1

اليمن واستئناف الحرب: الفرضيات والمآلات

عادت احتمالات استئناف الحرب في اليمن للظهور مجددًا، وأبرزها فرضية الدعم الأمريكي لقوات حكومية وأخرى موالية لها في شن حرب برية ضد الحوثيين؛ وهو ما يمكن مناقشته بهدوء على وقع الفرضيات والمآلات الناجمة عن هذه الحرب التي أرهقت كاهل البلد الأفقر في شبه الجزيرة العربية منذ عشر سنوات.

يدرك الإقليم جيدًا، فداحة المغامرة باستئناف الحرب هناك؛ ليس على صعيد تفاقم المأساة الإنسانية والاقتصادية في البلد وتجدد تهديد جنوب المملكة وحسب؛ وإنما على صعيد توسيع دائرة المواجهة في المنطقة، بعدما تجاوزت التطورات الأخيرة التوقعات؛ جراء تمدد تداعيات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ودخول جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) طرفًا فيها ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة.
وبالتالي فإن دخول الإقليم في دعم فرضية استئناف الحرب غير واردة منطقيًا؛ لأن الإقليم، الذي حرص على الإمساك بلجام الحرب لأكثر من عامين، لن يكون مغامرًا ويعود بالبلد للحلبة مجددًا، ويجد نفسه جزءًا من المعركة أيضًا؛ وحينها لن يكون معروفًا موعد ايقاف استعار الجولة الثانية من هذه الحرب، التي ستتجاوز الحلبة إلى خارجها بلاشك.
يرجّح بعض المراقبين عدم استئناف الحرب هناك؛ لاسيما بعد توقف شبه كلي لأكثر من عامين، حتى وإن ظهرت خلالها تطورات غير متوقعة؛ أبرزها دخول اليمن ساحة الحرب ضد إسرائيل من خلال هجمات صواريخ ومسيرات قوات «أنصار الله» في جنوب إسرائيل واستهدافهم الملاحة الإسرائيلية «تضامنا مع غزة»؛ ومن ثم استهداف السفن الأمريكية والبريطانية «ردا على العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن» وفق بيانات الحوثيين. لكن في السياق ذاته ذهب البعض الآخر لطرح فرضية لجوء واشنطن، وخاصة بعد فشل هجماتها الجوية مع لندن في إيقاف الهجمات البحرية للحوثيين، إلى التفكير بمعركة برية من خلال دعم قوات حكومية وأخرى موالية للحكومة في الجنوب والساحل الغربي.
لكن هذا التطور خطير للغاية في حال تحقق؛ لأن الحرب التي سيكون السهل إشعالها لن يكون من السهل إخمادها هذه المرة؛ لاسيما وأن مَن يقف خلفها هذه المرة بشكل مباشر هي أمريكا، ومن ورائها إسرائيل، وهذا ما سيدفع إلى تشكل جبهة اجتماعية يمنية رافضة لهذه الحرب؛ ويدفع للتحشيد لمواجهة طرفها القادم بعتاد أمريكي؛ باعتبار فلسطين ستكون هنا هي المحك؛ وبالتالي لا توجد ضمانات لانحسار الحرب في المربع الذي أراد المخططون أن تبقى فيه. وقبل ذلك وبعده ستكون النتائج وخيمة جدًا على ما تبقى من حياة في هذا البلد القصي.

مأزق التسوية

السؤال الذي يجب طرحه أولًا: مَن يمكنه أن يدعم استئناف الحرب البرية في اليمن؟
يستبعد أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبدالكريم غانم، الفرضية التي ترجح دعم واشنطن لاستئناف الحرب، مشيرًا إلى حرص الحكومة على خوض حرب تتيح لها تجنب القبول بخريطة الطريق.
وقال لـ«القدس العربي»: «سيناريو الدعم الأمريكي لشن حرب برية في اليمن يمكن أن يكون مدفوعًا بحرص الحكومة اليمنية على خوض حرب برية تتيح لها تجنب القبول بخريطة الطريق التي حصل خلالها الحوثيون على تنازلات كبيرة» ويرى أنه من شأن الدخول بحرب برية مدعومة أمريكيًا أن يساهم في تراكم المكاسب للحوثيين، ومنذ أن نشب الصراع في البحر الأحمر، أعرب رئيس المجلس الرئاسي عن رغبته في الحصول على دعم عسكري لشن حرب برية، فمن وجهة نظر هذا الطرف أن السبيل لدفع الحوثيين نحو القبول بتسوية سياسية، يبدأ بهزيمتهم عسكريًا، وإنهاء سيطرتهم على السلطة في الشمال، ووفقا لهذا التصور، الأمر ذاته ينطبق على استقرار الملاحة الدولية، فمن دون هذا الحل من الصعوبة بمكان ضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر.
واستطرد: إلا إن هذا السيناريو غير مطروح على الطاولة لدى الإدارة الأمريكية الحالية حتى الآن، فهي ترفض الذهاب بالصراع مع الحوثيين إلى ما هو أبعد من مواجهة ما تسميه بالمخاطر الوشيكة، التي تشكل تهديدًا مباشرا على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، دون التأثير على ميزان القوى العسكري القائم بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية.
وقال: «وعلى الرغم من قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلا إن سيناريو الدعم الأمريكي لشن حرب برية على الحوثيين يظل مستبعدًا، وإن لم تحظ الإدارة الحالية بالفوز، فترامب هو الآخر يتجنب فتح حرب برية واسعة النطاق غير مدفوعة التكاليف من حلفاء واشطن، الأغنياء بالنفط».

إمكانات محدودة

لكن ما الذي يدفع بطرف لدعم حرب إمكانات النصر فيها وربما تكون محدودة وإمكانات ايقافها ربما لن تكون سانحة حينها؟
يؤكد عبد الكريم غانم أن احتمالات دعم طرف دولي أو إقليمي لحرب برية في اليمن ضعيفة. وقال: «ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية توسيع نطاق الحرب في اليمن، في ظل ارتفاع وتيرة الحرب الإسرائيلية على غزة. فالإدارة الأمريكية اضطرت للقيام بضربات جوية استباقية لبعض الأهداف العسكرية، في مناطق سيطرة الحوثيين، بحجة أنها تشكل تهديدًا وشيكًا على الملاحة في البحر الأحمر، أملًا في تقليل المخاطر التي رأت أنها تهدد الملاحة الدولية، فالملاحظ أنه بانخفاض الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، خلال الأسابيع الماضية، تراجعت وتيرة القصف الجوي الأمريكي البريطاني على الأهداف العسكرية في مناطق سيطرة الحوثيين، الأمر الذي يدحض فرضية دعم الولايات المتحدة الأمريكية لحرب برية واسعة في اليمن».
وأضاف «في السياق ذاته تبدو المملكة العربية السعودية التي تبذل جهودًا حثيثة للخروج من مستنقع الحرب في اليمن، غير معنية بدعم حرب برية تدرك أن مداها سيطول لسنوات وربما عقود، وعواقبها يصعب التنبؤ بها، ومن الطبيعي أن يتوقع الحوثيون أسوأ السيناريوهات، فيقومون بحفر الانفاق والخنادق، ويعدون العدة لاحتمالات حدوث حرب برية واسعة، جراء انخراطهم في حروب داخل اليمن وعبر الحدود وفي أعالي البحار. إلا إن احتمالات دعم طرف دولي أو إقليمي لحرب برية واسعة في اليمن يظل مستبعدًا على المدى القريب والمتوسط، فمن مصلحة القوى الدولية والإقليمية الأكثر فاعلية دعم خفض التصعيد العسكري والسعي لإطفاء الحرائق لا تأجيج الصراعات التي قد يطول مداها ولا تُحمد عقباها».

