1

رحلة في عقل السنوار.. ماذا تخبرنا مؤلفاته في سجون الاحتلال؟

في أبريل/نيسان 2024، توقف موقع “أمازون” للتجارة الإلكترونية عن بيع رواية “الشوك والقرنفل” التي كتبها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار قبل 20 عامًا، بعد شكوى قدمتها منظمة “بتزالمو” (NGO) الإسرائيلية إلى عملاق التجارة الإلكترونية، ادَّعت فيها أن الرواية زرعت بذور عملية “طوفان الأقصى”، وتتعمق في هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ورغم أن الكتاب موجود على موقع “أمازون” منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، وصفت منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” (UKLFI) محتوى كتاب السنوار بـ”المسيئ والمهين”، وادعت أنه “ينتهك العديد من جوانب سياسات أمازون الخاصة بالمواد الهجومية والمثيرة للجدل وإرشادات محتوى الكتب، وأنه من غير القانوني إجراء أي تعاملات مالية مع السنوار أو توفير أموال أو موارد اقتصادية له”.

ضمن هذه الحملة أيضًا التي يقودها اللوبي الإسرائيلي في المملكة المتحدة، حثَّ مجلس نواب اليهود البريطانيين على إزالة الكتاب، مدعيًا استخدامه “للتحريض على العنف والدعاية وجمع الأموال لصالح منظمة محظورة، وتأجيج المشاعر المعادية للسامية”، في حين يواصل “أمازون” السماح ببيع الأدوات المعادية للسامية حقًا، وما زالت عشرات الكتب والأفلام الدعائية النازية متاحة للشراء والبث عبر الإنترنت.

ورغم استجابة “أمازون” لضغوط اللوبي اليهودي، وحذف هذه الرواية الأدبية التي تروي في 30 فصلًا سيرة النضال الفلسطيني منذ عام 1967 وحتى انتفاضة الأقصى عام 2000، فإنها تبقى واحدة من مؤلفات وترجمات عدة كتبها السنوار داخل أحد السجون الإسرائيلية بينما كان هو ورفاقه يعانون، واتسمت بالأسلوب السياسي والتحليلي، وعكس من خلالها رؤيته وتجاربه في الشؤون السياسية والأمنية والعسكرية، فماذا يمكن أن تخبرنا هذه الكتب عن عقلية السنوار؟

من هو يحيى السنوار؟

في 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 1962، وُلد يحيى السنوار في مخيم خان يونس للاجئين في الطرف الجنوبي من قطاع غزة لعائلة أصولها من قرية المجدل، التي تقع الآن داخل حدود دولة الاحتلال، والمعروفة باسم “أشكلون” (عسقلان)، وتلقى تعليمه في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين، وتخرج في الجامعة الإسلامية بغزة بدرجة بكالوريوس في اللغة العربية، وتربى على يد أبرز القادة المؤسسين لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين، وحصل على ثقته حتى بات يُوصف اليوم بأنه العدو الأول للاحتلال والشخصية السياسية والعسكرية العليا في غزة.

قاد السنوار مفاوضات بين “إسرائيل” وقيادات حماس في الخارج بشأن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير الذي تحتجزه حماس جلعاد شاليط

تأثر السنوار بتنشئته القاسية في مخيم للاجئين يروي قصة قتل وتهجير عائلة مع مئات آلاف الفلسطينيين في أعقاب النكبة التي فرض الاحتلال خلالها سيطرته على ثلثي فلسطين، وهو ما ساعد في تشكيل وعيه السياسي والعسكري، لا سيما بعد أن تفاقمت مصاعب المخيم عام 1967، عندما أكملت “إسرائيل” احتلالها لبقية فلسطين، واستولت على الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان مستوى المعيشة أكثر كآبة في المخيم مع تدهور الظروف الاقتصادية، وتبع ذلك حظر التجول والهجمات العسكرية المكثفة.

من هذا المخيم الفقير، خرج السنوار الرجل البالغ من العمر 62 عامًا، والمعروف على نطاق واسع باسم “أبو إبراهيم”، والذي ستعرفه “إسرائيل” للمرة الأولى بأحد أشهر ألقابه: “جزار خان يونس”، وهو لقب اكتسبه في بداية انضمامه لصفوف حركة حماس، بعدما ساهم وبشكل رئيسي في تأسيس الجناح العسكري للحركة الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم “كتائب عز الدين القسام”، وأسس في شبابه – بتكليف من الشيخ أحمد ياسين – فرعًا أمنيًا لمكافحة التجسس أطلق عليه منظمة الجهاد والدعوة، ويُعرف باسم “مجد”، وهو أول جهاز للأمن الداخلي والمخابرات يتبع كتائب القسام في عام 1985.

قضى السنوار ثلث عمره تقريبًا داخل سجون الاحتلال، واُعتقل عدة مرات. في المرة الأولى عندما كان طالبًا جامعيًا يبلغ من العمر 19 عامًا وعضوًا مؤسسًا في الحركة الطلابية التابعة لحماس عام 1982، وحُكم عليه بالسجن لأربعة أشهر، وفي وقت لاحق من ذلك العام، ألقي القبض عليه مرة أخرى وحُكم عليه بالسجن 6 أشهر، وفي المرة الثالثة، قضى 8 أشهر داخل سجون الاحتلال بعد اعتقاله عام 1985 بتهم تتعلق بالأجهزة الأمنية للحركة الفلسطينية.

وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى التي بدأت في غزة عام 1987، اعتقلته السلطات العسكرية الإسرائيلية، التي كانت تعمل في ذلك الوقت داخل غزة، وحكمت عليه بالسجن 4 مؤبدات (مدتها 430 عامًا)، بتهمة تأسيس جهاز أمني لتتبع المخابرات وأجهزة الأمن الإسرائيلية، إلى جانب المشاركة في تأسيس جهاز عسكري باسم “المجاهدون الفلسطينيون” المعروف اليوم باسم “كتائب عز الدين القسام”.

23 عامًا في سجون الاحتلال، 4 منها في الحبس الانفرادي، درس خلالها السنوار من خلف القضبان نفسية الاحتلال عن كثب، وحوَّل نقاط قوته إلى ثغرات سهلة يمكن استغلالها، وراقب سلوك عدوه، وحفظ تاريخه واستراتيجيه، وطوّر مهاراته الأمنية والاستخباراتية، خاصة في تقنيات الاستجواب، حتى بات أكثر فلسطيني يعرف الكيان الصهيوني والسياسة والإعلام الإسرائيلي.

بهذا المستوى وأكثر كان نشاط السنوار في مشواره الطويل داخل سجون الاحتلال، حيث بنى نفوذه هناك، وكان عضوًا مؤثرًا في الحركة حتى داخل السجن، وأصبح الزعيم بلا منازع لأسرى حماس في وقت قريب من الانتفاضة الثانية، خاصةً أنه قاد الإضرابات في محاولة لتحسين ظروف السجناء، وحتى خلال الأوقات التي لم يكن فيها زعيمًا، كان للسنوار تأثير كبير على الأشخاص الذين كانوا قادة، وكانت له كلمة مسموعة.

أمضى السنوار سنوات كعضو في حماس داخل السجن أكثر مما أمضى خارجه، ومنذ أن كان في الأسر، قاد ولسنوات طويلة الحركة داخل السجون الإسرائيلية، وأمسك بعدة ملفات، وقاد مفاوضات بين “إسرائيل” وقيادات حماس في الخارج بشأن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير الذي تحتجزه حماس جلعاد شاليط، وقدَّم الخطط والمقترحات من داخل سجنه لقيادة حماس، وأُجريت عدة مقابلات معه داخل زنزانته، لدرجة أن الاحتلال سعى للحد من نفوذه داخل الحركة بوضعه في الحبس الانفرادي.

وكان للسنوار تأثير في الضغط من أجل حرية الفلسطينيين الذين سُجنوا بتهمة قتل إسرائيليين، فقد أراد إطلاق سراح أولئك الذين شاركوا في التفجيرات خلال الانتفاضة الثانية التي قتلت أعدادًا كبيرة من الإسرائيليين، مثل عملية تفجير فندق بارك التي أدت في البداية إلى مقتل 19 شخصًا.

يحيى السنوار يحيي أنصاره بعد إطلاق سراحه من سجن إسرائيلي في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2011

ولطالما ترددت “إسرائيل” في الإفراج عن السنوار، فقد كانت تدرك أن شخصًا بحجمه لن يكون كأي أسير محرر آخر، وأن قضاءه أكثر من 20 عامًا في سجونها لن يغير شيئًا من قناعات الرجل الذي حمل السلاح في وجهها ووجه عملائها منذ منتصف الثمانينيات.

ورغم رفض “إسرائيل” حتى اللحظة الأخيرة إطلاق سراح أسرى كبار مثل عبد الله البرغوثي وحسن صلاح، فإن السنوار كان على موعد مع الحرية في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، في صفقة “وفاء الأحرار” التي أدارها بنفسه من داخل السجن، ونجحت المقاومة بموجبها في الإفراج عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل شاليط، ومن بين المفرج عنهم – والرجل الذي أعد القائمة – السنوار، الذي كان في استقباله عدد كبير من قادة حماس السياسيين والعسكريين.

وبعدما أصبح السنوار جزءًا من هذه الصفقة المعقدة، لم يكن ممكنًا أن تعلم “إسرائيل” أنه سيصبح زعيم حماس والمكرس لتدميرها، والمتهم بتدبير السابع من أكتوبر بعد 12 عامًا، لذلك تعض اليوم أصابعها ندمًا، فلو كانت تعلم أن أحد أسراها سيصبح سجَّانها لما ترددت لحظة في تصفيته، ولو كانت تعلم أن صفقة “وفاء الأحرار” ستحرر السنوار من خلف قضبان سجن بئر السبع ليكون السبع الذي يغرقها في بئر الهزيمة لما وافقت عليها.

مؤلفات في سجون الاحتلال

كانت السنوات التي أمضاها السنوار في الزنازين الإسرائيلية حاسمة في تشكيل وعيه الفكري وعقيدته السياسية، وصقلت لغته العبرية إلى مستوى الناطقين بها، فهو يعلم كيف يصغى لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ويحلل النقاش العام داخل “إسرائيل”، ويعرف في مقابلاته مع وسائل الإعلام كيف يقتبس أقوالًا لسياسيين إسرائيليين.

استثمر السنوار جزءًا كبيرًا من حياته داخل السجن في متابعة المجتمع الإسرائيلي، وانغمس في فهم عقلية الاحتلال، وتعمق في دراسة السياسة الإسرائيلية، حيث كان يشاهد الأخبار المحلية، ويقرأ بانتظام الصحف، بالإضافة إلى السير الذاتية لشخصيات إسرائيلية رئيسية.

كان اهتمام السنوار بالكتب نابعًا من إيمانه بأهمية معرفة الداخل الإسرائيلي ودور الأحزاب السياسية في تشكيل القرارات وصياغتها

وقبل الإفراج عنه، أمضى السنوار معظم وقته في التعلم والقراءة والتأليف، فقد ألف وترجم عددًا من الكتب في المجالات السياسية والأمنية والأدبية، وله العديد من المنشورات والترجمات التي تشرح رؤيته وفهمه للعقلية الإسرائيلية، وتشمل أعماله البارزة:

  • كتاب “الشاباك بين الأشلاء”

كتاب ألَّفه الرئيس السابق لجهاز الشاباك الإسرائيلي كرمي غيلون، وترجمه السنوار، ويتعمق في دور جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي المعروف بـ”الشاباك” بكل تفاصيله، الذي أسسه ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لـ”إسرائيل”.

يتمحور الكتاب حول الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، ويتناول الكتاب تفاصيل عمل الشاباك، وهو تابع لسلطة وأوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومهمته الرسمية حماية الدولة من المؤامرات والتآمر الداخلي وحماية أمنها الداخلي.

  • كتاب “الأحزاب الإسرائيلية”

كتاب صدر عام 1992، وترجمه السنوار إلى اللغة العربية، يناقش ويبحث تاريخ الأحزاب السياسية في “إسرائيل”، ويعرِّف ببرامجها وتوجهاتها خلال تلك الفترة.

وكان اهتمام السنوار بهذه النوعية من الكتب نابعًا من إيمانه بأهمية معرفة الداخل الإسرائيلي ودور الأحزاب السياسية في تشكيل القرارات وصياغتها في مرحلة متقدمة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومن أمام الزنزانة التي كان يحتجز فيها السنوار، كشفت رئيسة مصلحة السجون الإسرائيلية سابقًا كيتي بيري، في تصريح للقناة 12 الإسرائيلية، أنه في إحدى عمليات التفتيش المفاجئة عثر على كتاب بحوزة السنوار، يعتقد أنه بخط يده، مشيرة إلى أنه “يقرأ إستراتيجية قادة الشاباك ضمن قاعدة اعرف عدوك”.

  • رواية “الشوك والقرنفل”

إذا كانت المذكرات بمثابة نافذة لفهم مؤلفيها، فإن رواية “الشوك والقرنفل” مخصصة لأولئك المهتمين بفهم زعيم حماس في غزة، وتكتسب هذه الرواية أهمية توثيقية كبيرة من خلال الكشف عن حياة السنوار الداخلية وأفكاره وتطلعاته على الأقل كما اختار أن يمثلها.

ترصد الرواية التي ألفها السنوار في عام 2004 مراحل تطور القضية الفلسطينية خلال تلك الفترة الزمنية، وتتناول – بما يقترب من التأريخ – تفاصيل مهمة وجوهرية في صلب القضية الفلسطينية، وتقرِّب القارئ من الشوارع والمناطق والشخصيات، وتضيء ما هو معتم في حياة الناس كالفقر وسوء الخدمات وطبيعة الحياة الاجتماعية بين الناس.

كما تمتدح المقاومة الفلسطينية، وتُظهر أن زعيم حماس عاش حياة تركز على الإيمان، ومشروع مهووس لبناء بنية تحتية للمقاومة في غزة، وتصف الاحتلال الإسرائيلي وإبداع المقاومة الفلسطينية وصمودها. على سبيل المثال، عندما تغلق سلطات الاحتلال الجامعة الإسلامية، يقوم الأساتذة بإلقاء محاضرات في مساجد مختلفة.

غلاف رواية “الشوك والقرنفل” التي ألفها السنوار عام 2004

ويشيد وصف الكتاب المؤَّلف من 212 صفحة، والقريب إلى شبه سيرة ذاتية تحكي تاريخ قطاع غزة، بأنه “سجلات للسعي الدؤوب للتحرر”، ويتعمق في موضوع “الاعتقال في السجون الإسرائيلية”، ويعرض الاختيار الصعب الذي يواجهه بعض الفلسطينيين المهجرين للعمل في “إسرائيل”، ويتضمن قراءة أساسية لأولئك الذين يهدفون إلى فهم التوترات المستمرة داخل الشرق الأوسط.

ولا يمكن اعتبار هذا الكتاب رواية بالمعنى التقليدي، إذ يتكون النص من أوصاف للعمليات العسكرية تتخللها أحداث من الحياة الاجتماعية لبطل الرواية، ويكتب المؤلف في أجزاء من الصفحات عن هذه العمليات دون أي ذكر للحبكة الرئيسية، بالإضافة إلى ذلك، لم يقتصر السنوار على غزة فقط، بل سلط الضوء على سكان الضفة الغربية وأعمال المقاومة هناك.

  • كتاب “المجد”

خرج هذا الكتاب إلى النور عام 2010، يستعرض عددًا من الاغتيالات والتصفيات لرموز وقادة المقاومة التي يقف خلفها بصورة مباشرة جهاز “الشاباك”، ويرصد عمل الجهاز في جمع المعلومات، وزرع وتجنيد العملاء وأساليب وطرق التحقيق الوحشية من الناحية النفسية والجسدية، إضافة إلى تطور نظرية وأساليب التحقيق والتعقيدات التي طرأت عليها وحدودها.

وكان جهاز حماس الأمني المعروف باسم “مجد” تجربة فريدة عكست حرص السنوار على تحسين الأمن الداخلي للمقاومة والسياسة الفلسطينية، وانحصرت مهمته في ملاحقة العملاء والجواسيس المتعاونين مع “إسرائيل” وتحييدهم، وما لبثت أن أصبحت هذه الوحدة جهاز أمن داخلي كامل، يراقب جهود المخابرات الإسرائيلية ضد فلسطين، ويتتبع ضباط المخابرات وأجهزة الأمن الإسرائيلية، وقد نشط خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى حتى بدأت قوات الاحتلال ملاحظة نشاطه المتصاعد وملاحقته.

وقال السنوار في أثناء اعتقاله بسجن نفحة الصحراوي إن أهمية هذا الكتاب تنبع من حساسية هذا الجهاز وخطورة أعماله في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأهمية دراسة كل شيء متوافر عنه لمستقبل هذا الجهاز، لذا وجد أن الواجب يحتم عليه تأليف هذا الكتاب مستعينًا بكتاب “القادم لقتلك” لرئيس جهاز الشاباك السابق يعقوب بري، بالإضافة إلى تقارير عديدة نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة.

  • كتاب “حماس: التجربة والخطأ”

واحد من الكتب التي ألفها السنوار، ويستكشف تجربة حركة المقاومة الفلسطينية وتطورها على مر الزمن، والاستشراف بمستقبلها في صراعها مع “إسرائيل”، لا سيما أنه هو نفسه أحد أقطابها الرئيسين.

رحلة في عقل السنوار

حين دخل السنوار السجن كانت حماس في مهدها، أقرب إلى حركة صغيرة تنتهج السرية بلا جيش ولا نفوذ جغرافي، وفي العام الذي تم اعتقاله فيه، أصدرت حماس ميثاق مبادئ يتضمن هدف تدمير “إسرائيل”، وبعد إطلاق سراحه، لم يستغرق الأمر سوى أسبوع واحد لعودة السنوار إلى اتصالاته وأنشطته، وكان أول ما قاله “غزة هي مركز العالم”، ورأى في ذلك واقعًا جديدًا “حماس أكبر وأقوى وبآلاف المقاتلين”.

وبعد سنوات قليلة من إطلاق سراحه، ترَّشح السنوار لعضوية المكتب السياسي لحماس، وتقلد مناصب أمنية وعسكرية حساسة، منها مسؤولية الجهاز العسكري لكتائب القسام، وبدأ نفوذه يتسع في أروقة الحركة وأجهزتها حتى تفرَّد بساحة غزة عام 2017، وصعد إلى رأس الهرم في قيادة حماس، وعزز شعبيته بكسب جولة انتخابية ثانية في مايو/أيار 2021، رغم تاريخه الأمني والعسكري الطويل.

زرع السنوار فكرة خاطئة في أذهان الإسرائيلين أراد من خلالها أن تعتقد “إسرائيل” أن حماس تخلت عن النزعة العسكرية، وتركز على الاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات الاجتماعية والشؤون المدنية في غزة

ولم يكن السنوار الذي يحمل شخصية قلَّ نظيرها موضع جدل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول فحسب، فلطالما كان صاحب أكبر نفوذ في فلسطين المحتلة مع ابن مخيمه محمد الضيف، ويحظى بشعبية كبيرة، ويحسب الكثيرون له حسابًا حتى من داخل حماس، وقد تحدى أن تغتاله “إسرائيل” علنًا، ومنحها ساعة لتنفيذ وعيدها باغتياله.

ويُجمع أعداء ومحبو يحيى السنوار على أنه شخص عنيد زاهد ومنضبط إلى أقصى الحدود، وقائد حكيم لديه جرعة من الكاريزما، ويستخدم عقله دون أن يرفع صوته، وذي بأس شديد في الميدان ضد عدوه، وخبير في قراءة الداخل الإسرائيلي، ويمارس نفوذه داخل حماس بعيدًا عن الظهور في وسائل الإعلام، لكن مع أول فرصة يلتحم في الساحات مع أبناء شعبه.

خلال سنوات سجنه، كان السنوار يراقب ويحلل استراتيجيات الاحتلال ويخطط ببطء للضربة القادمة، واستطاع بعبريته المتقنة خداع المحققين الإسرائيليين طوال سنوات اعتقاله، وأوهم بتصريحاته كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين بإحساس كاذب للاطمئنان إلى أنه لا يسعى للحرب، وكان سوء فهم شخصيته مقدمة لأكبر فشل استخباراتي إسرائيلي.

قرأ السنوار الوعي الإسرائيلي جيدًا كما قرأ العديد من الكتب عن السياسة الإسرائيلية، وزرع فكرة خاطئة في أذهان الإسرائيلين أراد من خلالها أن تعتقد “إسرائيل” أن حماس تخلت عن النزعة العسكرية، وتركز على الاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات الاجتماعية والشؤون المدنية في غزة.

وعمل على الاستفادة القصوى من كل الصلاحيات التي يتمتع بها كرئيس لحماس في غزة، على نحو غير معهود عند سابقيه من قادة الحركة، وبحسب موقع “بلومبرج“، أرد تحويل غزة المحاصرة إلى ما يشبه دبي أو سنغافورة، وكان ضمن ذلك مقترحات عديدة مثل مشروع الخط البحري لقطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، وغير ذلك من المشاريع التي ذكرها في خطاباته.

كما أوهم “إسرائيل” أن حماس مهتمة باتفاق أوسع معها، وأعطى للمسؤولين الإسرائيليين الانطباع بأنه يريد وقف العنف على الأقل على المدى القصير، وأن حماس لن تحاول شن أي هجوم من شأنه أن يكون أكثر تركيزًا على بناء القطاع اقتصاديًا، وأن أي هجوم للمقاومة سيحتاج إلى عام واحد على الأقل من التخطيط.

وبعد تحريره من السجن ضمن صفقة شاليط، خاطب السنوار “إسرائيل” بلغة القوة المنضبطة لتقديم الحوافز الاقتصادية لحماس والمزيد من تصاريح العمل في محاولة لخلق الوهم بأن حماس فقدت شهيتها للحرب والعنف للتركيز على الحكم، وأنها تسعى إلى السلام والحياة الاقتصادية لسكان غزة، ما جعل “إسرائيل” يتملكها شعور زائف بالأمان، وتعتقد خطأً أن الحركة مشغولة بحكم غزة، وبطبيعة الحال، تحول هذا إلى سوء تقدير كارثي.

بالتوازي مع ذلك، أراد السنوار الاحتفاظ بمنصبه والاستفادة من استحقاقات جديدة بعد حرب عام 2021، واستكمال ملفات أخرى كان يطمح بتحقيق تقدم فيها، مثل تحقيق هدنة شاملة وطويلة الأمد تضمن رفع الحصار عن غزة، وتبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين والعرب، وقطع الطريق على أي محاولات إسرائيلية مباشرة أو عبر وسطاء لانتزاع صفقة تبادل أسرى جديدة مقابل ثمن بخس.

ويتبنى السنوار قضية الأسرى على نحو وطني وشخصي، فبعد أسبوع من إطلاق سراحه عام 2011، خاطب الحشود المبتهجة في غزة، ودعا حماس إلى تحرير سراح من بقي في سجون الاحتلال، وقال إن الخيار الأفضل لتحرير السجناء المتبقين في الداخل هو المزيد من عمليات اختطاف الجنود الإسرائيليين.

وقال السنوار مرة أخرى علنًا إن حماس ملتزمة بالإفراج عن كل أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وبعد فوزه بولاية ثانية كزعيم لحركة حماس في غزة، تعهد مرة أخرى بتحرير السجناء الفلسطينيين، ولا يزال يستثمر في محنة السجناء الفلسطينيين.

وأسس السنوار هيكلًا حكوميًا يدير شؤون القطاع بمتابعة مباشرة منه، وحوَّل كتائب القسام من فصيل عسكري إلى جيش مصغر أكثر تنظيمًا وتنوعًا، وكان مهتمًا بتطوير القدرات الصاروخية وجهاز الاستخبارات العسكرية التابع لكتائب القسام، وقام بتوسيع غير مسبوق في العمل على مشروع حماس الاستراتيجي “الأنفاق”، الذي يتولاه بشكل مباشر شقيقه محمد السنوار، أحد قادة كتائب القسام.

وأصبحت الأنفاق اليوم أكبر معضلة تواجه الاحتلال على الإطلاق، حيث يُعتقد أن شبكة أنفاق غزة ضمن الأعقد في العالم، وتضم غرفًا كبيرة للقيادة المركزية وغرفًا للتحكم والسيطرة ومهاجع للجنود ومخازن للأسلحة والذخيرة ومراكز اتصالات، عدا عن شبكة الأنفاق الهجومية التي يستخدمها عناصر كتائب القسام في شن العمليات مواجهة التوغل البري الإسرائيلي في غزة.

وعلى عكس ما كان يجري تحت الأرض، خدعت حماس “إسرائيل” وأعطتها شعورًا زائفًا بالهدوء، وفي مقابلات عدة قبل الهجوم الأخير، قال إنه لا يسعى للمواجهة، وأظهر دعمًا لوقف إطلاق النار المؤقت مع “إسرائيل”، وتبادل الأسرى، والمصالحة مع السلطة الفلسطينية، وقال لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية: “لا أريد المزيد من الحروب”، وهو ما دفع التقييم الرسمي الإسرائيلي إلى استبعاد أن تخوض حماس حربًا أخرى.

يحيى السنوار يزور الحدود المصرية في رفح جنوب قطاع غزة في عام 2017

وفي حين أن مسؤولي حماس لم يتحدثوا أبدًا بشكل مباشر مع السلطات الإسرائيلية، إلا أن السنوار عمل من خلال وسطاء على إقناع “إسرائيل” بالنوايا الحميدة لجماعته، وكجزء من هذه الجهود، تعاون مع السلطة الفلسطينية للتفاوض بشأن تصاريح العمل الإسرائيلية لنحو 18 ألف من سكان غزة، ما سمح لهم بدخول “إسرائيل” كعمال يوميين.

نتيجة ذلك، قلَّص جيش الاحتلال مراقبته للسياج الحدودي مع غزة بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بالاعتماد على أجهزة الاستشعار الإلكترونية، ونقل قواته إلى خارج المنطقة لحراسة المستوطنات في الضفة الغربية، وفضَّل محللو الاستخبارات العسكرية التركيز على إيران وسوريا لأن العمل على القضايا الفلسطينية لم يكن يعتبر ذا أهمية وجودية، وكان الشعور السائد هو أن حماس قد تم ردعها، والتحديات الحقيقية تكمن في أماكن أبعد.

يقول مسؤولون إسرائيليون إن أداء السنوار العلني كان مجرد خداع محض لكسب الوقت وتوجيه الضربة القاضية لـ”إسرائيل”، حتى وصفه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ”رجل ميت يمشي”، في إشارة إلى أنه المطلوب الأول للتصفية، وتتهمه “إسرائيل” بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتصنفه جهات أمنية إسرائيلية كأحد رؤساء جناح الصقور في قيادة غزة.

وفي عام 2015، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية السنوار على لائحتها للإرهابيين الدوليين في خطوة للضغط على حماس، وهو ما تم تطبيقه أيضًا على شخصيتين كبيرتين أخريين، محمد الضيف وروحي مشتهى، وفي مايو/أيار 2021، استهدفت غارات جوية إسرائيلية منزله ومكتبه في قطاع غزة.

كانت قواعد اللعبة التي اتبعها السنوار منذ أن أصبح زعيمًا لحركة حماس في غزة قبل 7 سنوات هي تذكير الإسرائيليين باستمرار بأنهم في صراع مع الفلسطينيين، في لحظة ما ينخرطون بشكل بناء مع “إسرائيل”، وفي اللحظة التالية، يتبعون وسائل عنيفة لتحقيق أهداف سياسية.

كيف خدع السنوار الاحتلال؟

قبل أكثر من عام على انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، كان جهاز العمل الجماهيري في حركة حماس يحشد أنصار الحركة لاحتفاليتها بذكرى انطلاقتها لعام 2022، وكان الشعار الذي وضعته الحركة لانطلاقتها “آتون بطوفان هادر”، ليس هذا فحسب، بل كانت هذه الكلمات تخرج من فم الرجل الأكثر نفوذًا في حماس.

لم يكن هذا التهديد الوحيد الذي صرح به السنوار، بل أشار في مرات عديدة إلى أعداد هائلة من الصواريخ والمقاتلين وغيرهم، لكن أكثر فلسطيني يعرف حماس كان يدرك أن الإسرائيليين لا يتوقفون عن التفاخر بقدرات جيشهم وتفوقهم العسكري، عدا عن النظرة الدونية العنصرية التي تتملكهم تجاه الفلسطينيين، والتي جعلتهم غير قادرين على رؤية التهديد الأمني الوشيك.

هدد السنور في عام 2002 “إسرائيل” بـ”طوفان هادر” في خطاب علني

قبل كل ذلك، فهم السنوار عقيدة الحروب الإسرائيلية التي صاغها مؤسس الكيان الإسرائيلي ديفيد بن غوريون، وتستند إلى 4 عناصر: كل حرب تخوضها “إسرائيل” يجب أن تكون مفاجئة للعدو، وصاعقة على نحو يفقده توازنه، وقصيرة بحيث كانت تتجنب كل الحروب الطويلة والاستنزاف العسكري، أما العنصر الرابع فهو نقل المعركة إلى أراضي الآخرين.

وفي هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، استخدم السنوار هذه العقيدة الحربية ضد مخترعيها، وكانت عبارة “آتون بطوفان هادر” وعدًا مفعولًا، فحطَّم هيكل الاحتلال، وجرف بطوفانه جدار الوهم، وسحق هيبة جيش الاحتلال عند أعتاب غزة، وفي أول رسالة له بعد “طوفان الأقصى” قال السنوار: “ما رأته إسرائيل في 7 أكتوبر كان بروفه لا أكثر”.

صدمة “إسرائيل” العارمة من الهجوم الوجودي كما يراها قادتها دفعتها إلى شن واحدة من أعنف الحروب على الرقعة الجغرافية الصغيرة التي يقبع فيها أكثر من مليوني فلسطيني، وبينما يحول جيش الاحتلال غزة إلى أنقاض في مهمته المتعثرة لتدمير حماس، يظهر السنوار باعتباره مهندس عملية “طوفان الأقصى”، وتحمله “إسرائيل” مسؤولية هجوم كبدها خسائر بشرية وعسكرية، وهزَّ صورتها الأمنية والاستخباراتية أمام العالم.

ولأن الإسرائيليين استنتجوا أن هجومًا كهذا من تدبير عقل السنوار الذي تحرر من سجونهم، ويُعتقد أنه يدير العمليات مع باقي قادة الجناح العسكري لحماس في أعماق شبكة أنفاقها الواسعة تحت الأرض، فقد جعلوا اغتياله هدفًا من هذه الحرب، وعدَّلوا تصنيفه إلى المطلوب الأول لـ”إسرائيل”، وهو التصنيف الذي احتله محمد الضيف لسنوات، ووضعوا مكافأة تقارب نصف مليون دولار لأي شخص يدلي بمعلومة تشير إلى مكان وجوده.

عرضت “إسرائيل” مكافآت مالية لأي شخص يدلي بمعلومات عن قادة حماس

عندما سُجن السنوار في “إسرائيل” قبل أكثر من عقد من الزمان، شرح ليوفال بيتون، الذي قضى بعض الوقت معه بصفته الرئيس السابق لقسم المخابرات في مصلحة السجون الإسرائيلية، استراتيجية أصبحت الآن محور الحرب في غزة، وقال إن “ما تعتبره إسرائيل نقطة قوة هو ضعف يمكن استغلاله”، في إشارة إلى خدمة معظم الإسرائيليين في الجيش وتمتعهم بمكانة خاصة في المجتمع.

وتعتمد استراتيجية السنوار التي بناها من خلال معرفة عميقة بنفسية المجتمع الإسرائيلي على استعداد الاحتلال لمبادلة الأسرى الفلسطينيين بالأسرى الإسرائيليين من الجنود والضباط في غزة، والتي أثبتت دقتها في عام 2011 عندما كان السنوار واحدًا من 1027 أسيرًا فلسطينيًا تم إطلاق سراحهم مقابل جندي إسرائيلي واحد.

وكان الهجوم المفاجئ في 7 أكتوبر/تشرين الأول أبرز شواهد استراتيجيته، إذ اعتمدت على أسر أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، لمبادلتهم لاحقًا بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ويراهن السنوار على أنه قادر على إطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وأظهر قدرته على إدارة ملف مفاوضات الرهائن، والتحكم وإملاء شروطه على الاحتلال في صفقة تبادل الأسرى.

وأشارت تقارير عديدة إلى أن السنوار تلاعب بنفسية الإسرائيليين خلال مفاوضات الرهائن التي أسفرت عن صفقة التبادل التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلال هدنة إنسانية مؤقتة، إذ أوقف الاتصالات مرات عديدة للضغط على “إسرائيل” للموافقة على وقف مؤقت من شأنه أن يمنح حماس الوقت لإعادة تجميع صفوفها، قبل أن يعود لها لاحقًا بعد موافقة “إسرائيل” على شروط المقاومة، وعندما تم إطلاق سراح الرهائن، كان ذلك على دفعات كل يوم، مما خلق شعورًا يوميًا بالقلق في المجتمع الإسرائيلي.

هذا النوع من الصفقات غالبًا ما يبرز هشاشة الاحتلال، لذلك يلجأ إلى ملاحقة القادة وتصفيتهم بعد تحريرهم، وهو ما فعلته “إسرائيل” عندما أفرجت عن الشيخ أحمد ياسين في عام 1985 في صفقة تبادل شملت أكثر من 1000 أسير مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين، وعندما عجزت عن وضع حد لنشاطه، لجأت إلى اغتياله بثلاثة صواريخ عام 2004، ومؤخرًا، وقبل دخول أي صفقة جديدة حيز التنفيذ، يتهور نتنياهو كعادته، ويهدد باغتيال مزيد من القيادات.

وبحسب مجلس الحرب الإسرائيلي، فإن “الحرب لن تنتهي إلا بتدمير قيادة حماس في القطاع، بما في ذلك السنوار”، ومع ذلك، تواجه حكومة الاحتلال ضغوطًا متزايدة للعمل مع السنوار من أجل تحرير الرهائن المتبقين.

ويصعب تخيل الرجل الذي انتزع أوراق قوته من فم التمساح يستسلم، وبقي الاحتلال عاجزًا عن الوصول إليه رغم استخدام قوة نارية غير مسبوقة، وإحداث دمار لا مثيل له في مدن القطاع، وأزمة إنسانية ساحقة، لتبدأ مرحلة عض الأصابع، وتنحسر الخيارات بين المضي قدمًا في الحرب أو الوقف الدائم لها، وقد يحمل الجواب قصة الرجل الذي اختلطت معه قصة غزة وفلسطين، ومستقبل قضية طال بها العمر وطال بشعبها المعاناة.

إسراء سيد

موقع نون بوست




مظاهرة فاشية في باريس.. صور صادمة وخطاب كراهية

تظاهر موالون لأقصى اليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس لتخليد ذكرى أحد نشطاء اليمين المتطرف الذي توفي في العام 1994 عندما سقط من سطح بناء باريسي أثناء هربه من الشرطة خلال تظاهرة غير مرخصة، وقد نظمت المظاهرة هذا العام حركة تدعى “لجنة التاسع من أيار/مايو”، وهي مجموعة من الفاشيين الجدد. هتف المتظاهرون بشعار اليمين المتطرف: “أوروبا، شباب، ثورة”.

تعرضت المظاهرة لانتقادات شديدة، وقد سجل الصحفيون الذين غطوا الحدث، حالات شجب للمظاهرة أثناء مرورها في الشارع من قبل المارة، الذين صرخ بعضهم بالمتظاهرين: “أنتم عار على فرنسا”، “عنصريون”، “فاشيون”. وكان المشاركون في المظاهرة الذين قدر عددهم بثمانمئة، قد ساروا في شوارع العاصمة الفرنسية، وهم منتظمون في صفوف من أربعة أشخاص، وحملوا رايات سوداء عليها شعار الصليب السلتي الذي اتخذه اليمين المتطرف كشعار يمثل القوميين المتشددين.

انتشرت صور صادمة من المظاهرة اليمينية في باريس، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”

انتشرت الصور الصادمة التي خرجت من هذه المظاهرة، ومنها صور  لوشم الصليب المعقوف النازي بين المشاركين، وقيام أحدهم بأداء التحية النازية، وارتداء أحدهم لقميص كتب عليه “العرق الشمالي”، مما دفع رئيس الوزراء الفرنسي غابرييل أتال للتعبير عن استيائه قائلاً: “الصور التي شاهدهنا صادمة للغاية”.

مظاهرة لليمين المتطرف يوم الحادي عشر من أيار/مايو 2024، في باريس

ومع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة، لكن الحكومة وضحت أن الشرطة الباريسية كانت قد أصدرت منعاً مشابهاً للمظاهرة الفاشية ، إلا أن احتجاج المنظمين أمام القضاء مكنهم من الحصول على ترخيص بسبب حكم القاضي بأن: “المنع يمثل مساساً خطيراً وغير قانوني بحرية أساسية وهي حرية التظاهر”. لكن هذا التبرير لم يمنع الناشطين الداعمين لفلسطين من الإشارة إلى الاختلاف الجذري في تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الحالتين، إذ يمنع بالقانون أن يخفي متظاهر وجهه، وقد تم اعتقال عدد من الطلاب، الذين شاركوا في الحراك الجامعي من أجل فلسطين بحجة إخفاء وجوههم، بينما كان معظم المتظاهرين الفاشيين يخفون وجوههم أثناء مظاهرتهم فيما سارت حماية من الشرطة إلى جانبهم، ولم تتعرض لأي متظاهر منهم رغم الاستفزازات التي تخللت المظاهرة.

اندلع الحراك الجامعي في فرنسا لدعم فلسطين في الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2024، بمناسبة خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جامعة السوربون.

مع انتشار صور وفيديوهات المظاهرة، بدأ الناشطون الفرنسيون الداعمون للقضية الفلسطينية بالتساؤل حول كيفية تنظيم هذه المظاهرة في ظل تذرع السلطات أكثر من مرة بحجة “الحفاظ على الأمن”، لمنع التظاهرات الداعمة لغزة.

تجمع عدد من الطلاب أمام السوربون لدعم المدنيين في غزة، وواجهتهم قوات مكافحة الشغب بعنف لتفرقتهم. أما في جامعة العلوم السياسية (سيانس بو) فقد احتل الطلاب عدة مواقع تابعة لجامعتهم واعتصموا من أجل غزة، لكن الشرطة بعد يومين من بداية الاعتصام اقتحمت الجامعات وفضت الاعتصامات بالقوة واعتقلت عدداً من المشاركين.

دعت اللجنة الفلسطينية في جامعة (سيانس بو) كل طلاب فرنسا للمشاركة والتحرك من أجل المطالبة بوقف إطلاق نار فوري وسلام دائم في غزة. وقد أعلنت حركة “فرنسا لاتخضع” اليسارية المتطرفة دعمها لحراك الطلاب، كما شاركت عضوة الحركة ريما حسن في التظاهرات. وكان أعضاء من حركة “التجمع الوطني” اليمينية المتطرفة قد اتهموا حركة “فرنسا لا تخضع” بتجييش الطلاب وباستخدام الحراك الجامعي كأداة سياسية.

تحدث وزير الداخلية الفرنسي، جيرار دارمانان، عدة مرات منذ بداية الاعتداء الإسرائيلي على غزة على أن الحكومة الفرنسية، ليست ضد دعم المدنيين في غزة ولكنها تخشى من: “الانقسامات والاستقطابات”، التي تنتقل من مناطق الصراع إلى المجتمع الفرنسي، ولا يمكن لمراقب خارجي ألا يسأل نفسه: “أليس الأحرى بالحكومة أن تقلق من الانقسامات والاستقطابات الداخلية؟ أليس عليها أن تفكر بآلية للحد من انتشار خطاب الكراهية الذي حملته المظاهرة الفاشية؟”.

كرر محللون سياسيون ظهروا في المحطات الإخبارية فكرة إنه قد يكون من الضروري بعد ما شهدته مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو إعادة النظر في القوانين التي تسمح بالتظاهر وتعديلها بحيث تمنع التظاهرات التي تدعو إلى الكراهية وتحرض على العنف، لكن هذه الدعوات التي تقيد حرية التعبير تتجاهل بالمقابل كيف سيتم استخدام مثل هذه القوانين وتفسيرها بحيث تمنع مزيد من الحركات التضامنية من التعبير عن رأيها، لا سيما أن الحكومة لم تتورع من قبل سن قوانين جديدة عن فرض رقابتها على الفضاء العام.

ولعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة. لا بد من التوقف عند تعبير أحد المشاركات في المظاهرة التي قالت لراديو “فرانس أنفو”: “نخفي وجوهنا بسبب التشويه الإعلامي اليساري الذي نتعرض له، إذ يسمح للجميع بالتعبير عن أنفسهم باسثنائنا، انظروا كيف تنتشر أعلام وتظاهرات دعم المثليين في فرنسا كلها”. إن شعور هذه المجموعات بأنها أقلية مظلومة ومقموعة قد يزيد من قدرتها على التأثير، وقد يكون السماح لها بالتعبيرعن نفسها، رغم الإزعاج الذي تسببه، أهون الشرور.

لعل الأهم هو التساؤل إن كان منع المتطرفين من التعبير عن أنفسهم في الشوارع سيخفف من انتشار هذا التيار المتنامي من الخطاب الفاشي وسيحد من توسع نطاقه بين الشباب، أم سيحوله في نظرهم إلى بطولة مضاعفة وصراع مرغوب مع السلطة

تسأل الحكومة الفرنسية نفسها كيف تمنع التظاهر أو كيف تمنع تمظهر هذه الكراهية والخطاب المتطرف في الشوارع، لكنها بالمقابل لا تبدو معنية للغاية بالتفكر في أسباب انتشاره وصعوده في دولة كانت في مقدمة الدول الاشتراكية اليسارية في المعسكر الغربي، وكان طلابها الجامعيون قادة في حراكات التحرر العالمي من خلال ثورتهم في عام 1968، التي ما زال أثرها محسوساً حتى اليوم.

وليست فرنسا الاستثناء الأوروبي، بل هي متأخرة عن ركب بقية الدول الغربية التي يتصاعد فيها هذ الخطاب المتطرف ويتكاثر الهارفون فيه كما الفطر، دون أن يبدو في الأفق أي خطاب سياسي يمكن أن يخفف من حدته ويستقطب الشباب إلى خطاب أكثر عقلانية وأقل عنفاً وخطراً.

ليست مظاهرة الحادي عشر من أيار/مايو سابقة في التاريخ الفرنسي، لكنها بالتأكيد بداية لصراع طويل وممتد ومقلق مع تيار عنيف وكاره للآخر يحاول أن يغير وجه فرنسا المتكافلة والمتنوعة.

للأزمة أسباب عديدة وحلول لا يبدو أن السياسيين معنيون بإيجادها، ولكنها في النهاية ليست في عمقها إلا خطراً حقيقياً على أسس الديمقراطية.

يبقى الأمل في أن تنقذ الديمقراطية نفسها من خلال إرادة الفرنسيين التي يمكن أن تقصي هذه التيارات عن السلطة.

إيناس حقي

المصدر: موقع رصيف 22




روسيا تدخل في قائمة أول عشر دول من حيث النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين

تضاعف حجم الاقتصاد الروسي منذ بداية القرن الحالي، 8 مرات وشغل المركز العاشر بين الاقتصادات الكبرى في العالم من حيث وتائر النمو .

جاء ذلك في معطيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووفقا لها أصبحت اليابان الدولة الوحيدة التي انخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي خلال ذلك.

يتم توفير البيانات فقط للاقتصادات التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 100 مليار دولار أو أكثر: في نهاية القرن الماضي كان هناك 35 منها، وفي نهاية عام 2023 – 68.

وتبين أن الاقتصاد الروسي نما 7.7 مرة خلال 23 عاما ـ ليصل إلى ما يزيد قليلا عن تريليوني دولار بعد أن كان 260 مليار دولار في نهاية القرن الماضي.

ومن المعطيات تبين أن الاقتصاد الأسرع نموا كان في إثيوبيا، التي انضمت إلى مجموعة بريكس مؤخرا – منذ بداية القرن، زاد حجم الاقتصاد في إثيوبيا  19.4 مرة، ليصل إلى 160 مليار دولار.

وتأتي بعد ذلك الصين، التي نما ناتجها المحلي الإجمالي 14.6 مرة، ليصل إلى 17.7 تريليون دولار. وتحتل كازاخستان المركز الثالث، حيث نما الاقتصاد 14.2 مرة – إلى 261 مليار دولار من 18.3 مليار دولار.

وجاءت فيتنام في المركز الرابع من حيث معدل النمو (نمو 13.9 مرة، إلى 434 مليار دولار)، وحلت قطر في المركز الخامس (بنسبة 13.2 مرة، إلى 234 مليار دولار).

وبالإضافة إلى ذلك، تشمل المراكز العشرة الأولى رومانيا التي زاد اقتصادها 9.3 مرة إلى 346 مليار دولار، وكينيا (8.6 مرة، 109 مليار دولار)، وبنغلاديش (8.4 مرة، 446 مليار دولار)، وإندونيسيا (8.3 مرة، 1.4 تريليون دولار).

وبالإضافة إلى إثيوبيا والصين وروسيا، حققت الهند أسرع نمو في مجموعة بريكس، حيث نما اقتصادها 7.6 مرة منذ بداية القرن. على مر السنين، نما الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة 4.8 مرة، ومصر 4 مرات، وإيران 3.7 مرة، والبرازيل 3.3 مرة، وجنوب إفريقيا 2.5 مرة.

وكان أبطأ نمو للناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الماضية في اليونان، حيث بلغ 83% فقط.

المصدر: نوفوستي




“ذا غارديان”: مروان البرغوثي تعرض لانتهاكات ترقى إلى حد التعذيب

كشف تقرير لصحيفة “ذا غارديان” البريطانية عن تعرض القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي لأشكال عدة من الانتهاكات التي ترقى إلى حد التعذيب داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الدموية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث شن السجانون الإسرائيليون بعد ذلك التاريخ حملة انتقامية بشعة ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون المعروفة ومراكز الاحتجاز السرية.

وذكر التقرير نقلاً عن شهادات لمؤسسات حقوقية ومحامين، أن الأسير مروان البرغوثي أصيب بجروح في أنحاء جسده ويقضي أيامه في زنزانة انفرادية ضيقة ومظلمة، من دون أي وسيلة علاج.

ومن بين أمور أخرى، تصف الصحيفة في تقريرها حالة العزل التي يعيشها البرغوثي بالقول: “لقد اختفت الكتب والصحف والتلفزيونات التي كان يستطيع الوصول إليها منذ أكتوبر الماضي، بالإضافة إلى أي من زملائه السابقين في الزنزانة. تهدف الأضواء التي تومض في زنزانته كل مساء إلى جعل النوم شبه مستحيل”.

وأضافت: “عقليًّا، هو شخص قوي جدًّا، لكن حالته البدنية تتدهور، يمكنك رؤية ذلك”، فيما قال محاميه إيغال دوتان الذي زاره في سجن مجدّو الإسرائيلي قبل شهرين، “إنه يكافح من أجل الرؤية بعينه اليمنى، نتيجة لأحد الاعتداءات. لقد فقد وزنه ولا يبدو بحالة جيدة. لن تتعرف عليه إذا قارنت مظهره الحالي بالصور الشهيرة له”.

وبرز اسم مروان البرغوثي المعتقل منذ عام 2002 بشكل متكرر خلال مفاوضات صفقة تبادل الأسرى المتعثرة بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، حيث تصر الحركة على إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين بينهم عدد كبير من ذوي الأحكام العالية. لكن منذ بدء الحرب على غزة، ضاعف الاحتلال أعداد الأسرى في سجونه، لتصل إلى قرابة 9 آلاف أسير وأسيرة إضافة إلى عدد غير معلوم من المخفيين قسريًّا ممن اعتقلوا من داخل قطاع غزة.

وخلال هذه الفترة العصيبة، شن الاحتلال حملة تعذيب وتنكيل بالأسرى، ما أدى إلى مقتل عدد منهم وسط حالة اكتظاظ غير مسبوقة في السجون. ونقل تقرير الصحيفة عن معتقلين سابقين إفادات عن تعرضهم للضرب والعنف الجسدي بانتظام، إلى جانب الافتقار إلى الرعاية الأساسية، بما في ذلك محدودية الطعام، وعدم إمكانية الحصول على ملابس نظيفة، أو مواد للقراءة، أو بطانيات دافئة، أو منتجات النظافة أو الرعاية الطبية.

مروان البرغوثي خلال اقتياده إلى جلسة محاكمة، 25 يناير/كانون الثاني 2012 (Getty)
مروان البرغوثي خلال اقتياده إلى جلسة محاكمة، 25 يناير/كانون الثاني 2012 (Getty)

وكان مروان البرغوثي بما يمثله من رمزية فلسطينية بصفته قائدًا في فتح يعيد إلى أذهان الفلسطينيين ماضي الحركة في مواجهة الاحتلال، ومحركًا محتملًا لتغيير شامل في السلطة الفلسطينية الحالية، من بين الأسرى المستهدفين على وجه الخصوص.

وذكرت الصحيفة أن البرغوثي قال لمحاميه خلال زيارته لسجن مجدو في مارس/آذار الماضي، إنه “في وقت سابق من ذلك الشهر تم جره إلى منطقة في السجن لا توجد فيها كاميرات أمنية وتم الاعتداء عليه. ويتذكر أنه كان ينزف من أنفه عندما تم جره على الأرض من أصفاد يديه، قبل أن يتعرض للضرب حتى يفقد وعيه”.

ما تعرض له مروان البرغوثي “يرقى إلى مستوى التعذيب”

وبحسب “ذا غارديان”، أحصى دوتان كدمات في ثلاثة أماكن على الأقل على جسد البرغوثي عندما زاره بعد أسابيع، مضيفًا أنه من المحتمل أن يكون مصابًا بخلع في الكتف بسبب الاعتداء ويعاني ألمًا مستمرًّا، لكن مسؤولي السجن رفضوا إجراء فحص طبي كامل لإصاباته. كما تم نقله إلى ثلاثة مرافق احتجاز مختلفة منذ أكتوبر/تشرين الأول، حيث احتُجز في كل مرة في الحبس الانفرادي. وقال دوتان للصحيفة إن البرغوثي تعرض في سجن أيالون في ديسمبر/كانون الأول الماضي “للضرب عدة مرات”، بما في ذلك حادثة شتمه فيها الحراس بينما كانوا يجرونه على الأرض عاريًا أمام سجناء آخرين.

ونقلت الصحيفة عن تال شتاينر، من المجموعة الحقوقية في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، قولها: “ما تعرض له البرغوثي يرقى إلى مستوى التعذيب، لكن هذا أصبح أمرًا معتادًا في جميع مرافق الاحتجاز منذ 7 أكتوبر”، مضيفة أن اللجنة جمعت 19 شهادة من الأسرى تشير إلى الاعتداء الجسدي أو الجنسي أو غيره من أنواع الإذلال بالإضافة إلى الحرمان من النوم والطعام والعلاج.

وتابعت شتاينر للصحيفة: “إذا كانت هذه هي الطريقة التي يسمحون بها لأنفسهم بمعاملة السجناء البارزين مثل البرغوثي، فتخيل ما يفعلونه بالمحتجزين الذين ليس لديهم الصورة نفسها”، واصفة المستوى العام للانتهاكات بأنه “غير مسبوق”.

المصدر: صحيفة ذا غارديان البريطانية




هكذا ينتعش اقتصاد الحرب في غزة رغم العدوان الإسرائيلي

ينتعش اقتصاد الحرب في غزة في ظل العدوان الإسرائيلي الوحشي المتواصل على الفلسطينيين، ومن قلب ركام المنازل والمحال التجارية نشأ سوق للبقاء يركز على الأساسيات المتمثلة بالمال والغذاء والمأوى. فوفقاً لتقرير أوردته “نيويورك تايمز” اليوم السبت، لاحظ مراسلها أن الباعة يصطفون في الشوارع على خط من طاولات ومكاتب جلبوها من مدارس تحولت إلى ملاجئ في زمن الحرب ليبيعوا حليب الأطفال والأطعمة المعلبة والملابس المستعملة وبعضاً من الكعك “النادر” محلي الصنع.

وفي بعض الحالات، يكدّس الباعة على الأرصفة طرود مساعدات لا تزال مزيّنة بأعلام الدول المانحة، وكان من المفترض توزيعها مجاناً، ويبيعونها بأسعار لا يستطيع سوى القليل من الناس تحملها، لدرجة أن معظم البضائع الموجودة في الأسواق مكتوب عليها “ليست للبيع”، علماً أنه منذ بدء العدوان الإسرائيلي على إثر عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرّض اقتصاد القطاع للسحق، واضطر الناس إلى ترك منازلهم وأشغالهم، وسُوّيت الأسواق والمصانع والبنية التحتية بالأرض، فضلاً عن تعرّض الأراضي الزراعية إما للحرق بسبب الغارات الجوية أو الاحتلال من جانب الجيش الإسرائيلي. وبدلاً من كل النشاطات المرتبطة بالاقتصاد الطبيعي في قطاع كان محاصراً أصلاً لسنوات طويلة، نشأ اقتصاد الحرب في غزة ويبدو أن انتعاشه مستمر ما دام العدوان متواصلاً بلا هوادة.

وإضافة إلى النشاط التجاري في ظل اقتصاد الحرب هذا، يتكسّب آخرون بجني بضعة دولارات يومياً من خلال إجلاء النازحين على ظهور الشاحنات والعربات التي تجرّها الحمير، بينما يحفر آخرون المراحيض أو يصنعون الخيام من الأغطية البلاستيكية والخشب. ونظرا للأزمة الإنسانية المتفاقمة، أصبح الوقوف في الطابور الآن بمثابة عمل بدوام كامل، سواء في مواقع توزيع المساعدات، أو أمام المخابز القليلة المفتوحة، أو أمام العدد القليل من أجهزة الصراف الآلي أو محال الصرافة.

في السنوات التي سبقت العدوان الإسرائيلي الحالي، بدأ يتحسّن اقتصاد غزة حتى في ظل الحصار الجوي والبري والبحري الخانق الذي فرضه الاحتلال، وفقاً لما نقلت “نيويورك تايمز” عن خبراء اقتصاديين ورجال أعمال في غزة، حيث تم، حينها، افتتاح الفنادق والمطاعم على شاطئ البحر، وحصل المزيد من الفلسطينيين على تصاريح للعمل داخل الأراضي المحتلة كما حصلوا على رواتب جيدة. أما الآن في ظل العدوان وما ينتجه من اقتصاد الحرب المستجد، فيواجه غالبية الفلسطينيين في غزة الفقر على مستويات متعددة، حيث تدهورت المداخيل وأصبحت خدمات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان محدودة جداً، بحسب تقرير صدر أخيراً عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، مشيراً إلى أن نحو 74% من السكان عاطلون من العمل، علماً أن معدل البطالة قبل الحرب كان يناهز 45%، واعتبر أن الصدمة التي تعرض لها اقتصاد غزة واحدة من أكبر صدمات التاريخ الحديث، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي لغزة بنسبة 86% في الربع الأخير من عام 2023.

ويعتمد الاقتصاد الآن إلى حد كبير على العرض المحدود والطلب اليائس على المساعدات. وقبل العدوان، كانت تدخل إلى قطاع غزة يومياً نحو 500 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية والوقود والسلع التجارية. أما بعد فرض قيود إسرائيلية جديدة، فقد انخفض هذا العدد كثيراً، ليصل إلى 113 يومياً في المتوسط رغم ارتفاعه بشكل متواضع في الأشهر الأخيرة. والآن، توقف تدفق المساعدات والسلع تقريباً في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مدينة رفح الجنوبية والإغلاق شبه الكامل لأهم معبرين حدوديين.

وينتشر الجوع في جميع أنحاء القطاع، في حالة وصفتها منظمات حقوق الإنسان والإغاثة بأنها تمثل استخدام إسرائيل المجاعة كسلاح. وعلى خلفية الحرب والفوضى وانهيار القانون، ارتفعت الأسعار بشكل كبير. ومنذ توغل الاحتلال في رفح، أصبحت أسعار السلع أكثر تكلفة. وبالنسبة لمئات آلاف الفلسطينيين الفارين من الهجوم الإسرائيلي، فإن وسائل النقل إلى أماكن بعيدة عن مواقع الغارات الجوية تكلف مئات الدولارات.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




هل سرّبت “ميتا” بيانات مستخدمي “واتساب” إلى الجيش الإسرائيلي؟

طالب مركز صدى سوشال لرصد وتوثيق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني، بفتح تحقيق عاجل في اتهام شركة الإنترنت والتكنولوجيا “ميتا” بتسريب بيانات المستخدمين الفلسطينيين في تطبيق المراسلة “واتساب” إلى الجيش الإسرائيلي، لاستخدامها في استهداف المدنيين في غزة أثناء عدوانه الذي اعتمد الذكاء الاصطناعي في القتل.

وقال بيان من “صدى سوشال” إنه يتابع اعتراض عددٍ من موظفي شركة ميتا، مالكة “واتساب”، على “تورط الشركة في حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ودعمها الاحتلال الإسرائيلي، وتغذية نظام لافندر في الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي في قتل الفلسطينيين في غزة”. 

ودعا المركز إدارة “ميتا” إلى “الالتزام بالمسؤولية والشفافية على منصاتها المختلفة، وإصدار تقارير الشفافية التي تتحفظ عليها منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، ويطالب مجلس الإشراف المستقل بإنفاذ تحقيق عاجل وحقيقي حول تسريب ميتا بيانات الفلسطينيين ومشاركتها في الإبادة”.

ما هو لافندر الإسرائيلي؟

“لافندر” نظام ذكاء اصطناعي يستخدمه جيش الاحتلال في قصف الفلسطينيين في قطاع غزة بحد أدنى من الإشراف البشري، ويعتمد نهجاً متساهلاً في اتخاذ قرار الاستهداف وتنفيذه، وتخمين من سيُقتلون في غزة، بحيث يُقصفون مع أسرهم في بيوتهم. ونقل تقرير لمجلة “+972” وموقع “لوكال كول” العبري، عن مصادر استخبارية إسرائيلية، أن “لافندر” لعب دوراً مركزياً في الحرب على غزة، إذ عالج كميات كبيرة من البيانات لرصد الضحايا بسرعة لاستهدافهم. وقالت أربعة من مصادر التقرير إنه في مرحلة مبكرة من الحرب، أدرج نظام لافندر ما يصل إلى 37 ألف فلسطيني ضمن بنك أهدافه.

وأضافت المصادر ذاتها أن “لافندر” حقق معدل دقة بنسبة 90 في المائة، ما دفع جيش الاحتلال إلى الموافقة على استخدامه الشامل باعتباره أداة توصية بالأهداف. وقد أنشأ قاعدة بيانات تضم عشرات الآلاف من الأفراد الذين صُنّفوا على أنهم أعضاء من ذوي الرتب المنخفضة في الجناح العسكري لحركة حماس. وقد استُخدم هذا جنباً إلى جنب مع نظام آخر لدعم القرار، يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يُسمى “غوسبيل”، الذي أوصى بالمباني والهياكل كأهداف.

كيف يغذي “واتساب” نظام لافندر؟

تشير التقارير التي تابعها مركز صدى سوشال، إلى أن أحد مصادر المعلومات لنظام لافندر هي بيانات جمعها من مجموعات “واتساب”، قبل استهداف الفلسطينيين في هذه المجموعات. بحيث يتعرّف “لافندر” على الفلسطينيين الذين يستهدفهم الجيش الإسرائيلي في غارات جوية من خلال تتبع اتصالاتهم عبر التطبيق الأخضر، أو المجموعات التي ينضمون إليها. 

هل اتصالات “واتساب” مشفّرة حقّاً؟

إذا ثَبَتَ أن الاحتلال قادر على الوصول إلى بيانات “واتساب” فهذا يضرب سمعة التطبيق ومصداقيته بصفته مصدراً للاتصالات المشفَّرة، التي أصرّ على أنها ميزة لا يمكن اختراقها حتى من قبل الحكومات وإدارة “ميتا”. ولطالما أكّد التطبيق على ضمان خصوصية الرسائل من خلال ميزة التشفير بين طرفين، بحيث “عندما ترسل رسالة، الوحيد القادر على قراءتها هو الذي جرى إرسالها إليه، سواء شخصاً أم مجموعة.. لا أحد آخر يستطيع رؤية تلك الرسالة. لا متجسسين أو أنظمة قمعية أو حتى الشركة. والتشفير من النهاية للنهاية يجعل المكالمات كالمحادثة وجهاً لوجه”، بحسب تعبيرها. 

لكن سبق لناشطين أن حذّروا من إمكان استغلال ثغرة من جانب الحكومات للتجسس على المستخدمين الذين يعتقدون أن رسائلهم في مأمن من التجسس، خاصة أنه رُوّج لـ “واتساب” باعتباره تطبيقاً آمناً، ما سهل اعتماده من ناشطين، ومعارضين ودبلوماسيين أداة للتواصل. تهمة أصرّت الشركة على نفيها قائلةً إن “واتساب لا يعطي الحكومات باباً خلفياً لنظامه، وسيحارب أي طلب حكومي لخلق هذا الباب”. 

لكن عبّر “صدى سوشال” في أكثر من مناسبة عن تخوفات من انتهاك “ميتا” الخصوصية على “واتساب”، مذكراً بأنه “منذ السابع من أكتوبر وبدء حرب الإبادة الجماعية، تزايد إنفاذ الرقابة، وانتهاك خصوصية المستخدمين عبر واتساب، من خلال حظر أكثر من 670 رقماً لمستخدمين فلسطينيين، أكثر من 78 في المائة منهم صحافيون ومستخدمون في قطاع غزة، ما ينعكس بشكلٍ مباشر على حياتهم”.

ويعاني الفلسطينيون من تعاون شركات التواصل، بينها مالكة “واتساب”، مع وحدة السايبر في الجيش الإسرائيلي والنيابة العامة الإسرائيلية، وتشديد الرقابة على الصفحات والحسابات الإعلامية، من دون استثناء حتى المحادثات الخاصة على “ماسنجر” والمشفرة على “واتساب”. وتضاعفت الانتهاكات الرقمية بحق المحتوى الفلسطيني بمقدار 14 ضعفاً خلال عام 2023، مقارنة بالانتهاكات الرقمية الموثقة عام 2022، بحسب تقرير “صدى سوشال” السنوي.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




العلاقات المصرية الإسرائيلية تهتز بسبب رفح… ماذا عن الغاز؟

أصبحت العلاقات المصرية الإسرائيلية في دائرة الأزمة مع إعلان جيش الاحتلال استعداده للدخول إلى رفح، ما يطرح تساؤلات واسعة حول إمدادات الغاز الإسرائيلي لمصر.

وتدرس مصر ما إذا كانت ستخفض مستوى العلاقات مع إسرائيل وتعيد سفيرها إلى القاهرة، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، في حين يتم البحث عن الآثار الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالغاز الطبيعي.

ووفق موقع “غلوبس الإسرائيلي، تستخدم إسرائيل ثلاثة خطوط أنابيب لتصدير الغاز: خط أنابيب غاز شرق المتوسط، بسعة حوالي 5.5 مليارات متر مكعب (مليار متر مكعب) سنويا، والذي يستخدم للتصدير إلى مصر؛ طريق “شمال الأردن”، بسعة حوالي 7 مليارات متر مكعب سنويًّا، يستخدم للتصدير إلى الأردن وكذلك لمواصلة التصدير إلى مصر عبر خط الأنابيب العربي (فجر)؛ وطريق “جنوب الأردن” بطاقة استيعابية تبلغ حوالي مليار متر مكعب سنويًّا، يستخدم للتصدير إلى مصانع البحر الميت في الأردن.

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع خلال ثلاث سنوات بناء خط أنابيب جديد إلى مصر بسعة حوالي 6 مليارات متر مكعب سنويًّا. كل هذا يخلق اعتمادًا إسرائيليًّا على مصر في تصدير الغاز.

العلاقات المصرية الإسرائيلية في ملف الغاز

وقال أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين لصحيفة “غلوبس” حول العلاقات المصرية الإسرائيلية “المصريون خائفون جدًّا من العملية في رفح وتدفق الفلسطينيين إلى سيناء. نسمعهم، لكننا نقدر أنهم لن يرغبوا في خرق القواعد”.

وفي عام 2023، تم إنتاج ما يقرب من 11.19 مليار متر مكعب من خزان ليفياثان الإسرائيلي، وتم تصدير 80.4% منها إلى مصر والأردن. ووفق “غلوبس فإنه “من سوء حظ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الاعتماد على الغاز بينه وبين إسرائيل متبادل. وترددت أهمية الغاز الإسرائيلي للصناعة المصرية في أكتوبر/تشرين الأول، عندما توقف الإنتاج من حقل تمار لمدة شهر، امتنعت مصر خلاله عن التصدير – حتى استأنفت إسرائيل الإنتاج في الخزان”.

يقول الدكتور أومود شكري، خبير الطاقة من واشنطن لـ “غلوبس” حول العلاقات المصرية الإسرائيلية إنه “تواجه مصر نقصًا مستمرًّا في الغاز الطبيعي للاستهلاك المحلي هذا الصيف، مما أدى إلى استئجار وحدة تخزين وتغويز عائمة (FSRU) من أجل منع انقطاع التيار الكهربائي”.

ويوضح شكري أن “انخفاض معدل إنتاج الغاز المحلي، خاصة من حقل ظهر الأكبر، أدى إلى انخفاض كبير في صادرات الغاز الطبيعي المسال، وتجديد واردات الغاز الطبيعي المسال إلى مصر في عام 2024 لتلبية الطلب المحلي”. ووفقًا للتقديرات، ستقوم مصر بشراء ما بين 15 إلى 20 ناقلة للغاز الطبيعي المسال طوال فصل الصيف، من أجل تلبية الطلب.

ويشير خبير الغاز من واشنطن إلى أن من المتوقع أن تستورد القاهرة هذا الصيف فقط أكثر من مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وأن سياسة الغاز هذه من المتوقع أن تستمر حتى عام 2027.

وعلمت صحيفة “غلوبس” أنه في الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من التوترات، استمر الغاز الإسرائيلي في التدفق إلى مصر التي كان اقتصادها في حالة سيئة حتى قبل تأثيرات العدوان على غزة.

وبالنظر إلى المستقبل، يدرس وزير الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلي إيلي كوهين حاليًّا إمكانية زيادة صادرات إسرائيل من الغاز، مع الترويج لمناقصة التنقيب الإضافي عن الغاز في المياه الاقتصادية. وكما كشف موقع غلوبس، فإن أحد الخيارات التي يتم النظر فيها لزيادة صادرات الغاز هو بناء منشأة تسييل عائمة (FLNG)، ولكن يتم أيضًا دراسة خيارات مثل إضافة خط أنابيب غاز آخر إلى مصر.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




وصم الضواحي الفرنسية… إعادة إنتاج دورة التهميش والتطرف إعلامياً وسياسياً

يكرس الأداء الإعلامي والسياسي الفرنسي صورة نمطية للضواحي والأحياء المهمشة على يد الدولة، وبدلاً من كسر هيمنة نعوت تعميمية إقصائية، يعاد إنتاج صور تجعلها وأهلها خارجين على القانون رغم كونهم ضحايا الفقر والفشل.

– اعتادت العشرينية الجزائرية فرح حاميتوش على رؤية مشهد إيقاف الشرطة الفرنسية لشبان من أصول عربية وأفريقية أثناء المرور في بلدة أرجنتوي، شمال غربي باريس والتي يتركز فيها المهاجرون، “بدون سبب محدد، ولمجرد الشك”، أوضحت حاميتوش التي تقيم في فرنسا منذ ثلاثة أعوام للدراسة أن “المارة عندما يرون خضوع هؤلاء الشبان للتفتيش باستمرار، تترسخ في أذهانهم صورة تصمهم بأنهم خارجون على القانون، والتكرار جعل عقول الناس جاهزة لتقبل رواية أن ضواحي ومدنا برمتها صارت بؤرا للجريمة”.

ومن بين هذه المدن تراب Trappes الواقعة جنوب غربي باريس والتي تتسابق وسائط إعلامية فرنسية على وصفها بأنها باتت “معقلا للجهاديين” أو نموذجا على “تغلب الإسلاموية على الجمهورية” فيما تساءل صحافيون ما إذا كانت قد دخلت في عداد “الأراضي الفرنسية المفقودة” أو هل “تخلت الجمهورية عن تراب دون قتال؟”، وهو ما أكده كتاب الأمين العام لحزب “جمهورية – تضامن” ديديه لومير، الصادر في سبتمبر/أيلول 2021 بعنوان “رسالة فارس من الجمهورية”، والذي حظي بتغطية إعلامية ملحوظة، بعدما أثار المخاوف من “أسلمة المدن الصغيرة” (عدد سكان تراب 33419 نسمة استنادا إلى إحصاء سكاني أجراه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية عام 2020)، ما يؤدي إلى نشوء جيل غير منتم إلى فرنسا والعبور من الجهاد الفردي إلى الجماعي، رابطا الأمر بتجربته أستاذا للفلسفة في ثانوية “بلان- دو- نوفل” الكائنة في تراب.

كيف بنت الدولة صورة الضواحي في عقول الناس؟

يلمس الفرنسي من أصل تونسي وسام دشراوي، من خلال عمله في مجال العقارات الممتد منذ عام 2010، تعمدا منهجيا لتشويه صورة الضواحي والأحياء التي تقطنها نسبة كبيرة من المهاجرين أو الفرنسيين المتحدرين من أصول أجنبية، سواء من العرب أو الأفارقة، إذ يجري تصويرها إعلاميا على أنها معقل جماعات متطرفة وتحكمها قوانينها الخاصة.

والأخطر أن “الدولة تراها وعاء لمعظم علل المجتمع الفرنسي بسبب تكرار أعمال العنف، رغم ما فرضته على سكانها من ظروف حياتية واقتصادية ومسؤوليتها تجاههم، وهو ما يصب في سياق “التمييز العنصري العرقي”، ومهد لتشكيل الغيتوهات التي تضم السكان الأكثر إقصاء”، في سلسلة من آليات للفصل بناء على العرق والمنطقة والطبقات الاجتماعية”، بحسب ما فصله الباحث سيبريان أفينيل في دراسته بعنوان مشكلة الضواحي “بين الفصل والوصم”، والمنشورة في المجلة الفرنسية للطب النفسي عام 2009، مشيرا إلى أنها أصبحت رمزا للبطالة وأعمال الشغب والانحراف والعنف، وكل المشاكل التي يجري إلصاقها بالمهاجرين.

وخلقت حالة الوصم السابقة مخاوف من الضواحي وسكانها، يعبر عنها الفرنسي من أصول صينية جيل زينغ والذي يعمل سائق أجرة ويقيم في مدينة تراب منذ خمسة أعوام، وحتى اليوم يتجنب دخول أحياء معينة لما يكرره الإعلام حول تفشي تجارة المخدرات وانتشار عصابات السرقة التي تستهدف المحال التجارية والممتلكات الخاصة بها، مستدركا بأن أحياء في المدينة تحولت إلى ما يشبه “الجزر المعزولة” وسكانها في غالبيتهم من المهاجرين مثل ميريزييه Merisiers في وسطها، والذي يخشى دخوله، لارتباطه في ذهنه بالتطرف والمشاكل.

وتشاركه الأربعينية آني بارو ذات الهواجس، رغم أنها لم تتعرض لأي مضايقات من جيرانها المهاجرين أو من الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية، لكن ما يثير قلقها “تعاظم قوتهم الاجتماعية، وتغلغل هذه الشريحة في تراب ما غيّر من وجهها بعد انتشار أنشطة تجارية تعكس ثقافة مغايرة مثل محال الجزارة الحلال، في المقابل، عزف الفرنسيون عن الاستثمار فلم يعد بالمدينة متجر لبيع الأجبان الفرنسية على سبيل المثال”، وهو ما تربطه بتضخيم صورة إعلامية محددة لتراب مرتبطة بتنامي الأفكار المتطرفة، ما حدّ من جاذبيتها على الصعيد التجاري، “لتنقسم المدينة إلى مجتمعين قابلين للتصادم في أية لحظة”، على حد تصورها.

تبعات الوصم والتهميش

ما يتعرض له أبناء الضواحي المهمشة من وصم له تبعات خطيرة، وفق تقديرات الأستاذ في معهد العلوم السياسية بمدينة ليون جنوب شرق البلاد، والباحث المتخصص في دراسة علاقة الدولة الفرنسية بالإسلام والمسلمين حواس سينيغير، مبينا لـ”العربي الجديد” أن بروز التطرف وارد وغير مستبعد ولكنه ليس سلوكا تلقائيا، إذ يمكن أن تنمو داخل الفرد رغبة بتحدي الدولة ومؤسساتها لا سيما الأمنية ما يدفعه إلى سلوك طريق الإجرام، أو قد يتعزز انتماؤه إلى محيطه الجغرافي ويستكمل حياته على نحو مسالم داخل “مجتمع مواز”، والسيناريو الآخر، الخروج من هذا المحيط وإثبات الذات مثل أي فرنسي ترعرع خارج الضواحي، “لكن يبقى الإحساس بالمرارة القاسم المشترك بين كل تلك الحالات”.

وصم 2
خلقت حالة الوصم والتمييز مخاوف من الضواحي وسكانها (Getty)

ويعطي الباحث سينيغير أمثلة متعددة على وصم أبناء الضواحي، على يد سياسيين وإعلاميين يشاركون في السجالات المستمرة حول البوركيني والأغذية الحلال ومنع ارتداء العباءة في المدارس، والأخطر ربط الرئيس ماكرون بين ارتفاع معدلات الجريمة والهجرة. والقاسم المشترك بين تلك الحوادث، انتهاج الدولة الفرنسية سياسة “الشك بالمسلمين” التي أتى على ذكرها في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان “الجمهورية الاستبدادية: إسلام فرنسا ووهم الجمهورية”، معتبرا أن وصم المسلمين القاطنين في فرنسا ليس مؤامرة بقدر ما هو تعبير عن أزمتين، ثقافية لعدم تقبل الآخر المختلف، والثانية سياسية وسببها عجز السلطة عن تشخيص التحديات وتحديد أولوياتها، وبالتالي لم تواجه الرواية القائلة إن المسلمين القاطنين في الضواحي تهديد أمني وهو ما يترسخ في أذهان الفرنسيين من خلال الإعلام والممارسات اليومية لممثلي السلطة.

تناقضات الصور النمطية

عبّد انتشار صورة سلبية للضواحي وسكانها، الطريق أمام وصمها بالإرهاب والتطرف حتى تحولت إلى مصدر خوف وقلق للفرنسيين والدولة، بحسب ما رصده كزافييه كريتييه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرساي-سان-كانتان وأحد الباحثين المساهمين في دراسة سوسيولوجيا الجهاد الفرنسي التي أعدت بالتعاون بين مديرية إدارة السجون ومعهد العلوم السياسية (تعليمي بحثي) في بلدة سان جيرمان أون لاي الواقعة في الضواحي الغربية لباريس، وشملت 350 معتقلا بتهم إرهابية، ونشرتها وزارة العدل في ديسمبر/كانون الأول 2022.

%32 من الناخبين يميلون إلى أطروحات اليمين المتطرف

وتكشف النتائج عن “وجود عوامل تدفع إلى التطرف لكن لا يمكن تعميمها واعتبارها قاعدة ثابتة، ورغم أن 54% من أفراد العينة ينحدرون من أسر فقيرة، لكن لا يعني ذلك أن سوء الأحوال الاقتصادية مرادف للتطرف، كذلك الحال في ما يخص التهميش السياسي والاجتماعي وقلة اندماج الأجيال اللاحقة من أبناء المهاجرين. ورغم قدوم حاملي الفكر المتطرف من أحياء شعبية ذات كثافة سكانية عالية في باريس وضواحيها، وإقليم فال دو مارن شرق العاصمة، ومدينة ليون، وإقليم ألبيس ماريتميس جنوب شرق فرنسا ومدينة تولوز جنوب شرق البلاد ومدينة ستراسبورغ وضواحيها شرقا، لكن في الوقت ذاته، نجد أن مدنا كبرى مثل مرسيليا الواقعة على ساحل فرنسا الجنوبي ومدناً ساحلية مثل لاروشيل، والتي تضم العديد من الأحياء الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية، وتتوفر فيها كل الظروف كي تتحول إلى معقل للمتطرفين، سجلت أعدادا أقل من أصحاب الفكر المتطرف، ما يؤكد أن العلاقة بين الحياة في الضواحي ونمو التطرف ليست في تناسب دائما، وأن التطرف تعبيرعن سخط اجتماعي وليس غاية”.

وتكشف الدراسة أن 68% من عينة البحث (238 مسجونًا) فرنسيون، في حين يحمل فقط 32% منهم جنسيات أخرى (112 مسجونًا شاملين الفرنسيين مزدوجي الجنسية).

لكن تلك الدراسة لم تحظ بالانتشار والترويج ذاتيهما اللذين تحققهما أفكار الوصم، ولم يسمع بها عبد العزيز صافتي المولود في تراب والذي تساءل عن “لماذا تستقبل فرنسا الخائفة من العرب والمسلمين سائحين من تلك البلاد بصدر رحب فيما تنبذنا وتصر على تشويه صورتنا، رغم أننا فرنسيون ونتشارك مع هؤلاء السائحين ذات الديانة؟ هل لأنهم مقتدرون ماليا أكثر منا؟” ولم يكد عبد العزيز ينهي مقارنته تلك حتى سارع سفيان بوعناني إلى مقاطعته: أنت مخطئ يا صديقي، الدولة الفرنسية تتعمد تشويه صورتنا ووصمنا بالتطرف للتغطية على فشلها في توفير حياة كريمة لنا”.

ملايين المحرومين والموصومين

منذ عام 2014، حدّدت الدولة 1514 حيا فقيرا عرّفتها بأنها “ذات أولوية” لسياسة المدينة التي تتضمن مشاريع تستهدف السكان المعزولين، وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2023، صدر مرسوم رقم 1314 المتعلق بتعديل قائمة المناطق ذات الأولوية في المديريات الحضرية، وضمت اللائحة 1362 حيا، يعيش فيها 5.4 ملايين شخص، أي نحو 8.2% من السكان، وهؤلاء يشكلون 13% من الباحثين عن عمل، إذ يزيد معدل البطالة في هذه المناطق بثلاثة أضعاف عن المعدل الوطني، وفق بحث “التشغيل والتنمية الاقتصادية لمصلحة سكان الأحياء”، والذي نشرته وزارة البيئة والتماسك الإقليمي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ويتركز عمل غالبية الفئات التي تقطن أحياء الضواحي تلك، في المهن التي تحتاج عمالا غير مهرة، ويعانون من انعدام الأمن المالي بشكل أكبر، وعانت هذه الأحياء في فترة الانتقال إلى اقتصاد الخدمات والابتكارات، وأصبحت الوظائف الجديدة تتطلب مستوى عاليا من التأهيل، ما زاد من استبعاد الأيدي العاملة غير المتخصصة ورفع نسب البطالة في صفوفهم، حتى أمسى الأمر واحدا من الأسباب الرئيسية للفصل الحضري، بحسب دراسة مشكلة الضواحي.

ويبين تقرير مشترك صدر في يونيو/حزيران 2020 عن الوكالة الوطنية لتماسك الأقاليم (هيئة حكومية مكلفة بتطبيق سياسة المدينة) ومركز الدراسات والأبحاث حول المؤهلات الدراسية (إدارة حكومية تُعنى بدراسة متطلبات سوق العمل) بعنوان: ماذا يحدث للشباب من المناطق ذات الأولوية بعد الثانوية؟، “أنهم لا يتمتعون بنفس المستوى التعليمي الذي يحظى به أقرانهم في الأحياء الأخرى، إذ تنعكس الخلفية الاجتماعية على التحصيل العلمي خاصة لمن ولدوا في عائلات مهاجرة أو ذات مستوى اجتماعي متواضع كما أن ضعف الموارد في تلك الأحياء يعيق السلطات المحلية عن الاستثمار في القطاع التعليمي على النحو المطلوب”.

“ورغم محاولات الدولة إصلاح الأمر عبر تدخلات من ضمنها سياسة المدينة، لكنها ركزت فقط على تجديد المباني السكنية والبنى التحتية وفشلت في خلق بيئة استثمارية توفر فرص عمل للسكان”، كما رصد حكيم القروي، الباحث السياسي الفرنسي، تونسي الأصل في معهد مونتين، ومعدّ دراسة “الأحياء الفقيرة لديها مستقبل” الصادرة عن المعهد في أكتوبر/تشرين الأول 2020، محذرا مما كشفته نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2022، من أن 32% من الناخبين يميلون إلى أطروحات اليمين المتطرف، التي تُحمِل المهاجرين أو الفرنسيين من أصول مهاجرة مسؤولية “مآسي فرنسا”.

وفي ردها على “العربي الجديد” اكتفت الوكالة الوطنية لتماسك الأقاليم بالقول إن “مكافحة التطرف ليست الدافع وراء إطلاق تلك السياسة بالتالي فهي ليست الجهة المعنية بالرد، بينما تذرعت اللجنة الوزارية لتفادي الانحراف والتطرف (تتبع رئاسة الوزراء) بأنها ليست مخولة بالتحدث باسم الدولة الفرنسية لوسائل الإعلام ويقتصر دورها على التنسيق بين الجهات المختلفة في العمل على ملف مكافحة التطرف.

وصم الضواحي الفرنسية
يزيد معدل البطالة في “الأحياء المحرومة” بثلاثة أضعاف عن المعدل الوطني (Getty)

إعلام يصنع ويعزز الصورة النمطية

يربط بوعناني المقيم في تراب ويعمل فيها، بين الصورة التي أصبحت مترسخة في أذهان الناس عن ضواح معينة بأنها حاضنة للمتطرفين، ودور وسائل الإعلام في تضخيم هذه الصورة والتركيز على أحداث معينة وتكرارها، مستذكرا مثالا على تراب بقوله إنه في إبريل/نيسان 2016، تداولت وسائل إعلام فرنسية تقارير مفادها أنه بين 60 و80 شخصا من سكانها التحقوا بتنظيم داعش، وكان الجميع يتابع ذلك الضخ الإعلامي بكثافة، ومن وقتها ألصقت وسائل الإعلام بهذه البلدة أوصافًا تدلل على التطرف.

وبالتالي ووفق منطق العرض والطلب، بادرت عدة وسائل إعلامية إلى توفير مساحات لهذا الخطاب بغرض مضاعفة المشاهدات، بحسب القروي، والذي ضرب مثالا، بتعاقد منصات إعلامية مع أصحاب الخطاب المتطرف كالمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، إريك زيمور Eric Zemmour الذي أصبح ضيفا دائما أو مقدم برامج، لتتحول تلك المساحة الإعلامية الممنوحة له إلى منبر لتسويق أطروحاته لا سيما نظرية الاستبدال الكبير وعمادها أن المسلمين سيشكلون نصف سكان فرنسا في العام 2050 ما سيفضي إلى تلاشي “الشعب الفرنسي الأصيل”.

ولا تعد وسائل الإعلام المتهم الوحيد بتعزيز تلك الصورة السلبية وفق أفينيل، لكن باحثين يساهمون أيضا عن غير قصد في نشر تلك الصورة السلبية لتناولهم المكثف لحال تلك المناطق ما يمنح سندًا أكاديميًا للخطاب الذي يصم الضواحي وسكانها بكل ما هو سلبي، بما فيه الإرهاب والتطرف، حتى أن بوعناني ورفاقه اعتادوا على قراءة وسماع ومشاهدة ما يسيء إلى مدينتهم مدركين الهدف من ذلك وهو التعتيم على تقاعس أجهزة الدولة في توفير الخدمات لهم، ما عرقل اندماجهم في بلدهم التي لم تقم بدورها تجاههم.

حسن مراد

المصدر: صحيفة العربي الجديد




المواصي ودير البلح… منطقتا إيواء بلا مساعدات ولا مستشفيات

يقبع عشرات آلاف النازحين من مدينة رفح حالياً في منطقة المواصي على أطراف مدينة خانيونس، وفي مدينة دير البلح وبلدة الزوايدة، ويعانون جميعاً من عدم توفر المقومات الأساسية للحياة.

مع مرور أسبوعين على بدء العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح، لا تزال أعداد كبيرة من النازحين تتوافد إلى وسط المدينة، إضافة إلى مغادرة آخرين لأجزاء من المنطقة الغربية التي طاولها القصف، بينما لا وجود لمنافذ توزيع المساعدات، والتي انتقل معظمها إلى المناطق الغربية من مدينة خانيونس ومدينة دير البلح.

وينتشر عشرات آلاف النازحين في المنطقة الممتدة من المواصي إلى أطراف مدينة خانيونس، رغم الدمار الكبير الذي حل بتلك المناطق نتيجة الاجتياح الإسرائيلي السابق، كما وصل آخرون إلى مدينة دير البلح وبلدة الزوايدة الواقعة على حدودها، لكن معاناة الجميع متفاقمة في ظل نقص الماء والغذاء والدواء، فلا مساعدات إنسانية، ولا مراكز صحية كافية. ورغم دخول عدد من شاحنات المساعدات، إلا أنها لا تفي ولو بنسبة ضئيلة من الاحتياجات في ظل تزايد أعداد النازحين. وبينما الكميات التي يتلقاها النازحون من المساعدات قليلة، فإن النازحين الجدد مضطرون للانتظار حتى يتم إدراجهم في القوائم، وبالتالي فإنهم لا يحصلون على الغذاء أو الماء.
نزح عوني الجمل (53 سنة) الخميس الماضي، من مخيم رفح إلى المواصي، وقضى ليلته الأولى في العراء، قبل أن يتم تأمين مكان له عبر إحدى المبادرات المجتمعية، والتي وضعته في خيمة كبيرة مع أربع عائلات، وقد حصل على مساعدات غذائية مساء السبت، لكن الكمية كانت قليلة. لكنه بحاجة إلى الدواء، فهو مريض بالقلب والسكري. يقول الجمل لـ”العربي الجديد” إن “التنقل المستمر غاية في الصعوبة، وعندما ننتقل من منطقة إلى أخرى نضطر إلى البقاء أياما من دون مساعدات حتى يتم تسجيل أسمائنا، ثم يتم تسليمنا مساعدات قليلة لا تكفينا، لكننا في هذه المرة نتواجد في منطقة وعرة مكتظة بالنازحين، بعد 8 شهور من العدوان الذي جعلنا لا نملك أي مال. كان لديّ بسطة في السوق، ومع أني مريض، كنت مضطراً للعمل لأن لديّ ولد وحيد (30 سنة) مصاب ببتر في ساقه منذ مسيرات العودة في عام 2018، وأُعتبر من الفئة الكادحة، وقد ضاع رزقنا وتحولنا إلى متسولين، والآن مصيرنا مجهول”.

معاناة جميع النازحين في غزة متفاقمة بسبب نقص الماء والغذاء والدواء

يضيف: “أحتاج إلى العلاج لي ولابني بشكل دوري، وقد انتظرت أياماً حتى توفر لي نوعان من الدواء من أصل ثمانية أنواع، وأفتقد مثل كثيرين خدمات الرعاية الصحية، فأقرب مركز صحي للمنطقة التي نزحنا إليها يتطلب المشي أكثر من ساعة ونصف، وهذا أمر لا أستطيعه أنا أو ابني”.
وأعلن المفوض العام لوكالة “أونروا“، فيليب لازاريني، مساء السبت، أن نحو 800 ألف فلسطيني أجبروا على الفرار من رفح منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على المدينة، وغالبية هؤلاء وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التوجه إلى غربي مدينة خانيونس، والتي لا تنظر إليها الوكالة الأممية على أنها منطقة يستطيع النازحون البقاء فيها طويلاً، وإلى مناطق وسط قطاع غزة التي لا تتوفر فيها أماكن لإيواء مزيد من النازحين.
وفي الوقت الحالي، تعتبر منطقة المواصي غربي خانيونس ومدينة دير البلح أكبر بؤرتين للنازحين من رفح، وهي مناطق نائية، فمنطقة المواصي غير متصلة بمراكز المدينة، ولا تضم أية خدمات، كما أن المنطقة الغربية من مدينة دير البلح التي لجأ إليها كثير من النازحين لا تتحمل كل تلك الأعداد، والمخيم القريب منها يعد أصغر مخيمات اللاجئين الثمانية في قطاع غزة.

ليس من السهل توفير خيمة لنازحي غزة (حسن جيدي/الأناضول)
ليس من السهل توفير خيمة لنازحي غزة (حسن جيدي/الأناضول)

وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، مساء الجمعة، نفاد جميع مخزوناته الإغاثية في قطاع غزة، مؤكداً أنه لم يتبق شيء تقريباً لتوزيعه، رغم تزايد أعداد النازحين، كما أن أوضاع المياه الصالحة للاستخدام والصرف الصحي تتدهور بسرعة، في ظل تزايد تمركز النازحين في مناطق غير مهيأة لاستقبالهم.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان صباح الأحد، إن “الاحتلال يواصل منع إدخال 3000 شاحنة مساعدات غذائية وطبية وأدوات مساعدة أساسية، وإنها من بين الشاحنات التي تتواجد في الجانب المصري من معبر رفح، وكان من المفترض أن تدخل قبل أكثر منذ أسبوع، لكن احتلال المعبر منع ذلك، محذراً من مجاعة محتملة بين النازحين، وزيادة معاناة المرضى والجرحى منهم.
ودخلت كميات شحيحة من المساعدات إلى قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة، وفق آلية جديدة جرى اعتمادها عقب العملية العسكرية في رفح، وبعد أن استمر توقف دخول المساعدات لنحو 10 أيام متواصلة، إذ قرر جيش الاحتلال إعادة فتح معبر كرم أبو سالم أمام دخول المساعدات، رغم استمرار السماح للمستوطنين المتطرفين بإعاقة دخول الشاحنات وتخريب محتويات عدد منها.
ولا يثق أهالي غزة في تلك الآلية الجديدة التي يتحكم فيها الاحتلال الإسرائيلي بالكامل، كما لا يثقون في جدوى منطقة الرصيف البحري في مدينة غزة، والتي يشرف عليها الجيش الأميركي ويتحكم فيها الجيش الإسرائيلي، ويقدّر كثيرون أنها ستصبح ملفاً لمساومتهم على حقوقهم الأساسية.
ينتظر أحمد شهاب (36 سنة) الحصول على العلاج اللازم للتعافي من تداعيات عملية جراحية أجراها سابقاً في الأمعاء لعلاج إصابة خطرة تعرّض لها في أكتوبر الماضي، ويشير إلى أنه كان محظوظاً لأنه استطاع إجراء العملية الدقيقة وإنقاذه.

ويُعد شهاب واحداً من مئات يحتاجون إلى العلاج بالخارج، لكنه يستطيع الانتظار مقارنة بحالات أخرى من مصابي العدوان الذين يحتاجون إلى تدخّل عاجل، لكنه اليوم في مدينة دير البلح، ولا يوجد أمامه سوى مركز طبي وحيد، لكن علاجه لا يتوفر فيه، ويكرر التواصل منذ أيام مع وكالة “أونروا”، والذين أخبروه أن عليه الانتظار حتى توفير أدويته، وهي خمسة أصناف.
وقد نصحه الأطباء باتباع نظام غذائي يناسب حالته الصحية، لكنه منذ خروجه من المستشفى لا يتناول طعاماً جيداً، ما يؤثر بالسلب على صحته، وحالياً يعاني من الجوع مثل كثير من النازحين الذين لا يحصلون على كميات كافية من الغذاء، ويشعر بالاختناق لأنه مضطر للبقاء مع أسرته في منطقة خيام مكتظة بشكلٍ كبير، ويشاركون الخيمة مع عائلة أخرى، وعدد الأشخاص في الخيمة 17 فرداً.
يقول شهاب لـ”العربي الجديد”: “الطعام قليل، وانتقلنا من خيمة صغيرة إلى خيمة كبيرة تشاركنا فيها عائلة أخرى، لكن لا نملك الكثير من الطعام، والحصول عليه صعب. لديّ أربعة أبناء، وجميعهم خسروا الكثير من أوزانهم، وأنا تم إنقاذ حياتي بأعجوبة بعد إصابة خطيرة خرجت فيها أمعائي خارج بطني، وأعيش ما بين ألم الجوع وآلام الإصابة، في ظل عدم توفر العلاج”.
وتم إنشاء عدد من محطات المياه خلال الأشهر الماضية داخل مخيم خانيونس، وفي وسط المدينة، وكذلك في مدينة رفح التي كانت أكثر محافظات غزة كثافة قبل العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، لكن القصف دمر عدداً من تلك المحطات التي كانت تتلقى دعماً من وكالة “أونروا” أو من برنامج الأغذية العالمي، خصوصا تزويدها بالوقود من أجل توفير المياه للنازحين.

تتواجد الخمسينية الفلسطينية سمر بكر في أحد الخيام بمنطقة المواصي، وتؤكد أن جميع العائلات النازحة تضم مرضى وجرحى، وأن عائلتها تضم اثنين من ذوي الإعاقة العقلية، والجميع منذ أكثر من شهرين بلا علاج أو رعاية، وهي شخصياً مصابة بالتهاب الكبد الوبائي الفئة “أ”، ولم تحصل على أية أدوية منذ بدء العملية العسكرية في رفح، وكان لديها موعد للمراجعة في مستشفى أبو يوسف النجار قبل أيام من بدء الاجتياح، لكنها لم تستطع الذهاب، ثم خرج المستشفى من الخدمة.
تضيف بكر لـ”العربي الجديد”: “سُجلت قبل ستة أيام لدى وكالة أونروا، فأنا بحاجة للعلاج، وكذلك أبناء شقيق زوجي، والذين استشهد والدهم في العدوان، لكني لم أتلق أي رد من الوكالة حتى الآن، ومثلي المئات ممن يبحثون يومياً عن سبل العلاج أو الحصول على الدواء. حتى أننا لا نحصل على طعام لائق، ونتنقل منذ أيام بين الخيام، وكثير من العائلات مضطرة للبقاء في المنطقة التي سُجلوا فيها حتى يحصلوا على المساعدات الغذائية”.

أمجد ياغي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




إبراهيم رئيسي.. رئيس إيران الذي نشأ في الحوزات وتدرّج في القضاء

تعرّضت طائرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي اليوم الأحد لـ”حادث” خلال زيارته إلى محافظة أذريبجان الشرقية، حيث كان يرافقه وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ولا يزال مصيره مجهولا.

وطمأن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، مساء الأحد، خلال لقاء مع أسر بعض أعضاء الحرس الثوري، بأنه “لن يحدث أي خلل في شؤون البلاد”، في أول تعليق له على سقوط طائرة الرئيس الإيراني، فيما تسخّر إيران إمكانات كبيرة للتعامل مع الحادث.

بعد مرور نحو عدة ساعات على حادث طائرة الرئيس الإيراني، ما يزال مصيره مجهولاً؛ بعد الإعلان عن تعرّض طائرة كانت تقلّه مع وزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان ومسؤولين آخرين لحادث في محافظة أذربيجان الشرقي شمال غربي إيران. وكان الرئيس الإيراني قد توجه في وقت سابق اليوم إلى موقع حدودي بين إيران وجمهورية أذربيجان لافتتاح سد “قيز قلعه سي” في منطقة أرس، بمشاركة نظيره الأذربيجاني إلهام علييف.

وفاز إبراهيم رئيسي بالانتخابات الرئاسية الإيرانية الـ13، التي أجريت في يونيو/ حزيران 2021، ليصبح الرئيس الثامن للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكان فوزه متوقعاً بنسبة كبيرة. رئيسي كان مرشح التيار المحافظ على الرغم من تأكيده أنه ليس محسوباً على تيار بعينه، وهذا التبني ضمن له أصوات أبناء التيار في المجتمع، فضلاً عن أصوات شرائح أخرى.

وكان في انتظار رئيسي أزمات وتحديات كبيرة، داخلياً وخارجياً، وعد أن يحلها اعتماداً على القدرات الداخلية للبلاد، لكن مراقبين شككوا في ذلك، ورأوا أن هذه الأزمات متشابكة جداً ويصعب حلها من دون تحقيق انفراجة في العلاقات الخارجية الإيرانية بالذات مع الغرب. أما الأوساط المحافظة حينها فتحدثت عن أنه في مقدور البلاد تجاوز هذه العقبة عبر تنمية العلاقات مع الشرق، خاصة روسيا والصين.

وتصدرت الأزمة الاقتصادية أزمات إيران، والتي أصبحت مرتبطة بالعقوبات الأميركية المفروضة على طهران منذ أكثر من ثلاث سنوات، فضلاً عن مشكلات بنيوية في الاقتصاد الإيراني، إضافة إلى المفاوضات النووية التي تجريها إيران مع أميركا، ولا سيما أن إبراهيم رئيسي محسوب على التيار المحافظ المتحفظ على هذه المفاوضات.

معلومات عن إبراهيم رئيسي

إبراهيم رئيسي رجل دين محافظ، ولد في مدينة مشهد شرقي إيران عام 1960، ودرس في الحوزة العلمية في مشهد، قبل مواصلة دراسته الدينية لاحقاً في مدينة قم، العاصمة الدينية للثورة الإسلامية الإيرانية، والتي تخرّج منها ودرّس فيها كبار قادتها، في مقدمتهم آية الله روح الله الموسوي الخميني الذي قاد الثورة الإسلامية.

كان رئيسي إبان انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 في التاسعة عشرة من عمره، ولذلك لا يعتبر من الفاعلين فيها، وتشير التقارير الإعلامية إلى مشاركته في الاحتجاجات والمسيرات المناهضة للنظام البهلوي السابق إلى جانب زملائه في الحوزات العلمية الإيرانية.  

رئيسي متزوج من بنت رجل الدين الإيراني أحمد علم الهدى، المعروف بمواقفه المتشددة في السياستين الداخلية والخارجية، والذي يمثل الولي الفقيه في محافظة خراسان الرضوية، فضلا عن عضوية علم الهدى بمجلس خبراء القيادة المخوّل تعيين وعزل المرشد.

لم يسبق أن تولى إبراهيم رئيسي منصباً سياسياً أو تنفيذياً في السلطة التنفيذية، وهو يمتلك في الأساس خبرة قانونية وقضائية، وتدرج في السلك القضائي بعد أن انضم إلى الجهاز القضائي الإيراني بعد عام على انتصار الثورة في 1981، ليصبح في العشرين من عمره مدّعياً عامّاً لمدينة كرج القريبة من العاصمة، من ثم تولى المنصب ذاته في مدينة همدان غربي البلاد.

ومن العام 2004 إلى 2014، تولى رئيسي منصب نائب رئيس السلطة القضائية، ثم عُيّن في منصب النائب العام في البلد، واستمر فيه عامين تقريباً، قبل أن يعينه المرشد الإيراني الأعلى سادن (خادم) العتبة الرضوية في مشهد، مرقد علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة، وهو من أهم المناصب الدينية في البلاد. وبعد ذلك، منذ مارس/آذار 2019، عيّنه المرشد الإيراني رئيساً للسلطة القضائية خلفاً لصادق آملي لاريجاني، الرئيس الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام.

بعد تعيينه رئيساً للسلطة القضائية، أطلق إبراهيم رئيسي مشروعاً لإجراء إصلاحات في السلطة، عرف بمشروع إحداث التحول فيها، ليبدأ في إطاره مكافحة الفساد في السلطة واعتقال قضاة ومسؤولين فيها وإخضاعهم للمحاكمة، كان في مقدمتهم نائب الرئيس السابق للسلطة أكبر طبري الذي حكم عليه بالسجن 31 عاماً خلال مارس/آذار الماضي.  

كما أنه، في خطوة غير مسبوقة في الجهاز القضائي الإيراني، أدرج أسماء من تصفهم السلطات بـ”السجناء الأمنيين” في قوائم سجناء يطلب رئيس الجهاز من المرشد الإيراني إصدار العفو عنهم في المناسبات الداخلية.  

جرّب رئيسي حظوظه في السباق الرئاسي عام 2017، ونازل الرئيس حسن روحاني بوصفه أحد أهم المرشحين المحافظين، لكنه لم يفز وحلّ ثانياً بعد حصوله على 16 مليون صوت، وفاز روحاني لولاية ثانية بعد حصوله على 24 مليون صوت بدعم من الإصلاحيين.

وفي بيان إعلان ترشحه، قال رئيسي إنه يترشح للانتخابات “مستقلاً، لإحداث التحول في إدارة السلطة التنفيذية ومكافحة الفقر والفساد والاحتقار والتمييز”، مؤكداً أنه يحترم جميع المرشحين والتيارات السياسية. وبعد تسجيل ترشحه في الداخلية الإيرانية، ركز رئيسي على الأزمة الاقتصادية في البلاد و”البطالة والغلاء”، قائلاً: “إنني أرى نفسي منافساً للفساد والأرستقراطية وليس لتيار أو أحزاب سياسية”. وأضاف أن “لا انسداد في البلاد”. 

المصدر: صحيفة العربي الجديد