يعيش العالم تطورات سياسية هائلة في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، حيث تشابكت جائحة كورونا أو كوفيد 19 مع الحروب التي اندلعت في أوكرانيا وفلسطين، وارتفاع حدة المواجهة بين الثنائي روسيا – الصين في مواجهة الغرب. وأصبح عنوان مختلف أبحاث مراكز التفكير الاستراتيجي، البحث في موضوع انتقال ثقل العالم من المحيط الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة إلى المحيط الهادئ بزعامة الصين والدول التي ستدور في فلك هذا أو ذاك. وعملية الانتقال هذه والتحولات التي يعيشها العالم تشكل تحديا حقيقيا للدراسات الجيوسياسية أو جيوبولتيك، وذلك لأن إيقاع التغيير سريع ومكثف ويحمل مفاجآت، وما زال ثقل العالم متمركزا نسبيا في الغرب، وما زال الباحثون يعتمدون في دراساتهم على النظريات التي أنتجها باحثون غربيون بالأساس أمثال، فريدريك راتزل وألفريد ماهان وهالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان ضمن آخرين. وتعد الجيوسياسية مادة أو تخصصا يجمع من كل التخصصات، إذ تتطلب الدراسات الجيوسياسية معرفة لا بأس بها بعلوم مثل، الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والصناعات الحربية وعلم الاجتماع. ورغم شيوع استعمال جيوبولتيك، وهو تركيب لكلمتي الأرض والسياسة مع دلالة عسكرية والأمن القومي، إلا أن الباحثين يستعملون مثلا جيوإكونومي بمعنى «جيواقتصاد» و»جيو إعلام». وتوجد دراسات جيوسياسية مكتوبة من زاوية اقتصادية أكثر من زاوية سياسية أو من زاوية ثقافية أكثر من سياسية. ويبقى هدف الدراسات الجيوسياسية هو المساعدة على اتخاذ القرار، لاسيما بالنسبة للحكومات، وتصبح ضرورية عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات الحاسمة في العلاقات الدولية، وفيما يتعلق بالجانب العسكري وضمان الأمن القومي ومكانة وسط الأمم. وعادة ما ترتبط هذه القرارات زمنيا بالمدى المتوسط والبعيد، لأنه إذا أردنا تعريفا ميدانيا لهذا التخصص فهو، دراسة المستقبل السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي لأمة في علاقاتها بباقي الأمم، سواء في محيطها المباشر أو غير المباشر والبعيد جغرافيا، إذ لا يمكن إنجاز دراسة جيوسياسية حول دولة افريقية معينة، من دون ليس فقط دراسة علاقاتها بمحيطها الافريقي، بل بدول من حجم الصين والولايات المتحدة رغم البعد الجغرافي. وتعتبر مراكز التفكير الاستراتيجي مرادفا للدراسات الجيوسياسية بامتياز، وتنتج الكثير من الدراسات وفق نظريات مرتبطة في العمق عموما برؤية ومصالح الدول التي ينتمي إليها الباحثون. وهذا التخصص هو أقرب إلى التاريخ من حيث الهوية، توجد نظريات وتصورات للتاريخ، لكن كل دولة تتوفر على رؤية معينة للتاريخ، تتماشى وهويتها الوطنية وإرثها الحضاري. وهذا لا يحصل في حالة جيوبولتيك عموما، فهذا التخصص حديث وهو من اختصاص الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم القوى الكبرى الجديدة مثل الصين وروسيا. لهذه القوى تصورات جيوسياسية خاصة بها بينما غالبية دول العالم تفتقر لتصور محدد.
مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري
وانتبهت دول الجنوب الى أهمية الدراسات الجيوسياسية، وأصبحت كل دولة تريد صياغة خريطة طريق جيوسياسية خاصة بها للمستقبل. وتصطدم هذه التطلعات بعائقين الأول، يتجلى في ضعف الدراسات الجيوسياسية في دول الجنوب بحكم محدودية دور الجامعة، التي تبقى حديثة التأسيس بعد الاستقلال عموما. ويتمثل العائق الثاني، في قلة الباحثين القادرين على صياغة نظريات خاصة بالجنوب باستقلالية عن السلطة السياسية، ومن دون السقوط في البروباغندا، وهذا يفتح الباب أمام أشباه الخبراء، إذ أن معظم نظريات جيوبولتيك من إنتاج مفكرين ينتمون الى الدول الكبرى، وهي ترسم معالم الحفاظ على التفوق ومواجهة المنافسين والانتشار في العالم. وعليه، مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري والأهداف المسطرة مستقبلا ضمن قضايا أخرى. علاوة على هذا، نظريات الغرب تهدف إلى الحفاظ على قوة الغرب، بينما دول الجنوب تحتاج لمفكرين يصيغون نظريات تعمل على صعود الجنوب واكتسابه القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. ولهذا، فهذه الدراسات تتطلب أولا تطوير نظريات تتعلق بالعلاقات الإقليمية لدول الجنوب من خلال بناء التجمعات الإقليمية، ثم صياغة العلاقات مع القوى الكبرى. واللافت في كثير من الدراسات الجيوسياسية هو انتقاد الغرب والترحيب في المقابل بالصين وروسيا، وكأن قدر الجنوب بدوله وشعوبه هو البحث الدائم عن وصي، بدل التفكير انطلاقا من مصالح الجنوب. ويعد انتقاد الغرب واعتبار الصين بديلا، عملية تغيير وصي بوصي آخر. ولا تعد الصين نموذجا للديمقراطية وسيادة القانون، فهي دولة تفتقر للديمقراطية الداخلية، ولكنها منصفة في علاقاتها الخارجية، بينما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تمارس ديمقراطية داخلية متطورة لصالح شعوبها وغير منصفة في علاقاتها الخارجية، بل منحازة في الكثير من الملفات مثلما يحدث الآن في حرب قطاع غزة. ودائما تساعد محطات تاريخية لفهم ظهور وعي بقضايا معينة، ونجد المنعطف الحقيقي بشأن رؤية جيوسياسية في الجنوب مستقلة عن الشمال، ولا تعتمد الشعارات السياسية التي كانت جوفاء في الغالب بعد الاستقلال، في حادثين، كورونا وحرب أوكرانيا – روسيا. علاقة بالحدث الأول، وجدت معظم دول العالم الثالث نفسها محرومة من الكثير من المواد، خاصة الطبية، حيث كل الدول الغربية وروسيا والصين فضلت تلبية حاجياتها أولا قبل التفكير في الآخر. وهنا بدأ التفكير في بناء الذات الوطنية، ما تطلب البحث عن مفكرين وباحثين مختصين في الجيوسياسة. وتجلى الحدث الثاني في رفض معظم دول العالم الثالث الانضمام الى المخطط الغربي لإدانة روسيا في الحرب الأوكرانية، وهذا يعني أنه يجب على الغرب عدم تعميم مشاكله. وكان المفكر والسياسي الفرنسي دومينيك فيلبان قد صرح وقتها «الجنوب لا ينضم إلينا لأن هذه الحرب ليس حربه». ومقارنة بين دول الجنوب، تنفرد تلك التي لديها مشاريع طموحة مثل تركيا والبرازيل وإيران وجنوب افريقيا وإندونيسيا، بإنتاج فكر جيوسياسي متميز يتماشى ومشاريع أممها وأوطانها، من خلال أجندة مواضيع دقيقة هي الطاقة النووية السلمية والصناعة الحربية والصناعة المدينة المتقدمة واستقلالية القرار السياسي.
