1

تقرير إسرائيلي يكشف الوضع الاقتصادي المتدهور للاحتلال جراء العدوان على غزة

مع استمرار النفقات العسكرية على العدوان الجاري على غزة، اعترفت أوساط إسرائيلية أن أموال وزارة المالية نفدت قبل وقت طويل من اندلاع الحرب، وهذا العام، لم يعد هناك مكان لخصم تكلفة دعم أسعار الوقود، وعندما لا يكون لدى الحكومة حتى هذا المبلغ لإنفاقه، فإن تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه، وكأن الاحتلال يستطيع تدبر أمره دون مساعدة عسكرية أمريكية، تبدو غير مسؤولة.

عيران هيلدسهايم المراسل الاقتصادي لموقع “زمن إسرائيل“، أكد أن “أموال وزارة المالية نفدت فعلياً قبل فترة طويلة من اندلاع الحرب على غزة، وحتى فصل الصيف، فقد كانت خزائن الدولة لا تزال تمتلك القليل من الاحتياطيات التي جعلت من الممكن دعم ضريبة الوقود، وهذا الدعم موجود منذ نيسان/ أبريل 2022، وهو ضروري مثل الأوكسجين للاقتصاد من أجل منع ارتفاع أسعاره، وبالتالي تغذية موجة أخرى من الزيادات في الأسعار نهاية عام 2023”.

وأضاف في تقرير ترجمته “عربي21” أنه “بعد اندلاع الحرب على غزة، وفي بداية عام 2024، لم يعد هناك مكان يمكن أن تقترب منه وزارة المالية لأي استقطاعات، وحينها أطلّ العجز برأسه، وتفاقمت فجوة الميزانية بسبب الحرب، واضطر وزير المالية بيتسلئيل سموتريتش إلى إلغاء الدعم، مما أدى لارتفاع أسعار الوقود، بعد أن بلغت تكلفة الدعم حوالي ملياري شيكل سنويا (الشيكل يساوي 0.27 دولار) ولكن عندما لا تملك الحكومة حتى هذه المبالغ، فإن تصريحات نتنياهو وبعض وزرائه، وكأننا نستطيع أن نتدبر أمرنا الآن دون مساعدة أمريكية، تبدو غير مسؤولة أكثر من أي وقت مضى”.

وأشار إلى أن “نتنياهو نشر تصريحه هذا مجددا ردّاً على تهديد الرئيس الأمريكي جو بايدن المباشر بوقف شحنات الأسلحة للاحتلال إذا شرع في حملة واسعة في رفح حاليا، حيث يتحدث بايدن عن حظر بشأن توريد الأسلحة الهجومية من القذائف والقنابل، مع العلم أنه لا توجد معلومات دقيقة عن عدد القذائف التي يحتاجها جيش الاحتلال اليوم، ولكن أُعلن أنه في الشهرين الأولين فقط من الحرب، تم الاتفاق على أن يحصل على 60 ألف قذيفة على الأقل، حيث تبلغ تكلفة القذائف العسكرية نحو ربع مليار دولار، وبتكلفة تبلغ نحو ثمانية مليارات شيكل، معظمها للذخيرة، مما يعادل أربعة أضعاف الأموال التي لا تملكها إسرائيل لدعم الضريبة على وقودها”.

وأكد أنه “بنظرة إجمالية، يجب أن تصل المساعدات العسكرية الأمريكية للاحتلال لأكثر من 45 مليار شيكل هذا العام، ومن الواضح أن هذه الأموال غير موجودة في الخزينة العامة للدولة، في حال تخيل أحدهم استغلال الأزمة الحالية لقطع المساعدات الأمريكية، لكن حتى لو افترضنا أن تهديدات نتنياهو ستنفذ، وستعتمد إسرائيل فقط على أسلحتها، فستكون هناك مشكلة أيضًا، لأن بعض الأسلحة التي يُفترض أنها إسرائيلية، لا يمكن إنتاجها دون المساعدة المالية الأمريكية، أو التعاون بين الصناعات العسكرية للجانبين”.

ونقل عن وزير الطاقة إيلي كوهين قوله إن “الاستقلال في إنتاج الأسلحة والذخيرة أمر بالغ الأهمية لأمن الاحتلال، ولا نحتاج للانتظار حتى نهاية الحرب على غزة، يجب العمل على الفور لإنشاء أنظمة إنتاج في شركات التسليح القائمة، مع العلم أن خطة كوهين ستجلب للدولة كارثة اقتصادية، لأن إنشاء صناعة أسلحة مستقلة دون تعاون ومساعدة أمريكيين سيكلف الحكومة نفقات كبيرة بشكل خاص، وسيؤدي لخفض مستوى المعيشة لدى الاحتلال إلى المستوى الموجود في البلدان الأخرى المعزولة والمهددة، مما يعني أن الدعوة لإنتاج جميع الأسلحة الإسرائيلية بشكل مستقل، بما فيها الطائرات والمركبات، هي دعوات لاستعباد الاقتصاد بأكمله ونسيج حياة الدولة للصناعات العسكرية على حساب التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والبنية التحتية والنقل”.

الخلاصة الإسرائيلية أنه بدون الدعم الأمني والعسكري الأمريكي، ستكون هناك عواقب إضافية على اقتصاد الاحتلال، فعلى سبيل المثال، لن يتمكن الاحتلال من جمع الديون إلا بمعدل فائدة أعلى؛ وسيهرب مستثمرو التكنولوجيا الفائقة لمكان أكثر استقرارًا وأمانًا، وقد تكون تكلفة المعيشة اليوم مجرد إعلان لما يمكن أن يتوقعه الإسرائيليون في مثل هذا الوضع في المستقبل، وفي هذه الحالة تظهر حكومة اليمين في وضع تهدد فيه مستقبل الدولة، من خلال التغريدات المهينة والاستفزازية للولايات المتحدة والرئيس بايدن، الأمر الذي قد يتسبب في أضرار جسيمة للأمن والاقتصاد، إلى حالة تصبح غير قابلة للإصلاح.

المصدر: موقع عربي 21




إلى أين وصلت معركة الرقائق العالمية؟

نشر موقع “بلومبيرغ” تقريرًا قال فيه إن القوى العظمى بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خصصت ما يقرب من 81 مليار دولار لإنتاج الجيل القادم من أشباه الموصلات، مما أدى إلى تصعيد المواجهة العالمية مع الصين بشأن التفوق في مجال الرقائق.

وأوضح الموقع، في تقريره الذي ترجمته “عربي21″، أنها الموجة الأولى مما يقرب من 380 مليار دولار خصصتها الحكومات في جميع أنحاء العالم لشركات مثل شركة “إنتل” وشركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية لتعزيز إنتاج المعالجات الدقيقة الأكثر قوة. وقد دفع هذا الظهور التنافس الذي تقوده واشنطن مع بكين حول التكنولوجيا المتطورة إلى نقطة تحول حاسمة ستشكل مستقبل الاقتصاد العالمي.

ونقل الموقع عن جيمي جودريتش، كبير مستشاري الصين ومستشار التكنولوجيا الاستراتيجية لشركة “راند”: “ليس هناك شك في أننا تجاوزنا روبيكون فيما يتعلق بالمنافسة التكنولوجية مع الصين، وخاصة في مجال أشباه الموصلات. إنها أهم الأهداف الوطنية الاستراتيجية”.

وأشار الموقع إلى أن ما بدأ كمخاوف بشأن التقدم السريع الذي حققته الصين في مجال الإلكترونيات الرئيسية تطور إلى حالة من الذعر واسعة النطاق خلال الوباء؛ حيث سلط نقص الرقائق الضوء على أهمية هذه الأجهزة الصغيرة للأمن الاقتصادي. والآن أصبح كل شيء على المحك، بداية من تنشيط التصنيع التكنولوجي في الولايات المتحدة، إلى تأكيد اليد العليا في الذكاء الاصطناعي، إلى توازن السلام في مضيق تايوان.

اقرأ أيضا:ماسك يلمح إلى أن أمريكا تطبع الدولار دون غطاء من الذهبوأفاد الموقع أن إنفاق الولايات المتحدة وحلفائها على الرقائق يمثل تحديًا جديدًا لعقود من السياسة الصناعية التي تنتهجها بكين، وإن كان ذلك سيستغرق سنوات حتى يؤتي ثماره. وقد أدى اندفاع التمويل إلى زيادة صلابة خطوط القتال في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بما في ذلك في أماكن مثل اليابان والشرق الأوسط. كما أنه يوفر شريان حياة لشركة “إنتل”، الشركة الرائدة عالميًا في تصنيع الرقائق والتي فقدت قوتها في السنوات الأخيرة أمام المنافسين بما في ذلك “إنفيديا” وشركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة”.

وأشار الموقع إلى أن خطط الاستثمار وصلت إلى منعطف حرج في الولايات المتحدة؛ حيث كشف المسؤولون الشهر الماضي عن منح بقيمة 6.1 مليارات دولار لشركة “ميكرون تكنولوجي”، وهي أكبر شركة أمريكية لتصنيع رقائق ذاكرة الكمبيوتر. وكانت هذه هي المنحة الأخيرة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لمنشأة متقدمة لصناعة الرقائق في الولايات المتحدة، مما يتوج سلسلة من الالتزامات تقترب من 33 مليار دولار لشركات بما في ذلك “إنتل” وشركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” و”سامسونج” للإلكترونيات.

وأضاف الموقع أن الرئيس جو بايدن افتتح صنبور التمويل هذا بتوقيعه على قانون الرقائق والعلوم لسنة 2022، ووعد بإجمالي 39 مليار دولار في شكل منح لصانعي الرقائق، محلاة بقروض وضمانات بقيمة 75 مليار دولار إضافية، بالإضافة إلى الإعفاءات الضريبية التي تصل إلى 25 بالمائة. إنه قلب محاولته عالية المخاطر لإحياء الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات – وخاصة الرقائق المتطورة – وتوفير وظائف جديدة في المصانع للمساعدة في إقناع الناخبين بأنه يستحق إعادة انتخابه في تشرين الثاني/ نوفمبر.

استثمارات الرقائق العالمية
وقال الموقع إن هذه الاستثمارات من جانب الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق ما هو أكثر من مجرد مواجهة الصين، التي لا تزال تتخلف عن بقية العالم بعدة أجيال في مجال تكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة. كما أنها تهدف أيضًا إلى سد الفجوة في عقود من الحوافز الموجهة من الدولة من تايوان وكوريا الجنوبية والتي جعلت تلك الأماكن مراكز لصناعة الرقائق.

وأوضح الموقع أن فورة الإنفاق تعمل على تأجيج المنافسات بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا وآسيا؛ حيث يطاردون جميعًا جزءًا من الطلب المتزايد على الأجهزة التي تدعم التقدم في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.

ونقل الموقع تصريحات وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو، التي تتولى قيادة مهمة أشباه الموصلات في الإدارة، في مؤتمر عُقد في واشنطن الشهر الماضي، والتي قالت فيها: “التكنولوجيا تتحرك بسرعة. وأعداؤنا ومنافسونا لا يتحركون ببطء. إنهم يتحركون بسرعة؛ لذا علينا أن نتحرك بسرعة.”

خطط الاستثمار العالمية
وأفاد الموقع أن الاتحاد الأوروبي وضع خطته الخاصة، عبر المحيط الأطلسي، والتي تبلغ قيمتها 46.3 مليار دولار لتوسيع القدرة التصنيعية المحلية. وتشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن إجمالي الاستثمارات العامة والخاصة في هذا القطاع سيتجاوز 108 مليارات دولار، معظمها لدعم مواقع التصنيع الكبيرة.

ويوجد أكبر مشروعين في أوروبا في ألمانيا: مصنع “إنتل” المخطط له في ماغديبورج بقيمة تبلغ نحو 36 مليار دولار ويتلقى ما يقرب من 11 مليار دولار في هيئة إعانات دعم، ومشروع مشترك مع شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” تبلغ قيمته نحو 11 مليار دولار، ونصفها سوف يتم تغطيته بأموال حكومية. ومع ذلك، لم تمنح المفوضية الأوروبية بعد الموافقة النهائية على مساعدات الدولة لأي منهما، ويحذر الخبراء من أن استثمارات الكتلة لن تكون كافية لتحقيق هدفها المتمثل في صنع 20 بالمئة من أشباه الموصلات في العالم بحلول سنة 2030.

وأضاف الموقع أن دولا أوروبية أخرى تكافح لتمويل مشاريع كبرى أو جذب الشركات. وأعلنت إسبانيا في سنة 2022 أنها ستخصص ما يقرب من 13 مليار دولار لشراء أشباه الموصلات، لكنها لم تضخ سوى مبالغ صغيرة لحفنة من الشركات بسبب عدم وجود نظام بيئي لأشباه الموصلات في البلاد.

