1

هآرتس: هل ستكتب “ويكيبيديا” أن بايدن “شريك قادة إسرائيل في جرائمهم”؟

مساء أمس، بعد بضع ساعات على بيان المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية، كريم خان، الذي طلب إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير الدفاع للاشتباه بارتكابهما جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، عمدت لتصفح مادة نتنياهو في “ويكيبيديا”. وقد جذب انتباهي معرفة ما الذي سيعرفه سكان العالم الذين سيهتمون بزعيم إسرائيل من هذا الموقع الأهم. “تم اتهام حكومة نتنياهو بالإبادة الجماعية”، كتب هناك. وبعد ذلك، تم ذكر طلب إصدار مذكرة اعتقال ضده “كجزء من تحقيقات المحكمة حول فلسطين”.

لو أتيح لنتنياهو صياغة هذه المادة عن نفسه لصاغها بصورة مختلفة؛ ربما سيكتب “في أيار 2024 كان نتنياهو ضحية هجوم لاسامي للمدعي العام”، إضافة إلى هجومه على المحكمة التي تساعد إرهاب حماس. ولكنها رسائل تبث، وتجد صدى في إسرائيل فقط. أما خارج مطار بن غوريون، فالقصة مختلفة. ثمة عدد من مجرمي الحرب الذين يتجولون بحرية في العالم، مثل فلاديمير بوتين وعمر البشير ويحيى السنوار وبنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. ليست هذه هي القائمة التي أراد نتنياهو أن يضم إليها. ولن تساعده أي “دعاية” أو أي تهديد للمحكمة لشطبه منها. هكذا سيتم ذكره من الآن فصاعداً في العالم.

نتنياهو يحظى بدعم كبير من الـ 106 أعضاء، وحتى من خصمه الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي لا يريد الظهور كشريك في جرائم قادة إسرائيل. أُعدت “لاهاي” لمحاكمة المجرمين وليس محاكمة الدول. ونتنياهو يحاول الادعاء بأن دولة إسرائيل كلها تجلس على كرسي المتهمين.

في هذه الأثناء، لمح رجل القانون البيبي، البروفيسور يوفال البشان، إلى خط دفاع نتنياهو. إلقاء التهمة على الجيش، على شكل تهربه من المسؤولية عن هجوم حماس على إسرائيل ومذبحة 7 أكتوبر. في المقال الذي نشره في “يديعوت أحرونوت” تساءل البشان: “كيف يتم اتهام قادة الدولة بجرائم حرب في حين أن قادة الجيش الإسرائيلي، الذين ينفذون، غير متهمين، خلافاً لنظرائهم في حماس؟”. لالبشان إجابته، وهي أن الأمر لا يتعلق بالعدالة، بل بالنخبة الأمنية والسلاح في واشنطن، حسب قوله. بالنسبة للبيبيين، سيبقى نتنياهو دائماً ضحية النخبة، التي رتبت هذه المرة أمر اعتقال لمحمد ضيف وغضت النظر عن هرتسي هليفي.

من مواد لائحة الاتهام المفصلة في طلب إصدار مذكرات الاعتقال، يتبين أن إسرائيل فشلت بالكامل في الحرب في غزة. وإذا ارتكبت حقاً جرائم كما تولد الانطباع لدى المدعي العام، أي إذا تعمدت تجويع سكان غزة وقتل المدنيين حتى بطرق متطرفة تصل إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، فإنها لم تنجح في هزيمة حماس. وهنا شيء نتن. وكل تصريحات الحكومة والجيش حول أهداف الحرب وطريقة العمل، كانت مجموعة أكاذيب غطت على حملة انتقام وحشية وعديمة الجدوى.

ثمة طريقة ناجعة واحدة للاستجابة إلى طلب الاعتقال الذي سيقدمه كريم خان. فبدلاً من الصراخ بـ “لاسامية” و”نازيين”، يجب فحص ادعاءاته موضوعياً من خلال تشكيل لجنة تحقيق رسمية تفحص إذا حدث بالفعل تجويع متعمد لسكان قطاع غزة، وإذا كان الجيش الإسرائيلي قد هاجم المدنيين في غزة وقام بقتلهم بشكل متعمد. هكذا فقط ستنفذ إسرائيل مبدأ “المكملات”، وتجعل تحقيق المحكمة الدولية ومذكرات الاعتقال أمراً لا لزوم له، وتعطي الجمهور في إسرائيل الجواب على السؤال الأكثر إقلاقاً، وهو: هل يقود الدولة شخص مجرم ضد الإنسانية؟

ألوف بن

صجيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




الحكومات الغربية وأمريكا ترتكب خطأ جديدا بدعم نتنياهو ضد اتهامات مدعي عام الجنائية الدولية

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش (1993-2022)، والأستاذ الزائر في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، كينيث روث، قال فيه إن من المخيب للآمال، إن لم يكن من المستغرب، أن يكون رد الغرب على اتهامات المحكمة الجنائية الدولية هو الدفاع عن إسرائيل رغم جرائم الحرب التي ترتكبها.

وقد رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنقد لاذع متوقع على اتهامات المحكمة ضده وضد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت. ومع ذلك، فإن حججه كلها ملفقة، وتهدف إلى صرف الانتباه عن السلوك المدمر في غزة. ولم تكن الحكومات الأمريكية والبريطانية والألمانية أفضل بكثير.

وكان المدعي العام للمحكمة كريم خان قد أعلن يوم الإثنين أنه سيسعى للحصول على مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بالإضافة إلى ثلاثة مسؤولين في حماس. واقترح توجيه اتهامات إلى قيادة حماس بارتكاب فظائع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فضلا عن إساءة معاملة الرهائن منذ ذلك الحين. واقترح اتهامات ضد المسؤولين الإسرائيليين في المقام الأول بسبب جهودهم لتجويع السكان المدنيين الفلسطينيين في غزة.

وقال روث إن هذه الاتهامات الهامة المقترحة توفر إمكانية اختراق “جدار الإفلات من العقاب” الذي عانى منه ضحايا الانتهاكات الإسرائيلية والفلسطينية منذ فترة طويلة، مضيفا أن خان هو المدعي العام الأكثر خبرة في المحكمة الجنائية الدولية من بين الثلاثة حتى الآن. و”تشير محادثاتي معه منذ بداية ولايته إلى أن أسلوبه في عمله محافظ. ومن غير المرجح أن يلاحق اتهامات دون وجود أدلة دامغة تدعمها، كما وجدت لجنة من الخبراء المستقلين الذين جمعهم. ومن المرجح أن تؤكد الدائرة التمهيدية للمحكمة الاتهامات وتصدر أوامر الاعتقال المطلوبة، وهذا يعني أن المتهم لا يستطيع السفر إلى أي من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (124 دولة)، بما في ذلك أوروبا بالكامل، دون مواجهة احتمال الاعتقال”.

من المرجح أن تؤكد الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الاتهامات بحق المسؤولين الإسرائيليين وقادة حماس وتصدر أوامر الاعتقال المطلوبة

ويعلق الكاتب أن المطالبة بأدلة قوية كانت على ما يبدو هي السبب وراء بدء خان باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لأن الأدلة كانت متاحة بسهولة أكبر. وقد منعت إسرائيل محققيه من دخول غزة، حيث كان يرغب عادة في التحقيق في القصف الإسرائيلي العشوائي وغير المتناسب. وأوضح خان أن تحقيقه “مستمر”، ويمكن أن يأتي المزيد من التّهم.

وكان رد نتنياهو مليئا بالمراوغة، ووصف الاتهامات المقترحة بأنها “محاولة لحرمان إسرائيل من الحق الأساسي في الدفاع عن النفس”، وهو أمر غير معقول.

المطالبة بأدلة قوية كانت على ما يبدو هي السبب وراء بدء خان باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لأن الأدلة كانت متاحة بسهولة أكبر.

ولا تتعلق الاتهامات المقترحة بما إن كانت إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، بل بكيفية الدفاع عنها، أي ليس من خلال ارتكاب جرائم حرب.

وقال نتنياهو إن إسرائيل اتخذت “إجراءات غير مسبوقة… لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في غزة” – وهو ادعاء كذبته أدلة كثيرة على عرقلة إسرائيل التعسفية للأغذية والأدوية وغيرها من الضروريات للسكان المدنيين في غزة، إلى درجة أن غزة وصلت إلى حد “المجاعة” في أجزاء من القطاع. والواقع أن الحكومة الأمريكية كانت صريحة في انتقاد حكومة نتنياهو بسبب عرقلتها المتعسفة لدخول المساعدات الإنسانية.

وفي التهمة العامة والمشتركة للمدافعين عن إسرائيل، اتهم نتنياهو خان بـ”سكب البنزين بشدة على نيران معاداة السامية التي تستعر في جميع أنحاء العالم”، مدعيا أن “خان يأخذ مكانه بين كبار معادي السامية في العصر الحديث”.

وهذا أمر غريب من زعيم إسرائيلي لم يجد صعوبة في احتضان معاد للسامية ــ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ــ عندما يخدمه ذلك. كما أن ذلك يعرض اليهود في مختلف أنحاء العالم للخطر، لأنه إذا نظر الناس إلى تهمة معاداة السامية باعتبارها غطاء رقيقا لجرائم الحرب الإسرائيلية، فإن هذا من شأنه أن يقلل من قيمة هذا المفهوم في وقت حيث يحتاج الأمر إلى دفاع قوي.

واعترافا باستقلال وأهمية المحكمة الجنائية الدولية، أصدرت بعض الحكومات ــ وأبرزها فرنسا وبلجيكا ــ بيانات تؤيدها. لكن آخرين ساروا على خطى نتنياهو.

وفي بيان مقتضب، وصف جو بايدن الاتهامات بأنها “مشينة”، مشيرا إلى أنه “ليس هناك تكافؤ – لا شيء – بين إسرائيل وحماس”. ورغم أن الحكومة الألمانية قالت إنها “تحترم استقلال” المحكمة، إلا أنها رددت تهمة “التكافؤ الزائف”.

لكن خان لم يدّع التكافؤ. لقد اتهم بكل بساطة المسؤولين الإسرائيليين ومسؤولي حماس بارتكاب جرائم حرب منفصلة

تؤكد التهم المزدوجة مبدأ أساسيا في القانون الإنساني الدولي: جرائم الحرب التي يرتكبها أحد الأطراف لا تبرر أبدا جرائم الحرب التي يرتكبها الطرف الآخر

وفي الواقع، ونظرا لخطورة الجرائم، فقد كان من المشين لو تجاهل خان جرائم أحد الطرفين. وتؤكد التهم المزدوجة مبدأ أساسيا في القانون الإنساني الدولي: جرائم الحرب التي يرتكبها أحد الأطراف لا تبرر أبدا جرائم الحرب التي يرتكبها الطرف الآخر.

ومن المفارقات أن حماس ردت على الاتهامات المقترحة بصيغة مختلفة لهذا الموضوع، قائلة إن تصرف خان “يساوي بين الضحية والجلاد”. ولكن بغض النظر عن عدالة قضية المرء، فإنها لا تبرر جرائم الحرب على الإطلاق.

وزعم وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، دون الخوض في التفاصيل، أن المحكمة الجنائية الدولية “ليس لها اختصاص”. ولطالما عارضت الحكومة الأمريكية السلطة الممنوحة للمحكمة بموجب المعاهدة التأسيسية لمحاكمة الجرائم المرتكبة في أراضي الدول الأعضاء من قبل مواطني الدول غير الأعضاء، لكن بايدن تخلى عن هذا الموقف عندما وصف اتهامات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لارتكابه جرائم حرب في أوكرانيا، باستخدام نفس الولاية القضائية الإقليمية، بأنه “مبرر”.

