمصر، لا ينقصنا أي شيء سوى المساحات الفسيحة وظلال الأشجار الوارفة»، وفق ما يقول مصعب لـ«الشرق الأوسط».

متجر لبيع الملابس السودانية (الشرق الأوسط)

الحضور السوداني الكثيف في أحياء مصرية، عكسته أرقام رسمية أشارت إلى وصول أكثر من نصف مليون نازح سوداني إلى الأراضي المصرية منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» العام الماضي، بينما أكد سوادنيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأعداد الحقيقية تفوق هذا الرقم بكثير، لا سيما بعد عبور أعداد كبيرة منهم بشكل غير نظامي عبر الصحراء على مدار الأشهر الماضية».

وتقدِّر الحكومة المصرية عدد السودانيين بنحو 5 ملايين من أصل 9 ملايين لاجئ على أراضيها، فيما يصفهم الرئيس عبد الفتاح السيسي بـ«ضيوف مصر».

انتشار لافت للمحال السودانية بمحافظة الجيزة المصرية (الشرق الأوسط)

وتسبب التدفق الكبير في عدد السودانيين منذ اندلاع الحرب الأخيرة في بلادهم، في الضغط على مكاتب المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين، في القاهرة والإسكندرية، حيث يتم استقبال نحو 3 آلاف طلب لجوء يومي، مما رفع عدد السودانيين المسجلين لدى المفوضية 5 أضعاف عمّا كان عليه سابقاً، ليبلغ اليوم 300 ألف. ويمثل هذا الرقم 52 في المائة من مجمل عدد اللاجئين المسجلين في مصر لدى المفوضية في أبريل (نيسان) الماضي.

تجمُّع سوداني على أحد المقاهي (الشرق الأوسط)

ولهذا السبب فإن المفوضية تتوقع «ازدياد الطلب على التسجيل بشكل مستمر في الأشهر المقبلة بسبب الوضع المضطرب في السودان، مع عدم وجود آفاق فورية لسلام مستدام في الأفق»، مقدرةً عدد السودانيين الذي ينتظرون التسجيل بنحو ربع مليون شخص.

تكتلات

شوارع العاصمة المصرية التي يبدو عليها الهدوء نهاراً، بفعل الحر القائظ، يملأها الصخب كلما اقترب قرص الشمس الذهبي من المغيب، حيث يجري تلطيفها بالمياه قبل أن تتمدد إليها كراسي المقاهي، التي يفضلها سودانيون للقاء بعضهم في ملاذهم الجديد المكتظ بأحياء مثل: «الملك فيصل»، وأرض اللواء، وإمبابة بالجيزة، وحدائق المعادي بالقاهرة، والعاشر من رمضان بالشرقية، وبعض مناطق الإسكندرية، وأسوان، حيث فرضت المتاجر والمطاعم والمخابز وصالونات الحلاقة ومحال بيع الملابس والعطارة واللحوم السودانية نفسها بشكل متزايد، وهو ما وُصف في وسائل الإعلام المصرية بـ«التكتلات السودانية».

لا تخطئ العين الوجود السوداني اللافت في الشوارع (الشرق الأوسط)

لا تخطئ العين الملامح السودانية والثوب التقليدي في الشوارع الرئيسية والفرعية بالقاهرة والجيزة، حيث يوجد الباعة السودانيون ومواطنوهم ممن اقتحموا مجالات عمل كانت مقتصرة على مصريين لعقود، من بينها قيادة سيارات الأجرة والميكروباص داخل الأحياء الشعبية؛ وهو ما عدّه مصعب «أمراً معبِّراً عن سرعة اندماج الوافدين الجدد في تفاصيل الحياة في مصر».

ومن فرط حضور «الزول»، (كلمة معناها الرجل في اللهجة السودانية)، أصبح معتاداً استخدام المفردات السودانية في المتاجر والشوارع والحارات ووسائل المواصلات، لكنَّ محمد عبد المجيد سائق إحدى سيارات الأجرة، التي تعمل في شارع السودان بالجيزة يتقن اللهجة العامية المصرية، ولذلك يجد بعض المصريين صعوبة في معرفة كونه سودانياً.

جانب من إقبال سودانيين على مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

لقد تكيف عبد المجيد صاحب الوجه الدائري الباسم مع تفاصيل القيادة في الشوارع القاهرية، فبات يحفظ أسماء ومواقع المحطات عن ظهر قلب، مؤكداً أنه في أوقات متكررة تكون معظم حمولة سيارته من الركاب السودانيين الذين يندمج معهم بتشغيل أغانيهم الفلكلورية: «تشعر كأنك في فرح وليس في مواصلات عامة».