إسرائيل

لكن في حال استمرار فرضية استئناف الحرب فما علاقة إسرائيل بها وتأثير ذلك على موقف المجتمع من هذه الحرب؛ إذ أن المجتمع هنا سيكون عاملا إضافيًا يعزز من قوة المواجهة لهذه الحرب المدفوعة من الخارج في حال افترضنا نشوبها؟
يقول غانم: «في حال نشوب حرب برية واسعة في اليمن، وهو السيناريو الأقل احتمالًا حتى الآن، قد تأخذ هذه الحرب بعدًا عقائديًا أكثر من أي وقتٍ مضى، لتداخل أبعادها الدينية بالوطنية والدولية، وارتباطها بمحاور إقليمية، وبالصراع في البحر الأحمر، فقد يوظف الحوثيون دعمهم لغزة في حشد المزيد من المقاتلين، وكسب الكثير من التأييد جراء التعاطف الشعبي مع فلسطين».
أما موقع السعودية في هذه الحرب في حال افترضنا وقوعها باعتبار هذه الحرب ستكون معاكسة لسياستها الراهنة ونهجها الإقليمي المتزن، فإن مآلاتها ستكون عكسية لمصالحها.
يقول غانم: «من المؤكد أن السعودية لن تقف موقف المتفرج أو المحايد، في حال ذهبت الأمور باتجاه نشوب حرب برية واسعة في اليمن، فالمتوقع أن تعمل الرياض على منع حدوث حرب برية في اليمن؛ لأن من شأن ذلك أن يطيح بالهدنة والاستقرار الهش الذي استثمرت فيه على مدى العامين الماضيين، لضمان تأمين حدها الجنوبي، ولأن نشوب حرب برية واسعة، سيعمل على الاطاحة بالمكاسب الجيوسياسية التي تأمل الرياض وأبو ظبي الحفاظ عليها، كما أن نشوب حرب برية من شأنه خلط الأوراق وإعادة بناء التوازن العسكري والنفوذ السياسي داخل اليمن، وفقًا لما يشتهي العامل الخارجي وهو ما لا ترضاه الرياض وحليفتها أبو ظبي».

اتفاق السلام

من ضمن مآلات الحرب البرية المفترضة فان إتفاق خريطة الطريق لن يكون بمنأى على نتائج هذه الحرب في حال افترضنا وقوعها وتمدد تلك المآلات على الصعيدين الإنساني والاقتصادي.
يوضح عبدالكريم غانم: «من المؤكد أن نشوب حرب برية سيعمل على تعميق الانقسام الاجتماعي وتدمير ما تبقى من بنى تحتية ومؤسسات دولة، ويسهم في تعميق حجم الأزمة الإنسانية وتردي الخدمات الأساسية وفقدان المزيد من فرص العمل، كما سينسف التقدم الذي تم احرازه على صعيد التهدئة والتهيئة للسلام الدائم والتفاوض والحلول السياسية الشاملة، فالحرب الواسعة من شأنها أن تعزز قوة أطراف سياسية وعسكرية وتضعف أخرى، وأي تفاوض لاحق لهذه الحرب من الصعب أن يعتمد على المرجعيات السابقة، أو على خريطة الطريق الحالية وغيرها من أسس بناء السلام التي سبقت الحرب، الأمر الذي يجعل العودة إلى الوضع القائم حاليًا ضربا من الخيال، ناهيك عن تحقيق السلام واستعادة الدولة».
نخلص إلى أن استئناف الحرب في اليمن بأي شكل سيمثل نسفًا لما تم تحقيقه من مكاسب على صعيد التهدئة ومسار السلام، علاوة على ما سيلحق بالأزمتين الإنسانية والاقتصادية من تعقيد بموازاة تعميق التشظي المجتمعي والهوياتي والسياسي؛ ما سيجعل من استئنافها مغامرة ستذهب اليمن أبعد مما هو عليه حاليًا؛ وسيكون استعادته إلى ما هو عليه اليوم حلمًا بعيد المنال.

أحمد الأغبري

المصدر: صحيفة القدس العربي




“قَتلنا وجَوّعنا وطردنا ودمرنا”… ألا يستحق نتنياهو و”دفاعه وأركانه” المثول أمامك يا “لاهاي”؟

أي إسرائيلي لديه عقل يجب أن يسأل نفسه: هل ترتكب دولته جرائم حرب في غزة؟ إذا كان الأمر هكذا، فكيف يمكن وقفها؟ كيف سنعاقب المسؤولين؟ من الذي يمكنه معاقبتهم؟ هل معقول أن تبقى الجرائم يتيمة وأن يبقى مرتكبوها ن أبرياء؟

يمكن بالطبع الإجابة سلباً على السؤال الأول. فإسرائيل لا ترتكب أي جرائم حرب في غزة، وما تبقى سيصبح زائداً ضمنياً. ولكن كيف يمكن الإجابة بالسلب إزاء المعطيات والحقائق في غزة؟ حوالي 35 ألف قتيل و10 آلاف مفقود، ثلثاهم أبرياء، حتى حسب معطيات الجيش الإسرائيلي، وبينهم حوالي 13 ألف طفل ميت؛ 400 شخص من الأطباء والطواقم الطبية، و200 صحفي؛ 70 في المئة من المباني تدمرت أو تضررت؛ 30 في المئة من الأطفال يعانون من سوء التغذية؛ اثنان من بين عشرة آلاف يموتون في اليوم بسبب الجوع أو الجوع والمرض معاً (جميع المعطيات وفقاً للأمم المتحدة ومؤسسات دولية).

هل يمكن أن تأتي هذه المعطيات الفظيعة بدون ارتكاب جرائم حرب؟ هناك حروب ذرائعها مبررة ووسائلها إجرامية. من هنا فإن القتل والتدمير والتجويع والتهجير بهذه الأبعاد لا يمكن أن تحدث بدون ارتكاب جرائم حرب. هناك أشخاص مسؤولون عنها ويجب تقديمهم للمحاكمة.

الدعاية الإسرائيلية لا تحاول نفي صورة الوضع هذا. إنما تدعي: لا سامية؛ لماذا نحن بالذات؟ ماذا عن السودان واليمن. هذا مبرر لا أساس له من الصحة: حتى من يقود بسرعة كبيرة لا يمكنه الادعاء بأن هناك سائقين يقودون بسرعة مثله. لقد بقيت لنا الجرائم والمتهمون بارتكابها. إسرائيل لن تقدم أي شخص للمحاكمة في يوم من الأيام؛ فهي لم تفعل ذلك يوماً، سواء في حروبها أو في احتلالها. في أفضل الحالات، ستقدم للمحاكمة جندياً سرق بطاقة ائتمان.

لكن الشعور بالعدالة لدى كل شخص تقتضي رؤية مجرمين يقدمون للمحاكمة، لمنع الجرائم في المستقبل. حسب هذا المنطق، لم يبق سوى الأمل بأن تقوم محكمة الجنايات الدولية في لاهاي بالعمل الذي يجب عليها القيام به. أي وطني إسرائيلي وأي شخص تهمه مصلحة الدولة كان يجب أن يأمل ذلك. هكذا ستتغير معايير الأخلاق في إسرائيل، التي ترى أن كل شيء مسموح لها. يصعب الأمل باعتقال رؤساء دولتك وجيشك، والأكثر صعوبة هو الاعتراف بذلك علناً. ولكن لا توجد طريقة أخرى لوقفهم.

القتل والدمار في غزة ورطا إسرائيل كلها. لم تمر بكارثة كهذه. شخص ما قادها إلى هناك. هذه ليست اللاسامية، بل زعماؤها وضباطها، فلولاهم لم تكن لتتحول بسرعة كبيرة من دولة تحصل على التعاطف وتثير الشفقة عشية 7 أكتوبر، إلى دولة منبوذة. يجب على أحد ما أن يقدم للمحاكمة بسبب ذلك.

مثلما الكثير من الإسرائيليين يريدون رؤية نتنياهو معاقباً على أعمال الفساد المتهم بها، عليهم الأمل أيضاً بأن تتم معاقبته هو ومن تحته بسبب جرائم أكثر خطورة، جرائم غزة. لا يمكن إبقاء هذه الجرائم يتيمة، ولا يمكن أيضاً اتهام حماس فقط، حتى لو كان لها دور في هذه الجرائم. نحن الذين قتلنا وجوعنا وهجّرنا ودمرنا. يجب أن يتم تقديم شخص ما بسبب ذلك للمحاكمة. ونتنياهو بالطبع هو الشخص الأول. صورته وهو سجين في لاهاي، مع وزير الدفاع ورئيس الأركان، بمثابة كابوس لكل إسرائيلي. حتى الآن هي كما يبدو أمر يقتضيه الواقع. وثمة شك كبير في حدوث ذلك. فالضغط الذي تستخدمه الولايات المتحدة وإسرائيل على المحكمة كبير جداً (وغير مشروع). ولكن للتخويف أهمية. فإذا امتنعت الشخصيات الرفيعة عن السفر إلى الخارج في السنوات القريبة القادمة، وإذا عاشت في خوف مما سيأتي، فسنكون على ثقة بأنهم سيفكرون مرتين في الحرب القادمة قبل إطلاق الجيش إلى حملات القتل والتدمير بهذه الأبعاد الهستيرية. كان هذا لنصف عزاء.

