1

بريطانيا: كيف تحولت حرب غزة إلى قضية انتخابية محورية؟

استيقظ البريطانيون الجمعة، على واقع انتخابي جديد، مع تحقيق حزب العمال فوزاً مريحاً في الانتخابات المحلية الجزئية، على حساب خسائر فادحة تكبّدها المحافظون.

وأشارت النتائج الأولية للانتخابات المحلية في إنجلترا وويلز إلى فوز حزب العمال بـ120 مقعداً، مقابل خسارة المحافظين نحو 200 مقعد. ومن المتوقع أن تصدر النتائج تباعاً الجمعة والسبت، وسط ترقّب واسع لنتائج انتخابات رئاسة بلدية العاصمة لندن.

دعوة التغيير

سارع كير ستارمر، زعيم حزب العمال، إلى تهنئة كوادر حزبه بفوز وصفه بـ«المزلزل» في دائرة بلاكبول ساوث (شمال غربي إنجلترا)، التي شهدت الخميس انتخابات تشريعية فرعية تزامنت مع الانتخابات المحلية في إنجلترا وويلز.

ويعد فوز العمالي كريس ويب في بلاكبول، بنسبة 58.9 في المائة من الأصوات، مؤشراً قوياً على حظوظ الحزب في الانتخابات التشريعية المتوقعة خلال أشهر.

كير ستارمر أشاد بنتائج حزبه في الانتخابات المحلية الجمعة (د.ب.أ)

وأشاد زعيم الحزب كير ستارمر بالنتيجة، عادّاً أنها «لم تكن مجرد رسالة صغيرة وليست مجرد همس»، بل «صرخة من بلاكبول: نريد التغيير»، داعياً إلى تنظيم انتخابات تشريعية «تعكس إرادة الناخبين» على المستوى التشريعي؛ وتُنهي حكم المحافظين المستمر منذ 14 عاماً.

وبينما لا يزال الحزب ينتظر صدور نتائج انتخابات بلدية لندن، حيث يسعى صديق خان للفوز بولاية ثالثة أمام مرشحة المحافظين سوزان هال، بدا بعض أعضائه أكثر حذراً من ستارمر في تقييمهم لنتائج الانتخابات، خصوصاً في ظل «استياء» جزء كبير من القاعدة العمالية من موقف الحزب تجاه حرب غزة. وقال وزير الداخلية السابق، لورد بلانكت، في تصريحات لشبكة «سكاي نيوز»، إن «النتائج مشجعة للغاية، لكن الطريق لا تزال طويلة لتأمين الفوز في الانتخابات المقبلة»، مقراً بالتحديات المرتبطة بسياسة الحزب تجاه الحرب في الشرق الأوسط.

تحدي غزة

حملت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية، التي يتوقع أن تصدر كاملة بحلول الأحد، في طياتها رسائل أثارت قلق «العمال»، لا سيما «غضب» الناخبين المسلمين من موقف الحزب حيال حرب غزة. ففي مقابل انتزاعه 120 مقعداً (وفق النتائج الجزئية المعلنة الجمعة)، فَقَدَ حزب العمال السيطرة على 39 مقعداً على الأقل لصالح الأحزاب المنافسة والمستقلين.

رئيس الوزراء خلال زيارة قاعدة عسكرية في نورث يوركشير الجمعة (أ.ف.ب)

وكان من بين هذه الخسائر مجلس أولدهام، شمال شرقي مانشستر، الذي يسيطر عليه الحزب منذ 13 عاماً، واستقال منه في الأسابيع الماضية ممثلان اثنان بسبب حرب غزة. وفضّل الناخبون، الذين يُحسبون على حزب العمال تقليدياً، منح أصواتهم لمرشحين مستقلين أو تابعين لأحزاب صغيرة وفق بيانات التصويت، بينما قاطع بعضهم الآخر الاقتراع المحلي. وفي بولتن، خسر حزب ستارمر غالبيته في المجلس لصالح حزب «الخضر» والمستقلين، بينما خسر مقعداً واحداً في شيفيلد.

ولم يُشكّل تراجع دعم الصوت المسلم مفاجأة لحزب العمال، أو قيادته، إذ شهد منذ بداية الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة رداً على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، معركة داخلية بشأن موقفه تجاه الحرب، وبعض الانشقاقات على المستوى المحلي، شملت 20 مسؤولاً محلياً.

وبينما بادر جزء من نواب الحزب للدعوة إلى وقف لإطلاق النار قبل عدة أشهر، تردد زعيمه ستارمر في الانضمام إلى هذه الدعوات، وتدرج موقفه خلال الأشهر الماضية من الدعوة لهدنة إنسانية مؤقتة إلى وقف لإطلاق النار «لدواع إنسانية».

دعوات للتجاوب

أقر مسؤولون بارزون في الحزب بالتأثير المباشر للموقف من الحرب على النتائج في بعض الدوائر المحلية، وعلى حظوظهم الانتخابية في الاقتراع التشريعي المقبل.

وقال النائب العمالي بات ماك-فادين، وهو منسق الحملة الوطنية للحزب، بأن «المشاعر القوية» حول الشرق الأوسط كانت «عاملاً» في الخسائر، مضيفاً: «لا أعتقد أن هناك أي جدوى من إنكار ذلك – لقد أثير الأمر بالفعل من طرف الناخبين. أتفهم مشاعر الناس القوية تجاه ذلك».

أقر مسؤولون بارزون في الحزب بالتأثير المباشر للموقف من الحرب على النتائج في بعض الدوائر المحلية، وعلى حظوظهم الانتخابية في الاقتراع التشريعي المقبل. وقال النائب العمالي بات ماك-فادين، وهو منسق الحملة الوطنية للحزب، بأن “المشاعر القوية” حول الشرق الأوسط كانت “عاملاً” في الخسائر، مضيفاً: “لا أعتقد أن هناك أي جدوى من إنكار ذلك – لقد أثير الأمر بالفعل”.

متظاهرون يطالبون بوقف حرب غزة في جامعة لندن الجمعة (أ.ف.ب)

بدوره، قال ويس ستريتينغ، وزير الصحة في حكومة الظل، إن الحزب تلقى رسالة الناخبين، وإنه يتفهم مواقفهم.

ولا يختلف موقف الحزب كثيراً عن موقف الحكومة. فبينما يتمسك الحزبان بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» وضرورة وقف القتال وحماية المدنيين والدفع باتجاه حل الدولتين، يختلفان في اختيارهما للمصطلحات. فتميل حكومة سوناك إلى الدعوة لـ«وقف إطلاق نار مستدام»، وهو مصطلح استحدثه وزير الخارجية ديفيد كاميرون، بينما يفضّل حزب «العمّال» الدعوة إلى «هدنة» أو «وقف إطلاق نار لدواعٍ إنسانية».

ودعا مسؤولون في الحزب إلى التجاوب مع مخاوف الناخبين حيال الحرب في غزة. وقال لورد بلانكت في هذا الصدد: «يجب أن نكون واضحين: نستطيع دعم حق إسرائيل في الوجود ورفض جميع أنواع معاداة السامية، والتعبير في الوقت ذاته عن الغضب حيال ما يحصل في غزة». وتابع: «أعتقد أنه ينبغي علينا أن نعبر بشكل أكبر عن روعنا مما يحصل في غزة (…)، وانتقاد رئيس وزراء إسرائيل».

نجلاء حبريري

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




هل ينجح حراك الجامعات في تغيير موقف أميركا من إسرائيل؟

الجمهوريون والديمقراطيون أمام أزمة التوفيق بين الحريات وكبح التظاهر

يُجمع عدد من المراقبين والمحللين على القول إن حركة الناشطين لدعم الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة وخصوصاً في جامعاتها ليست أمراً جديداً أو طارئاً فهي تمتد لعقود شهد خلالها الموقف من إسرائيل تغيراً لم تعهده من قبلُ الجامعات الأميركية والرأي العام الأميركي عموماً. ويتفق هؤلاء على أن هذا التغيير ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالصعود المتزايد للمجموعات اليسارية الشابة ونشاط حركات الدفاع عن الحريات التي اخترقت النسيج الاجتماعي ولا سيما في أوساط الأقليات بما فيها اليهود أنفسهم والسود واللاتينيون (الهسبانيكيون) والعرب والمسلمون. بيد أن هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي والحرب التي شنتها إسرائيل بعده على قطاع غزة فرضا حضوراً متجدداً لهذه القضية بالنسبة للكثير من الطلاب. وعلى مدى الأشهر السبعة الماضية اندلعت الاحتجاجات الطلابية حيث كانت أخبار الحرب ومشاهدها غالباً ما تكون هي الحافز لاشتداد وتيرتها أو تراجعها. ومع امتداد الاحتجاجات من جامعة إلى أخرى ومن الساحل الشرقي للولايات المتحدة مروراً بوسطها ووصولاً إلى ساحلها الغربي تجاوزت الاعتقالات أكثر من ألف ومائتي طالب وكذلك ازدادت الضغوط على قادة الجامعات والأساتذة والخريجين والعائلات ناهيك من المشرّعين الأميركيين و«المؤسسة» السياسية الأميركية والإدارة نفسها. إلا أن الطلاب المحتجّين ومناصريهم من الأكاديميين ما زالوا مُصرين على تحقيق أبرز مطلبين لهم وهما وقف الحرب ووقف الاستثمارات الجامعية مع إسرائيل

حتى اللحظة، ليس ثمة ما يشير إلى أن حركة الاحتجاج في الجامعات الأميركية على وشك الانحسار، على الرغم من تفكيك مخيمات الاعتصامات في عدد من الجامعات، والاشتباكات التي بدا بعضها مشبوهاً بين المؤيدين لإسرائيل والفلسطينيين. إلا أن الاحتجاجات غير الطلابية – رغم ضآلتها مقارنة بتحركات الطلاب – لم تعد تتصدر عناوين الأخبار، وهذا، مع احتجاجات خارج الأحداث السياسية التي سبقت الانتخابات، إذ توقفت حركة المرور على الجسور والطرق الرئيسة في مدن كسان فرنسيسكو ونيويورك. أما في شيكاغو وسياتل فقد أغلق المتظاهرون مداخل المطارات الدولية، وسار الصحافيون في العاصمة واشنطن بين المتظاهرين خارج حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، يوم السبت الماضي.

جدير بالذكر أنه مع بدء شهر مايو (أيار)، وإنهاء غالبية الطلاب سنتهم الدراسية، تبدأ غالبية الجامعات الأميركية تحضيراتها لحفلات التخرج السنوية. ومن الناحية العملية، ما كان ممكناً أن تشهد الاحتجاجات، التي اندلعت في الربع الأخير من شهر أبريل (نيسان) الماضي، هذا الزخم لو لم يُنهِ الطلاب امتحانات آخر العام. لكن مع بدء العطلة الصيفية، وعودة الطلاب إلى منازلهم، تُطرح التساؤلات عن مصير الاحتجاجات، وعمّا إذا كانت ستستمر بزخمها الحالي، وأيضاً تُطرح تساؤلات عن التداعيات السياسية المتوقعة في السباق الانتخابي المحموم، وعمّا إذا كان بإمكانها النجاح في تغيير البوصلة تجاه إسرائيل، أو في التحول إلى «حركة سياسية» تكسر هيمنة «ثنائية» الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

أزمة سياسية ودستورية

في أي حال، احتجاجات اليوم تحولت إلى أزمة سياسية ودستورية، إذ تواجه إدارات الجامعات العامة (الحكومية)، مثل جامعة كاليفورنيا – لوس أنجليس تحدّيات قانونية تُلزمها باحترام «التعديل الأول للدستور الأميركي» الذي يضمن حرية التعبير، أكثر من تلك التي تواجهها الجامعات الخاصة العريقة كجامعة كولمبيا وجامعة ييل.

وفي حين دافع الجمهوريون، وروّجوا لقانون حرية التعبير في الحُرم الجامعية العامة، وسط شكاوى من أن ما يُسمى «ثقافة الإلغاء» قد «استولت على التعليم العالي» وأصبحت «معادية» لوجهات نظرهم المحافظة، فإنهم يواجهون الآن مع الديمقراطيين معضلة التوفيق بين حرية التعبير وكبح التظاهرات التي «خرجت عن السيطرة». وبالفعل، تصاعدت مطالباتهم للجامعات بمراجعة وتحديث قواعد التعبير الخاصة بها، بحلول هذا الصيف؛ لمعالجة الحوادث الموصوفة بأنها «معادية للسامية»، والتأكد من أن المنظمات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين تواجه «الانضباط» بسبب انتهاك تلك السياسات.

ومن جهتها، انتظمت الطبقة السياسية الأميركية وممثلوها من كلا الحزبين في إطلاق المواقف التي تدعو إلى وضع حد لاحتجاجات الطلاب، من كبير الجمهوريين في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل، إلى زعيم الغالبية الديمقراطية السيناتور تشاك شومر، وصولاً إلى مطالبة رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون بنشر «الحرس الوطني»، إذا لزم الأمر، وهو ما دعا البعض إلى القول إن حركات الاعتراض التي شهدتها الولايات المتحدة، سواءً على قضايا السياسات الخارجية أم الداخلية، لا تزال عاجزة عن زحزحة سيطرة قبضة النظام الذي أظهر، ولا يزال، قدرة كبيرة على امتصاص «الصدمات» التي يتعرّض لها.

لكن قوة النظام هذه تستند أيضاً إلى رأي عام لا يزال ينظر إلى الأزمة الحالية بقدر من اللامبالاة. وعلى الرغم من الدعم الكبير الذي نراه في صفوف الشباب للقضية الفلسطينية، أظهر استطلاعٌ أجرته جامعة هارفارد عن القضايا التي تهم الشباب، في ربيع هذا العام، أن الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 29 سنة، يميلون إلى اعتبار التضخم والهجرة، من بين معظم القضايا الرئيسة الأخرى، أكثر أهمية من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ورغم ذلك يفضل الشباب «دعم سياسات جديدة»، ووقفاً دائماً لإطلاق النار في غزة بنسبة 5 إلى 1.

السيناتور تشاك شومر (رويترز)

من فيتنام إلى غزة

في سياق موازٍ، تعيد الاحتجاجات الطلابية ضد الحرب في غزة إلى الأذهان موجات من المظاهرات العارمة التي شهدتها الولايات المتحدة في الماضي. ولعل أهمها الاعتراض على حرب فيتنام، ودعم حركة الحقوق المدنية التي أسهمت بإنهاء التمييز ضد الأميركيين السود، ومناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ثم لاحقاً، التحركات الأحدث التي شهدتها الجامعات فيما عُرف بحركة «احتلال وول ستريت» ضد المصارف والشركات العملاقة عام 2008، إلى حركة الاعتراض على مشروع خط نفط داكوتا، ووقوف طلاب الجامعات عام 2016 مع أبناء القبائل الأميركية الأصليين أصحاب الأرض التي تضامن فيها معهم نشطاء مدافعون عن البيئة، إلى حركات النساء «مي تو (أنا أيضاً)»، وتظاهراتها الضخمة التي نُظمت ضد الرئيس السابق دونالد ترمب بعد يوم واحد من تنصيبه عام 2017، ووصولاً إلى تحركات ما سمي «حياة السود مهمة» ضد عنف الشرطة وسياسات ترمب عام 2020، التي امتدت إلى الشارع الأميركي بعد مقتل الرجل الأسود جورج فلويد.

هذا، وفي حين اتخذت بعض الاحتجاجات منحى دموياً في بعض الأحيان، حيث غالباً ما تتدخل الشرطة وتفض الاعتصامات والتحركات بالقوة، كما جرى في عام 1970، حين قُتل 4 طلاب في جامعة كنت ستايت بولاية أوهايو، تتكرّر، اليوم، الاعتداءات والاعتقالات على الطلاب، والكادر التعليمي، والنشطاء، وغيرهم.

بين جنوب أفريقيا وإسرائيل

من ناحية أخرى، مقابل الدعوات التي تطالب بوقف الاستثمارات الجامعية والتعاون مع إسرائيل، يحذّر البعض من أن الرهان على تكرار حركة المقاطعة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، قد لا يكون رهاناً جيداً. وكتب جيمس ماكينتوش، في صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالة رأي مطوّلة، قائلاً ما معناه إن حملة سحب الاستثمارات، إلى جانب مطالبة الطلاب بقطع العلاقات الأكاديمية مع الجامعات الإسرائيلية، لا يمكن أن تنجح إلا من خلال عزل إسرائيل ثقافياً، وليس من الناحية المالية، وأن فرصتها الوحيدة لتحقيق نتائج هي أن تدفع الإسرائيليين إلى العزلة، ونتيجةً لهذه العزلة ومعاملتهم على أنهم أشرار، قد يدفعون حكومتهم إلى تغيير اتجاهها.

وأضاف ماكينتوش أن حركة مقاطعة جنوب أفريقيا استمرت لعقود من الزمن، وشملت المستهلكين في المقام الأول لا المستثمرين، وكان لها آثار مالية خطيرة على صادرات البلاد. وتابع أن الشركات الأكثر أهمية للجيش الإسرائيلي، أو لإنتاج الوقود الأحفوري، الذي صدرت في السابق دعوات لسحب الاستثمارات الجامعية منها، تنتمي إلى الحكومات أو تدعمها. وبالتالي، حتى لو نجحت عملية سحب الاستثمارات بطريقة أو بأخرى في شركات أخرى، فإنها لن تنجح هنا، إذ إن إسرائيل تتلقى دعماً عسكرياً أميركياً كبيراً بتمويل من الحكومة، (كان آخره توقيع بايدن على أكبر حزمة مساعدات أقرّها الكونغرس لإسرائيل بقيمة 26 مليار دولار)، وهكذا سيتواصل تدفق الأسلحة عليها، بغض النظر عما يفعله مستثمرو القطاع الخاص، ولن يتمكن من إيقافها سوى الكونغرس أو البيت الأبيض.

السيناتور ميتش ماكونيل (رويترز)

لماذا فشلت الحراكات بالتحول لكيانات سياسية؟

أمر آخر يستحق التساؤل هو لماذا فشلت التحركات الاعتراضية والاحتجاجية – حتى تلك التي تمكنت من ترك تأثيرات عميقة على المجتمع والمشهد السياسي الأميركي، كإقرار قوانين الحقوق المدنية – في التحول إلى كيانات سياسية ناشطة مستمرة؟

قد يُعد تبوء الفئات الشابة الطلابية قيادة تلك التحركات أمراً مفهوماً في المجتمعات كافة، وهو ما حصل في عدد من البلدان على امتداد العقود الحديثة الأخيرة. غير أن نجاحها في إحداث التغيير ما كان ممكناً لو لم تنضمَّ إليها فئات اجتماعية صاحبة مصلحة فعلية في إحداث هذا التغيير. وفي الولايات المتحدة، مثلاً، لم تستطع احتجاجات الطلاب المطلبية التحول إلى إنجازات إلّا بعد توسعها لإشراك قوى اجتماعية أخرى، وتحويل مطالبهم معها إلى مصالح مشتركة، وهو بالضبط ما جرى خصوصاً في سنوات الحراك الاجتماعي الكبير للمطالبة بالحقوق المدنية، فقد كان لافتاً أن حراك الطلاب غالباً ما ينتهي إلى تفرقهم وتشتت قياداتهم؛ لأن الحيوية التي يتمتع بها الشباب و«ثوريتهم» فقط لا تكفيان لإحداث التغيير السياسي.

من فيتنام إلى غزة… لماذا فشلت الاحتجاجات الشعبية

في كسر ثنائية الحزبين المهيمنة؟

كلمات تحذيرية

الكاتب والصحافي سيرج شميمان كتب، في مقالة بصحيفة «نيويورك تايمز»، أن الناظر في تحرّكات جامعات أميركا يرى تكراراً للأحداث الطلابية عام 1968، لكن مع فارق أساسي هو أن الانقسامات الطلابية تتجه لتكون انقسامات شخصية وقبيحة في كثير من الأحيان، بين الطلاب اليهود والطلاب العرب أو المسلمين، أو أي شخص يُنظر إليه على أنه يقف على الجانب «الخاطئ» من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ولقد أدى هذا الوضع إلى دفع الاحتجاجات بشكل مباشر إلى سياسة الاستقطاب السائدة في البلاد، حيث يصوّرها السياسيون والنقاد، وخصوصاً من اليمين، على أنها مظاهر خطيرة «لمعاداة السامية»، و«اليقظة»، ويطالبون بإنهائها وحضّ إدارات الجامعات على استدعاء الشرطة للقيام بذلك تماماً.

وما يُذكر أنه في عام 1972، نجح الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في استمالة «الأغلبية الصامتة» من قدامى المحاربين، التي وقفت ضد «الغوغاء» التي اجتاحت البلاد، على خلفية الحرب في فيتنام، وفاز بغالبية 60 في المائة بانتخابات ذلك العام. واليوم يُخشى أن تنجح الهجمة التي تتعرّض لها احتجاجات الطلاب لـ«شيطنة» مطالباتهم بسياسات جديدة تجاه إسرائيل والفلسطينيين، إذا ما سيطر الجناح الذي يعتقد أن شعار «من البحر إلى النهر» صالح لاستقطاب الرأي العام الأميركي. وكانت وسائل الإعلام الأميركية، بما فيها تلك المحسوبة على الليبراليين، قد نشرت، في الآونة الأخيرة، تقارير عن رفع شعارات وأعلام «حماس» و«حزب الله»، المصنّفين على لائحة الإرهاب الأميركية، والأقنعة والكوفيات، التي اختفت، إلى حد كبير، من الحياة الأميركية، بعد سنتين من تفشي وباء «كوفيد»، كسمة مميزة لثقافة «الاحتجاج اليسارية المتضخمة» في أميركا، ما يشير إلى «الخطورة» التي قد يتعرض لها الحراك الطلابي ومستقبله، في حال سيطرة هذا الجناح عليه.

مبنى قاعة هاميلتون الشهير (آ ب)

انتفاضات الحُرم الجامعية الأميركية… وتداعياتها المحتملة

صعّدت المجموعات الاحتجاجية تحركاتها حين أعلن الطلاب في جامعة كولمبيا، إحدى أعرق الجامعات الأميركية وأغناها ومهد تلك الاحتجاجات، احتلال قاعة هاميلتون الشهيرة؛ «حتى تلبية مطالبهم»، لكن الشرطة تدخلت وأخرجتهم منها مُزيلة مخيم الاعتصام أيضاً. للعلم، فإن للقاعة التي افتُتحت عام 1907، وتحمل اسم ألكسندر هاميلتون، أول وزير خزانة للولايات المتحدة، تاريخ حافل، إذ احتلها الطلاب عام 1968؛ احتجاجاً على حرب فيتنام، وعام 1972؛ احتجاجاً على قرارات جامعية، ثم في عام 1985، احتلها الطلاب؛ لمطالبة الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات التي تتعامل مع دولة جنوب أفريقيا (العنصرية يومذاك)، الأمر الذي تحقّق، في وقت لاحق من ذلك العام، عندما صوّت مجلس الأمناء على بيع جميع أسهم الجامعة في الشركات الأميركية التي تعمل هنا. ومجدداً في عام 1992، احتلت احتجاجاً على قرار إدارة الجامعة تحويلها إلى مسرح ومجمع أبحاث طبي، فيما عُدّ طمساً لتاريخها في الدفاع عن حركة الحقوق المدنية، وخصوصاً أن مالكوم إكس، شريك مارتن لوثر كينغ، اغتيل فيها عام 1965. وفي حين يعتقد البعض أن معارضة الطلاب للحرب في غزة قد لا تنتهي مع بدء العطلة الصيفية، فهم يذكّرون باحتجاجات 1968، ضد حرب فيتنام، حين خطط المنظمون لاحتجاج كبير، أثناء انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في أغسطس (آب)، بمدينة شيكاغو؛ للتصديق على مرشح الحزب الرئاسي في ذلك العام. وكما حدث عام 1968، سينتهي العام الدراسي الحالي قريباً، وسيغادر هؤلاء الطلاب للصيف، ما قد يتيح لهم مزيداً من الوقت والتحضير، لتركيز جهودهم على اجتماع المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي، الذي سينظَّم، هذا العام أيضاً، في شيكاغو خلال أغسطس المقبل. وتخطط الجماعات المناهضة للحرب بالفعل لتنظيم احتجاجات كبيرة، في المؤتمر. ونقلت صحيفة «شيكاغو تريبيون» عن ناشطين من شبكة الجالية الفلسطينية الأميركية قولهم إنهم سينظمون مسيرات في هذا المؤتمر الأهم منذ 1968، عندما نظَّم المتظاهرون في حرب فيتنام وحركة تحرير السود مظاهرات حاشدة جرى قمعها بعنف. ووسط الغضب المتزايد إزاء حصيلة القتلى المرتفعة في غزة، خصوصاً بين فئة الشباب الأميركيين، تحاول إدارة بايدن الموازنة بين دعمها لإسرائيل، وتخفيف تأثيره على إعادة انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن حملته الانتخابية بدت وكأنها تراهن على انتهاء التظاهرات، وتلاشي المشاعر الملتهبة، واصطفاف الناخبين الديمقراطيين في نهاية المطاف، عندما يقترب يوم الانتخابات، ويصبح الاختيار بين بايدن وترمب أكثر وضوحاً، وهو ما يحذر منه البعض ويعدُّونه مقامرة متهورة. وحقاً، يُظهر استطلاع للرأي، أجرته جامعة كوينيبياك، يوم 24 أبريل (نيسان)، أن 53 في المائة من الديمقراطيين يعارضون إرسال مزيد من المساعدات العسكرية لإسرائيل، لدعم جهودها في الحرب ضد غزة. وفي استطلاع أخير أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وجد أن الأميركيين السود أقل ميلاً لدعم معاملة إسرائيل للفلسطينيين، مقارنة بالأميركيين البيض. وبينما تبيَّن أن 38 في المائة من الأميركيين البيض يؤيدون، في الغالب أو كلياً، إسرائيل في الحرب على غزة، فإن 13 في المائة فقط من الأميركيين السود يؤيدون ذلك. ويوم الثلاثاء، أيدت «منظمة الحزب الديمقراطي» في الكليات الأميركية، الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الحرم الجامعي، ودعت الرئيس بايدن إلى دعم وقف دائم لإطلاق النار في غزة. وفي بيان وافق عليه المجلس التنفيذي للمنظمة بأغلبية 8 أصوات مقابل صوتين، أشاد ديمقراطيو الكليات بالطلاب المحتجّين؛ «لامتلاكهم الوضوح الأخلاقي لرؤية هذه الحرب على حقيقتها: مدمرة وإبادة جماعية وغير عادلة»، وأدانوا مديري الكليات؛ لاستدعاء الشرطة لإلقاء القبض على الطلاب.

إيلي يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مسؤول إسرائيلي: لن ننهي حرب غزة من أجل صفقة التبادل وسندخل رفح

رفض مسؤول إسرائيلي قريب من المحادثات الجارية لتأمين صفقة إطلاق سراح الرهائن، تقارير أوردتها وسائل إعلام عربية تقول إن الولايات المتحدة ضمنت سحب إسرائيل جميع قواتها من غزة في ختام اتفاق بشأن وقف إطلاق النار على 3 مراحل، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المسؤول، الذي لم تجرِ تسميته، إنه «على النقيض من هذه التقارير، لن توافق إسرائيل تحت أي ظرف على إنهاء الحرب كجزء من اتفاق لإطلاق سراح رهائننا»، وفق صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف المسؤول: «كما قرر المستوى السياسي، سوف يدخل الجيش رفح، ويدمر الكتائب الباقية لـ«حماس» هناك، سواء كانت هناك مهلة مؤقتة أو من دونها للسماح بالإفراج عن رهائننا».

وحذر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مجدداً من شن هجوم إسرائيلي واسع على مدينة رفح، قائلاً إن إسرائيل لم تقدم خطة لحماية المدنيين.

وقال بلينكن أمام منتدى «سيدونا» التابع لمعهد «ماكين» في ولاية أريزونا: «في غياب مثل تلك الخطة، لا يمكننا دعم عملية عسكرية واسعة في رفح؛ لأن الضرر الذي ستحدثه يتجاوز ما هو مقبول».

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




نتنياهو يخطط للانتخابات… ولحرب طويلة ضد «حماس»

يعتقد أن صفقة تبادل ستُخرج بن غفير وسموتريتش… ولا يرى منافساً له 

كشفت مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قرر الترشح مرة أخرى لرئاسة الوزراء في الانتخابات المقبلة، ويعتقد أنه لا يمكن لأحد أن ينافسه. وقال موقع «تايمز أوف إسرائيل» إنه أصبح من الواضح في الأسابيع الأخيرة أن نتنياهو ينوي خوض الانتخابات، على الرغم من أنه لم يعلن أي قرار بشأن هذه القضية منذ اندلاع الحرب في غزة، ويكتفي بالحديث عن الاستمرار في قيادة البلاد. ويعتقد نتنياهو أن إسرائيل في خضم حرب ستستمر لسنوات عديدة، وأنه وحده القادر على مواجهة هذا التحدي. والأكثر من ذلك، فهو مقتنع بأنه سيفوز في الانتخابات، ربما في الأشهر المقبلة، إذا تم التصويت على اقتراح لصفقة الرهائن، وهي صفقة يفترض نتنياهو أنها ستؤدي إلى استقالة وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، وحزبه «عوتسما يهوديت» من الحكومة، يليه بعد فترة وجيزة استقالة وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش وحزبه «الصهيونية الدينية»، وهو ما سيجعل الانتخابات حتميةً.

وحسب التقرير، فإن نتنياهو واثق من قدرته على التغلب على أي مرشح آخر في إسرائيل (بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية لحزب «الليكود»، في حال تحداه أي أحد في حزبه). وقال مصدر مقرب من مكتب نتنياهو: «لا يستطيع أي من المرشحين الآخرين أن ينافسه». وأخذ نتنياهو «شهادة امتياز» من الإدارة الأميركية في وقت سابق من هذا الأسبوع بعد أن أشاد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بالعرض الذي قدمته إسرائيل للتهدئة وإطلاق سراح الرهائن، ووصفه بأنه «سخي للغاية». بالنسبة لنتنياهو، إذا أعطت الولايات المتحدة شرعية واسعة للاقتراح الإسرائيلي، بل وأثنت عليه، فلا يمكنه أن يقدم أكثر من ذلك، كما أن الموقف الأميركي خفف السخط أو الغضب لدى عائلات المحتجزين، بالإضافة إلى إسكات وزير مجلس الحرب بيني غانتس، والمراقب غادي آيزنكوت، اللذين اتهما بن غفير وسموتريتش بابتزاز نتنياهو من أجل مصالحهما السياسية في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ويرى نتنياهو ومقربون منه أن الإعلان الأميركي أظهره بأنه لا يؤخر التوصل إلى اتفاق ولا يعرقل أي اتفاق. بل على العكس من ذلك. وفيما ينتظر نتنياهو رد «حماس»، فإن موافقتها، حسب «تايمز أوف إسرائيل»، ستكون بالغة الأهمية بالنسبة للرهائن وعائلاتهم، ولكنها ستؤثر أيضاً على مستقبل إسرائيل وحكومتها. يعتقد نتنياهو ورفاقه أن بن غفير لن يتمكن من قبول الصفقة، وسوف يصوت ضد الاقتراح ويسحب حزبه إلى المعارضة، وسيلحقه سموتريتش. وقال مصدر في مكتب رئيس الوزراء: «نتنياهو مستعد لتمرير هذه الصفقة ولن يستسلم». وبغض النظر عن صفقة الرهائن، فإن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وجميع المشرعين اليمينيين الآخرين متحدون في الرأي بأن الحرب لا يمكن أن تنتهي على هذا النحو.

بالنسبة لنتنياهو، فإن الحرب ضد «حماس» سوف تستمر 10 سنوات، وربما أكثر. الحرب ستستمر ولن تقتصر على رفح فحسب، بل على كامل القطاع. وحسب وثائق استخباراتية، حصل عليها نتنياهو، فر آلاف المقاتلين واختبأوا بعد أن انهارت كتائب «حماس» في المدن ومخيمات اللاجئين، وهم لا يشاركون حالياً في القتال ضد إسرائيل. سوف يستغرق الأمر من إسرائيل سنوات عديدة لاستئصالهم والقضاء عليهم، وإذا لم يحدث ذلك، فسوف يبنون قوتهم مرة أخرى، ويعيدون تسليح أنفسهم، ويعيدون بناء أنفاقهم، وينفذون هجمات أسوأ على إسرائيل.