والأرجح أن بلينكن كان يشير إلى الحجة التي كررتها الحكومة البريطانية بأن فلسطين لا يمكنها الانضمام إلى المحكمة لأنها ليست دولة. لكن الغرفة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية رفضت بالفعل هذه الحجة، مستشهدة باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين باعتبارها “دولة مراقبة غير عضو”. وقد استخدمت فلسطين هذا الوضع للتصديق على مجموعة من معاهدات حقوق الإنسان، والتي ينبغي الترحيب بها باعتبارها بيان التزام، حتى لو كانت الممارسة الفعلية في كثير من الأحيان قاصرة.

وأشار بلينكن إلى أن المحكمة الجنائية الدولية، بموجب مبدأ التكامل، من المفترض أن تذعن لجهود الادعاء الوطنية بحسن نية. لكن الحكومة الإسرائيلية لم توجه قط اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد كبار المسؤولين [الإسرائيليين]. وعلى الرغم من تحذيرات خان المتكررة من أنه يدرس اتهامات تتعلق باستراتيجية التجويع التي تنتهجها إسرائيل، لم تعلن السلطات الإسرائيلية عن إجراء تحقيق. وقال خان إنه سيعيد النظر في اتهاماته المقترحة إذا تغير ذلك.

وأخيرا، قال بلينكن إن طلب المحكمة الجنائية الدولية “يمكن أن يعرض للخطر” الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وبالمثل، قال متحدث باسم ريشي سوناك إن الاتهامات “غير مفيدة”. ولكن هناك تاريخ طويل من اتهامات جرائم الحرب التي تعمل على تسهيل السلام من خلال تهميش المتشددين. هذه، على سبيل المثال، كانت الكيفية التي تم بها إبرام اتفاق دايتون للسلام في صراع البوسنة. وساهمت اتهامات مماثلة في ظهور الديمقراطية في ليبيريا والزوال الفعلي لجيش الرب للمقاومة المتمرد في أوغندا.

هناك تاريخ طويل من اتهامات جرائم الحرب التي تعمل على تسهيل السلام من خلال تهميش المتشددين

إن أي تهميش للمسؤولين الإسرائيليين أو مسؤولي حماس المتطرفين قد يؤدي إلى دفع مفاوضات وقف إطلاق النار المتوقفة بشكل محبط. وفي داخل إسرائيل، التي تسببت سلوكيات مسؤوليها في غزة في جعلها دولة منبوذة على نحو متزايد في أذهان العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم، فإن الاتهامات المقترحة من شأنها أن تعمل على تعزيز حركة تغيير الزعامة. وبعيدا عن كونها عائقا أمام وقف إطلاق النار، فإن تصرفات خان يمكن أن تكون حافزا.

ويعلق روث أنه من المخيب للآمال، إن لم يكن من المستغرب، أن يكون الرد الانعكاسي على الاتهامات التي اقترحتها المحكمة في واشنطن ولندن وبرلين هو الدفاع عن إسرائيل على الرغم من جرائم الحرب التي ارتكبتها. لكن سيادة القانون لا تنطبق على الخصوم فقط.

وكما يبدو أن الحكومة الألمانية قد نسيت، فإن الدفاع عن الحكومة الإسرائيلية بغض النظر عما تفعله ليس ردا مناسبا على الهولوكوست، بدلا من التأكيد على معايير حقوق الإنسان بغض النظر عمن ينتهكها. لقد حان الوقت لكي تعيد هذه الحكومات الغربية الرئيسية النظر في مواقفها.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




غزة «لاعب حيوي» في أي انتخابات أردنية و«شيطنة الإخوان» حققت نتائج عكسية

ما يمكن قراءته بين أسطر نتائج الانتخابات الطلابية الأهم التي جرت طوال نهار الثلاثاء وأعلنت نتائجها فجر أمس الأربعاء في أم الجامعات الأردنية، كثير ومتعدد وبدلالات عميقة من الصنف الذي يصعب إسقاطه أولاً من حسابات مزاج المجتمع الأردني العام، وثانياً -وهو الأهم- من حسابات الانتخابات الوشيكة يوم 10 أيلول/سبتمبر المقبل.
لا يتعلق الأمر فقط بما تمكنت من إنجازه قائمة أهل الهمة الطلابية في أضخم جامعة في البلاد فيها نحو 50 ألف طالب، بقدر ما يتعلق بكيفية وآلية وخلفية ما أنجزته هذه الكتلة الطلابية وسط أجواء مشحونة ومعقدة في الشارع الطلابي ضدها.
قالت أرقام نتائج تلك الانتخابات الجامعية الكثير سياسياً، لكن الأهم ما لا تقوله مباشرة تلك النتائج التي أقرت بأن الاتجاه الطلابي الإسلامي الذي يتبع «الإخوان المسلمين» طبعاً، حصل على انتصارين ضخمين لا يستهان بهما، وهما الفوز بـ 9 مقاعد من أصل 18 مقعداً تمثل الاتحاد المركزي للطلاب، وثانياً، توفير دليل مباشر على قدرات الاستقطاب عند التيار الشاب في الحركة الإسلامية وحزبها؛ لأن عدد طلاب «الإخوان المسلمين» لا يمكنه أن يصل في أضخم جامعات البلاد إلى 50 ٪ من 22 ألف طالب شاركوا في الاقتراع. نسبة الاقتراع زادت قليلاً عن 52 ٪ من مجموع طلاب الجامعة، والقائمة الإسلامية حصلت على 50 ٪ من المقاعد والقوة التصويتية.

التصويت لفكرة

يعني ذلك سياسياً، أن رابطاً ما تشكل بين ممثلي التيار في الشارع الطلابي وبين أكثر من عشرة آلاف طالب صوتوا في الصناديق للفكرة وليس للاتجاه الإسلامي؛ لأن أغلبهم ليسوا مسجلين في الحركة الإسلامية وحزبها.
يظهر ذلك قدرات استقطاب كبيرة لدى التيار الإسلامي وسط الجمهور حتى عندما يتعلق الأمر بالتيارات الشابة والحراكات الطلابية التي تهتم بها أعلى مستويات القرار في الدولة بهدف ضمان مستقبل مسار التحديث السياسي الذي حظي بغطاء ملكي ومرجعي.
يحتاج خصوم التيار الإخواني في الأردن بعد هذه النتائج، إلى وقفة عميقة وطويلة للإجابة عن السؤال التالي: كيف ينجح الاتجاه باستقطاب تصويت أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة في معقل أقدم وأهم الجامعات الحكومية، وعلى أي أساس؟
سؤال حرج ومهم، ولا يبدد ضجر انتظار الإجابة الشفافة عليه إلا سؤال أصغر ومختصر: لماذا يحصل ذلك بصورة محددة؟
الثابت المفهوم أن مجلس طلبة الجامعة الأردنية غاب خمس سنوات، فالانتخابات لم تجر منذ خمس سنوات.
وكتلة «قائمة النشامي» المنافس التقليدي للاتجاه الإسلامي، كانت هي المسيطرة في آخر نسخة انتخابية قبل النسخة الأخيرة، ما يعني أن قوة ما على الصعيد التنظيمي وعلى صعيد الخطاب الوطني السياسي هي التي دفعت نصف الناخبين الطلاب من الجنسين لمناكفة الاتجاهات الرسمية عبر التصويت لممثلي الاتجاه الإسلامي الذين كانوا أصلاً على مقاعد الدراسة الثانوية قبل 5 سنوات.
مجدداً، قراءة ما بين الأسطر تؤدي إلى طرح أسئلة صعبة.

ما خفي من أسطر «أهل الهمة»… «انتصاران مهمان» للجماعة

والرابط الوحيد المنطقي هو أن حملة شيطنة «الإخوان المسلمين» في الحالة العامة التي تقررت وأحياناً وجهت مؤخراً من جهات غامضة لأسباب علنية تتعلق بدعمهم للمقاومة في غزة، قد انتهت (نقصد تلك الحملة) بوضع نصف عدد مقاعد اتحاد الطلاب في أهم الجامعات الحكومية بين أحضان «الإخوان المسلمين».
عاقب الناخبون الشباب الفتية هنا بين الجنسين، الاتجاهات الرسمية والحزبية الوسطية التي حاولت صناعة فتنة اسمها «الإخوان المسلمون» وبالتأكيد لدى التيار الإسلامي ميكانيزمات ووسائل وتقنيات تظهر أنه الأكثر خبرة ميدانياً في استغلال واستثمار حملات الشيطنة ضده.
ثمة رابط آخر لم يعد خفياً؛ فبعض الذين نجحوا باسم التيار الإسلامي من الطلاب كان قد خرج للتو من السجون ضمن ما عرف في عمان بسلسلة التوقيفات الإدارية لنشطاء الحراك الشعبي المناصر لغزة والمقاومة. لا بل الناجح الأبرز من قائمة «أهل الهمة» الإسلامية، محمد الخطيب، حصد أصواتاً مرتفعة، فيما كان يوم الاقتراع لا يزال في السجن والتوقيف، حسب منشورات إلكترونية، باعتباره من قادة الحراكات الشعبية المناصرة لغزة في مسألة ينبغي التوقف عندها.
صوت طلاب الجامعة الأردنية لزميل في السجن تمكن من تقديم طلب الترشيح قانونياً وهو خلف القضبان باعتباره بين المعتقلين السياسيين. ذلك قد يضمن، ضمناً، للطالب المشار إليه موقعاً متقدماً في رئاسة اتحاد الطلاب. لكن الأهم هو القناعة السياسية العامة التي اختصرها السياسي مروان الفاعوري وهو يناقش مع «القدس العربي» مؤشرات انتخابات الجامعة الأردنية، عندما لفت النظر إلى أن الشارع الطلابي في بعض المفاصل يصوت أيضاً للاتجاه الذي يدعم غزة والمقاومة، في إشارة جديدة أعقبت نتائج انتخابات رابطة الكتاب التي تقول إن غزة وما يحصل فيها لاعب أساسي ليس في المشهد الوطني الشعبي الطلابي الأردني، لكن في اللعبة الانتخابية أيضاً.

التصويت لغزة والمقاومة

لم يقف الأمر طبعاً عند هذا الحد، فقد أرسل المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين» الشيخ مراد العضايلة لـ«القدس العربي» نتائج التصويت قبل اعتمادها وإعلانها رسمياً وبدون أي خلل رقمي، ما يعني تلقائياً ليس فقط أن الجماعة وفرت المظلة لذلك الحضور القوي لممثلي طلابها، بل إن لدى الجماعة قدراً ليس فقط على استقطاب الأصوات ولا الفوز بنصف المقاعد، بل أيضاً على متابعة التفاصيل إجرائياً وفي الميدان وعند صناديق الاقتراع، وأحياناً بصورة أسرع حتى من اللجنة التي أشرفت على الانتخابات.
الأكثر حساسية قد يكون الانطباع العام بأن تمكن الاتجاه الإسلامي الطلابي من السيطرة وليس الاكتساح، ومن نسخ مفهوم معادلة النصف المعطل وشبه المسيطر في أعرق وأقدم جامعة حكومية في البلاد، هو بمثابة البروفة السياسية المسبقة لجاهزية الإسلاميين في التعاطي مع تفاعلات انتخابات نيابية في 10 أيلول المقبل.
التيار الإسلامي جاهز تماماً وبوضوح، والطاقم الذي يقوده الشيخ العضايلة طوال الأشهر التي أعقبت 7 أكتوبر، بقي في الميدان ومع الشباب والموقوفين. وغزة حاضرة بكل حال. وللتذكير، ما دام مفهوم النصف المعطل قد برز، فثمة ورقة في درج العضايلة ورفاقه أعدت مسبقاً، اسمها ليس المغالبة والأغلبية في البرلمان، بل «حكومة ظل» تدفع مسار التحديث السياسي إلى معايير أرقى.

بسام البدارين

القدس العربي




بريطانيا.. شكوى ضد 5 وزراء لتورطهم في “جرائم تجويع متعمد” بغزة

تقدم مركز حقوقي بريطاني، الأربعاء، بشكوى موسّعة في مقر شرطة “سكوتلاند يارد” بالعاصمة لندن، ضد 5 وزراء بحكومة ريشي سوناك بتهمة “التورط في جرائم استخدام التجويع سلاح حرب والتسبب عمدا بمعاناة كبيرة للمدنيين في غزة” منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

الشكوى قدمها المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين “ICJP” ومقرّه لندن، الأربعاء، إلى “سكوتلاند يارد” وهو مقر القوة الإقليمية المسؤولة عن الشرطة في معظم العاصمة البريطانية باستثناء الجزء الداخلي منها.
وقال المركز الحقوقي في بيان عبر موقعه الإلكتروني، إنه “قدم شكوى إلى فريق جرائم الحرب في سكوتلاند يارد، تتناول جرائم التجويع سلاح حرب والتسبب عمدا في معاناة كبيرة للسكان المدنيين (بغزة)، وكلاهما غير قانوني بموجب القانون البريطاني والدولي”.
ولفت إلى أنه بذلك “يوسّع الشكوى الحالية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في يناير/ كانون الثاني 2024، التي لا تزال قيد النظر بشكل نشط من قبل فريق سكوتلاند يارد”.
وأضاف المركز أنه أعدّ الشكوى التفصيلية “نيابة عن الضحايا الفلسطينيين في غزة، وهو يتناول الاشتباه باستخدام إسرائيل التجويع وسيلةً من وسائل الحرب والتسبب عمدًا في معاناة كبيرة للفلسطينيين خلال حربها على غزة.
وبيّن أن “الشكوى الجديدة تعتمد على شكوى أولية قدّمت إلى سكوتلاند يارد في 12 يناير 2024، بحق 4 وزراء في الحكومة البريطانية بتهمة الاشتباه بتواطؤهم في جرائم الحرب الإسرائيلية”.
وأوضح المركز أنه “بموجب قانون المملكة المتحدة والقانون الدولي ونظام روما الأساسي وقانون المحكمة الجنائية الدولية لعام 2001، يُعدّ التسبب عمدًا في المعاناة والتجويع سلاحا من أسلحة الحرب، جرائم حرب، كما أن استخدام التجويع سلاح حرب ينتهك اتفاقية جنيف”.
وأشار إلى أنه “تخضع الأعمال الإجرامية المشتبه بالتورط فيها للمحاكمة في المملكة المتحدة، وسينظر فيها فريق التحقيق في جرائم الحرب التابع لسكوتلاند يارد قبل أن يتخذوا قرارًا بشأن فتح تحقيق جنائي رسمي قد يؤدي إلى استجواب الجناة المحتملين واعتقالهم ومحاكمتهم”.
وذكر المركز أن “الشكوى تعدّ واحدة من أكثر الشكاوى شمولاً المقدمة حتى الآن إلى سكوتلاند يارد فيما يتعلق باحتمال ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة”.
وقال إنه أرفق الشكوى المؤلفة من 60 صفحة، مع 800 صفحة من الأدلة التي تم جمعها مباشرةً من شهود عيان وتقارير وأدلة الخبراء من 19 متخصصًا طبيًا عملوا في غزة منذ أكتوبر الماضي”.
ونقل البيان عن مدير المركز طيب علي، قوله إن “التواطؤ (المقصود في الشكوى) يمكن أن يأتي من خلال توفير غطاء سياسي، أو تشجيع الأعمال الإجرامية، أو توفير الأسلحة، أو حجب الأموال عن الوكالات الإغاثية (مثل الأونروا) ما يتسبب بمجاعة”.
وأضاف علي: “نعتزم ضمان محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين المشتبه بهم ومن يساعدونهم، سواء في المحكمة الجنائية الدولية، أو في المملكة المتحدة، أو في جميع أنحاء العالم، سنضمن أنه لن يكون هناك مكان لمجرمي الحرب للاختباء، وخاصة المملكة المتحدة”.
وأفاد بأن المركز قام “بتجميع وتقديم أدلة شهود عيان وخبراء عالية الجودة، تمّت صياغتها وفقًا لأعلى المعايير القانونية الجنائية، والآن أصبح الأمر بأيدي من يستطيعون تحقيق المساءلة”.
ولم يحدد البيان أسماء الوزراء البريطانيين الذين قدّم شكوى ضدهم، كما لم يصدر تعليق فوري من جهات رسمية على البيان.

وخلفت الحرب الإسرائيلية على غزة أكثر من 115 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، ونحو 10 آلاف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
وتواصل إسرائيل الحرب رغم العدد الهائل من الضحايا المدنيين، ورغم اعتزام المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق رئيس وزرائها ووزير دفاعها؛ لمسؤوليتهما عن “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”.
كما تتجاهل إسرائيل قرارا من مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار فورا، وأوامر من محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير فورية لمنع وقوع أعمال “إبادة جماعية”، وتحسين الوضع الإنساني بغزة.

صحيفة القدس العربي




محطات فاصلة في حلم قيام «الدولة الفلسطينية»

عقود من النزال الدبلوماسي والسياسي

ينظر المجتمع الدولي إلى الاعتراف بدولة فلسطين على أنه خاتمة عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في رحلة دبلوماسية طويلة خاضتها السلطة الفلسطينية على مستوى المؤسسات الدولية منذ عقود. تعترف غالبية دول العالم بالدولة الفلسطينية، وحسب بيانات السلطة الفلسطينية، أعربت 137 من إجمالي 193 دولة في الأمم المتحدة عن اعترافها بالدولة الفلسطينية. لكنَّ ذلك لا يشمل معظم بلدان أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 مايو (أيار) الجاري، قرارها بشأن أحقية فلسطين في الحصول على العضوية الكاملة، وطالبت مجلس الأمن الدولي بضرورة إعادة النظر في هذه المسألة إيجابياً.

صوَّتت لصالح القرار 143 دولة، وامتنعت 25 عن التصويت، ورفضت القرار 9 دول.

ووفق مشروع القرار فإن دولة فلسطين مؤهلة لعضوية الأمم المتحدة وفقاً للمادة 4 من الميثاق، ومن ثم ينبغي قبولها في عضوية الأمم المتحدة، وبناءً على ذلك يوصي القرار مجلس الأمن بإعادة النظر في هذه المسألة بشكل إيجابي، في ضوء هذا القرار وفي ضوء فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 28 مايو 1948، وبما يتفق تماماً مع المادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة.

إعلان الاستقلال وقرارات الاعتراف الأولى

في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988، أي بعد نحو سنة من انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي، أعلن زعيم منظمة التحرير ياسر عرفات، في الجزائر العاصمة، «قيام دولة فلسطين» وعاصمتها القدس، من منبر المجلس الوطني الفلسطيني في المنفى. وبعد دقائق، اعترفت الجزائر رسمياً بـ«الدولة الفلسطينية المستقلة»، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

ياسر عرفات في الجزائر العاصمة عام 1988 (متداولة)

وبعد أسبوع، اتخذت 40 دولة، من بينها الصين والهند وتركيا ومعظم الدول العربية، الخطوة نفسها. وتبعتها جميع دول القارة الأفريقية والكتلة السوفياتية تقريباً.

في عامي 2010 و2011، اعترف معظم بلدان أميركا الوسطى واللاتينية بالدولة الفلسطينية.

«اتفاق أوسلو» ومحاولات التعايش وحلم الدولة

خاضت السلطة الفلسطينية سنوات طويلة من الاتفاقيات والاجتماعات لتسير عملية السلام مع إسرائيل وحل الدولتين، أشهرها اتفاق أوسلو، وهو «اتفاق إعلان المبادئ – حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 1993-9-13. ونصّ الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناءً على القرار رقم 242، والقرار رقم 338. كذلك تحدث الاتفاق عن وضع «حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب «بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.

وكذلك اتفاق «غزة – أريحا» 1994، واتفاق «باريس الاقتصادي»، يوليو (تموز) 1994، واتفاقية «طابا أو أوسلو الثانية» 1995، واتفاق «واي ريفر الأول» 1998، و«واي ريفر الثاني» 1999، ثم «خريطة الطريق» ثم اتفاق «أنابوليس» 2007، إلا أنها جميعاً باءت بالفشل أمام الاحتلال الإسرائيلي وسياسته المتبعة.

تصويت تاريخي لـ«دولة مراقب»

أطلق الفلسطينيون حملة دبلوماسية على مستوى المؤسسات الدولية. ومن خلال تصويت تاريخي في نوفمبر 2012، حصلوا على صفة «دولة مراقب» في الأمم المتحدة يحق لها في غياب العضوية الكاملة مع حقوق التصويت، الانضمام إلى وكالات الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية.

وبهذا الوضع الجديد، انضم الفلسطينيون إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2015، الأمر الذي سمح بفتح تحقيقات في العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية. وأدانت الولايات المتحدة وإسرائيل هذا القرار.

فتحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) الطريق بمنح الفلسطينيين عضوية كاملة في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وانسحبت إسرائيل والولايات المتحدة من المنظمة عام 2018، قبل أن تعود الأخيرة عام 2023.

السويد… أول الطريق إلى «الاتحاد الأوروبي»

أصبحت السويد التي تقيم فيها جالية فلسطينية كبيرة، أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعترف بـ«دولة فلسطين» في عام 2014، بعد أن فعلت ذلك جمهورية التشيك والمجر وبولندا وبلغاريا ورومانيا وقبرص قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وأدى قرار استوكهولم الذي اتُّخذ في وقت بدت فيه الجهود المبذولة لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في طريق مسدودة تماماً، إلى سنوات من العلاقات العاصفة مع إسرائيل.

دول أوروبية جديدة تنضم إلى الاعتراف

أعلنت إسبانيا وآيرلندا والنرويج، الاعتراف بدولة فلسطينية وذلك في بيانات صحافية متزامنة اليوم (الأربعاء)، لقادة تلك الدول.

أعلنت الدول الثلاث أن اعترافها بالدولة الفلسطينية سيصبح رسمياً وسارياً 28 مايو المقبل.

رئيس الوزراء الآيرلندي ووزيرا الخارجية والبيئة خلال مؤتمر صحافي في دبلن اليوم (إ.ب.أ)

كانت دبلن قد أشارت الأسبوع الماضي إلى أنها ستعترف «بالتأكيد» بدولة فلسطين قبل نهاية مايو، بينما لمحت أوسلو إلى مبادرة مماثلة خلال الربيع.

وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قد أعلن الأسبوع الماضي، أنه سيكشف، الأربعاء، عن موعد اعتراف مدريد بدولة فلسطينية.

وأعلن سانشيز في مارس (آذار) أن إسبانيا وآيرلندا إلى جانب سلوفينيا ومالطا، اتفقت على اتخاذ خطواتها الأولى نحو الاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب إسرائيل، معتبرة أن حل الدولتين ضروري للسلام الدائم.

توعُّد إسرائيلي

مع إعلان بعض الدول الأوروبية، اليوم، الاعتراف بدولة فلسطين، استدعت سفيرَيها في آيرلندا والنرويج لـ«إجراء مشاورات طارئة» بعد تحرك هذين البلدين نحو الاعتراف بدولة فلسطين. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان: «أوجِّه اليوم رسالة شديدة اللهجة إلى آيرلندا والنرويج: لن تَلزم إسرائيل الصمت على ذلك. أصدرت التعليمات لعودة السفيرين الإسرائيليين في دبلن وأوسلو إلى إسرائيل لإجراء مزيد من المشاورات». وحسب كاتس فإن «الخطوات المتسرعة للبلدين ستكون لها عواقب وخيمة، وإذا نفَّذت إسبانيا وعودها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية فستتّخذ خطوات ضدها».

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد صرح مطلع العام الجاري، بأنه لا يمكن أن يسمح بقيام دولة فلسطينية ما دام في منصبه، مضيفاً أن «الصراع ليس على قيام دولة فلسطينية، بل القضاء على الدولة اليهودية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

ولطالما كان نتنياهو متباهياً بعقود من إحباط أي خطوة بشأن إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي فبراير (شباط) الماضي وفي ذروة الحرب علي غزة، صرح بأنه يعتزم تقديم تشريع للكنيست يقضي برفض أي إملاءات دولية ترمي إلى إقامة دولة فلسطينية، وقال: «الجميع يعلم أنني أنا من أعاق على مدار عقود قيام دولة فلسطينية تُعرِّض وجودنا للخطر، ومذبحة السابع من أكتوبر تزيد إصراري على ذلك… ومهما كان الأمر، فإسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على كل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن بما في ذلك غزة والضفة الغربية».

سارة ربيع

صحيفة الشرق الأوسط




ماذا نعرف عن مدعي عام الجنائية الدولية الذي يسعى لاعتقال نتنياهو؟

تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، أمس (الاثنين)، بطلب لإصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويتعلق طلب إصدار مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في قطاع غزة ابتداء من 8 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد يوم من شن نشطاء «حماس» هجومهم على إسرائيل.

ومن بين هذه الجرائم «تجويع المدنيين كوسيلة من أساليب الحرب» و«تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين»، بحسب بيان صادر عن مكتب خان.

كما صدرت أوامر اعتقال بحق زعيم حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، وممثلين آخرين للحركة الفلسطينية.

فماذا نعرف عن كريم خان؟

سرعان ما اكتسب البريطاني كريم خان شهرة باعتباره مدعياً عاماً مميزاً، بحسب ما نقلته صحيفة «الغارديان» البريطانية.

ففي محكمة دولية اشتهرت بالبطء الشديد في إجراءاتها، تحرك خان بسرعة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، بشأن جرائم الحرب المزعومة في أوكرانيا، والآن ضد «حماس»، والمسؤولين الإسرائيليين بشأن الحرب في غزة.

ويبدو أن قرار خان بالحصول على أوامر الاعتقال، والتي قوبلت بمعارضة شديدة من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، يتماشى مع تصميمه على إقناع المجتمع العالمي بأن المحكمة الجنائية الدولية سوف تلاحق مجرمي الحرب المزعومين خارج أماكن مثل البلدان الأفريقية، حيث تركزت العديد من قضاياها.

وتم تعيين خان (54 عاماً) مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية في عام 2021. وفي عملية اقتراع سرية، تغلب البريطاني على مرشحين من أيرلندا وإسبانيا وإيطاليا ليفوز في الجولة الثانية من التصويت بدعم من 72 دولة – أي أكثر بعشر دول من العدد المطلوب البالغ 62 دولة.

وبعد أشهر فقط من تعيينه في المنصب لولاية مدتها تسع سنوات في لاهاي، حول خان تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في أفغانستان بعيداً عن القوات الأميركية، وصب التركيز على الجرائم المزعومة التي ترتكبها حركة طالبان، وأعضاء الفرع الأفغاني لتنظيم داعش المتشدد. وأثارت هذه الخطوة انتقادات من منظمات حقوق الإنسان، واعتبرها البعض محاولة لكسب تأييد واشنطن.

مواجهة تصادمية مع الولايات المتحدة

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد بلغت معارضة المحكمة الجنائية الدولية ذروتها خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أعضاء المحكمة، وحظرت الحسابات المصرفية للمدعية العامة السابقة.

وفي علامة على تحسن العلاقات، تم إلغاء العقوبات في عهد الرئيس جو بايدن.

وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي، قام وزير العدل الأميركي بأول زيارة على الإطلاق إلى المحكمة الجنائية الدولية في تاريخ المحكمة الممتد منذ 22 عاماً. والتقى ميريك غارلاند بخان، ودعم تحقيقه المتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، ومذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لكن تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة اتجه نحو منعطف خطير أمس (الاثنين) بعدما ظهر خان على شبكة «سي إن إن» ليعلن عن مساعيه القانونية التالية للصراع في الشرق الأوسط.

وسرعان ما انتقد الرئيس الأميركي جو بايدن مساعي خان لإصدار أوامر لإلقاء القبض على مسؤولين إسرائيليين كبار، ووصفها بأنها «مخزية».

وانتقد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن المدعي العام خان، وقال إنه كان من المقرر أن يزور خان إسرائيل الأسبوع المقبل لبحث التعاون مع المحكمة. وأضاف بلينكن أن خان قام بدلاً من ذلك بالظهور على شاشة التلفزيون ليعلن الاتهامات.

وقال بلينكن «هذه الظروف وغيرها تثير التساؤلات حول شرعية ومصداقية هذا التحقيق».

ووصف رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون المنتمي للحزب الجمهوري قرار خان بالسعي لإصدار مذكرات اعتقال بأنه «بلا أساس، وغير شرعي».

نصير النساء والأطفال

يخضع خان ومكتبه لتدقيق مكثف بسبب تحقيقه في الصراع بين إسرائيل و«حماس»، مع ضغوط سياسية تضمنت توجيه انتقادات علنية نادرة في وقت سابق من هذا الشهر.

وقال خان إن جميع المحاولات الرامية إلى تعطيل أو تخويف مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، أو التأثير بشكل غير لائق عليهم يجب أن تتوقف على الفور.

وسافر خان بشكل متكرر إلى البلدان التي تجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات بشأنها. وأصبح أول مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية يزور منطقة حرب عندما زار أوكرانيا في مارس (آذار) 2021.

وفي ديسمبر (كانون الأول)، أجرى خان زيارة مهمة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وكانت أيضاً أول زيارة من نوعها يجريها مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية.

وشدد خان، الذي تخرج في كلية كينغز في لندن، على تكريس جهده في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنسية، والدفاع عن حقوق الأطفال.

ويعرّف نفسه بأنه عضو في الطائفة الأحمدية في باكستان، واستشهد بآيات من القرآن في عدة بيانات صادرة عن المحكمة.

وخلال مسيرته القانونية التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، عمل خان في كل المحاكم الجنائية الدولية تقريباً، واضطلع بأدوار في الادعاء، والدفاع، فضلاً عن العمل كمستشار للضحايا.

بدأ خان مسيرته المهنية في مجال القانون الدولي مستشاراً قانونياً لمكتب المدعي العام لمحكمة جرائم الحرب الخاصة التابعة للأمم المتحدة لكل من يوغوسلافيا السابقة ورواندا بين عامي 1997 و2001.

وسطع نجمه عندما كان محامي الدفاع الرئيسي عن رئيس ليبيريا السابق تشارلز تيلور الذي كان يحاكَم بتهمة ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الخاصة بسيراليون التي انعقدت في لاهاي لمحاكمة تيلور.

وفي اليوم الأول للمحاكمة عام 2007، خرج خان من قاعة المحكمة بشكل درامي مخالفاً أوامر القضاة بعدما أعلن أن تشارلز تيلور استغنى عن خدماته.

وعمل خان بعد ذلك في قضايا المحكمة الجنائية الدولية بشأن كينيا والسودان وليبيا قبل تعيينه في عام 2018 رئيساً لفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب تنظيم داعش في العراق.

صحيفة الشرق الأوسط




من الخميني إلى رئيسي… إليكم أبرز الجنازات «الضخمة» لشخصيات إيرانية

ولطالما أقامت طهران جنازات ضخمة للعديد من الشخصيات البارزة. وفي ما يلي أكبر الجنازات في إيران بدءاً من أحدثها، جنازة رئيسي:

يتجمع المشيعون حول شاحنة تحمل نعوش الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ورفاقه (أ.ب)

3 أيام… من تبريز إلى مشهد

بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، تجمعت حشود في ساحة وسط تبريز ولوحت بأعلام وصور لرئيسي الذي قضى عن 63 عاماً وللقتلى السبعة الآخرين في الحادث.

ونُقلت النعوش الثمانية مغطاة بالعلم الإيراني على متن شاحنة وسط الحشود.

ووفق ما ذكرت «تسنيم»، فإن مراسم وداع رئيسي وعبداللهيان ومرافقيهما ستقام حتى مصلى مدينة تبريز، ومن هناك سيتم نقلهم إلى مشهد.

المعزون الإيرانيون يلمسون النعوش وهم يقدمون التعازي بالرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ومساعديه خلال موكب جنازة في تبريز (أ.ب)

وبدأت مراسم التشييع في الساعة 0930 صباحاً، لكن حضور الناس كان كبيراً لدرجة أنه لم يعد هناك مكان والحشد كبير للغاية، وفقاً للوكالة.

وستقام مراسم تشييع جثامين رئيسي ومرافقيه، الثلاثاء، في تبريز وبعد الظهر في مدينة قم، كما ستقام مساءً مراسم توديع الجثامين في مصلى العاصمة طهران، وستنطلق صباح الأربعاء مراسم التشييع من جامعة طهران إلى ساحة آزادي (الحرية) بالعاصمة طهران، حيث ستقام عصراً مراسم بحضور ضيوف ووفود أجنبية في طهران، بحسب الوكالة.

الآلاف يشاركون في موكب جنازة رئيسي ومساعديه السبعة (د.ب.أ)

كما ستقام صباح الخميس مراسم التشييع في خراسان الجنوبية، وفي مساء هذا اليوم ستقام مراسم دفن جثمان رئيسي في حرم الإمام الرضا في مدينة مشهد الإيرانية، بحسب «تسنيم».

ولقي الرئيس الإيراني حتفه، برفقة وزير الخارجية، الأحد، إثر تحطم مروحية كانت تقلهما في منطقة ورزقان بمحافظة أذربيجان الشرقية في شمال غربي البلاد في أعقاب لقاء بين رئيسي ورئيس أذربيجان المجاورة إلهام علييف.

الخميني

في 3 يونيو (حزيران) 1989، في الساعة 22:20 بتوقيت غرينتش، توفي المرشد الإيراني الأول الخميني، في جماران بطهران الكبرى عن عمر ناهز الـ86 عاماً بعد أن أمضى أحد عشر يوماً في جلسة خاصة في مستشفى بالقرب من إقامته، بعد إصابته بخمس نوبات قلبية في عشرة أيام.

وأقيم للخميني جنازة رسمية ثم دُفِن في مقبرة بهشت الزهراء (جنة الزهراء) في جنوب طهران.

وحسب الإحصاءات التي قدمتها السلطات الإيرانية حينذاك، فإن عدد المشاركين في هذه المراسم فاق الـ10 ملايين و200 ألف مشارك.

تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية في علبة زجاجية مكيفة الهواء ملفوفة في كفن أبيض (متداولة)

في 5 يونيو (حزيران)، تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى، وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية، في علبة زجاجية مكيفة الهواء، ملفوفة في كفن أبيض، بقيت هناك حتى اليوم التالي. وكان مئات الآلاف من المعزين قد رأوا الجثة.

وفي 6 يونيو (حزيران)، تم إنزال الجثمان وفتح التابوت لمحمد رضا كلبايکاني لإمامة صلاة الجنازة التي استمرت 20 دقيقة. بعد ذلك، بما أن حشود المعزين قد تضخمت بين عشية وضحاها لتصل إلى ملايين عدة، كان من المستحيل تسليم الجثمان إلى المقبرة عبر طهران إلى الجزء الجنوبي من المدينة في موكب.

وفي نهاية المطاف، تم نقل الجثة إلى طائرة هليكوبتر تابعة لطيران الجيش وتم نقلها جواً إلى المقبرة.

هاشمي رفسنجاني

في 10 يناير (كانون الثاني) 2017، شارك عشرات الآلاف من الإيرانيين في تشييع جنازة الرئيس السابق علي هاشمي رفسنجاني. وأمّ صلاة الجنازة التي أقيمت في طهران آنذاك المرشد علي خامنئي.

وبدت في المشاهد التي عرضها التلفزيون الحكومي يومها أعداد كبيرة من الناس محتشدة في الشوارع المحيطة بجامعة طهران.

كان رفسنجاني من أقوى المؤيدين لروحاني وأشد المساندين للاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع القوى الدولية الكبرى (إ.ب.أ)

وكانت حشود المشيعين تهتف وهي تحمل صور الرئيس السابق، وقد ازدحموا في الشوارع بينما كان يُنقل النعش إلى المنطقة التي دفن فيها الخميني، حيث دفن رفسنجاني في ضريح الخميني.

حشود المشيعين يحيطون بنعش رفسنجاني (إ.ب.أ)

وتوفي هاشمي رفسنجاني في مستشفى الشهداء في العاصمة الإيرانية طهران عن عمر ناهز 82 عاماً. وكانت ولاية هاشمي رفسنجاني في الرئاسة قد انتهت قبل عشرين عاماً مضت، لكنه ظل شخصية مؤثرة في السياسة الإيرانية، وزعيماً للإصلاحيين والمعتدلين.

تدفق الآلاف الإيرانيين إلى الشوارع حول جامعة طهران للمشاركة في جنازة رفسنجاني (رويترز)

وفي ذلك الوقت، نقلت شبكة «بي بي سي» عن محللين قولهم إن جنازته تحولت استعراضاً للقوة من جانب التيار الإصلاحي المعتدل في إيران.

سليماني

في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، قُتل قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» قاسم سليماني في غارة جوية أميركية بطائرة مسيّرة من دون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي. وأقيمت مراسم تشييع جنازة سليماني في الفترة الممتدة من الرابع وحتى السابع من يناير (كانون الثاني) 2020.

وخرج مئات الآلاف من الأشخاص إلى شوارع طهران لحضور جنازة سليماني (إ.ب.أ)

وتمت هذا المراسم في بعض مدن العراق وعدد من مدن إيران، بما في ذلك بغداد وكربلاء والنجف والأحواز ومشهد والعاصمة طهران وكذلك في قم، وأخيراً في مسقط رأسه كرمان.

وُصفت الجنازة في الداخل الإيراني بأنها الأكبر منذ جنازة الخميني.

نعش سليماني (رويترز)

كما وصفت شبكة «سي إن إن» أعداد المُشيّعين الذين شاركوا في الجنازة بطهران بأنهم «بحرٌ من الناس»، في حين قدر التلفزيون الحكومي الإيراني عدد المشيعين في طهران فقط بـ7 ملايين شخص.

كانت جنازة سليماني الأضخم بعد الخميني (إ.ب.أ)

وصلّى المرشد علي خامنئي على سليماني خلال مراسم الجنازة إلى جانب الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني ومسؤولين آخرين على رأسهم قائد «فيلق القدس» الجنرال إسماعيل قاآني.

لينا صالح

صحيفة الشرق الأوسط




رحلة في عقل السنوار.. ماذا تخبرنا مؤلفاته في سجون الاحتلال؟

في أبريل/نيسان 2024، توقف موقع “أمازون” للتجارة الإلكترونية عن بيع رواية “الشوك والقرنفل” التي كتبها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار قبل 20 عامًا، بعد شكوى قدمتها منظمة “بتزالمو” (NGO) الإسرائيلية إلى عملاق التجارة الإلكترونية، ادَّعت فيها أن الرواية زرعت بذور عملية “طوفان الأقصى”، وتتعمق في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ورغم أن الكتاب موجود على موقع “أمازون” منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، وصفت منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” (UKLFI) محتوى كتاب السنوار بـ”المسيئ والمهين”، وادعت أنه “ينتهك العديد من جوانب سياسات أمازون الخاصة بالمواد الهجومية والمثيرة للجدل وإرشادات محتوى الكتب، وأنه من غير القانوني إجراء أي تعاملات مالية مع السنوار أو توفير أموال أو موارد اقتصادية له”.

ضمن هذه الحملة أيضًا التي يقودها اللوبي الإسرائيلي في المملكة المتحدة، حثَّ مجلس نواب اليهود البريطانيين على إزالة الكتاب، مدعيًا استخدامه “للتحريض على العنف والدعاية وجمع الأموال لصالح منظمة محظورة، وتأجيج المشاعر المعادية للسامية”، في حين يواصل “أمازون” السماح ببيع الأدوات المعادية للسامية حقًا، وما زالت عشرات الكتب والأفلام الدعائية النازية متاحة للشراء والبث عبر الإنترنت.

ورغم استجابة “أمازون” لضغوط اللوبي اليهودي، وحذف هذه الرواية الأدبية التي تروي في 30 فصلًا سيرة النضال الفلسطيني منذ عام 1967 وحتى انتفاضة الأقصى عام 2000، فإنها تبقى واحدة من مؤلفات وترجمات عدة كتبها السنوار داخل أحد السجون الإسرائيلية بينما كان هو ورفاقه يعانون، واتسمت بالأسلوب السياسي والتحليلي، وعكس من خلالها رؤيته وتجاربه في الشؤون السياسية والأمنية والعسكرية، فماذا يمكن أن تخبرنا هذه الكتب عن عقلية السنوار؟

من هو يحيى السنوار؟

في 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 1962، وُلد يحيى السنوار في مخيم خان يونس للاجئين في الطرف الجنوبي من قطاع غزة لعائلة أصولها من قرية المجدل، التي تقع الآن داخل حدود دولة الاحتلال، والمعروفة باسم “أشكلون” (عسقلان)، وتلقى تعليمه في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين، وتخرج في الجامعة الإسلامية بغزة بدرجة بكالوريوس في اللغة العربية، وتربى على يد أبرز القادة المؤسسين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين، وحصل على ثقته حتى بات يُوصف اليوم بأنه العدو الأول للاحتلال والشخصية السياسية والعسكرية العليا في غزة.

قاد السنوار مفاوضات بين “إسرائيل” وقيادات حماس في الخارج بشأن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير الذي تحتجزه حماس جلعاد شاليط

تأثر السنوار بتنشئته القاسية في مخيم للاجئين يروي قصة قتل وتهجير عائلة مع مئات آلاف الفلسطينيين في أعقاب النكبة التي فرض الاحتلال خلالها سيطرته على ثلثي فلسطين، وهو ما ساعد في تشكيل وعيه السياسي والعسكري، لا سيما بعد أن تفاقمت مصاعب المخيم عام 1967، عندما أكملت “إسرائيل” احتلالها لبقية فلسطين، واستولت على الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان مستوى المعيشة أكثر كآبة في المخيم مع تدهور الظروف الاقتصادية، وتبع ذلك حظر التجول والهجمات العسكرية المكثفة.

من هذا المخيم الفقير، خرج السنوار الرجل البالغ من العمر 62 عامًا، والمعروف على نطاق واسع باسم “أبو إبراهيم”، والذي ستعرفه “إسرائيل” للمرة الأولى بأحد أشهر ألقابه: “جزار خان يونس”، وهو لقب اكتسبه في بداية انضمامه لصفوف حركة حماس، بعدما ساهم وبشكل رئيسي في تأسيس الجناح العسكري للحركة الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم “كتائب عز الدين القسام”، وأسس في شبابه – بتكليف من الشيخ أحمد ياسين – فرعًا أمنيًا لمكافحة التجسس أطلق عليه منظمة الجهاد والدعوة، ويُعرف باسم “مجد”، وهو أول جهاز للأمن الداخلي والمخابرات يتبع كتائب القسام في عام 1985.

قضى السنوار ثلث عمره تقريبًا داخل سجون الاحتلال، واُعتقل عدة مرات. في المرة الأولى عندما كان طالبًا جامعيًا يبلغ من العمر 19 عامًا وعضوًا مؤسسًا في الحركة الطلابية التابعة لحماس عام 1982، وحُكم عليه بالسجن لأربعة أشهر، وفي وقت لاحق من ذلك العام، ألقي القبض عليه مرة أخرى وحُكم عليه بالسجن 6 أشهر، وفي المرة الثالثة، قضى 8 أشهر داخل سجون الاحتلال بعد اعتقاله عام 1985 بتهم تتعلق بالأجهزة الأمنية للحركة الفلسطينية.

وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى التي بدأت في غزة عام 1987، اعتقلته السلطات العسكرية الإسرائيلية، التي كانت تعمل في ذلك الوقت داخل غزة، وحكمت عليه بالسجن 4 مؤبدات (مدتها 430 عامًا)، بتهمة تأسيس جهاز أمني لتتبع المخابرات وأجهزة الأمن الإسرائيلية، إلى جانب المشاركة في تأسيس جهاز عسكري باسم “المجاهدون الفلسطينيون” المعروف اليوم باسم “كتائب عز الدين القسام”.

23 عامًا في سجون الاحتلال، 4 منها في الحبس الانفرادي، درس خلالها السنوار من خلف القضبان نفسية الاحتلال عن كثب، وحوَّل نقاط قوته إلى ثغرات سهلة يمكن استغلالها، وراقب سلوك عدوه، وحفظ تاريخه واستراتيجيه، وطوّر مهاراته الأمنية والاستخباراتية، خاصة في تقنيات الاستجواب، حتى بات أكثر فلسطيني يعرف الكيان الصهيوني والسياسة والإعلام الإسرائيلي.

بهذا المستوى وأكثر كان نشاط السنوار في مشواره الطويل داخل سجون الاحتلال، حيث بنى نفوذه هناك، وكان عضوًا مؤثرًا في الحركة حتى داخل السجن، وأصبح الزعيم بلا منازع لأسرى حماس في وقت قريب من الانتفاضة الثانية، خاصةً أنه قاد الإضرابات في محاولة لتحسين ظروف السجناء، وحتى خلال الأوقات التي لم يكن فيها زعيمًا، كان للسنوار تأثير كبير على الأشخاص الذين كانوا قادة، وكانت له كلمة مسموعة.

أمضى السنوار سنوات كعضو في حماس داخل السجن أكثر مما أمضى خارجه، ومنذ أن كان في الأسر، قاد ولسنوات طويلة الحركة داخل السجون الإسرائيلية، وأمسك بعدة ملفات، وقاد مفاوضات بين “إسرائيل” وقيادات حماس في الخارج بشأن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير الذي تحتجزه حماس جلعاد شاليط، وقدَّم الخطط والمقترحات من داخل سجنه لقيادة حماس، وأُجريت عدة مقابلات معه داخل زنزانته، لدرجة أن الاحتلال سعى للحد من نفوذه داخل الحركة بوضعه في الحبس الانفرادي.

وكان للسنوار تأثير في الضغط من أجل حرية الفلسطينيين الذين سُجنوا بتهمة قتل إسرائيليين، فقد أراد إطلاق سراح أولئك الذين شاركوا في التفجيرات خلال الانتفاضة الثانية التي قتلت أعدادًا كبيرة من الإسرائيليين، مثل عملية تفجير فندق بارك التي أدت في البداية إلى مقتل 19 شخصًا.

يحيى السنوار يحيي أنصاره بعد إطلاق سراحه من سجن إسرائيلي في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2011

ولطالما ترددت “إسرائيل” في الإفراج عن السنوار، فقد كانت تدرك أن شخصًا بحجمه لن يكون كأي أسير محرر آخر، وأن قضاءه أكثر من 20 عامًا في سجونها لن يغير شيئًا من قناعات الرجل الذي حمل السلاح في وجهها ووجه عملائها منذ منتصف الثمانينيات.

ورغم رفض “إسرائيل” حتى اللحظة الأخيرة إطلاق سراح أسرى كبار مثل عبد الله البرغوثي وحسن صلاح، فإن السنوار كان على موعد مع الحرية في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، في صفقة “وفاء الأحرار” التي أدارها بنفسه من داخل السجن، ونجحت المقاومة بموجبها في الإفراج عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل شاليط، ومن بين المفرج عنهم – والرجل الذي أعد القائمة – السنوار، الذي كان في استقباله عدد كبير من قادة حماس السياسيين والعسكريين.

وبعدما أصبح السنوار جزءًا من هذه الصفقة المعقدة، لم يكن ممكنًا أن تعلم “إسرائيل” أنه سيصبح زعيم حماس والمكرس لتدميرها، والمتهم بتدبير السابع من أكتوبر بعد 12 عامًا، لذلك تعض اليوم أصابعها ندمًا، فلو كانت تعلم أن أحد أسراها سيصبح سجَّانها لما ترددت لحظة في تصفيته، ولو كانت تعلم أن صفقة “وفاء الأحرار” ستحرر السنوار من خلف قضبان سجن بئر السبع ليكون السبع الذي يغرقها في بئر الهزيمة لما وافقت عليها.

مؤلفات في سجون الاحتلال

كانت السنوات التي أمضاها السنوار في الزنازين الإسرائيلية حاسمة في تشكيل وعيه الفكري وعقيدته السياسية، وصقلت لغته العبرية إلى مستوى الناطقين بها، فهو يعلم كيف يصغى لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ويحلل النقاش العام داخل “إسرائيل”، ويعرف في مقابلاته مع وسائل الإعلام كيف يقتبس أقوالًا لسياسيين إسرائيليين.

استثمر السنوار جزءًا كبيرًا من حياته داخل السجن في متابعة المجتمع الإسرائيلي، وانغمس في فهم عقلية الاحتلال، وتعمق في دراسة السياسة الإسرائيلية، حيث كان يشاهد الأخبار المحلية، ويقرأ بانتظام الصحف، بالإضافة إلى السير الذاتية لشخصيات إسرائيلية رئيسية.

كان اهتمام السنوار بالكتب نابعًا من إيمانه بأهمية معرفة الداخل الإسرائيلي ودور الأحزاب السياسية في تشكيل القرارات وصياغتها

وقبل الإفراج عنه، أمضى السنوار معظم وقته في التعلم والقراءة والتأليف، فقد ألف وترجم عددًا من الكتب في المجالات السياسية والأمنية والأدبية، وله العديد من المنشورات والترجمات التي تشرح رؤيته وفهمه للعقلية الإسرائيلية، وتشمل أعماله البارزة:

  • كتاب “الشاباك بين الأشلاء”

كتاب ألَّفه الرئيس السابق لجهاز الشاباك الإسرائيلي كرمي غيلون، وترجمه السنوار، ويتعمق في دور جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي المعروف بـ”الشاباك” بكل تفاصيله، الذي أسسه ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لـ”إسرائيل”.

يتمحور الكتاب حول الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، ويتناول الكتاب تفاصيل عمل الشاباك، وهو تابع لسلطة وأوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومهمته الرسمية حماية الدولة من المؤامرات والتآمر الداخلي وحماية أمنها الداخلي.

  • كتاب “الأحزاب الإسرائيلية”

كتاب صدر عام 1992، وترجمه السنوار إلى اللغة العربية، يناقش ويبحث تاريخ الأحزاب السياسية في “إسرائيل”، ويعرِّف ببرامجها وتوجهاتها خلال تلك الفترة.

وكان اهتمام السنوار بهذه النوعية من الكتب نابعًا من إيمانه بأهمية معرفة الداخل الإسرائيلي ودور الأحزاب السياسية في تشكيل القرارات وصياغتها في مرحلة متقدمة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومن أمام الزنزانة التي كان يحتجز فيها السنوار، كشفت رئيسة مصلحة السجون الإسرائيلية سابقًا كيتي بيري، في تصريح للقناة 12 الإسرائيلية، أنه في إحدى عمليات التفتيش المفاجئة عثر على كتاب بحوزة السنوار، يعتقد أنه بخط يده، مشيرة إلى أنه “يقرأ إستراتيجية قادة الشاباك ضمن قاعدة اعرف عدوك”.

  • رواية “الشوك والقرنفل”

إذا كانت المذكرات بمثابة نافذة لفهم مؤلفيها، فإن رواية “الشوك والقرنفل” مخصصة لأولئك المهتمين بفهم زعيم حماس في غزة، وتكتسب هذه الرواية أهمية توثيقية كبيرة من خلال الكشف عن حياة السنوار الداخلية وأفكاره وتطلعاته على الأقل كما اختار أن يمثلها.

ترصد الرواية التي ألفها السنوار في عام 2004 مراحل تطور القضية الفلسطينية خلال تلك الفترة الزمنية، وتتناول – بما يقترب من التأريخ – تفاصيل مهمة وجوهرية في صلب القضية الفلسطينية، وتقرِّب القارئ من الشوارع والمناطق والشخصيات، وتضيء ما هو معتم في حياة الناس كالفقر وسوء الخدمات وطبيعة الحياة الاجتماعية بين الناس.

كما تمتدح المقاومة الفلسطينية، وتُظهر أن زعيم حماس عاش حياة تركز على الإيمان، ومشروع مهووس لبناء بنية تحتية للمقاومة في غزة، وتصف الاحتلال الإسرائيلي وإبداع المقاومة الفلسطينية وصمودها. على سبيل المثال، عندما تغلق سلطات الاحتلال الجامعة الإسلامية، يقوم الأساتذة بإلقاء محاضرات في مساجد مختلفة.

غلاف رواية “الشوك والقرنفل” التي ألفها السنوار عام 2004

ويشيد وصف الكتاب المؤَّلف من 212 صفحة، والقريب إلى شبه سيرة ذاتية تحكي تاريخ قطاع غزة، بأنه “سجلات للسعي الدؤوب للتحرر”، ويتعمق في موضوع “الاعتقال في السجون الإسرائيلية”، ويعرض الاختيار الصعب الذي يواجهه بعض الفلسطينيين المهجرين للعمل في “إسرائيل”، ويتضمن قراءة أساسية لأولئك الذين يهدفون إلى فهم التوترات المستمرة داخل الشرق الأوسط.

ولا يمكن اعتبار هذا الكتاب رواية بالمعنى التقليدي، إذ يتكون النص من أوصاف للعمليات العسكرية تتخللها أحداث من الحياة الاجتماعية لبطل الرواية، ويكتب المؤلف في أجزاء من الصفحات عن هذه العمليات دون أي ذكر للحبكة الرئيسية، بالإضافة إلى ذلك، لم يقتصر السنوار على غزة فقط، بل سلط الضوء على سكان الضفة الغربية وأعمال المقاومة هناك.

  • كتاب “المجد”

خرج هذا الكتاب إلى النور عام 2010، يستعرض عددًا من الاغتيالات والتصفيات لرموز وقادة المقاومة التي يقف خلفها بصورة مباشرة جهاز “الشاباك”، ويرصد عمل الجهاز في جمع المعلومات، وزرع وتجنيد العملاء وأساليب وطرق التحقيق الوحشية من الناحية النفسية والجسدية، إضافة إلى تطور نظرية وأساليب التحقيق والتعقيدات التي طرأت عليها وحدودها.

وكان جهاز حماس الأمني المعروف باسم “مجد” تجربة فريدة عكست حرص السنوار على تحسين الأمن الداخلي للمقاومة والسياسة الفلسطينية، وانحصرت مهمته في ملاحقة العملاء والجواسيس المتعاونين مع “إسرائيل” وتحييدهم، وما لبثت أن أصبحت هذه الوحدة جهاز أمن داخلي كامل، يراقب جهود المخابرات الإسرائيلية ضد فلسطين، ويتتبع ضباط المخابرات وأجهزة الأمن الإسرائيلية، وقد نشط خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى حتى بدأت قوات الاحتلال ملاحظة نشاطه المتصاعد وملاحقته.

وقال السنوار في أثناء اعتقاله بسجن نفحة الصحراوي إن أهمية هذا الكتاب تنبع من حساسية هذا الجهاز وخطورة أعماله في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأهمية دراسة كل شيء متوافر عنه لمستقبل هذا الجهاز، لذا وجد أن الواجب يحتم عليه تأليف هذا الكتاب مستعينًا بكتاب “القادم لقتلك” لرئيس جهاز الشاباك السابق يعقوب بري، بالإضافة إلى تقارير عديدة نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة.

  • كتاب “حماس: التجربة والخطأ”

واحد من الكتب التي ألفها السنوار، ويستكشف تجربة حركة المقاومة الفلسطينية وتطورها على مر الزمن، والاستشراف بمستقبلها في صراعها مع “إسرائيل”، لا سيما أنه هو نفسه أحد أقطابها الرئيسين.

رحلة في عقل السنوار

حين دخل السنوار السجن كانت حماس في مهدها، أقرب إلى حركة صغيرة تنتهج السرية بلا جيش ولا نفوذ جغرافي، وفي العام الذي تم اعتقاله فيه، أصدرت حماس ميثاق مبادئ يتضمن هدف تدمير “إسرائيل”، وبعد إطلاق سراحه، لم يستغرق الأمر سوى أسبوع واحد لعودة السنوار إلى اتصالاته وأنشطته، وكان أول ما قاله “غزة هي مركز العالم”، ورأى في ذلك واقعًا جديدًا “حماس أكبر وأقوى وبآلاف المقاتلين”.

وبعد سنوات قليلة من إطلاق سراحه، ترَّشح السنوار لعضوية المكتب السياسي لحماس، وتقلد مناصب أمنية وعسكرية حساسة، منها مسؤولية الجهاز العسكري لكتائب القسام، وبدأ نفوذه يتسع في أروقة الحركة وأجهزتها حتى تفرَّد بساحة غزة عام 2017، وصعد إلى رأس الهرم في قيادة حماس، وعزز شعبيته بكسب جولة انتخابية ثانية في مايو/أيار 2021، رغم تاريخه الأمني والعسكري الطويل.

زرع السنوار فكرة خاطئة في أذهان الإسرائيلين أراد من خلالها أن تعتقد “إسرائيل” أن حماس تخلت عن النزعة العسكرية، وتركز على الاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات الاجتماعية والشؤون المدنية في غزة

ولم يكن السنوار الذي يحمل شخصية قلَّ نظيرها موضع جدل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول فحسب، فلطالما كان صاحب أكبر نفوذ في فلسطين المحتلة مع ابن مخيمه محمد الضيف، ويحظى بشعبية كبيرة، ويحسب الكثيرون له حسابًا حتى من داخل حماس، وقد تحدى أن تغتاله “إسرائيل” علنًا، ومنحها ساعة لتنفيذ وعيدها باغتياله.

ويُجمع أعداء ومحبو يحيى السنوار على أنه شخص عنيد زاهد ومنضبط إلى أقصى الحدود، وقائد حكيم لديه جرعة من الكاريزما، ويستخدم عقله دون أن يرفع صوته، وذي بأس شديد في الميدان ضد عدوه، وخبير في قراءة الداخل الإسرائيلي، ويمارس نفوذه داخل حماس بعيدًا عن الظهور في وسائل الإعلام، لكن مع أول فرصة يلتحم في الساحات مع أبناء شعبه.

خلال سنوات سجنه، كان السنوار يراقب ويحلل استراتيجيات الاحتلال ويخطط ببطء للضربة القادمة، واستطاع بعبريته المتقنة خداع المحققين الإسرائيليين طوال سنوات اعتقاله، وأوهم بتصريحاته كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين بإحساس كاذب للاطمئنان إلى أنه لا يسعى للحرب، وكان سوء فهم شخصيته مقدمة لأكبر فشل استخباراتي إسرائيلي.

قرأ السنوار الوعي الإسرائيلي جيدًا كما قرأ العديد من الكتب عن السياسة الإسرائيلية، وزرع فكرة خاطئة في أذهان الإسرائيلين أراد من خلالها أن تعتقد “إسرائيل” أن حماس تخلت عن النزعة العسكرية، وتركز على الاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات الاجتماعية والشؤون المدنية في غزة.

وعمل على الاستفادة القصوى من كل الصلاحيات التي يتمتع بها كرئيس لحماس في غزة، على نحو غير معهود عند سابقيه من قادة الحركة، وبحسب موقع “بلومبرج“، أرد تحويل غزة المحاصرة إلى ما يشبه دبي أو سنغافورة، وكان ضمن ذلك مقترحات عديدة مثل مشروع الخط البحري لقطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، وغير ذلك من المشاريع التي ذكرها في خطاباته.

كما أوهم “إسرائيل” أن حماس مهتمة باتفاق أوسع معها، وأعطى للمسؤولين الإسرائيليين الانطباع بأنه يريد وقف العنف على الأقل على المدى القصير، وأن حماس لن تحاول شن أي هجوم من شأنه أن يكون أكثر تركيزًا على بناء القطاع اقتصاديًا، وأن أي هجوم للمقاومة سيحتاج إلى عام واحد على الأقل من التخطيط.

وبعد تحريره من السجن ضمن صفقة شاليط، خاطب السنوار “إسرائيل” بلغة القوة المنضبطة لتقديم الحوافز الاقتصادية لحماس والمزيد من تصاريح العمل في محاولة لخلق الوهم بأن حماس فقدت شهيتها للحرب والعنف للتركيز على الحكم، وأنها تسعى إلى السلام والحياة الاقتصادية لسكان غزة، ما جعل “إسرائيل” يتملكها شعور زائف بالأمان، وتعتقد خطأً أن الحركة مشغولة بحكم غزة، وبطبيعة الحال، تحول هذا إلى سوء تقدير كارثي.

بالتوازي مع ذلك، أراد السنوار الاحتفاظ بمنصبه والاستفادة من استحقاقات جديدة بعد حرب عام 2021، واستكمال ملفات أخرى كان يطمح بتحقيق تقدم فيها، مثل تحقيق هدنة شاملة وطويلة الأمد تضمن رفع الحصار عن غزة، وتبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين والعرب، وقطع الطريق على أي محاولات إسرائيلية مباشرة أو عبر وسطاء لانتزاع صفقة تبادل أسرى جديدة مقابل ثمن بخس.

ويتبنى السنوار قضية الأسرى على نحو وطني وشخصي، فبعد أسبوع من إطلاق سراحه عام 2011، خاطب الحشود المبتهجة في غزة، ودعا حماس إلى تحرير سراح من بقي في سجون الاحتلال، وقال إن الخيار الأفضل لتحرير السجناء المتبقين في الداخل هو المزيد من عمليات اختطاف الجنود الإسرائيليين.

وقال السنوار مرة أخرى علنًا إن حماس ملتزمة بالإفراج عن كل أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وبعد فوزه بولاية ثانية كزعيم لحركة حماس في غزة، تعهد مرة أخرى بتحرير السجناء الفلسطينيين، ولا يزال يستثمر في محنة السجناء الفلسطينيين.

وأسس السنوار هيكلًا حكوميًا يدير شؤون القطاع بمتابعة مباشرة منه، وحوَّل كتائب القسام من فصيل عسكري إلى جيش مصغر أكثر تنظيمًا وتنوعًا، وكان مهتمًا بتطوير القدرات الصاروخية وجهاز الاستخبارات العسكرية التابع لكتائب القسام، وقام بتوسيع غير مسبوق في العمل على مشروع حماس الاستراتيجي “الأنفاق”، الذي يتولاه بشكل مباشر شقيقه محمد السنوار، أحد قادة كتائب القسام.

وأصبحت الأنفاق اليوم أكبر معضلة تواجه الاحتلال على الإطلاق، حيث يُعتقد أن شبكة أنفاق غزة ضمن الأعقد في العالم، وتضم غرفًا كبيرة للقيادة المركزية وغرفًا للتحكم والسيطرة ومهاجع للجنود ومخازن للأسلحة والذخيرة ومراكز اتصالات، عدا عن شبكة الأنفاق الهجومية التي يستخدمها عناصر كتائب القسام في شن العمليات مواجهة التوغل البري الإسرائيلي في غزة.

وعلى عكس ما كان يجري تحت الأرض، خدعت حماس “إسرائيل” وأعطتها شعورًا زائفًا بالهدوء، وفي مقابلات عدة قبل الهجوم الأخير، قال إنه لا يسعى للمواجهة، وأظهر دعمًا لوقف إطلاق النار المؤقت مع “إسرائيل”، وتبادل الأسرى، والمصالحة مع السلطة الفلسطينية، وقال لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية: “لا أريد المزيد من الحروب”، وهو ما دفع التقييم الرسمي الإسرائيلي إلى استبعاد أن تخوض حماس حربًا أخرى.

يحيى السنوار يزور الحدود المصرية في رفح جنوب قطاع غزة في عام 2017

وفي حين أن مسؤولي حماس لم يتحدثوا أبدًا بشكل مباشر مع السلطات الإسرائيلية، إلا أن السنوار عمل من خلال وسطاء على إقناع “إسرائيل” بالنوايا الحميدة لجماعته، وكجزء من هذه الجهود، تعاون مع السلطة الفلسطينية للتفاوض بشأن تصاريح العمل الإسرائيلية لنحو 18 ألف من سكان غزة، ما سمح لهم بدخول “إسرائيل” كعمال يوميين.

نتيجة ذلك، قلَّص جيش الاحتلال مراقبته للسياج الحدودي مع غزة بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بالاعتماد على أجهزة الاستشعار الإلكترونية، ونقل قواته إلى خارج المنطقة لحراسة المستوطنات في الضفة الغربية، وفضَّل محللو الاستخبارات العسكرية التركيز على إيران وسوريا لأن العمل على القضايا الفلسطينية لم يكن يعتبر ذا أهمية وجودية، وكان الشعور السائد هو أن حماس قد تم ردعها، والتحديات الحقيقية تكمن في أماكن أبعد.

يقول مسؤولون إسرائيليون إن أداء السنوار العلني كان مجرد خداع محض لكسب الوقت وتوجيه الضربة القاضية لـ”إسرائيل”، حتى وصفه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ”رجل ميت يمشي”، في إشارة إلى أنه المطلوب الأول للتصفية، وتتهمه “إسرائيل” بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتصنفه جهات أمنية إسرائيلية كأحد رؤساء جناح الصقور في قيادة غزة.

وفي عام 2015، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية السنوار على لائحتها للإرهابيين الدوليين في خطوة للضغط على حماس، وهو ما تم تطبيقه أيضًا على شخصيتين كبيرتين أخريين، محمد الضيف وروحي مشتهى، وفي مايو/أيار 2021، استهدفت غارات جوية إسرائيلية منزله ومكتبه في قطاع غزة.

كانت قواعد اللعبة التي اتبعها السنوار منذ أن أصبح زعيمًا لحركة حماس في غزة قبل 7 سنوات هي تذكير الإسرائيليين باستمرار بأنهم في صراع مع الفلسطينيين، في لحظة ما ينخرطون بشكل بناء مع “إسرائيل”، وفي اللحظة التالية، يتبعون وسائل عنيفة لتحقيق أهداف سياسية.

كيف خدع السنوار الاحتلال؟

قبل أكثر من عام على انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، كان جهاز العمل الجماهيري في حركة حماس يحشد أنصار الحركة لاحتفاليتها بذكرى انطلاقتها لعام 2022، وكان الشعار الذي وضعته الحركة لانطلاقتها “آتون بطوفان هادر”، ليس هذا فحسب، بل كانت هذه الكلمات تخرج من فم الرجل الأكثر نفوذًا في حماس.

لم يكن هذا التهديد الوحيد الذي صرح به السنوار، بل أشار في مرات عديدة إلى أعداد هائلة من الصواريخ والمقاتلين وغيرهم، لكن أكثر فلسطيني يعرف حماس كان يدرك أن الإسرائيليين لا يتوقفون عن التفاخر بقدرات جيشهم وتفوقهم العسكري، عدا عن النظرة الدونية العنصرية التي تتملكهم تجاه الفلسطينيين، والتي جعلتهم غير قادرين على رؤية التهديد الأمني الوشيك.

هدد السنور في عام 2002 “إسرائيل” بـ”طوفان هادر” في خطاب علني

قبل كل ذلك، فهم السنوار عقيدة الحروب الإسرائيلية التي صاغها مؤسس الكيان الإسرائيلي ديفيد بن غوريون، وتستند إلى 4 عناصر: كل حرب تخوضها “إسرائيل” يجب أن تكون مفاجئة للعدو، وصاعقة على نحو يفقده توازنه، وقصيرة بحيث كانت تتجنب كل الحروب الطويلة والاستنزاف العسكري، أما العنصر الرابع فهو نقل المعركة إلى أراضي الآخرين.

وفي هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، استخدم السنوار هذه العقيدة الحربية ضد مخترعيها، وكانت عبارة “آتون بطوفان هادر” وعدًا مفعولًا، فحطَّم هيكل الاحتلال، وجرف بطوفانه جدار الوهم، وسحق هيبة جيش الاحتلال عند أعتاب غزة، وفي أول رسالة له بعد “طوفان الأقصى” قال السنوار: “ما رأته إسرائيل في 7 أكتوبر كان بروفه لا أكثر”.

صدمة “إسرائيل” العارمة من الهجوم الوجودي كما يراها قادتها دفعتها إلى شن واحدة من أعنف الحروب على الرقعة الجغرافية الصغيرة التي يقبع فيها أكثر من مليوني فلسطيني، وبينما يحول جيش الاحتلال غزة إلى أنقاض في مهمته المتعثرة لتدمير حماس، يظهر السنوار باعتباره مهندس عملية “طوفان الأقصى”، وتحمله “إسرائيل” مسؤولية هجوم كبدها خسائر بشرية وعسكرية، وهزَّ صورتها الأمنية والاستخباراتية أمام العالم.

ولأن الإسرائيليين استنتجوا أن هجومًا كهذا من تدبير عقل السنوار الذي تحرر من سجونهم، ويُعتقد أنه يدير العمليات مع باقي قادة الجناح العسكري لحماس في أعماق شبكة أنفاقها الواسعة تحت الأرض، فقد جعلوا اغتياله هدفًا من هذه الحرب، وعدَّلوا تصنيفه إلى المطلوب الأول لـ”إسرائيل”، وهو التصنيف الذي احتله محمد الضيف لسنوات، ووضعوا مكافأة تقارب نصف مليون دولار لأي شخص يدلي بمعلومة تشير إلى مكان وجوده.

عرضت “إسرائيل” مكافآت مالية لأي شخص يدلي بمعلومات عن قادة حماس

عندما سُجن السنوار في “إسرائيل” قبل أكثر من عقد من الزمان، شرح ليوفال بيتون، الذي قضى بعض الوقت معه بصفته الرئيس السابق لقسم المخابرات في مصلحة السجون الإسرائيلية، استراتيجية أصبحت الآن محور الحرب في غزة، وقال إن “ما تعتبره إسرائيل نقطة قوة هو ضعف يمكن استغلاله”، في إشارة إلى خدمة معظم الإسرائيليين في الجيش وتمتعهم بمكانة خاصة في المجتمع.

وتعتمد استراتيجية السنوار التي بناها من خلال معرفة عميقة بنفسية المجتمع الإسرائيلي على استعداد الاحتلال لمبادلة الأسرى الفلسطينيين بالأسرى الإسرائيليين من الجنود والضباط في غزة، والتي أثبتت دقتها في عام 2011 عندما كان السنوار واحدًا من 1027 أسيرًا فلسطينيًا تم إطلاق سراحهم مقابل جندي إسرائيلي واحد.

وكان الهجوم المفاجئ في 7 أكتوبر/تشرين الأول أبرز شواهد استراتيجيته، إذ اعتمدت على أسر أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، لمبادلتهم لاحقًا بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ويراهن السنوار على أنه قادر على إطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وأظهر قدرته على إدارة ملف مفاوضات الرهائن، والتحكم وإملاء شروطه على الاحتلال في صفقة تبادل الأسرى.

وأشارت تقارير عديدة إلى أن السنوار تلاعب بنفسية الإسرائيليين خلال مفاوضات الرهائن التي أسفرت عن صفقة التبادل التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلال هدنة إنسانية مؤقتة، إذ أوقف الاتصالات مرات عديدة للضغط على “إسرائيل” للموافقة على وقف مؤقت من شأنه أن يمنح حماس الوقت لإعادة تجميع صفوفها، قبل أن يعود لها لاحقًا بعد موافقة “إسرائيل” على شروط المقاومة، وعندما تم إطلاق سراح الرهائن، كان ذلك على دفعات كل يوم، مما خلق شعورًا يوميًا بالقلق في المجتمع الإسرائيلي.

هذا النوع من الصفقات غالبًا ما يبرز هشاشة الاحتلال، لذلك يلجأ إلى ملاحقة القادة وتصفيتهم بعد تحريرهم، وهو ما فعلته “إسرائيل” عندما أفرجت عن الشيخ أحمد ياسين في عام 1985 في صفقة تبادل شملت أكثر من 1000 أسير مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين، وعندما عجزت عن وضع حد لنشاطه، لجأت إلى اغتياله بثلاثة صواريخ عام 2004، ومؤخرًا، وقبل دخول أي صفقة جديدة حيز التنفيذ، يتهور نتنياهو كعادته، ويهدد باغتيال مزيد من القيادات.

وبحسب مجلس الحرب الإسرائيلي، فإن “الحرب لن تنتهي إلا بتدمير قيادة حماس في القطاع، بما في ذلك السنوار”، ومع ذلك، تواجه حكومة الاحتلال ضغوطًا متزايدة للعمل مع السنوار من أجل تحرير الرهائن المتبقين.

ويصعب تخيل الرجل الذي انتزع أوراق قوته من فم التمساح يستسلم، وبقي الاحتلال عاجزًا عن الوصول إليه رغم استخدام قوة نارية غير مسبوقة، وإحداث دمار لا مثيل له في مدن القطاع، وأزمة إنسانية ساحقة، لتبدأ مرحلة عض الأصابع، وتنحسر الخيارات بين المضي قدمًا في الحرب أو الوقف الدائم لها، وقد يحمل الجواب قصة الرجل الذي اختلطت معه قصة غزة وفلسطين، ومستقبل قضية طال بها العمر وطال بشعبها المعاناة.

إسراء سيد

موقع نون بوست




مظاهرة فاشية في باريس.. صور صادمة وخطاب كراهية

تظاهر موالون لأقصى اليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس لتخليد ذكرى أحد نشطاء اليمين المتطرف الذي توفي في العام 1994 عندما سقط من سطح بناء باريسي أثناء هربه من الشرطة خلال تظاهرة غير مرخصة، وقد نظمت المظاهرة هذا العام حركة تدعى “لجنة التاسع من أيار/مايو”، وهي مجموعة من الفاشيين الجدد. هتف المتظاهرون بشعار اليمين المتطرف: “أوروبا، شباب، ثورة”.

تعرضت المظاهرة لانتقادات شديدة، وقد سجل الصحفيون الذين غطوا الحدث، حالات شجب للمظاهرة أثناء مرورها في الشارع من قبل المارة، الذين صرخ بعضهم بالمتظاهرين: “أنتم عار على فرنسا”، “عنصريون”، “فاشيون”. وكان المشاركون في المظاهرة الذين قدر عددهم بثمانمئة، قد ساروا في شوارع العاصمة الفرنسية، وهم منتظمون في صفوف من أربعة أشخاص، وحملوا رايات سوداء عليها شعار الصليب السلتي الذي اتخذه اليمين المتطرف كشعار يمثل القوميين المتشددين.

انتشرت صور صادمة من المظاهرة اليمينية في باريس، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”

انتشرت الصور الصادمة التي خرجت من هذه المظاهرة، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”، مما دفع رئيس الوزراء الفرنسي غابرييل أتال للتعبير عن استيائه قائلاً: “الصور التي شاهدهنا صادمة للغاية”.

مظاهرة لليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس

ومع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة، لكن الحكومة وضحت أن الشرطة الباريسية كانت قد أصدرت منعاً مشابهاً للمظاهرة الفاشية ، إلا أن احتجاج المنظمين أمام القضاء مكنهم من الحصول على ترخيص بسبب حكم القاضي بأن: “المنع يمثل مساساً خطيراً وغير قانوني بحرية أساسية وهي حرية التظاهر”. لكن هذا التبرير لم يمنع الناشطين الداعمين لفلسطين من الإشارة إلى الاختلاف الجذري في تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الحالتين، إذ يمنع بالقانون أن يخفي متظاهر وجهه، وقد تم اعتقال عدد من الطلاب، الذين شاركوا في الحراك الجامعي من أجل فلسطين بحجة إخفاء وجوههم، بينما كان معظم المتظاهرين الفاشيين يخفون وجوههم أثناء مظاهرتهم فيما سارت حماية من الشرطة إلى جانبهم، ولم تتعرض لأي متظاهر منهم رغم الاستفزازات التي تخللت المظاهرة.

اندلع الحراك الجامعي في فرنسا لدعم فلسطين في الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2024، بمناسبة خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جامعة السوربون.

مع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة.

تجمع عدد من الطلاب أمام السوربون لدعم المدنيين في غزة، وواجهتهم قوات مكافحة الشغب بعنف لتفرقتهم. أما في جامعة العلوم السياسية (سيانس بو) فقد احتل الطلاب عدة مواقع تابعة لجامعتهم واعتصموا من أجل غزة، لكن الشرطة بعد يومين من بداية الاعتصام اقتحمت الجامعات وفضت الاعتصامات بالقوة واعتقلت عدداً من المشاركين.

دعت اللجنة الفلسطينية في جامعة (سيانس بو) كل طلاب فرنسا للمشاركة والتحرك من أجل المطالبة بوقف إطلاق نار فوري وسلام دائم في غزة. وقد أعلنت حركة “فرنسا لاتخضع” اليسارية المتطرفة دعمها لحراك الطلاب، كما شاركت عضوة الحركة ريما حسن في التظاهرات. وكان أعضاء من حركة “التجمع الوطني” اليمينية المتطرفة قد اتهموا حركة “فرنسا لا تخضع” بتجييش الطلاب وباستخدام الحراك الجامعي كأداة سياسية.

تحدث وزير الداخلية الفرنسي، جيرار دارمانان، عدة مرات منذ بداية الاعتداء الإسرائيلي على غزة على أن الحكومة الفرنسية، ليست ضد دعم المدنيين في غزة ولكنها تخشى من: “الانقسامات والاستقطابات”، التي تنتقل من مناطق الصراع إلى المجتمع الفرنسي، ولا يمكن لمراقب خارجي ألا يسأل نفسه: “أليس الأحرى بالحكومة أن تقلق من الانقسامات والاستقطابات الداخلية؟ أليس عليها أن تفكر بآلية للحد من انتشار خطاب الكراهية الذي حملته المظاهرة الفاشية؟”.

كرر محللون سياسيون ظهروا في المحطات الإخبارية فكرة إنه قد يكون من الضروري بعد ما شهدته مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو إعادة النظر في القوانين التي تسمح بالتظاهر وتعديلها بحيث تمنع التظاهرات التي تدعو إلى الكراهية وتحرض على العنف، لكن هذه الدعوات التي تقيد حرية التعبير تتجاهل بالمقابل كيف سيتم استخدام مثل هذه القوانين وتفسيرها بحيث تمنع مزيد من الحركات التضامنية من التعبير عن رأيها، لا سيما أن الحكومة لم تتورع من قبل سن قوانين جديدة عن فرض رقابتها على الفضاء العام.

ولعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة. لا بد من التوقف عند تعبير أحد المشاركات في المظاهرة التي قالت لراديو “فرانس أنفو”: “نخفي وجوهنا بسبب التشويه الإعلامي اليساري الذي نتعرض له، إذ يسمح للجميع بالتعبير عن أنفسهم باسثنائنا، انظروا كيف تنتشر أعلام وتظاهرات دعم المثليين في فرنسا كلها”. إن شعور هذه المجموعات بأنها أقلية مظلومة ومقموعة قد يزيد من قدرتها على التأثير، وقد يكون السماح لها بالتعبيرعن نفسها، رغم الإزعاج الذي تسببه، أهون الشرور.

لعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب، أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة

تسأل الحكومة الفرنسية نفسها كيف تمنع التظاهر أو كيف تمنع تمظهر هذه الكراهية والخطاب المتطرف في الشوارع، لكنها بالمقابل لا تبدو معنية للغاية بالتفكر في أسباب انتشاره وصعوده في دولة كانت في مقدمة الدول الاشتراكية اليسارية في المعسكر الغربي، وكان طلابها الجامعيون قادة في حراكات التحرر العالمي من خلال ثورتهم في عام 1968، التي ما زال أثرها محسوساً حتى اليوم.

وليست فرنسا الاستثناء الأوروبي، بل هي متأخرة عن ركب بقية الدول الغربية التي يتصاعد فيها هذ الخطاب المتطرف ويتكاثر الهارفون فيه كما الفطر، دون أن يبدو في الأفق أي خطاب سياسي يمكن أن يخفف من حدته ويستقطب الشباب إلى خطاب أكثر عقلانية وأقل عنفاً وخطراً.

ليست مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو سابقة في التاريخ الفرنسي، لكنها بالتأكيد بداية لصراع طويل وممتد ومقلق مع تيار عنيف وكاره للآخر يحاول أن يغير وجه فرنسا المتكافلة والمتنوعة.

للأزمة أسباب عديدة وحلول لا يبدو أن السياسيين معنيون بإيجادها، ولكنها في النهاية ليست في عمقها إلا خطراً حقيقياً على أسس الديمقراطية.

يبقى الأمل في أن تنقذ الديمقراطية نفسها من خلال إرادة الفرنسيين التي يمكن أن تقصي هذه التيارات عن السلطة.

إيناس حقي

المصدر: موقع رصيف 22




روسيا تدخل في قائمة أول عشر دول من حيث النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين

تضاعف حجم الاقتصاد الروسي منذ بداية القرن الحالي، 8 مرات وشغل المركز العاشر بين الاقتصادات الكبرى في العالم من حيث وتائر النمو .

جاء ذلك في معطيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووفقا لها أصبحت اليابان الدولة الوحيدة التي انخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي خلال ذلك.

يتم توفير البيانات فقط للاقتصادات التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 100 مليار دولار أو أكثر: في نهاية القرن الماضي كان هناك 35 منها، وفي نهاية عام 2023 – 68.

وتبين أن الاقتصاد الروسي نما 7.7 مرة خلال 23 عاما ـ ليصل إلى ما يزيد قليلا عن تريليوني دولار بعد أن كان 260 مليار دولار في نهاية القرن الماضي.

ومن المعطيات تبين أن الاقتصاد الأسرع نموا كان في إثيوبيا، التي انضمت إلى مجموعة بريكس مؤخرا – منذ بداية القرن، زاد حجم الاقتصاد في إثيوبيا  19.4 مرة، ليصل إلى 160 مليار دولار.

وتأتي بعد ذلك الصين، التي نما ناتجها المحلي الإجمالي 14.6 مرة، ليصل إلى 17.7 تريليون دولار. وتحتل كازاخستان المركز الثالث، حيث نما الاقتصاد 14.2 مرة – إلى 261 مليار دولار من 18.3 مليار دولار.

وجاءت فيتنام في المركز الرابع من حيث معدل النمو (نمو 13.9 مرة، إلى 434 مليار دولار)، وحلت قطر في المركز الخامس (بنسبة 13.2 مرة، إلى 234 مليار دولار).

وبالإضافة إلى ذلك، تشمل المراكز العشرة الأولى رومانيا التي زاد اقتصادها 9.3 مرة إلى 346 مليار دولار، وكينيا (8.6 مرة، 109 مليار دولار)، وبنغلاديش (8.4 مرة، 446 مليار دولار)، وإندونيسيا (8.3 مرة، 1.4 تريليون دولار).

وبالإضافة إلى إثيوبيا والصين وروسيا، حققت الهند أسرع نمو في مجموعة بريكس، حيث نما اقتصادها 7.6 مرة منذ بداية القرن. على مر السنين، نما الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة 4.8 مرة، ومصر 4 مرات، وإيران 3.7 مرة، والبرازيل 3.3 مرة، وجنوب إفريقيا 2.5 مرة.

وكان أبطأ نمو للناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الماضية في اليونان، حيث بلغ 83% فقط.

المصدر: نوفوستي