حسين مجدوبي – كاتب مغربي
صحيفة القدس العربي
كاتب بريطاني: “عنصرية وإسلاموفوبيا”.. زعيم حزب العمال يرسم “مخططا مرعبا” للمملكة المتحدة
|
قال الكاتب الصحافي بيتر أوبورن بمقال نشره موقع “ميدل إيست آي” إن زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر يرسم مخططا مرعبا لبريطانيا باختياره فتح معركة مع اليسار داخل حزبه.
وأشار إلى أن المعلقين السياسيين عبروا عن صدمتهم واستغرابهم من استهداف ستارمر وسط الحملات الانتخابية اليسار في داخل الحزب.
ويرى أن استغراب المعلقين نابع من عدم اهتمامهم بما يجري، فمن الواضح أن زعيم العمال يقود آلة سياسية لا إنسانية لا ترحم. فقبل عامين بثت قناة الجزيرة سلسلة من خمس حلقات تحت عنوان “ملفات العمال”. وكشفت فيها عن الحقيقة القاتمة في داخل حزب ستارمر. وقام التحقيق الاستقصائي المذهل على ملفات ووثائق سرية داخل الحزب وقدم أدلة ثرية وشهادات شخصية تظهر أن آلة الحزب تنمرت على أعضاء الحزب وتلاعبت وبطريقة مخزية بالديمقراطية الداخلية للحزب. وما هو صادم في تحقيق الجزيرة هو كشفه عن القصة المخفية للعنصرية ضد السود والإسلاموفوبيا في مقرات العمال.
وأكد الكاتب على أنه كالعادة تجاهلت الصحف الرئيسية تحقيق “الجزيرة”. وبدلا من ذلك ابتلع الصحافيون السذج رواية ستارمر أن العمال الجدد تحت قيادته أعاد الحزب لفطرته السليمة وطريقه الصحيح بعد جيرمي كوربن.
ما علينا إلا أخذ مثال واحد وهي الطريقة التي عوملت فيها دايان أبوت، أول نائبة سوداء تدخل البرلمان البريطاني، وكانت عضوا بارزا في حكومة ظل العمال تحت قيادة كوربن
وهو سرد أثبت تحقيق الجزيرة خطله، كما قال الكاتب، الذي أضاف “ما علينا إلا أخذ مثال واحد وهي الطريقة التي عوملت فيها دايان أبوت، أول نائبة سوداء تدخل البرلمان البريطاني، وكانت عضوا بارزا في حكومة ظل العمال تحت قيادة كوربن. وكانت مكروهة بشدة من البيروقراطية اليمينية التي سيطرت على الحزب في سنوات كوربن الأولى”. وكشفت “ملفات العمال” رسائل واتساب بين مجموعات إدارية بارزة، حيث كتبت مسؤولة بارزة عن أبوت “تجعلني حقا أشعر بالغثيان” وكتبت أخرى “أبوت مقرفة في الحقيقة”.
وذكر الكاتب أنه عندما قابل فريق الجزيرة أبوت قالت عن كاتبة الرسالة “يبدو أنها تعبر عن كراهيتها للمرأة السوداء مما يعني أن حزب العمال ليس مكانا آمنا للمرأة السوداء”.
وأشار إلى أن الطريقة التي عوملت فيها آبوت ليس المثال الوحيد للعنصرية في داخل حزب العمال. فقد كشفت “ملفات العمال” عن دوسيه سري استخدم لطرد حوالي 5,000 من أعضاء الحزب المسلمين الذين اتهموا بمحاولة “اختراق” الحزب في نيوهام. وقال واحد ممن وردت أسماؤهم في الدوسيه للجزيرة “يبدو أن أحدا يعمل داخل الحزب ضد الأقليات العرقية”، وعندما طلبت الجزيرة من الحزب التعليق، نفى وجود العنصرية داخل حزبه.
وأكد الكاتب أن موثوقية “ملفات العمال” تقوت عندما أصدر المحامي مارتن فورد تقريرا عام 2022 عن معاداة السامية وأشكال التمييز الأخرى داخل حزب العمال. ووجد فورد الذي كلفه ستارمر بإجراء التحقيق “مشاكل خطيرة في التمييز” داخل حزب العمال، بما في ذلك مواقف فصائلية غير حساسة” بين مجموعات واتساب. وحدد تقريره “هيكلية عنصرية” داخل حزب العمال، حيث كانت معاداة السامية أخطر من الأشكال الأخرى للعنصرية. ولم يتحرك ستارمر لتنفيذ توصيات فورد، ولم يكن يتعرض لضغوط كبيرة لعمل هذا.
وذكر الكاتب أنه مع أن الإعلام لم يتجاهل كليا تقرير فورد كتجاهله تحقيق الجزيرة، إلا أن الإعلام أساء تفسير ما ورد فيه واعتبره تافها. ومهما كان دافع ستارمر لعدم تطبيق ما ورد في تقرير فورد، إلا أن عرض نفسه لاتهامات بأنه منح ضوءا أخضر بأن سلوكا كهذا قد يمر بدون عقاب.
ويرى أوبورن أن طريقة معاملة فايزة شاهين (المسلمة)، التي تم استبعادها بطريقة مفاجئة لتمثل الحزب في منطقة تيشنغورد وغرين فورد الأسبوع الماضي، تقدم فهما وصورة واضحة في سياق ما ورد بـ “ملفات العمال” قبل عامين. وقال الكاتب “حتى يكون الواحد منصفا فالعنصرية واحتقار الأقليات الذي فضحته سلسلة “ملفات العمال” كانت من عمل الاتجاه اليميني الذي كره كوربن وسابق لقيادته. لكن لا أحد يعفيه من المسؤولية عن الثقافة المسمومة وغير الديمقراطية التي عادت وبانتقام في ظل قيادته. وقام الحزب بتصنيف عدد من المنظمات اليسارية بغير المرغوبة، ويتم طرد أي عضو عمالي لو عبر عن تعاطف مع واحدة منها. وتمت إضافة بند إلى قواعد الحزب “لا تنطبق مبادئ العدالة الطبيعية والإنصاف على من جمدت عضويته”، وهذا أمر مثير في حزب يزعم أنه ديمقراطي”.
ويعتقد أوبورن أن الحزب سيطرت عليه شلة من المتطرفين اليمينيين الذين لا يبالون بتاريخ الحزب المجيد وتقاليده الديمقراطية ويحتقرون الأقليات العرقية. ومن المنطق طرح سؤال عن سبب تجاهل الإعلام هذه العنصرية العارية.
وبحسبه الجواب هو أن معظم الإعلام يشترك مع مواقف حزب ستارمر: العنصرية السامة ضد السود واحتقار المسلمين ودعمهم المطلق لإسرائيل رغم جرائمها ضد الفلسطينيين وعبادتهم للسلطة مهما كان الثمن، ولا نحتاج لذكر الشمولية البدهية واحتقار أبسط قواعد اللياقة. فالطريقة التي عامل فيها ستارمر آبوت وشاهين هي رسالة للإعلام المتطرف أنه معها ويستحق الدعم منها.
وبهذه الطريقة، فهو يفتح، وفق الكاتب، طريقا للتحالف مع إعلام ميردوك مع اقتراب الانتخابات العامة. وهناك مقاربة لهذه الإستراتيجية التي تخدم مصالح القادة، بتلك التي قادتها مجموعة صغيرة ممولة بشكل جيد في حزب المحافظين، وحصلت على نصائح من دومينك كامينغز، مستشار رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، باستهداف من لا يشتركون معها بالرأي واستبعدت كينيث كلارك وروري ستيورات ودومينك غريف من انتخابات 2019.
وذكر أن حزب المحافظين خسر روحه وأصبح بيد مجموعة من المتطرفين اليمنيين، ولو نجا فربما تحول إلى نسخة من حزب البديل الألماني المتطرف أو التجمع الوطني الفرنسي اليميني, ولدى ستارمر ما يقابل كومينغز وهو مستشاره مورغان سويني، غير المعروف، ولكنه سيصبح قريبا مثل بيتر ماندلسون في ظل حكومة توني بلير.
وفي النهاية يعتقد أن أحداث الأسبوع الماضي تقترح أمرا مهما وهو أن ستارمر هو مخلوق ناتج عن مشروع سياسي لا يفهمه بدرجة كبيرة.
وفي هذا السياق قالت صحيفة “صاندي تايمز” إن حزب العمال عرض على النواب الذين لا يريدهم التقاعد والحصول على لقب لورد، في محاولة من ستارمر مكافأة حلفائه. ونقلت عن عدد من النواب المحسوبين على اليسار قولهم إنهم تلقوا ومنذ الإعلان عن موعد الانتخابات العامة أنهم سيرفعون لمجلس اللوردات لو تخلوا عن مقاعدهم. ويقوم الحزب بترفيع الموالين لستارمر وترشيحهم في المقاعد الآمنة.
حزب المحافظين خسر روحه وأصبح بيد مجموعة من المتطرفين اليمينيين، ولو نجا فربما تحول إلى نسخة من حزب البديل الألماني المتطرف أو التجمع الوطني الفرنسي
ورفض ستارمر يوم السبت التعليق على موضوع آبوت، زاعما أنه تعامل معه يوم الجمعة. ولا يعرف إن كانت سترشح نفسها عن منطقتها في شرق لندن، هاكني وستوك نيوتن او تقبل عرض مجلس اللوردات.
ومن المتوقع أن يغرق ستارمر مجلس اللوردات بأعضاء عماليين جدد لو فاز في الانتخابات. ومع أنه تعهد بإلغاء اللوردات إلا مطلعين في داخل الحزب، قالوا إنه مضطر لتعيين لوردات عماليين حتى لا تتصادم حكومته مع الغرفة العليا في البرلمان. وهو بحاجة للوردات كي يصوتوا على إلغاء المجلس. وفي الوقت الحالي هناك 172 لوردا عماليا مقابل 277 لوردا محافظا، مما يعني أن المحافظين هم الغالبية إلا في حالة ترشيح ستارمر 100 عضو آخرين. وقال نائب عمالي سابق عرضت عليه عضوية مجلس اللوردات “عرضوا علي مقعدا في مجلس اللوردات لأن بعض الأولاد الصغار يريدون مقعدي”. وقال مصدر آخر “عرضت عضوية اللوردات بعد الإعلان عن الانتخابات العامة وبدأ عدد من الأشخاص يعلنون عن عدم ترشحهم رغم تأكيدهم على الترشح”. ومن بين من عرض عليهم لقب لورد، آبوت التي أعيدت لها العضوية في الحزب بدون معرفة إن كان سيسمح لها بالترشح مرة أخرى. ويتُهم ستارمر بعملية تطهير لليساريين وبعدما أخبر عدد من رموز الحزب أنه لن يسمح لهم بالترشح على تذكرة الحزب. وقال مصدر في حزب العمال أن آبوت عرضت عليها فكرة التقاعد بهدوء والذهاب إلى مجلس اللوردات.
إلا أن اليسار العمالي يخشى من عملية تطهير جديدة عند لقاء اللجنة التنفيذية الوطنية يوم الثلاثاء لتأكيد قائمة المرشحين النهائية. ومن بين هؤلاء كيت أوسامور، العضو السابق في حكومة كوربن والتي أعيدت قبل فترة لحزب العمال بعد التحقيق معها لدعوتها لإحياء ذكرى غزة كإبادة مثل اليوم التذكاري للهولوكوست. واتهم النقاد حزب العمال بأنه يستبعد المرشحين من الأقليات العرقية مثل فايزة شاهين (المسلمة) التي منعت الأسبوع الماضي من تمثيل دائرة في شمال- شرق لندن.
موقع ميديل إيست أي
ترجمة ابراهيم درويش
مفقودو غزة: حكايات المعاناة والألم… شهادات خاصة
|
نحو عشرة آلاف مواطن مجهولي المصير في غزة، فالبعض يخرج من بيته ولا يعود، والبعض الآخر يدمر بيته على رأسه ولا يظهر له رفات، وجزء ثالث يأسره الجيش الإسرائيلي وتقطع أخباره. «القدس العربي» ترصد معاناة الغزاويين في البحث عن أحبتهم، وصدمة التعرف على الجثامين، في ظل حمام دم مفتوح، منذ ما يقارب الـ 8 أشهر.