قبل الحرب، كان هناك حوالي 40 ألف مقاتل تابع للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، معظمهم من «حماس»، وبينما تعتقد إسرائيل أنها قضت على حوالي 15 ألف منهم، لا يزال هناك 25 ألفاً. (يقول الجيش الإسرائيلي إنه قتل أكثر من 13 ألف مقاتل داخل غزة و1000 آخرين في إسرائيل في 7 أكتوبر. كما أصاب أو اعتقل آلافاً آخرين). ونقل عن نتنياهو قوله للمقربين «لا يمكننا القضاء عليهم جميعاً. كما أننا لا نستطيع القضاء على جميع الإرهابيين في الضفة الغربية. لكن علينا أن نقاتلهم حتى النهاية».

وأكد أحد مساعدي نتنياهو أن لا فائدة من إيقاف الحرب الآن، لأن ذلك يعني أن «حماس» ستشرع في هجوم آخر. وقال الكاتب الإسرائيلي في «تايمز أوف إسرائيل»، شالوم يروشالمي، إن نتنياهو خفض كل مسألة كانت قبل السابع من أكتوبر على رأس الأولويات، مثل التطبيع والتحالف ضد إيران، إلى أسفل قائمة الأولويات، وجعلها أقل من تحقيق أهدف الحرب.

وأضاف: «في الوقت الحالي، لا توجد لدى نتنياهو استراتيجية واضحة للتعامل مع غزة بعد الحرب، الأمر الذي يعزز قبضة (حماس) على القطاع. فهو وجماعته يريدون من مصر أن تنشئ هيئة حكم في غزة إلى جانب الأردنيين والفلسطينيين المحليين، وحتى أعضاء (فتح). ولكن ليس السلطة الفلسطينية». وقال مصدر مقرب من نتنياهو: «لا قيمة لهم. (السلطة) إنهم غير قادرين حتى على حكم جنين».

لكن ماذا سيحدث إذا تمت الموافقة على الصفقة، وانهارت الحكومة، وتوجهت إسرائيل إلى الانتخابات؟ نتنياهو والمقربون منه على يقين من أنه سيفوز بالانتخابات. وفي حين أن أكبر فشل كارثي في تاريخ إسرائيل حدث في عهده، فإنهم يعتقدون أن المرشحين الآخرين لا يشكلون تحدياً له. ويتوقع نتنياهو في استطلاعاته تحولاً قوياً نحو اليمين بين المواطنين الإسرائيليين في نهاية الحرب، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر باستمرار تقدم بيني غانتس عليه.

وأوضح مصدر مقرب من نتنياهو أن «الأغلبية اليمينية في هذا البلد لديها ثلاثة خيارات: بنيامين نتنياهو، وبيني غانتس، و(زعيم المعارضة) يائير لبيد. هذه ليست مواجهة بين نتنياهو وموسى». وأضاف المصدر: «بالنسبة للناخبين، غانتس ينتمي إلى يسار الوسط ولبيد غير قادر على إدارة البلاد والوقوف في وجه الضغوط الدولية». ولا ينوي نتنياهو، بطبيعة الحال، تحمل المسؤولية والاستقالة بعد سلسلة المآسي التي شهدتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، على اعتبار أن «المسؤول عن الإخفاقات سيستقيل، والمسؤول ليس رئيس الوزراء»، ويرى نتنياهو والمقربون منه أن جميع الاحتمالات ستتضح بشكل أكثر وضوحاً مع تشكيل أحزاب سياسية جديدة محتملة في فترة الانتخابات.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




عيد العمال في فلسطين: قتل وتشريد وتجويع

يجد العامل الفلسطيني محسن عبد الرزاق عودة (55 عاماً) نفسه وحيداً عاجزاً عن الإيفاء بتكاليف الحياة اليومية لأسرته المكونة من ثمانية أفراد، وأكبر أبنائه طالب في كلية الهندسة في جامعة النجاح في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية. مضى سبعة أشهر على فقدان عودة عمله في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 عقب أحداث طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهو حال غالبية عمال فلسطين الذين يعملون في الداخل من دون إسناد من أحد. 

البطالة تطاردهم 

يقول عودة لـ”العربي الجديد”: “كنا نتندر في الأعوام السابقة عندما يأتي يوم العمال العالمي في الأول من مايو/ أيار من كل عام بأن الجميع يأخذ إجازة إلا العامل، لكننا اليوم نجد أنفسنا في هذه الذكرى نستجدي المساعدة. لم أتخيل يوماً أن أصل إلى هذه الحالة الصعبة، فلا أكاد أجد قوت عائلتي”.ويضيف: “بعد هذا العمر لا أقوى على العمل على بسطة أو أن أبيع على إشارات المرور كما أجبرت الظروف زملاء سابقين لي”.

يتابع: “صحيح أننا كنا نعمل في الداخل ولدى أرباب العمل والمصانع الإسرائيلية، لكننا لو وجدنا فرصة لنا هنا لما ذهبنا إلى هناك. فالسوق المحلي لا يستوعب كل هذه الأعداد الضخمة من الأيدي العاملة، وثانياً، كنا نضخ ملايين الشواكل الإسرائيلية بالأسواق في قطاعات كثيرة”. 

لا إسناد لهم 

يوجه عودة عتبه الشديد إلى وزارة العمل الفلسطينية واتحادات العمال ونقاباتها التي تركتهم في مهب الريح. يشاركه الرأي العامل وائل مشة من مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين شرق نابلس، الذي طرق أبواباً كثيرة عله يجد فرصة عمل من دون جدوى. 

ويقول العامل الفلسطيني : “في عيدنا بتنا متسوّلين. أنا لا أبالغ في وصف الحالة التي وصلنا إليها نحن من يطلقون علينا (عمال الداخل)، كانوا يحسدوننا على المبالغ التي نتقاضاها مقارنة بالعامل في السوق المحلية، وهذا صحيح، لكنهم يتناسون أننا كنا نخرج من بيوتنا في العتمة ونعود إليها في العتمة، والأهم أننا كنا نؤدي دوراً في تحريك عجلة الاقتصاد”. 

يتابع: “لم نسمع أن الحكومة شكلت لجنة لدراسة حالتنا أو لتعويضنا ولو جزئياً أو حتى للتخفيف من الإجراءات الواقعة علينا. بعضنا بات ملاحقاً لأن الشيكات التي كتبها على نفسه لم تُصرف لعدم كفاية الرصيد وأصبح مطلوباً للاعتقال”. 

محاولات للعودة 

كان الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد، أعلن عودة الآلاف من العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم في الداخل المحتل بداية الشهر القادم، وفقاً لاتصالات تلقوها من شركات كانوا يعملون فيها، لافتاً إلى أن نحو 14500 عاملاً ممن كانوا يمتلكون تصاريح للعمل في الداخل في مجالات الصناعة والصحة والقطاعات الخدماتية وعدد قليل منهم في مجال البناء، سبق أن عادوا إلى العمل، بشرط عدم البقاء داخل الأراضي المحتلة. 

ووفق سعد، فإن خسائر العمال الذين تعطلوا منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول المالضي تجاوزت سبعة مليارات شيكل (الدولار = نحو 3.7 شواكل) وهذه الخسائر الهائلة لها آثار سلبية على الاقتصاد الفلسطيني.

وعن تعويض العمال والتخفيف عنهم، يوضح سعد أن الاتحاد اجتمع مرات عديدة مع سلطة النقد الفلسطينية من أجل تأمين سلفة مالية للعمال من البنوك لكنها لم تلتزم، علماً أنها كانت تطلب من العمال فتح حسابات لديها مع ضمان تسهيلات لهم. 

ويشير سعد إلى أن اتحاد النقابات خاطب الاتحاد الدولي للنقابات ITUC واتحاد نقابات عمال أميركا ونقابات عمالية عالمية ومنظمة العمل الدولية لوضعهم في صورة الظلم والاضطهاد الذي يعانيه عمال الداخل، إذ نجحت الجهود في تحصيل مبلغ مالي تم توزيعه على عمال غزة الذين لجؤوا إلى الضفة الغربية. 

فقدان مورد مالي مهم 

الخبير الاقتصادي سامح العطعوط يوضح في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الدخل المتأتي من العمال في الداخل كان يشكل دورة مالية توصف بأنها جيدة اقتصادياً، كانت قيمته مليار ونصف مليار شيكل شهرياً، بمعدل 18 ملياراً سنوياً أي 4.5 مليارات دولار سنوياً، ما يشكل ما بين 33% إلى 35% من حجم الناتج الإجمالي الفلسطيني، أي يمثل ثلث الاقتصاد الفلسطيني، هذا يضاف إلى دورهم المهم في تحريك الدائرة التجارية. 

ويؤكد العطعوط أن توقفهم عن العمل أدى من دون أدنى شك إلى ضربة قاتلة للشقين، المالي المتمثل بدورهم في إدخال عملة الشيكل إلى السوق المحلي، إذ تراجعت قدرتهم الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، فقد كان دخلهم المرتفع جداً مقارنة بعمال الضفة الغربية يجعلهم يُقبلون على الشراء وتحريك الأسواق التي كانت تكتظ وتنتعش أيام السبت من كل أسبوع تقريباً وهو يوم إجازتهم من العمل في الداخل، كما أن وضعهم المادي الممتاز شجعهم على شراء الأراضي وتشييد بيوت فخمة وتأثيثها بأفضل المفروشات، وهذا كله حرك قطاعات كثيرة وشغّل أيد عاملة. 

مشكلات اقتصادية 

يشير العطعوط إلى مشكلات اقتصادية كبيرة تحتاج إلى نموذج اقتصادي مختلف عن النموذج الاقتصادي الفلسطيني المبني منذ 33 عاماً، والقائم على العمالة في الداخل المحتل، بصفة رئيسية. ويقول العطعوط: “هنا السؤال الذي يجب أن يوجه إلى الجهات الرسمية الفلسطينية التي أهملت كل هذا التأثير لعمال الداخل وتركتهم يواجهون مصيرهم المحتوم في ظل غياب الخطط من وزارتي المالية والعمل”.

ويتابع: “هل يعقل ألا يتم تشكيل لجان لدراسة النتائج المترتبة على توقفهم عن العمل في الداخل وآليات الاستفادة من هذا الشلال الجارف من الأيدي العاملة الماهرة التي كانت تعمل في شتى القطاعات في الداخل، والأهم البحث في آلية تعويضهم ولو جزئياً، فلو كان بعضهم يدّخر مالاً لكانت هذه الأشهر السبعة التي تلت السابع من أكتوبر، كافية لإنفاقها، ولا سيما لمعيلي العائلات الكبيرة أو أولئك الذين عليهم التزامات وأقساط ثمن أراضٍ اشتروها وبيوت شيدوها أو لديهم أبناء في الجامعات وأمور أخرى، وهل يعقل أن يترك من كان يساهم بثلث الناتج وحيداً من دون أي دعم أو تعويض؟”. 

ويؤكد العطعوط بالقول: “نحن اليوم في حاجة إلى خطة اقتصادية مختلفة عن تلك التي كانت موضوعة قبل تطور الأحداث، فالعناصر التي كانت تؤهل الاقتصاد وتبقيه واقفاً على قدميه انتهت وتوقفت، لذا نحن اليوم في حاجة إلى بناء نموذج اقتصادي جديد”. 

قتل وتجويع في غزة 

وفي قطاع غزة كان الوضع أكثر صعوبة من فلسطينيي الداخل، إذ بات مئات الآلاف من العمال في فوهة العدوان الإسرائيلي المباشر عبر القتل وتدمير مصادر الرزق بهدف تجويعهم. 

وفي هذا الإطار طالب رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، في بيان صادر عنه، أمس الثلاثاء، بمناسبة يوم العمال العالمي إن على دول العالم والمؤسسات الدولية والشعوب الصديقة التدخل الفوري لحماية شعبنا خاصة في قطاع غزة وإيقاف العدوان الوحشي، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية. وشدد فتوح على ضرورة أن ترسل محكمة الجنايات الدولية فرق تفتيش وتحقيق جنائية بالمجازر، والإعدامات بحق المدنيين والنساء والأطفال في غزة. 

طرد وتشريد 

كان الآلاف من عمال غزة إما طردوا بعد السابع من أكتوبر الماضي من الأراضي المحتلة عام 1948، وإمّا انتقلوا بإرادتهم إلى الضفة الغربية خشية الاعتقال والتنكيل بعد توقف أعمالهم، وكان عدد منهم قال في شهادات لـ”العربي الجديد” إنهم تعرضوا للتنكيل والضرب والاحتجاز لساعات طويلة، في حين اعتقلت قوات الاحتلال الآلاف منهم في ظروف صعبة وقاسية، حيث تعرّض عدد منهم للتعذيب والقتل، وقامت سلطات الاحتلال بترحيلهم إلى قطاع غزة يوم الجمعة الماضي. 

وبحسب وزارة العمل الفلسطينية في قطاع غزة، وصل عدد الفلسطينيين من غزة الحاصلين على تصاريح للعمل في إسرائيل حوالي 18 ألفاً و500 عامل وذلك قبل انطلاق العدوان الإسرائيلي. وأعلن الاحتلال الإسرائيلي، في بداية شهر نوفمبر/ تشرين الأول الماضي الإفراج عن سبعة آلاف عامل فلسطيني من سكان غزة كانوا يعملون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وجرى احتجازهم مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. 

وأكدت إسرائيل آنذاك، أنها ستُعيد إلى غزّة جميع عمّال القطاع الذين علقوا في الأراضي الإسرائيلية منذ عملية طوفان الأقصى، و”قطع كل الصلات” مع القطاع، وعدم السماح لعمال غزة بدخول أراضيها.

سامر خويرة

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الاحتلال يحارب لقمة عيش الفلسطينيين عبر التنكيل بالعمال

تعمّد الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه المتواصل على الفلسطينيين إبادة مصادر رزقهم وتجويعهم، وبات من لم يمت بالرصاص في مواجهة الموت جوعاً.

وفي هذا الإطار، كشف رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد، لـ”العربي الجديد” عن أن مئات الآلاف من العمال في الضفة والأراضي المحتلة فقدوا أعمالهم بسبب العدوان الإسرائيلي، مؤكداً أن الكارثة الكبرى في قطاع غزة، حيث وصلت نسبة البطالة إلى 100% تقريباً. 

حكايات مأساوية للعمال 

بعد جهد جهيد، تمكن عبيدة حداد من مدينة نابلس شماليّ الضفة الغربية المحتلة من العمل سائقاً في مكتب للنقليات في المدينة، بعد نحو خمسة أشهر على فقدانه لعمله في مجال الاعتناء بالحدائق البيتية في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، عقب أحداث الـ7 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

الرجل الذي ناهز الستين من عمره يعمل في هذا المجال في الداخل المحتل منذ أكثر من أربعين عاماً، ولا يجيد عملاً آخر غيره، وهذا النوع من الأعمال لا يلقى اهتماماً في الضفة الغربية، لذلك لم يكن أمامه كي يواصل الإنفاق على أسرته الكبيرة المكونة من ثمانية أشخاص، من بينهم طالبان جامعيان، أحدهما يدرس الطب البشري والآخر الهندسة، إلا البحث عن عمل يمكنه القيام به وهو في هذه السّن المتقدمة، فكان الحل بأن يعمل سائقاً لنقل الركاب، كما يؤكد لـ”العربي الجديد”.

أما ياسر بدران، من مدينة طولكرم، فقد خسر عمله في مجال الخياطة، وسرّح ثلاثة من العمال كانوا يعملون معه، بعد أن أغلق مشغله المتواضع، عقب بدء العدوان على غزة، وهو اليوم يقف على بسطة لبيع الخضار وسط السوق.

يقول بدران لـ”العربي الجديد”: “حتى قبل هذه الأحداث كان قطاعنا في أسوأ أحواله، فكيف بعد الإغلاقات وتوقف إرسال الملابس التي نحيكها للتجار في الداخل المحتل؟!

ويواصل قائلا: ” للأسف، سوق الضفة الغربية مغرق بالملابس الرخيصة المستوردة من الصين وتركيا، ونادراً ما تجد متجراً يعرض ملابس من إنتاج محلي، لذلك كنّا نتعاقد مع مشاغل خياطة ضخمة وشركات ملابس إسرائيلية، ترسل إلينا القماش لنعيده إليها ملابس جاهزة، كالقمصان والسراويل وغيرها. ولكن تلك الجهات توقفت عن التعاقد معنا منذ معركة طوفان الأقصى”.

بطالة مئات الآلاف 

أسوة بحداد وبدران، فقد أكثر من ربع مليون عامل فلسطيني حسب اتحاد نقابات عمال فلسطين مصادر دخلهم التي كانوا يتحصلون عليها جراء عملهم في قطاعات كثيرة مثل البناء والزراعة والخدمات لدى أرباب العمل “الإسرائيليين”، وهؤلاء كانوا يضخون ملايين الشواكل (عملة إسرائيلية) في السوق الفلسطينية، ويحركون عجلة البيع والشراء بشكل ملحوظ.

في حين يقدّر الاتحاد على لسان رئيسه شاهر سعد، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن أكثر من 100 ألف عامل فقدوا أعمالهم كلياً أو جزئياً في الضفة الغربية للأسباب ذاتها.

ويقول سعد: “بالتالي، نحن نتحدث عن أكثر من 350 ألف شخص باتوا عاطلين من العمل بصورة أو بأخرى. أما الكارثة الكبرى، فهي في غزة، حيث وصلت نسبة البطالة إلى 100% تقريباً بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر”.

وحسب الاتحاد، هناك 190 ألف عامل فلسطيني من الضفة وغزة يعملون بشكل رسمي بسوق العمل الإسرائيلية، ونحو 60 ألفاً يدخلون عبر طرق التفافية، وجميعهم تقريباً توقفوا عن العمل بسبب العدوان.

كذلك أُلغيَت تصاريح 19 ألف عامل من غزة، في وقت اعتقلت إسرائيل أكثر من 4600 عامل من القطاع، كانوا يتواجدون بأماكن عملهم ونكلت بهم واعتدت عليهم، وقتلت 3 منهم إثر التعذيب خلال التحقيق معهم، كذلك قتلت عاملاً يعمل في قطاع النقل في الخليل، إضافة إلى قتل المستوطنين عاملاً فلسطينياً في أثناء عمله بقطاف الزيتون قرب نابلس.

وتشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وجود أكثر من 651 ألف عاطل من العمل في فلسطين، منهم 393 ألفاً في قطاع غزة، و258 ألفاً في الضفة الغربية في عام 2023. 

توقف عجلة الاقتصاد 

ويرجع سعد أسباب فقدان عمال الضفة لأعمالهم، إلى “توقف عجلة الاقتصاد، وضعف عمليات البيع والشراء، وإغلاق عشرات المؤسسات لأبوابها، نتيجة اعتداءات الاحتلال المستمرة وإغلاقه للمدن والقرى بالحواجز العسكرية، وتوقف دخول المتسوقين من المناطق المحتلة عام 1948 لأسواق الضفة الغربية.

وهؤلاء كان لهم دور كبير في الإنفاق على شراء المستلزمات وإشغال قطاع الخدمات تحديداً مثل المطاعم والفنادق وأماكن التسوق والتنزه والسياحة”.

فعلى سبيل المثال، يشكل قطاع السياحة 11% من سوق العمل الفلسطينية، وقد تعطل بالكامل، حيث توقف خمسة آلاف عامل عن أعمالهم، فيما تراجع قطاع البناء في الضفة الغربية بنسبة 35%، حيث كان يعمل فيه 120 ألف عامل قبل الحرب، وفق سعد.

والعمال من أكثر المتضررين، حيث يقول سعد: “هناك من العمال من تراكمت عليه أجرة البيت أو قسط الشقة التي اشتراها، واضطر إلى إرجاع الشيكات التي كتبها على نفسه، وهناك من دفعته الظروف إلى تأجيل تسجيل أبنائه في الجامعات.

معظمهم لم يجد عملاً حتى اليوم، ومن حالفه الحظ افتتح مشروعاً صغيراً، كأكشاك بيع المشروبات الساخنة، والباردة، والأطعمة الشعبية، أو العمل في مجال غير تخصصه لينفق على عائلته”. 

عجز الحكومة الفلسطينية 

من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي سامح العطعوط لـ”العربي الجديد” أن “الحكومة الفلسطينية لم تفعل أي شيء تجاه ما يمكن أن أصفه بالكارثة الاقتصادية التي حلّت علينا جراء هذه الأرقام المفزعة للبطالة وفقدان مئات الآلاف لمصادر دخلهم، سواء في الداخل المحتل أو الضفة الغربية”، فيما يلفت إلى أن الحال في غزة لا يمكن وصفه في ظل مواصلة العدوان الإسرائيلي.

ويتابع العطعوط: “مررنا بحالة مشابهة، وإن كانت أقلّ حدة وتأثيراً، خلال جائحة كورونا، عندما وصلت البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وأصاب الشلل الغالبية العظمى من القطاعات، حينها قدمت الحكومة حلولاً ركيكة للأزمة تمثلت بتأسيس صندوق (وقفة عز) الذي وفر مبالغ مالية بسيطة جداً لنسبة معينة من العمال، لكننا اليوم نشهد غياباً تاماً للجهات الرسمية حتى بعد مرور هذه المدة الطويلة، فلم نسمع عن خطط لاستيعاب الأيادي العاملة الماهرة، كافتتاح مشاريع أو توفير عقود تشغيل مؤقتة، أو حتى إقراض العمال، وبالتالي ترك العامل وحيداً يواجه مصيره”.

ويلفت العطعوط إلى أن فاتورة أجور العمال الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني تتجاوز شهرياً 1.5 مليار شيكل (نحو 400 مليون دولار)، إذ يعدون أهم مورد مالي للأسواق الفلسطينية، حيث يبلغ متوسط الأجر اليومي للعامل الفلسطيني هناك قرابة 300 شيكل (نحو 81 دولاراً)، وهو أكثر بكثير من أجرة الذي يعمل لدى رب عمل فلسطيني.

أحدث تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، أول من أمس، يقول إن استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وسياسات الاحتلال في الضفة سيرفعان معدل البطالة بين الفلسطينيين إلى أكثر من 50%

ويقول العطعوط: “رغم الأثر الكبير لغياب هذه المبالغ عن أسواقنا، لم تحرك السلطة الفلسطينية ساكناً، واكتفت بالمناشدات لمساعدتها في تجاوز الأزمة”. 

شلل سوق العمل 

وإذا أنتقلنا إلى التقارير العالمية نجد أن أحدث تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، أول من أمس، يقول إن استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وسياسات الاحتلال في الضفة سيرفعان معدل البطالة بين الفلسطينيين إلى أكثر من 50%.

وأظهر التقرير أن أكثر من نصف مليون وظيفة فقدت بالفعل منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما بدأت إسرائيل الحرب على قطاع غزة. وأنه إذا استمر الصراع حتى نهاية مارس/ آذار، فإن معدل البطالة سيرتفع إلى 57%.

وقالت المديرة الإقليمية للدول العربية في منظمة العمل الدولية، ربا جرادات، إن تدمير البنية التحتية والمدارس والمستشفيات والأعمال التجارية في غزة “دمّر قطاعات اقتصادية بأكملها، وأصاب نشاط سوق العمل بالشلل، مع تداعيات لا توصف على حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم لأجيال قادمة”.

وفي غزة، فُقدت نحو 200 ألف وظيفة، وهو ما يمثل نحو ثلثي إجمالي العمالة في القطاع.

وتوقع تقرير تدعمه الأمم المتحدة صدر أول من أمس، تفشي المجاعة من الآن إلى مايو/ أيار في شمال قطاع غزة. وجاء في التقرير المستند إلى التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن عدد الأشخاص الذين يواجهون مستوى “كارثياً من الجوع” في جميع أنحاء قطاع غزة ارتفع إلى 1.1 مليون، بما يمثل نحو نصف السكان.

في حين أكد مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، يوم الاثنين، خلال اجتماع لوزراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل أن “غزة كانت قبل الحرب سجناً مفتوحاً. باتت اليوم أكبر مقبرة مفتوحة”.

سامر خويرة

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الاحتلال يقيم منطقة جديدة وسط غزة لدفع المهجّرين إليها تمهيداً لاجتياح رفح

تواصل إسرائيل استعداداتها من أجل اجتياح رفح ومحيطها في أقصى جنوبي قطاع غزة، على الحدود المصرية، ومن ضمنها إقامة منطقة جديدة لدفع سكان رفح والمهجّرين الموجودين فيها، للنزوح إليها.

وأفادت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، بأنّ إسرائيل تعمل في هذا السياق على توسيع المناطق “الإنسانية”، على حد وصفها، من أجل إجلاء سكان رفح، في حال صدرت الأوامر لهجوم بري عليها.

وأوضحت أن إسرائيل ستعلن قريباً عن منطقة جديدة في القطاع على أنها “منطقة آمنة”، في ظل الضغوط الممارسة عليها من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى، بأن اجتياح رفح يجب أن ترافقه خطوات كبيرة لعدم المسّ بالمدنيين، أو الحد من المسّ بهم، بأقل قدر ممكن، جراء الهجوم العسكري الإسرائيلي المحتمل.

وستكون المنطقة التي قد يُعلن عنها، أشبه بمنطقة المواصي، التي أعلن جيش الاحتلال عنها في بداية الحرب، والتي تقول الإذاعة إنها لم تعد كافية لاستيعاب مئات آلاف النازحين، ولذلك ستعلن إسرائيل الآن عن هذه المنطقة الجديدة، التي تُقام في وسط القطاع، جنوبي وادي غزة وشمالي مخيمات الوسط، وعلى مقربة من محور نتساريم، الذي يُسيطر عليه جيش الاحتلال ويقسم القطاع إلى قسمين، ويمنع من خلاله عودة سكان غزة إلى الشمال. وتزعم إسرائيل أن الغزيين الذين ستدفعهم للنزوح إلى المنطقة الجديدة سيكونون آمنين أكثر هناك. ولن يقف الأمر عند إقامة منطقة “آمنة” جديدة، وإنما تعمل إسرائيل أيضاً على توسيع المنطقة “الآمنة” في المواصي، شرقي خانيونس وجنوبي دير البلح.

ويزداد المشهد الإسرائيلي تعقيداً بشأن اتخاذ قرار والحسم بين اجتياح رفح أو التوصل إلى صفقة تبادل أسرى ووقف إطلاق النار مع حركة حماس، وإن كان رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قد قال أمس الثلاثاء، إن “فكرة إنهاء الحرب قبل تحقيق جميع أهدافها غير واردة في الحسبان. سندخل إلى رفح ونقضي على كتائب حماس هناك بصفقة أو بدون صفقة، من أجل تحقيق النصر المطلق”. وتدفع عوامل وقوى باتجاه التوصل إلى صفقة، بينما هناك عوامل ومصالح وقوى أخرى تحث باتجاه الاستمرار في الحرب واجتياح رفح. ومنها ما هو مرتبط بالسياسية الداخلية، والاعتبارات العسكرية الاستراتيجية، والحسابات الدبلوماسية، ومنها صورة ومكانة إسرائيل الدولية.

ويأتي ذلك وسط استمرار المجازر التي يرتكبها الاحتلال في عدة مناطق في قطاع غزة، بينما تحاول دولة الاحتلال من خلال هذه الخطوات، ترويج نفسها على أنها تأبه لحياة الفلسطينيين في القطاع، بالرغم من ارتفاع حصيلة عدوانها عليه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الفائت وحتى اليوم إلى 34568 شهيداً و77765 إصابة، معظمهم من الأطفال والنساء، وفق معطيات وزارة الصحة في القطاع. وأثبتت قرابة سبعة شهور من الحرب أن لا أماكن آمنة في غزة.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




التزامات تفوق حجم اقتصاداتها.. لماذا تعتمد بلداننا على الديون؟

العديد من الدول النامية، وفي مقدمتها البلدان العربية، تقع في فخ الديون الخارجية التي تستخدمها الحكومات لتسكين أزماتها الاقتصادية، وقد تتجاوز هذه الديون في بعض الأحيان حجم اقتصاداتها، لتصبح عبأ يكبح نمو تلك الدول ويقودها نحو التعثر، إذ لا تستغل هذه الدول الأموال الأجنبية الاستغلال الأمثل، وغالبًا ما تتجه نحو تمويل احتياجاتها الاستهلاكية عبر الاقتراض، وفي حال تخصيص هامش للاستثمار يتم تسخيره لمشاريع تتميز بانخفاض مردودها أو مشروعات طويلة الأجل، ما يقلل من فرص خلق فوائض مالية جديدة ورفع كفاءة الاقتصاد ونموه، فضلًا عن تدني إمكانات الادخار المحلي.

هذه واحدة من المشاكل التي تعاني منها اقتصادات بلداننا العربية، وهو ما نحاول رصده في ملف “اقتصادنا” الذي يلخص العناوين العريضة لاقتصادات الدول العربية، والمتمثلة بثراء الإمكانيات وضعف الإنتاج، والفجوة الطبقية، والديون الخارجية، وغلاء المعيشة، وأخيرًا الفساد الحكومي. نتتبع في كل تقرير أسواق البلدان العربية وانعكاسات السياسات الحكومية على وضعها الاقتصادي والمعيشي.

“ترقيع الديون”.. خطورة الاقتراض الخارجي

تلجأ البلدان عادةً إلى الاقتراض الخارجي للوصول إلى الأموال التي قد لا تكون متاحة لها محليًا، خاصة بالنسبة للبلدان النامية التي تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة، فضلًا عن أن اقتراض الأموال من الكيانات الأجنبية أيضًا يسهم في تنويع مصادر تمويل الدولة، ما يقلل من اعتمادها على مصادر رأس المال المحلية التي تعد مصدرًا أساسيًا لتمويل القطاع الخاص.

ويؤدي استغلال القروض الخارجية استغلالًا اقتصاديًا جيدًا، إلى زيادة الناتج القومي وارتفاع مستويات الدخل، وبالتالي زيادة معدلات الادخار الداعمة لارتفاع حجم الاستثمارات، وذلك نتيجة لسد النقص في الموارد المالية اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية والخطط الإستراتيجية القادرة على خلق عائدات تسهم في سداد تلك القروض دون خلق أعباء على الدولة، فضلًا عن كونها تحقق نموًا اقتصاديًا حقيقيًا.

تكمن الخطورة الكبرى أن تعتمد الدول النامية على الاستدانة الخارجية في تمويل التزاماتها بشكل مستمر، ليصل الأمر إلى حد تمويل الاقتراض المستحق عبر اقتراض جديد فيما يسمى بـ”ترقيع الديون” وليس عبر إيرادات الدولة

مع ذلك، يسهم الإفراط في الاقتراض الخارجي بهدف الاستهلاك، في زيادة أعباء موازنة الدولة، حيث يتم توجيه أغلب إيرادات الموازنة لسد الدين على حساب مخصصات الصحة والتعليم والدعم، الأمر الذي يكبل يد الدولة في تقديم اللازم من قبلها لتوفير الحماية الاجتماعية اللازمة، لينعكس ذلك سلبًا على معدلات الفقر والفئات المهمشة.

كما أن ارتفاع خدمة الديون الخارجية يشكل عبئًا على النقد الأجنبي المتاح لتمويل الواردات الاستثمارية أو السلع الوسيطة التي تستخدم في الصناعة، ما قد ينعكس سلبًا على القطاع الصناعي والصادرات التي تعتبر المصدر الأساسي للدخل في الدول النامية.

عدا عن أن الديون الخارجية تتسبب في زيادة نسب التضخم وتقليل القيم الحقيقية للعملة الوطنية، ما يشجع رؤوس الأموال المحلية على الهجرة إلى الخارج، كما تتسبب في زيادة معدلات البطالة وتسريح العمالة التي ينتج عنها ارتفاع معدلات الطلاق والجريمة وغيرها من المشكلات الاجتماعية الخطيرة.

وتكمن الخطورة الكبرى للديون الخارجية أن تعتمد الدول النامية على الاستدانة الخارجية في تمويل التزاماتها بشكل مستمر، ليصل الأمر إلى حد تمويل الاقتراض المستحق عبر اقتراض جديد فيما يسمى بـ”ترقيع الديون” وليس عبر إيرادات الدولة، لتستمر تلك الآلية وتقود الدولة في نهاية المطاف إلى التعسر في السداد نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض.

يأتي ارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي على الدول النامية عادة نتيجة عوامل عدة، تتمثل في ارتفاع معدل الفائدة عالميًا، وهو ما شهدته تلك الدول خلال العامين الماضيين وتحديدًا منذ مارس/آذار 2022 مع اتجاه الفيدرالي الأمريكي إلى زيادة معدل الفائدة، الأمر الذي يدفع أصحاب ما يسمى بالأموال الساخنة للخروج من تلك البلدان والاتجاه إلى السوق الأمريكي.