عبد المجيد ليس السائق السوداني الوحيد على خط «شارع السودان» بالجيزة، لكنه واحد من بين 30 سائقاً يحترفون السير في الزحام ويهربون منه إلى شوارع ضيقة بديلة.

السائق السوداني محمد عبد المجيد (الشرق الأوسط)

في أحد أروقة حي فيصل الشهير بالجيزة، كان صاحب متجر العطارة السوداني الستيني عادل محمد، الذي عكست عيناه طمأنينة ترسخت على مدى السنوات الخمس التي قضاها في مصر، ينتظر زبائنه المعتادين في المساء.

«رغم أن معظم زبائني من السودانيين المقيمين هنا فإن جيراني من المصريين يشترون منّي بهارات الطعام والزيت والسمن والسكر»، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط». موضحاً أن «سبب اكتظاظ المنطقة بالسودانيين يعود إلى تفضيل كثير منهم الإقامة بجوار أقاربهم وعائلاتهم لتقليل الشعور بالغربة، وهو ما خلق مجتمعاً سودانياً متكاملاً هنا». مؤكداً أن «السودانيين يتمركزون في الجيزة، بدايةً من أول محيط شارع فيصل الشهير حتى نهايته لمسافة تقترب من 10 كيلومترات».

ملاذ بديل

لم تكن مواقع «التواصل الاجتماعي» بعيدة عن رصد هذا الوجود السوداني الكثيف في مصر، حيث كرست بعض مقاطع الفيديو فكرة وجود «سودان بديل في البلاد، ومن بينها تعليق مؤثّر سوداني تندَّر على الوجود المكثف لأبناء وطنه بحي فيصل بالجيزة قائلاً: «إذا كنت سودانياً تعيش في الخارج وترغب في رؤية أهلك وبلدك ما عليك سوى الذهاب إلى الجيزة المصرية».

وهو ما يؤكده مصعب، معتبراً أن «مراكز التعليم والمتاجر والمطاعم والمقاهي السودانية على اختلاف أشكالها وأنوعها؛ قد فرضت وجودها على الشارع المصري، حتى بات الخبز السوداني الأبيض ملمحاً مهماً في متاجر مصرية عديدة».

مَخبز سوداني (الشرق الأوسط)

وتشعر زينب مصطفى، وهي سيدة خمسينية قَدِمت إلى مصر من الولاية الشمالية بالسودان، بـ«الأمان» وهي تجلس داخل شقة فسيحة بمنطقة «اللبيني» بحي الهرم (غرب القاهرة) رفقة أبنائها وأختها وبناتها.

مكثت زينب فترة طويلة في مصر من دون زوجها الستيني الذي «لحق بها أخيراً بعد تمكنه من دخول مصر بشكل غير نظامي عبر الصحراء، وهو يبحث راهناً توفيق أوضاعه ليتمكن من العمل في أي وظيفة».

ويعد عشرات آلاف السودانيين الفارين من نار الحرب في السودان، مصر «الملاذ الأفضل» راهناً، لامتلاكها مقومات الحياة والبنية التحتية، ومن بينهم فاطمة حسن التي تمكنت من دخول مصر عبر مسارات التهريب الوعرة أخيراً.

سودانيات في محطة مترو «السودان» بالقاهرة (الشرق الأوسط)

خشيت فاطمة على بناتها من «الاغتصاب على يد الميليشيات المسلحة بالسودان»، وقررت دخول مصر بشكل غير نظامي، وفق ما قالته لـ«الشرق الأوسط».

الحر الشديد والعطش أنهكا فاطمة وبناتها الثلاث على مدار ساعات طويلة لم يذقن فيها طعم الراحة أو النوم، قبل أن تنجح في الوصول إلى الجيزة لتنضم إلى شقيقتها التي سبقتها إلى هناك منذ عدة أشهر، حسب قولها.

ورغم الإعلان عن توقيف حافلات لنازحين سودانيين دخلوا البلاد بطريقة غير نظامية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، فإن عبد الله قوني المقيم في حي المعادي بالقاهرة منذ 15 عاماً ويقصده الكثير من النازحين السودانيين الجدد للمساعدة في توفير مسكن أو فرصة عمل، يؤكد «وصول نحو 11 حافلة من أسوان تقل سودانيين يومياً كلهم من المهاجرين غير النظاميين الذين يدفع الواحد منهم نحو 500 دولار أميركي للمهربين نظير نقله إلى مصر»، وهو ما تؤكده فاطمة كذلك.

تعليم

ومن بين أهم ملامح «السودان البديل» رؤية التلاميذ من أصحاب البشرة السمراء وهم في طريقهم من وإلى المدارس السودانية التي زاد عددها بشكل مطّرد خلال الأشهر الأخيرة، مما دعا السلطات المصرية إلى إغلاق بعضها من أجل «تقنين الأوضاع».