جدعون ليفي

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




نساء غزة في مهن غير متوقعة بعد فقدان المعيل.. إما العمل أو موت الأطفال جوعاً

أجبرت ظروف الحرب الإسرائيلية القاسية، التي أنهت شهرها السادس، النساء على تحمّل مشاق توفير مستلزمات أسرهن، بعد أن فقدن المعيل الأساسي، إما قتلاً أو بسبب الإصابة البالغة بنيران وصواريخ الاحتلال، أو بسبب تغييب أرباب أسرهم قسراً في سجون الاحتلال.

وفي كل منطقة من مناطق قطاع غزة، هناك قصص تكشف حجم المأساة التي تعايشها النساء، اللواتي يعانين بشكل كبير من تبعات الحرب المدمرة والطويلة.

فبات وقوف سيدة أو فتاة على “بسطة” تبيع فيها بعض الأطعمة أو مستلزمات أخرى أمراً طبيعياً، وينتشر بشكل كبير في هذه الأوقات، بعد أن اشتدت الأزمة الاقتصادية، وبات أمر الحصول على المال يحتاج من هذه النساء النزول إلى سوق العمل القسري، لتلبية احتياجات أسرهن، بعد فقدان الرجال المعيلين.

البيع في الأسواق

في شارع سوق مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، تقف سيدة في بدايات العقد الرابع من عمرها، تدعى أم محمد، خلفَ “بسطة”، صغيرة، وضعت عليها قليلاً من حفاظات الأطفال ومناديل ورقية، حيث تبدأ هذه السيدة عملها مع بداية النهار، وتمكث حتى وقت قريب من غروب الشمس.

وتقول هذه السيدة لـ “القدس العربي” إن ما أجبرها على العمل، بعد فترة من النزوح، عدم وجود معيل من الرجال لأفراد أسرتها الذين نزحوا معها منذ بداية الحرب.

هذه السيدة، ككثيرين غيرها من نساء غزة، تقيم في مركز إيواء، وقد تقطعت بها وبأسرها السبل، بعد أن نفد ما لديها من مال قليل خرجت فيه من منطقة سكنها في شمال قطاع غزة، في الأسبوع الثالث من الحرب، بناء على تهديدات عسكرية إسرائيلية.

وقالت أم محمد، إنها اضطرت طوال الفترة الماضية إلى الإنفاق بشكل مقنّن للغاية من النقود القليلة التي كانت بحوزتها، وإنها اضطرت للنزول إلى العمل، بعد نفاد هذه الأموال.

وتحدثت عن مواجهتها صعوبات كثيرة في الحياة، حيث يتوجب عليها حالياً الموازنة ما بين رعاية أفراد أسرتها في مركز الإيواء، وكذلك النزول إلى العمل.

وقالت بحسرة “إن ما عملت ما بلاقي إشي للأطفال يوكلوه”، وتشير إلى أنها تعمل خلال وجودها في السوق، على شراء ما تيسر من الخضار والأطعمة وبعض احتياجات أسرتها.

وتؤكد هذه السيدة لـ “القدس العربي” أن ما يتوفر لهم من أطعمة في مراكز الإيواء، لا يكفي لسدّ جوع الأطفال، وتشير إلى أنهم لا يحصلون في كل الأيام على وجبات الطعام، وأنه في حال توفرت تكون عبارة عن بعض المعلبات.

وتقول: “مش كل إشي المعلبات والأكل، هناك احتياجات أخرى للأسرة لازم تتوفر، زي الخبز والخضروات وحاجات ثانية”.

مواجهة حياة صعبة

وليس بعيداً عن هذه السيدة، ظهرت مؤخراً قصة الشابة بسمة، وهي نازحة من مدينة غزة، وكانت قبل الحرب تدرس في قسم المحاسبة، حيث اضطرت للنزول إلى سوق العمل، وفتحت “بسطة” صغيرة تبيع فيها أطباق الحمص المطحون، وهي نوع من المقبلات التي اعتاد الغزيون على تناولها كوجبة مساعدة مع باقي الطعام.

هذه الفتاة، التي تبلغ من العمر 20 عاماً، كانت تقيم بسطتها أمام مشفى “الأقصى”، وقد أجبرتها ظروف الحرب، بعد استشهاد والدها وأخوتها، على النزول إلى سوق العمل، لإعالة من تبقى من أفراد عائلتها، ولم تكن هذه الفتاة تضع يوماً في مخيلتها أن تلجأ إلى العمل بهذه الطريقة، وكانت كغيرها من طلبة الجامعات يحلمون بالتخرج والالتحاق بعمل يتلاءم مع دراستهم.

