سؤال صعب لم تجب عنه التطورات الميدانية، يلمس مستقبل حركة «حماس» وقدرتها على خوض حروب مستقبلية، انطلاقاً من قدراتها العسكرية التي يغلفها قدر كبير من الغموض، ومدى تأثير نحو 9 أشهر من القتال على السلاح وخطوط الإمداد.
حرب انتقامية هي الأعنف طيلة عقدين، بدأتها «حماس» باستراتيجية «المواجهة المستمرة والتوثيق»، لكن وتيرة تحركاتها انكمشت يوماً بعد يوم على وقع خسائر كبيرة، حتى دخلت مرحلة «التراجع الميداني»، و«تكنيك الأكمنة» المستندة لدعم لوجيستي من شبكة أنفاق معقدة.
تلك التطورات الميدانية المتسارعة وضعت «القدرات العسكرية» لحركة «حماس»، في صورة «العقبة الكبرى» في طريق الهدنة، وحرّكت تساؤلات بشأن احتمالية أن تكون عملية «طوفان الأقصى» آخر حروبها.
تلك التساؤلات وضعتها «الشرق الأوسط»، أمام خبراء عسكريين وسياسيين عرب وغربيين، اتفقوا في معظمها على أن معركة «طوفان الأقصى» التي أشعلتها «حماس» مع إسرائيل، قبل 9 أشهر، قد لا تكون «آخر الحروب»، وإن كانت قد أضعفت قدرات الحركة عسكرياً، وأثرت بشكل لافت على خطوط الإمداد ودفعها لنقل العمليات القتالية إلى «حرب مدن».
وتقف تل أبيب بين تمسك وزير الدفاع يوآف غالانت، في 3 يونيو (حزيران) الحالي، بـ«تفكيك (حماس) بوصفها سلطة حاكمة وعسكرية»، واعتراف متحدث الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري في 19 من الشهر نفسه، بأن هدف القضاء على الحركة «بعيد المنال»؛ ما أثار غضب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقتها ودفعه لتجديد تعهده بالقضاء عليها.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قائد القيادة الشمالية الإسرائيلية أوري غودن خلال حضورهما تمارين عسكرية في الجليل (مكتب الإعلام الحكومي – د.ب.أ)
تراجع «تكتيكي»
وفي 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بدأت «حماس» تحركاً عسكرياً لأول مرة باستراتيجية «المواجهة المباشرة المستمرة»، قبل أن تنكمش وتيرة عملياتها إثر حرب إسرائيلية غير مسبوقة، وتدخل مرحلة «حرب الأكمنة» المستندة لدعم لوجيستي من شبكة أنفاق معقدة.
وظهر ذلك مع «توغل إسرائيل في رفح الفلسطينية، حيث اعتمدت «حماس» على أساليب الكر والفر، ونصب الكمائن، واستخدام القنابل بدائية الصنع، وتجنب المناوشات المباشرة كما كانت مع بداية الحرب، لا سيما مع خسارة نصف مقاتليها من 20 إلى 25 ألفاً إلى 9 إلى 12 ألفاً»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين مطّلعين في 6 يونيو الحالي.
ذلك التراجع لا يراه متحدث «حماس» حسام بدران، في حديث مع «الشرق الأوسط» صحيحاً، مؤكداً أن «كتائب الحركة موجودة في كل المناطق بغزة، وجيش الاحتلال فشل في القضاء عليها، رغم قدراته وإمكاناته على مدار نحو 9 أشهر».
ويضيف: «بعض الأطراف كانت تظن أننا لن تستمر سوى أسابيع، لكن نؤكد أننا الآن لدينا القدرة والإمكانات للاستمرار ما دام هناك احتلال».
لقطة من فيديو نشرته «حماس» تظهر المعارك الدائرة بين «القسام» والقوات الإسرائيلية في غزة (أ.ف.ب)
آخر الحروب؟
هذا الإصرار الذي تتحدث عنه «حماس» واستمرارها في مواجهة «المحتل» يطرح تساؤلات بشأن إمكانية أن تكون حرب «7 أكتوبر» الأكبر والأضخم بتاريخ الصراع وآخر الحروب؟
وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، يعتقد في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن هذا «الطرح يفتقد جوهر المشكلة المرتبطة بوجود الاحتلال الذي يجب أن يزول».
ويتمسك فهمي بـ«أهمية عدم حصر المشكلة بين (حماس) وإسرائيل، وجعلها فقط بين فلسطين وإسرائيل»، مؤكداً أن «(حماس) ليست أول ولن تكون آخر تيار فلسطيني يتصدى للاحتلال، وسبقها في الثمانينات تيارات أخرى، وستستمر الحروب ما بقيت المشكلة».
يتفق معه نائب رئيس هيئة الأركان الأردني الأسبق، الفريق محمود قاصد والعسكريان المصريان السابقان سمير فرج، وعادل العمدة، والعميد اللبناني المتقاعد، هشام جابر في أحاديث منفصلة مع «الشرق الأوسط» بأن «حرب 7 أكتوبر لن تكون آخر حروب (حماس)، ما استمر الاحتلال».
وفي حديث مماثل مع «الشرق الأوسط» يستبعد المحلل السياسي الأميركي، مايكل مورغان، أيضاً أن «تكون آخر حروب (حماس)، في ظل عدم تنفيذ حل الدولتين»، معتقداً أنه «ما دامت لا توجد دولة فلسطينية، فسيجري استخدام (حماس) إسرائيلياً لتدمير أي أمل محتمل في ذلك والعودة للمواجهات كل فترة».
ومع تقديرات استمرار المواجهات بين «حماس» وإسرائيل لما بعد الحرب الحالية، تطرح أسئلة حول ترتيبات البقاء والنهاية المحتملة، سواء بمسار نزع السلاح أم البحث عن بديل لحكم غزة، والاندماج في جيش موحد حال تأسيس دولة فلسطينية مستقلة.
وحول ذلك، يتوقع وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، «ألا تتجاوب (حماس) أو غيرها مع فكرة نزع السلاح بالكامل، وسترفض تمكين إسرائيل أمنياً من غزة، أو فرض ترتيبات على الجانب الفلسطيني»، مستبعداً «تماماً» أي مشاركة عربية في أي «ترتيبات تلعب دور الشرطي لإسرائيل».
قالت «حماس» في عام 2021 إنها قامت ببناء أنفاق بطول 500 كيلومتر تحت غزة (أ.ف.ب)
ويستبعد الخبير الفلسطيني، أستاذ النظم السياسية والقيادي بحركة «فتح»، جهاد الحرازين في حديث مع «الشرق الأوسط»، «إمكانية نزع سلاح (حماس) أو المقاومة بشكل عام»، ويرى أن «الحل في تأسيس دولة فلسطينية ينطوي فيها الجميع تحت لواء جيش واحد وسلاح واحد».
وتتحرك السعودية ومصر ودول عربية وأوروبية للتعجيل بعقد مؤتمر دولي للسلام، لتنفيذ حل الدولتين في ظل اعترافات غربية بدولة فلسطينية مستقلة، بينما يرفض نتنياهو خيار إقامة دولة فلسطينية، ويتمسك بالقضاء حالياً على قدرات «حماس» التي تتلقى دعماً إيرانياً متنامياً منذ بداية الحرب عبر أذرع طهران بالمنطقة لا سيما من الحوثيين و«حزب الله».
خيار تدمير القدرات
وإزاء طرح نتنياهو، لا يتفق نبيل فهمي، مع الوصفة الإسرائيلية التي تربط بين نهاية الحرب وتدمير «حماس»، قائلاً إن «تخفيض قدرات (حماس) العملياتية ممكن، لكن هل يمكن توفير الأمن لإسرائيل بالقضاء عليها؟»، ويجيب: «لا، لأن هناك رفضاً فلسطينياً للاحتلال يتنامى في ظل عدم وجود دولة فلسطينية».
ويرى مايكل بريجنت، زميل معهد هودسون الأميركي في قضايا الإرهاب واستراتيجية الدفاع، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «(حماس) في الوقت الحالي، جرى إضعافها، وتراجعت قدراتها».
ويعتقد أنه من أجل «القضاء على (حماس) يجب على تل أبيب زيادة عملياتها الاستخبارية التي تركز على مستودعات أسلحة وذخيرة (حماس) للمضي قدماً في القضاء عليها».
ويرى بريجنت أن أي وقف إطلاق نار بغزة حالياً «يعني إعادة تجميع (حماس) لصفوفها، وإعادة تسليحها، وأنها ستكون قادرة على شن هجمات في المستقبل».
جنود إسرائيليون داخل أحد الأنفاق في قطاع غزة (أ.ف.ب)
ولا تستبعد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث مع «الشرق الأوسط»، «احتمالية تفكيك قيادة وسلطة (حماس) بغزة»، وترى أن «هذا سيستغرق وقتاً بسبب الطبيعة المرهقة لحرب المدن».
وترجح تسوكرمان، «عودة (حماس) للظهور بأجزاء من غزة قامت إسرائيل بتطهيرها»، مقترحة «مزيداً من البقاء والسيطرة بعد التطهير، وتنفيذ استراتيجية تنهي الأنفاق بشراكة إقليمية، والبحث عن حل لوصول المساعدات الإنسانية بعيداً عنها».
ووفق تقديرات «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» الأميركي للأبحاث في يناير (كانون الثاني) 2024، اكتسبت «حماس» قدراتها العسكرية بـ«دعم إيران و(حزب الله)»، منذ سيطرتها على القطاع في 2007.
ويحتاج تفكيك «حماس» وفق تلك التقديرات إلى «استراتيجية دائمة صعبة ومعقدة، من 3 عناصر: تحرك أمني مستمر بعد الحرب لضمان عدم قدرة الحركة على إعادة تشكيل صفوفها، وتدشين عملية إعادة إعمار فورية لغزة بعيداً عن عناصرها، وتنشيط السلطة الفلسطينية وطرحها بديلاً عملياً فعالاً».
مستقبل العمليات
وسط التباين إزاء القضاء على قدرات «حماس» التي تقول تقديرات إنها أطلقت 10 آلاف صاروخ وقذيفة منذ بداية الحرب، تتجه الأنظار لمستقبل العمليات الحالية مع دخول حرب «7 أكتوبر» الشهر التاسع.
على مستوى إسرائيل، ستلجأ تل أبيب إلى الخطة «ج» وهي عبارة عن عمليات عسكرية استخباراتية مركزة في قطاع غزة، وفق ما أوردته «هيئة البث الإسرائيلية» الرسمية في 21 يونيو الحالي.
وتحدثت الهيئة عن أن تل أبيب تستعد للإعلان قريباً عن هزيمة «حماس» في رفح الفلسطينية، كاشفة عن «بدء الذراع العسكرية لـ(حماس) عملية الترميم».
أما بالنسبة إلى «حماس»، فيقول الخبير العسكري المصري سمير فرج: «وفق المتوفر من معلومات، فإن (حماس) لديها 4 كتائب في مدينة رفح الفلسطينية، بخلاف 24 كتيبة أخرى متفرقة لكن في حالة قتال. ومع تراجع الذخيرة ونقص العتاد تلجأ (حماس) إلى حرب الكمائن وقتال المدن بعيداً عن المواجهة المباشرة، وهو ما سيدفع إسرائيل إلى التركيز على العمليات الاستخباراتية الدقيقة».
وفي السياق نفسه يرى الفريق محمود قاصد أنه «مع ميل ميزان القوة للجيش الإسرائيلي ستنشط (حماس) في الرصد المبكر والاستدراج، وتفخيخ مواقع، وتضليل العدو ضمن نشاطات استخبارية وعمليات معقدة مثل عملية التسلل خلف خطوط العدو في رفح (في 7 يونيو الحالي)، مستندة في عملياتها لوحدات إسناد بالأنفاق، وأخرى فوق الأرض وبمعدات وذخائر وقوة بشرية أقل».
كذلك يعتقد الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد، هشام جابر، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «(حماس) لجأت لتكتيك حرب المدن والعبوات المتفجرة لرغبة في الحفاظ على ما تبقى من ذخيرتها، وإدراكاً منها أن الحرب ستطول ولمواجهة إمكانات الجيش الإسرائيلي المتفوق تسليحاً».
ويرى الخبير في شؤون «حماس» وقريب الصلة بالحركة، إبراهيم المدهون، أن تكتيكات الحركة «تعتمد حالياً على النفس الطويل، وانتقلت من ضرب الصواريخ للعمليات على الأرض»، لافتاً إلى أن «(كتائب القسام) التي كانت قبل الحرب أكثر من 50 ألفا، ولديها 5 ألوية هي لواء غزة، والشمال، والوسطى، وخان يونس، ورفح تعمل بكفاءة عالية وطرق مختلفة في أماكن وجودها».
وفي المقابل، دعا الخبير العسكري المصري اللواء عادل العمدة إلى «عدم تضخيم قدرات (حماس) العسكرية»، مؤكداً أن «أي حديث عن تفاصيلها هو من وحي الخيال»، قبل أن يستدرك «لكن الحركة لديها سلاح مهم هو الأنفاق، والذي لم تستطع قدرات إسرائيل القتالية والجوية والبحرية النيل منه».
وفي ظل تغير تكتيكات العمليات وامتلاك «(حماس) سلاح الأنفاق الذي لم يجرِ القضاء عليه»، وفق اللواء فرج، فمن المتوقع أن يدخل «الجيش الإسرائيلي مواجهة أصعب، ويتجه لتغيير عملياته».
ويرجع ذلك إلى أن «حرب المدن التي تنتهجها (حماس) حالياً تعد مقبرة الجيوش. الجيشان الأميركي والروسي لم يحققا انتصارات في أفغانستان بعد سنوات طويلة، واضطُرا للانسحاب».
محمد الريس
صحيفة الشرق الاوسط
“بنك التنمية الجديد” لتكتل الـ”بريكس”: بديل النموذج الرأسمالي الغربي ورمز الاستقلالية
|
خاص – الوطنية
لا شك أن تأسيس تكتل الـ”بريكس” يعد خطوة كبرى لتصحيح انحراف النظام العالمي عن قيم العدالة والمساواة في ظل الهيمنة الأميركية. بيد أن فعالية هذا التكتل واستدامته تفرضان وجود ذراع مالية، تعبد طريق الاستقلالية المالية للدول الأعضاء، بما تمثل من ثقل على صعيد الاقتصاد العالمي، وتمنح الفرصة للاقتصادات الناشئة للتطور والنمو.
هذه الأفكار كانت موضع تداول ونقاش في قمم الـ”بريكس” السنوية، وفي اجتماعات قيادات ومسؤولي الدول الأعضاء. فكان القرار بتأسيس “بنك التنمية الجديد”، ليكون نقطة الانطلاق التي يمكن الارتكاز عليها في المستقبل لتغيير مجرى التاريخ.
التأسيس والأهداف
خلال قمة الـ”بريكس” السنوية في مدينة “ديربان” بجنوب أفريقيا عام 2013، اتخذ القرار بتأسيس “بنك التنمية الجديد”. وفي قمة العام التالي في مدينة “فورتاليزا” البرازيلية، جرى توقيع اتفاقية التأسيس بشكل رسمي. [1]
وفي 21 يوليو/ تموز 2015، افتتح قادة دول الـ”بريكس” البنك في مدينة “شنغهاي” الصينية، ليكون المقر الرئيسي. وبعدها بأيام قليلة، افتتح مقر للبنك في موسكو[2]. يبلغ رأسمال “بنك التنمية الجديد” 100 مليار دولار، مقسمة بالتساوي على الدول الخمس الأعضاء (نسبة 20 %)، إنما المكتتب به هو 50 مليار دولار، وفق القواعد المالية والمصرفية المتبعة عالمياً.[3]
يقول وزير المالية الروسي الأسبق، أنطون سيلوانوف، أن الهدف من تأسيس “بنك التنمية الجديد” هو إنشاء مؤسسة ائتمانية للبلدان النامية، حتى يكون لدى جميع دول الـ”بريكس” أداة لدعم جدول أعمالها التنموي المشترك. [4]
يهدف “بنك التنمية الجديد” الى تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في البلدان الأعضاء، وكذلك في الأسواق الناشئة[5]. أما الأهداف الجيو-اقتصادية لهذا البنك فهي أن يكون بديلاً عن البنك الدولي وإملاءاته وتحيزاته، وأن يحقق الاستقلالية المالية لـ”البريكس”، من خلال الوصول الى التخلص من هيمنة الدولار الأميركي كعملة إلزامية للتبادل التجاري، وصولاً الى إمكانية إصدار عملة موحدة في المستقبل.[6]
خطوة نوعية
يتفق خبراء الاقتصاد على أهمية خطوة تأسيس “بنك التنمية الجديد”، ومن بينهم الخبير أزمت توفيق “Azmet Taufique”، الشريك الإداري في “بلومونسون كابيتال” للاستشارات المالية. يشدد توفيق على ضرورة أن يكون هناك مصرف من والى الجنوب العالمي، وهو المصطلح الذي يطلق على الدول والاقتصادات الفقيرة، والبعيدة عن الحظيرة الغربية، لأن دول الاقتصادات الناشئة تعاني من أعباء الاقتراض بالدولار، نظراً لفروقات أسعار الصرف بالإضافة الى عوامل أخرى. [7]
ويعتبر توفيق أنه حان الوقت لكل مؤسسات التنمية الدولية درس إمكانية منح القروض بعملات مختلفة، مهما كانت درجة تعقيد الإدارة المحاسبية. وبالفعل، فإن “بنك التنمية الجديد” مول خلال السنوات الماضية ما لا يقل عن 100 مشروع بقيمة إجمالية تقارب 33 مليار دولار، حسبما يشير موقع البنك الرسمي. وتوزعت هذه المشاريع على عدة قطاعات، أبرزها الطاقة النظيفة والمتجددة، والبنى التحتية لقطاع النقل، والمياه والصرف الصحي، والبنى التحتية الرقمية. [8]
وهذه كلها مشاريع حيوية وطموحة ومستدامة، تمهد الطريق أمام تعزيز حركة التبادل التجاري لأعضاء التكتل والدول الصديقة له والاقتصادات الناشئة. الأمر الذي يعزز من قوة “البريكس” الاقتصادية في مواجهة مجموعة الـ”G7″ التي تتحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي.
علاوة على أن مجموعة الـ”بريكس” تطرح نفسها كبديل جدي للمنتديات السياسية والمالية القائمة خارج التيار الغربي، باعتبارها تمثل الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم[9]. تبين بيانات صندوق النقد الدولي أن حجم اقتصاد الصين وحدها يفوق حجم اقتصادات 6 دول من هذه المجموعة، وهي ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وكندا واليابان. [10]
التخلص من الدولار
مع تأسيس “بنك التنمية الجديد” بدأ العديد من صناع السياسات في أميركا وأوروبا يشعرون بالقلق من أن تصبح الـ”بريكس” نادياً اقتصادياً للقوى الصاعدة التي تسعى للتأثير على النمو والتنمية العالميين، ولا سيما مع إبداء العديد من الدول رغبتها في الانضمام الى التكتل، وتقديم طلبات من أجل ذلك. فضلاً عن أن تكتل الـ”بريكس” يتيح لأي دولة الانضمام الى “بنك التنمية الجديد” والاستفادة من التسهيلات الكبيرة التي يوفرها، دون أن يشترط عليها عضوية مجموعة الـ”بريكس”. [11]
وهذا ما يعزز من حضور التكتل على الصعيد العالمي وصدقيته في كسر الهيمنة الأميركية، حيث تفرض واشنطن شروطاً سياسية قاسية مقابل القروض والمساعدات، من بينها عضوية أحلاف وتكتلات سياسية. يبين جدول الأهداف السنوية لـ”بنك التنمية الجديد” أنه “يستهدف منح قروض بقيمة 5 مليارات دولار خلال عام 2024. [12]
خلال زيارة له الى الصين، تساءل الرئيس البرازيلي لويس لولا داسيلفا عن السبب في كون دول العالم مجبورة على دعم تجارتها بالدولار الأميركي، ولا يمكنها أن تقوم بتجارتها من خلال عملاتها الخاصة. ودعا لولا جميع الدول الى التخلي عن الدولار من أجل التداول بعملاتها الوطنية أو بعملات مشتركة. [13]
ووضع الرئيس البرازيلي هذه الأفكار موضع التطبيق العملي، من خلال اتفاق بين بلاده والصين على استخدام عملتي بلديهما في عمليات التجارة البينية. وكذلك الحال بالنسبة لدول أخرى، الأمر الذي يندرج ضمن برنامج دول الجنوب العالمي لإدخال بدائل للتجارة القائمة على الدولار. ومن بين هذه الدول روسيا التي أبرمت اتفاقاً مع الهند للتبادل التجاري بالعملات الوطنية لكلا البلدين بعيداً عن الدولار وهيمنته وشروطه[14]. وهذه العمليات كلها تتم بالارتكاز على “بنك التنمية الجديد” الذي يشكل الضامن المالي لحرية واستقلالية تكتل الـ”بريكس”.
تلاميذ لوبان يقودون المسيرة… تسلسل زمني لصعود تيار اليمين المتطرف في فرنسا
|
بعد عقود من الإقصاء السياسي ربما يتاح لليمين المتطرف في فرنسا أخيراً فرصة لتشكيل حكومة بعد انتخابات تشريعية على مرحلتين تبدأ اليوم (الأحد) وتنتهي في السابع من يوليو (تموز).
وفيما يلي أبرز المحطات في تاريخ التيار الذي هيمنت عليه عائلة لوبان لأكثر من نصف قرن، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.
1972
أسس الجندي السابق جان ماري لوبان الجبهة الوطنية، وهو حزب يميني متطرف يتألف من قدامى المحاربين الذين خاضوا حرب الجزائر والمتعاونين الفرنسيين من نظام فيشي.
1974
خاض لوبان الانتخابات الرئاسية لكنه حصل على أقل من واحد بالمائة من الأصوات، وبعد ذلك بعامين تعرض منزله في باريس لهجوم بقنبلة. ولم يتم تحديد الجناة.
1981
لم يستطع لوبان جمع العدد الكافي لتأييد ترشحه للانتخابات الرئاسية التي فاز بها اليساري فرنسوا ميتران. وفي السنوات التالية، اجتذب لوبان تدريجياً مؤيدين جدداً.
1986
فاز الحزب بأول مقاعده في البرلمان المعروف باسم الجمعية الوطنية.
1987
أدلى لوبان بتعليقات مهينة تتعلق بالرجال المثليين المصابين بفيروس نقص المناعة (إيدز) في إطار ميله الدائم لإثارة الغضب بتوجيه إهانات عنصرية ومعادية للسامية ومعادية للمثليين، وهو ما عرضه في أحيان كثيرة لمشكلات قانونية، لكنه ظل يحظى بدعم قطاع من الناخبين.
1988
حصل لوبان على 14.4 بالمائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، وفي العام التالي فاز حزب الجبهة الوطنية بأكثر من عشرة بالمائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية. كما بدأ الحزب في التركيز على الإسلام والمهاجرين المسلمين باعتبارهم أحد اهتماماته السياسية الرئيسية.
1995
فاز حزب الجبهة الوطنية بثلاثة مجالس بلدية في الجنوب: تولون وأورانج ومارينيان، مما يشير إلى تنامي شعبيته.
2002
ترشح لوبان للرئاسة وحصل على 16.86 بالمائة من الأصوات، وهو ما كان كفيلاً بتأهيله لخوض جولة إعادة أمام جاك شيراك. أحدث هذا الأداء القوي صدمة في جميع أنحاء فرنسا، وشاع الاشمئزاز من احتمال تحقيق مثل هذا الحزب اليميني المتطرف لنتائج جيدة. وتضامن سياسيون من اليمين واليسار معاً لمنع لوبان من الفوز في الجولة الثانية. وفاز شيراك بأكثر من 80 بالمائة من الأصوات في جولة الإعادة.
2008
قضت محكمة بسجن لوبان ثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ وتغريمه عشرة آلاف يورو لقوله إن الاحتلال النازي لفرنسا «لم يكن غير إنساني إلى حد كبير».
2011
أصبحت مارين لوبان، ابنة لوبان، الزعيمة الجديدة للجبهة الوطنية بعد فترة اتسم فيها أداء الحزب بالضعف في استطلاعات الرأي وواجه فيها ضغوطاً مالية متزايدة.
2012
مارين لوبان تخوض أول انتخابات رئاسية وتنتهي مساعيها بالفشل.
2014
حقق حزب الجبهة الوطنية نتائج مميزة في انتخابات العام ليصبح له السيطرة على 11 مجلساً بلدياً، كما حصل على المركز الأول في انتخابات البرلمان الأوروبي.
2015
تم تعليق عضوية جان ماري لوبان في الحزب بعد وصف المحرقة بأنها «تفصيلة» من الحرب العالمية الثانية. وفي نفس العام فصلته ابنته من الحزب.
2017
ترشحت مارين لوبان للرئاسة مرة أخرى، لكنها خسرت أمام إيمانويل ماكرون. وبعد ذلك، كثفت جهودها لجعل الحزب أكثر قبولاً لدى جمهور أوسع من الناخبين، سعياً إلى النأي به عن ماضيه العنصري والمعادي للسامية، وفي الوقت نفسه منح نوابه البرلمانيين مظهراً أكثر احترافية عبر تدريب إعلامي وحضور واضح على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي عام 2018 غيرت اسم الحزب إلى التجمع الوطني.
2022
تم اختيار جوردان بارديلا، البالغ من العمر 28 عاماً، وهو أحد تلاميذ مارين لوبان، ليكون الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني.
يونيو/ حزيران 2024
قاد بارديلا الحزب في انتخابات البرلمان الأوروبي وهزم حزب ماكرون، ودفع الرئيس إلى الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة. وبارديلا مرشح حزب التجمع الوطني لرئاسة الوزراء.
صحيفة الشرق الاوسط
الجبهة اللبنانية: تقييم نذر الحرب الشاملة
|
توالت المؤشرات على احتمال اتساع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وتدل على أن إسرائيل تتحكم في المبادرة إليه؛ لأنها تود إعادة الأمن لشمالها حتى يعود السكان، وإبعاد حزب الله عن الحدود، لكن تكاليف الحرب المرتفعة واعتراض الإدارة الأميركية، قد يكبحان الاتساع المحتمل.
يستعد أغلب اللبنانيين لاندلاع حرب أخرى أوسع نطاقًا بين حزب الله وإسرائيل. ويرى كثير منهم أن هذه الحرب باتت قدرًا محتومًا وأنها ستستهدف العاصمة، بيروت، وليس جنوب البلاد وحسب. ما يجعل احتمال اتساع الحرب أكثر ارتفاعًا اليوم كان التصعيد الملموس الذي شهدته حالة الاشتباك الحدودي وتبادل القصف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي خلال النصف الأول من يونيو/حزيران 2024.
كانت الاشتباكات بين الطرفين قد اندلعت مباشرة بعد أن بدأت إسرائيل حربها على قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. اقتصرت هذه الاشتباكات طوال الأشهر التالية لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على قيام حزب الله باستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية بقصف صاروخي أو مدفعي، ورد الجانب الإسرائيلي بقصف مكافئ أو أشد قليلًا. ولكن، وعلى الرغم من أن حسابات الطرفين جعلت مصلحتهما في تفادي الحرب الشاملة وحصر المواجهة في ساحة محدودة بالمنطقة جنوب الليطاني، في الجانب اللبناني، وشريط صغير في الجانب الإسرائيلي، إلا أن الإسرائيليين تجاوزوا هذه الساحة أكثر من مرة. هاجم الإسرائيليون أهدافًا شمال الليطاني، وحتى في منطقة البقاع، واستهدفوا بالاغتيال قيادات بارزة من حزب الله أو جماعات المقاومة الأخرى في لبنان.
في 11 يونيو/حزيران، اغتالت إسرائيل القيادي المخضرم في حزب الله، طالب سامي عبد الله، وثلاثة آخرين من رفاقه، أثناء اجتماع لهم بقرية جويا في جنوب لبنان. طبقًا لأرقام حزب الله، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 350 عنصرًا من مقاتلي الحزب منذ بداية الحرب على غزة واندلاع الاشتباكات في جنوب لبنان؛ ولكن طالب كان بالتأكيد أرفع مسؤول عسكري في الحزب تنجح إسرائيل في اغتياله. ولأن حسابات الحزب قامت على مواجهة التصعيد بتصعيد مماثل، أطلقت وحدات حزب الله في الجنوب على يومين متتاليين مئات الصواريخ والقذائف على أهداف إسرائيلية؛ مما أدى إلى تدمير واسع في بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية شمالية، وإلى إشعال النار في مئات الكيلومترات المربعة.
وكما كان متوقعًا، ولَّد التصعيد المتبادل مزيدًا من التصعيد. قام المبعوث الرئاسي الأميركي، آموس هوكشتاين، بزيارة مكوكية لإسرائيل ولبنان، يومي 17 و18 يونيو/حزيران، ذكرت مصادر لبنانية أنه وجَّه خلالها إنذارًا مباشرًا لرئيس الحكومة اللبنانية بأن الولايات المتحدة ستطوي معارضتها لحرب إسرائيلية على لبنان، وأن الإسرائيليين يتحضرون فعلًا لهذه الحرب ما لم يبدأ حزب الله سحب قواته من جنوب الليطاني. في 22 يونيو/حزيران، سرَّبت مصادر أميركية رسمية خبرًا لوسائل الإعلام يفيد بأن الولايات المتحدة ستشارك في الدفاع عن إسرائيل في حال نشوب حرب شاملة على الجبهة اللبنانية، بدون أن تنشر قوات أميركية في المنطقة.
في داخل إسرائيل، اتهمت قيادات معارضة رئيس الحكومة، نتنياهو، بالفشل في حماية أهالي المنطقة الحدودية الشمالية، والعجز عن تأمين عودتهم إلى بلداتهم وقراهم وحياتهم الطبيعية. وكان لافتًا أن يعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وسط الحراك الدبلوماسي المتصاعد لاحتواء التصعيد، وبعد اجتماعه بقيادات الجيش في الجبهة الشمالية، أنه صادق فعلًا على خطة حرب لردع حزب الله وتأمين الحدود الشمالية.
فهل بات اندلاع حرب أخرى على لبنان أمرًا حتميًّا ووشيكًا؟ وهل هناك مصلحة ما لأي من طرفيها، أو لكليهما، في اندلاع هذه الحرب؟ أم أن تدحرج الوضع نحو الحرب خرج بالفعل عن إرادة الطرفين؟
حزب الله: صدام محدود
ليس ثمة دليل على أن عملية “طوفان الأقصى” التي تعهدتها قوات عز الدين القسام التابعة لحماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد أُنجزت بالاتفاق والتنسيق المسبقين مع حزب الله. حتى إدارة بايدن ترى أن الحزب لم تكن له صلة مباشرة بالعملية. الحقيقة، أن حزب الله، الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران، ولا يخرج عادة عن الإطار الاستراتيجي الإيراني، كان ينتهج سياسة تهدئة خلال الأشهر السابقة على “طوفان الأقصى”، نظرًا لأن التهدئة كانت السمة الأبرز للسياسة الإيرانية في الإقليم، وعلى مستوى العلاقات الإيرانية-الأميركية. وربما لم تكن قيادة الحزب سعيدة ولا مرحِّبة بخطوة التصعيد التي قامت بها حماس في “طوفان الأقصى”. كما لابد أن الحزب فوجئ بحجم وبشاعة الرد الإسرائيلي على خطوة حماس.
بيد أن الحزب، كما إيران، معني بنفوذهما في الإقليم، وبالحفاظ على صورتهما باعتبارهما طليعة القوى المقاومة لإسرائيل. وللحفاظ على هذا النفوذ وعلى هذه الصورة، اختار الحزب الانخراط في الدفاع عن حلفائه في قطاع غزة بالمشاركة المحدودة في الحرب، المشاركة المحدودة بسقف يعزز من موقعه المقاوم، ولا تدفع نحو اندلاع حرب شاملة على لبنان. وكانت هذه هي المقاربة التي اتبعها الحزب طوال الشهور السابقة من الحرب على غزة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ما يقوم به هو جهد مساند للمقاومين في قطاع غزة، وأنه لا يعمل ولا يسعى إلى توسيع نطاق ومستوى الاشتباك، وأنه سيقوم فورًا بوقف نشاطاته العسكرية بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في القطاع.
ولكن مقاربة الحزب المنضبطة، على أية حال، لم تكن بلا عواقب. في الجانب اللبناني، أدى القصف الإسرائيلي إلى نزوح ما لا يقل عن 150 ألفًا من سكان جنوب لبنان إلى مناطق أبعد قليلًا في العمق اللبناني، وإلى تدمير واسع النطاق في قرى لبنانية حدودية. وفي الجانب الإسرائيلي، يعتقد أن ما يزيد عن مئة ألف من سكان مناطق الحدود الشمالية قد أخلوا بلداتهم وقراهم منذ أكتوبر/تشرين الماضي، وأن دمارًا أُوقِع أيضًا ببلدات إسرائيلية حدودية، كما بمواقع ومعسكرات عسكرية إسرائيلية، بعضها ذو أهمية رقابية بالغة.
طوال الشهور السبعة الأولى للحرب، كان الجانب الإسرائيلي هو الذي اختار التصعيد، سواء بتوسيع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من نهر الليطاني، أو بتعهد اغتيالات لقادة بارزين من الحزب، لم تتوقف حتى بعد اغتيال طالب عبد الله. ولأن وساطات فرنسية وأميركية سرعان ما انطلقت لاحتواء الموقف على الجبهة اللبنانية ومنع اندلاع حرب شاملة، حسب الإسرائيليون أن إيقاع خسائر مؤلمة بالحزب وحاضنته الشعبية سيدفعه إلى سحب قواته من جنوب الليطاني، المطلب الرئيسي للجانب الإسرائيلي. ولكن الضربات الإسرائيلية التصعيدية لم تؤد إلى ردع الحزب، ولا إلى نجاح الوساطات.
في اليوم التالي على الإنذار الذي وجهه المبعوث الرئاسي الأميركي للحكومة اللبنانية، نشر حزب الله شريطًا مصورًا، بالغ الوضوح والدقة، لميناء حيفا والمواقع العسكرية وشبه العسكرية الإسرائيلية في الميناء وجواره، ذكرت مصادر الحزب أن ما قام به كان بطائرة مسيرة للحزب. وكان واضحًا أن الحزب أراد أن يُظهر للإسرائيليين وحلفائهم من القوى الغربية أن منظومات الدفاع الإسرائيلية ليست ضمانة لمواجهة مقدرات الحزب. ولم يكن أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، أقل وضوحًا في اليوم الذي تلا نشر الشريط، عندما قال في كلمة ألقاها في تأبين طالب عبد الله: إن مقدرات الحزب العسكرية أكبر بكثير مما يحسبه الإسرائيليون، وإن الحزب في حال اندلاع حرب شاملة سيقاتل بلا سقف ولا قيود. ولم يلبث عدد من المعلقين اللبنانيين المعروفين بقربهم من الحزب أن أعادوا في وسائل إعلام مختلفة التوكيد على حجم مقدرات الحزب، وتفوقه التقني، وقدرته على إيقاع تدمير بالغ وواسع النطاق بدولة إسرائيل.
ما يعنيه هذا كله أن حزب الله لم يزل عند موقفه الأول من الحرب على غزة؛ لم يزل الحزب يرى أن اشتباكه مع إسرائيل يقع ضمن خانة مساندة غزة، وليس السعي إلى حرب أوسع على الجبهة اللبنانية. وفي مواجهة التهديدات بالحرب الشاملة، سواء تلك القادمة من الوسطاء الغربيين أو من المسؤولين الإسرائيليين، يرسل الحزب رسائل متتالية لكافة المعنيين تفيد بأن حربًا إسرائيلية أخرى على لبنان ستكون باهظة التكاليف للإسرائيليين. المشكلة في كل هذا، أن إسرائيل دولة لا تعرف ولا تستطيع التعايش مع التهديد الجاد في جوارها؛ وكلما تأكدت جدية وثقل التهديد الذي يمثله حزب الله لإسرائيل ازدادت احتمالات الحرب.
الموقف الإسرائيلي: توقيت الصدام الشامل
تصاعد التهديد الذي بات يمثله حزب الله، وجدية هذا التهديد الملموسة يوميًّا في الشمال الإسرائيلي، يدفع نحو توافق في أوساط الطبقة السياسية والأمنية الإسرائيلية على ضرورة التعامل مع الحزب بصورة أو أخرى، وآجلًا أو عاجلًا. خلال الشهور الأولى من الحرب على غزة، حسبت القيادة الإسرائيلية أن حشد ثلاث فرق على الجبهة اللبنانية وتعهد ردود قاسية ومؤلمة على هجمات حزب الله، وصور الدمار التي بات يراها قادة الحزب لمدن قطاع غزة وبلداته، ستسهم في الضغط على الحزب للتعامل الإيجابي مع الوسطاء الأميركيين والفرنسيين، ومن ثم الانسحاب إلى شمال الليطاني. ولكن لا الهجمات الجوية وعمليات الاغتيال، ولا جهود الوسطاء، نجحت في تليين موقف الحزب وإيقاف هجماته.
ما حدث، أن الحزب أظهر تصميمًا لا يلين على ربط الوضع على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية بالوضع في قطاع غزة، وحسًّا إستراتيجيًّا باستهدافه مراكز الرقابة والرصد في شمال إسرائيل، وقدرات عسكرية وتقنية عالية كافية لإيقاع الأذى بمواقع وأهداف إسرائيلية حيوية، مدنية وعسكرية. وعلى الرغم من أن من الصعب على الإسرائيليين تقدير ما إن كان لدى الحزب وسائل تؤهله لاستهداف وسط وجنوب إسرائيل، وبأية درجة من الدقة، فما بات معروفًا للإسرائيليين هو بالتأكيد كاف للتوصل إلى قناعة بضرورة مواجهة الخطر الذي يمثله الحزب. ولكن إسرائيل، وكما في معظم منعطفات هذه الحرب، تبدو منقسمة حول طبيعة وكيفية وتوقيت المواجهة مع الحزب.
ثمة أصوات في أوساط المعارضة الإسرائيلية، وبين قيادات عسكرية وأمنية متقاعدة، ورؤساء حكومة سابقين (لا يستبعد أن تكون صدى لدوائر في قيادة الجيش وفي المؤسسة الأمنية)، تقول: إن من الضروري الآن تجنب إشعال حرب شاملة مع لبنان. يدعو هؤلاء إلى التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب في غزة، يفضي بالضرورة إلى إحلال السلام في الشمال الإسرائيلي، وانتظار ظروف إقليمية ودولية أفضل لحسم تحدي حزب الله. يفترض هؤلاء أن حالة حزب الله، كما هي حالة حماس، تستدعي إيقاع الهزيمة ليس بالمسلحين وحسب، ولكن أيضًا بالحاضنة الشعبية لهم، وهذا ما سينجم عنه خسائر فادحة بالمدنيين اللبنانيين ودمار واسع النطاق في الجنوب اللبناني وبيروت والبقاع. وإن كانت الحرب على غزة أدت إلى تحول واسع النطاق في الرأي العام العالمي، وفي المؤسسات الحقوقية والعدلية الدولية، ضد إسرائيل، فإن حربًا أخرى على لبنان ستزيد من عزلة إسرائيل وتقويض وضعها الدولي.
تشتد حاجة إسرائيل في الوقت الحالي لترميم وضعها الدولي لمنع إيران من التقدم نحول امتلاك السلاح النووي، أو على الأقل القدرة على امتلاك هذا السلاح خلال فترة قصيرة. فبعد الانتقادات التي وجهتها وكالة الطاقة الذرية الدولية في تقريرها الأخير لإيران، وذهاب الإيرانيين إلى تشغيل أعداد إضافية كبيرة من أجهزة الطرد المركزي في محطتي بوردو ونطنز، جعلتهم يرفعون إانتاجهم من اليورانيوم المخصب بكميات ومستويات تخصيب تكاد تكون كافية لإنتاج قنابل نووية. وهذا ما يستدعي جهودًا دولية حثيثة، ووضعًا دوليًّا أفضل لإسرائيل، لمنع تحول إيران إلى دولة حافة نووية. بدون ذلك، يقول هؤلاء، سيكون على إسرائيل نفسها خوض حرب ليست مضمونة العواقب والنتائج مع إيران.
ويشير دعاة تأجيل الحرب، أيضًا، إلى أن الجيش الإسرائيلي، الذي أنهكته الحرب في غزة وأظهرت الكثير من جوانب ضعفه، ليس جاهزًا بعد لحرب على حزب الله، الذي تفوق قدراته بكثير تلك التي واجهها الجيش في غزة. كما أن من الصعب التيقن، في ظل الانتخابات الأميركية، من مشاركة الولايات المتحدة في الدفاع عن إسرائيل، سيما إن اتسع نطاق الحرب مع حزب الله إلى ساحات أخرى، مثل سوريا والعراق وإيران. بعد ذلك كله، وحتى إن نجح الجيش الإسرائيلي في تدمير بنية الحزب التحتية في جنوب لبنان ودفعه إلى شمال الليطاني، فليس من الواضح بروز قوة محلية أو دولية قادرة على التحكم في جنوب لبنان ومنع حزب الله من الاقتراب مجددًا من الحدود مع إسرائيل. ففي ظل الانقسام السياسي اللبناني الداخلي وضعف الحكومة اللبنانية، يبدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فرض سيادة رسمية لبنانية على الجنوب. كما أن الانقسام الدولي والتدافع بين القوى الكبرى سيحبط أية مساع أممية لتشكيل قوة دولية تكفل الحفاظ على الأمن في الجنوب وتمنع عودة قوات الحزب إليه.
في الجانب الآخر، يقول دعاة الحرب العاجلة: إن اتفاقًا كاملًا ووقفًا نهائيًّا لإطلاق النار في غزة لم يزل بعيدًا، وإن إسرائيل، لا على مستوى أمن الدولة، ولا مستوى أمن مواطنيها، تستطيع تأجيل التعامل مع الخطر الذي يمثله حزب الله. ويؤكد هؤلاء أن الجيش الإسرائيلي بمجرد الانتقال إلى المرحلة الثالثة للحرب في غزة سيكون قادرًا على حشد ما تتطلبه عملية عسكرية في لبنان، وأن لدى الجيش من الإمكانيات والوسائل ما يضمن تفوقه، وما يكفي لإيقاع الهزيمة بالحزب وتلقين قاعدته الشعبية وعموم اللبنانيين الدرس الضروري لترسيخ هدوء مديد على الجبهة اللبنانية.
ويقول أنصار الحرب أيضًا: إن على إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بمسائل وجودية، ألا تكترث كثيرًا بالرأي العام الدولي، طالما ضمنت استمرار الدعم والتأييد الأميركيين؛ وإنهم واثقون من أن الولايات المتحدة ستقوم بما يتطلبه الموقف للمشاركة في الدفاع عن إسرائيل إن نشبت حرب شاملة مع حزب الله، على الرغم من التوتر الطارئ في علاقة نتنياهو مع إدارة بايدن. لا يجادل هؤلاء في مدى تقدم إيران نحو امتلاك القدرة النووية، ولكنهم يرون أن المخاطر التي تهدد إسرائيل من إيران النووية تستدعي تعاملًا أسرع مع حزب الله، الذي هو في الحقيقة أحد أذرع إيران الإقليمية. حسْم التحدي الذي يمثله الحزب، من وجهة نظرهم، يعني توفير مناخ أفضل لإسرائيل لمنع إيران من التحول إلى قوة نووية.
إضافة إلى هذا كله، ليس من المستبعد أن يرى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في حرب أخرى أوسع نطاقًا على لبنان وحزب الله مصلحة سياسية له، تصب لصالح بقائه في موقعه وتعمل على تماسك تحالفه الحكومي مع اليمين الديني الصهيوني.
استعدادات غير مكتملة
في ظل الظروف الحالية، لم يعد من الممكن تجاهل القوى الدافعة نحو حرب أوسع على لبنان. بكلمة أخرى، باتت الحرب الشاملة محتملة بالتأكيد، وإن لم تصبح مرجحة بعد. الفرق العسكرية الثلاث المحتشدة على الجبهة اللبنانية منذ بداية الحرب على غزة لا تكفي لتعهد عملية عسكرية كبرى في الجنوب اللبناني، تستهدف إيقاع الهزيمة بحزب الله وقاعدته الشعبية، وتدمير مواقع الحزب وطرده إلى شمال الليطاني. تحتاج إسرائيل حشد ما لا يقل عن 7-8 فرق للقيام بهذه العملية، وتحتاج إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، سواء على المستوى السياسي، أو رفع معدل الإمدادات العسكرية، والاتفاق على مدى المشاركة الأميركية في حال اندلعت المواجهة مع الحزب وحلفائه في الإقليم.
تقدر القيادة الإسرائيلية أن وتيرة الحرب في غزة ستنخفض نسبيًّا خلال أسابيع قليلة؛ مما سيسمح بتعهد عملية أكبر في لبنان في أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول القادمين. ولكن إسرائيل، على أية حال، فقدت عنصر المفاجأة، مما سيوفر لحزب الله فرصة الاستعداد وضبط مستوى العمليات الحالية وانتشار القوات استعدادًا لحرب أوسع. وعلى الرغم من كفاءة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي، فمن الواضح أن الحزب، الذي يستمر في استهداف مراكز الرقابة والرصد في شمال إسرائيل، قادر على استغلال فجواتٍ ما في جدار الدفاعات الإسرائيلية للوصول إلى أهداف إسرائيلية عسكرية ومدنية حيوية. بمعنى، أن الحرب على لبنان، مهما كان حجم التفوق الإسرائيلي، يصعب توقع مسارها ومداها الزمني وعواقبها.
أحد أهم، وأخطر، ما يمكن أن ينجم عن حرب إسرائيلية على لبنان هو بالتأكيد توسع نطاقها الإقليمي، وامتدادها من ثم إلى سوريا، والعراق، واليمن، وربما الأردن، بل وحتى إيران. وإلى جانب استمرار الحرب في غزة بصورة من الصور، فإن حربًا على لبنان يمكن أن تشعل الشرق الأوسط برمته، وتستمر لزمن أطول بكثير مما خطط لها. ولأن مثل هذه العواقب تتعارض مع مصالح وانشغالات الولايات المتحدة في الإقليم والساحة الدولية، فقد تتحرك إدارة بايدن لمنع الحرب قبل نشوبها. ولكن نجاح هذا المسعى لن يكون ممكنًا بدون ضغوط فعلية وملموسة على نتنياهو وحكومته؛ الأمر الذي يصعب الاطمئنان له بعد الإخفاقات الأميركية السياسية المتكررة في غزة.
مركز الجزيرة للدراسات
إسرائيل وحزب الله: احتمالات الحرب الشاملة
|
قرار وقف المواجهة بين حزب الله وإسرائيل ليس بيد أطرافها لارتباط المواجهة بالحرب على غزة، وفي الوقت الذي يسعى حزب الله لاستمرارها دون توسعها بانتظار وقف الحرب على غزة، فإن إسرائيل تسعى إلى توسعتها بهدف إيقافها.
مقدمة
إن المواجهة الحالية بين حزب الله وإسرائيل والتي بدأت منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تنطبق عليها أوصاف الحرب الحدودية إلى حدٍّ بعيد، فمعظم البلدات الحدودية على الضفتين وعلى بعد بضعة كيلومترات من الحدود خالية من السكان أو تكاد تخلو ويقتصر الوجود الأساسي على العسكريين والمقاتلين، وتتعرض لقصف متواصل وتشهد دمارًا خاصة على الجانب اللبناني، بما يذكِّر بحرب يوليو/تموز عام 2006. وقد زادت المواجهات مؤخرًا، كثافةً وحدَّةً واتسعت مساحتها، وأعلن مؤخرًا مسؤولون إسرائيليون استعدادهم لشن هجوم خاطف على لبنان، كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه يستعد لعملية ضد لبنان بعد أن يستكمل المعركة في رفح، في حين أعلن الوسطاء عن فشلهم في التوصل لاتفاق على الجبهة اللبنانية يشمل وقف إطلاق نار دون وقفها باتفاق على جبهة غزة.
يراجع التعليق المواجهة الإسرائيلية-اللبنانية في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة، ويتناول نقطتين أساسيتين: طبيعة المواجهة القائمة وتوصيفها وإذا ما كانت ستُفضي أو تتحول في مرحلة ما إلى مواجهة شاملة بين الطرفين.
توصيف المواجهة
من طبيعة هذه المواجهة أنها تتسع سواء بسبب الفعل أو رد الفعل، لكنها أيضًا منضبطة بكوابح وحسابات من قبل أطرافها أنفسهم.
بدأت المواجهة الحالية بمبادرة من حزب الله في منطقة مزارع شبعا منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول وامتدت على كامل الشريط الحدودي مع “إسرائيل”، وعمل حزب الله، ولو على تراخ، على إخلاء القرى الأمامية وغالبها حاليًّا إما خالية أو شبه خالية. من الواضح ابتداء أن حزب الله لم يكن يريد لهذه المواجهة أن تتسع ويريد حصرها بالشريط الحدودي وبمستوى منخفض ما استطاع، مع الحفاظ على استمرارها ما دامت الحرب على غزة مستمرة، وأكد أنه ينفذ عملياته إسنادًا للمقاومة في غزة، واستباقيًّا كي لا تفكر إسرائيل بعد غزة بالحرب على لبنان.
أما إسرائيل فهي على الأغلب المبادر إلى توسيع المواجهة منهجيًّا، لإجبار حزب الله على إيقاف عملياته والانسحاب إلى ما قبل نهر الليطاني تنفيذًا للقرار 1701، الذي صدر في أعقاب حرب 2006. في حين تقوم عدة دول بدور الوساطة أو نقل رسائل التهديد إلى السلطات اللبنانية وإلى حزب الله لوقف عملياته وإبرام اتفاق مع إسرائيل، منها أميركا التي يعمل مبعوثها الخاص إلى لبنان، آموس هوكستين، على اقتراح اتفاق لوقف إطلاق النار يتضمن ترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية وتراجع مقاتلي حزب الله عن الحدود إلى ما وراء نهر الليطاني، لتجنب حرب إسرائيلية واسعة على لبنان، إلا أن حزب الله لا يزال يلتزم القول: إن المواجهة ستتوقف بمجرد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في غزة، وحينها يمكن البحث بأي أمر آخر.
وقد اتسعت مساحة المواجهات المكثفة لتشمل كل الخط الحدودي مع لبنان، ثم ازدادت عمقًا لتشمل بلدات عدة تقترب من الساحل الجنوبي اللبناني، لاسيما من بلدة صور الساحلية، ولا تزال تتمدد. أما الاستهداف بالمسيرات لاغتيال مسؤولين أو أعضاء من حزب الله أو من المقاومين، فتكاد لا تعرف الحدود. بالمقابل، لم يتردد حزب الله في استهداف الجليل الأعلى حتى إن نيرانه وصلت في بعض المرات إلى صفد، كما أن مسيَّراته باتت تخرق الأجواء الإسرائيلية.
دوافع إسرائيل للحرب
إن لإسرائيل دوافع سابقة على معركة “طوفان الأقصى” لخوض حرب ضد حزب الله وكانت محل نقاش إسرائيلي مستمر، وجاءت تطورات ما بعد الطوفان لتحفز على ذلك.
أولًا: دوافع لأسباب تتصل بحرب 2006: فقد كانت إسرائيل تهدف من تلك الحرب إلى القضاء على حزب الله ولجم تعاظم دوره في لبنان، إلا أن الحرب انتهت وفق القرار الأممي رقم 1701، أي إلى “وقف كامل للعمليات القتالية في لبنان” واستمر دور حزب الله. ومما نصَّ عليه القرار الأممي إنشاء منطقة على الحدود اللبنانية خالية من المسلحين ومنزوعة السلاح تمتد إلى نهر الليطاني، وكانت إسرائيل تأمل من ذلك لأن يحد من وجود وحركة حزب الله في المنطقة الحدودية، إلا أن دوره تعزز بدلًا من ذلك.
ثانيًا: بسبب ترسخ دور حلفاء إيران على حدودها وتهديدهم مصالحها: تعتبر إسرائيل حزب الله الفاعل الأساس من حلفاء إيران في الإقليم، ويشارك بدور رئيسي وريادي في معركة مساندة غزة الحالية، إلى جانب حلفاء من اليمن والعراق، وله -كما لهذه القوى- تمركز عسكري قرب الحدود السورية مع الجولان المحتل.
ثالثًا: لأسباب تتعلق بالأمن الإقليمي من المنظور الإسرائيلي: فحزب الله يقوم بدور قوة متقدمة لصالح إيران، تستخدمها طهران لردع إسرائيل عن استهدافها أو استهداف مشروعها النووي.
أما بعد طوفان الأقصى، فأهم ما يمكن التأكيد عليه، سعي إسرائيل لاستعادة قوة الردع في المنطقة، وهذا لا يمكن أن يكتمل بالحرب على غزة دون لجم الحزب على “الحدود الشمالية” لإسرائيل، وهو مطلب لشريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي، كما أبدى سكان المستوطنات الشمالية مرارًا فقدانهم للشعور بالأمن مع عدم إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، وهو ما تسعى إسرائيل للوصول إليه بحرب أو باتفاق.
كوابح توسعة الحرب
هناك مخاوف لدى الطرفين، حزب الله وإسرائيل، من مواجهة شاملة ومفتوحة بموازاة الحرب الإسرائيلية على غزة.
أبسطها بالنسبة لإسرائيل أنها تخوض حربًا على “تخومها” في غزة وليس هناك حتى اللحظة تأكيد بالقضاء على المقاومة أو إطفاء جذوتها، ولا تزال تواجه تحديات عدة جرَّاءها، ولديها من الانقسامات الداخلية ومن الخلافات مع الحلفاء، لاسيما واشنطن، ما يحتاج لترميم. وعلى الضفة الأخرى، لا تعرف إسرائيل المسار الذي قد تبلغه أي مواجهة مع لبنان، سواء من حيث تضرر إسرائيل وعدم التيقن من قدرتها على تحقيق أهداف أي عملية عسكرية قد تقدم عليها، لاسيما أن حزب الله منخرط في هذه المعركة تحت عنوان “وحدة الساحات” أي هو جزء من محور لا تخفي إيران تأييدها له ودعمه بكل ما يلزمه، خاصة إذا ما كان هدف الحرب حزب الله نفسه، الذي يرتبط عضويًّا بروح النظام الديني في إيران وليس بحلفه السياسي فحسب.
كما أن حزب الله قد راكم خلال فترة حرب الإشغال في هذه الأشهر التسعة على الأقل، قدرات لا يمكن الجزم بإحاطة إسرائيل بها، وقد ظهرت عينات منها في الحرب السابقة، عام 2006، كالقوة الصاروخية ولكن بتطور أكبر، أو الجديدة منها كما الشأن مع المسيرات وقدرتها على الانقضاض أو الوصول لأهداف داخل إسرائيل، حتى إن حزب الله نشر صورًا للعمق الإسرائيلي ومواقع حساسة مع إحداثياتها المحددة، جاءت بها إحدى طائراته المسيرة.
بالنسبة لحزب الله، فهو لا يريد توسعة الحرب حتمًا، وانخرط في المواجهة ويريدها محدودة وضمن إستراتيجية “وحدة الساحات” ليوقف الحرب على غزة، وليحول دون أن تنتصر إسرائيل فيها انتصارًا واضحًا يعزز قدرتها على شن حرب شاملة على لبنان أو بالأحرى على الحزب نفسه لاسيما أن لبنان يعاني من أزمة اقتصادية وسياسية حادة. كما يضطلع حزب الله بدور متقدم في الشأن اللبناني وحتى في الإقليم مما يجب أخذه بالحسبان في أي مواجهة، فهو ليس “مقاومة” لبنانية فقط، هو أيضا فاعل أساسي في الإقليم وفي محور “إيران”، ومدى مصالح هذا المحور أوسع من غزة وإن كانت جزءًا منه.
ويبدو الطرفان، حزب الله وإسرائيل، أن كلًّا منهما يهيئ نفسه في سياق هذه الحرب، لاحتمال استمرارها لفترة طويلة لتلاقي استحقاقات أخرى مثل الانتخابات الأميركية المقبلة، أو لاحتمال أن تنزلق لتصبح شاملة كما كان شأنها عام 2006، وحينها ستكون عنيفة وبلا حدود بشكل غير مسبوق، فالطرفان مستمران في الحشد والتعبئة ومراكمة الطاقات والاستعدادات اللوجستية لهذه الاحتمالات مع محاولة كل منهما فهم وتقدير قوة خصمه في هذه الأثناء، هذا من جهة.
أما من جهة أخرى، فكلا الطرفين لا يريد أن تتكرس معادلة لصالح الطرف الآخر ولو في مواجهة محدودة، فيلجأ للرد على الرد بأقوى منه أو بما يعادله، حتى لو اضطر لإدخال عناصر جديدة في المواجهة ما يعني اتساع دوائر الحرب لتشمل مساحات جغرافية أوسع واستعمال أسلحة أشد؛ ما ينذر بحتمية الوصول في نهاية المطاف إلى مواجهة مفتوحة في حال عدم التوصل إلى وقف لإطلاق نار قريب في غزة، بغض النظر عما تريده الأطراف نفسها.
لهذا مع كل توسع جديد للمواجهات تتدخل أطراف الوساطة لتفادي الوصول إلى حرب مفتوحة، ومنهم أميركا والأوروبيون، وليضعوا حدودًا جديدة تضبط الجبهة اللبنانية بانتظار اتضاح غبار الحرب في غزة وكسبًا لمزيد من الوقت.
لكن هذه الآلية لا تزال ناشطة لاسيما أن إسرائيل باتت أكثر وضوحًا في توسعتها للحرب منهجيًّا في جنوب لبنان، وهو ما يقابله حزب الله باستهداف عمق الشمال الإسرائيلي، مع سعيه لوضع معادلة في السياق تكبح الاندفاع الإسرائيلي، من ذلك تهديده بإدخال مناطق إسرائيلية حيوية ضمن المواجهة الحالية إذا ما استمرت إسرائيل في نهجها هذا، من ذلك مثلًا أنه هدد بأن إدخال مدينة صور في دائرة المواجهة سيقابله الحزب بإدخال حيفا فيها، ورد الطرف الإسرائيلي بأن حيفا ستكون بمقابل بيروت، وهكذا دواليك، تصنع الحرب توازناتها مع كل اتساع.
سيناريوهات المواجهة
يمكن الوقوف على ثلاثة أساسية منها بالجملة:
الأول (وهو ما تسعى إليه إسرائيل): توسعة المواجهة لتشمل معظم الجنوب اللبناني وخطه الساحلي دون بيروت وضواحيها، مع الاستمرار في سياسة الاغتيالات بالمسيرات في عموم الأراضي اللبنانية؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يضع ضغوطًا على حزب الله وتأليب حاضنته ضده أو معاقبتها. وفق هذا السيناريو، من المفترض أن يكتفي حزب الله بالتوسع في استهداف الجليل وبقية المناطق الحدودية بعمق أكبر بقصد الرد والردع دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة شاملة، لتفادي تعرض لبنان أو مناطق حاضنته لدمار أعظم، أو لحسابات تتعلق بالإقليم، كأن تتدخل الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل. ومثل هذه التوسعة ستعاني منها إسرائيل وستدفع كلفة أكبر لكنها نظريًّا ومن منظورها قد تتيح لها تحقيق بعض أهم أهدافها، منها تحطيم قدرات حزب الله على الحدود، وتحجيم قوته بشكل عام وإجباره لاحقًا على الإذعان لشروطها بسحب مقاتليه إلى ما وراء نهر الليطاني، وربما فصل جبهة الجنوب اللبناني عن غزة.
الثاني: تحول المواجهة إلى مفتوحة، وهو ما يهدد به حزب الله للجم إسرائيل ومنعها من توسعة الحرب بلا حساب كلفتها، فهو يؤكد لإسرائيل أنها قد تملك المبادرة على توسعة الحرب وهو ما تفعله من حين إلى آخر، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على إيقافها أو ضبطها، وهذا ما جعلها حذرة في كل توسعة أو تصعيد إضافي حتى اللحظة. ولا شك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا ترغب فيه إسرائيل، لأن ذلك قد يعرضها إلى صدمة أخرى قد تقترب من تلك التي عرفتها في “طوفان الأقصى”، خاصة أن حسابات الحرب المفتوحة مع حزب الله أكثر تعقيدًا من تلك التي مع غزة، وقد تعني بدورها الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع تشارك فيها قوى أخرى وجبهات أخرى، وحتى إيران نفسها. وعلى العموم، قد تنتهي الحرب إلى شاملة ومفتوحة نتيجة لتطور الحرب نفسها، أو نتيجة الخطأ في الحسابات خاصة إذا ما اعتقدت إسرائيل أنها تملك القدرة على فرض وقف الحرب كما تملك القدرة على مباشرتها.
الثالث: استمرار المواجهة بالتوازي مع استمرار الحرب في غزة، وقد تشهد مزيدًا من التصعيد لكن لا يخرج عن إطار الاحتواء والتراجع لتنخفض حدته مجددًا، وقد تتراجع المواجهة إلى الحد الأدنى لاسيما إذا ما أعلنت إسرائيل انتهاء عملياتها الأساسية هناك ولو لم يحصل اتفاق على وقف لإطلاق النار. هذا السيناريو تعايش معه حزب الله رغم أنه دفع ثمنًا عاليًا من مقاتليه دون وجود أفق واضح لانتهاء الحرب، فالخسائر في المقاتلين في هذا الشكل من المواجهة أكثر من المدنيين. أما إسرائيل فأعلنت عدم قبولها بهذه المواجهة وتأبى التعايش معها، والأرجح أنها تفكر بتوسعتها جنوبًا دون أن تكون مفتوحة، ولكن هذا السلوك مع وجود نتنياهو في القيادة، يزيد جدًّا من مخاطر الحرب الشاملة.
بالعموم، إن سيناريوهات هذه الحرب تبدو معقدة وصعبة، لأن قرار إطلاق شراراتها كان سببه المباشر من خارجها من غزة، ويبدو قرار وقفها أيضًا ليس بيد أطرافها إلى حدٍّ كبير حتى اللحظة على الأقل، والبحث هو في قرار تصعيدها أو ضبطها، أما وقفها فهو في غزة.
خاتمة
شهدت هذه المواجهة تطورات لم تعرفها سابقاتها، ولها أهمية في توصيفها، فهي أطول مواجهة من حيث مدتها، وتجري دفعة واحدة على طول الحدود، وتشهد استعمال أسلحة وتكتيكات تختلف جذريًّا عن كل ما سبقها، والأهم أن قرار وقفها ليس بالكامل بيد أطرافها لارتباط المواجهة بالحرب على غزة. وعلى الصعيد اللبناني، بخلاف المواجهات السابقة فإن الخسائر بالمقاتلين أكثر من المدنيين، ولأول مرة منذ الطائف يشارك فلسطينيون في مواجهات عبر الحدود اللبنانية ولو لمدة وجيزة، ولا شيء يمنع من انخراط قوى أخرى ومن جنسيات مختلفة في هذه المواجهة وإن كان حزب الله يؤكد عدم حاجته لأي مساعدة على هذا الصعيد. بالمقابل، لأول مرة تخلي إسرائيل مستوطنات بالشمال خشية من تكرر سيناريو السابع من أكتوبر/تشرين الأول فيها، ولأول مرة تعرف إسرائيل نازحين بهذه الكيفية من الحدود الشمالية، كما لأول مرة تخوض إسرائيل مواجهات متعددة بهذا الاتساع، لاسيما بعد تمدد “حلفاء” إيران في المنطقة.
وأي سيناريو ستشهده هذه المواجهة، لن يكون شبيهًا بأي مواجهة سابقة، سواء كانت محدودة أو شاملة وواسعة، ومهما كانت نتيجة الحرب الحالية، فإنها ستطلق وربما أطلقت دينامية جديدة، لحرب مقبلة بين حزب الله وإسرائيل، لأنها كشفت عن تعزز قوة حزب الله وتعاظم دوره المحلي والإقليمي، في الوقت الذي تهشمت به قوة الردع الإسرائيلي.
شفيق شقير
مركز الجزيرة للدراسات
الاتحاد الكونفيدرالي الثلاثي الإفريقي: بين الخيار الإستراتيجي والممكن التكتيكي
|
تحاول هذه الورقة قراءة دلالات ومآلات الاتحاد الكونفيدرالي الثلاثي المعلن عنه بين النيجر ومالي وبوركينافاسو: هل هو مجرد مناورة من أجل التخلص من عقوبات الإيكواس، ومضي العسكريين في بسط سيطرتهم على الحكم، أم إنه خيار إستراتيجي يؤسس لمرحلة جديدة تشكل قطيعة مع الماضي؟
أعلن وزراء خارجية كل من النيجر، وبوركينا فاسو، ومالي، في 18 مايو/أيار 2024، في ختام اجتماع عقدوه بالعاصمة، نيامي، وضع اللمسات النهائية لمشروع معاهدة إنشاء كونفيدرالية تجمع الدول الثلاث، التي تحكمها أنظمة عسكرية وصلت السلطة إثر انقلابات عسكرية على رؤساء مدنيين منتخبين.
وينتظر أن تصبح هذه المعاهدة نهائية، بعد المصادقة عليها من طرف قادة الدول الثلاث التي تجمعها -فيما يبدو- مناهضة فرنسا وطرد قواتها العسكرية، والتحالف مع روسيا بديلًا عنها، فضلًا عن التحديات المشتركة المرتبطة بقضايا الأمن والتنمية بالأساس.
وكان الرئيس المالي، العقيد عاصيمي غويتا، والنيجري، الجنرال عبد الرحمن تياني، والبوركيني، النقيب إبراهيم تراوري، قد وقَّعوا، في سبتمبر/أيلول 2023، ميثاقًا، قال عنه وزير خارجية مالي، عبد الله ديوب في تصريح حينها: إنه “سيكون مزيجًا من الجهود العسكرية والاقتصادية بين الدول الثلاث”(1).
وقد جاء توقيع هذا الميثاق بعد أقل من شهرين على الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس النيجر، محمد بازوم، وكانت حينها السلطة العسكرية الانتقالية التي تولت الحكم في البلاد، مهددة من طرف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، بالتدخل عسكريًّا إذا لم يتراجع الانقلابيون عن انقلابهم، ويعيدون السلطة لبازوم.
كما كانت مالي وبوركينا فاسو خاضعتين لعقوبات من طرف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وتُعرف اختصارًا بسيدياو بالفرنسية (CEDEAO) أو إيكواس بالإنجليزية (ECOWAS)، على خلفية الانقلابات العسكرية. فبالنسبة لمالي، أطاح غويتا ورفاقه بالرئيس الانتقالي، باه نداو، وقبله كانوا قد انقلبوا على الرئيس المدني الراحل، إبراهيم بوبكر كيتا. أما بالنسبة لبوركينا فاسو، فقد أطاح تراوري ورفاقه بالعقيد بول هنري سانداوغو داميبا، وقبله كانوا قد انقلبوا على الرئيس المدني، روك مارك كريستيان كابوري.
ويعطي هذا السياق نوعًا من الانطباع بأن الميثاق التأسيسي للتحالف الثلاثي، قد يكون مجرد مناورة من أجل التخلص من الضغط والعقوبات، ومضي العسكريين قدمًا في بسط سيطرتهم على الحكم في الدول الثلاث، كما أنه كذلك ربما يكون إستراتيجيًّا يؤسس لمرحلة جديدة تشكل قطيعة مع الماضي.
التحالف الثلاثي: سياق النشأة والأهداف
يقضي الميثاق المشترك الذي وقَّع عليه قادة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في 16 سبتمبر/أيلول 2023، بتشكيل “تحالف دول الساحل”، وهو اسم يحيل إلى “مجموعة دول الساحل الخمس” التي تأسست عام 2014 بالعاصمة الموريتانية، نواكشوط، في سياق يتسم بـ”ازدياد النشاط الإرهابي والتهديد الكبير الذي بات واقعًا حاضرًا بقوة”(2).
وقد ضمَّت مجموعة دول الساحل كلًّا من موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد، وتم بعد عام على تأسيسها تشكيل قوة عسكرية مشتركة، لكن بوادر تفكك المجموعة وقوتها العسكرية، لاحت في الأفق بعد إعلان مالي الانسحاب منهما، في منتصف مايو/أيار 2022، “احتجاجًا على رفض توليها رئاسة هذه المنظمة الإقليمية”(3).
وفي مطلع ديسمبر/كانون الأول عام 2023، أعلنت بوركينا فاسو والنيجر في بيان مشترك انسحابهما من مجموعة دول الساحل الخمس، وأرجعتا السبب -ضمن عدة أسباب أخرى- إلى أن سبيلهما “إلى الاستقلال والكرامة لا يتوافق مع المشاركة في المجموعة بشكلها الحالي”(4).
وهكذا إذن باتت الدول الثلاث خارج إطار مجموعة الخمس في الساحل، وأصبحت بذلك هذه المجموعة تضم فقط موريتانيا وتشاد، وهو ما جعلهما تعلنان تمهيد الطريق أمام حلها، ففي بيان صادر عنهما، في ديسمبر/كانون الأول 2023، أحال البلدان إلى تطبيق البند العشرين من الاتفاق التأسيسي للمجموعة، والذي ينص على إمكانية حل الائتلاف بطلب من 3 دول أعضاء على الأقل(5).
وتنظر البلدان الثلاثة المنسحبة إلى مجموعة الساحل كائتلاف تابع لفرنسا، التي باتت مرفوضة شعبيًّا ورسميًّا في المنطقة، مقابل تنامي زخم التقارب مع روسيا كحليف بديل. وهكذا باتت الروابط بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر تتعزز بشكل متزايد، سواء من حيث الوضعية المتمثلة في كون حكام البلدان عسكريين انقلابيين مناهضين لفرنسا، ويعتبرونها تمارس نوعًا من الاستعمار الجديد بأساليب مختلفة، أو من حيث التحالف مع روسيا، أو تشابه الأزمات.
وقد دفعت هذه العوامل المشتركة، إلى تأسيس “تحالف دول الساحل” كإطار جديد موحد وناظم للأنظمة العسكرية الجديدة، التي تبني رؤاها وإستراتيجيتها على مفهوم “السيادة”. ويتكون الميثاق المؤسس للتحالف من 17 مادة، تنص أولاها على تسميته بـ”ميثاق ليبتاكو-غورما”، وأن “الأطراف المتعاقدة اتفقت فيما بينها على إنشاء تحالف دول الساحل، ويختصر بـ”AES”، فيما تنص المادة الثانية على أن الهدف من هذا الميثاق هو “إنشاء هيكل للدفاع الجماعي والمساعدة المتبادلة للأطراف المتعاقدة”(6).
وينص الميثاق المؤسس كذلك في مادته 6 على أن “أي هجوم على سيادة وسلامة أراضي أحد الأطراف، يعد عدوانًا على الآخرين، وهو ما يترتب عليه الالتزام بالمساعدة المتبادلة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لاستعادة الأمن”(7).
وتنص المادة 11 من الميثاق على أن “التحالف مفتوح لكل دولة تشترك مع البلدان الثلاثة في نفس الحقائق الجغرافية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، وتقبل أهداف الحلف”(8). وكما سعت البلدان الثلاثة المنسحبة من مجموعة دول الخمس، لتشكيل تحالف ثلاثي سياسي وعسكري بالدرجة الأولى، فإنها تتجه أيضًا إلى توسيع مجال الشراكة والتعاون بينها ضمن إطار اتحاد كونفيدرالي أوسع، يشمل كذلك البعد الاقتصادي.
الاتحاد الكونفيدرالي وتعزيز الشراكة الاقتصادية
مهدت مالي والنيجر وبوركينا فاسو لانسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، الذي أعلنته، في 28 يناير/كانون الثاني 2024، بتوصية صدرت عن وزراء اقتصادها خلال اجتماع بباماكو، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وقد أوصى هؤلاء الوزراء بإنشاء شركة خطوط جوية مشتركة بين الدول الثلاث، ومصرف مشترك للاستثمار، إضافة إلى بحث إمكانية تأسيس اتحاد مالي ونقدي، عبر تشكيل لجنة مسؤولة عن تعميق النقاش حول القضايا المرتبطة بذلك(9).
وكما في حالة الانسحاب من مجموعة دول الساحل الخمس، فإن انسحاب باماكو ونيامي وواغادوغو من مجموعة “إيكواس” له ارتباط وثيق بالموقف من فرنسا؛ إذ تعتبر هذه البلدان أن المنظمة الإقليمية التي تأسست في 28 مايو/أيار عام 1975، بهدف “إنشاء تكتل تجاري كبير وموحد من خلال التعاون الاقتصادي”(10)، توجه فرنسا مواقفها وقراراتها، وذلك على اعتبار أن أغلب البلدان الأعضاء فيها كانت مستعمرات فرنسية سابقة.
وفي الواقع، فإن مواقف “إيكواس” تجاه دولها الأعضاء التي عرفت مؤخرًا انقلابات عسكرية، اتسمت بمستوى من ازدواجية المعايير، فقد كان موقفها أكثر حدة تجاه الانقلاب بالنيجر، وقبل ذلك مالي، وكان أقل حدة في حالة بوركينا فاسو، رغم أنها شهدت انقلابين في غضون 8 أشهر. وأما في حالة غينيا كوناكري، فقد كانت العقوبات أخف، واتسم الموقف بمستوى من البرودة مقارنة بالدول الأخرى، وقد جعل ذلك الحكام العسكريين بمالي والنيجر وبوركينا فاسو في إطار تكتلهم الجديد، يعتبرون مواقف “إيكواس” مرهونة بالموقف الفرنسي.
فالدول الثلاث التي طردت القوات الفرنسية، كان الموقف تجاهها أكثر صرامة، بينما في غينيا كوناكري التي يُنظر إلى قائد انقلابها “مامادي دومبويا على أنه رجل فرنسا بالمنطقة”، بحكم دراسته في الجامعات الفرنسية، وعمله السابق في الجيش الفرنسي(1)، كان موقف المنظمة غرب الإفريقية أقل صرامة، والعقوبات مخففة.
وبما أن مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بنت موقفها المشترك بالانسحاب من “إيكواس” ومن مجموعة دول الساحل، على تبعيتها لفرنسا، فإن تحالف دول الساحل الذي شكَّلته غير خفي بخصوص تقاربه مع روسيا، وتتجلى بعض ملامح ذلك في اتفاقيات التعاون الأمني التي وُقِّعت معها، وبموجب ذلك تلقت باماكو ونيامي مساعدات عسكرية روسية، وتم فيهما نشر بعض القوات الروسية كذلك، وذات الأمر ينتظر أن يحدث مع واغادوغو.
وبالإضافة إلى البعد الأمني والعسكري، فإن البعد الاقتصادي ينتظر أن يشكل أولوية لدى الاتحاد الكونفيدرالي الجديد الذي يجمع الدول الثلاث، وتنعكس ملامح ذلك من خلال انفتاح هذه البلدان على شركاء جدد، من أجل تجاوز الإشكال المتعلق بكونها دولًا حبيسة، وكانت تعتمد بشكل كبير على موانئ دول منظمة “إيكواس”.
وفي إطار السعي إلى تعزيز اقتصاداتها بعد الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، أطلقت مالي بالتعاون مع روسيا، في 25 مايو/أيار 2024، أعمال بناء “أكبر محطة للطاقة الشمسية في غرب إفريقيا” بالقرب من العاصمة، باماكو، تبلغ قدرتها 200 ميغاوات، ويعول عليها في رفع إنتاج الكهرباء المالي بنسبة 10%(12). وقبل ذلك أعلنت بوركينا فاسو توقيع اتفاق مع روسيا لبناء محطة نووية، من ضمن أهدافها تغطية احتياجات السكان من الطاقة؛ حيث إن نسبة “%22.5 فقط من السكان، وفقًا لأرقام بنك التنمية الإفريقي، يحصلون على الكهرباء”(13).
وبالنسبة للنيجر، فقد تقاربت كثيرًا على غرار حليفتيها الأخريين، مع تركيا وإيران، واستفادت بذلك من بعض المسيرات التركية، كما أنها، بحسب ما تداوله العديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، وقَّعت اتفاقًا مع طهران، التي تبادلت وإياها الزيارات على مستوى الوزراء وكبار المسؤولين، يقضي بحصول الطرف الإيراني على 300 طن من اليورانيوم بقيمة 56 مليون دولار تحصل عليها نيامي “على أن يبدأ نقل دفعة أولية تبلغ 50 طنًّا” في أفق أغسطس/آب القادم(14).
المبادرة المغربية الأطلسية: رهانات الاقتصاد والتنمية
في خطابه بمناسبة الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء، اقترح العاهل المغربي، الملك محمد السادس، “إطلاق مبادرة على المستوى الدولي، تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي”، مؤكدًا أن مشاكل وتحديات دول المنطقة “لن يتم حلها بالأبعاد الأمنية والعسكرية فقط؛ بل باعتماد مقاربة تقوم على التعاون والتنمية المشتركة”(15). وأعرب العاهل المغربي في ذات الخطاب عن استعداد المغرب “لوضع بنياته التحتية، الطرقية والمينائية والسكك الحديدية، رهن إشارة هذه الدول”، مبرزًا أن “هذه المبادرة ستشكل تحولًا جوهريًّا في اقتصادها، وفي المنطقة كلها”(16).
وبعد أقل من شهرين على اقتراح ملك المغرب لهذه المبادرة، احتضنت مدينة مراكش، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، اجتماعًا وزاريًّا للتنسيق بشأن المبادرة، ضم وزراء خارجية كل من المغرب، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد. وقد اتفق الوزراء على “إنشاء فريق عمل وطني في كل بلد، من أجل إعداد واقتراح أنماط تنفيذ هذه المبادرة”، كما اتفقوا على وضع اللمسات الأخيرة على مقترحات ستعرض لاحقًا على قادة الدول الخمس(17).
وينتظر أن يتيح تفعيل هذه المبادرة ودخولها حيز التنفيذ، فرصًا اقتصادية وتنموية للمغرب ولهذه الدول، فمن جهة تتطلع البلدان الأربعة الحبيسة، إلى تجاوز عائق عدم إطلالتها على واجهات بحرية، وهو ما يفوِّت عليها الكثير من فرص تعزيز اقتصادها وتنميتها. وقد برز إلحاح حاجة هذه الدول إلى واجهات بحرية، حين خضعت ثلاث منها، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لعقوبات من طرف منظمة “إيكواس” على خلفية الانقلابات العسكرية التي شهدتها. وتمتلك دول الساحل الحبيسة موارد اقتصادية مهمة، تعول على الواجهة الأطلسية من أجل تيسير تبادلها مع العالم، من خلال حركة الصادرات والواردات.
فبالنسبة لمالي مثلًا يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، كالأرز والقطن والكاكاو والذرة، والتعدين كالذهب واليورانيوم والفوسفات والحديد(18). ولا يختلف الأمر كثيرًا عنه في بوركينا فاسو، فالزراعة والتعدين يشكلان قطبي الاقتصاد الرئيسيين في البلاد، فالزراعة تشكل نسبة تفوق “75% من حصص التصدير”، وعمليات التعدين الصناعية، توفر أزيد من “مئتي مليار فرنك إفريقي من الإيرادات الضريبية وشبه المالية مع أكثر من تسعة آلاف فرصة عمل مباشرة”(19).
وبخصوص النيجر، فهي تستعد حاليًّا لتصدير أول شحنة من النفط إلى العالم، وقد برزت بشكل كببر حاجتها إلى إيجاد ميناء بحري في ظل تدهور علاقاتها مع بنين، خصوصًا بعد إغلاق نيامي الحدود من جانب واحد، معتبرة أن جارتها الجنوبية تشكل خطرًا على أمنها واستقرارها بفعل احتضانها قواعد عسكرية فرنسية. وبناء على هذه الأزمة التي قد يطول أمدها، فإنه ينتظر أن تشكل توغو بديلًا عن بنين، وقد بدأت بعض المباحثات بهذا الخصوص. وبالإضافة إلى النفط والغاز، تصنف النيجر كسابع أكبر منتج لليورانيوم عالميًّا، ويغذي اليورانيوم القادم منها نسبة 20% من احتياجات فرنسا(29).
وأما بالنسبة لدولة تشاد، فإن اقتصادها يعتمد على الزراعة؛ حيث تمثل “نسبة 40% من ناتجها المحلي الإجمالي”، وحوالي “80% من صادراتها”، إضافة إلى النفط والغاز الطبيعي، حيث تتوفر البلاد على “1.5 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، حسب تقديرات عام 2018، ويبلغ إنتاجها اليومي للبلاد 140 ألف برميل، يتم تصدير 90% منها”(21).
وهكذا فإن المقدرات الكبيرة التي تتوفر عليها هذه الدول الحبيسة، لم يُتمكن من ترجمتها على مستوى البناء والتنمية لأسباب يتعلق بعضها بعدم الاستقرار السياسي والأمني، ولكن أيضًا بفعل غياب واجهات بحرية تربط بينها والدول الأطلسية إفريقية كانت أو من قارات أخرى. وينتظر أن تشكل موريتانيا نقطة ارتكاز رئيسية في هذه المبادرة، لكونها تمتلك واجهة أطلسية حيوية وإستراتيجية، ولكونها تشكل بموقعها الجغرافي أداة ربط بين المملكة المغربية وهذه الدول.
ويطمح المغرب والدول الأربع الحبيسة عبر المبادرة الأطلسية، إلى إقامة شراكات إستراتيجية، تعزز البعد الاقتصادي على أساس “رابح-رابح”، فمن جهة سيتاح للمملكة ضخ المزيد من الاستثمارات في العديد من المجالات الواعدة في هذه البلدان(22). ومن جهة أخرى، ستستفيد هذه البلدان من البنى التحتية المغربية المتطورة، ومن واجهتي البلاد الأطلسية والمتوسطية، لتجاوز إشكال العزلة إقليميًّا ودوليا، خصوصًا إذا ما كان خروج مالي والنيجر وبوركينا فاسو من منظمة “إيكواس” نهائيًّا.
مناهضة فرنسا والتقارب مع روسيا
خلال زيارة أداها إلى مالي، مطلع فبراير/شباط 2023، اقترح رئيس وزراء بوركينا فاسو، أبولينير يواكيم كييليم دي تيمبيلا، تشكيل اتحاد فيدرالي بين البلدين، ينسجم مع تطلعاتهما، ويكون مرنًا أمام من يريدون الانضمام له. ويحيل مقترح أبولينير يواكيم، وهو محام ورئيس مركز للدراسات وأستاذ جامعي، إلى “الاتحاد الفيدرالي” التاريخي الذي تشكل في نهاية الحقبة الاستعمارية الفرنسية لبعض دول غرب إفريقيا، لكنه لم يعمر طويلًا. ويتعلق الأمر بمحاولة عدد من الدول كمالي، والسنغال، وبوركينا فاسو، وبنين، وغينيا، وغانا، تشكيل اتحاد فيدرالي بين عامي 1958 و1960، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل(23).
وكان هدف هذا الاتحاد هو “توحيد المصير المشترك” في مواجهة الاستعمار الفرنسي، والرغبة في التحرر من هيمنته، لكن الخلافات سرعان ما عصفت به، ولا شك أن فرنسا لعبت دورًا في إجهاض هذا التكتل، الذي ترى أن من شأنه جعل مستعمراتها السابقة كيانات مستقلة بذاتها وفي غنى عنها.
وبما أن مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ترى أنظمتها العسكرية الحاكمة الآن أن فرنسا ما زالت “تستعمر” هذه الدول حتى بعد حصولها على الاستقلال، من خلال عديد الاتفاقيات التي تمنحها امتيازات كبيرة، على حساب مصالح البلدان الفقيرة، جاء استدعاء فكرة إنشاء “اتحاد كونفيدرالي”. ولم يقتصر استدعاء الماضي في الحاضر من أجل بناء مستقبل مختلف، على التحالف الفيدرالي أو الكونفيدرالي، فميثاق “ليبتاكو-غورما” الذي تسعى الدول الثلاث لأن يكون حلفًا دفاعيًّا وأمنيًّا بينها، يعود أصله إلى سنة 1970؛ حيث قررت هذه البلدان حينها إنشاء “هيئة التنمية المتكاملة ليبتاكو-غورما”(24) وكان الدافع يومها تعزيز التعاون بين البلدان، من أجل تحقيق تكامل اقتصادي وتنموي.
وتعتبر “ليبتاكو-غورما” التي تسمى بها الميثاق المنشئ لتحالف دول الساحل، منطقة حدودية مشتركة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وقد تزايد تداول اسمها خلال السنوات الأخيرة، لارتباطها بنشاط الجماعات المسلحة.
إن استحضار مثل هذه الائتلافات والتحالفات التاريخية، يعكس أن القادة العسكريين يرون في بعض أدوات الماضي، نواة يمكن التأسيس عليها في الحاضر، ولكن يبقى من الوارد السؤال حول ما إذا كانوا قادرين على تجنب تعثر تلك التكتلات لنفس الأسباب أو لأسباب أخرى.
وحتى الآن تُظهر الدول الثلاث ما يشي بالمضي في تأسيس اتحادها الكونفيدرالي، وتحالفها الثلاثي، بل إنها تسعى إلى توسيع دائرتيهما ليشملا بلدانًا أخرى جديدة، فقد أعلنت وزارة الدفاع النيجرية، نهاية شهر مايو/أيار الماضي، عن مناورات عسكرية هي الأولى من نوعها بين جيوش 5 دول بالمنطقة، وهي بالإضافة إلى النيجر المستضيفة للمناورات، مالي وبوركينا فاسو وتشاد وتوغو(25).
وتعكس هذه الخطوة وجود مساع لضم بلدان جديدة للتحالف، فالبلدان الخمسة تشترك جميعها في مواجهة التحدي الأمني، كما أن أربعة منها حبيسة، وبالتالي الاشتراك في تشابه التحديات الاقتصادية والتنموية. ومع ذلك فإن ظلال التنافس الروسي-الفرنسي حاضرة ولا يمكن إغفالها، فالدول الثلاث اتخذت روسيا حليفًا جديدًا بديلًا عن فرنسا، وتشاد أبدت، منذ يناير/كانون الثاني 2024، تقاربًا مع موسكو، من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الجنرال، محمد إدريس ديبي إتنو، إلى البلاد، ومباحثاته مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وقد اعتبر محمد ديبي زيارته لموسكو “تاريخية” وقال لنظيره الروسي: إن “تشاد دولة مستقلة ترغب في توسيع آفاق علاقاتها مع الدول الصديقة”(26).
ويعتبر هذا مؤشرًا على أن تشاد قد تكون مقبلة على الانخراط في “النادي الروسي” بالساحل، وهو ما يفسر أيضًا خطوة إجرائها مناورات عسكرية مع ثلاثة من حلفاء موسكو. ومن ضمن المؤشرات الدالة على تسارع وتيرة تقارب الطرفين، إعلان وزارة الدفاع الروسية في 28 مايو/أيار 2024، أن قواتها نفذت عملية عسكرية مشتركة مع الجيش تشادي “أسفرت عن تحرير 21 عسكريًّا تشاديًّا كانوا رهائن لدى جماعات وصفتها بالمتطرفة في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ أكثر من 9 أشهر”(27).
أما بالنسبة للتوغو، فإنها لم تخرج بعد بشكل نهائي من دائرة الدول المحسوبة على فرنسا، ولكنها في العام 2022 انضمت في ختام قمة بكيغالي إلى مجموعة الكومنولث، وهي منظمة “تجمع المملكة المتحدة مع مستعمراتها السابقة، وهدفها تقوية الروابط الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الأعضاء”(28).
ورغم أن توغو لم تكن مستعمرة بريطانية، إلا أن الخطوة اعتُبر الهدف منها التحرر من الارتهان للشريك الواحد التقليدي، والانفتاح على تعدد الشراكات، بحثًا عن ضمان مصالح أوسع.
خاتمة
لقد نجحت مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في تجسيد إستراتيجية أن “أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم”، فانسحبت من مجموعة دول الساحل الخمس، لأنها في نظرها ائتلاف تابع لفرنسا، كما انسحبت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” لذات السبب. وعلى إثر ذلك، دعت المنظمتان الدول المنسحبة للحوار سبيلًا إلى تجاوز الخلافات، فبالنسبة لمجموعة الخمس في الساحل، كانت قد انتهجت حيادًا سلبيًّا إزاء سلسلة الانقلابات العسكرية التي عرفتها ثلاث من دولها الأعضاء، وأصرت على عدم تولي أي منها الرئاسة الدورية.
وعلى إثر الانسحاب الثلاثي، باتت مجموعة دول الساحل الخمس اليوم بحكم المتفكك عمليًّا؛ إذ لم يتبق بها إلا موريتانيا وتشاد، والأخيرة تتقارب بخطى حثيثة مع روسيا؛ ما يعني أن لحظة إعلان نهايتها رسميًّا، قد تكون مسألة وقت فقط. أما بالنسبة لمنظمة “إيكواس” التي كانت تهدد بالتدخل العسكري في النيجر، لإعادة الرئيس المدني المعزول، محمد بازوم، إلى السلطة -الشيء الذي لم تنتهجه إزاء الانقلابات التي عرفتها بوركينا فاسو ومالي- فإن انسحاب ثلاث من دولها الأعضاء لا يهدد بتفككها، ولكنه يؤثر على وحدة المنظمة، ومستقبل الاستقرار السياسي في بلدانها؛ حيث يصبح من السهل أن يحدث انقلاب، وتعلن الدولة انسحابها من المنظمة، وتفلت بذلك من العقاب.
وبالمقابل، فإن ازدواجية المعايير التي تعاطت بها “إيكواس” مع الانقلابات، خطأ جعلها تنتقل من مركز قوة تهدد تارة، وتتفاوض تارة أخرى من أجل وضع أجندة انتخابية تعيد المدنيين للسلطة، إلى نقطة ضعف؛ حيث رفعت أغلب العقوبات التي فرضت على هذه البلدان، وباتت تخطب ودها باستعمال خطاب تغلب عليه نبرة الهدوء، سبيلًا إلى تراجعها عن الانسحاب.
ولأن انسحاب الدول الثلاث، وإعلانها تأسيس تحالف لدول الساحل، واتحاد كونفيدرالي -اكتملت لمساته النهائية، وسيركز على المجالين، الاقتصادي والتنموي- جاء ردَّةَ فعل، فإن من الوارد التساؤل بشأن ما إذا كان سيتخذ طابعًا إستراتيجيًّا أم سيكون تكتيكيًّا فقط. وهنا إما أن يسير عسكريو مالي والنيجر وبوركينا فاسو نحو البقاء في السلطة لفترات طويلة، فتنظم هذه البلدان انتخابات رئاسية يترشح لها الرؤساء العسكريون الحاليون، ويتم انتخابهم، وبالتالي تنتقل البلدان من المراحل الانتقالية إلى العودة للمسار الطبيعي لكن مع بقاء الانقلابيين في السلطة، وتصبح الانتخابات مجرد وسيلة لإعادة انتخابهم، لأنهم يرون السماح للمدنيين بالعودة للحكم بمنزلة عودة للمربع الأول.
وإما أن يعود المدنيون للسلطة عبر البوابة الانتخابية، ويهدموا ما بناه العسكريون، ويعيدوا التحالفات التقليدية، وبالتالي ينتهي البعد الإستراتيجي لتحالف الدول الثلاث واتحادها الكونفيدرالي.
وثمة سيناريو ثالث، وهو مبدأ أن “ما أُخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة”، وبالتالي يكون محتملًا أن تشهد الفترة المقبلة موجة انقلابات عسكرية جديدة مضادة، يدعو أصحابها للعودة إلى التحالف مع فرنسا، وبالتالي العودة إلى ما كان عليه الوضع خلال الفترات المدنية، وهذا إذا حدث فإنه يعني انحسار الحضور الروسي، بدل النفوذ الحالي.
محفوظ ولد السالك
مركز الجزيرة للدراسات
مراجع
1) انظر الموضوع التالي:
Le Mali, le Burkina et le Niger signent une alliance défensive «des États du Sahel», publié le 17 Septembre 2023, vu le 21 Mai 2024
https://t.ly/E5ok4
2) انظر المقال التالي: بين المخاطر والفرص: تحديات الإرهاب في منطقة دول الساحل الخمس (G5)، “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”، 16 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2024)، https://t.ly/KtPZC
3) انظر الموضوع: مالي تنسحب من مجموعة دول الساحل الخمس ومن قوتها العسكرية لمكافحة الجماعات المسلحة، الجزيرة نت، 16 مايو/أيار 2022، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2024)، https://shorturl.at/aHFFE
4) انظر الموضوع: بوركينا فاسو والنيجر تعلنان انسحابهما من مجموعة دول الساحل، العرب، 3 ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2024)،
https://shorturl.at/rg0TO
5) انظر الموضوع: تشاد وموريتانيا تمهدان حل دول الساحل، هسبريس، 6 ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2024)، https://shorturl.at/xvkW8
6) انظر:
Charte du Liptako-Gourma, instituant l’Alliance des États du Sahel entre le Burkina Faso, la République du Mali, la République du Niger, Digithéque MJP, Vu le 22 Mai 2024: https://t.ly/_V6zr
7) انظر المقال:
L’alliance des États du Sahel (AES),un tournant décisif pour l’Afrique de l’ouest? Agence Anadoul, publié le 22 Septembre 2023, Vu le 22 Mai 2024: https://t.ly/h5wZD
8) انظر المقال: ميثاق ليبتاكو-غورما: دوافع تشكل تحالف مالي وبوركينا فاسو والنيجر وآفاقه المحتملة، مركز الإمارات للسياسات، 22 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 23 مايو/أيار 2024)، https://shorturl.at/daHRl
9) انظر المقال: تحالف G3.. ظلال التنافس الروسي الفرنسي بالساحل، مدار، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 24 مايو/أيار 2024)، https://shorturl.at/nH2c2
10) انظر الموضوع:
CEDEAO: qu’est-ce que la Communauté économique des États de l’Afrique de l’Ouest? Publié le 07 Février 2023, vu le 24 Mai 2024: https://t.ly/O-BF5
11) انظر السيرة التالية:
Biographie du président de la République Général de Corps d’Armée Mamadi Doumbouya, vu le 29 Mai 2024: https://rb.gy/e8avvi
12) انظر الموضوع:
Énergie solaire au Mali: installation avec la Russie d’une mégacentrale, publié le 25 Mai 2024, vue le 31 Mai 2024: https://rb.gy/yz1gba
13) انظر الموضوع: روسيا تبني محطة نووية في بوركينا فاسو، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 31 مايو/أيار 2024)، https://shorturl.at/zLw7M
14) انظر الموضوع: إيران توقع اتفاقًا مع النيجر للحصول على اليورانيوم مقابل الطائرات والصواريخ، 9 مايو/أيار 2024، (تاريخ الدخول: 31 مايو/أيار 2024)، https://rb.gy/lp4oey
15) انظر: الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء ـ التسجيل الكامل، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 1 يونيو/حزيران 2024)، https://rb.gy/zcdrpx
16) نفس المصدر السابق.
17) انظر: اجتماع وزاري للتنسيق بشأن المبادرة الدولية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي: أهم ما جاء في البيان الختامي، 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 1 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/ms6mM
19) انظر: ما الذي ستجنيه دول الساحل من المبادرة الملكية لولوجها إلى المحيط الأطلسي؟، موقع الاتحاد إنفو، 26 ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 1 يونيو/حزيران 2024)، https://rb.gy/wlogn6
20) يورانيوم النيجر.. كنز أو لعنة في سابع أفقر دول العالم؟، 25 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 1 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/GfxtS
21) انظر: ما الذي ستجنيه دول الساحل من المبادرة الملكية لولوجها إلى المحيط الأطلسي؟ مصدر سابق.
22) انظر: مبادرة الأطلسي: هل تعوض التحركات المغربية انسحاب فرنسا من دول الساحل الإفريقي؟، 11 يناير/كانون الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/EduqI
23) انظر:
Le premier ministre burkinabé prône la création d’une fédération avec le Mali, publié le 04 Février 2023, vue le 02 Mai 2024: https://tinyurl.com/3smjyxx4
24) انظر: ما الجديد في تحالف “الانقلابيين” في غرب إفريقيا؟، 30 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/FfJS0
25) انظر: جيوش دول الساحل وتوغو تجري مناورات في النيجر: نواة تحالف جديد؟، العربي الجديد، 27 مايو/أيار 2024، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/zvIAG
26) انظر: تشاد/روسيا: الرئيس الروسي يستقبل رئيس الجمهورية الفريق أول محمد إدريس ديبي بقصر الكرملين، يناير 2024، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/fExgp
27) انظر: روسيا تساعد تشاد في تحرير رهائن بإفريقيا الوسطى، 29 مايو/أيار 2024، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/x0hor
28) انظر: رابطة الكومنولث، 4 يناير/كانون الثاني 2011، (تاريخ الدخول: 2 يونيو/حزيران 2024)، https://shorturl.at/KGRrz
أزمة التعديلات الدستورية الجديدة في الصومال: تداعياتها السياسية ومهدداتها الأمنية
|
تبحث هذه الورقة عن ماهية التعديلات الدستورية بالصومال والمخاوف التي ترصدها المعارضة بشأنها، واستشراف مستقبل العلاقات بين الحكومة الصومالية والولايات الفيدرالية، مع إعلان ولاية بونتلاند سحب الاعتراف من المؤسسات الحكومية، والتهديد المبطن للانفصال، نتيجة خلافات سياسي منذ مجيء الرئيس حسن شيخ محمود عام 2022.
المقدمة
وافق البرلمان الفيدرالي بغرفتيه (مجلس الشعب ومجلس الشيوخ) في الـ30 من مارس/آذار 2024 على تعديلات دستورية جديدة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، فهي أول تعديلات تشمل أربعة فصول في الدستور الصومالي المؤقت، والمكون من 15 فصلاً، منذ صياغته عام 2012. عُدت تلك التعديلات التي أقرَّها البرلمان محاولة لتكريس سلطة مطلقة لرئاسة البلاد على باقي السلطات التنفيذية والتشريعية، وهو ما يثير مخاوف المعارضة، في وقت مبكر قبل الاستحقاقات الانتخابية المزمع إجراؤها عام 2026، إلى جانب التوترات في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات التابعة لها سيما بونتلاند، وغموض في مآلات هذه التعديلات وتأثيراتها على مستقبل النظام الفيدرالي في البلاد.
هذه الورقة، تبحث عن ماهية التعديلات الدستورية الجديدة والمخاوف التي ترصدها المعارضة بشأن هذه التعديلات، واستشراف مستقبل العلاقات بين الحكومة الصومالية والولايات الفيدرالية، مع إعلان ولاية بونتلاند سحب الاعتراف من المؤسسات الحكومية، والتهديد المبطن للانفصال، نتيجة خلافات سياسي منذ مجيء الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عام 2022.
حيثيات إجراءات التعديلات الدستورية
أقرَّ مشرعون يمثلون القبائل الصومالية عام 2012 الدستور المؤقت، حيث تكونت لجنة صياغة الدستور المستقلة من تسعة وعشرين شخصاً، تولت مهمة كتابة الدستور الجديد الذي يتألف من خمسة عشر فصلاً، بتمويل من الأمم المتحدة(1). وأقرَّ هذا الدستور 825 مندوباً يمثلون العشائر الصومالية، وركزت جهود الحكومات المتعاقبة على إعادة صياغته وإجراء تعديلات فيه اتساقاً مع التطورات التي تشهدها البلاد، ولم تثمر تلك الجهود في النهاية(2).
وارتبطت مسألة إجراء التعديلات الدستورية في الصومال بالإصلاحات السياسية والأمنية التي حققتها البلاد منذ عام 2022، لكن ثمة مخاوف أثيرت حول أجندات تلك الإصلاحات الدستورية ومدى ملائمتها للظروف الراهنة، بعد مضي سنوات مديدة دون أن تحرز عملية استكمال صياغة الدستور تطوراً ملموساً لمواءمة الدستور غير المؤقت بالانجازات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، وهذا ما أبقى الدستور المؤقت غير ساري المفعول قرابة عقد ونيف على نحو فعَّال، برغم التناقضات التي يحويها وما يسببه من أزمات دستورية نتيجة الخلط في السلطات والصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة وبين الأطراف (الولايات الفيدرالية) والمركز (الحكومة الصومالية)، وهو ما أعاق جهود تحقيق استقرار سياسي في البلاد.
كذلك ظلت مهمة إجراء التعديلات الدستورية الشغل الشاغل للقيادات الصومالية، وكان هذا النقاش آخذ مداً وجزراً في الدورات الانتخابية منذ عام 2012، ولم تحدث تطورات مهمة في عملية استكمال الدستور أو إجراء تعديلات ملحة فيه، وظلت بمنزلة مشروع سياسي لايتحقق منه شيء، وتولت ثلاث هيئات مهمة بمراجعة الدستور بناء على توصيات مخرجات المؤتمر التشاوري الوطني بين الشركاء السياسيين عام 2023، وهي “اللجنة المستقلة لمراجعة وكتابة الدستور” ومهمتها تدقيق مواد الدستور واضافة التعديلات، و”اللجنة البرلمانية لمتابعة عملية مراجعة الدستور” و”وزارة العدل والشؤون الدستورية”، لكن بعد مجيء الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تعهد كغيره من مرشحي الانتخابات الرئاسية عام 2022 بضرورة إجراء إصلاحات وتعديلات في الدستور، وبعد تنصيبه رئيساً لولاية ثانية في مايو /آيار عام 2022، بدأت الاجتماعات على المستوى الرئاسي، سيما بين الرئاسة الصومالية ورؤساء الولايات الفيدرالية بغياب رئيس بونتلاند سعيد عبدالله دني إثر بروز خلافات بين الولاية والحكومة الفيدرالية(3).
وعُقدت اجتماعات متتالية منذ 28 مايو/آيار 2022 بين الرئيس الصومالي ورؤساء الولايات الفيدرالية، وناقشت هذه الاجتماعات قضايا أساسية لإحداث نقلة نوعية في المشهدين السياسي والأمني في البلاد، وتمخض عن اجتماع أعضاء الملجس الاستشاري الوطني (NCC) في 28 مايو /آيار 2023 قرارات حُسمت الجدل بشأن نظام التصويت في الانتخابات المقبلة، وأطلقت عملية إصلاح شاملة لنظامها السياسي، باتفاق تاريخي غير مسبوق، ينهي نظام التصويت غير المباشر في الدولة، وذلك بحضور (رئيس ولاية جنوب غرب الصومال عبدالعزيز محمد حسن ورئيس ولاية هرشبيلي علي جودلاوي ورئيس ولاية غلمد أحمد قورقور ورئيس ولاية جوبالاند أحمد اسلام مدوبي) والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس الحكومة الفيدرالية حمزة عبدي بري 2023(4)، وأثار إعلان التحول إلى نظام انتخابات مباشرة جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية في البلاد، وفسَّرته ولاية بونتلاند قفزاً على الدستور المحلي وخروجاً عن المألوف، وظلت مسألة إجراء التعديلات الدستورية عقبة أمام تنظيم انتخابات مباشرة، الأمر الذي استدعى إلى تعيين خمسة أعضاء جدد في اللجنة الوطنية المستقلة لمراجعة الدستور(ICRIC) Independent Constitutional Review And Implementation Commission، وترأس هذه اللجنة برهان أدم عمر الذي يحمل خلفية قانونية وعمل استاذاً وعميدأً سابقاً في كلية القانون في جامعة بونتلاند وعضو سابق في اللجنة البرلمانية لمراقبة الدستور(5).
ومع حلول عام 2024 كثف الرئيس الصومالي شيخ محمود جهوده الرامية إلى دفع البرلمان للموافقة على مشروع إدخال التعديلات على الدستور المؤقت، وأقرَّ نواب البرلمان بإجراء التعديلات على الدستور بموافقة 180 برلمانياً ومعارضة 30 نائباً، في 24 من يناير/كانون الثاني 2023 ومهدت هذه الخطوة الطريق للقراءة على البنود الرئيسة للدستور التي سيجري عليها تعديلات جذرية، وتأتي هذه الموافقة البرلمانية اتساقاً مع مخرجات المؤتمر التشاوري الوطني المنعقد في مايو/أيار 2023(6)، ونصّت الاتفاقية التي خرج بها الاجتماع السادس للمجلس منذ تنصيب حسن شيخ رئيساً للبلاد في مايو/أيار 2022، على تجاوز نظام 4.5، وإجراء الانتخابات وفق نظام الاقتراع العام المباشر اعتباراً من منتصف عام 2024، في الانتخابات البلدية والإقليمية والانتقال إلى نظام رئاسي كامل، وتوحيد موعد إجراء الانتخابات الإقليمية. وجاء في الاتفاقية “من أجل مواءمة انتخابات جمهورية الصومال الفيدرالية، ستتبنى البلاد نظام رئيس ونائب رئيس. وسينتخب الرئيس ونائب الرئيس في اقتراع واحد، على أساس التعددية الحزبية (7).
التعديلات الدستورية الجديدة: إصلاح أم تقويض؟
بعد مناقشات مارثوانية شابها عراك بالأيدي بين أعضاء البرلمان وفوضى كانت تتخلل في بعض الجلسات البرلمانية، وافق البرلمان على التعديلات الدستورية الجديدة التي شملت الفصول الأربعة الأولى من الدستور المؤقت، بموافقة 254 صوتا من أصل 275 عضوا في مجلس الشعب، بالإضافة إلى 42 من أصل 54 عضوا في مجلس الشيوخ، وهو ما لم يكن متوقعاً لدى المعارضين لهذه التعديلات، حيث أن تأمين أصوات ثلثي أعضاء البرلمان والتصويت على هذه التعديلات المثيرة للجدل أمر صعب المنال، لكن الأنظار اتجهت بعد الموافقة على هذه التعديلات صوب التحديات التي تواجهها عملية تنفيذ الإجراءات المقررة في التعديلات الدستورية الجديدة، سيما إجراء الانتخابات المباشرة والتحول إلى نظام رئاسي واعتماد ثلاثة أحزاب بدل التعددية الحزبية المفتوحة(8).
ويمكن تحديد الفصول الأربعة الأولى التي أجريت التعديلات عليها في النقاط التالية:
إعلان جمهورية الصومال الفيدرالية: ويشتمل على المبادئ الأساسية للدولة من الدين واللغة والعلم والأرض والسيادة والشعب.
الحقوق الأساسية وواجبات المواطن: ويضم الحقوق وواجبات المواطن والحريات.
الأرض والملكية: ويشتمل على الأرض والثروات الطبيعية والبيئة.
تمثيل الشعب: وينص على المبادئ العامة لتمثيل الشعب وسلطة الشعب والانتخابات ونظامها وعدد الأحزاب.
ويعد الفصل الرابع الذي يتكون من 14 مادة جديدة هو حقل الألغام الذي أثار الجدل في الأوساط السياسية في البلاد، ويشتمل على معظم التعديلات التي تثير حفيظة المعارضة السياسية، التي تعقتد أن البرلمان الصومالي تنازل بموجب هذه التعديلات الجديدة صلاحياته للرئيس الصومالي، وأن السلطة التشريعية (مجالس البرلمان) لم تعد قادرة على بت الأمور وفصل السلطات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية .
ويمكن تحديد النقاط التي طاولتها التعديلات الدستورية وتعتبر مكمن الريبة والشكوك لدى المعارضة السياسية المتمثلة في الرئيسين السابقين محمد عبدالله فرماجو (2017-2022) والرئيس شريف شيخ أحمد (2009-2012) ورئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري والنائب المعارض في البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، في البنود التالية:
الانتقال إلى نظام اقتراع مباشر: بحسب مادة 49 فإن الشعب الصومالي سيختار أعضاء مجلسي البرلمان ورئيس البلاد، وأعضاء البلديات ورؤساء الولايات الفيدرالية ونوابهم، ويحق للرئيس الصومالي تعيين وإقالة رئيس حكومته. وذلك بعد انتخابات غير مباشرة كان لرجال القبائل دور بارز في انتخاب أعضاء البرلمان منذ انتخابات أغسطس/آب عام 2012(9).
حصر التعددية الحزبية: ضمن مقررات المؤتمر التشاوري الوطني للقيادات الصومالية في مايو /أيار 2023، أوصى المشاركون أن ينحصر عدد الأحزاب بحزبين فقط، ونصَّت مادة 56 على أن الحزبين المتصدرين للانتخابات المحلية يحق لهما المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ويتم اعترافهما أحزاباً وطنية . إلا أنها عُدلت وفق مادة 54 ليكون عدد الأحزاب من حزبين إلى ثلاثة أحزاب وذلك بعد توصية أعضاء البرلمان الفيدرالي بعد القراءة الأخيرة قبل مواقفة التعديلات الدستورية الجديدة(10).
لجنة الانتخابات الوطنية: وفق مادة 57 في التعديلات الدستورية الجديدة نصَّت على أن تتألف اللجنة الوطنية للانتخابات من 18 عضواً بدلاً من 15 عضواً، وأن يختار أعضاء اللجنة رئيسهم ونائبه، بدل أن يتم تعيينهما من قبل رئيس البلاد. وذلك لخفض التوتر واحتواء مواقف المعارضة التي عارضت دور وتدخل رئاسة البلاد بشأن اللجنة الوطنية للانتخابات(11).
وثمة عناصر كان لها تأثير مباشر في عملية صياغة الدستور المؤقت أو حتى إدخال التعديلات عليها، وهو ما يشبه بالوضع القائم في الدول الأفريقية التي تقع فريسة الحرب الأهلية أو الانقسامات المناطقية، وتحتاج لعملية إعادة صياغة الدساتير نظرة شمولية ورؤية مستقبلية قابلة لإجراء التعديلات استجابة لمتطلبات المرحلة القادمة في حال برزت متغيرات جديدة في النظام السياسي القائم بمعادلة “المحاصصة ” السياسية أو المناطقية.
وتتمثل تلك الجهات الفاعلة التي تشارك في عملية إجراء التعديلات على الدستور والموافقة عليها من البرلمان:
المجتمع المدني: برغم تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود حول جهود حكومته في عرض الدستور والبنود التي سيجرى عليها التعديلات لأعضاء المجتمع المدني قبل إقرار البرلمان النسخة المعدلة الأخيرة، إلا أن كيانات المجتمع المدني لم تعلق بعد على ما وافق عليه البرلمان الصومالي من تعديلات دستورية جديدة، يمكن أن تقلب الطاولة للرئاسة الصومالية والحكومة الفيدرالية، ويمكن لتلك الجهات الفاعلة في الوسطين السياسي والاقتصادي في البلاد، أن تثير ضجة سياسية وإعلامية إذا غردت خارج إيقاع الحكومة الفيدرالية(12).
صوماليلاند: تعتبر أرض الصومال (صوماليلاند) التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991 أحد أهم الأطراف السياسية في المشهد الصومالي منذ الاستقلال، ويمثل 57عضوا في مجلسي البرلمان (الشعب والشيوخ) نظام صوماليلاند برغم أنهم لايحظون بالاعتراف من قبل إدارة هرجيسا، ولهذا فإن عدم إشراك أرض الصومال في الدستور المؤقت سيبقى معضلة رئيسية وتحدياً تواجه الدستور، وما إذا كان سيحيل مجدداً إلى لجان مراجعة وإعادة صياغة الدستورية لإدخال تعديلات عليه خضوعاً لأية تطور جديد في حال نجحت مساعي المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا، الوضع الذي يكاد يشبه بما مرت به ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية التي وضعت ما سمي بـ”القانون الأساسي” بدل دستور في الـ23 من أيار/مايو 1949 تأسست جمهورية ألمانيا الاتحادية، وكان من المفترض أن يتخذ هذا القانون الأساسي صفة مبدئية مؤقتة لجمهورية ألمانيا الاتحادية الغربية. لكن بعد حوالي خمسة أشهر من الإعلان عن القانون الأساسي، تأسست في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1949 جمهورية ألمانيا الديمقراطية (DDR)، في الجزء الشرقي من البلاد التي قُسِمت بعد الحرب. ومع سقوط جدار برلين في العام 1989 وعودة الوحدة في العام 1990 انتهى تقسيم ألمانيا، فمنذ الوحدة في 1990بين شطري ألمانيا، تم التوصل إليها في 31 آب/أغسطس 1990 اتفاقية الوحدة، وقررت حكومتا كل من جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ألمانيا الديمقراطية انضمام الولايات الألمانية الشرقية إلى نطاق سريان الدستور الألماني، ولهذا فهل يبقى الصومال بلا دستور رسمي انتظاراً لعودة محتملة لأرض الصومال إلى الوحدة مع الجنوب، وهو ما يبقى الباب مفتوحاً لتساؤلات حول مستقبل كل من الصومال كدولة ذات دستور رسمي ومكتمل وأرض الصومال ككيان سياسي بلا اعتراف لكن يحظى بإشادة الجميع، خاصة استقراره السياسي والأمني(13)؟
حركة الشباب الموالية للقاعدة: كذلك تعد حركة الشباب أحد أبرز اللاعبين الرئيسيين في المشهد الأمني في البلاد، وتسيطر على مناطق شاسعة في جنوب البلاد، لكن لا تأثير لها في المشهد السياسي، وذلك إيماناً منها أنها لاتفاوض مع الحكومة الفيدرالية التي تحاول دحرها منذ عام 2022، لكن مسألة التفاوض مع الحركة تظل هاجساً يراود الحكومة الفيدرالية لإنهاء وجود حركة الشباب، فإذا آلت الأوضاع إلى مفاوضات بين الجانبين في نهاية المطاف، خاصة القيادات الرفيعة في الحركة، فإن الوضعية الدستورية ستواجه خلل فنياً آخر بانضمام شريك جديد إلى قائمة الشركاء السياسيين في البلاد، وذلك إذا لم تستطع الحكومة الفيدرالية تحجيم دور حركة الشباب بالقوة العسكرية نهائياً(14).
التعديلات الدستورية: قراءة على مواقف المعارضة
تباينت مواقف المعارضة السياسية ضد التعديلات الدستورية الجديدة ورافقت دعوات الشجب والانتقادات اللاذعة للجان المكلفة بمراجعة الدستور طيلة عملية إعادة صياغة الفصول الأربعة الأولى وعرضها لمجلسي البرلمان للقراءة عليها، كما وظفت المعارضة شبكات التواصل الرقمية (الفايسبوك وأكس) لتجييش الشارع المحلي ونواب البرلمان لمنع تمرير تلك التعديلات، وراهن السياسي المعارض عبدالرحمن عبدالشكور على استحالة جمع ثلثي أعضاء البرلمان (219 نائباً)، ورفض الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد في مؤتمر صحافي له بمقديشو شرعية تمرير التعديلات الدستورية الجديدة من قبل برلمان غير منتخب على نحو مباشر بحجة أن المواد التي يجرى التعديل عليها تم الاستفتاء عليها من قبل الشعب في دستور 60 الذي اعتمد عليه في الستينيات من القرن الماضي، وذلك قبل موافقة البرلمان على التعديلات الجديدة في الـ30 من مارس/آذار 2024(15).
ومن جهته، أعرب الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو في منشور له على موقع “الفايسبوك” عن مخاوف إزاء مغبة تمرير البرلمان التعديلات المثيرة للجدل، وربطها بأنها تعكس فقط مدى رغبة الرئيس حسن شيخ محمود في تحقيق مصالح وأجندات خاصة على حساب وحدة واستقرار البلاد، وأن مجالس البرلمان الفيدرالي سارت نحو طريق مسدود ينسف وجود شرعية النظام السياسي في البلاد(16).
وفي بيان مشترك بعد موافقة التعديلات الدستورية في 30 مارس/آذار 2024 بين رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري والسياسي الصومالي عمر عبدالرشيد علي شرماركي (رئيس حكومة سابقة) والنائب في البرلمان المعارض عبدالرحمن عبدالشكور، أعربوا عن مخاوفهم من أن تتجه البلاد نحو مصير مجهول، بذريعة أن رئيس البلاد حسن شيخ محمود انحرف عن مسار استكمال الدستور، واختار لكتابة دستور جديد، يهدد خارطة طريق المصالحة وجهود بناء الدولة الصومالية، وأشاروا إلى أنهم لايعترفون بالتعديلات الدستورية الجديدة، ولا بديل عن الدستور المؤقت المكون من 15 فصلاً و143 بنداً(17).
وتتلخص مخاوف المعارضة السياسية حول التعديلات الدستورية الجديدة في بنود عدة أهمها:
حصر السلطات والصلاحيات بيد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مقابل تراجع سلطات البرلمان في فض المنازعات خاصة بين السلطات التنفيذية (رئيس الحكومة ورئيس البلاد) وذلك في ظل عدم وجود محكمة دستورية لاحتواء الخلافات والخصومات بين السلطات العليا.
المخاوف حول احتمالية حدوث تدخل من قبل رئاسة البلاد مستقبلاً في عملية تشكيل أعضاء اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة (18 عضواً)، ما يعدونه حجر الزاوية في صراعهم السياسي مع الرئيس الصومالي حتى لايحظى بامتيازات وتأثير مباشر في اللجنة الانتخابية الفيدرالية، وتشكك المعارضة نزاهة واستقلالية اللجنة الانتخابية، إذا فرض الرئيس شيخ محمود أجنداته عليها.
الشكوك حول إمكانية انعقاد انتخابات مباشرة في ولاية بونتلاند لانتخاب أعضاء البرلمان بغرفتيه، نتيجة الخلافات الراهنة مع الحكومة الفيدرالية، هذا فضلاً عن مستقبل تمثيل أعضاء صوماليلاند في البرلمان الفيدرالي والبلديات وحصصهم في الحكومة الفيدرالية والبرلمان، في حال نظمت انتخابات مباشرة وألغيت المحاصصة القبلية القائمة على نظام (4.5) لتوزيع الثروات والمناصب في النظام السياسي الصومالي منذ مؤتمر امبغاتي في كينيا عام 2004(18).
التعديلات الدستورية ومستقبل النظام الفيدرالي: التداعيات السياسية والمهددات الأمنية
أولاً: التداعيات السياسية للتعديلات الدستورية على النظام الفيدرالي
يعد النظام السياسي في الصومال هشاً ومتصدعاً وغير قابل للمتغيرات الجديدة، ولاتزال تراكمات إرث الدولة العسكرية ترخي بظلالها على نظام الحكم، فكل محاولة لإصلاح هذه النظام أو تعديله تثير ضجة ومخاوف المعارضة السياسية، وتعلو الأصوات المهددة بالإنحدار إلى الهاوية، وتستذكر المعارضة راهناً محاولة تمديد السلطة لعامين إضافيين التي أقرَّها البرلمان الفيدرالي عام 2021 في فترة حكم الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو، وما أثارت من أزمة أمنية في العاصمة مقديشو، ودفعت البرلمان لاحقاً إلى إلغاء التمديد، وتشبه التعديلات الدستورية التي وافق عليها البرلمان بهذه المحاولة الفاشلة، لكن طبيعة المعارضة وانتماءاتها القبلية وخلفياتها السياسية مختلفة تماماً عن هذه المرحلة، لكن انزلاق الوضع السياسي والأمني إلى الهاوية أمر وارد في نهاية المطاف، ما لم تحصل تفاهمات جادة بين الحكومة الفيدرالية وأقطاب المعارضة .
ويمكن رصد تداعيات التعديلات الدستورية الجديدة على استقرار البلاد سياسياً وأمنياً في النقاط التالية:
استفحال الخلافات بين الحكومة الصومالية وولاية بونتلاند: اتسمت العلاقات بين المركز والأطراف منذ تطبيق النموذج الفيدرالي في النظام السياسي في الصومال عام 2012 بالتواترات التي تتمايل على إيقاعات الوضع السياسي، فتارة تخبو جذوة نارها وأخرى تشتعل فجأة كفوهة بركان، وتعتبر بونتلاند واحدة من الولايات الفيدرالية التي تحكم علاقتها مع الحكومة الفيدرالية بالتمتع بامتيازات خاصة للولاية أو إعلان القطيعة وسحب الاعتراف من المؤسسات الحكومية وعدم التعاون مع الحكومة الفيدرالية، ويعود ذلك لاعتبارها نظاماً شبه مستقل منذ عام 1998، “الحالة الأبوية” السياسية التي تحكم طبيعة علاقة نظام بونتلاند مع الحكومة الفيدرالية تفسر أنها تتجاهل كونها جزء من هذا النظام(19)، وذلك في وقت ليست قرارات الحكومة الفيدرالية نافذة في ولاية بونتلاند، آخرها قرار إغلاق القنصلية الإثيوبية في غروي ورفضت إدارة الإقليم الانصياع لأمر الحكومة الفيدرالية، بذريعة أنها غير معترفة بالمؤسسات الحكومية وذلك عقب توقيع رئيس البلاد حسن شيخ محمود على التعديلات الدستورية الجديدة في أبريل/ نيسان 2024(20).
توترات بين الحكومة الصومالية وباقي الولايات الفيدرالية: توصف العلاقة بين الحكومة الصومالية وباقي الولايات الفيدرالية، بأنها أقل توتراً خاصة ولايتي هرشبيلي وجلمدغ التي تشكلها عشيرة “الهوية” الغالبية العظمى لسكانها، إلى جانب ولاية جنوب غربي الصومال التي تقطنها قبيلة “الرحانوين”، وولاية جوبالاند التي تسكنها عشيرة الدارود فخذ مريحان وأوغادين، لكن تبدو العلاقة الراهنة بين الحكومة وتلك الولاية يشوبها الغموض والشكوك حول آلية تنفيذ التعديلات الدستورية، سيما في ما يتعلق بتنظيم انتخابات مباشرة يحق للشعب انتخاب أعضاء البرلمانات المحلية ورؤساء الولايات، لكن رؤساء هذه الولايات يحاولون تمديد سلطتهم لعامين إضافيين أو عاماً آخر على الأقل، بينما لايزال رئيس ولاية جوبالاند أحمد مدوبي يحاول تمديد فترة رئاسته للمرة الرابعة بانتخابات غير نزيهة، ويمثل عقبة في تنفيذ مخرجات المؤتمر التشاوري الوطني الأخير إذا حاول البقاء في السلطة لفترة جديدة(21).
ولهذا يوعز فشل انعقاد المؤتمر التشاوري الذي دعاه رئيس البلاد أواخر أبريل / نيسان 2024 إلى وجود خلافات بين الحكومة الصومالية ورؤساء الولايات، يمكن تحديدها في النقاط التالية:
تمديد فترة رؤساء الولايات الفيدرالية لعامين إضافيين، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسة مرة واحدة في عموم البلاد عام 2026، وهذا جوهر الخلاف الحاد بين الرئاسة الصومالية ورؤساء الولايات، فغالبيتهم انتهت فترتهم أو شارفت النهاية. سيما رئيس جوبالاند أحمد مدوبي، الذي انتهت فترته في أغسطس/آب 2023 وتم تمديدها لمدة عام ومن المقرر أن تنتهي في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 وعليه إجراء انتخابات شعبية مباشرة تنظمها الحكومة الفيدرالية، تطبيقا لمخرجات اجتماعات المجلس التشاوري الوطني غير أن الرئيس أحمد مذوبي لا يريد إجراء هذا النوع من الانتخابات(22).
الخلاف حول اللجنة الانتخابية الفيدرالية الوطنية التي كلفت بتنظيم الانتخابات الفيدرالية والولائية، حيث لايرون رؤساء الولايات الفيدرالية مصلحة في قبول لجنة انتخابية وطنية تنظم الانتخابات في الأقاليم الفيدرالية، ويريدون بدلاً من ذلك لجان انتخابية فيدرالية لا علاقة لها بالمركز كما هو الحال راهناً، كما يعترضون ضم ثلاثة أعضاء من أرض الصومال في اللجنة الوطنية الانتخابية المستقلة، حيث نصَّت اتفاقية أعضاء المجلس التشاوري على أن تتألف اللجنة الوطنية الانتخابية من 15 عضواً، وعدلت هذه الفقرة ليصبح عدد أعضائها 18 عضواً، ووافق عليها البرلمان ضمن التعديلات الدستورية الجديد، دون الرجوع إليهم. هذا بالإضافة إلى مناداتهم بـ”القيادات” بدل رؤساء الولايات.
أزمة إقليم جدو بين الحكومة الفيدرالية وولاية جوبالاند؛ حيث كان يتوقع رئيس الولاية أحمد مدوبي أن هذه الأزمة ستحل حسب أطروحاته السياسية، لكن الحكومة الفيدرالية لم تراع اهتماماً بتوصيات رئيس الولاية، ما اعتبره أحمد مدوبي موقفاً سلبياً من الحكومة الفيدرالية.
وأصدر الرئيس شيخ محمود ورقة مفتوحة لرؤساء الولايات الفيدرالية، أكد فيه عزم حكومته على تحسين العلاقات مع الولايات الفيدرالية، خاصة ولاية بونتلاند، والتأكيد على سعي الحكومة الفيدرالية لتحقيق تقدم في مساعيها لتحسين العلاقات مع الولايات الإقليمية(23).
ثانياً: المهددات الأمنية للتعديلات الدستورية الجديدة
توترات أمنية في الولايات الفيدرالية: بعد التعديلات الدستورية الجديدة طغت محاولات رؤساء الولايات الفيدرالية على الأجواء وتصدرت اهتمامات الإعلام المحلي، لتمديد فترتهم الرئاسية لعامين إضافيين، لتتزامن مع انعقاد الانتخابات المباشرة الموعودة عام 2026، لكن هذه الفكرة ـ بلاشك ـ ستثير غضب المعارضين والسياسيين في تلك الولايات، خاصة جوبالاند وجنوب غربي الصومال، وهو ما يعيد سيناريوهات المواجهات والاضطرابات الأمنية إلى الواجهة من جديد، وتعزز فرص معارضي التعديلات الدستورية لمواجهة الحكومة وتجييش الشارع والرأي العام المحلي ضد الحكومة الفيدرالية .
شبح انقسام القوات المسلحة: في حال لم تتفق المعارضة والحكومة الفيدرالية على آلية محددة لتنفيذ التعديلات الدستورية أو من عدمها، فإن ذلك سيفتح الباب لانقسامات عريضة في صفوف الجيش الصومالي، بين مؤيد ومعارض لتلك التعديلات، نظراً لتركيبة الجيش الصومالي الموزعة بين عشائر ومليشيات قبلية، ولا يعطي الولاء للحكومة الفيدرالية بقدر ما ينصاع لمطالب قيادات عشائرية أو سياسية في حال استفحلت الأزمات والخلافات بين المكونات السياسية في البلاد.
فرصة لحركة الشباب: تواجه حركة الشباب الموالية للقاعدة حالياً ضغطاً عسكرياً من الجيش الصومالي والمليشيات العشائرية، لكن احتدام الخلافات بين الحكومة الفيدرالية من جهة والمعارضة ورؤساء الولايات الفيدرالية من جهة ثانية، ربما ستؤدي إلى تراجع العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، وستكون هذه الفترة ذهبية واستراحة محارب بالنسبة لحركة الشباب، لإعادة ترتيب صفوفها من جديد، واستعادت المناطق التي استولت عليها القوات النظامية والعشائرية، وهو ما يعتبره المراقبون نكسة عسكرية وسياسية بالنسبة للحكومة الفيدرالية.
الخاتمة
لا شك أن عملية إجراء التعديلات في الدساتير في أفريقيا مخاض عسير لا ينتهي من دون أن تحدث ضجيجاً وصخباً سياسياً وحركات احتجاجية على كافة الأصعدة، وتفسر تلك التعديلات الدستورية قبل وبعد إقرارها سواء تمت بموافقة البرلمان أو بالاستفتاء الشعبي، على أنها سياسة المغالبة لسلطات رئيس الجمهورية على حساب بقية مكونات الدولة من الأحزاب السياسية والمجالس التشريعية والتنفيذية. ففي الصومال، سرعان ما أخذت هذه التعديلات الدستورية منعطفاً جديداً وفسرت على أنها تدخل في إطار المغالبة والإقصاء عبر تحجيم دور المعارضة وتعزيز نفوذ رئاسة البلاد، فهي بدل أن تكون تمهيداً لإصلاحات سياسية واستقرار أمني يمكن أن تقلب الأمور رأساً على عقب، وتسهم في تأجيج النزاعات والتوترات في بلد ما زال يئن من إرث تراكمات الدولة العسكرية وتجربة فترة الحرب الأهلية والانقسامات السياسية والعشائرية، فتجاوز المحاصصة العشائرية (4.5) التي بني بموجبها نظام تقاسم المناصب السيادية وتوزيع الثروات في البلاد في فترة وجيزة، محاولة تكتنفها الصعوبات والتحديات، ويمكن أن تؤسس لهذه التعديلات الدستورية بداية جديدة من الفوضى السياسية وعدم الاستقرار أمنياً وسياسياً، إذا لم تتفق الأطراف والشركاء السياسيون على آليات محددة لتنفيذ خارطة طريق مشتركة نحو الانتقال إلى نظام اقتراع مباشر للحيلولة دون الوقوع في فخ فوضى سياسية وأمنية جديدة .
الشفعي ابتدون – باحث صومالي مهتم بقضايا القرن الافريقي
مركز الجزيرة للدراسات
مراجع
1. الدستور الجديد يثير جدلا في الصومال، بي بي سي عربي، 16 أبريل/نيسان 2024، (تاريخ الدخول: 25 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3UJkr72
2. راجع مؤتمر صحافي للرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، 21 مارس/آذار 2024، (تاريخ الدخول: 26 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3Wm2mgy
3. الصومال: فرص وتحديات الانتقال إلى الاقتراع المباشر، العربي الجديد، 14 يونيو / حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 26 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/4du188Y 4. الصومال يتأهب لانتخابات مباشرة العام المقبل، الشرق الأوسط، 28 مايو/ أيار 2023، (تاريخ الدخول: 26 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3wmH5IS 5. Constitutional Amendment Process, Rift Valley Institute, April, 2024, (Visited on: 27 April 2024), https://bit.ly/3y5pMg5 6. البرلمان الصومالي يقر إجراء تعديلات دستورية، الصومال الجديد، 24 يناير/ كانون الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 27 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3y5hyV 7. إلى أين وصلت مراجعة الدستور الصومالي؟ جيسكا، 7 فبراير/ شباط 2024، (تاريخ الدخول: 27 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/4duRrHB 8. الصومال يعدل الدستور ويتحول إلى النظام الرئاسي، الجزيرة. نت، 30 مارس/آذار 2024، (تاريخ الدخول: 28 أبريل / نيسان2024)، https://bit.ly/3y5iuJn 9. راجع التعديلات الدستورية الجديدة، موقع اللجنة المستقلة لمراجعة وتنفيذ الدستور، 28 مارس/ آذار 2024، (تاريخ الدخول: 28 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/4a0Jeb2 10. نفس المرجع 11. نفس المرجع
12. Maxaa ka dhalan kara ansixinta habraaca wax-ka-baddelka dastuurka? VOA Somali youtube, 24 January 2024, (Visited on: 28 April 2024), https://bit.ly/44tmajY
13. ألمانيا تحتفل بمرور 75 عاما على وضع الدستور، دوتشلاند، 3 يناير/ كانون الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 28 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3waxW6o 14. مرجع سابق. 15. مؤتمر صحافي للرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، مرجع سابق. 16. الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله فرماجو يعلق على التعديلات الدستورية الجديدة، صفحة الرئيس على “الفايسبوك”، 29 أبريل / نيسان 2024، https://bit.ly/3JNDF4Z 17. بيان صحافي للمعارضة السياسية حول التعديلات الدستورية الجديدة، 30 مارس/آذار 2024، (تاريخ الدخول: 29 ابريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3wkqcyE 18. مرجع سابق. 19. فهد ياسين، بونت لاند: الوحدة مقابل امتيازات، أو التهديد بالانفصال، مركز الجزيرة للدراسات، 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، (تاريخ الدخول: 30 أبريل/نيسان 2024)، https://bit.ly/44qw9GR
20. Xiisadda Puntland iyo dowladda federaalka, VOASOMALIA, 18 April 2024, (Visited on: 30 April 2024), https://bit.ly/3UMvexa
21. الوضع السياسي والأمني في الصومال: أبرز الملفات والتحديات، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 21 أبريل / نيسان 2024، (تاريخ الدخول: 30 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/4b8STh5 22. نفس المرجع. 23. الرئيس الصومالي: “الحكومة الفيدرالية ملتزمة بتحسين التعاون مع الولايات الإقليمية”، قراءات صومالية، 24 أبريل / نيسان 2024، (تاريخ الدخول: 30 أبريل / نيسان 2024)، https://bit.ly/3UtrMGz
حجّ المتسلّلين… أردنيون يأتون مكة عبر الوديان
|
يتسلل أردنيون إلى مكة المكرمة عبر طرق وعرة تمر بالوديان المحيطة بأم القرى التي يقصدها من لم يصبهم الدور لأعوام عديدة، أو فقراء يدفعهم الشوق إلى مخالفة القوانين المحلية والسعودية التي تحظر أداء المناسك عبر تأشيرات الزيارة.
– ببطء شديد يمر الوقت على الأربعينية الأردنية أم حمزة وقريبتها التي تشاركها غرفة فندق في مكة المكرمة بعدما ألقت الشرطة السعودية القبض على شقيق الأولى خلال رحلته إلى مدينة جدة (80 كيلومترا غرب مكة)، وبينما تنتظران ما ستقرره السلطات السعودية بحقهما، يحاول الرجل دخول مكة مرة أخرى سالكًا إحدى الطرق غير المأهولة لأم القرى.
وتحركت السيدتان والرجل بسيارتهم الخاصة من الأردن مباشرة في اتجاه مكة بعدما حصلوا على تأشيرة زيارة راغبين في أداء فريضة الحج دون تصريح، قبيل منتصف شهر ذي القعدة (23 مايو/ أيار الماضي)، واستقروا بأحد فنادقها البعيدة عن المسجد الحرام، وخاض ثلاثتهم الرحلة رغم معرفتهم خطر الإبعاد إذا ضبطتهم الشرطة. تقول أم حمزة، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، لـ”العربي الجديد”، إنها لا تملك المال الكافي للحج النظامي الذي تراوح كلفته في الأردن بين 3310 دنانير (4671 دولارا أميركيا)، و7000 دينار (9879 دولارا)، بينما لم تتكلف سوى ألف دينار (1411 دولارا)، قيمة التأشيرة وكلفة الإقامة والمعيشة في السعودية.
وتعتبر أم حمزة نفسها “محظوظة” لأنها لم تدخل ضمن 321 ألف شخص تم إبعادهم عن السعودية، بينهم 153 ألفا و998 أجنبيا دخلوا بتأشيرات زيارة وكانوا ينوون الحج دون تصريح، بحسب إفادة مدير الأمن العام في السعودية الفريق محمد البسامي، الذي كشف في مؤتمر صحافي عن ضبط 64 ألف شخص حاولوا نقل الحجاج غير النظاميين في الموسم الحالي إلى المشاعر المقدسة يعملون مع 140 شركة حج وهمية.
التسلل إلى مكة عبر الوديان
رصدت وزارة الحج والعمرة السعودية إعلانات لشركات وحسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي تدعي تنظيمها رحلات الحج بأسعار مغرية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن مصدر في 26 إبريل/ نيسان الماضي، مشددًا على أن القدوم لأداء فريضة الحج لا يتم إلا من خلال الحصول على تأشيرة حج صادرة عن الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع مكاتب شؤون الحج فيها في الدول الأخرى.
تصريحات الوزارة كانت خيط البداية الذي تتبعته معدة التحقيق لترصد تعليقات المئات من الحجاج غير النظاميين في مجموعات بمنصات وتطبيقات التواصل، تعمل كقنوات تواصل بينهم لنشر التحذيرات من أماكن دوريات الأمن السعودي وحملاتها التفتيشية، فـ”لا يمكن للحاج المخالف الخروج حتى لشراء الخبز”، لأن دوريات الشرطة تنتشر بكثافة في شوارع مكة، ما يزيد خطر ضبطهم حال استوقفت الشرطة أيا منهم وطلبت الاطلاع على تصريح الحج والبطاقة التعريفية الخاصة به بالإضافة لسوار المعصم الذي يحمل كل بيانات الحجاج النظاميين والذي عممت السعودية عليهم ارتداءه بدءًا من موسم حج 2016.
لا تردع العقوبات الحجاج غير النظاميين إذ يعاودون التسلل إلى مكة (جانب من حوارات الحجاج المتسللين في مجموعاتهم على واتساب)
ويحظر على حاملي تأشيرات الزيارة بكافة أنواعها الوجود في مكة المكرمة خلال الفترة بين 23 مايو/أيار وحتى 22 يونيو/حزيران الجاري الموافق 15 ذي الحجة، أي بعد انتهاء مناسك الحج وفق ما أعلنته وزارة الداخلية السعودية عبر حسابها بمنصة “إكس”، والتي تطاردهم باعتبارهم مخالفين لأنظمة وتعليمات الحج وتفرض عليهم غرامة قدرها 10 آلاف ريال (2665 دولارا) بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما يتم ترحيل المقيمين المخالفين إلى بلدانهم، وحظر دخولهم مرة أخرى للبلاد، ويعاقب كل من ينقل المخالفين بالسجن لمدة تصل لستة أشهر، وغرامة تصل لـ 50 ألف ريال (13.326 دولارا)، ومصادرة وسيلة النقل، مع ترحيل الناقل المخالف إذا كان مقيماً بعد تنفيذ العقوبة، ويُمنع من دخول المملكة وفقاً للفترات المحددة بموجب النظام.
لماذا تصاعدت الظاهرة؟
لم تردع العقوبات عشرات الشركات التي تنشط في دول عدة، من بينها الأردن، حيث رصدت معدة التحقيق عشر شركات تقدم خدمات التسفير لراغبي الحج دون تصريح بكلفة تراوح بين 1300 و1500 دينار أردني (1834 – 2117 دولارا)، إما برًا عبر معبر العمري الحدودي بين الأردن والسعودية ثم إلى مدينة جدة ومنها يركب الحجاج المخالفون سيارات دفع رباعي خاصة تسلك بهم طرقًا غير مأهولة ووديانا حتى تتجاوز كل النقاط الأمنية ودوريات الشرطة المنتشرة على الطرق الرئيسية وتنزلهم قبل مسافة ما بين كيلومتر إلى كيلومترين يمشونها نحو مكة المكرمة، أو جوًا عبر مطار الملك عبد العزيز الدولي بمدينة جدة ليسلك الحجاج المسار البري نفسه وصولًا إلى مكة المكرمة.
وادعت معدة التحقيق أنها تسعى للحج عبر تأشيرة زيارة وتواصلت مع شركتين للنقل البري إحداهما في محافظة الزرقاء (20 كيلومترا شرق عمّان)، والأخرى لها عدة فروع في مختلف مدن الأردن، أكدت الأولى إمكانية السفر والحصول على التأشيرة مقابل 225 دينارا (317 دولارا)، بالإضافة لكلفة السيارة التي ستدخلها إلى مكة المكرمة والبالغة في المتوسط 500 ريال سعودي (133 دولارا)، توزع على عدد الركاب في السيارة. و”عليها تدبير السكن والمواصلات والمعيشة داخل مكة المكرمة”.
يصل الحجاج غير النظاميين إلى مكة عبر الأودية والطرق الجبلية
“لقد تأخرت”، يوضح ممثل الشركة، قائلا أنه كان عليها السفر قبل شهر من موسم الحج حتى تضمن أداء الفريضة، مؤكدًا أنها إذا وصلت للسعودية قبل يوم عرفة بأيام قليلة فربما لا تتمكن من دخول مكة، وهو ما يتطابق مع إفادات حجاج مخالفين بأنهم دخلوا مكة المكرمة بتأشيرات الزيارة قبل موسم الحج بفترات تراوح ما بين 25 و45 يوما.
و”لم تبدأ محاولة آلاف الحجاج الأردنيين لأداء الفريضة دون تصريح أول مرة في موسم الحج الحالي”، إذ يؤكد الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين أنها تعود لسنوات عديدة لكنها زادت بشدة خلال السنوات الأخيرة وخاصة في الموسم الحالي بعد التسهيلات الكبيرة التي أقرتها السعودية على تأشيرات الزيارة في يونيو/ حزيران 2023، ما مكّن مئات آلاف الأردنيين من الحصول عليها ودخول السعودية في أي وقت.
ويؤكد الموظف في الشركة الثانية تسهيل سفر أعداد كبيرة بتأشيرات زيارة، لكنه وصف وضعهم حاليًا أنهم “خائفين وكأنهم في سجن”، مشددًا على علم كل الحجاج بعدم قانونية الحج بهذه الطريقة “لكنهم أوكلوا أمرهم لله”، يقول الرجل، ورفض الإفصاح عن خط سير واضح للرحلة البرية مكتفيًا بالقول إنها ستكون من عمّان إلى مكة مباشرة، وإن الشركة تعيّن مرشدًا لقيادة الرحلة حتى يعود الحجاج معه بعد انتهاء الشعائر.
وتخضع كل الحافلات المتجهة إلى مكة لتشديد أمني مكثف، ويقول حجاج أردنيون نظاميون لـ”العربي الجديد”، إن شرطيًا يفتش الحافلات قبل تحركها من جدة أو المدينة قاصدة مكة المكرمة ويتأكد من حمل كل فرد تصريح الحج الخاص به ويضع على باب الحافلة ملصقًا يُمنع شقه أو إزالته حتى تصل الحافلة إلى مكة.
واتفق الموظفان على أن موسم الحج هذا العام يشهد تشديدًا أمنيا غير مسبوق، ما دعا الشركات العاملة بهذا النشاط للتنبيه على عملائها بعدم الخروج من الفندق نهائيا وتعيين مندوبين لتلبية احتياجاتهم اليومية، وقال الموظف في الشركة الثانية إن اعتراف أحد الحجاج على الشركة من شأنه تطبيق عقوبات نقل الحجاج بدون تصريح على الشركة وممثليها، لكنه في الوقت نفسه يستدرك قائلا إن الشرطة عندما تقبض على الحجاج المخالفين تنقلهم إلى جدة دون إلزامهم بدفع الغرامة، حسبما أكد حجاج مخالفون لـ”العربي الجديد”، وسرعان ما يبحثون عن سيارة تدخلهم تهريبا إلى مكة عبر أحد الوديان المحيطة بها مقابل 500 – 1000 ريال سعودي للفرد الواحد (بين 133 و267 دولارا)، إذ تكثف الدوريات الأمنية نشاطها في كل الطرق الرئيسية والفرعية المؤدية لمكة المكرمة، لكن حجاجا آخرين أكدوا لـ”العربي الجديد”، ارتفاع أجرة “سيارات التهريب” لتراوح ما بين 400 و600 دينار (564 – 846 دولارا)، وأن عليهم المشي لمسافة تزيد على كيلومتر في أحد الوديان حتى يعودوا لمكة، مفسرين ارتفاع السعر لزيادة الطلب من قبل المبعدين عن مكة.
حجاج أردنيون مخالفون يؤكدون على التشديدات الأمنية الكبيرة (العربي الجديد)
حبس اختياري
تبلغ حصة الأردن من الحجاج هذا العام ثمانية آلاف حاج من أصل 23 ألفا سجلوا رغبتهم في الحج من مواليد عام 1970 وما قبله، بالإضافة 4500 حاج من مسلمي 1948 يمرون من الأردن في قوافل الحج بالتنسيق مع وزارة الأوقاف ومكاتب الحج والعمرة الأردنية، وبحسب وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني محمد الخلايلة، فإن الوزارة أجرت قرعة لاختيار ألف مواطن من مواليد الفترة ما بين الأول من يوليو/ تموز 1952 والحادي والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول 1970 للسماح لهم بالحج في الموسم الحالي، إذ تستند الوزارة في اختيارها على معيار منح التأشيرة للأكبر سنًا، وهو ما لم يكن متوفرًا لدى “أم حمزة” ومرافقيها.
ويقضي الحجاج المخالفون أسابيع متخفين في أحياء مكة المكرمة البعيدة عن المسجد الحرام، ومن بينهم الخمسيني مأمون وزوجته الأربعينية، إذ لم يخرجا منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع من شقة وفرتها لهما إحدى الشركات بحي العزيزية البعيد نحو ستة كيلومترات عن المسجد الحرام. يقول مأمون لـ”العربي الجديد”، إنه يسكن غرفة بشقة مكونة من ثلاث غرف برفقة عائلتين أخريين، وفي بداية سكنهما كانت زوجته هي التي تقضي حاجات الأسرة من غذاء ودواء، لكن منذ بداية يونيو/ حزيران زاد “التشديد” الأمني ما دعا الشركة لتوفير مندوبين لأداء تلك المهمة، ورغم ذلك يخشى مداهمة الأمن السعودي لمقر إقامته وزوجته مثلما حدث مع مخالفين آخرين.
“ننتظر بفارغ الصبر يوم عرفة من أجل الإحرام ثم الدخول بين الحجاج النظاميين”، يقول مأمون، مستبعدًا أن يضبطهما الأمن إذا نجحا في الاندساس بين النظاميين. لكن مساعي مأمون وغيره للتسلل مهددة بالفشل، إذ يستبعد المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية علي الدقامسة تسلل الحجاج غير النظاميين لخيام أفواج الحج الأردنية في يوم عرفة، ويقول بينما هو ضمن أفراد بعثة الأردن للحج هذا العام لـ”العربي الجديد”، إن سوارًا إلكترونيا في معصم كل حاج نظامي يظهر على الماسح الضوئي معلوماته الكاملة.
ارتفاع الطلب على خدمة الحج غير النظامي (فيسبوك)
وفي 8 و23 مايو/أيار الماضي أطلقت وزارة الأوقاف الأردنية تحذيرين للمواطنين الأردنيين من الحج بدون تصاريح، مشددة على وجوب أداء فريضة الحج عبر تأشيرات معتمدة فقط، ودعت المواطنين للحذر وتجنب ما سمتها شركات وحملات وحسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم تنظيمها رحلات بتأشيرات زيارة على أنها تصلح للحج.
ووفق الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين، فإن وزارة الأوقاف الأردنية عممت على جميع شركات الحج والعمرة بعدم تسهيل الحج لحاملي تأشيرات الزيارة، لكن بعض الشركات لم تلتزم بهذا التعميم، خاصة مع ارتفاع الطلب على هذه الخدمة بفعل فارق الكلفة الكبير بين الحج النظامي وغير النظامي.
الخطر مستمر حتى المطار
لا تخلو طريق عودة الحاج المخالف من المخاطر، وفقا للخمسيني الأردني عبد الرحيم محمد الذي خاض تجربة الحج المخالف العام الماضي، إذ تنتشر على طرق الخروج من مكة دوريات أمنية مكثفة تفتش على تصاريح الحج لدى الخارجين، قائلا لـ”العربي الجديد”: إن دورية ضبطته في يوم 17 ذي الحجة أثناء توجهه لمدينة جدة ووجد نفسه مضطرًا لدفع غرامة 10 آلاف ريال لم تكن متوفرة معه فاضطر للاستدانة مع بعض معارفه، وحررت بصماته في أحد مقار وزارة الحج والعمرة السعودية بالمدينة المنورة وأبلغوه بمنعه من دخول السعودية لمدة خمس سنوات.
ونفى أربعة من الحجاج المخالفين أن تكون الشركات أبلغتهم بهذا الإجراء الأخير وقال مأمون إن الشركة أبلغته وزوجته فقط بأمر الدوريات الأمنية خلال موسم الحج، وإنه يخشى ضبطه إذا ما نجح في التسلل بين الحجاج فلا معارف له في السعودية يقرضونه.
دار الإفتاء المصرية تجيز الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله (فيسبوك)
وتبدو حساسية الأمر في أن جواز الحج بدون تصريح أو بتأشيرة غير صالحة أصبح مثار جدل فقهي، فالمفتي العام للسعودية عبدالعزيز آل الشيخ، أفتى بعدم جوازه وأن الحاج من دون تصريح آثم، مستندًا إلى فتوى بوجوب طاعة ولي الأمر، لكن دار الإفتاء المصرية أفتت عبر صفحتها الرسمية بمنصة “فيسبوك” بصحة الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله وقالت إن “تأشيرات الحج من جملة القوانين التنظيمية المباح تشريعها لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، ويجب الالتزام بها، ويحرم تزويرها، فإن خالف بعض الأفراد فأدوا الحج بتأشيرات مُزورة عالمين بذلك فقد ارتكبوا إثمًا عند الله ومخالفةً دُنيويةً تستوجب العقوبة، مع صحة الحج”.
شروق شحدة
صحيفة العربي الجديد
حرب السيارات الذاتية تستعر.. أول كهربائية من تويوتا تنافس تسلا
|
يبدو أن حرب السيارات الذاتية آخذة في الاشتعال بلا هوادة، حيث تخطط شركة تويوتا لإطلاق أول طراز سيارة كهربائية مزود بنظام قيادة ذاتي متطور مماثل لنظام القيادة الذاتية الكاملة الذي تنتجه شركة تسلا الأميركية للسوق الصينية العام المقبل، حسبما ذكر أحد مشاريعها المشتركة الصينية.
ويهدف المشروع المشترك مع مجموعة قوانغتشو للسيارات المملوكة للدولة، إلى استعادة الحصة السوقية لشركة صناعة السيارات اليابانية في الصين خاصة على مستوى السيارات الذاتية عبر اللحاق بالمنافسين الصينيين في التقنيات في مجال السيارات الهجينة والبطاريات والمركبات الذكية. وقد أعلن المشروع المتخصص في السيارات الذاتية عن سلسلة من أهداف الابتكار في حدث أقيم في قوانغتشو اليوم الجمعة.
وقالت جي إيه سي تويوتا (GAC Toyota) إنها ستطلق سيارة Bozhi 3X SUV العام المقبل لأول طراز يتم تجهيزه بالنظام الذي سيمكن من مساعدة القيادة المتقدمة لوقوف السيارات والملاحة على الطرق السريعة وحركة المرور في المناطق الحضرية. وأضافت أن السيارات الذاتية على هذه الشاكلة من شأنها أن تضمن ريادتها في عروض تكنولوجيا القيادة الذاتية بين جميع العلامات التجارية الأجنبية في الصين.
وتقوم شركة جي إيه سي تويوتا بتطوير النظام مع شركة مومينتا غلوبال (Momenta Global)، وهي شركة ناشئة تعمل على تطوير برامج القيادة الذاتية لشركات صناعة السيارات بما في ذلك مرسيدس بنز. كما أنها تعمل مع شركة هواوي لاستخدام برنامج التشغيل داخل السيارة الخاص بالأخيرة بدءاً من سيارة سيدان كهربائية سيتم إطلاقها في عام 2025 للصين.
وذكرت شركة صناعة السيارات أيضاً إنها ستطرح بطارية ليثيوم فوسفات الحديد خلال عامي 2026 و2027 والتي يمكن أن تقلل من تكلفة إنتاج سيارة bZ4X EV بنسبة 40%.
واحتلت تويوتا المرتبة الخامسة بين جميع العلامات التجارية من حيث مبيعات السيارات في الصين في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، عندما شهدت العلامة التجارية اليابانية انخفاضًا بنسبة 22% عن نفس الفترة من عام 2023، وفقًا لبيانات الجمعية الصينية لمصنعي السيارات.
وتنطوي صناعة السيارات الذاتية على مخاطر عديدة لطالما حذر منها الخبراء بعد تجارب عديدة حول العالم تسببت بحوادث سير وأوقعت ضحايا على الطرقات.
صحيفة العربي الجديد
أونروا: حرب غزة حرمت 625 ألف طفل فلسطيني من حقهم في التعليم
|
قالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، الجمعة، إن أكثر من 625 ألف طفل فلسطيني حرموا من الدراسة لأكثر من 8 أشهر جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأوضحت الوكالة على منصة إكس أن أكثر من 625 ألف طفل في غزة باتوا خارج المدرسة لأكثر من ثمانية أشهر، بينهم 300 ألف كانوا من طلاب أونروا قبل الحرب.
أكثر من 625 ألف طفل فلسطيني خارج المدرسة
وأكدت أن “أنشطة اللعب والتعلم التي تقدمها فرق أونروا مهمة في إعداد الأطفال للعودة إلى المدرسة واستعادة حقهم في التعليم“.
More than 625,000 children in #Gaza have been out of school for over 8 months – 300,000 of them were @UNRWA students before the war
Play and learning activities provided by @UNRWA teams are critical in preparing children to get back to school and restore their right to education pic.twitter.com/lRTbSFpYFW
وفي السياق، قالت الوكالة الأممية مطلع يونيو/ حزيران الجاري إن “الأطفال في غزة يمرون بكابوس لا نهاية له”. وأوضحت أن “القصف والتهجير القسري ونقص الغذاء والماء وعدم الحصول على التعليم تسبب صدمة لجيل بأكمله”.
بدوره سبق أن أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، خلال الشهر الجاري، أن الحرب الإسرائيلية المستمرة حرمت 800 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم بعد انقطاعهم عن الدراسة منذ 7 أكتوبر/ شرين الأول الماضي.
وأضاف أن من بين هؤلاء: “40 ألف طالب وطالبة في الثانوية العامة بفروعها المختلفة، لم يتمكنوا من الالتحاق بهذه الدورة من امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) ما يمثل سابقةً وانتهاكاً خطيراً يهدد مستقبلهم ويقوض فرص التحاقهم بالجامعات والكليات المحلية والخارجية”.
وتعمد الاحتلال منذ بداية هذه الحرب استهداف الأطفال والنساء والمدنيين؛ فاستشهد وأصيب واعتقل عشرات الآلاف، من بينهم آلاف الطلبة والعاملين في سلك التعليم، كما أن 85 بالمائة من المنشآت التعليمية خرجت عن الخدمة نتيجة لاستهدافها المباشر والمتعمد، ما سيشكل تحدياً كبيراً لجهود استئناف العملية التعليمية بعد نهاية الحرب، وفقاً للمكتب الحكومي.
ومع انطلاق شرارة الحرب المدمرة على غزة في 7 أكتوبر 2023، تم تعليق الدراسة في مدارس وجامعات القطاع؛ حفاظاً على حياة الطلبة في ظل القصف الإسرائيلي العنيف والمكثف.
ودمّرت الحرب الإسرائيلية حتى 17 يونيو/ حزيران الجاري 110 مدارس وجامعات بشكل كلي، و321 مدارس وجامعات بشكل جزئي، فيما أودت بحياة أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.