وبين الموقع أن الاقتصادات الناشئة تتطلع أيضًا إلى اقتحام لعبة الرقائق. ووافقت الهند في شباط/ فبراير على استثمارات مدعومة بصندوق حكومي بقيمة 10 مليارات دولار، بما في ذلك عرض مجموعة “تاتا” لبناء أول منشأة رئيسية لصناعة الرقائق في البلاد. وفي السعودية، يتطلع صندوق الاستثمارات العامة إلى “استثمار كبير” غير محدد هذه السنة لبدء غزو المملكة لأشباه الموصلات في إطار سعيها لتنويع اقتصادها المعتمد على الوقود الأحفوري.

وفي اليابان؛ حصلت وزارة التجارة على حوالي 25.3 مليار دولار لحملة الرقائق منذ بدايتها في حزيران/ يونيو 2021. ومن هذا المبلغ تم تخصيص 16.7 مليار دولار لمشاريع بما في ذلك مسابك شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” في جنوب كوماموتو ومصنع آخر في شمال هوكايدو، حيث يتم إنتاج المنتجات المحلية اليابانية. ويهدف مشروع شركة “رابيدوس” إلى إنتاج شرائح منطقية بحجم 2 نانومتر على نطاق واسع في سنة 2027.

وقال الموقع إن رئيس الوزراء فوميو كيشيدا يستهدف استثمارًا إجماليًا بقيمة 64.2 مليار دولار، بما في ذلك مبالغ من القطاع الخاص، بهدف مضاعفة مبيعات الرقائق المنتجة محليًا ثلاث مرات إلى حوالي 96.3 مليار دولار بحلول سنة 2030.

وعلى النقيض من ذلك، تجنبت سيول التمويل المباشر والإعانات مثل تلك التي تتبناها واشنطن وطوكيو، مفضلة العمل بمثابة يد مرشدة لتكتلاتها الغنية. وفي مجال أشباه الموصلات، تلعب حكومة كوريا الجنوبية دورًا داعمًا في إنفاق يقدر بنحو 246 مليار دولار، وهو جزء من رؤية أوسع للتكنولوجيا المحلية من السيارات الكهربائية إلى الروبوتات. ومن المتوقع أن يحصل هذا الجهد على دفعة من برنامج الرقائق الذي تبلغ قيمته 7.3 مليارات دولار والذي قالت وزارة المالية يوم الأحد إنه سيتم الكشف عنه قريبًا.

ولفت الموقع إلى أن أحد المخاطر المحتملة يلقي بظلاله على الطفرة العالمية في الدعم الحكومي: وهو خلق وفرة من الرقائق. وقالت سارا روسو، المحللة في برنشتاين: “كل هذا الاستثمار في التصنيع المدفوع بالاستثمار الحكومي، وليس الاستثمار المدفوع بالسوق في المقام الأول، يمكن أن يؤدي في النهاية إلى وضع لدينا فيه قدرة أكبر مما نحتاجه”. ومع ذلك، يتم تخفيف هذا الخطر من خلال طول الوقت الذي سيستغرقه تشغيل السعة الجديدة المخطط لها.

طفرة البناء في الصين
في الوقت الحالي، تقود شركات مثل “إنفيديا” و”كالكوم” و”برودكوم” العالم في تصميم الرقائق الحيوية لمجالات رئيسية مثل الذكاء الاصطناعي. ولكن هناك جدل حول مدى اتساع هذا التقدم. ويرى بعض الخبراء أن الصين متخلفة عن الركب بسنوات، في حين يصر آخرون على أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم على أعتاب اللحاق بالركب.

وتمتلك الصين حاليا عدداً من مصانع أشباه الموصلات قيد الإنشاء أكبر من أي مكان آخر في العالم، مما يؤدي إلى بناء إنتاج رقائق قديمة أقل بريقاً في حين تعمل على تكديس الخبرة اللازمة لتحقيق قفزة تكنولوجية محلية. كما أنها تعمل على إيجاد بدائل محلية لرقائق الذكاء الاصطناعي من “إنفيديا” وغيرها من منتجات السيليكون المتقدمة.

وقال جون لي، مدير شركة “إيست ويست فيوتشرز كونستلتينغ”: “إنك ترى توافقًا بين القطاع الخاص الصيني وأهداف الدولة الصينية، حيث يتعين على القطاع الخاص الصيني التوجه إلى الداخل لتخفيف المخاطر”.

ومن المرجح أن حجم الأموال التي تضخها بكين في هذا القطاع قد يقزم الإنفاق الأمريكي. وكانت الصين في طريقها لإنفاق أكثر من 142 مليار دولار، حسبما قدرت جمعية صناعة أشباه الموصلات ومقرها واشنطن الأسبوع الماضي. وكجزء من هذا الجهد، قامت الحكومة بجمع 27 مليار دولار أخرى لما يعرف بالصندوق الكبير للإشراف على استثمارات الدولة في عشرات الشركات.

وتأتي علامة أخرى على تصميم بكين من سجلات الشركات في الصين. ووفقًا لتحليل “بلومبرغ نيوز” لمئات الشركات في قاعدة بيانات الشركات الرسمية “تيانيانتشا”، هناك أكثر من 200 شركة لأشباه الموصلات في البلاد برأس مال مسجل يزيد عن 61 مليار دولار. ويأتي قسم كبير من ذلك من كيانات تابعة للدولة، وينبغي أن يترجم كل ذلك إلى رأس مال حقيقي منتشر.

ولا تكشف بكين والحكومات المحلية عن تمويلها الإجمالي لأشباه الموصلات، على الرغم من أن بعض الشركات تكشف عن بعض الإعانات التي تتلقاها. وتختلف التقديرات بشكل كبير لأن الأموال تأتي من الصناديق الوطنية المدعومة من الدولة، وتمويل الحكومة المحلية ومجموعة واسعة من الحوافز والإعفاءات الضريبية.

ضوابط التصدير
وقد تباطأت جهود الصين بسبب جدار القيود الذي فرضته الولايات المتحدة لمنع منافستها الجيوسياسية من الوصول إلى أحدث أشباه الموصلات. وتعمل إدارة بايدن على تجنيد الحلفاء في أوروبا وآسيا لتبني ضوابط التصدير على المعدات المتطورة اللازمة لصنع الرقائق الأكثر تقدمًا.

وقالت رايموندو في مانيلا في شباط/ فبراير، عندما أعلنت أن شركات الرقائق الأمريكية ستستثمر مليار دولار في الفلبين: “لا يمكننا أن نسمح للصين بالوصول إلى التكنولوجيا الأكثر تطورا لدينا، من أجل تقدمها العسكري. سنفعل كل ما يلزم لحماية شعبنا، بما في ذلك توسيع نطاق سيطرتنا”.

في الواقع، قبل حملة قمع الصادرات، كانت الصين تحرز تقدمًا، بقيادة شركة “هواوي”. وبدأت قدرات الشركة في تصميم بعض أنواع الرقائق في منافسة أفضل الشركات الأمريكية قبل أن تدرجها الولايات المتحدة على القائمة السوداء في سنة 2019، مما يترك لدى مصممي المعالجات أعمالا أصغر بكثير لتمويل جهودهم الابتكارية.

وانضمت “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات”، أكبر شركة لتصنيع الرقائق في الصين، إلى شركة “هواوي” في ما يسمى بقائمة الكيانات المقيدة للحكومة الأمريكية في سنة 2020. وبعد سنتين، ضربت واشنطن بكين بضوابط التصدير المصممة لمنع وصول الصين إلى أحدث تقنيات التصنيع. وتحاول إدارة بايدن حاليًا سد الثغرات المتبقية، بما في ذلك إصلاح المعدات، على الرغم من معارضة بعض حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك هولندا واليابان.

وقال بول تريولو، وهو مسؤول سابق في الحكومة الأمريكية متخصص في الصين وسياسة التكنولوجيا في مجموعة أولبرايت ستونبريدج، إن الحملة التي قادتها الولايات المتحدة قدمت “حافزاً كبيراً للشركات الصينية لتحسين قدراتها، والارتقاء بسلسلة القيمة، والتعاون فيما بينها، وحشد المزيد من الدعم الحكومي لشركات مثل “هواوي” التي تدفع الصناعة إلى الأمام”.

وحسب الموقع، حققت شركة “هواوي” قفزة كبيرة في شهر آب/ أغسطس عندما كشفت عن هاتف ذكي جديد “ميت 60 برو” يتميز بمعالج 7 نانومتر من “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات”، وهو إنجاز كان مسؤولو إدارة بايدن يأملون في إبقائه بعيدًا عن متناول الصين. وجاء الإفراج خلال زيارة ريموندو المرتقبة للصين، مما أثار غضب الوزير ودفع وزارة التجارة سريعًا إلى إجراء تحقيق.

وقال المسؤولون الأمريكيون منذ ذلك الحين إن الرقاقة متخلفة عن المكونات الأجنبية من حيث الأداء والإنتاج. وذكر موقع “بلومبرغ” أنه تم تصنيعها باستخدام أدوات أمريكية وهولندية، مما يؤكد اعتماد الصين على التكنولوجيا الغربية.

ومع ذلك، لا تزال إدارة بايدن تدرس ردها. وقال المسؤولون إن شركة “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” ربما تكون قد انتهكت القانون الأمريكي إذا أنتجت الرقاقة لشركة “هواوي”، وهم يفكرون في فرض عقوبات على شبكة من شركات التكنولوجيا الصينية التي يخشون أن تتمكن أيضًا من تصنيع معالجات لعملاق الاتصالات “هواوي”.

الرهانات السياسية
يلوح خطر الغزو الصيني لتايوان في الأفق، والذي يقدر البنتاغون أن بكين ستكون مستعدة للقيام به بحلول سنة 2027. وتحتضن تايوان شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة” الرائدة في الصناعة والتي تصنع 90 بالمئة من الرقائق الأكثر تقدمًا في العالم.

وأورد الموقع أن التهديد بانقطاع إمدادات الرقائق يحفز ريموندو، حاكم ولاية رود آيلاند السابق والرأسمالي المغامر السابق، الذي يريد أن تصنع المصانع الأمريكية 20 بالمئة من أشباه الموصلات المنطقية الأكثر تقدما في العالم بحلول نهاية العقد.

وقالت وكالة “سيا” إن الولايات المتحدة في طريقها للاستحواذ على 28 بالمئة من تلك السوق بحلول سنة 2032. وهذا من شأنه أن يجعل الولايات المتحدة ثاني أكبر منتج، بعد تايوان فقط.

ويحمل السباق لبناء تلك المصانع أيضًا مخاطر إضافية تتمثل في سعي بايدن للفوز بولاية ثانية، مما يضع وعده بإحياء التصنيع في قلب حملة إعادة انتخابه ضد دونالد ترامب.

وحصلت المشاريع في ولاية أريزونا – وهي ولاية يُنظر إليها على أنها حاسمة لتحقيق النصر في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر – على جوائز بمليارات الدولارات. مع ذلك، سوف يستغرق الأمر فترة طويلة بعد الانتخابات الأمريكية حتى يتم بناء المصانع المخطط لها هناك من قبل شركة “إنتل” و”المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” والبدء في إنتاج الرقائق، وهو اختبار لصبر الناخبين لرؤية الوظائف الموعودة.

حتى الآن؛ لم يوضح ترامب بعد خططه لأشباه الموصلات، بما في ذلك أموال قانون الرقائق التي لن تبدأ في التدفق إلا في وقت قريب من يوم الانتخابات بعد فترة طويلة من العناية الواجبة.

تجدر الإشارة إلى أن ترامب، أثناء وجوده في منصبه، كان مسؤولاً عن الفوز بالتزام “المؤسسة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” ببناء أول مصنع متقدم لها في الولايات المتحدة في سنة 2020، وفرض عقوبات مرتبطة بالتكنولوجيا ضد الصين، بما في ذلك شركة “هواوي”.

ويهدد ترامب أيضًا بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60 بالمئة على البضائع الصينية إذا أصبح رئيسًا مرة أخرى. وقال تريولو إن هذا يهدد بإثارة رد فعل أقوى بكثير من بكين، بدءًا من استهداف الشركات الأمريكية في الصين إلى تقييد صادرات المواد الحيوية لأشباه الموصلات وغيرها من التقنيات الاستراتيجية.

وقال لي: “لا يهم حقًا من هو الرئيس الذي سيفوز بالانتخابات. الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين سوف تزداد سوءا، ولن تتحسن”.

المصدر: موقع بلومبيرغ

ترجمة: عربي 21




هل يتم الإعلان عن نهاية الفرنك الأفريقي في غرب أفريقيا؟

تتعرض عملة “الفرنك الأفريقي”، التي يُنظر إليها على أنها إرث عفا عليه الزمن من الحقبة الاستعمارية واستمرار الهيمنة الفرنسية، لانتقادات شديدة من الشباب الأفريقي، وجزء من النخب وصولا إلى أعلى قمة للدول.

نشرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية تقريرا تحدثت فيه عن قرار مجموعة من الدول في غرب أفريقيا التخلي عن الفرنك كعملة رسمية، واعتماد عملة جديدة تسمى “الإيكو”.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته “عربي21″، إن العملة المشتركة المرتبطة باليورو، باعتبارها إرثا استعماريا، والمرفوضة من قبل الرئيس الجديد للسنغال، يبدو أنه سيكون محكوما عليها بالزوال في أجل قَصير أو مُتوسط. ولا يخلو الأمر من المخاطر على الجبهة الاقتصادية.

وجعل كل من رئيس السنغال بَسِّيرُ دِيوماي، والمعارض ورئيس الوزراء عثمان سونكو، نهاية الفرنك الأفريقي شعارا لحملتهما السياسية، ورفعاه كرمز باعتباره قضية سيادة وطنية.

ويتجلى العداء تجاه الفرنك الفرنسي أيضا في دول الساحل الثلاث، بوركينا فاسو ومالي والنيجر، من قبل المجالس العسكرية التي شكلت تحالف الساحل. 

وردا على العقوبات الاقتصادية، قررت هذه الدول الثلاث مؤخرا الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهي الكتلة الإقليمية التي كانت تضم خمس عشرة دولة قبل انسحاب هذه الدول الثلاث.

وتريد الدول المتمردة الثلاث الآن الاتفاق على إنشاء عملة مشتركة. وقد قال عبد الرحمن تياني، قائد الحرس الرئاسي في النيجر، في خطاب متلفز يوم 11 شباط/فبراير الماضي: إنه “لم يعد من المقبول أن تكون دولنا بقرة فرنسا الحلوب. العملة هي مرحلة للخروج من هذا الاستعمار، إنها علامة على السيادة”.

وأشارت الصحيفة إلى أن التلاعب بعملة بلد ما يثير بطبيعته نقاشات حماسية غالبا ما تغذيها الأطراف المتطرفة. يقول أبو كين، الخبير الاقتصادي في جامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار: “إن العملة مسألة سياسية قبل أن تكون اقتصادية. لعدة سنوات، كانت هناك رغبة في غرب أفريقيا للتحرر من الحقبة الاستعمارية التي تعتبر العملة جزءا منها”.

وفي سنة 2017، أثار الفعل الرمزي للناشط الأفريقي كيمي سيبا بحرق عملة بقيمة 5000 فرنك أفريقي، والذي ترتب عليه طرده من السنغال ومحاكمته، ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي.

محرك أو عائق للتنمية
وبعيدا عن القضايا الجيوسياسية، تنقسم الآراء حول التأثير الاقتصادي لهذه العملة، هل الفرنك الأفريقي محرك أم عائق للتنمية؟ 

وفي هذا السياق، يسلط المدافعون عنها الضوء على الجاذبية والاستقرار الذي توفره مظلة الخزانة الفرنسية، وضمان قابلية التحويل والثبات النقدي. أما منتقدوها فيعيبون ربط الفرنك باليورو الذي يضر بالتنافسية، ويستنكر البعض الأثر السلبي للضمان الاصطناعي الذي لا يُحفز على إصلاحات الحوكمة، مما يبقي الحكام السلطويين في السلطة. 

وعلى أي حال، فإن الخروج من هذه التبعية لن يكون خاليا من المخاطر بالنسبة للبلدان التي لا تزال هشة وعرضة للصدمات الخارجية.

وكانت الفكرة الأولية، التي نشأت في سنة 1939، والمتمثلة في إنشاء منطقة نقدية لأقاليم ما وراء البحار، تهدف إلى قيام بنك فرنسا بالحفاظ على هذه المناطق “من التقلبات الكبيرة في أسعار الصرف”. وأدى ذلك في سنة 1945، إلى جانب اتفاقيات بريتون وودز، إلى إنشاء منطقة الفرنك في “المستعمرات الفرنسية في أفريقيا”. وتم استخدامه في جميع المستعمرات الفرنسية، ووقع تقسيمه إلى منطقتين: غرب أفريقيا ووسط أفريقيا. وقد أظهر منذ ذلك الحين قدرا كبيرا من الاستقرار، ونجا حتى من الاستقلال، وأزمات وتوترات متعددة، حتى وصول اليورو.

ويؤكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الاستثماري ليونيل زينسو، رئيس الوزراء الأسبق لجمهورية البنين أن “عملة الفرنك لم تشهد في تاريخها سوى انخفاض واحد في قيمتها في سنة 1994″، مشيرًا إلى أن الأمر المضحك هو أن ألمانيا التي يُضرب بها المثل في قوتها الاقتصادية هي واحدة من الدول التي غيرت عملتها أكثر من مرة في القرن العشرين.

”من بقايا أفريقيا الفرنسية“
ونظرا لمتطلبات الاستقلال، تم تغيير تسمية فرنك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا (سي إف أ) – الذي يشمل الدول الثماني الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا – إلى “الجماعة المالية الأفريقية”، تم تغيير المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (سيماك)، إلى “التعاون المالي الأفريقي”. 

ومنحت الإصلاحات البنكين المركزيين المزيد من الاستقلالية عن الحكومات، ومن دون قطع الرابط الأصلي، أدى إصلاح 2020 الذي أقره إيمانويل ماكرون ونظيره الإيفواري الحسن واتارا، إلى تقليص الوصاية الفرنسية.

ومن ثم أدرك الرئيس الفرنسي أن الفرنك الأفريقي “يُنظر إليه على أنه من بقايا فرنسا الأفريقية” وأنه من الضروري الرد على الانتقادات. 

وفي هذا الصدد، يتم الحفاظ على سعر التعادل الثابت مع اليورو عند سعر 655.90 فرنكا أفريقيا بالإضافة إلى الضمانة المقدمة من الخزانة الفرنسية، أي أن فرنسا تتعهد بتغطية الاحتياطيات إذا لزم الأمر.

وحدث هذا مرة واحدة فقط خلال ثمانين سنة تقريبا. لكن الاحتياطيات موضوعة الآن بالكامل في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، بينما كان من الواجب إيداع نصفها في حساب في فرنسا في السابق. ولم يعد ممثلو وزارة الخزانة يشاركون في هيئات الحكم.

من جهتها، تقول إيميلي لافيتو، الباحثة المتخصصة في أفريقيا: “يظل ضمان الخزانة ضمانا قويا للأسواق وضد هجمات المضاربة وضد مخاطر انخفاض قيمة العملة”، كما لعب الفرنك الأفريقي دور “ممتص” للصدمات في مواجهة الأزمات المتعاقبة: الوباء، والحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الفائدة. وكان الارتفاع في الأسعار داخل الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا محدودًا أكثر منه بين جيرانها، خاصة في نيجيريا الكبرى التي تواجه تضخما يتجاوز 30 بالمئة وانهيار قيمة النيرا.

في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، بعد ذروة بلغت 9 بالمئة في سنة 2022، انخفض متوسط معدل التضخم إلى أقل من 3 بالمئة في بداية سنة 2024. ويُنظر إلى الفرنك الأفريقي على أنه “ملاذ آمن”، حسب العديد من الخبراء، حيث أن الجهات الفاعلة الاقتصادية والأسر والشركات، وما إلى ذلك، يشترون سندات الخزانة ويستثمرون ويتاجرون بالفرنك الأفريقي.  

ومن جانب آخر، أوضح ليونيل زينسو: “أن عدم وجود أسعار فائدة متعددة في منطقة الفرنك يشهد على هذه الثقة”. ولا تواجه الشركات الأجنبية مشكلة في العودة إلى الوطن كما كان الحال مؤخرا في نيجيريا.

ويستخدم الجيران الفرنك، سواء كانوا من الغانيين أو النيجيريين، لحماية مدخراتهم. ويؤكد الخبير أبو كين أن “الفرنك الأفريقي له العديد من المزايا الاقتصادية، على صعيد استقرار الأسعار وثقة المستثمرين”.

 وفيما يتعلق بمصداقية السياسة النقدية، تخضع البلدان للانضباط الجماعي، ومركزية احتياطيات النقد الأجنبي التي يمكن أن تحمي بعض البلدان التي تواجه صعوبات. وهو يدرك أن الارتباط باليورو وتشديد السياسة النقدية يخلفان تأثيرا سلبيًا على تمويل الاقتصاد في ظل معدلات ائتمان مرتفعة للغاية، من 18 بالمئة إلى 20 بالمئة.

في المقابل، ينتقد الخبير الاقتصادي كاكو نوبوكبو، مفوض الاتحاد الاقتصادي والنقدي لأفريقيا الغربية، السياسة النقدية التي يتمثل هدفها الوحيد في مكافحة التضخم، مشيرا إلى أنه “يجب أن يكون التوظيف متكاملا، على غرار بنك إنجلترا الذي يذكر ذلك صراحة. وهذا التحدي كبير حيث يتضاعف عدد السكان كل خمس وعشرين سنة”.

المصدر: صحيفة لوفيغارو الفرنسية

ترجمة: أسماء الكامل – موقع عربي 21




تهديدات وإملاءات واتهامات ببيع اليورانيوم لإيران وراء طلب النيجر خروج القوات الأمريكية

اتهم رئيس وزراء النيجر، علي مهمان لامين زين، الولايات المتحدة، بأنها وراء نهاية الشراكة بين البلدين. وفي مقابلة حصرية أجرتها راشيل تشاسين ونشرتها صحيفة “واشنطن بوست” قال فيها إن تهديدات الأمريكيين للنيجر واشتراطهم أي دولة يجب أن يقيموا علاقات معها وعدم تقديمهم مبرر لوجود القوات العسكرية في النيجر كانت سببا في انهيار الشراكة مع الدولة في غرب أفريقيا.

وأشار لامين زين إلى أن زيارة مسؤول أمريكي للنيجر في محاولة يائسة للحفاظ على العلاقات بين البلدين وتهديداته للبلد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الأمنية والعسكرية.

زيارة مسؤول أمريكي للنيجر في محاولة يائسة للحفاظ على العلاقات بين البلدين وتهديداته للبلد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات الأمنية والعسكرية

وحمل رئيس وزراء النيجر أمريكا المسؤولية التامة عن انهيار العلاقات.

وتشير الصحيفة إلى أن الصدع في العلاقات فتح المجال أمام روسيا للتحرك وملء الفراغ وأرسلت قوات عسكرية إلى العاصمة نيامي لتدريب القوات العسكرية في النيجر وتوفير أنظمة الدفاع الجوية، حيث باتت القوات الروسية والأمريكية تعيش في طرفي القاعدة العسكرية في النيجر، بانتظار خروج القوات الأمريكية من البلد في الأشهر المقبلة.

وبعد الانقلاب العسكري ضد الرئيس محمد بازوم المنتخب ديمقراطيا، جمدت الولايات المتحدة كل الدعم العسكري والشراكة الأمنية وجمع المعلومات عن نشاطات المتشددين في قاعدة المسيرات الضخمة، شمال البلاد. واحتفظت الولايات المتحدة بحوالي ألف جندي أمريكي في النيجر أثناء التفاوض مع النظام العسكري حول وضعهم وحثت قادة الانقلاب على إعادة المسار الديمقراطي.

الصدع في العلاقات بين واشنطن ونيامي فتح المجال أمام روسيا للتحرك وملء الفراغ

وقال لامين زين “ظلت القوات الأمريكية على أراضينا ولم تفعل شيئا عندما قتل الإرهابيون الناس وحرقوا المدن” و”لم تكن علامة صداقة بأن تأتي إلى ترابنا وتترك الإرهابيين للهجوم علينا. انظر إلى ما تفعله الولايات المتحدة لحماية حلفائها.. أوكرانيا وإسرائيل”.

وتوجت دعوات النيجر بخروج القوات الأمريكية بإعلان واشنطن الشهر الماضي أنها ستسحبها. وستتم عملية الخروج كما قال مسؤولان أمريكيان في الشهور المقبلة، مما يمثل نكسة لسياسة إدارة بايدن في أفريقيا وستجبرها على إعادة النظر في استراتيجية مكافحة التطرف الإسلامي في منطقة الساحل المتقلبة.

وتكشف تصريحات لامين زين المدى الذي تردت إليه العلاقات الأمريكية مع النيجر. ففي الوقت الذي كان فيه الأمريكيون يضغطون العسكر في نيامي لإعادة الديمقراطية، كانت النيجر تطلب معدات عسكرية وعلاقة متساوية بين القوات العسكرية. وكشف لامين زين عن مدى الغضب الذي وصل إليه النيجريون من الولايات المتحدة. وقال إن قادة الحكومة الجديدة في النيجر أو المجلس الوطني لحماية التراب الوطني شعروا بالدهشة من تجميد الولايات المتحدة الدعم العسكري في وقت أصرت فيه على بقاء الجنود الأمريكيين. وقال إن الرد الأمريكي في أعقاب انقلاب النيجر يتناقض مع مواقف دول أخرى مثل روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة والتي رحبت بالقيادة الجديدة في النيجر وبأذرع مفتوحة.

خروج القوات الأمريكية من النيجر يمثل نكسة لسياسة إدارة بايدن في أفريقيا

وقال لامين إن قادة النيجر شعروا بالغضب من تعليقات مولي في، مسؤولة شؤون أفريقيا في وزارة الخارجية الأمريكية، والتي قالت لقادة البلاد الجدد في لقاء جرى بنيامي في آذار/مارس إن عليهم لو أرادوا مواصلة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة تجنب إقامة علاقات مع روسيا وإيران وبطريقة لا ترضى عنها واشنطن.

وقال لامين زين، الذي قاد المفاوضات، إن في هددت بفرض عقوبات على النيجر لو باعت يورانيوم لإيران و”عندما أنهت كلامها، قلت: مدام أريد أن ألخص ما قلته بنقطتين”، “أولا جئت إلى هنا لتهديد بلدنا وهذا غير مقبول. وجئت إلى هنا لتملي علينا مع من نقيم علاقات وهذا أيضا غير مقبول، وفعلت هذا بنبرة متعالية وخالية من الاحترام”.

وفي رد على تعليقات لامين زين، قال مسؤول أمريكي “بعد مناقشات مكثفة مع المجلس الوطني لحماية تراب الوطن حول مظاهر قلقنا وقلقهم المعروفة، لم نتوصل إلى تفاهم يسمح لنا بالحفاظ وجودنا العسكري في النيجر، ورغبنا بمواصلة العلاقات الدبلوماسية والملامح الاخرى من العلاقة”، مضيفا” في الأشهر المقبلة سنعمل مع المجلس الوطني لحماية التراب الوطني لسحب القوات الأمريكية بطريقة منظمة ونشرهم في النهاية بمكان آخر يتناسب مع مصالح الأمن القومي الأمريكية”.

ويعود الحضور الأمريكي في النيجر إلى عام 2012 وبخاصة في قاعدة المسيرات بأغاديس التي بنيت بكلفة 110 مليون دولار. وقال الجنرال مايكل لانغلي، الذي يدير العمليات العسكرية الأمريكية في أفريقيا، إن تلك القاعدة “تركت أثرها” على عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة. وحذر من أن خسارة هذه القاعدة “سيترك أثره على قدرتنا للقيام برقابة فاعلة وتحذير بما في ذلك الوطن”.

وقبل انقلاب 26 تموز/يوليو العام الماضي كان الجنود الأمريكيون يعملون على تدريب الجنود في جيش النيجر، وبعده اقتصرت مهام الجنود الأمريكيين على جمع المعلومات والرقابة لحماية أنفسهم. وقال لامين زين إنه تم تجاهل محاولاته لمقابلة المسؤولين الأمريكيين في واشنطن. وكذا رفض الأمريكيون مقترحا قدمه ساليفو مودي، رئيس هيئة الأركان السابق ونائب الرئيس الحالي، بشأن الوجود الأمريكي في النيجر. إلا أن رئيس الوزراء أكد أن الحكومة ظلت تأمل بمواصلة الأمريكيين تقديم الدعم العسكري وسط زيادة الهجمات من المتطرفين.

وبعد الانقلاب بفترة قصيرة، أمرت الحكومة الجديدة 1500 جنديا فرنسيا بمغادرة البلاد، لكنها فتحت الباب أمام بقاء الأمريكيين. وعندما جاءت في إلى نيامي في كانون الأول/ديسمبر قدم لها لامين زين صورا لمحتجين ضد فرنسا، حملوا الأعلام الأمريكية في وقت حطموا فيه نوافذ السفارة الفرنسية ولم يمسوا السفارة الأمريكية بسوء “وقال لها: “يقول النيجريون: الأمريكيون هم أصدقاؤنا وسيقدمون المساعدة لنا لمحو الإرهابيين”. وتلقى لامين زين الصمت من الزائرة الأمريكية.

وقال رئيس وزراء النيجر إن بلاده لم تكن لتبحث عن تعاون مع روسيا ودول أخرى لو ردت الولايات المتحدة بإيجابية ومزيد من الدعم، بما في ذلك المسيرات وأنظمة الدفاع الجوي.

وفي مقابلة قالت في إن المسؤولين الأمريكيين قدموا الخيار للحكومة بطريقة واضحة أثناء لقاء كانون الأول/ديسمبر، وإن الدعم سيظل معلقا طالما لم تتم العودة للمسار الديمقراطي. وعندما عادت في إلى نيامي في آذار/مارس، سأل لامين زين، مودي إن كان يعرف عدد الأمريكيين في البلاد وماذا يفعلون أجاب “لا” وأخبر رئيس الوزراء الزائرة في قائلا: هل تتخيلين نفس الأمر يحدث في الولايات المتحدة؟.

وكانت الزيارة نقطة تحول لأن في اتهمت في الاجتماع، الذي استغرق ساعة، حكومة النيجر، بتوقيع اتفاق مع إيران لبيع اليورانيوم من مناجم النيجر والذي يمكن استخدامه في برنامجها النووي. وقال لامين زين إن كلامها غير صحيح. وأكد أنه لو تم التوقيع مع إيران وبخاصة أثناء زيارته لطهران في كانون الثاني/يناير واجتماعه مع الرئيس إبراهيم رئيسي لكان أمام الكاميرات وليس تحت الطاولة. واتهم الولايات المتحدة باستخدام نفس أساليب الرئيس جورج دبليو بوش التي قالت تقارير إدارته الاستخباراتية إن النيجر حاولت بيع اليورانيوم لصدام حسين قبل غزو العراق عام 2003.

وبعد لقاء آذار/مارس، ظهر المتحدث باسم المجلس العسكري على التلفاز وأعلن أن الوجود الأمريكي في النيجر غير قانوني، مع أن المفاوضات استمرت خلف الأضواء.

ولكن القلق زاد الشهر الماضي عندما قال مسؤول في سلاح الجو في القاعدة العسكرية بالنيجر إن القوات الأمريكية لا تعرف ما يجري وباتت عرضة للخطر.

وسافر لامين زين في الشهر الماضي إلى واشنطن واجتمع مع في ونائب وزير الخارجية كيرت كامبل الذي وعد بسحب القوات الأمريكية. ويؤكد لامين زين أن النيجر ترغب بمواصلة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة “لا أحد في النيجر ينظر لأمريكا كعدو”. وأخبر كامبل وفي بأن الحكومة تفضل مستثمرين أمريكيين في النيجر وليس جنودا و”لو وصل المستثمرون الأمريكيون فإننا سمنحهم ما يريدون”، و”لدينا يورانيوم ونفط وليثيوم، تعالوا واستثمروا وهو كل ما نريد”.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست الأميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




ميدل إيست آي: أغنى كلية في جامعة كامبريدج تسحب استثماراتها من شركة أنظمة تسليح إسرائيلية

كشف موقع “ميدل إيست آي” في لندن أن واحدة من أغنى كليات جامعة كامبريدج قررت سحب استثماراتها من  كبرى شركات تصنيع السلاح الإسرائيلية، إلبيت.

 وفي تقرير أعدّه عمران ملا وَرَدَ أن قرار كلية ترينتي في جامعة كامبريدج جاء بعد كشف الموقع، في شباط/فبراير، أنها استثمرت 61,735 جنيهاً إسترلينياً في شركة إلبيت التي تصنع نسبة 85% من المسيّرات العسكرية والمعدّات البرية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي.

 وكشف الموقع أن الكلية لديها استثمارات بملايين الدولارات في شركات أخرى تسلّح وتدعم وتتربح من الحرب الإسرائيلية في غزة.

وفي رد على التقرير، الذي نشره الموقع في 28 شباط/فبراير، قام “المركز الدولي للعدالة من أجل فلسطين” بإصدار بلاغ قانوني لكلية ترينتي، محذراً إياها بأنها قد تكون متواطئة بجرائم الحرب الإسرائيلية.

وقال “المركز الدولي للعدالة من أجل فلسطين”، في بلاغه القانوني، إن “العاملين والمدراء والمساهمين في الكلية قد يتعرضون للمساءلة الجنائية لو استمروا في الاستثمارات في شركات سلاح قد تكون متواطئة في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية”.

ونقل الموقع عن ثلاثة مصادر مطلعة وقريبة من اتحاد طلاب كلية ترينتي أن مجلس الكلية، وهو الجهة المسؤولة عن القرارات المالية المهمة وغيرها من القرارات، صوّت، بداية آذار/مارس، لوقف استثماراته في شركات السلاح. وبحسب هذه المصادر، فقد قررت الكلية عدم الإعلان أنها  ستسحب استثماراتها، بعدما قام الناشطون بتشويه صورة لآرثر بلفور، المسؤول عن إعلان بلفور، المعروضة داخل الجامعة في آذار/مارس.

وحظي الفعل بتغطية إعلامية واسعة، وشجب من النواب في مجلس العموم، بمن فيهم نائب رئيس الوزراء أوليفر دودين. ولم يحصل موقع “ميدل إيست آي” على تعليق من ترينتي بعد الطلب منها.

استدعى  سوناك رؤساء 17 جامعة إلى “طاولة مستديرة حول معاداة السامية”، وحثهم على تحمل المسؤولية الشخصية لحماية الطلاب اليهود

وكشف الموقع أيضاً أن الكلية استثمرت حوالي 3.2 مليون دولار في الشركة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، كاتربيلر، والتي ظلت محلاً للنشاطات المطالبة بالمقاطعة نظراً لتزويدها بالجرافات التي يهدم بها الجيش الإسرائيلي بيوت الفلسطينيين. إلى جانب عدة شركات متورطة في الحرب الإسرائيلية بغزة، ومنها جنرال إليكتريك وتويوتا كوربوريشن وروز- رويس ومصرف باركليز وأل3 هاريس أندستريز. ولم تعلن ترينتي عن التزام بسحب استثماراتها من هذه الشركات.

وفي رسالة مفتوحة إلى الكلية، الخميس الماضي، ووقّعها أكثر من 1700 أكاديمي وموظف وطالب وخريج عبّروا فيها عن دعمهم للمتظاهرين الذين أقاموا مخيماً احتجاجياً لمطالبة الكلية بإنهاء أي احتمالات متواطئة في الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتجمع مئة طالب في ساحة خارج كلية كينغز في كامبريدج، حيث نصبوا خياماً، وطالبوا مؤسسات الجامعة لسحب اسثماراتها من الشركات المتورطة في الحرب بغزة. وانضموا إلى طلاب 100 جامعة حول العالم قاموا بحركات احتجاج مماثلة. وأخبر منظمو المخيم موقع “ميدل إيست آي” بأنهم يطالبون جامعة كامبريدج بالكشف عن علاقتها مع الشركات والمؤسسات “المتواطئة بالتطهير العرقي في فلسطين”.

واستدعى رئيس الوزراء ريشي سوناك، يوم الخميس، رؤساء 17 جامعة إلى “طاولة مستديرة حول معاداة السامية” في مقر الحكومة بـ10 داونينغ ستريت، وحثهم على تحمل المسؤولية الشخصية لحماية الطلاب اليهود.

وفي نفس اليوم، أعلنت كلية ترينتي، دبلن، وهي من أهم وأعرق الجامعات في أيرلندا بأنها ستسحب استثماراتها من الشركات الإسرائيلية المتورطة في حرب غزة. وذلك بعد اعتصام طلابي ضد الحرب في غزة.

 ويتعرض القطاع، منذ تشرين الأول/أكتوبر، لحصار كامل حيث يمنع عن سكانه الطعام والدواء والماء. وقتل حتى الآن أكثر من 35,000 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب جرح أكثر من 77,000 شخص، حسب أرقام وزارة الصحة في غزة. ولا تشمل الأرقام آلافاً من السكان الذين دفنوا تحت الأنقاض.

المصدر: موقع ميدل إيست آي البريطاني

ترجمة: إبراهيم درويش




في عالم غاب فيه العقل السياسي لم يبق للمتضامنين مع فلسطين سوى شعاراتهم وتراكماتها التاريخية

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة نسرين مالك قالت فيه إن الشاعر السوري نزار قباني الذي يعتبر أشهر شعراء العرب في العصر الحديث، كتب في عام 1988، ثلاثية “أطفال الحجارة”، وكانت القصيدة مهداة لأطفال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الذين أصبحوا، برشقهم الجنود الإسرائيليين بالحجارة، رموزا للعصر.

واندلعت الانتفاضة عام 1987 بسبب الإحباط الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وتميزت بالعصيان المدني والاحتجاج السلمي، والأهم من ذلك، أن رموزها كانوا هم هؤلاء الأطفال.

وكتب قباني: “يا تلاميذ غزة لا تبالوا بإذاعاتنا..”، معتبرا نفسه جزءا من جيل أكبر سنا فشلت محاولاته للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل في توفير الحرية للفلسطينيين. وقال: “ولا تسمعونا../ نحن أهل الحساب/ والجمع/ والطرح.. إن عصر العقل السياسي/ ولى من زمان/ فعلمونا الجنونا”.

أصبح من الواضح الآن أن مئات الآلاف من المتظاهرين الذين شاركوا في مسيرات من أجل غزة، من لندن إلى واشنطن، ليسوا من دعاة الكراهية

 وتعلق الكاتبة أن قباني كان جزءا من التقليد العربي للفن والأدب الذي عبر عن يأس الفلسطينيين، وكيف أن ملاذهم الوحيد هو “جنون” الأطفال الذين يرشقون قوة مسلحة بالحجارة. ولم يبق لهم سوى رفض قبول هزيمتهم والانحياز ضد الأقوياء – من دون حلفاء، وفي خطر كبير، ومن دون خطة.

وطالما حدث ذلك، فستظل فلسطين موجودة، مكانا يتم الحفاظ عليه حيا من خلال التأكيد على أن شعبه لا يزال هنا، وما زال يطالب بحقه في هويته، ولا يزال حرا ببساطة نتيجة لعدم التخلي أبدا عن هذا المطلب.

وقالت إن الانتفاضة الأولى التي تمت مراقبتها عن كثب في منطقة يحكمها مستبدون وعسكريون وملكيات مطلقة، رسخت رسالة عميقة في النفس العربية الشعبية وهي أنه “يمكن للسادة السياسيين السيطرة على كل شيء باستثناء حق الناس في رعاية رؤية لما يستحقونه”.

 وتعلق قائلة “بالنسبة لأبناء ذلك الجيل، وأنا واحدة منهم، كانت كلمة “الانتفاضة” تعني ذلك بالضبط: نفض التراكمات. بالنسبة لآذاننا، كان ذلك يعني المطالبة بالحقوق المدنية وليس العنف وإراقة الدماء. وكانت أيضا كلمة ليس لها هدف نهائي واضح، ولا غرض محددا سوى الرفض والمقاومة – دليل على التجذر”.

وتقول إن أغنية “أنا دمي فلسطيني” وهي احتجاجية شعبية صدرت عام 2015 وتم تشغيلها أثناء الاحتجاجات في الغرب، مبنية على هذا الموضوع. ومن الجدير بالذكر أيضا أن مغنيها الفلسطيني محمد عساف فاز بالجزء الثاني من برنامج (أراب أيدول) عام 2013 بعد مسابقة قدم فيها أغاني فلسطينية تراثية استحوذت على قلوب وعقول المشاهدين العرب.

وتقول إنه إلى جانب العديد من القصائد والأعمال الفنية والأعمال الأدبية ومقتطفات من الاقتباسات والشعارات، تشكل هذه الأمثلة تراثا كاملا للهوية الفلسطينية لم يتم صياغته في الجامعات الغربية أو في وسائل الإعلام الغربية، ولكن في مخيمات اللاجئين، على الجدران المتبقية من المنازل المهدمة، في السجون وفي مجموعات سكانية معزولة، بين أولئك الذين طردوا من منازلهم ويتوقون إلى حق العودة.

ومعا يخلقون مكانا نظريا، متحررا من الواقع البائس، يغذي العزاء والشجاعة والتواصل بين الأشخاص المشتتين والمقتلعين الذين يطمحون إلى شيء نعتبره أنا وأنت أمرا مفروغا منه: الدولة.

وترى أن انتقال هذه الثقافة إلى الخطاب السائد في اللغة الإنكليزية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر أدى إلى تحويل الكلمات الموجودة فيها إلى معان حرفية، تم إسقاطها عليها من قبل مراقبين ليس لديهم سوى القليل من المعرفة بتاريخها وفروقها الدقيقة.

فقد تم التعامل مع مصطلح “الانتفاضة” على أنه ليس أقل من إعلان لا لبس فيه لـ “الحرب المقدسة”. وفسرت عبارة “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، التي ليس أصلها عربيا ولكنها تعبر عن شوق الفلسطينيين إلى وطنهم التاريخي، تم تفسيرها بحيث لا تعني أي شيء مما تقوله. وقالت وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، سويلا برافرمان، إن هذا “مفهوم على نطاق واسع على أنه مطلب لتدمير إسرائيل”.

وتساءلت الكاتبة: كيف ستكون فلسطين حرة على وجه التحديد، ولم يحصل الشعب الفلسطيني على فرصة تحديدها بشكل كامل؟

ففي أوسلو، لم يعرض عليهم حتى الخطوط العريضة لحدود ما يمكن أن يصبح كيانا فلسطينيا، ولا حق العودة إلى المنازل التي طردوا منها منذ عام 1948.

وفي عام 2020، لم تشمل خطة السلام التي وضعها دونالد ترامب حتى دولة كاملة.

وتقول إنه في ضوء أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، من المفهوم بالنسبة للبعض أن التعبير عن الانتفاضة الفلسطينية والمطالبة بالأرض يأخذ طابعا خطيرا.

لكن قصة هذه المصطلحات والأناشيد أطول بكثير من تلك التي تم تكثيفها وإدانتها خلال الأشهر السبعة الماضية. إن التاريخ الفلسطيني من المقاومة، والذي يمتد لعقود من الطرد والمذابح والإذلال والعزل والمراقبة، لا تمثله حماس وحدها.

هناك أيضا شيء ما حول إسقاط النوايا الصارخة على التضامن مع الفلسطينيين والدعوات إلى تقرير المصير، والذي يسيء قراءة طبيعة الاحتجاج على أنها شيء يحتاج إلى قياس وعقلانية (بطرق لم يتم تحديدها تماما على الإطلاق) حتى تكون ذات مصداقية. لكن الاحتجاج أصبح ضروريا على وجه التحديد لأن السلطات لم تستجب. ويتم تعريفه من خلال عدم التماثل في السلطة والقدرة على الوصول إلى الأدوات السياسية. يتمتع السياسيون بسلطة تنفيذية، والمتظاهرون لديهم شيء واحد: أصواتهم.

وتعلق أن الحركات الاحتجاجية هي بطبيعتها أفعال معارضة، وغالبا ما تتمتع بهذه الخاصية المتسقة بشكل إعجازي – تتوسع بسرعة من المساحات السياسية إلى المساحات المجتمعية، وتتضمن الأغنية والرقص والشعر والأخوة الحميمية بين الغرباء.

ومن هنا فسحق هذه المساحات – والأسباب التي تمثلها – لا يتم من خلال القوة الغاشمة، ولكن من خلال تصوير المشاركين كأشرار. وعليه فهي تظهر صورة أشخاص مثل المدعومين من بوتين، أو المؤيدين لحماس، أو الذين يقودهم متسللون محترفون. وكلما أصبح من الصعب التشكيك في جدية وضرورة التضامن مع الفلسطينيين، أصبحت مثل هذه الادعاءات أكثر شذوذا.

لقد أصبح من الواضح الآن أن مئات الآلاف من المتظاهرين الذين شاركوا في مسيرات من أجل غزة، من لندن إلى واشنطن، ليسوا من دعاة الكراهية.

وأشارت إلى دراسة نشرت الأسبوع الماضي، حيث كشفت أن 97% من المظاهرات في الحرم الجامعي الأمريكي لأجل غزة كانت سلمية. ولكن ما يجعل الحرب الدعائية ضد التضامن مع الفلسطينيين أكثر إلحاحا هو حقيقة أن أعمال حماس الدموية في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لم تعد ذريعة ذات مصداقية لما تفعله إسرائيل. ويتم إحباط جهود التشهير باستمرار من خلال مشاهد الموت والمجاعة التي لا هوادة فيها في غزة، وفي الواقع الكلمات العدوانية للسلطات الإسرائيلية نفسها: ممثلو الدولة النووية القوية المدعومة من الولايات المتحدة والذين لا يخضعون لنفس القيود التي تخضع لها شعارات المتظاهرين التي تتلاشى في الهواء.

“في عالم كهذا، حيث يتم تدمير غزة، ما الذي يتبقى سوى الاستمرار في بناء هوية فلسطينية، بشكل أكثر حيوية وقوة من أي وقت مضى، يحددها حقها في الوجود بدلا من خطر المحو؟ فماذا بقي سوى الاستمرار في رفض هذا العصر الذي رحل فيه العقل السياسي منذ زمن طويل؟”.

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




هل تتحول إسرائيل إلى ساحة صراع بين اليهود والوسط العربي؟

بعد مرور سبعة أشهر على هجوم حماس واندلاع الحرب في قطاع غزة واستمرار التوترات الأمنية على مختلف الساحات، يتواصل الهدوء في العلاقات بين اليهود والعرب في إسرائيل، بما في ذلك في المدن المعنية. وحتى الآن، لم تتحقق المخاوف التي أثارها الجهاز السياسي والأمني ​​من اندلاع صراعات واسعة بين اليهود والعرب على خلفية الحرب، خصوصاً في رمضان وعيد الفطر. ومن الناحية العملية، فإن أغلبية الجمهور العربي ترغب في مواصلة روتينها اليومي كأقلية متكاملة في إسرائيل، في حين تستمر في رفض حماس ومسارها. لكن في واقع حالة الطوارئ المستمرة، تظهر مخاطر قد تضر باستقرار العلاقات بين العرب واليهود، وتؤدي إلى تدهورها إلى حد الصدامات العنيفة. ومن العوامل التي قد تسبب ذلك: المشاعر الصعبة التي يثيرها حجم الضحايا، والدمار والكارثة الإنسانية في القطاع لدى المواطنين العرب في إسرائيل، والشعور المتزايد بالغربة بينهم تجاه الدولة والأغلبية اليهودية، والضرر الذي لحق بشعورهم بالأمن الشخصي نتيجة للجريمة، والوضع الاقتصادي، والقيود المفروضة على حرية التعبير. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيزها استشرافاً للمستقبل، سواء في السياق الداخلي أو في سياق تعزيز حل الصراع مع المجتمع العربي.

يركز هذا المقال على تحليل العوامل التي قد تقوض روتين العلاقات بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية في البلاد. وسنشير هنا إلى سبعة مكونات رئيسية:

1 –   الإشارة إلى الضحايا والدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة

يتعرض الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل لمشاهد الدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ويتأثر بها بشكل كبير. وبينما تترسخ هذه الصور في وعيه، فإن ارتباطه بنضال الدولة من أجل تفكيك البنية التحتية للإرهاب الإسلامي في قطاع غزة قد يضعف. ورغم أن أغلبية الجمهور العربي لا تتعاطف مع حماس، فإن الكثيرين لا يبررون قوة الرد العسكري الإسرائيلي والأذى الذي لحق بالسكان المدنيين في قطاع غزة، ويعتبرون ذلك بمثابة صدى لـ “النكبة”. الخطاب السائد في الجمهور العربي هو أن دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح سيؤدي إلى تفاقم معاناة سكان غزة بشكل كبير. ومع استمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة، سيزداد الغضب في الجمهور العربي وستنشأ رغبة في الاحتجاج ضد الحرب. وبصرف النظر عن الإدانات القاسية التي سمعت من القادة والمنظمات العامة العربية لتوسيع المساعدات الإنسانية لغزة، فقد تكون هناك أيضاً تعبيرات احتجاج، مثل المظاهرات والإضرابات، التي قد تتحول إلى أعمال عنف. وقد ظهرت بوادر ذلك في المسيرات التي نظمت في بعض البلدات بمناسبة يوم الأرض (30 مارس/آذار)، احتجاجاً على الأوضاع في قطاع غزة ودعوات لوقف الحرب.

2 – شعور متزايد بالاغتراب تجاه الدولة والأغلبية اليهودية

إن إشارة وزراء الحكومة إلى أحداث نيسان/أبريل وأيار/مايو 2021 على أنها “انتفاضة داخلية”، وتأطير مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي على أنها “حرب” ضد “عدو داخلي”، خلقت صورة متحيزة للواقع. ويتجلى هذا الموقف المتطرف أيضاً في مطالبة وزراء اليمين المتطرف بفرض قيود على صلاة العرب في شهر رمضان الأخير. إن مثل هذا السلوك يشوه صورة المجتمع العربي كعدو، ويعمق شعوراً بالغربة لدى المواطنين العرب، بما قد يعزز العناصر القومية والدينية المتطرفة في المجتمع العربي.

ما يقرب من نصف الجمهور العربي، 47 في المئة، يشعرون أن العلاقات بين اليهود والعرب تغيرت نحو الأسوأ منذ اندلاع الحرب.

3 – الإضرار بالشعور بالأمن الشخصي

وبعد الانخفاض الحاد في عدد جرائم القتل في المجتمع العربي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، عادت أبعاد الظاهرة إلى سابق عهدها. هذه هي القضية الأساسية التي تقلق المجتمع العربي، الشاهدة على الإهمال المستمر في التعامل مع الجريمة من قبل الشرطة والحكومة. وبالفعل، لم يتم حتى الآن اتخاذ أي خطوات حقيقية للحد من الجرائم الخطيرة، ما يخلق إحباطاً في المجتمع العربي وشعوراً عميقاً بأن الدولة لا تقف إلى جانبهم في هذا الأمر الحيوي. إن تعزيز الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ووجود أسلحة كثيرة ومتنوعة، بما في ذلك أدوات الإيذاء الجماعي من قبل التنظيمات الإجرامية (بنادق آلية، طائرات بدون طيار تحمل عبوات ناسفة، قنابل يدوية، عبوات ناسفة، صواريخ، قاذفات قنابل يدوية)، يشكل تهديداً على الأمن القومي، خاصة عندما تكون وكالات إنفاذ القانون محدودة في قدرتها على مواجهة التحدي.

ويمكن التقدير أن الشعور بالأمن الشخصي قد تضرر أيضاً بسبب التخفيف الأخير في إجراءات ترخيص الأسلحة النارية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يحق لهم حيازة الأسلحة. وقد تزيد هذه الظاهرة من فرص ارتكاب الأخطاء والتعامل مع كل حادثة إطلاق نار على أنها عمل إرهابي، وبالتالي الإضرار بغير المتورطين.

أكثر من نصف الجمهور العربي، 56 في المئة، أي أكثر من ضعفي القطاع اليهودي، ذكروا أن إحساسهم بالأمن الشخصي هذه الأيام منخفض أو منخفض للغاية.

4 – تفاقم الوضع الاقتصادي

أضرت الحرب بالرفاهية الاقتصادية للعرب في إسرائيل. وتشير المعطيات إلى أن الضرر في الوسط العربي أكبر منه في أي قطاع آخر. وبحسب تقرير بنك إسرائيل، ارتفعت نسبة البطالة في هذا القطاع مع اندلاع الحرب، خاصة بين الرجال. وانخفضت نسبة توظيفهم خلال هذه الفترة بنسبة 27 في المئة مقارنة بـ 11 في المئة بين الرجال اليهود. وحتى في بداية عام 2024، عندما سُجل انتعاش في سوق العمل، سُجل انتعاش أبطأ بين الرجال العرب، حتى لو تمكن من الاقتراب من مستواه عشية الحرب. وارتفع معدل تشغيل الرجال العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عاماً في بداية العام إلى 75.7 في المائة، وهو قريب من المستوى المسجل عشية الحرب. ويؤدي التغيب عن العمل في الأعمار الصغيرة إلى تفاقم ظاهرة عدم النشاط لدى الشباب.

إن الحضور الكبير للرجال العرب في صناعة البناء والتشييد، والذي عانى من تباطؤ كبير في الأشهر الأولى من الحرب، أثر بشكل كبير على توظيف الرجال العرب. وفي الصناعات الأخرى، عانى التوظيف العربي من الاهتمامات المتبادلة للعمال اليهود والعرب. وبحسب الاستطلاعات التي أجريت، أعرب الطرفان عن قلقهما من أن تضر الاجتماعات في العمل، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، بسلامتهما الشخصية. وهذا له أيضاً تأثير سلبي على الشركات العربية غير المدرجة في بيانات البطالة. ويشكو هؤلاء من انخفاض كبير في الطلب من المجتمع اليهودي، في ظل الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة الشركات العربية.

كما أن التخفيضات الأفقية في الوزارات الحكومية، التي أضرت بالخطة الخمسية للمجتمع العربي، ألحقت أضراراً تصل إلى 15 في المائة من الميزانيات المخصصة للقطاع، والتي كانت مخصصة لمعالجة سنوات من الإهمال. ستؤدي هذه التخفيضات على المدى القصير إلى الإضرار بالمجتمع العربي، وعلى المدى الطويل أيضاً إلى الإضرار بالدخل القومي واقتصاد إسرائيل.

5 – تفاقم القيود المفروضة على حرية التعبير وتزايد الشعور بالاضطهاد

في المجتمع العربي شعور بالاضطهاد من جانب الحكومة، بما في ذلك الآليات المنوطة بإنفاذ القانون. بالنسبة لها، تثبت البلاد كل يوم أنها ليست ديمقراطية، على الأقل ليس بالنسبة لها. يُنظر إلى المراقبة الدقيقة التي تقوم بها وكالات إنفاذ القانون على المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة الشخصيات المؤثرة، مثل البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، على أنها تهدف إلى الحد من حرية التعبير والحرية الأكاديمية. هذا، بالإضافة إلى تقارير عن الإقصاء الدائم للطلبة العرب من مؤسسات التعليم العالي، وإنهاء عمل العرب في مختلف قطاعات التوظيف.

6 – الاستفزازات والمضايقات من قبل العناصر القومية المتطرفة – العرب واليهود

بشكل عام، المجتمع العربي لا يوافق على الأيديولوجيات المتطرفة ولا يدعم الأعمال الإرهابية التي قام بها عرب إسرائيليون مؤخرًا. ومع ذلك، هناك مجموعات متطرفة قريبة لها حضور بين الشباب وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. وهناك مخاوف من أنه مع إطالة أمد الحرب، ستحدث أعمال احتجاجية واضطرابات، ما سيؤدي إلى صراعات بين العناصر المتطرفة والقومية والدينية، التي ستسعى لتعزيز أجندتها الأيديولوجية، وكذلك الشباب ذوي الخلفية الإجرامية، الذي سيسعى لاستغلال الوضع لأغراض إجرامية.

ومن بين اليمين اليهودي المتطرف، هناك عناصر ذات موقف معادٍ للعرب بشكل واضح، حيث ترى المواطنين العرب كجزء من “العدو” الفلسطيني، ويتم إضفاء الشرعية عليهم من قبل كبار المسؤولين. وقد يأخذ هؤلاء القانون بأيديهم ويواجهون الجماعات العربية بدعوى حماية اليهود. إن التسلح الواسع النطاق، منذ بداية الحرب، قد يؤدي إلى تأجيج أعمال عنف خطيرة بين اليهود والعرب. ويتمثل دور الشرطة ووكالات إنفاذ القانون في كبح الجماعات المتطرفة، بموجب القانون، ومنعها من الانجرار إلى أعمال شغب متبادلة.

45 في المئة من الجمهور العربي أكثر قلقاً بشأن التوترات الاجتماعية القومية داخل إسرائيل، وحوالي 28 في المئة أكثر قلقاً بشأن التهديدات الأمنية التي تواجه البلاد من الخارج.

 7- تأثير شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية الأجنبية على الحالة المزاجية

القنوات التلفزيونية الإسرائيلية ليست المصدر الرئيسي للمعلومات الإخبارية للجمهور العربي. ويرتبط نحو نصفها بأطباق فضائية خاصة، وتستقبل الأخبار عبر وسائل الإعلام الأجنبية باللغة العربية، وفي مقدمتها قناة “الجزيرة” من قطر، وقناة “مساواة” التجارية من رام الله، والتي تستهدف السكان العرب في إسرائيل. وتعرض الجمهور العربي عبر هذه القنوات لمعلومات تفصيلية عن حجم الضحايا وحجم الدمار في القطاع، وهو ما لا تعرضه القنوات الإسرائيلية.

في شبكات التواصل الاجتماعي لدى المجتمع العربي، يبدو التركيز واضحًا على الألم والتعاطف تجاه سكان قطاع غزة. واتسم الخطاب بالغضب من الإجراء الإسرائيلي، وفهم مسار “المقاومة” كوسيلة للتحرر من الاحتلال. وعبر شبكات التواصل، يتم التضامن مع سكان قطاع غزة والدعوة للتفكير بهم خلال الصلوات بشكل عام، وفي شهر رمضان بشكل خاص.

ملخص وتوصيات

إن علاقة الدولة والأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي تتعلق مباشرة بالأمن القومي. ويكمن الخطر الاستراتيجي الآن في التدهور إلى العنف المتبادل، الذي قد يحول البلاد إلى ساحة صراع بين اليهود والعرب. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيز العلاقات، استشرافاً للمستقبل، وذلك على أساس الاعتراف بأن هناك علاقات تقوم على ضبط النفس، من أجل تفعيل تسوية مستقبلية محتملة بين إسرائيل والفلسطينيين بعد الحرب.

لذلك، لا بد من القيام بخطوة لها تأثير نفسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي. وسيكون لتوسيع المساعدات الاقتصادية للسلطات المحلية والشركات العربية والمحتاجين أثر إيجابي. هذا بالإضافة إلى تجنب الإفراط في فرض القيود على حرية التعبير، وزيادة مكافحة الجريمة والعنف، وكبح جماح العناصر المتطرفة على الجانبين، ومنع المضايقات والمواجهات المتبادلة التي من المحتمل أن تشتعل.

 أفرايم ليفي ومئير الرانوتومر بادلون

منشورات خاصة/ معهد بحوث الأمن القومي 13/5/2024

ترجمة: صحيفة القدس العربي




لوموند: الفشل العسكري الإسرائيلي هو نتيجة للإستراتيجية التي حولت غزة إلى سجن مفتوح 

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في افتتاحية عددها الورقي لهذا الثلاثاء، إنه بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على هجوم 7 أكتوبر، ما زالت الحرب مدوية في قطاع غزة، وتغذي تنصلاً دولياً وعالمياً، في ظل الخراب غير المسبوق، في حين أن الأهداف التي حددتها إسرائيل ما تزال بعيدة المنال.

وأوضحت “لوموند” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد وعد بالقضاء على حركة حماس، والإفراج عن المحتجزين الذين يعتمد مصيرهم على مفاوضات لا نهاية لها، ولا يبدو أن أياً من المعسكرين يرغب في نجاحها، وهذا يثير مخاوف كبيرة.

فالقوات الإسرائيلية تهدد رفح، الأمر الذي من شأنه أن يضيف حتماً مذبحة جديدة إلى الكارثة. كما تجد هذه القوات نفسها مضطرة إلى ضرب شمال قطاع غزة مرة أخرى حيث عاد الجناح المسلح لحماس إلى الظهور بعد أشهر على الضربات والتوغلات البرية التي حوّلت تلك المنطقة إلى ساحة خراب على حساب مقتل آلاف الفلسطينيين.

واعتبرت “لوموند” أن هذا الفشل العسكري الإسرائيلي الحاصل، يقترن بمأزق سياسي يتحمل نتنياهو المسؤولية عنه بشكل كبير. فمن خلال الاحتفاظ بالسيطرة على قطاع غزة دون أدنى إشارة إلى الجهة المدنية، فهو في الواقع يخلق الظروف لعودة حماس التي يقول إنه يريد القضاء عليها. وهو بمعارضته لأدنى منظور يأخذ في الاعتبار الحقوق المشروعة للفلسطينيين، يخدم أيضاً تشدد حماس، على حد قول الصحيفة، مضيفة أنه سيكون على نتنياهو تقديم إجابات لأولئك الذين يدعي الدفاع عن قضيتهم.

وتابعت “لوموند” القول إن الفشل العسكري الإسرائيلي اليوم، وما خلّفه من خسائر بشرية مروعة، هو نتيجة للاستراتيجية التي حولت غزة إلى سجن ضخم في الهواء الطلق، وإلى مسرح لحروب متكررة دفعت بها الحرب الحالية إلى ذروتها، وسهّلتها سلبية دولية مُذْنِبة، سواء كان ذلك التسامح في مواجهة الحصار المفروض على غزة، أو الضعف فيما يتعلق بأخطاء الممثلين الرسميين للفلسطينيين، أو الجبن في مواجهة  احتلال الضفة الغربية من قبل إسرائيل.

ومضت “لوموند” قائلة إن الحليف الأكثر ثقة لإسرائيل، رئيس الولايات المتحدة، انتهى به الأمر متأخراً إلى تقييم هذا الطريق المسدود. فمن خلال اتخاذ قرار حرمان الجيش الإسرائيلي من بعض الأسلحة الهجومية حتى إشعار آخر إذا أصر على رغبته في مهاجمة رفح، ومن خلال الإعلان عن ذلك، أشار جو بايدن إلى أن الضغط ربما ينجح حيث تفشل الكلمات.

واعتبرت الصحيفة أنه يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن حالة الطوارئ تتطلب نقلة نوعية. فإلى جانب إسرائيل، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما ترفض الولايات المتحدة القيام به، ولكن كما تتوسل الشخصيات الإسرائيلية وتستعد دول أوروبية جديدة لذلك، لا يمكن إلا أن يسهم في الحد من معاناة الفلسطينيين وحماية إسرائيل من نفسها.

المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




غزاويون عاشوا النكبتين: الحرب على غزة أعنف دمويا من الـ 48

رغم تبدل السنين وطولها، لم يتغير الوضع كثيرا على سكان غزة، كغيرهم من الفلسطينيين، خاصة النازحين منهم، الذين اكتووا قبل 76 عاما بنيران النكبة، حين هُجّروا قسرا عن أراضيهم، بسبب المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، والتي تحولت لاحقا إلى جيش عنيف، يعيد المشهد ذاته بأساليب قتل أبشع في القطاع الذي يتعرض لحرب مستمرة منذ سبعة أشهر.

بين «النكبة» والنزوح

فما كان متغيرا بعد هذه السنوات الطويلة من النكبة، من شكل المباني السكنية، والبنى التحتية وحتى المشافي والمؤسسات الخدماتية، سواء الرسمية أو الأممية، عاد إلى شكله الأول قبل 76، وفقا للخطة الإسرائيلية التي كشف عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأيام الأولى للحرب، حيث أعلن أن هدفه هو إعادة قطاع غزة لعشرات السنين إلى الوراء.
فلم تعد المنازل على حالها، بعد أن حولت الغارات الإسرائيلية غالبيتها إلى ركام وحطام، ولم تعد هناك طرق معبدة في أغلب مناطق غزة، ولا حتى مستشفيات أو مدارس، وبات السكان يواجهون مشقة كبيرة في التنقل، إما بسبب الطرق المليئة بالدمار والركام، أو أزمة الازدحام، وأصبح الغالبية منهم يقطنون في «مراكز إيواء» أو خيام، في مشهد كان حاضرا في النبكة الأولى.
وبسبب وقع الحرب المستمرة على غزة منذ أكثر من سبعة أشهر، والتي لم تعهد من قبل على صعيد عدد الضحايا أو الدمار، أطلق الكثير من السكان مصطلح النكبة 2 عليها، وهو أمر يعيه جيدا من الناحية العملية أولئك الرجال والنساء القلائل الطاعنون في السن، الذين عايشوا النكبتين.

قصص‭ ‬النزوح‭ ‬الحالية‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬النكبة‭ ‬الأولى

وبلغة الأرقام فإن أعمار من يتذكرون أحداث النكبة يفوق حاليا الـ 82 عاما، وهو عمر طفل كان في سن السادسة حين أجبر على النزوح، فيما أعمار من ولدوا في سنة النكبة التي وقعت في العام 1948، وصل إلى 76 عاما، ومن هؤلاء من فارق الحياة إما بسبب المرض، أو الغارات الإسرائيلية خلال الحرب المستمرة.
وبلغة الأرقام أيضا، فإن عدد نازحي الحرب الحالية، أكثر من عدد من أجبروا على الهجرة وترك أراضيهم في العام 48، وهو ما يشكل عبئا أكبر في غزة، فالمساحة المتوفرة لنازحي الحرب الحالية أصغر بكثير من المساحة الجغرافية التي أتيحت للمهجرين قسرا عند وقوع النكبة.
فقبل 76 عاما، أجبر الفلسطينيون على الهجرة إلى قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، فيما باتوا حاليا محصورين في مساحة ضيقة في مناطق وسط وجنوب وادي غزة، تكاد لا تظهر على الخريطة.
وفي الوقت الذي كان فيه عدد من أجبروا على الهجرة من كافة مناطق فلسطين التي احتلتها العصابات الصهيونية في العام 48 يبلغ 750 ألف فلسطيني، يفوق عدد نازحي الحرب الحالية الذين إما دمرت منازلهم أو أجبروا على تركها بسبب العمليات البرية والقصف الجوي الـ 1.9 مليون فلسطيني.

تشابه الآلام

وأصبح بسبب الحرب المستمرة المشهد الحالي مشابها لما عايشه الأجداد قبل 67 عاما، أو حتى أكثر صعوبة. اللاجئون آنذاك فروا هربا من المجازر الدامية التي اقترفتها العصابات الصهيونية في دير ياسين والطنطورة وفي القدس وحيفا والكثير من المناطق الفلسطينية، بعدما دمرت بشكل كامل 531 قرية، واخضعت عشرات المدن والقرى لحكمها العسكري. ثم اضطروا للسكن في مخيمات اللجوء والعيش هناك في الخيام.
والآن في غزة، يعيش من بقي منهم على قيد الحياة الأحداث ذاتها، حيث الخيام بأشكال جديدة، قائمة إما على أنقاض المنازل التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية، أو في مناطق عشوائية أصبحت معسكرات جديدة لإيواء النازحين.
من بين ما عايشوا النكبتين كانت الحاجة فاطمة رمضان أبو ركبة، وهي من مواليد العام 1940، وهذه السيدة العجوز التي اضطرت للنزوح مع أبنائها وأحفادها وأبناء أحفادها، من مكان سكنها شمال قطاع غزة، تقيم الآن في «مركز إيواء» للنازحين في مدينة رفح أقصى حدود قطاع غزة الجنوبية.
حتى انتقلت هذه السيدة العجوز من غرفة إقامتها في المركز، وهو عبارة عن مدرسة كانت سابقا مخصصة لتعليم الأطفال، احتاجت إلى من يسند ذراعها، وسارت ببطء شديد حتى جلست وبجوارها بعض الأحفاد.
في رحلة النزوح السابقة، كانت هذه السيدة بعمر أحفاد أبناء أولادها، كانت تستطيع الجري والفرار أسرع من الغارات، لكن عوامل الزمن جعلتها لا تستطيع المشي بمفردها. تستذكر هذه السيدة ما حل في الماضي، وتربطه بالواقع الحالي، وعن النكبة الأولى قالت «أول ما صاروا ييجوا (يصلوا) اليهود (العصابات الصهيونية) من طرف البلد (تقصد بلدتها الأصلية، إحدى القرى المدمرة)، يروح المقاومين يطخوا عليهم»، وكانت تتحدث عن تصدي الفلسطينيين للهجمات الأولى لتلك العصابات. وتضيف «بعدين صارت مذبحة في دير ياسين وهاجرنا».
وفي حديثها أكدت أن سبب ترك البلدات في ذلك الوقت كان عائدا لشدة المجازر الإسرائيلية التي اقترفت، وتشرح أكثر واقع العيش خلال فترة الهجرة الأولى «لما هاجرنا في الـ 48، رحلنا على الرمل (المناطق الساحلية المؤدية لغزة)، والطيارات صارت ترمي القنابل علينا»، وبعدين وصلنا غزة.
تحدثت بمرارة عن الجوع في ذلك الوقت والخيام التي آوَت اللاجئين وعن ظروف الحياة في الحر أحيانا وفي الشتاء، حين غمرت الأمطار خيام سكنهم.

الحرب أعنف

«القدس العربي» سألت السيدة عن الأوضاع الحالية في النكبة 2، إن كانت تشابه ذكريات الماضي، فأجابت مسرعة «مش زي هيك، شردنا بعد المذبحة، لكن الحرب هذه فيها فرق كبير فيها فرق كتير»، وأضافت بلغتها العامية «اليوم الحرب الي بنعيشها ما في زيها، زمان مكانش (لم يكن) القتل قد هلقيت (هذا الوقت) في هل حرب، الموت في هذه الحرب أكثر ما زمان، ما صار مثله قبل هيك».
وأشارت المسنة فاطمة إلى عمليات الإعدام الميداني والتي يقترفها جيش الاحتلال، وعمليات القتل بتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، «بدخلوا على البيت (الجيش الإسرائيلي) بيقتلوا كل الي فيه، وبهدموا البيت على صاحبة، كمان قتلوا الي في المستشفيات، هذا ما صار زيه».
وتابعت «الناس مرمية بالخيام (تصف وضع السكان الحالي المرير» وفي المدارس»، وأضافت «إسرائيل مش تاركه الناس بحالها بتقصفهم، هذول مجرمين (الجيش الإسرائيلي) ولا ردين على حد».

وفي وصف آخر لشكل الحرب الحالية، يقول المسن مصطفى نعيم ويبلغ من العمر (84 عاما)، إنه رغم قساوة ما عايشوه من أحداث دموية وتشريد وسرقة أراض من قبل العصابات الصهيونية في النكبة الأولى إلا أن أحداث القتل والتشريد لا تذكر لما يعيشه سكان غزة هذه الأيام.
وقال، وهو يتحدث عن النزوح الأول، إنه أقام وأسرته في خيام وضعت في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، وعايشوا فيها الفقر والجوع، والسكن في أرض غير أرضه، ولم يكن وقتها في بداية الحرب يقدم أكل ولا ماء للنازحين.
لكنه أكد كغيره أن الوضع الحالي والنزوح الجديد والحرب أخطر من السابقة، وأضاف «استشهد أكثر من 35 ألف شخص. الموت كثير وبيوتنا راحت تهدمت».
ويشير إلى أن السلاح الذي كان بيد العصابات الصهيونية في فترة النكبة الأولى عام 48، والذي حصلت عليه من بريطانيا في ذلك الوقت، لم يكن بقوة السلاح الحالي الذي يقتل فيه الفلسطينيون. وما زال هذا الرجل يستذكر أول شهيد سقط بيد العصابات الصهيونية على حدود بلدته، لكنه قال إنه من كثرة الموت الحالي أصبح عدد الشهداء والضحايا أكثر بكثير.
ويقول إن قصص النزوح الحالية أكثر بكثير من قصص النكبة الأولى، ويضيف «هذه الحرب الي بنجا منها الله بيكون كتب إله حياة جديدة».
وليس بعيدا عن هذا المشهد القاتم الذي يعيشه جيل النكبة الأول، يقول المسن إبراهيم النواس في نهاية الثمانينيات، إن الفلسطينيين تركوا قراهم بعد كل هجوم للعصابات الصهيونية، وأن من بينهم من ذهب للضفة أو عمان وآخرين من أقاربه جاؤوا إلى غزة.
ويقول إنه يذكر مع بداية الوصول سكنوا قرب منطقة وادي غزة، ولم يكن، قبل الانتقال لمخيم النصيرات، هناك من يوزع على اللاجئين المؤونة والأكل. ويذكر أنه بعد فترة أصبح توزيع الأكل أسبوعيا، وبدأ الوضع وقتها يتحسن، لكنه حين طلبنا منه المقارنة بين الماضي والحاضر يبين: «هذه مش حرب هذه فناء وإبادة هذه موت بيدمروا الدار على السكان». ويقول إن الأيام الحالية صعبة جدا عليهم، وقد تحدث عن خوفه من ارتكاب جيش الاحتلال مجازر جديدة.
لكن هذ المسن وهو من بلدة «الجمامة» المهجّرة، يحلم رغم طول فترة الغياب وتقدمه في السن، العودة إلى بلدته، ويحلم أن يعود للعمل مزارعا يزرع ويقلع زرعه، وأضاف «هو في زي بلدي تزرع فيها محدش (لا أحد) يتدخل فيك».
ويشير هذا المسن الى أنه يحدث أبناؤه كثيرا عن بلدتهم الأصلية، وأنه ما في أجمل من هذه البلد.
وبجوار هذا المسن زوجته عطر الهندي التي تقترب من عمره، تقول إنها وقت النكبة الأولى كانت بعمر (12 عاما)، وتضيف «تهجرت (وصل) إلينا سكان بلدة عاقر يوم ثلاث، ويوم الثلاث الثاني هجموا على قرية بشيت، وبعدين إحنا في بلدة المغار قرروا الخروج بعد تفجير دبابة إسرائيلية، بعد مجزرة صابت في بشيت». ولا تزال تلك السيدة تستذكر النزوح من بلدتها عصرا، حين أجمع مخاتير البلدة على الخروج منها، بعد المجازر المجاورة، وسقوط عدد من سكان البلدة، وقد تحدثت عما أصاب أقارب لها من تلك الهجمات، كما لا تزال تتذكر كيف قام والدها بأخذ شوالي قمح من المنزل، وكيف حملها وفراش المنزل على ظهر الجمل.

قصف ما شفت زيه

وأضافت «قطنا الواد، وبعدين مشينا بين موارس القطن (مزارع القطن)، ومنها مشينا حتى آذان العشاء»، وتابعت حديثها عن ذلك اليوم، وكيف وصلوا قرية «جليا»، وهناك كان عدد كبير من النازحين من بلدات أخرى، وفي صباح اليوم الثاني جهز الناس الطعام، واستمر الحال لأسبوع، حتى تنقلوا إلى بلدة أخرى، ومنها تنقلوا أيضا بين بلدات أخرى حتى وصلوا إلى غزة.
ولا تزال الحاجة عطر تستذكر كيف كانت تجري لتلحق بركب العائلة في رحلة النزوح.
هذه العجوز قالت إنه جربت النزوح مرة ثانية في الحرب الحالية، حين أجبر سكان مخيم النصيرات وسط القطاع بأوامر من جيش الاحتلال على النزوح، وقد اضطرت مع عائلتها للذهاب إلى مدينة دير البلح.
وقالت «القصف الحالي ما شفت زيه، بيقصفوا الدار على إلي فيها، وبقتلوا كل إلي فيها»، وقد أشارت إلى أن الحرب الحالية أشد قسوة من «النكبة».
ولا تزال هذه السيدة كزوجها تحلم بالعودة إلى بلدتها «المغار»، إحدى القرى المدمرة وتقع في قضاء مدينة الرملة، وتقول «بحلم فيها ليل ونهار، وبذكر مارس الزرع (حقول) للعائلة»، وتشير إلى أن مشهد الأرض وعملها وهي صغيرة وعائلتها فيها لم يغادر تفكيرها رغم مرور كل هذه السنين.
وخلال «النكبة» التي وقعت في العام 48، استمرت عمليات النزوح من القرى والمدن الفلسطينية التي احتلتها تباعا العصابات الصهيونية عدة أشهر، كانت خلالها الطائرات الإسرائيلية تلاحق الفلسطينيين بالحمم النارية خلال تنقلهم من بلدة إلى بلدة، حتى وصلوا مناطق اللجوء الخمس. أما في هذا الوقت فلم يحتج أمر ترحيل السكان قسرا سوى ساعات، بفعل كثافة النيران الإسرائيلية، التي دمرت منازل كثيرة فوق رؤوس ساكنيها، وبثت حالة من الرعب والخوف في صفوف المواطنين، بعد أن وصلت إليهم صور للمجازر التي ارتكبت بحق من رفض النزوح، كما أن عمليات القصف لاحقت النازحين في مناطق سكنهم الجديد، فاستهدفتهم الطائرات الحربية في الخيام وفي مراكز الإيواء، التي طلب منهم جيش الاحتلال الذهاب إليها.

في‭ ‬النكبة‭ ‬الأولى‭ ‬لاحقت‭ ‬الطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بالحمم‭ ‬النارية‭ ‬خلال‭ ‬تنقلهم‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ ‬إلى‭ ‬بلدة

وتقول الحاجة فاطمة الرزاينة (86 عاما)، من قرية برير، وهي نازحة من مخيم جباليا، وتقيم حاليا عند أحد الأقارب في مدينة رفح، وهي تروي مآسي الهجرة والنزوح «زمان هاجرت على رجلي (أرجلي)، وهذه المرة شردت على كرسي متحرك».
وتقول هذه السيدة إن أسرتها في العام 1948 اضطرت لترك قريتها المدمرة «برير» تحت القصف. لكنها تؤكد أن القصف هذه الأيام أقوى، وقد أشارت أيضا إلى وجود تشابه كثير في الأحداث بين ما حدث في النكبة الأولى والثانية، وقالت «هربنا للمجدل، وهناك قصفوا السوق وهذه الأيام عملوا نفس الشي (ذات الأمر) وقصفوا الأسواق»، وتابعت «قتلوا عائلات في برير واليوم بيقتلوا عائلات بس عدد العائلات أكبر».

الأوضاع الحالية أصعب

هذه السيدة التي استذكرت أيضا سنوات الهجرة الأولى وما يعيشه الفلسطينيون حاليا، قالت إنه في عام 48 كان الفلسطينيون خلال رحلة الهجرة يقطعون أرضا مزروعة، ويأكلون منها، وتضيف «اليوم فش أكل إلا شوية معلبات»، وقالت في مقارنتها للأحداث بين عامي 1984 و2024 «في المرتين تركت المنزل وما أخدت اشي معي».
وقد أكدت أيضا المسنة فاطمة الرزاينة، أن عدد المهاجرين والخيام التي كانت منصوبة عام 84، أقل بكثير من خيام النازحين في هذا الوقت.
وهذه المسنة اكتوت بنيران الفراق للأقارب، حيث قضى تسعة شهداء (أم وأطفالها الثمانية) من ذرية شقيقها، وكانوا جميعهم نازحين في مدينة دير البلح.
لكن رغم مرارة الحياة والخوف والموت الذي ينتشر في كل مكان إلا أن هذه السيدة تأمل في العودة إلى مخيم جباليا وكذلك إلى بلدتها الأصلية برير.
كانت فترة إجبار جيش الاحتلال سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، على النزوح القسري في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، إلى مناطق جنوب القطاع، بعد أن بدأ هناك عملية عسكرية، وتحدثت «القدس العربي» مع المسن أبو محمود صلاح (محمد الهور)، وهو عم كاتب التقرير، ومن الرجال القلائل الذين عايشوا «النكبتين»، عن هذه المأساة الجديدة، ووقتها تحدث بكل حسرة عن الواقع القديم المرير، والجديد الأشد مرارة.
كان هذا الكهل الذي أجبرته عوامل الزمن على الاتكاء على عكازه، يجلس أمام خيمة نصبها أبناؤه وأحفاده في اليوم الأول لوصوله إلى منطقة كثبان رملية تقع غرب مدينة رفح جنوب القطاع، وكان في ذلك الوقت حاضر الذهن، ينظر عما حوله كثيرا، وينظر للنازحين الجدد الذين كانوا يتوافدون إلى منطقة سكنه، وقتها قال بحسرة إنه لا يزال يذكر مشاهد النزوح الأولى، التي صاحبها خوف شديد من المجازر التي نفذتها إسرائيل، لكنه قال إن هذه المرة «كان الخوف أكثر»، وتابع «زمان (فترة النكبة)، لما وصلنا غزة ما شعرنا بالخوف»، وأضاف هذا المسن الذي هاجرت أسرته من إحدى البلدات التابعة لمدينة الرملة «اليوم غير، نشرد من القصف بنلاقي قصف، والتدمير في كل مكان، إحنا انكتب علينا الشقا».
واستذكر في حديثه تلك الفترة التي عاشها طفلا فترة الرحيل الأول في العام 1948، والتي تشابه هذه الفترة التي يعيشها كهلا، وقال إن الظروف الحالية أشد صعوبة، وإن المنظر العام لم يتغير كثيرا، وقال «وقتها (النكبة) كان والدي وأعمامي ينصبون الخيام، واليوم ولادي وأبناؤهم بعملوا نفس الشيء»، لكن عندما قارن بين النكبتين قال إن ما شاهده من خيام للنازحين في طريق وصوله إلى رفح، كانت أكثر من تلك التي نصبت في العام 48. وأضاف في ذلك الوقت «المنظر إلي عشته زمان كله أمام عيني الآن»، وقد تحدث عن عودة النساء لتجهيز الطعام على مواقد النار والسكن بالخيمة والجوع والفقر، كما تحدث عن ظروف النزوح المتشابهة بعد مرور كل هذه السنوات، والتي لجأت فيها إسرائيل إلى استخدام «المجازر» لإجبار الفلسطينيين على الرحيل.
ولم تمهل الأحداث الصعبة هذا الكهل كثيرا، فسابقا تحمّل وزرها عندما كان طفلا في العاشرة من عمره، لكنه بعد أن تجاوز الـ 85، أصيب بعد أقل من أسبوع بجلطة دماغية، لم تمهله كثيرا حتى فارق الحياة، وهو يحمل هم النكبتين، ويرث أبناؤه وأحفاده من بعده الهموم والآلام ذاتها.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




الغارديان: نظراً لحاجة أمريكا للسعودية في غزة فقد منحتها ضوءاً أخضر غير رسمي للتفاوض مع الحوثيين

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريراً أعدّه المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور قال فيه إن الولايات المتحدة أعطت السعودية الضوء الأخضر لإحياء صفقة السلام مع الحوثيين. ذلك أن واشنطن بحاجة لمساعدة السعوديين في وقف النزاع في غزة، فيما ترغب الرياض بفكّ ارتباطها في الحرب اليمنية.

وقال وينتور إن “تصميم الولايات المتحدة على إبقاء السعودية مرتبطة بالعملية السلمية مع إسرائيل، دفع واشنطن لمنح الرياض ضوءاً أحضر غير رسمي، ومحاولة إحياء صفقة سلام مع الحوثيين، الجماعة المتمردة في اليمن، والتي تقوم، منذ تشرين الثاني/نوفمبر، بمهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر”.

وتم التوافق على ملامح خطة طريق للسلام في اليمن، أعدتها الأمم المتحدة في بداية كانون الأول/ديسمبر، لكنها جمدت بسبب تصعيد الحوثيين حملة الهجمات في البحر الأحمر، في عملية قالوا إنها تضامناً مع فلسطين. وقدّرت قيادة الحوثيين، قبل أسبوع، أن الحملة أدت إلى 112 هجوماً على سفن، وأدت إلى تراجع الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وزيادة في كلفة التأمين.

الصحيفة: المملكة تريد التقدم أماماً بخطة طريق، حتى لو أدت إلى تقديم أموال كبيرة للحوثيين الذين سيحصلون على مقعد دائم في حكومة الوحدة الوطنية المقترحة

وتحاول الولايات المتحدة وبريطانيا إضعاف مواقع الصواريخ المتحركة لدى الحوثيين، إلا أنهم قالوا، في الأسبوع الماضي، إنهم يخططون لتوسيع مدى الهجمات، في  وقت لا تزال فيه حركة الملاحة منخفضة بنسبة 40-50% مثل نسب الفترة نفسها في العام الماضي.

 ويبدو أن السعودية، وبدعم من المبعوث الأممي لليمن هانز غرندبيرغ، تريد التقدم أماماً بخطة طريق، حتى لو أدت إلى تقديم أموال كبيرة للحوثيين الذين سيحصلون على مقعد دائم في حكومة الوحدة الوطنية المقترحة.

 وأخبر غرندبيرغ الحكومة اليمنية، التي تعترف بها الأمم المتحدة في عدن والمعارضة للحوثيين، إن محادثات السلام يجب أن تمضي قدماً. وقال إنه أخبر الحوثيين بأنه لا يتوقع توقيع خطة الطريق في وقت استمرت فيه الهجمات بالبحر الأحمر. وأخبر غرندبيرغ لاحقاً جلسة لمجلس الأمن: “رغم النزاع فيظل الحل السلمي والعادل ممكناً”.

وعبّر قادة الحكومة اليمنية في عدن عن قلقهم، وطالبوا بإعادة موازنة خطة الطريق لكي تكون مقبولة لهم. وفي إحاطة، وضع عمرو البيض، عضو المجلس الانتقالي الجنوبي، شرطين للبدء في خطة الطريق. وطالب بشفافية كبيرة بشأن خطة الطريق نفسها، ووقف إطلاق للنار في اليمن تشرف عليه الأمم المتحدة، وإنهاء الحوثيين هجماتهم على الملاحة الدولية.

وقال: “لن تكون هناك مكافأة للإرهاب، ولن نتقدم للأمام بخطة طريق صممت قبل ستة أشهر. فقد تغيرت الأمور، ونحن بحاجة لضمانات خارجية بشأن وقف إطلاق النار، عبر بعثة الأمم المتحدة، ويجب أن تكون هناك شفافية بشأن منح الحوثيين المال. وعلينا ألا نعزز قوة الحوثيين من خلال منحهم مقدماً دفعات  كبيرة من المال”.

وتعكس خطة الطريق التي أعدتها الأمم المتحدة المحادثات الثنائية السابقة بين السعوديين والحوثيين، وتشمل على كميات كبيرة من الأموال للحوثيين، كتعويض عن الرواتب العامة، وزيادة المصادر المخصصة لشمال اليمن، مع أن الخطة لم تقدم أبداً لحكومة عدن التي تعترف بها الأمم المتحدة.

ويريد الحوثيون، على ما يبدو، اتفاقاً موقعاً مع الأمم المتحدة أو مع السعوديين. ويشعر السعوديون المتعجلون لوقف حملتهم العسكرية في اليمن، بانسداد أفق عسكري بين الولايات المتحدة والحوثيين، كما يظهر، حتى لو كان فك الارتباط مع اليمن يعني ترك الحكومة اليمنية في عدن كطرف خاسر.

 وتبدو الولايات المتحدة ميالة للموقف السعودي المتعجل للخروج من اليمن، فواشنطن تريد وقف الحرب في غزة، وفتح مساحة دبلوماسية، وإقناع السعوديين للموافقة على معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو تحرّك ترى الولايات المتحدة أنه سيضعف أثر إيران في المنطقة.

وقدمت  واشنطن مجموعة من المحفزات لإقناع الحوثيين بالتوقف عن الهجمات، بما فيها تسريع محادثات خطة الطريق ورفع القيود على تجارة الحوثيين.

البيض: علينا ألا نعزز قوة الحوثيين من خلال منحهم مقدماً دفعات  كبيرة من المال

ويدعم المسؤولون في بريطانيا نهجاً متشدداً مع الحوثيين، وذلك لعدم وجود مبررات لتوقيع اتفاقية سلام تنفع الحوثيين. وظلت السعودية، منذ عام 2016، في موقف دفاعي، وبعدما قام الحوثيون الذين تمركزوا في معاقلهم القبلية بالشمال بالزحف نحو العاصمة، ودفعوا بالحكومة التي تدعمها السعودية إلى الخروج وإعادة بناء قاعدتها في عدن.

ويعترف البيض أن الجماعة الحوثية، التي تدعمها إيران، حظيت بشعبية، وإن قصيرة الأمد، بسبب هجماتها على السفن في البحر الأحمر، إلا أن الفقاعة انفجرت، كما يقول، حيث شاهد المواطن العادي أثرها على اقتصاد اليمن. ولكنه اعترف: “نحن في وضع خطير نظراً لعدم تصدير النفط الذي يعتمد عليه اقتصاد الجنوب. ويقول الحوثيون إنهم مستعدون للمضي قدماً في خريطة الطريق، إلا أنهم يواصلون استهداف السفن في البحر الأحمر، فكيف نوقع اتفاقاً مع جماعة ملتزمة بمواصلة أعمال الإرهاب في البحر الأحمر، وتريد السيطرة على اليمن؟”.

ويحمّل البيض الغرب مسؤولية الفشل في تصميم إستراتيجية عسكرية واقتصادية لإضعاف التأثير الحوثي: “ببساطة، لم يكن تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية كافياً”.

وتركت الحرب أكثر من 17 مليون بحاجة للمساعدة الإنسانية، ولم تجمع الأمم المتحدة سوى 792 مليون دولار من 2.7 مليار دولار كحزمة مساعدات إنسانية لليمن طلبتها لعام 2024. ما دفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة مارتن غريفيثز للتحذير من انتشار الكوليرا مرة أخرى في اليمن.