ومع خروج الأموال الساخنة تصبح البلدان النامية أمام أزمتين تتمثلان في تراجع السيولة الدولارية، فضلًا عن ارتفاع معدل الفائدة على ما تطرحه من سندات في السوق الدولية بمقدار يزيد على معدل الفائدة الذي طرحته الولايات المتحدة على سنداتها، كون سندات الدول النامية تعد ذات خطورة أعلى، الأمر الذي يعني ارتفاع كلفة الإقراض.

خلال السنوات الثلاثة الماضية فقط، كانت هناك 18 حالة تخلف عن سداد الديون السيادية في 10 دول نامية، وهو رقم أكبر من العدد المسجل في العقدين الماضيين

كما أن انتهاج البلاد سياسة ترقيع الديون الأجنبية تقود الدولة إلى ارتفاع حجم ديونها الخارجية بشكل متسارع وكبير، ما يدفع وكالات التصنيف الائتماني لتخفيض تصنيف الدولة عدة مرات، الأمر الذي يسهم أيضًا في زيادة معدلات الفائدة على ما تطرحه الدولة من سندات دولية، أو قد يعيق دخولها إلى السوق الدولية من الأساس، لتجف منابع تمويلها وتتسارع خطواتها نحو الإفلاس الحتمي.

ويؤدي تعثر البلاد أو إفلاسها إلى الخضوع لشروط مجحفة من الدائنين الدوليين لضمان سداد تلك القروض، وإعادة هيكلة الدين بشكل يقوض قدرة الدولة على تحفيز اقتصادها، فضلًا عن الحد من وصول الدولة المدينة لسوق الدين العالمي في وقت تكون فيه الدولة في أشد الحاجة إلى الاقتراض.

في هذا الخصوص، يكشف تقرير موسع عن الديون الدولية للبنك الدولي، للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط إزاء تضخم الديون، أن الدول النامية أعادت توجيه مبلغ قياسي بلغ 443.5 مليار دولار لخدمة الديون الخارجية العامة والمكفولة عام 2022 وحده، وهو ما اعتبره البنك رقمًا قياسيًا.

وبحسب التقرير الأممي، فإنه خلال السنوات الثلاثة الماضية فقط، كانت هناك 18 حالة تخلف عن سداد الديون السيادية في 10 دول نامية، وهو رقم أكبر من العدد المسجل في العقدين الماضيين، في حين أن نحو 60% من البلدان المنخفضة الدخل معرضة بشدة لخطر العجز عن سداد الديون أو أنها تعاني بالفعل من ذلك.

الدول العربية على ميزان الديون

تختلف الطبيعة الاقتصادية لكل دولة عن الأخرى بناءً على آلية تعاطيها مع القروض، فضلًا عن سياستها المتبعة في التعامل مع أزماتها الاقتصادية أو دوافع اقتراضها بالأساس، ولا يقاس حجم الدين في الدول بقيمته بقدر ما يقاس بنسبته إلى إجمالي الناتج المحلي، فكلما زاد حجم الدين إلى الناتج المحلي، زادت المخاطر الاقتصادية.

يختلف الاقتصاديون حول الحدود المعيارية الآمنة للدين العام للدولة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، إلا أن صندوق النقد الدولي يعتبر أن تجاوز الدين لمستوى الـ60% يعد إشارة إلى مستويات الدين المرتفعة.

وتأتي 4 دول عربية ضمن قائمة الدول الأعلى ديونًا في العالم، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023، وهي لبنان والسودان والبحرين والأردن بواقع 179.2% و127.5% و117.59% و89:42% على التوالي.

لبنان: شهية مفتوحة للاقتراض

أدّت شهية الاقتراض الخارجي المفتوحة في لبنان إلى تراكم الديون، في ظلّ غياب الخطط وانحسار النشاط الريعي، وسط اعتماد الحكومة على الاستدانة وإساءة استخدامها للقروض، نتيجة ارتفاع الهدر والإنفاق العشوائي والفساد.

يأتي من ضمن الأسباب الرئيسية الدافعة لارتفاع حجم الدين في لبنان، عجز مؤسسة كهرباء لبنان الحكومية، وتمويل الدولة لعمليات شراء الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع، فضلًا عن تفاقم مخصّصات الأجور في القطاع العام الضخم الذي يضمّ أكثر من 300 ألف موظف، وتزايد كلفة فوائد الدين العام بسبب السياسات النقدية، ليصل إجمالي حجم الدين في لبنان إلى 102.47 مليار دولار، بينها نحو 40 مليار دولار دين خارجي.

أعلنت الحكومة اللبنانية في مارس/آذار 2020، تخلفها عن سندات اليوروبوندز المستحقة بقيمة 1.2 مليار دولار، بعد أن بلغت احتياطات البلاد من العملة الصعبة مستويات حرجة وخطيرة، مع الحاجة لتلبية احتياجات اللبنانيين الأساسية.

تبع ذلك سلسلة من الانهيارات الاقتصادية في البلاد، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي 40%، وتراجعت الليرة اللبنانية بأكثر من 98% من قيمتها، وتجاوز معدل التضخم الـ270%، كما تراجع الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي إلى 10 مليارات دولار مقابل 36 مليار دولار في 2017، وتفاقم معدل الفقر إلى حد هائل حيث نال من 74% من السكان، كما تضاعفت أعداد السكان الذين يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد بين عامي 2019-2021 من 42% إلى 82%.

لعب التخبط السياسي في لبنان بجانب وباء كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية والتضخم العالمي دورًا كبيرًا في فرض مزيد من الضغوط على الاقتصاد اللبناني، وجاء العدوان الإسرائيلي على غزة ليضفي تحديات جديدة وقاسية على لبنان، فمن المتوقع أن تصل نسبة إجمالي الدين العام لإجمالي الناتج المحلي إلى 547.5% بحلول عام 2027، وذلك في حال استمرار الوضع الراهن وغياب الإصلاحات اللازمة.

مصر: إنفاق عشوائي على مشروعات عملاقة

انتهجت مصر سياسة الاقتراض الخارجي المفتوح منذ عام 2016، حين بدأت عبر قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، لتتوالي القروض من الصندوق وبعض المؤسسات الدولية المقرضة الأخرى، فضلًا عن بعض دول الخليج، ليتفاقم حجم الدين الخارجي إلى 168 مليار دولار.

يرجع ارتفاع الديون إلى عدة أسباب، أهمها الاتجاه نحو الإنفاق غير المنظَّم على مشاريع غير اقتصادية وغير إنتاجية، فضلًا عن استحواذ الجيش على القطاعات الاقتصادية الحيوية، وانكماش أداء القطاع الخاص لـ 39 شهرًا على التوالي، ما أسهم في إبقاء قيمة الصادرات عند نصف قيمة الواردات لتتفاقم الفجوة الدولارية.

كذلك الاقتراض لسداد قروض مستحقة، والتراجع المستمر في التصنيف الائتماني وارتفاع معدل الفائدة، والاعتماد على الخارج في توفير مستلزمات الصناعة والغذاء، إضافة إلى اعتماد مصر على الاستثمار الأجنبي غير المباشر (الأموال الساخنة) في تمويل احتياجاتها وهو ما يمثل خطورة كبير، فإمكانية انسحاب تلك الأموال بسرعة قد يخلق أزمات إضافية كونه يزيد من حدة أزمة السيولة ويسهم في اتساع عجز الحساب الجاري والضغوط التضخمية، وهو ما شهدته البلاد مع بداية رفع الفيدرالي الأمريكي لمعدل الفائدة في شهر مارس/آذار 2022، إذ خرجت 22 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر.

تسبب تراجع معدل الادّخار من الناتج المحلي الإجمالي في مصر من 13% في العام المالي (2010-2011) إلى 5.9% خلال العام المالي (2021-2022)، في اضمحلال القدرة الشرائية للمواطن وتدنّي مدخلاته، فضلًا عن تراجع قدرته على الاستثمار، في ظل تمحور دور الدولة حول الاقتراض الخارجي على حساب استقرار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، فخلال 10 سنوات تراجعت قيمة الحد الأدنى للأجور بالدولار، لتهبط من 172 دولارًا إلى 120 دولارًا شهريًا، وذلك بعد رفع الحد الأدنى للأجور مؤخرًا إلى 6 آلاف جنيه شهريًا.

ويبلغ متوسط متطلبات التمويل الخارجي لمصر نحو 20 مليار دولار في السنة على مدى السنوات الخمس المقبلة، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، ما يعني أن مصر مطالَبة بتوفير هذا المبلغ لصالح المقرضين بجانب التزاماتها السنوية، وذلك فيما وصل إجمالي مخصصات الأقساط والفوائد في موازنة 2024/2023 إلى 2.436 مليار جنيه (78.8 مليار دولار) بواقع 81.4% من إجمالي المصروفات، و20.6% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، و113.7% من إجمالي إيرادات الموازنة، وذلك على حساب مخصصات التعليم والصحة والدعم.

كما تراجعت العملة المحلية في مصر أمام الدولار من حدود 7 جنيهات لتتجاوز 30 جنيهًا للدولار في السوق الرسمي، أي تراجع بنحو 329%، بينما فاقت السوق السوداء هذا السعر لتتجاوز مستوى الـ70 جنيهًا قبل أن يعاود الجنيه الاستقرار نسبيًا عند مستوى يفوق الـ40 جنيهًا في السوق الموازي.

ومع تتابع تخفيض التصنيف الائتماني لوكالة موديز للتصنيفات الائتمانية تراجع التصنيف الائتماني لمصر إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية سلبية، وهو التصنيف الذي يعتبر مصر ذات وضع استثماري ضعيف وتخضع لمخاطر ائتمانية عالية جدًا، ما من شأنه أن يفاقم تكلفة الإقراض على مصر.

وفي ظل استمرار ارتفاع الفجوة الدولارية وتدهور العملة وارتفاع الطلب المستمر على الدولار، اتجهت مصر إلى بيع أصولها بهدف الإيفاء بشروط صندوق النقد، ضمن قرض يعد الرابع أو الخامس على التوالي، والذي انتهى بإبرام اتفاق بقيمة 8 مليارات دولار، فضلًا عن بيع أرض رأس الحكمة لدولة الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، وأدّت تلك المعطيات إلى ارتفاع معدل الفقر في البلاد، إذ قال البنك الدولي خلال عام 2019 إن حوالي 60% من سكان مصر إما فقراء وإما أكثر احتياجًا.

تونس: ثلث الأسر التونسية غارقة بالديون

ارتفع حجم الدين الخارجي لتونس خلال عام 2023 إلى نحو 72.1 مليارات دينار (23 مليار دولار)، وهو ما يمثل نحو %56.7 من إجمالي الدين العمومي للبلاد، والبالغ 127.1 مليار دينار (40.67 مليار دولار)، أي %80.20 من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بحسب بيانات وزارة المالية.

ترجع أسباب ارتفاع حجم الدين الخارجي في تونس إلى الاقتراض الحكومي من الداخل أو الخارج لتغطية عجز الموازنة المرتفع وتسيير نفقاتها، وسداد ديونها الخارجية والداخلية، فضلًا عن الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد، وتراجع معدلات النمو.

يرى بعض الاقتصاديين أن الرقم الحاليّ للدين الخارجي كان ليصل إلى مستويات أكبر من ذلك بكثير، إلا أن تقويض قدرة الدولة على الاقتراض في ظل عدم التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي حد من مستوى الإفراط في الاقتراض الخارجي.

وأدى الاعتماد الكلي على الاقتراض الخارجي في تمويل احتياجات الدولة من العملة الصعبة، إلى حدوث خلل اقتصادي خاصة مع شح التمويلات الخارجية، إذ عملت الحكومة على سداد ديونها عبر الاقتراض الخارجي المتاح أمامها، ليأتي ذلك على حساب توريد المواد الأساسية المدعمة للتونسيين الذين زادت معاناتهم من الغلاء والتضخم وفقدان المواد الأساسية.

كما أسهمت سياسة الاقتراض الخارجية بهدف سداد المستحقات الأجنبية في تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 0.9% في 2023، بسبب خفض توريد المواد الأساسية المستخدمة في المصانع، ما حرم الدولة أكثر من مليار دينار (300 مليون دولار) من الموارد الضريبية على الشركات الصناعية بسبب تراجع النمو.

وفي ظل تبني سياسة الاقتراض بهدف الاستهلاك وسط محدودية الاستدانة من الخارج، أقر البرلمان التونسي تعديلًا يمكّن البنك المركزي من منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للدولة، الأمر الذي يتيح تمويل جزء من عجز ميزانية الدولة لسنة 2024، بما في ذلك ديون خارجية بنحو 16 مليار دينار (5.2 مليار دولار)، فضلًا عن ديون مستحقة في فبراير/شباط الماضي بقيمة 850 مليون يورو.

وكانت قد قررت تونس رفع عجز الميزانية المتوقع للعام الجاري، من 5.2% مقررة سابقًا إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب وثيقة صادرة عن وزارة المالية التونسية.

وقال محافظ البنك المركزي السابق مروان العباسي إن سداد قرض بقيمة 850 مليون يورو سيؤدي إلى انخفاض احتياطي العملة خلال 14 يومًا من الاستيراد، وسيكون له تأثير على سعر الصرف، كما تتوقع الحكومة أن يصل الدين العام المتراكم عام 2024 إلى نحو 140 مليار دينار (45.17 مليار دولار)، أي نحو 79.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأدت سياسة الاقتراض غير المحسوبة إلى تراجع نفقات الدعم والتحويلات الاجتماعية من نحو 19.16 مليار دينار (5.9 مليارات دينار) إلى 10.8 مليار دينار (3.3 مليار دولار) نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ومع تراجع دعم الدولة للفئات الفقيرة بلغت نسبة تداين الأسر التونسية في العام الماضي 34%، أي أن أكثر من ثلث التونسيين يلجأون إلى الاستدانة لسد نفقاتهم، ويأتي ذلك في وقت يبلغ فيه معدل الفقر 16.6% من إجمالي السكان.

المغرب: الفقراء وحدهم يتحملون العبء

رغم الزيادة المستمرة في حجم الدين الخارجي للمملكة المغربية، إلا أنه لا يزال في حدود آمنة، نظرًا إلى أن الدين الداخلي يستحوذ على النسبة الأكثر من إجمالي مديونية المغرب.

أسهم الاعتماد على سياسة الاقتراض لسدّ عجز الموازنة، فضلًا عن سداد المستحقات بقروض جديدة، في زيادة عجز الموازنة ليصل إلى مستوى الـ 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من مستويات ما قبل عام 2019، والتي كانت ما دون الـ 4%، بجانب الزيادة المستمرة لحجم الدين العام.

وبلغ إجمالي الدين العام في المغرب، الذي يحتل المرتبة الخامسة من بين الدول المثقلة بالديون في القارة السمراء، نحو 1005 مليار درهم (100.3 مليار دولار) حتى شهر أبريل/ نيسان 2023، وتمثل حصة الدين الخارجي من إجمالي ديون المملكة حوالي 25%، ويمثل حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 71.6% عام 2022، وشكّل حجم الدين الخارجي العمومي من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2022 نحو 31.8%، بواقع 41 مليار دولار.

ومع الاتساع المستمر في الدين العام، تتزايد تكاليف الديون لتفوق المخصصات الاجتماعية الرئيسية في المغرب، وتحول دون أي تنمية اجتماعية وبشرية حقيقية، ما يحمل الفئات الفقيرة أعباء تلك الديون.

دول الخليج: تجاوز عقبة المديونية بسهولة

لم تقتصر عمليات الاستدانة الخارجية على الدول العربية غير النفطية فحسب، بل تفاقم حجم مديونية الدول النفطية كذلك وبخاصة الدول الخليجية، فقد تضاعف إجمالي الدين العام بتلك الدول خمس مرات تقريبًا، من 117 مليار دولار عام 2008 إلى نحو 576 مليار دولار عام 2020، لترتفع نسبته من الناتج المحلي الإجمالي من 10% إلى 41%.

بحسب وكالة “ستاندرد أند بورز”، فإن متوسط حجم الدين الخارجي المستحق سنويًا، العام والخاص، خلال الفترة 2023-2025 على دول مجلس التعاون الخليجي بلغ 660 مليار دولار، وذلك ارتفاعًا من نحو 250 مليار دولار عام 2013، واستحوذ القطاع المصرفي على ما يزيد قليلًا على 70% من الدين الخارجي في دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة خلال عام 2023، بحسب بيانات وكالة التصنيف الائتماني.

في 2022، بلغت مديونية السعودية 250.7 مليار دولار، بينما بلغ دين الإمارات 158.9 مليار دولار، وبلغ حجم الدين العام القطري 96.4 مليار دولار، كما سجلت البحرين ديونًا بـ51.5 مليار دولار، فيما بلغت مديونية سلطنة عمان 48.5 مليار دولار.

تختلف طبيعة اقتصادات دول الخليج عن بعضها البعض من حيث الحجم والمحفزات الاقتصادية لديها، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الموارد النفطية التي تعد صاحبة أكبر الإيرادات في موازنات تلك الدول، لذا فإن تراجع أسعار النفط ينعكس مباشرةً على أداء موازنات دول الخليج بناءً على درجة اعتماد كل منها على الذهب الأسود.

مع ذلك، تتشابه طبيعة الاقتصاد البحريني والعماني، إلا أن السياسة الاقتصادية المتبعة من كل منهما تعد مختلفة في تعاطيها مع حجم أزمة تفاقم الدين، ففي عُمان ارتفع حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 17.7% في عام 1990 إلى 62.9% في 2021، في حين زاد في البحرين من 7.5% إلى 129%.

كما يستخدم البلدان ديونهما لأغراض غير إنتاجية تتمثل في تمويل عجز الميزانية الناجم عن ارتفاع المصروفات الجارية، والعجز المالي المزمن والمرتفع الناجم عن تضخم الجهاز الإداري غير المنتج وما يترتب عليه من تخصيص مبالغ طائلة لمرتبات الموظفين، فضلًا عن ارتفاع النفقات العسكرية التي تحتل الصدارة في المصاريف الحكومية، ما أدى إلى تراكم الديون الحكومية في كل من عمان والبحرين.

وبالتالي يسهم ارتفاع تكاليف الاقتراض على البلدين في زيادة حجم الدين، حيث استحوذت الفوائد في سلطنة عمان على 9.8% من مصروفات الدولة مقابل 5.1% في عام 2019، بالمقابل كانت الفوائد في البحرين تعادل 17.8% من مصروفات الدولة في 2019 لتصل إلى 21.2% في 2022.

وفيما يتعلق بالسعودية فقد شهدت ارتفاعًا كبيرًا في حجم مديونياتها في الفترة من عام 2015، الذي فيه سجل حجم الدين العام 142.2 مليار ريال (37.9 مليار دولار) بواقع 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل في 2023 إلى 1050.6 مليار ريال (280.1 مليار دولار) بواقع 25.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ليسجل ارتفاعًا قي حجم الديون بمعدل سنوي قدره 80%.

وحتى عام 2015 كانت جميع ديون السعودية المحلية ناجمة عن قروض عقدتها الحكومة مع مؤسسات مالية داخلية، إلا أنه مع ظهور رؤية السعودية 2030 تبنت الرياض إستراتيجية أخرى تتمثل في التوسع في الاقتراض وتنويعه لمواجهة الأعباء المالية المتزايدة المدنية والعسكرية، عندئذ فتحت جدة الطريق أمام الاقتراض الخارجي، ليصل حجم الديون الخارجية إلى 405.9 مليار ريال (108.2 مليار دولار) في نهاية 2023 أي 38.6% من مجموع الديون.

وشهدت كذلك خدمة الدين ارتفاعًا كبيرًا في السعودية، إذ أصبحت تعادل 10% من النفقات الكلية للدولة بسبب تصاعد معدلات الفوائد في السوق العالمية، فضلًا عن عدم ثبات أسعار الفائدة في الديون السعودية، لتخرج بذلك المملكة من قائمة البلدان الأقل مديونية في العالم.

أما الكويت فعلى العكس تمامًا، توقف كليًا لجوء الحكومة إلى الاقتراض منذ 2017 بسبب عدم موافقة البرلمان على تجديد صلاحية قانون الدين العام، ويجري تمويل عجز الميزانية التي تعاني من عجز مزمن عن طريق السحب من الاحتياطي النقدي فقط. لذلك تصنف الكويت في مقدمة البلدان العشر الأقل مديونية في العالم.

رغم تلك الديون التي تعاصرها دول الخليج الستة نتيجة عجز الموازنة في أغلبها، إلا أن لديها ثروات وصناديق سيادية تمكنها من تجاوز ديونها الخارجية بسهولة، ولكنها تحتاج إلى متوسط سعر 80 دولارًا للبرميل حتى تتمكن من تحقيق توازن في ميزانياتها.

وتُدير الصناديق السيادية لدول الخليج ما يقارب 4 تريليونات دولار أمريكي من الأصول، بما يشكل 37% من صناديق الاستثمار العالمية، حيث يمتلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهيئة أبو ظبي للاستثمار ومؤسسة دبي للاستثمار الإماراتيتين، وهيئة الاستثمار العامة الكويتية، وجهاز قطر للاستثمار القطري أصولًا بـ3.3 تريليون دولار.

ومن المتوقع أن يزيد إجمالي الأصول الأجنبية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 4.4 تريليونات دولار بنهاية عام 2024، مدعومة بفوائض الحساب الجاري المتوقع أن تسجّل 146 مليار دولار، بحسب معهد التمويل الدولي.

وتشهد الثروات المالية لدول مجلس التعاون الخليجي معدل نمو سنوي مركّب ثابت، يتوقع أن يصل إلى 4.7% في الثروات الجديدة، لترتفع من 2.8 تريليون دولار إلى 3.5 تريليونات دولار في فترة 2022-2027، وفقًا لتقرير مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG).

مستلزمات الاقتراض

تعكس تلك المعطيات مدى فشل الحكومات العربية في استخدام الاقتراض الخارجي بشكل إيجابي، والاعتماد عليه في تمويل الاحتياجات اللازمة لها، ما أدّى إلى تفاقم معدلات الدين إلى مستويات خطيرة، فضلًا عن مساهمته في تضاؤل الطبقة المتوسطة التي تعدّ الفاعل الأكبر لأي اقتصاد، وتزايد رقعة الفقر نتيجة تكبّل يد تلك الحكومات، وعجزها عن اتخاذ موقف حقيقي وقت الأزمة.

تلك الأزمات الاقتصادية التي يعيشها الوطن العربي في ظل الاعتماد على الدين الخارجي، تعكس مدى ضرورة فهم آلية التوازن المطلوبة، في حال تبنّي سياسة الاقتراض الخارجي من قبل الحكومات، خاصة في حال عدم وجود هيكل إنتاجي قوي قادر على توفير احتياجات الدولة محليًّا للحفاظ على توازن الحساب الجاري، فضلًا عن القدرة على التصدير لتوفير العملات الأجنبية اللازمة.

كذلك من الضروري أن تعمل الدولة على توجيه أغلب قدر من القروض الخارجية إلى الاستثمار وليس الاستهلاك، بحيث لا يتحول القرض إلى عبء يطارد موازنة الدولة ويلتهم مخصصاتها الرئيسية، على أن تكون تلك الاستثمارات موجّهة إلى مشاريع قصيرة ومتوسطة الأجل.

وفي حال تبنّي الدولة سياسات استثمارية طويلة الأجل، فيمكن للدولة تبنّي نظام الـ B.O.T، الذي يتيح إنشاء المشاريع العامة وتحسينها وتطويرها وتمويلها عن طريق القطاع الخاص، مع تجنيب الموازنة العامة للدولة زيادة الإنفاق العام، وهو ما يسهم في زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر.

كما على الدولة وضع آلية واضحة لسداد ما عليها من التزامات خارجية، حتى لا تقع فريسة للمؤسسات الدولية المقرضة، مثال صندوق النقد الدولي، التي تفرض سياسات تقشّفية في حال تعثّرت الدولة، الأمر الذي يقود عادة، وفق التجارب السابقة، إلى السير في دائرة مفرغة من الاقتراض، فضلًا عن فقدان سيادتها واتساع الفقر وغيره من الاضطرابات الاجتماعية التي تشهدها الدول.

الإسراف في الاقتراض الخارجي دون وجود ضوابط يسهم في استنزاف الاحتياطي الأجنبي للبلاد تدريجيًا، ما قد ينعكس سلبًا على أداء العملة المحلية التي يؤدي تراجعها إلى ارتفاع معدلات التضخم، لذا يجب على الدولة عدم الاعتماد على مخزوناتها من النقد الأجنبي في سداد قروضها الدولية.

طارق الشال

المصدر: موقع نون بوست




الحرية الأكاديمية في مرمى النيران

كان ظهور رئيسة جامعة كولومبيا نعمت شفيق أمام الكونغرس في الشهر الماضي حلقةً مثيرةً للدهشة في تاريخ الحرية الأكاديمية وكان السؤال الرئيس “فيم كانت تفكّر؟”. لقد كان من الصادم سماعها وهي تتفاوض مع أحد أعضاء الكونغرس حول تأديب اثنين من أعضاء هيئة التدريس بالاسم بسبب ما كتبوه أو قالوه.

وفي اليوم التالي، فيما بدا أنه إشارة إلى الكونغرس، تسببت نعمت شفيق في اعتقال أكثر من مائة طالب، العديد منهم من بارنارد، من قبل شرطة مدينة نيويورك وحجزهم بتهمة التعدي على ممتلكات الغير – في حرمهم الجامعي. لكن كولومبيا جعلت وجودهم غير قانوني من خلال تعليق المتظاهرين عن الدراسة بإجراءات موجزة أولًا.

إذا كنت مسؤولًا جامعيًا فلن ترغب أبدًا في وجود ضباط إنفاذ القانون في حرمك الجامعي. وأعضاء هيئة التدريس بشكل خاص لا يحبون ذلك. فهم يعتبرون الحرم الجامعي بمثابة اختصاصهم القضائي، وقد اشتكوا من أن إدارة كولومبيا لم تتشاور معهم قبل إصدار الأمر بالاعتقالات. لم ينجح استدعاء سلطات إنفاذ القانون في بيركلي في سنة 1964، وفي كولومبيا في سنة 1968، وفي هارفارد في سنة 1969، أو في ولاية كينت في سنة 1970.

إن الأمر الأكثر إثارة للقلق من الاعتقالات – بعد كل شيء، أراد الطلاب أن يتم اعتقالهم – هو مسألة إيقافهم عن الدراسة. لقد تم إبطال هوياتهم ولم يُسمح لهم بحضور الفصل الدراسي وهو تجاهل مذهل لحقيقة أنه على الرغم من أن الطلاب ربما انتهكوا سياسة الجامعة، إلا أنهم لا يزالون طلابًا وتلتزم كولومبيا وبارنارد بتعليمهم. فلا يمكنك تعليم الأشخاص الذين لا يستطيعون حضور الفصول الدراسية.

إن الحق الذي على المحك في هذه الأحداث هو الحرية الأكاديمية وهو حق مستمد من الدور الذي تلعبه الجامعة في الحياة الأمريكية. لا يعمل الأساتذة لصالح السياسيين، ولا يعملون لصالح الأمناء، ولا يعملون لصالح أنفسهم إنهم يعملون من أجل العامة. وتتمثل مهمتهم في إنتاج المعرفة والتعليمات التي تقدم الإضافة إلى مخزون المجتمع المعرفي. إنهم يلتزمون بالقيام بذلك دون أي اهتمام: أي دون النظر إلى المزايا المالية أو الحزبية أو الشخصية. في المقابل، يسمح لهم المجتمع بعزل أنفسهم – وإلى حد ما طلابهم – عن التدخل الخارجي في شؤونهم. هذا يبني لهم بُرجًا – إن صحّ التعبير.

لقد نشأ هذا المفهوم في ألمانيا – “حرية التدريس” – وتم استيراده هنا في أواخر القرن التاسع عشر إلى جانب النموذج الألماني أيضًا للجامعة البحثية، وهي مؤسّسة تعليمية تنتج فيها هيئة التدريس المعرفة والأبحاث. منذ ذلك الوقت، أصبح من المفهوم أن الحرية الأكاديمية هي السمة المميزة للجامعة البحثية الحديثة.

في ألمانيا في القرن التاسع عشر، حيث كانت الجامعات تُدار من قبل الحكومة، كانت الحريّة الأكاديمية حقًا ضد الدولة. لقد كانت ضرورية لأنه لم يكن هناك حق حرية التعبير على غرار التعديل الأول. حمت حرية التدريس ما كتبه الأساتذة وعلّموه داخل الأكاديمية (ما لم يكن خارجها). وفي الولايات المتحدة، حيث أنشِئت العديد من الجامعات البحثية بعد الحرب الأهلية بأموال خاصة – شيكاغو، وكورنيل، وهوبكنز، وستانفورد – تم تمديد هذا الحق ليشمل حماية الأساتذة من الطرد بسبب آرائهم، سواءً عبّروا عنها في الفصل الدراسي أو في الساحة العامة. وكان الحدث الرئيسي تأسيس الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات في سنة 1915، التي كانت، من بين أمور أخرى، هيئة مراقبة للحرية الأكاديمية.

ترتبط الحرية الأكاديمية بحريّة التعبير بالمعنى الذي يتضمنه التعديل الأول من الدستور ولكنها ليست مثلها. وفي الساحة العامة، يمكنك أن تقول أو تنشر أشياء فظة أو مكروهة وفي كثير من الأحيان كاذبة دون أن تستطيع الدولة محاسبتك. لكن الحرية الأكاديمية لا تعمل بهذه الطريقة إذ يخضع الخطاب الأكاديمي لرقابة صارمة. وفي هذه الحالة، يصبح الأساتذة هم ضباط تنفيذ القانون.

يُقيّم أعضاء هيئة التدريس إنتاجات زملائهم، ويقرّرون من يجب توظيفه ومن يجب فصله، وما يجب تدريسه، ويضمنون مراعاة معايير البحث الأكاديمي. وهذه المعايير مستمدة من المعركة الكبرى الأولى حول الحرية الأكاديمية في القرن التاسع عشر – العلم مقابل الدِّين. إن نموذج البحث في الجامعة البحثية الحديثة علماني وعلمي. يجب اختبار جميع الآراء والفرضيات بشكل عادل، ويعتمد نجاحها بالكامل على قدرتها على الإقناع بالدليل والحجة العقلانية. ولا يجوز إصدار أحكام مسبقة ولا يمكن الاستئناف أمام سلطة أعلى.

لذلك، هناك جميع أنواع القيود المهنية على أشكال التعبير الأكاديمي. ويجب أن تتم الموافقة على العمل الذي ينشره الأكاديميون من قبل أقرانهم، ومراعاة بروتوكولات الاقتباس، وعدم التسامح مع الحجج الشخصية، ورفض الادعاءات غير المدعومة بالأدلة، وما إلى ذلك. ومع أن الأكاديميين ينظرون إلى كلمة “الأرثوذكسية” برعب، إلا أن هناك الكثير من العقيدة الضمنية في الجامعة، كما هو الحال في أي عمل تجاري. يميل الأشخاص الذين تلقّوا نفس التدريب إلى تشارك نفس التفكير لكن ما دامت الأحكام الأكاديمية تُتّخد بالإجماع، وليس بالأوامر، ومن قبل خبراء وليس هواة فمن المفترض أن آلة المعرفة تعمل بنزاهة وكفاءة. ويمكن للجمهور أن يثق بالمنتج.

تطمح كافة المهن إلى أن تتمتع بالحكم الذاتي لأن أعضاءها يعتقدون أن زملاءهم من المهنيين هم فقط الذين يتمتعون بالخبرة اللازمة لإصدار الأحكام في مجالاتهم، لكن المهنيّين يدركون أيضًا أن الفشل في التنظيم الذاتي يدعو إلى التدخل الخارجي. وفي حالة الجامعة، من مصلحة أعضاء هيئة التدريس إدارة مؤسستهم بشكل عادل وكفؤ. ويجب أن يكونوا موضع ثقة حتى يتمكنوا من العمل بشكل مستقل عن الرأي العام. إنهم بحاجة إلى الحفاظ على البرج قائمًا.

لهذا السبب، كانت الظاهرة التي يُطلق عليها اختصارًا اسم “السابع من تشرين الأول/ أكتوبر” بمثابة أزمة للتعليم العالي الأمريكي. إن الانطباع بأن بعض الجامعات لم تكن تضبط نفسها بكفاءة وأن حرمها الجامعي كان خارج نطاق السيطرة قد أتاح فرصة للأحزاب التي تتطلع إلى التأثير على نوع المعرفة التي تنتجها الجامعات، ومن يُسمح له بإنتاجها، وكيفية تدريسها – وهي قرارات تقليديًا من اختصاص أعضاء هيئة التدريس. ويعتقد الساسة الذين يريدون الحدّ من أنواع معينة من التعبير الأكاديمي أنهم قادرون على القيام بذلك من خلال التهديد بإلغاء حالة الإعفاء الضريبي التي تتمتع بها الجامعة أو فرض ضريبة على أوقافها. وفي المناخ السياسي الحالي، ليس من الصعب أن نتصور حدوث مثل هذه الأمور. وإذا فعلوا ذلك فسيكون بمثابة إلغاء مباشر للميثاق الاجتماعي.