وهناك مهن أخرى ابتدعتها فتيات، بعضهن في سن الطفولة، بسبب ظروف الحرب، من بينهن فتيات نازحات، وأخريات غير نازحات.

من هذه المهن بيع الخبز، فأمام أحد المخابز العاملة في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، تقف شهد، وهي فتاة تبلغ من العمل 16عاماً، مع بعض صديقاتها اللواتي تعرّفت إليهن في أحد مراكز الإيواء في المخيم، وجميعهن نازحات من مناطق غزة والشمال، حيث تضطر هذه الفتاة وشقيقاتها وأشقاؤها الصغار، للوقوف في طابور المخبز الطويل مع بداية العمل، وشراء ربطة الخبز من المكان المخصص بعد جهد وتعب.

تقف هذه الفتاة كغيرها من الفتيات، بعد ذلك وتقوم ببيع الربطة بثمن أكثر من الذي اشترت به، لمواطنين إما كبار في السن، لا يقدرون على الانتظار في الطابور الطويل، أو لأشخاص على عجلة من أمرهم، ولا يريدون البقاء طويلا أمام المخبز.

وتكرر هذه الفتاة وصديقاتها الأمر مرات عدة، وتقول لـ “القدس العربي” إنها، في بعض الأيام، تعود وأشقاؤها بمبلغ يقدر بنحو 50 شيكلا يومياً، أي ما يقارب الـ 15 دولار.

وتقول إحدى رفيقاتها في العمل الجديد إن ما أجبرها على ذلك هو استشهاد والدها قبل النزوح في غارة على شمال غزة.

وتؤكد أنه لم يكن يدور بمخيلتها أن تعمل بهذه المهنة أبداً، وقد تذكرت ما كان عليه وضعها قبل الحرب، حيث كانت تدرس في بداية المرحلة الثانوية، وكانت تتطلع للتفوق في دراستها ودخول الجامعة، وقد تحدثت بحزن عن منزلها وغرفتها الخاصة التي كانت لها، حيث دمر ذلك في غارة إسرائيلية.

وهناك فتيات، وأيضاً شبان في مقتبل العمل من غير النازحين، اضطروا للعمل في بيع الخبز، بعد فقدان معيلي أسرهم، وتراهم ينتشرون بكثرة أمام المخابز العاملة في مناطق وسط وجنوب القطاع.

الخبز وبيع الكعك

وتكثر في مناطق النزوح، وخاصة مناطق المخيمات العشوائية من الخيام، النساء اللواتي شيدن أفراناً من الطين، ويعملن على خبز الدقيق مقابل أجر مالي، خاصة في ظل عدم توفر غاز الطهي سواء للأسر النازحة أو غير النازحة، حيث يضطر الجميع لهذه الأفران البدائية.

وتوفر النساء، في نهاية كل يوم عمل، مبلغاً مالياً يساعد أسرهن على التأقلم مع متطلبات الحياة الشاقة.

وقد لجأ الكثير من النساء إلى صناعة بعض أنواع الحلويات والكعك، إما في منازلهن (من غير النازحات)، أو في أفران الطين (من النازحات)، ويجري بيعه من قبل أطفالهن أو أزواجهن في الأسواق، لتوفير المال اللازم لإعالة أسرهن في هذه الظروف الصعبة.

وقالت إيمان، وهي ربة أسرة في منتصف العقد الثالث، ولها من الأطفال أربعة، إنها تقوم بصناعة هذه الحلوى والكعك، فيما توكل مهمة البيع لزوجها، وتشير إلى أن الكثير من جيران النزوح في الخيام القريبة من مكان إقامتهم وسط القطاع، وكذلك الجيران، يقدمون مباشرة إلى خيمة العائلة لشراء الكعك.

وخلال حديثها لـ “القدس العربي”، تحدثت هذه السيدة وبجوارها زوجها عن مشقة الحياة في ظل النزوح، وعن آلام البعد عن المنزل، لافتة إلى أن ما يتوفر من أموال بعد العمل الشاق بالكاد يكفي مصاريف الأسرة، لافتة إلى أن تصنيع الحلويات يتطلب منها ومن زوجها البحث كثيراً عن مواد التحضير التي تشح كثيراً في الأسواق، والتي باتت تباع بثمن مرتفع كثيراً عن سعرها قبل الحرب.

وتحدثت إيمان أيضاً عن المشقة التي تواجهها، حيث يتطلب منها الأمر تحضير هذه الأصناف، وكذلك رعاية أطفالها، ومن بينهم طفل رضيع لا يتجاوز عمره العام والنصف.

وإلى جوار سكنها في أحد مناطق النزوح العشوائية وسط قطاع غزة، كانت تمتهن السيدة سهاد الجمال ذات المهنة، وقالت أيضاً إن جميع ما كانت تملكه الأسرة من مال نفد في الشهر الثاني من الحرب، وهو ما دفع أفراد الأسرة للبحث عن العمل لتوفير مستلزمات الحياة القاسية.

وكغيرهن من سكان غزة، تواجه النساء عمليات القتل الإسرائيلية الممنهجة، وتؤكد إحصائيات الأمم المتحدة، أن أكثر من 9 آلاف امرأة وفتاة استشهدن حتى الآن منذ بدء الحرب.

وتؤكد أن كل يوم تستمر فيه الحرب في غزة، بالمعدل الحالي، سيتواصل قتل 63 امرأة في المتوسط، بينهن أمهات.

كما ذكرت إحصائية، نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن النساء والأطفال شكلوا ما نسبته 70% من الشهداء والمفقودين في غزة.

وأوضحت الإحصائية أن هناك توقفاً شبه تام في عجلة الإنتاج لمنشآت القطاع الخاص في قطاع غزة، وتراجعاً غير مسبوق في الضفة الغربية، وأكدت أن غالبية العمالة في قطاع غزة، التي تقدر بأكثر من 153 ألف عامل تعطّلت، بسبب الحرب.

ورفع ذلك من معدلات الفقر والبطالة في صفوف السكان، حيث وصلت إلى مستويات مرتفعة جداً.

وحسب جهاز الإحصاء، فإن معدل البطالة في القطاع تجاوز الـ 70% حالياً، بعد أن كان 45% قبل السابع من أكتوبر، حيث فقد 148 ألف عامل عملهم بسبب الهجمات الإسرائيلية، وتوقّع المسؤول في جهاز الإحصاء محمد قلالوة أن ترتفع نسبة الفقر في قطاع غزة إلى حوالي 90%.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




وول ستريت جورنال: واشنطن تستخدم ورقة وجود حماس في قطر لتخيّرها بين الصفقة أو الطرد

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعدته سمر سعيد وكاري كيلر- لين وغوردون لوبود، قالوا فيه إن الولايات المتحدة تستخدم ورقة وجود حماس في قطر للضغط على الدولة المضيفة، لتحقيق صفقة في المفاوضات بشأن الهدنة.

وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة طلبت من قطر طرد الجناح السياسي لحماس إذا لم توافق الحركة على وقف إطلاق النار في محادثات برهانات عالية تعقد في القاهرة.
وقال مسؤول إن قطر التي تستقبل حماس منذ عام 2012 مستعدة لتلبية الطلب الأمريكي، في وقت رفضت فيه وزارة الخارجية القطرية التعليق.

وتعلق الصحيفة أن التحرك الأمريكي هو إشارة عن الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة على حماس كي تقبل باتفاق لوقف النار في غزة، حيث قتلت الحرب حتى الآن أكثر من 34,000 شخص.

وأثّرت الحرب على غزة في السياسة الداخلية الأمريكية، وأشعلت موجة من احتجاجات الطلاب في حُرم الجامعات، وباتت تهدد حظوظ الرئيس جو بايدن بولاية ثانية.

وقام وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن بجولة في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي، حيث التقى المسؤولين العرب والإسرائيليين. وقال بلينكن يوم الجمعة في أريزونا: “الواقع الذي يقف الآن بين سكان غزة ووقف إطلاق النار، هو حماس” بحسب زعمه، وأضاف: “القبول بوقف إطلاق النار أمر لا يحتاج إلى تفكير”.

وتعلق الصحيفة أن حماس واعية بالضغوط على قطر لطرد القيادة السياسية.

وكانت صحيفة “واشنطن بوست” قد نشرت خبر الطلب الأمريكي من قطر لطرد حماس أولا. ووصل الوفد القطري ووفد حماس إلى القاهرة يوم السبت، وانضموا إلى مدير الاستخبارات الأمريكية، ويليام بيرنز الذي وصل قبلهم بيوم.

وتدخّل زعيم حماس في غزة، يحيى السنوار لأول مرة في تفاصيل المفاوضات يوم الجمعة، حيث قال إن العرض هو أقرب شيء تتلقاه الحركة، لكنه طرح عددا من التحذيرات حسب قول الوسطاء. ومن المتوقع أن تقدم حماس خطة مضادة في وقت قريب.

وتقول الصحيفة إن العرض متوقف على مطالب حماس بوقف دائم لإطلاق النار، في وقت تصر إسرائيل على حقها بمواصلة الحرب لتدمير حماس عسكريا.

وتطالب حماس بضمانات دولية بأن إسرائيل ستدخل في مفاوضات لتحقيق فترة هدوء مستدامة. وقال المسؤول البارز في حماس، غازي حمد إن الحركة لا تزال تنظر بالمقترح وتفكر بالرد. ورفض حمد التعليق على رد السنوار على المقترح.

وقال وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس، إن إسرائيل لم تتلق بعد ردا من حماس، ولم ترسل وفدا إلى القاهرة، حسب قول مسؤول إسرائيلي.

وقال مسؤول إسرائيلي آخر إن إسرائيل لم توافق على ضمانات لوقف الحرب، معتبرا أن مطالب حماس تعيق التوصل إلى اتفاق. وأخبرت إسرائيل الوسطاء بأنها ستمضي قدما بالهجوم المخطط له على رفح إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبا، وذلك بحسب قول المسؤولين المصريين. إلا أن بلينكن قال يوم الجمعة، إن الولايات المتحدة لن تدعم هجوما شاملا على رفح.

ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو ضغوطا من حلفائه المتطرفين الذين يهددون بالخروج من الائتلاف إذا قبل باتفاق وقف إطلاق النار. وقال نتنياهو إن إسرائيل ستمضي في حملتها العسكرية ضد رفح باتفاق مع حماس أو بدونه.

وتشمل الخطة الأخيرة على مراحل لتخفيض التوتر وتبادل الأسرى الإسرائيليين لدى حماس، مقابل الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وتشمل المرحلة الأولى على فترة هدوء لـ40 يوما، تطلق خلالها حماس 33 أسيرا إسرائيليا، وهناك إمكانية للتفاوض على وقف للنار طويل الأمد. أما المرحلة التالية، فتشمل على 6 أسابيع وقف إطلاق النار حيث تتفاوض حماس للإفراج عن مزيد من الأسرى الإسرائيليين وفترة توقف عن القتال قد تستمر لعام.

وفي إشارة على التقدم، تقول حماس إنها قد تمضي بالمرحلة الأولى وتبدأ عملية التبادل بدون التفاوض على وقف دائم للقتال، حسب قول بعض الوسطاء. إلا أن الحركة تريد ضمانات بطرح الموضوع في النقاشات اللاحقة.

ويقول المسؤولون المصريون إن حماس وإسرائيل اتفقتا على تفاصيل تبادل الأسرى بناء على المقترح. ويقول وسطاء عرب إن الجناح السياسي لحماس يبحث عن مكان بديل وسط زيادة الضغوط على قطر وفشل المفاوضات.

وتقول إسرائيل إن آخر تشكيلات حماس العسكرية موجودة في رفح، إلا أن المسؤولين المصريين يتحدثون عن تأجيل للعملية العسكرية على المدينة إذا تم التوصل إلى اتفاق. وتعارض الولايات المتحدة العملية العسكرية في رفح نظرا لمخاطر سقوط مزيد من الضحايا المدنيين ومفاقمة الأزمة الإنسانية التي يحذر مسؤولون أمميون أنها دخلت وضع المجاعة.

وتعتقد الولايات المتحدة أن إسرائيل تستطيع تحقيق أهداف الحرب بدون غزو رفح، وكرر بلينكن يوم الجمعة موقف الولايات المتحدة من الخطة الإسرائيلية لإجلاء المدنيين وأنها غير كافية، حيث قال: “في غياب الخطة، فإننا لا نستطيع دعم عملية عسكرية واسعة في رفح، بسبب الضرر الذي ستقود إليه، وسيتجاوز المقبول”.

المصدر: صحيفة وول ستريت جورنال

ترجمة: إبراهيم درويش