تعرف على جمجمة شقيقه من أسنانه
روى المواطن الغزاوي، ممدوح محمد عبد ربه لـ«القدس العربي» تجربة البحث عن جثمان شقيقه محمود (18 عاما) الذي احتفى في منطقة عزبة عبد ربه، شرقي بلدة جباليا شمالي قطاع غزة، لمدة 16 يوما، وبقي مصيره مجهولا لحين تعرفهم على جمجمة رأسه، حسب ما قال، مضيفا: «أمضينا فترة اختفائه نبحث عنه ونتابع جثامين الشهداء الذين يصلون إلى النقطة الطبية الموجودة في مدرسة الرافعي والتي كنا قد نزحنا إليها بعد تدمير بيتنا». وبدأت القصة عندما انسحب الجيش الإسرائيلي بشكلٍ جزئي من منطقة عزبة عبد ربه، آنذاك قرر محمود العودة إلى البيت الذي تم ائتماؤهم عليه من قبل أحد أقاربهم، وعند وصوله إلى المكان فوجئ بضربات قذائف مدفعية من الدبابات وإطلاق رصاص في اتجاهه وأصدقائه، ليختفي لاحقا. هذه الروية نقلها أحد جيران العائلة، وبناءً عليها بَنَتْ العائلة ثلاثة توقعات، الأول: أن يكون محمود قد احتمى في أحد البيوت ويخشى الخروج، والثاني أن جنود جيش الاحتلال وصلوا إليه وتم اعتقاله، والثالث أن يكون قد استشهد لحظة الاستهداف. بعد انتهاء الجيش الإسرائيلي من العملية البرية التي نفذها شمالي قطاع غزة، وانسحابه التام منها بتاريخ 31 أيار/ مايو انتشرت أسرة محمود لتبحث عنه في المنطقة التي اختفى فيها. ويقول ممدوح: «انطلقنا فوراً للبحث عن شقيقي في منطقة اختفائه والتي كانت قد قلبت رأساً على عقب، وفي اليوم الأول لم يحالفنا الحظ بإيجاده سواء كان حياً أو شهيداً، وعدنا للمدرسة تفقدنا الشهداء كالمعتاد لنستمل البحث في اليوم التالي». وأوضح أنه تلقى اتصالا في اليوم التالي من أحد الأصدقاء الذين نبشوا جبلاً من ركام البيوت المدمرة، وقد وجدوا فيه ثلاث جماجم لأدمغة بشرية متحللة بشكل كامل ومفصولة عن الجسد، قائلاً «أطلعت على جمجمتين ولم يكن أيّ منهم رأس أخي، ولكن عندما نظرت إلى الجمجمة الثالثة والتي كانت قد تحللت بشكل كامل وتهشمت من الخلف برصاصة من قناصة الجيش تأكدت من أنها جمجمة أخي». وعن كيفية تأكده من أن الجمجمة التي حملها بيده لشقيقه قال «توجد سمات مميزة في وجه أخي وهي أن الأسنان الأمامية في الفك العلوي لأخي بارزة عند الابتسامة، والأنياب بارزة، ويوجد اعوجاج في عظام الأنف لأخي وهو ما انطبق على الجمجمة التي وجدناها» مشيراً إلى أن الأطباء غير المختصين بالطب الشرعي أكدوا للعائلة على إمكانية تطابق سمات الأسنان بين الجمجمة والصورة التي تحتفظ بها العائلة للبحث عن ابنها. وختم عبد ربه «بناء على التأكيدات من الأطباء وبين ما نعتقده بأن أسنان الجمجمة مطابقة لصفات أسنان شقيقي، احتسبناه شهيداً، ودفناه في مقبرة قريبة واعتبرنا أن الجمجمة هي الجثمان إلى حين أن نجد باقي الجسد». وقد يكون ممدوح عبد ربه لجأ إلى هذه الخطوة التي لا تعتبر مألوفة في قطاع غزة، كون القسم الجنائي الوحيد في قطاع غزة قد دمر بفعل القصف الإسرائيلي، والذي استهدف مقرات الشرطة والمستشفيات.
«كنت أنظر من ثقب سور المستشفى على جثامين أبنائي»… حكاية شهداء عائلة العويني
فقد المواطن الفلسطيني، إبراهيم العويني، (54 عاماً) من سكان مدينة خان يونس، ثلاثة من أبنائه خلال اجتياح المدينة، حسب ما قال لـ « القدس العربي» وهم عبد الله (30 عاما) وحسام (28 عاماً) وسعد 23(عاماً). بدأت قصة المواطن الفلسطيني العويني، صباح يوم 11 شباط/ فبراير 2024. ويروي: «تعرض منزلنا لقصف بصاروخ من الطائرات الإسرائيلية، وكذلك من طائرة مسيرة، أدى ذلك إلى إصابتي مع ابني عبد الله، وحاول أبنائي حسام وسعد نقله إلى المستشفى، لكن باغتهم قناصة الاحتلال بالرصاص ما أدى إلى إصابتهم وتركهم ينزفون حتى الموت أمام أعيننا». وأوضح العويني، الذي اعتقلته قوات الاحتلال على الرغم من إصابته، برفقة من تبقى من أبنائه بعد يومين من استشهاد أبنائه الثلاثة: «لم نتمكن من سحب جثامين أبنائي خلال الأيام الأولى لاستشهادهم» مضيفاً: «حاول بعض النازحين داخل مجمع ناصر الطبي، والمقابل لمنزلنا، سحب جثامين أبنائي من خلال أسياخ حديدية لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، الأمر الذي أدى إلى استشهاد بعض من حاول سحبهم».
تعذيب في المعتقل
وعانى مع اثنين من أبنائه، كحال الكثيرين من الفلسطينيين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، من ظروف اعتقال قاسية، منها الضرب المبرح والتعذيب الجسدي والنفسي. وتعرض لكسر في الكاحل في اليوم 34 لاعتقاله. يقول: «شعرت بأن قدمي قد تدلت بعدما أبرحوني ضرباً أثناء التحقيق». مع ذلك، اعتبر نفسه محظوظاً بوجود نجله الأصغر بقربه داخل معتقلات الجيش الإسرائيلي. وقال: «لقد تم إدخالي داخل البركس (أقفاص الاعتقال) تحت الضرب، ووجدت ابني الصغير، أنس، (17 عاماً) وكان ممنوعاً علي الحديث معه طوال فترة الاعتقال، كما تم نقل أبني الكبير، حسن، قبل وصولي إلى المعتقل بنصف ساعة». ومضى يقول: «ابني الكبير حسن، بقي نحو عشربن يوماً معتقداً باستشهادي بعدما أخبره جنود الاحتلال بذلك، حتى نقل أحد أقاربنا إلى المعتقل نفسه والذي أكد له أني ما زلت على قيد الحياة».
ولم يتمكن العويني من معرفة أيّ معلومة عن مصير نجله حسن، الذي يعمل ممرضاً في مجمع ناصر الطبي، ويتعرض لظروف اعتقال قاهرة داخل معتقلات الجيش الإسرائيلي، منذ ما يزيد عن ثلاثين يوماً؛ فقد تعمد تشديد ظروف اعتقال الكوادر الطبية، ما أدى مؤخراً إلى استشهاد الطبيب عدنان البرش، رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي في غزة، والذي اعتقل أثناء عمله داخل المستشفى. وعانى من الكثير من الهواجس حول مصير عائلته. يقول: «كنت سجيناً ومصاباً وغير قادر على الحركة، لكنني كنت أفكر بمصير بعائلتي، وزوجتي وبناتي، اللاتي نزحن إلى مدينة رفح برفقة عمهم، ولا أعلم إذا كانوا بأمان، ولا أعلم من تبقى لي من أفراد أسرتي». وبعد مرور فترة اعتقال دامت 37 يوماً، أفرج عنه على كرسي متحرك، وتسلمه الصليب الأحمر من قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتمكن من إجراء أول اتصال هاتفي على رقمه الشخصي الذي كان يحفظه، سأل زوجته «من تبقى لنا يا تهاني». وبعد الالتقاء بعائلته في مستشفى أبو يوسف النجار، بعد نقله إلى هناك لاستكمال العلاج، تمكن من معرفة مصير ابنه الصغير، والذي كان معتقلاً لدى الاحتلال، وزوجته وبناته، وأيقن حينها، أنه فقد ثلاثة من أبنائه، بعد نحو 40 يوماً وما زال يجهل مصير جثامينهم. ويوضح «بعدما تمكنت من السير على قدمي المكسورة، بدأت رحلة البحث عن جثامين أبنائي، واستمعت لروايات كثيرة حول مصيرهم، أثقلت صدري، ولم أبح بها لعائلتي». ويضيف: «بعد الاستمرار بالبحث وسؤال الدفاع المدني، والجيران، والأصدقاء، علمت بدفن أحدهم في حفرة صغيرة في إحدى المقابر، والآخر بقي مجهولا مكان دفنه، والأخير دفن في أرض قرب المستشفى الأوروبي مع مئات الشهداء، ولم أتأكد بشكل قاطع، إن كانت تلك جثامين أبنائي». ووصف العويني لحظة نقل جثمان أحد أبنائه من المقبرة الجماعية، إلى مقبرة العائلة، بأنه «يوم حزن جديد على العائلة، فقد عشنا الحدث مرة أخرى، وما عانيناه».
معاناة الأم
بخطى ثابتة وقد أسدلت ثوباً أسود وحملت على يديها أحد أحفادها والذي سموه إبراهيم حازم، جاءت أم الشهداء لتستكمل القصة، فقد تحدثت تهاني العويني (54 عاما) عن لحظة فقدها لأبنائها الثلاثة، وهي شاخصة النظر متحجرة العينين دون أن تذرف دمعةً واحدةً وكأن مقلتيها قد جفتا بعد أن أيقنت بأن مسؤوليتها تجاه أحفادها الذين تركوهم لها أبناؤها الشهداء استوجبت عليها «القوة والثبات». وقالت: «يوم إصابة زوجي وابني، خرج أبنائي لإنقاذ شقيقهم بعد إصابته بخاصرته، وأنا من شدة خوفي عليه ركضت خلفهم حافية القدمين، ووصلت إلى حافة الشارع الذي يفصلني عن المستشفى، وقد وجدت ابني حسن يصرخ بأن أشقاءه الثلاثة قد تم إطلاق النار عليهم من الجيش الإسرائيلي، وقد نبهني من أنه في حال عدم عودتنا الى البيت سيتم إطلاق النار علينا جميعاً، وسنكون شهداء». في تلك اللحظة أيقنت العويني بأن أبناءها قد استشهدوا ومن أصيب منهم وبقي على قيد الحياة مصيره الاستشهاد، فقالت كما قالت الخنساء «الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وأرجو من ربي بأن يجمعني بهم في مستقر رحمته، ونظرت لابني عبد الله الذي على ما يبدو أنه استشهد قبل خروجه من البيت، أما حسام فكان يتقلب يميناً ويساراً وابني الصغير رفع يديه وأشار إليّ بالمجيء إليه وارتمى، ولم أتمكن من فعل أيّ شيء، وكانت الدبابات كلما تحرك أحد من أبنائي تطلق عليه المزيد والمزيد من الرصاص لضمان موتهم قبل إنقاذهم». وأشارت «كان زوجي مثل الأضحية ينزف دماً من كافة أنجاء جسده، وطلب من ابني الأكبر أن يأخذه إلى المستشفى، ولكن لم نتمكن من ذلك، في تلك اللحظة تطوعت بالذهاب إلى المستشفى لجلب إسعاف لزوجي وبمحاولة لإنقاذ من بقي على القيد الحياة من أبنائي، وفي تلك اللحظة تركت ابني وقد انشغل بمحاولة إنقاذ زوجي وهربت للمستشفى، وأطلق الجيش الرصاص في اتجاهي وأصبت في ساقي، ولكنني واصلت المسير إلى المستشفى». وأضافت: «في تلك اللحظة، توسلت لكل العاملين هناك لإرسال سيارة إسعاف تنقذ أبنائي الثلاثة وزوجي، ولكنهم جميعاً حاولوا إنقاذ ساقي التي تنزف، في تلك اللحظة قلت لهم أنا لا أريد علاجا فقط أنقذوا أولادي وزوجي، ولكنهم أكدوا ليّ بأن خروجنا من المكان هو قرار بإعدام الجميع، فالجيش يطلق الرصاص على كل من يتحرك في محيط المستشفى، حتى ولو كانت سيارة إسعاف».
توذيع الشهداء
وبعد إنقاذ أم حسن العويني سعت جاهدةً لطمأنة عائلتها عليها بعد أن اعتقدوا بأنها استشهدت مثل أبنائها، وأخبرتهم بأن إصابتها في ساقها وأنها بخير، وأنها لم تتمكن من إرسال سيارة الإسعاف لعائلتها، لتحاصر في المستشفى لمدة ثمانية أيام قضتهم تنظر إلى جثامين أبنائها الملقاة على الأرض. وتقول «كنت أخرج كل ساعتين أنظر من ثقب في سور المستشفى على جثامين أبنائي وأحصنهم بآيات قرآنية خشية أن تأكل رفاتهم الكلاب والقطط التي في المكان». في تلك الأيام عاشت العويني حزنا أشد فقد شاهدت النيران تشتعل في البيوت المجاورة لمنزلها واعتقدت بأن من تبقى من أسرتها قد أًحرق على قيد الحياة، إلى أن أمر الجيش الإسرائيلي جميع النازحين في المستشفى بمغادرته في اتجاه مدينة رفح جنوبي القطاع، لتخرج مودعة جثامين أبنائها الملقاة في الطريق دون أن تتمكن من سحبهم إلى مكان آمن أو دفنهم، مستودعةً أمانةً في عنق الكوادر الطبية العاملة في المجمع الطبي بمحاولة مواراتهم الثرى. وبعد نزوحها إلى رفح، علمت بأن كل الإناث من أسرتها قد أجبرن على الخروج من البيت فيما تم اعتقال زوجها ومن تبقى من أبنائها.
أسير على الممر الإنساني «الآمن»… وغزاوي خرج ولم يعد
قبل بدء شهر رمضان بثلاثة أيام خرجت عائلة ناريمان الترامسي (30 عاما) من شمالي قطاع غزة هرباً من المجاعة بعدما أحكم جيش الاحتلال حصاره عليهم، وبعد مروهم عبر الممر الإنساني الأمن عبر شارع الرشيد، أمر جيش الاحتلال المتمركز على حاجز نيتسريم شقيقها بالتوجه إليهم ومنذ تلك اللحظة قطعت أخباره، حسب ما تؤكد لـ « القدس العربي». وتضيف: «لقد أمضى شقيقي 90 يوماً في الاعتقال وحتى الآن لا أحد يعلم أين هو أو ماذا حل بمصيره وحتى الصليب الأحمر أخبرنا بأنه ليس لدينا أيّ بيانات أو معلومات عنه، ولم يفدنا أحد بمعلومات». وفي صورة أخرى لمعاناة الفلسطينيين المستمرة، فقد زكريا أحمد المصري، (54 عاماً) من مدينة بيت حانون، ابن شقيقه، أكرم يحيى المصري (30 عاماً) الذي فقدت أثاره منذ نحو سبعة أشهر. ويقول المصري، والذي غادر مدينة بيت حانون، يوم السبت 7 تشرين الأول/ أكتوبر: «عندما نزحت العائلة، تفرقنا، وبعدما نزحنا إلى مدينة رفح، بدأنا البحث عن ابن شقيقي، والذي فقدت أثاره في مدينة بيت حانون، بعد 15 يوماً من بدء الحرب، قبل العملية البرية، ولم نعلم عنه شيئاً منذ ذلك الوقت». وأضاف أن العائلة لا تزال تبحث عن ابن شقيقه، من خلال الجيران والأصدقاء، بعدما اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي المدينة، مشيراً إلى أن العائلة لم تجد ما يدل على آثاره خاصة بعدما قصف منزل العائلة في المدينة. ويأمل في حديثه لـ «القدس العربي» وهو يحاول مداراة دموعه ورجفة يديه، أن يكون ابن شقيقه قد أسر لدى الاحتلال الإسرائيلي، ولم يستشهد خلال الاجتياح، مضيفاً: «نبحث عن أكرم في المستشفيات وثلاجات الموتى بشكل مستمر، على أمل أن نجد ما يدلنا عليه».
صعوبة انتشال الجثامين… تتقطع نتيجة قوة الانفجارات
حول حالات اختفاء المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، يقول الرائد محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني في غزة لـ«القدس العربي»: «خلال عمليات الإنقاذ وانتشال الشهداء نتفاجأ بأن العدد الموجود تحت الأنقاض يختلف عن العدد الموجود بإفادة العوائل». ويرجح اختلاف عدد الشهداء تحت الأنقاض إلى «تبخر الجثث نتيجة قوة الانفجار، أو تفتتها إلى قطع» موضحاً أنه «في بعض عمليات البحث لم نستطع إيجاد الجثامين، أو عثر على أجزاء بسيطة من الجثث مثل قطعة من الجسد أو الملابس، في حين تكون بقية الجثة مختفية تماماً». وحول استخدام أساليب البحث الجنائي للبحث عن المفقودين تحت الأنقاض، يقول: «إن هذا الملف شائك، ومنذ بداية الحرب طالبنا بالعمل على إدخال المعدات الثقيلة حتى نتمكن من انتشال الجثث من تحت الأنقاض» مضيفاً: «أن عمليات البحث تحتاج إلى تدقيق ووقت طويل، وتشكيل لجان من الدفاع المدني والصحة والطب الجنائي». ويكمل: «من الصعب إعطاء أرقام دقيقة حول عدد المختفين تحت الأنقاض، لكن في كل قصف كانت الطواقم تتلقى معلومات تفيد بأنه لا يزال أشخاص تحت الأنقاض، وفي بعض الأحيان، نستطع معرفة عدد الموجودين في مكان الاستهداف لكن لم نجد الجثث كاملة». وعزا ذلك إلى استهداف قوات الاحتلال بعض الأشخاص بشكل مباشر بالصواريخ داخل الشقق أو المباني السكنية. وأوضح أن عملية إبلاغ العائلات بتبخر جثامين أبنائهم نتيجة القصف لا تتم بسهولة، قائلاً: إن العامل النفسي في قضية تلقي العائلة لخبر فقدان أحد أبنائها ليس سهلاً، وتتقبل العائلات فكرة استشهاد أبنائها ودفنهم بشكل أكبر من تبخرهم نتيجة القصف. وأكد أن عمليات البحث كانت تستمر حتى إخراج آخر جثة من تحت الأنقاض، مستدركاً أن توقف المعدات الثقيلة وخروجها من الخدمة بفعل الحرب الإسرائيلية أدى إلى إعطاء «قراءة» بإيجاد عدد من الجثامين وفقدان عدد آخر حسب كل حالة. ويضيف: «أن الكثير من الجثث تكون مقطعة أو متفحمة بشكل كامل نتيجة القصف» موضحاً أن توقف البحث يكون نتيجة إيجاد جميع الجثث أو وجود الجيش الإسرائيلي في المكان، أو صعوبة البحث داخل المنزل.
حنين حمدونة – محمد عيسى
صحيفة القدس العربي
قراءة في رؤية شي جينبينغ لتحديات بكين في العصر الجديد
|
تلعب الصين دوراً متزايد الأهمية في الفضاء الدولي، كما أنها بالتوازي مع اهتماماتها التنموية مع العالم العربي تنشط في المجال السياسي. وكان من المحطات اللافتة أخيراً دعوة الرئيس الصيني شي جينبينغ يوم أول من أمس إلى عقد مؤتمر للسلام لإنهاء الحرب بين إسرائيل و«حماس»، وذلك خلال خطاب توجّه به إلى القادة العرب في إطار منتدى يهدف لتعزيز العلاقات مع المنطقة. ما لا يحتاج إلى تذكير، أن الصين لطالما استوردت النفط الخام من الشرق الأوسط، ثم جاءت مبادرة «الحزام والطريق» الصينية (عام 2013)، لتدق جدياً أبواب الشرق الأوسط. وعلى الصعيد السياسي، سعت الصين تحت قيادة شي جينبينغ «البراغماتية» إلى توسيع نفوذها خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة مما يراه مراقبون أخطاء ارتكبتها كل من الولايات المتحدة وروسيا في تعاملها مع بعض ملفات المنطقة الساخنة مثل فلسطين وسوريا. والواقع أن وراء «البراغماتية» الصينية في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية تقف خلفها قيادة حزبية قوية ورؤيوية شرّعت الأبواب لإصلاحات اقتصادية وتنمية مستدامة من دون إغفال الدور الرائد للحكومة بمقترحاتها وتوجيهاتها نحو الأهداف المعدّة؛ إن في الاقتصاد أو المجتمع، مع التركيز على تعزيز وتطوير التكنولوجيا بوصفها مدخلاً لتحقيق التقدم والتنمية.
جسر خليج جياوجو … من التحفة الهندسية المهمة (رويترز)
من المفهوم أن الفلسفة الشيوعية الصينية تمحورت طويلاً حول دور الحزب الشيوعي الصيني بصفته قائداً ومحرّكاً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي. وهنا أكد شي جينبينغ، أمين عام الحزب، «أهمية التمسك بالمبادئ الشيوعية التقليدية وتطويرها بما يتناسب مع الواقع الصيني الحديث وتحدياته». وبالطبع، شدد على أهمية دور الحزب في تحقيق التوازن بين التطور الاقتصادي والمحافظة على القيم والمبادئ الشيوعية.
إلا أن وراء الأسس الفلسفية لـ«الاشتراكية الصينية» تاريخاً طويلاً من التطوّر الفكري والسياسي في البلاد، وجمع فيه بين الشق العقائدي والتقاليد الثقافية. واليوم تظهر نتائج المرونة الحزبية التي أفضت إلى التطور والتكيف ليتناسب مع الوضع الصيني الفريد. وكل هذا من دون المساس بكون الحزب الشيوعي الصيني المحرّك الرئيس للتغيير الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
ووفق مناصري تجربة الصين، يؤكد شي جينبينغ أهمية دور الحزب في توجيه المجتمع نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة، كما أنه يرى من الضروري تطوير المبادئ الشيوعية التقليدية بما يتلاءم مع الواقع الصيني الحديث وتحدياته.
وفي هذا المجال، يسعى شي إلى استخدام التراث الثقافي الصيني منصةً لبناء مستقبل أفضل، مع تطوير وتحسين نموذج الاقتصاد الاشتراكي ليكون أكثر فاعلية وتوجهاً نحو العدالة الاجتماعية، وفي الوقت عينه يركز الأمين العام على أهمية الحفاظ على القيم والمبادئ الشيوعية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، ويؤمن بأن التوازن بين التطور الاقتصادي والمحافظة على القيم الثقافية والاجتماعية هو الطريق لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
تحقيق التنمية الاقتصادية
هنا يشير المراقبون المقرّبون من بكين إلى أنه بفضل الرهان على نجاح التوجيه الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية، حققت الصين نمواً اقتصادياً كبيراً خلال العقود الأخيرة؛ إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد مستويات قياسية، ما جعلها واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم.
والحقيقة أن تحقيق التنمية الاقتصادية كان يعدّ من أولويات الحكومة الصينية في فترة حكم شي جينبينغ. ذلك أنه منذ تولي شي السلطة في عام 2012، قاد الزعيم الصيني جهوداً دؤوبة لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. ثم إن الحكومة واصلت في الوقت عينه سياسات الإصلاح والانفتاح التي كانت قد بدأت في أواخر السبعينيات، ولكن تحت قيادة شي جارٍ حالياً تعزيز هذه السياسات وتوسيع نطاقها.
وفي التفاصيل، جرى اتخاذ إجراءات لتحسين بيئة الاستثمار وتشجيع الابتكار وتطوير القطاعات الحديثة مثل التكنولوجيا والابتكار، وتعزيزاً للبنية التحتية خصّصت الحكومة الصينية موارد كبيرة لتطوير البنية التحتية في البلاد، بما في ذلك الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ. وأيضاً حسّنت البنية التحتية لتعزيز الربط بين المدن والمناطق الريفية وتسهيل التجارة والنقل، وأُنجز تقدم لافت على صعيد رفع مستوى المعيشة للشعب الصيني إبان فترة حكم شي.
ومن ثم، نجحت السلطات في خلق فرص العمل، وتحسين الرواتب، وتوسيع نطاق التأمينات الاجتماعية ليشمل مزيداً من المواطنين، وإذ ركّزت الحكومة تحت قيادة شي بينغ على تحويل الاقتصاد الصيني نحو الابتكار والتكنولوجيا، جرى دعم الشركات الناشئة وتشجيع البحث والتطوير، وسُجّل تحقيق تقدمٍ مهمٍّ في مجالات مثل التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. وبناءً على هذا، أدت كل هذه السياسات المعتمدة والجهود الاقتصادية المبذولة إلى تعزيز دور الصين في الاقتصاد العالمي، بل لقد أصبحت الصين أكبر مشتر للسلع العالمية، ومن أهم المصدرين للاستثمار الخارجي.
تطوير التكنولوجيا والابتكار
وحقاً، يتفق متابعون وخبراء على أنه عبر توجيه القيادة الحالية اهتمامها نحو تعزيز الابتكار وبناء اقتصاد مبتكِر، شهدت الصين تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا والابتكار، تمكنت بفضلها من أن تغدو قوة رائدة في مجالات عدة تشمل التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة.
وراهناً، تعدّ الصين ضمن طليعة دول العالم في مجال التكنولوجيا الرقمية، حيث تمتلك شركاتها العديد من الابتكارات في مجال الدفع الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والتطبيقات الذكية. ومن بين أبرز الشركات الصينية الرائدة في هذا المجال «تينسنت»، و«علي بابا». كذلك تُعَد الصين من أبرز الدول التي تستثمر بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير تقنياته وتطبيقاته في مختلف الصناعات، مثل الصحة والتعليم والتصنيع والزراعة، وتعدّ شركات مثل باتا وهواوي من أبرز الشركات الطليعية المتقدمة في هذا المجال.
وبالنظر إلى التزايد الكبير في الطلب على الطاقة والمخاوف المتزايدة بشأن التغير المناخي، ركّزت الصين على تطوير تكنولوجيا الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية النظيفة، وهو ما يعكس التزام البلاد بالتنمية المستدامة.
والى جانب التركيز على التكنولوجيا الحديثة، تعمل الصين أيضاً على تحسين وتطوير الصناعات التقليدية من خلال التبني والتكامل مع التكنولوجيا الجديدة، ما يعزّز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. وكذلك تقوم الحكومة راهناً بدعم الابتكار والبحث العلمي من خلال توفير الدعم المالي والتسهيلات للشركات والمؤسسات البحثية، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار من خلال تطبيق السياسات والحوافز المناسبة.
الرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
مكافحة الفقر وتحسين مستوى المعيشة
ووفق تخطيط القيادة الحالية، وبناء على توجيهاتها، نجحت الصين في تبني العديد من السياسات والبرامج التي تهدف إلى مكافحة الفقر بفاعلية، وتحقيق التنمية المستدامة، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
وفي هذا الصدد، اعتمدت الصين سياسات اقتصادية شاملة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة ومكافحة الفقر، مثل سياسات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الصناعات الحديثة. وأيضاً، اضطلعت الحكومة بتنفيذ برامج اجتماعية وتنموية موجهة لمكافحة الفقر، مثل برنامج الحماية الاجتماعية، وبرنامج الرعاية الصحية الشاملة، وبرنامج الإسكان الاجتماعي، كما شهدت الصين جهوداً كبيرة في تطوير البنية التحتية في المناطق الريفية، مثل بناء الطرق والجسور، وتوفير الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، مما ساهم في تحسين جودة حياة السكان وتعزيز فرص العمل.
ويضاف إلى كل ما سبق، صب الاهتمام على تشجيع الاستثمارات في المناطق الفقيرة، وتقديم الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق مشاريع تنموية تهدف إلى خلق فرص عمل جديدة للمواطنين، مع إيلاء الدولة اهتماماً كبيراً لتحسين جودة التعليم، وتقديم التدريب المهني، بهدف زيادة فرص العمل، وتمكين الفرد وتحسين مستوى المعيشة.
شهدت الصين تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا والابتكار بتوجيه من القيادة الحالية التي تعمل
على بناء اقتصاد مبتكِر
التأثير الدولي والدبلوماسية النشطة
أما على صعيد السياسة الدولية، فإن القيادة الصينية في بكين نجحت في إحداث اختراقات في عدد من مناطق العالم عبر مبادرات لافتة عزّزت دور الصين على الساحة الدولية، حيث أصبحت شريكاً أساسياً في مجالات الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والتنمية المستدامة. وتحت إشراف شي صارت شريكاً بارزاً في مجالات الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والتنمية المستدامة. وأدت الدبلوماسية النشطة والمؤثرة للصين إلى تعزيز التعاون الدولي وتحقيق مكاسب مهمة على المستوى العالمي، وتجلّى هذا بتعزيز الصين التجارة الدولية من خلال شراكات قوية مع دول ومنظمات دولية، وإسهامها في تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، وخلق فرص العمل، والالتزام بتقديم الدعم والمساهمة في جهود التنمية المستدامة على الصعيدين الوطني والدولي. وأبرز المبادرات التي اعتمدتها أو شاركت فيها بكين بغية تعزيز التضامن الدولي والإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، «مبادرة الحزام والطريق»، و«مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة السلام العالمية»، و«مبادرة الحضارة العالمية: مع تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للدول المحتاجة في مختلف أنحاء العالم، مما يعكس التزامها بالتضامن الإنساني والمسؤولية الدولية، وتعزيز القيادة الدولية في مواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ والفقر والأمن العالمي بالشراكة مع الدول الأخرى؛ لإيجاد حلول شاملة ومستدامة.
مبادرات مهمة
«مبادرة السلام العالمية» تعدّ إحدى الأولويات الرئيسة في السياسة الخارجية الحالية للصين؛ إذ تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل حل النزاعات الدولية بوسائل سلمية، والتصدي للتهديدات الأمنية العالمية مثل الإرهاب والتطرف، وتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي. بفضل هذه المبادرة، شاركت بكين بفاعلية في الجهود الدولية لحل النزاعات والأزمات، وساهمت في إرساء قواعد اللعبة الدولية العادلة والمساواة.
ومن خلال «مبادرة التنمية العالمية» تسعى بكين إلى دعم التنمية المستدامة في العالم، وتحقيق الشمولية الاجتماعية والاقتصادية. وتشمل هذه المبادرة توجيه استثمارات هائلة نحو المشاريع التنموية في الدول النامية، وتقديم المساعدات الإنسانية والتقنية، وتبادل الخبرات في مجالات التنمية الزراعية والصحية والبنية التحتية.
وفيما يتعلق بتعزيز التبادل الحضاري والثقافي بين الشعوب بوصفه وسيلةً لتعزيز التفاهم والتسامح العالميين، تشمل «مبادرة الحضارة العالمية» تنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، وتبادل الزيارات الثقافية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب الدوليين، وترويج الفنون والثقافات الشعبية.
أما «مبادرة الحزام والطريق» فتعدّ، بلا أدنى شك، إحدى أبرز المبادرات الاقتصادية والتجارية التي أطلقتها بكين، وهي تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والدول الأخرى. وبفضل هذه المبادرة، تم تنفيذ مشاريع ضخمة للبنية التحتية في العديد من الدول، مما ساهم في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز التجارة والاستثمارات المشتركة.
… التحديات والتطلعات المستقبلية
في المقابل، على الرغم من الإنجازات الهائلة التي تحققت في السنوات الأخيرة، فإنه لا تزال هناك تحديات تستلزم التفكير الاستراتيجي والتصدي لها بحكمة. وتشمل هذه التحديات تحسين البيئة والتصدي لتغير المناخ، ومواجهة التحديات الديمغرافية، وتعزيز الابتكار والابتكار التكنولوجي، ومكافحة الفساد، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على القيم والمبادئ الاجتماعية.
روبوتات تجمع سيارات كهربائية في إقليم جيجيانغ الصيني (رويترز)
حول تطور العلاقات العربية ــ الصينية
> منذ بداية عام 2021، التزمت القيادة الصينية طرح مبادرات وأفكار جديدة تتناول القضايا العربية الرئيسية. وساعد هذا الأمر على فتح الأبواب أمام تنظيم انعقاد «القمة العربية – الصينية الأولى» في ديسمبر (كانون الأول) 2022 في العاصمة السعودية الرياض. وراهناً في أولويات التعامل الصيني مع القضايا السياسية التي تشغل العالم العربي، اعتماد خطة من خمس نقاط الهدف منها تحقيق الاستقرار والأمن الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط، والدفع باتجاه «حل الدولتين» حيال القضية الفلسطينية، وتوليفة مقترحات تضم أربع نقاط لحل الأزمة السورية وتداعياتها. مع ملاحظة أن الأجواء في بكين لا تريد الاكتفاء بالدور الصيني التاريخي إزاء الشرق الأوسط الذي تبلور بعد «مؤتمر باندونغ» في عقد الخمسينات من القرن الماضي، بل وجود حرص استراتيجي على الذهاب أبعد في تعزيز العلاقات مع العالم العربي.الجدير بالذكر أن فاتحة التقدم في هذا الاتجاه كانت عام 2018 على الاتفاق العربي – الصيني على بناء «شراكة استراتيجية»، ومن ثم أثمرت هذه الخطوة «القمة العربية – الصينية الأولى» عام 2022، وكان الأمل وطيداً، ولا يزال، في أن يؤسس هذا الإنجاز إطاراً تنموياً استراتيجياً يربط بين الحضارتين الصينية والعربية والإسلامية.وهنا، توفر مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، من دون أدنى شك، فرصاً مهمة وواعدة للدول العربية، في طليعتها الانفتاح الواسع على استقبال الاستثمارات الصينية في المنطقة. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى مشاريع واسعة النطاق تسبق وتلي المراحل الأولية للمبادرة، والاستثمارات الصينية المباشرة عبر القروض والمنح، ومشاريع النفط والغاز، والتصنيع، والطاقة المتجددة، وعلوم التكنولوجيا الفائقة. وبالتوازي، من تأثيرات المبادرة مجالات تطوير الخدمات التي تقدمها الدولة المشاركة في قطاعات مثل الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والمشاريع التنموية والأمن، ناهيك بإمكانية توفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب في الدول العربية من خلال مختلف مشاريع البنية التحتية والاستثمارية.
* رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني – الصيني/ رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث – كونفوشيوس