ويقدِّر سامي الباقر، المتحدث باسم نقابة المعلمين السودانية، عدد المدارس السودانية في مصر بنحو 300 مدرسة للتعليم الأساسي والمتوسط.

متجر في منطقة فيصل التي تشهد تكتلاً كبيراً للجالية السودانية (الشرق الأوسط)

ووجهت السفارة السودانية في القاهرة التي نقلت مقرها قبل سنوات من جاردن سيتي إلى حي الدقي، الشكر إلى الحكومة المصرية على تعاونها في إنجاح امتحانات الشهادة الابتدائية السودانية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، عبر 6 مراكز تعليمية تابعة للسفارة، مشيرةً في بيان لها إلى «مشاركة 7 آلاف طالب إلى جانب أكثر من 400 مراقب من المعلمين».

وجامعياً قدّر أيمن عاشور، وزير التعليم العالي المصري، عدد الطلاب السودانيين الذين التحقوا العام الماضي بالجامعات المصرية بأكثر من 10 آلاف طالب.

وكان من بين النازحين السودانيين عدد كبير من الفنانين الذين استقروا في القاهرة على غرار الممثلة إيمان يوسف، والمخرج أمجد أبو العلا والمخرج محمد الطريفي والممثل نزار جمعة، الذين يرتحلون إلى الخارج لحضور فعاليات فنية ثم يعودون من جديد إلى مصر.

وبينما يلجأ السودانيون الذين دخلوا البلاد بشكل نظامي إلى توثيق عقود إيجار شققهم السكنية بمكاتب الشهر العقاري إلى جانب تسجيل أبنائهم في المدارس للحصول على إقامات قانونية في مصر، فإنه لا يوجد أمام النازحين غير النظاميين سوى «التصالح مع وزارة الداخلية المصرية» عبر إنجاز استمارة «تقنين وضع» ودفع رسوم تبلغ ألف دولار، أو التقدم إلى مفوضية اللاجئين والحصول على بطاقة «طالب لجوء».

حساسيات مصرية

مع هيمنة «الجلباب» و«التوب» السودانيين على شوارع وحارات مصرية، وتداول مقاطع لتجمعات سودانية كبيرة في القاهرة عبر «السوشيال ميديا»، والقلق من أخبار طرد مستأجرين مصريين لتسكين سودانيين بدلاً منهم؛ ظهرت بوادر «الحساسية» من «التكتلات السودانية» في مصر.

كما أثارت خرائط رفعها سودانيون لبلادهم تضم مثلث «حلايب وشلاتين»، (أقصى جنوب مصر مع الحدود السودانية)، جدلاً واسعاً، مما دفع السلطات المصرية أخيراً إلى اتخاذ إجراءات ضد هؤلاء النازحين وصلت إلى ترحيل بعضهم إلى بلادهم، وفق مصادر مصرية.

وزاد من وتيرة التحفظات، الإبلاغ عن إجراء أسر سودانية عمليات ختان لبناتهم في مصر، وهو ما واجهه مسؤولون مصريون بالتشديد على ضرورة تفعيل القانون المصري الذي يُجرِّم ختان الإناث.

ودخل إعلاميون مصريون على خط انتقادات «التكتلات السودانية»؛ وكان أبرزهم قصواء الخلالي، التي أعربت عن «قلقها» إزاء وجود تكتلات للاجئين في مناطق شعبية، معتبرةً هذا الأمر «خطيراً للغاية». فيما حذرت الإعلامية عزة مصطفى من «سيطرة بعض اللاجئين على مناطق كاملة من القاهرة، بعد مغادرة مصريين لها عقب رفع إيجارات الشقق». مشيرةً إلى «تداعيات تحمل مصر فاتورة ضخمة جراء استضافة اللاجئين على أراضيها».

وكغيره من عشرات المصريين الذين يعدّون أنفسهم «متضررين من الوجود السوداني المكثف»، لم يُخفِ السباك الستيني عيد محمود، صاحب الجسد النحيل تذمره من «هيمنة النازحين على المربع السكني الذي كان يقيم فيه بالقرب من جامعة القاهرة».

يقول عيد بنبرة يملأها الاستياء: «أجبرتني مالكة الشقة على إخلائها لتسكين أسرة سودانية بدلاً مني».

وبعدما كان عيد الذي يعول 3 فتيات يدفع 1600 جنيه مصري (الدولار الأميركي يساوي نحو 48 جنيهاً) بدل إيجار شهري خلال السنوات الماضية فإن مالكة العقار تحصل راهناً على 6 آلاف جنيه من المستأجرين السودانيين الجدد. وهو ما دفع مصريين إلى «دعوة الحكومة إلى التدخل حفاظاً على السِّلْم المجتمعي».

واضطر عيد إلى البحث عن شقة أخرى في منطقة توصف بأنها «متواضعة»، بـ3 آلاف جنيه.

وتفاعل برلمانيون مصريون مع دعوات تقنين أوضاع اللاجئين، من بينهم سهام مصطفى عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، التي شددت في تصريحات تلفزيونية على أن «كل دول العالم ترفض دخول أي لاجئ أو مهاجر دون أوراق إثبات إقامته بهدف حصر أعداد الأجانب حفاظاً على الأمن القومي».

جانب من إقبال سودانيين على مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

مضيفةً: «إن مصر تستضيف ملايين الأجانب وتوفر لهم الخدمات بنفس الأسعار المقدمة للمواطنين دون زيادة، رغم الأزمة الاقتصادية الحالية».

وأغلقت السلطات المصرية أخيراً عدداً من المدارس السودانية بداعي عدم استيفاء الشروط. وطالبت سفارة السودان بالقاهرة، أصحاب المدارس، بـ«التزام ثمانية شروط، وضعتها مصر لتقنين أوضاع المدارس المغلقة»، وقالت إنها «تُجري اتصالات مستمرة لحل الأزمة».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، أن «الإجراءات المصرية الأخيرة التي هدفت إلى تقنين أوضاع السودانيين في البلاد «طبيعية جداً في ظل ازدياد أعدادهم بالبلاد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم اللجوء والإقامة مع طلب زيادة المساعدات من المنظمات الدولية والإقليمية يعدان الخيار الأفضل راهناً للقاهرة».

فيما يؤكد محمد جبارة، أمين «العلاقات الخارجية» بجمعية الصداقة السودانية – المصرية، والمستشار الإعلامي السابق بسفارة الخرطوم في القاهرة، أن «التجمعات السودانية الكبيرة في الشوارع والميادين تثير حساسيات مجتمعية وأمنية بمصر». متهماً بعض أصحاب المدارس السودانية بالتسبب في إغلاقها، لا سيما بعد منح السلطات المصرية أكثر من مهلة لمطابقة المواصفات المحلية وتقنين الأوضاع.

إقبال لافت على مكتب مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

وكشف عن «نية سفارة بلاده تنظيم مهرجان كبير بعنوان (شكراً مصر) كنوع من (رد الجميل) لاستضافتها جالية كبيرة من أبناء الوطن».

تخفيف الأعباء

بسبب الأزمة الاقتصادية، طالبت مصر المجتمع الدولي بدعمها في «تحمل أعباء اللاجئين». ورأى وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، عقب لقائه مدير عام المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، أن الدعم الذي تتلقاه مصر من المجتمع الدولي «لا يتناسب مع ما تتحمله من أعباء، في ظل ما يعانيه الاقتصاد المصري من تبعات الأزمات العالمية.

وأطلقت الحكومة المصرية أخيراً عملية لحصر أعداد اللاجئين المقيمين على أراضيها، بهدف احتساب تكلفة استضافتهم، والوقوف على الأعباء المالية، في ظل أزمة اقتصادية تعانيها البلاد.

وطالبت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر، في بيان في شهر أبريل الماضي، بالحصول على 175.1 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحاً للاجئين السودانيين الذين فروا إلى مصر منذ منتصف أبريل 2023.

سودانيون بالقرب من شارع السودان الشهير بالجيزة (الشرق الأوسط)

وبينما يؤكد الخبير الاقتصادي المصري الدكتور مدحت نافع، تكبد مصر أعباء اقتصادية جراء استضافة هذا العدد الكبير، فإنه في الوقت نفسه يرى أنه «يمكن الاستفادة منهم، إذا قُننت أوضاعهم المادية وطرق عملهم واستثمار بعضهم في مصر».

ويقترح نافع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تحصيل أي رسوم تخص الوافدين بمصر بالدولار، ويرى أنه يوجد من بين المقيمين في مصر مستثمرون يقدمون فرصة لتعزيز وجود رؤوس الأموال وحركة الاقتصاد.

ويراهن مصعب في النهاية على تفهم كثير من المصريين للأوضاع الخطرة في السودان، وعلى الروابط المشتركة بين الشعبين، لاستيعاب «الضيوف الجدد»، مؤكداً أن الحساسيات التي تنشأ بين «أبناء وادي النيل» ليست سوى «سحابة صيف عابرة» ستزول بمجرد انتهاء الحرب وتحسن الأوضاع في بلاده.

عبد الفتاح فرج

صحيفة الشرق الاوسط