لكن هل ستكون هذه الخطوة غير دستورية؟ ما هو نوع حق الحرية الأكاديمية؟ هل هو حقّ قانوني أم أخلاقي؟ هذا السؤال، الذي كان موضع خلاف بين العلماء لفترة طويلة، وتم التطرّق إليه في عددٍ ليس بالقليل من الكتب الجديدة، وأبرزها كتاب “لا يمكنك تعليم ذلك!” (الناشر بوليتي)، بقلم كيث إي ويتنغتون؛ “الحق في التعلم” (بيكون)، حرره فاليري سي. جونسون، وجنيفر روث، وإلين شريكر؛ و”جميع محامي الحرم الجامعي” (هوبكنز)، بقلم لويس إتش جارد وجويس بي جاكوبسن.

يمثّل مصير الحرية الأكاديمية أيضًا مصدرًا للقلق في الكتب الجديدة التي ألفها اثنان من مديري الجامعات السابقين: كتاب “مهاجمة النخب” لديريك بوك (جامعة ييل)، وكتاب نيكولاس بي ديركس “مدينة الفكر” (كامبريدج). بوك هو الرئيس السابق لجامعة هارفارد. وكان ديركس مستشارًا لجامعة كاليفورنيا في بيركلي. إن الشعور العام في هذين الكتابين أن الحرية الأكاديمية في خطر وأن الجامعات لن تستغرق الكثير قبل تخسرها.

يدافع ويتنغتون، الذي يقول إنه ينتمي إلى اليمين السياسي، بشدة عن الحرية الأكاديمية. فهو لا يرى أي سبب وراء رغبتنا في أن يملي الساسة ما يمكن وما لا يمكن دراسته وتدريسه. وسيكون الأمر أشبه بطرح المنهج الدراسي للتصويت الشعبي كل عام. ويهتم كتابه بشكل أساسي بالكليات والجامعات العامة (التي يلتحق بها حوالي سبعين بالمائة من الطلاب الأمريكيين) حيث أعضاء هيئة التدريس هم عبارة عن موظفين عموميين وتتحكم المجالس التشريعية في الولايات في ميزانياتها.

وهذا يعني أيضًا أن خطابهم محمي بموجب التعديل الأول لقانون الحرية الفردية في فلوريدا لسنة 2022، المعروف شعبيًا باسم قانون إيقاف الصحوة، الذي يحظُر تدريس الأفكار التي يعرّفها بعض المشرعين بأنها “مثيرة للانقسام” في المؤسسات التعليمية العامة، وتم إبطاله جزئيًا من قبل الدائرة الحادية عشرة لكونه ما هو عليه بوضوح: تمييز في وجهات النظر، وهو ما يحظره التعديل الأول. (ومن ناحية أخرى، إن قدرة الدول على إملاء محتوى الفصول الدراسية من الروضة وحتى الصف الثاني عشر راسخة إلى حد ما).

كان قانون فلوريدا من بين 140 أمرًا تعليميًا أقرته المجالس التشريعية للولاية في سنة 2022، ما يقارب 40 في المائة منها استهدفت الكليات والجامعات. وتعتبر ظاهرة حظر النشر أحد المواضيع التي يتناولها كتاب “الحق في التعلم”. ويرى محررو الكتاب أن مثل هذه الجهود أسوأ من المكارثية. فقد طاردت المكارثية الأفراد بسبب معتقداتهم السياسية. واليوم، الأهداف هي المناهج الدراسية والفصول الدراسية، وهي هيكل النظام التعليمي.

يرى المحررون أن الدفاع عن الحرية الأكاديمية “مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنضال الأكبر ضد أنظمة القمع العنصرية والجنسية وغيرها من أنظمة القمع التي تستمر في تشويه الحياة الأمريكية”. وبما أن عدم المبالاة تشكل عنصرًا أساسيًا في الميثاق الاجتماعي فقد لا يحظى هذا الرأي بقبول عالمي. ولكن هناك تخصصات أو مجالات فرعية ضمن التخصصات حيث يفهم الأساتذة (والطلاب) عملهم الأكاديمي كشكل من أشكال المشاركة السياسية. ويبدو أن الحرية الأكاديمية تغطي هذه الحالات (مع أن الجميع لا يتفقون مع ذلك). لكن ما لا تغطيه الحرية الأكاديمية هو التلقين وهو انتهاك للمعايير الأكاديمية.

ماذا عن الطلاب؟ تتمثل النسخة الطلابية من الحرية الأكاديمية في حرية التعلم. وهذه القاعدة أصعب قليلاً في التطبيق. فلا يحدد الطلاب عادة المنهج الدراسي، وعادة ما يكونون موضوعات سلبية لنظام تأديبي يسمى الدرجات. وفي الأصل، كانت عبارة “حرية التعلم” تشير ببساطة إلى حرية الفرد في اختيار المسار الدراسي. والآن يتم استحضارها في سياقات الخطاب في الفصول الدراسية حيث يشهد المعلمون الكثير من الرقابة الذاتية، وكذلك خطاب الحرم الجامعي، حيث يهتف الطلاب ويحملون اللافتات ويمارسون العصيان المدني.

أفاد بعض الطلاب بأنهم لا يشعرون بالحرية في التعبير عن آرائهم لأن ما يقولونه قد يتم تلقّيه على أنه جارح أو مهين من قبل الطلاب الآخرين. ويجد الأساتذة أنفسهم يعيدون النظر في النصوص التي يعيّنونها، نظرًا لأن الطلاب قد يرفضون التعامل مع الأعمال التي يجدونها مرفوضة سياسيًا. ويشعر الأساتذة بالقلق من أن يتم الإبلاغ عنهم بشكل مجهول وإخضاعهم لتحقيق مؤسسي. وإن لم يكن ذلك كافيًا فإن الأساتذة والطلاب يمكن أن يتعرّضوا للمحاكمة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهذه ليست ظروف عملٍ جيدة لقطاع التعليم. قد تخسر في جدال أثناء التبادل الأكاديمي، ولكن عليك أن تشعر بالحرية، في الفصل الدراسي، لتقول كلمتك دون التعرض للعقاب.

ألقى المعلقون اللوم في هذا الموقف على نظام “التدليل” حيث يُمنح الأشخاص الذين يقولون إنهم يشعرون “بعدم الأمان” لمجرد وجودهم في غرفة مع شخص يختلفون معه الموارد اللازمة للمطالبة بفعل شيء حيال ذلك. ويعتبر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول الرمز المؤسسي (أو كبش الفداء) لهذه الثقافة. اتخذت المجالس التشريعية في الولاية خطوات لحظر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول، وكان المنتقدون المحافظون للتعليم العالي في الكليات والجامعات العامة واضحين تمامًا في أن حظر مكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول هو الهدف الأساسي.

يُظهر كتاب “جميع محامي الحرم الجامعي” بشكل مفيد أن نظام “التدليل” ومكتب الحرم الجامعي للتنوع والإنصاف والشمول كان إلى حد كبير من إنشاء الحكومة الفيدرالية. ويحظر الباب السادس والسابع من قانون الحقوق المدنية لسنة 1964 معًا التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الأصل القومي في البرامج والأنشطة التي تتلقى تمويلًا فيدراليًا، كما تفعل معظم الجامعات.

وقضت المحكمة العليا مؤخرًا (وبشكل مدهش إلى حد ما) بأن الباب السابع يغطي التوجه الجنسي والهوية الجنسية. ويحظر الباب التاسع من تعديلات التعليم لسنة 1972 التمييز على أساس الجنس، بما في ذلك التحرش الجنسي، في مثل هذه البرامج والأنشطة. وفي سنة 2016، تمت إضافة تعريف موسع لـ “الإعاقة” إلى قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة استجابةً، جزئيًا، للدعوة نيابة عن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وصعوبات التعلم. ويُعرّف القانون الإعاقة بأنها إعاقة جسدية أو عقلية تحد بشكل كبير من واحد أو أكثر من “أنشطة الحياة الرئيسية”، وأصبحت “الكتابة” الآن مدرجة كنشاط رئيسي في الحياة.

بالنسبة للجامعات، توفر هذه القوانين سببًا محتملاً لاتخاذ إجراء عند كل منعطف. ويحق للطلاب والموظفين الذين يشعرون بالمضايقة أو عدم الأمان أو الإهمال عمومًا بسبب هويتهم، بموجب القانون الفيدرالي، تقديم شكوى. والنتيجة هي ما يسمّيه جارد وجاكوبسن “تقنين التعليم العالي”. وفي الواقع،  تعيش الجامعات في خوف دائم من المقاضاة بسبب معاملة شخص ما بشكل مختلف.

ولكن لا تتم مقاضاة الأفراد المتهمين بارتكاب سلوك تمييزي، ولا تنطبق عليهم القوانين، بل تنطبق على الجامعة بحد ذاتها. مجموعة من النساء اللواتي قلن إنهن تعرضن للتحرش الجنسي من قبل أستاذ جامعة هارفارد جون كوماروف لم يقاضين كوماروف بل رفعن دعوى قضائية ضد جامعة هارفارد بسبب انتهاك المادة التاسعة. (نفى كوماروف مزاعمهن). وعندما رفعت مجموعة من الطلاب اليهود، في كانون الثاني/ يناير، دعوى قضائية ضد جامعة هارفارد بتهمة “تمكين معاداة السامية” في الحرم الجامعي، فعلوا ذلك بموجب الباب السادس من قانون الحقوق المدنية.

إن المتظاهرين المؤيّدين للفلسطينيين الذين خلقوا الظروف التي يزعم الطلاب اليهود أنها معادية للسامية، محصنون بموجب التعديل الأول للدستور. ويعد شعار “من النهر إلى البحر” شعارا سياسيا، وخطاب كلاسيكي محمي. ولهذا السبب لا يقوم الكونغرس باستدعاء المتظاهرين بل يلاحق رؤساء الجامعات بدلاً من ذلك. ويريد أعضاء الكونغرس الذين استجوبوا شفيق أن تقوم الجامعات بمعاقبة المتظاهرين على وجه التحديد لأن الحكومة لا تستطيع ذلك.

ويرغب جميع الأساتذة تقريبًا في مناقشة مفتوحة وقوية للقضايا المثيرة للجدل في فصولهم الدراسية وفي الحرم الجامعي، لأن هذه هي الطريقة التي يعمل بها البحث الأكاديمي. ولا شك أن مديري الجامعات يريدون ذلك أيضًا. ولكن المخاطر ليست خياليّة، وهي تنشأ، على نحو لا يخلو من المفارقة، من رغبة الكونغرس في خلق فرص متكافئة للجميع. هل يمكنك تسمية قانون الحقوق المدنية، والباب التاسع، وقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة  “بالتدليل”؟ ربما لا إذا كنت أسودًا أو متحولًا جنسيًا أو مصابًا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

في الحقيقة، كثيرا ما يشتكي الأساتذة من التضخم البيروقراطي، ولكن في الجامعة الكبيرة تحتاج إلى جهاز قانوني وإداري ضخم لضمان الالتزام بالقانون، كما تحتاج إلى بيروقراطية ضخمة في الحياة الطلابية لغرس مشاعر العدالة والشمول. وهذه هي الأهداف التي تصورها الكونغرس عندما أقر تلك القوانين. ولم تخترعها هيئة التدريس.

أما بالنسبة للتنوع، فهذا هو المفهوم الذي فرضته المحكمة العليا على التعليم العالي. في سنة 1978، في قضية حكام جامعة كاليفورنيا ضد باكي، قضت المحكمة بأنه يمكن للجامعات أن تنظر إلى عرق مقدم الطلب كعامل في القبول. قال القاضي الذي كتب الحكم، لويس باول، إن الجامعات تتمتع بهذا الحق كمسألة تتعلق بالحرية الأكاديمية، التي قال إنها مضمونة بموجب التعديل الأول – وهي المرة الأولى التي يتم فيها توسيع مفهوم الحرية الأكاديمية ليشمل مؤسسة بأكملها، وليس فقط أعضاء هيئة التدريس، من التدخل الخارجي.

مع ذلك، قال باول، إنه يجب أن يكون هناك مبرّر معقول (من الناحية القانونية “مصلحة مقنعة للدولة”) للنظر في عرق مقدم الطلب، الذي لولا ذلك لكان محظورًا بموجب ضمان التعديل الرابع عشر “للحماية المتساوية”. ورفض الحجة القائلة إن ذلك مبرر لأنه ساعد في علاج التمييز الماضي أو لأنه سيكون من المرغوب اجتماعيا زيادة عدد الأطباء والمحامين والرؤساء التنفيذيين من غير البيض. وقال إن المبرر الوحيد المقبول دستوريا للقبول لأسباب عرقية هو التنوع. وكان وجود هيئة طلابية متنوعة هدفًا تعليميًا مشروعًا، وكان للجامعات حق التعديل الأول في متابعة هذا الهدف.

تم تأكيد حكم باول في سنة 2003 في قضية غروتر ضد بولينجر، ومرة أخرى في سنة 2016 في قضية فيشر ضد جامعة تكساس. وفي المرتين، قالت المحكمة العليا إنه يمكن أخذ العرق بعين الاعتبار عند القبول ولكن فقط لغرض خلق طبقة متنوعة، مع الفهم الضمني بأن التنوع يمتد إلى ما هو أبعد من العرق. وهذا يعني أنه عندما عرضت قضية القبول بجامعة هارفارد على المحكمة العليا في سنة 2022، كانت جامعة هارفارد وغيرها من الجامعات تعمل على الترويج للقيمة التعليمية للتنوع، والتبشير بها للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، لمدة 40 سنة. لقد كانت طريقة للحفاظ على القبول الواعي بالعرق.

في الواقع، كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على القبول الواعي بالعرق. وعندما ألغت المحكمة برامج القبول على أساس العرق في جامعة هارفارد وجامعة نورث كارولينا في سنة 2023، رفضت على وجه التحديد مبرر التنوع ذاته الذي وصفته في البداية ووافقت عليه مرارا وتكرارا. وقالت المحكمة حاليا إن مفهوم التنوع ليس “قابلاً للقياس وملموسًا” بالقدر الكافي. فكيف يمكن للجامعات أن تثبت أن التنوع العرقي له الفوائد التعليمية التي تدعي أنه يتمتع بها؟ أما حكم باول بأن الحرية الأكاديمية حق قانوني يرتكز دستوريا على التعديل الأول للدستور، فقد تجاهله رأي المحكمة تماما.

“التنوع” ليس سلعة تعليمية واضحة كما قد يبدو. ففي العشرينات والثلاثينات، على سبيل المثال، استخدمت جامعة هارفارد “التنوع” كوسيلة للحد من عدد اليهود الذين تقبلهم. في ذلك الوقت، كان مصطلح “التنوع” يعني التنوع الجغرافي، أي وجود هيئة طلابية بها عدد أكبر من طلاب الجنوب والغرب الأوسط وعدد أقل من الطلاب من نيويورك ونيوجيرسي. لقد كان عملاً إيجابيًا بالنسبة للأمم.

بعبارة أخرى، يمكن للتنوع أن يدعم العديد من الأجندات. واليوم، على سبيل المثال، هناك مطالب بإرغام الجامعات الخاصة على قبول طبقة متنوعة اجتماعيًا واقتصاديًا أو توظيف أعضاء هيئة تدريس متنوعين إيديولوجيا. وحقيقة أن جامعات النخبة، مثل هارفارد وكولومبيا، التي لا يلتحق بها سوى واحد بالمئة من جميع طلاب الجامعات في الولايات المتحدة، يُطلب منها إصلاح المشاكل الاجتماعية – عدم المساواة في الثروة والاستقطاب السياسي – التي يبدو أن لا أحد يستطيع حلها، هو الموضوع الرئيسي في كتاب “مهاجمة النخب” لبوك.

من الواضح أن بوك يشعر أن هذه المطالب غير معقولة، ويعرب ديركس في “مدينة الفكر” عن نفاد صبر مماثل. لكن بوك وديركس يعتقدان أنه ليس من الحكمة أن تتجاهل الجامعات مثل هذه المطالب التي يسمّيها بوك “عبء النجاح”. ويمثل التنوع تحديًا تعليميًا أيضًا. وإذا كنت تخبر الطلاب أنه تم قبولهم جزئيًا بسبب عرقهم لمصلحة تنوع وجهات النظر، فقد يشعرون أنه من المتوقع منهم أن يمثلوا أي وجهات نظر يفترض أن أعضاء مجموعتهم العرقية يتبنونها. والتفكير بهذه الطريقة يتناقض مع الهدف التقليدي للتعليم الليبرالي، وهو جعل الطلاب يفكرون خارج الصندوق الذي ولدوا فيه – أو في هذه الأيام، خارج الصناديق التي حددوها عند طلباتهم. يتمحور التعليم الليبرالي حول التشكيك في المسلمات، وليس إعادة تأكيدها.

إن الجامعة عبارة عن مجتمع، والجميع يرتادها لنفس السبب، ألا وهو التعلم. وللمجتمع كل الحق في منع الأحزاب الخارجية والإصرار على معايير الكياسة والاحترام، مع إدراك أن هذه المُثُل لا يمكن تحقيقها دائمًا على الفور. وفي معظم الجامعات، تُحظر بشكل صريح المواجهات الجسدية واستهداف الأفراد بالتهديد أو المضايقات وتعطيل أنشطة الحرم الجامعي. وعندما يتم انتهاك القواعد، فإن أفضل نهج هو أن يجد المجتمع طرقًا لمراقبة نفسه. لكن معظم أشكال التعبير يجب التسامح معها. ويعتبر التسامح الثمن الذي يدفعه الأكاديميون والطلاب مقابل الحريات التي منحها لهم المجتمع.

مع ذلك، تظل الحقيقة أن كل التركيز على التنوع والشمول لم يمنع أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من أن تصبح برميل بارود. وتكمن المشكلة الحقيقية في أن كل هذه القضايا أصبحت حاليا أمام أعين الجمهور، والجامعات غير ماهرة في مجال العلاقات العامة. ومنذ سنة 1964، ظلت الجامعات تتكيف مع البيئة القانونية التي أنشأها إلى حد كبير الكونغرس الديمقراطي والمحكمة العليا التي لا تزال ليبرالية بشكل هامشي فيما يتعلق بالقضايا العرقية. والآن يتولى السلطة نظام سياسي مختلف، في الكونغرس وفي المحكمة، ولم يعد هناك سوى عدد قليل من الأماكن التي يمكن الاختباء فيها.

تعد الحرية الأكاديمية فهمًا وليس قانونا ولا يمكن الاستناد إليها فقط بل يجب التأكيد عليها والدفاع عنها. ولهذا السبب، من المحبط للغاية أن يبدو قادة الجامعات الكبرى مترددين في التحدث عن حقوق البحث المستقل وحريّة التعبير التي ناضل الأمريكيون من أجلها. وحتى بعد أن قدمت شفيق تضحيات أعضاء هيئة التدريس على هيكل الكونغرس واستدعت شرطة نيويورك، رد الجمهوريون بالمطالبة باستقالتها. وإذا لم ينجح الاستسلام، فلن يضيع الكثير من خلال تجربة بعض التحدي.

لويس ميناند

المصدر: نيويوركر




فخاخ الكمائن.. سلاح المقاومة لبعثرة أوراق الاحتلال

أحدث كمين المغراقة، الذي نفّذته المقاومة الفلسطينية، ضد جيش الاحتلال وسط قطاع غزة في 28 أبريل/نيسان الحاليّ، وأسفر عن سقوط ما يقرب من 14 جنديًا إسرائيليًا بين قتيل وجريح، صدمة كبيرة لدى الكيان المحتل والشارع الإسرائيلي على حد سواء.

وترجع الصدمة هنا إلى توقيت العملية التي تأتي بعد نحو أكثر من 205 أيام من التوغل الإسرائيلي داخل القطاع الذي زعم جيش الاحتلال أنه قد سيطر على معظم مناطقه، فضلًا عن حجم الخسائر الهائلة التي أوقعتها المقاومة رغم الادعاء بالقضاء على معظم بنيتها وإضعاف قوتها بالشكل الذي لا يسمح لها بالقيام بمثل تلك العمليات النوعية ذات التأثير الكبير.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها المقاومة منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي لفخاخ الكمائن في استهداف جنود الاحتلال، فقد سبق أن نفذت العشرات من تلك العمليات النوعية، لعل أبرزها كمين الشجاعية، شرق القطاع، في 13 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأسفر عن مقتل 10 جنود وضباط من عناصر لواء جولاني، أحد أهم وأقوى ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي، هذا بخلاف سلسلة الكمائن التي فخخت بها المقاومة العشرات من الآليات العسكرية الإسرائيلية مارس/آذار الماضي في خان يونس جنوب غزة، وأسفرت عن سقوط العشرات بين قتيل وجريح.

ومع مرور الوقت، وإطالة أمد الحرب لتلك المدة غير المسبوقة منذ بداية احتلال الأراضي الفلسطينية، تحولت الكمائن إلى أحد الأسلحة الرادعة التي تلجأ إليها المقاومة للتقليل من الفوارق العسكرية الكبيرة مع جيش الاحتلال، والوسيلة الأكثر ملائمة للتعامل مع تطورات الميدان بشكل موضوعي، بما يُبقي على معادلة التوازن قدر الإمكان وفي حدود المتاح.

رسائل قوية

وتحاول المقاومة من خلال تكثيف عملياتها النوعية عبر إستراتيجية الكمائن، سواء كانت بشكل منفرد أم بالتوازي مع العمليات المباشرة الأخرى، إلى إيصال 4 رسائل محورية للكيان المحتل، بنخبتيه العسكرية والسياسية، كذا للشارع الإسرائيلي:

الرسالة الأولى: صمود المقاومة وثباتها ميدانيًا.. ففي الوقت الذي زعم فيه الكيان المحتل عبر المتحدث باسمه وإعلامه الرسمي وغير الرسمي القضاء على معظم قدرات حماس وبقية فصائل المقاومة، جاءت هذه العمليات لتفند تلك المزاعم وتطيح بها واقعيًا، فبعد 7 أشهر تقريبًا من الحرب لا تزال صافرات الإنذار تدوي في سماء عسقلان ومدن الغلاف، وفخاخ الكمائن تُسقط العشرات من الجنود الإسرائيليين في الشمال والوسط والجنوب.

كذلك بدأت المقاومة في تكريس مرحلة جديدة من المواجهات مع جيش الاحتلال، تكون الاستهدافات النوعية نواتها الأساسية، في ظل الفوارق الكبيرة في القدرات والتسليح، وهي المرحلة التي أتت ثمارها في كثير من العمليات التي أحدثت صدمات نفسيه وعسكرية وسياسية في صفوف الكيان.

الرسالة الثانية: أن المقاومة كيان منظم وليست جيوبًا عسكرية متناثرة.. دومًا ما كان يردد الإسرائيليون وحلفاؤهم من الغرب والعرب على حد سواء، تلك السردية التي تحاول التشكيك في البنية التنظيمية للمقاومة، والادعاء بأنها مجرد فصائل وجيوب لا يمكن وصفها بالكيان المنظم، في محاولة للتشكيك في قدراتها وتجريدها من حاضنتها الشعبية التي تؤمن بإمكانياتها رغم تواضعها، وقدرتها على تكبيد الاحتلال خسائر فادحة رغم الفوارق الكبيرة، وتأهيلها للدفاع عن القضية الفلسطينية رغم مؤامرات الداخل والخارج.

وأثبتت المقاومة عبر التحول الهادئ من العمليات المباشرة إلى مثل تلك العمليات النوعية، والعكس في بعض المواقف، أنها كيان يمتلك رؤية عسكرية ناضجة، وبنية تنظيمية جيدة، ولديه من الخطط والسيناريوهات ما يؤهله للتعامل مع التطورات الميدانية بشكل مرن يعكس خبراته التنظيمية والقتالية الدقيقة، وفي ذلك رسالة ردع مباشرة ومعمقة للاحتلال وداعميه.

الرسالة الثالثة: الخيار العسكري ليس الحل للخروج من المأزق.. توهم المحتل أنه بتكثيف عملياته العسكرية الوحشية ضد معظم مناطق القطاع فإنه بذلك سيضغط على المقاومة من خلال تجريدها من سلاح المواجهة، وعليه فليس هناك مفر من تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات، وهو ما عبر عنه صراحة جنرالات جيش الاحتلال وعلى رأسهم وزير الدفاع ورئيس الأركان ومن قبلهم رئيس الحكومة، حين قالوا إن العمليات العسكرية هي السبيل الوحيد لإرغام حماس على التنازل فيما يتعلق بصفقة تبادل الأسرى.

وها هي المقاومة عبر تلك العمليات النوعية وإستراتيجية الكمائن المخففة، تضرب تلك الأوهام في مقتل، لتحولها إلى ضربات عكسية ترتد في صدور جنرالات جيش الاحتلال، وتفضح هشاشتهم وضعفهم وعجزهم عن تحقيق أي من الوعود التي قطعوها على أنفسهم بداية الحرب، معلنة بما تحققه من نتائج كبيرة من خلال تلك العمليات أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، وأن أي حلول عسكرية أخرى لا وجود لها إلا في خيالات نتنياهو وغالانت وغلمانهما.

الرسالة الرابعة: تحذير بشأن عملية رفح المزعومة.. عكف الاحتلال على مدار أكثر من 3 أشهر على التلويح بورقة اجتياح رفح، في محاولة للضغط على المقاومة والوسطاء لتقديم المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات، متوهمًا أن هذا التهديد من الممكن أن يؤتي ثماره، لكن دومًا ما كان الرد الحمساوي بأنه لا تنازلات مع الإصرار على التمسك بالثوابت والمرتكزات والشروط التي على رأسها وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وسحب القوات الإسرائيلية من القطاع وإعادة النازحين لمناطقهم مرة أخرى.

وعبر تلك العمليات النوعية تبعث المقاومة برسالة تحذير واضحة لجيش الاحتلال مفادها أن ما واجهه في الشمال والوسط وفي خان يونس من استهداف نوعي ممنهج سيجد أضعافه في رفح، وأنه وإن فشل في تحقيق الانتصار المزعوم في تلك المناطق كيف له أن يتسوله في الجنوب، وهي الرسالة التي من شأنها التشكيك في قدرات الجيش الإسرائيلي وبث الرعب في نفوس جنوده وهو ما بدا يلوح في الأفق حين قدم العشرات من المجندين بيانات موقعة رفضوا فيها المشاركة في عملية رفح لما قد يترتب عليها من تداعيات.

الكمائن.. إستراتيجية لها ضوابط

لم تكن عملية تنفيذ الكمائن بالشكل السهل أو البسيط كما يظهر للبعض عبر المقاطع المصورة، فمثل تلك العمليات ربما تحتاج إلى إستراتيجيات أكثر دقة مقارنة بغيرها من المواجهات التقليدية الأخرى، كونها تعتمد في المقام الأول على البعد المعلوماتي الاستخباراتي لتحديد مكان العملية ومحيطها ودراسة الأجواء بشكل تفصيلي دقيق، بجانب الاعتماد على المهارات الفردية في مسألة التنفيذ، علاوة على أن الخطأ فيها مهما كان صغيرًا ربما يُجهضها مبكرًا.

ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد ركن حاتم كريم الفلاحي أن هناك طرقًا عدة يتم من خلالها استدراج قوات الاحتلال نحو تلك الكمائن، منها قيام أفراد من المقاومة بمناوشة قوة من الاحتلال ثم ينسحبوا من أمامها نحو منطقة محددة، تكون ساحة الكمين المنصوب، بما يغري عناصر جيش الاحتلال باللحاق بهم ثم تتم عملية التفخيخ، أو أن تكون هناك مواجهة مباشرة تتكبد فيها المقاومة خسائر أولية بما يدفع جيش الاحتلال لاستقدام المزيد من القوات لإيقاع خسائر أكبر، حتى يتم استحضار أكبر عدد ممكن من جنود المحتل في المكان المخصص للكمين.

وأضاف الفلاحي – في فقرة التحليل العسكري على شاشة الجزيرة – أن بعض الكمائن قد تتم على أكثر من مرحلة، مستشهدًا بكمين الأبرار في منطقة الزنة، شرق خان يونس، جنوبي القطاع، في السادس من الشهر الحاليّ، الذي تم على 3 مراحل، استُدرج من خلاله 3 دفعات من جنود الاحتلال وتم القضاء عليهم.

ويتم توزيع الأدوار على الفريق المنفذ للكمين وفق إستراتيجية خاصة، فهناك من يتولى مسؤولية زرع المتفجرات، وآخر يقوم بحراستها ومراقبة الأجواء المحيطة بها، وثالث من يعطي الأمر بالعملية، ورابع من يقوم بالتنفيذ الذي لا يتم إلا بعد اكتمال دخول أو وصول الهدف إلى المدى المميت من المتفجرات، بحسب المحلل العسكري.

وتستخدم المقاومة في عمليات الكمائن عددًا من المتفجرات الملائمة لهذا النوع من الاستهدافات، أبرزها العبوات الناسفة، وهي عبارة عن قنابل محلية الصنع تحتوي على مكونات عسكرية وغير عسكرية، وأبرزها مادة “تي إن تي” المتفجرة، وتعد من أبرز الأسلحة المستخدمة ضد القوات العسكرية المترجلة، بحيث تُزرع على جانبي الطريق أو في الوسط وفي مداخل البنايات، وقد يتم زرعها داخل العربات والدبابات.

ويتم تفجير تلك العبوات عبر “الأجهزة المتفجرة المرتجلة“ (IED)، وهي أجهزة معقدة نسبيًا، تتكون من 5 أجزاء رئيسية: مصدر طاقة، ومفتاح تشغيل، وبادئ تفجير، وشحنة رئيسية متفجرة، وحاوية تحتوي في الغالب على مجموعة من المقذوفات مثل الكرات أو المسامير، التي تنتج شظايا قاتلة عند التفجير.

وهناك أيضًا العبوات الناسفة الخارقة للدروع (formed penetrator)، أو ما يطلق عليها “العبوات النافذة”، وهي القادرة على اختراق الدروع بسرعة، وتُحدث أضرارًا بالغة في العربات والمدرعات والدبابات، وعادة ما يكون غطاؤها معدنيًا مقعرًا، مكون من النحاس أو الفولاذ، حيث يؤدي هذا التقعر إلى تركيز طاقة الانفجار في اتجاه معين بما يخلق تيارًا قويًا من المعدن المنصهر بقوة تمكنه من اختراق الدروع بسرعة تصل إلى آلاف الأمتار في الثانية الواحدة.

كما نجحت المقاومة في استخدام وإعادة تدوير القاذفات والعبوات التي أطلقها جيش الاحتلال ولم يتم تفجيرها، فلدى سلاح الهندسة العسكرية في حماس وبقية الفصائل خبرة كبيرة في التعامل مع هذه المتفجرات بعد تفكيكها وإبطال مفعولها، ساعدت في زيادة القدرات التسليحية لفصائل المقاومة من خلال هذا المورد.

وتعد التجربة العراقية واحدة من التجارب الكاشفة لما يمكن أن تحققه إستراتيجية الكمائن والعمليات النوعية، حيث لجأت الفصائل التي قاومت قوات التحالف الدولي في العراق عام 2003 إلى هذه العمليات لمجابهة الفوارق العسكرية والتسليحية الكبيرة بينها وبين جيوش العالم التي شاركت في الحرب على العراق.

ففي العام الأول لتلك الحرب شنت المقاومة العراقية 100 عملية بالعبوات الناسفة ضد قوات التحالف، ارتفعت إلى أكثر من ألف عملية بحلول عام 2005 ثم وصلت إلى 2500 عملية بداية من صيف 2006، ومع بدايات 2007 تسببت العبوات الناسفة وتلك العمليات النوعية في مقتل 63% من إجمالي قتلى قوات التحالف في العراق، كما تسببت في أكثر من 66% من قتلى قوات التحالف في حرب أفغانستان.

وهكذا تُثبت المقاومة عبر إستراتيجيات القتال المتعددة التي تستخدمها تبعًا للتطورات الميدانية، قدراتها العسكرية المتميزة، وقراءتها الجيدة والموضوعية للمعركة بشكل يطيح بكل السرديات المشككة فيها، الأمر الذي جعلها صامدة لقرابة 7 أشهر كاملة، وقادرة على تكبيد جيش الاحتلال المدجج بأحدث الأسلحة والمدعوم من أقوى جيوش العالم وأجهزته الاستخباراتية، خسائر فادحة حتى في المناطق التي زعم السيطرة عليها.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست