ما يفعله “حزب الله” جزء من مخطط مدروس لهزيمة إسرائيل

Spread the love
image_pdfimage_print

كلما تعقد وضع إسرائيل الاستراتيجي بسبب استمرار الحرب مع حماس وحزب الله، فإن إصبع الاتهام هنا يوجه أكثر نحو إيران. حرب الاستنزاف المتواصلة بدون حسم قريب ظاهر للعيان، يفسره كثيرون بأنه جزء من خطة واسعة لإيران للمس بإسرائيل. البعض مثل رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، ووزير الدفاع السابق عضو الكنيست افيغدور ليبرمان، يذهبون أبعد من ذلك. وحسب رأيهم، فإن نية إيران هي إبادة إسرائيل، وهي تحث على تطبيق خططها إزاء ضعف الجيش الإسرائيلي كما كشف عن ذلك في الهجوم الإرهابي في غلاف غزة في 7 تشرين الأول. في الخلفية، عاد نظام طهران للمضي بالمشروع النووي، والكثير من الخبراء يصفون إيران الآن بأنها “دولة حافة” نووية. 

عندما بدأ هجوم حماس المفاجئ على بلدات الغلاف، ثار شك في إسرائيل بأنها ضربة افتتاح لهجوم إيراني أوسع، سيشمل غزواً مشابهاً من قبل حزب الله من لبنان ومساعدة من مليشيات شيعية في سوريا والعراق. هذه التخوفات لم تتحقق. وبأثر رجعي، فإن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن رئيس حماس في القطاع، السنوار، تناقش في الواقع مع إيران وحزب الله حول إمكانية تنفيذ هذا الهجوم، ولكنه لم ينسق معهم مسبقاً طبيعته وموعده. السنوار فاجأ شركاءه ورعاته في المحور الراديكالي الإقليمي، وهؤلاء ترددوا في الانضمام إليه عندما سمعوا الأخبار من غزة. وإلى أن استوعبوا التغيير، كان الجيش الإسرائيلي قد نشر ثلاث فرق من الاحتياط على الحدود مع لبنان وسوريا، وفقد العدو أفضلية المفاجأة. 

في اليوم التالي بدأ حزب الله، بتشجيع من إيران، بإطلاق الصواريخ والمسيرات الهجومية على الجليل. ومنذ ذلك الحين والحرب تجري في إطار مشابه، حتى لو كان ذلك بقوة أكبر. رئيس حزب الله، حسن نصر الله، يوضح أنه يقدم المساعدة للنضال الفلسطيني ويبقي قوات إسرائيلية في الشمال، لكنه لم يبدأ في هذه المرحلة في حرب شاملة. تقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن إيران راضية عن سير الأمور حتى الآن. الثمن الذي دفعه حزب الله بالخسائر أمر محتمل بالنسبة له، رغم سلسلة عمليات الاغتيال لشخصيات رفيعة في الحزب وفي حرس الثورة الإيراني. حتى الآن، تتأكد طهران من أن الأمور لم تخرج تماماً عن السيطرة وتتدهور نحو حرب أوسع، التي ستشمل هجمات متبادلة في بيروت وتل أبيب. 

منطق مختلف 

في غضون ذلك، تستمر عملية إيرانية محسوبة في القضية النووية. سيما شاين والداد شبيط، من الشخصيات الرفيعة السابقة في جهاز الاستخبارات، كتبا هذا الأسبوع مقالاً نشر في معهد بحوث الأمن القومي بأنه “في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل في الجنوب والشمال، تواصل إيران التقدم بشكل مقلق وغير مسبوق نحو امتلاك السلاح النووي. بعد أن اتخذ مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة النووية قراراً يدين عدم التعاون من قبل إيران، أعلنت طهران عن زيادة عدد أجهزة الطرد المركزية في بوردو ونطنز رداً على ذلك، وهكذا عن نيتها زيادة كمية اليورانيوم المخصب. وحسب قولهما، فإنه بالكمية الحالية، تستطيع خلال شهر من القرار تخصيب اليورانيوم بمستوى عسكري وإنتاج كمية تكفي لإنتاج ثماني قنابل نووية. 

شاين وشبيط، اللذان يتابعان المشروع النووي الإيراني، كتبا أن هناك إمكانية بأن “تعمل طهران الآن بمنطق مختلف عن السابق، وهي تسعى بالفعل لإنتاج السلاح النووي. لذلك، فالمطلوب بذل جهود إسرائيلية ودولية على نطاق المنظومة لمنع هذا التطور. وكي تتمكن إسرائيل من تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الملح، فعليها السعي إلى إنهاء القتال في غزة وتهدئة الشمال والساحات الأخرى وإعادة بناء مكانتها الدولية”. يبدو أن هذه ليست مقاربة رئيس الحكومة نتنياهو، الذي رغم الانشغال المستمر له بالتهديد النووي الإيراني، يصمم الآن على مواصلة الحرب في غزة، وما زال يتردد في مسألة هل يجب أن يزيد حدة القتال ضد حزب الله. 

الدكتور أريئيل لفيتا، الذي شغل في السابق نائب مدير عام لجنة الطاقة النووية، كتب في مقال مشترك مع طوفي دلتون، الذي نشر في مجلة “تيلم”، بأن “إيران تعمل علناً على تقريبها من امتلاك السلاح النووي. حتى لو كانت تمتنع في هذه الأثناء عن تجاوز هذا الحد”. وحسب قولهما، فإن شخصيات رفيعة في إيران تتصرف وتصرح وكأن إيران توصلت إلى الحافة النووية وتقول إن لديها كل التقنيات المطلوبة لذلك. وهي تهدد بالتوصل إلى السلاح النووي إذا هوجمت إيران، ويعبرون عن رضا من عملية الردع التي حققوها. لفيتا ودلتون، وهما من معهد كرنيغي الأمريكي، يعتقدان أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سيضطرون لمواجهة جهود إيران لاستغلال قدرات الحافة النووية كذريعة لاستفزاز آخر، من هجمات بالصواريخ والمسيرات (كما قامت إسرائيل بإحباط ذلك بمساعدة أمريكية وعربية في 14 نيسان) وحتى استخدام المنظمات الإرهابية والعصابات لتنفيذ هجمات غير مباشرة. 

جرأة إيران 

هل تندمج جرأة إيران الجديدة في القضية النووية مع سياسة هجومية أكبر للنظام في المنطقة، لا سيما تجاه إسرائيل؟ توقع إيهود باراك الأسبوع الماضي في محادثة مع يوسي فيرتر، التي تم اقتباسها في “هآرتس”، بأنه “بعد سنة أو نصف سنة، ستشن إيران حرب استنزاف متعددة الساحات ضد إسرائيل”. والهدف، كما قال، “حرب استنزاف حتى الانهيار والتدمير”. يعتبر باراك هذه الأمور دليلاً آخر على الحاجة لإقصاء نتنياهو من مكتب رئيس الحكومة. وهو يصف خصمه القديم وشريكه السابق بأنه “شخص لا يرتبط بأي فاحص للواقع”. 

رغم تحذير باراك، لم تشاهد هذا الأسبوع طوابير استثنائية لإسرائيليين في مطار بن غوريون يريدون الهرب قبل حدوث كارثة ثانية. ويجدر الانتباه إلى أقوال أحد السياسيين الإسرائيليين الأكثر خبرة. انكشف ضعف إسرائيل في 7 تشرين الأول، وربما جعل قيادة إيران تنحرف عن الحذر الدارج. ودليل ذلك يكمن في هجوم نيسان، الذي اجتازت فيه إيران خطاً لم تقترب منه من قبل. ورغم نجاح الاعتراض، فمشكوك فيه إذا كانت إسرائيل قد أقنعت إيران بدفع ثمن باهظ مقابل أي هجوم آخر، ربما العكس؛ سيعودون إلى طاولة التخطيط وسيحاولون رؤية كيف يحققون نتائج أكثر نجاعة في المرة القادمة. تقف في الخلفية تهديدات الزعيم الروحي الإيراني علي خامنئي بأن إسرائيل لن تحظى بالاحتفال بعيد استقلالها المئة. ويثور سؤال: ألا يتسلى خامنئي (85 سنة) بفكرة أنه يستطيع تسريع هذه النتيجة ويحققها حتى في حياته؟ 

في هذه المواجهة لاعب حاسم آخر، وهو الولايات المتحدة. في نيسان، رغم الاختلاف في الرأي مع نتنياهو، إلا أن الإدارة الأمريكية وقفت إلى جانب إسرائيل. ونشر الطائرات ومنظومات الدفاع الجوية الأمريكية ساعدت في إحباط الهجوم. عاموس هوكشتاين، مبعوث الرئيس الأمريكي، الذي يزور إسرائيل ولبنان في هذه الفترة، حذر أول أمس من تحدث معهم في البلاد بأنه إذا شنت إسرائيل حرباً شاملة ضد حزب الله في لبنان، فهو أمر قد يشعل هجوماً مضاداً واسعاً من قبل إيران. “ضم النيران الإيرانية واللبنانية قد يغرق منظومات الدفاع الإسرائيلية”، قال. 

يحاول الأمريكيون الآن إطفاء النار التي اشتعلت بصورة كبيرة على الحدود بين إسرائيل ولبنان. ويتعلق قلق الإدارة الأمريكية الفوري بإمكانية اشتعال حرب بين إسرائيل وحزب الله تؤدي إلى دمار كبير في الدولتين. ولكن ثمة موضوع أوسع، وهو أن الأمر الأخير الذي يريده الرئيس الأمريكي هو الوصول إلى الانتخابات في أمريكا في تشرين الثاني (الرئيس هناك أصلاً متخلف في الاستطلاعات عن المرشح الجمهوري دونالد ترامب)، والشرق يشتعل بحرب إقليمية تشمل إيران أيضاً وتزيد أسعار الوقود للسائقين الأمريكيين.

عاموس هرئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي