1

احتياطيات النفط والغاز في روسيا كبيرة ظاهريًا وتتضاءل مقارنة بمعدلات الإنتاج اليومي

تبدو احتياطيات النفط والغاز في روسيا ضمن وجهة نظر مختلطة تعكسها البيانات الأخيرة، الصادرة عن وزارة الموارد الطبيعية والوكالة الفيدرالية للموارد المعدنية في الاتحاد الروسي Rosnedra .

وانطلاقًا من بداية عام 2023، تمتلك روسيا احتياطيات نفطية كبيرة تصل إلى 19.1 مليار طن، واحتياطيات غاز تبلغ 43.9 تريليون متر مكعب.

رغم ذلك، يتمثّل التحدي الكبير في أن 60% من هذه الاحتياطيات النفطية تُصنّف على أنها “يصعب استردادها”، ما يعقّد جهود الاستخراج.

وفي العام نفسه، حققت شركات الطاقة الروسية 43 اكتشافًا هيدروكربونيًا جديدًا، وأضافت مجتمعة 43 مليون طن من النفط و145 مليار متر مكعب من الغاز.

وتتضاءل هذه الأرقام، رغم أنها كبيرة ظاهريًا، مقارنة بمعدلات الإنتاج اليومي في البلاد وأحجام الاكتشافات التاريخية.

أثر احتياطيات النفط والغاز في روسيا حاليًا

يواجه قطاع الطاقة في روسيا تحديًا كبيرًا يتراوح بين الاحتياطيات الهيدروكربونية الكبيرة والمحدودة وخروج التقنيات والخبرة الغربية المهمة.

وفي الوقت الحالي، تشير التقديرات إلى أن احتياطيات النفط والغاز المستكشفة في روسيا ستدعم الإنتاج لمدة 40 و70 عامًا تقريبًا على التوالي، وهذا يضع روسيا لاعبًا رئيسًا في سوق الطاقة العالمية في المستقبل المنظور، نظرًا إلى دورها المحوري في توريد النفط والغاز، خصوصًا للأسواق الأوروبية والآسيوية.

رغم ذلك، فإن خروج شركات الخدمات النفطية الغربية الرائدة -شلمبرجيه، وهاليبرتون، وبيكر هيوز، وويذرفورد- يمثل عقبة هائلة.

وتوقفت هذه الشركات عن الاستثمار وتوريد تقنيات حقول النفط المتقدمة إلى روسيا، التي مكّنت تقليديًا من استخراج ومعالجة الهيدروكربونات بكفاءة.

وتُعد هذه الخطوة جزءًا من العقوبات الاقتصادية الأوسع نطاقًا وخروج الشركات ردًا على التوترات الجيوسياسية، ما يؤدي إلى تفاقم التحديات التي تواجهها روسيا في الحفاظ على قدراتها الإنتاجية، ناهيك بتوسيعها.

خطوط أنابيب حقل بوفانينكوفسكي للغاز الطبيعي في شبه جزيرة يامال الروسية
خطوط أنابيب حقل بوفانينكوفسكي للغاز الطبيعي في شبه جزيرة يامال الروسية – الصورة من بلومبرغ

الاكتشافات الجديدة

يعكس الوضع الراهن صورة دقيقة لإدارة الموارد الروسية ونجاح الاستكشاف، ويتمثّل أكبر الاكتشافات الجديدة في حقل بورسكوي في منطقة إيركوتسك، ويحتوي على 8.7 مليون طن من النفط، أي ما يعادل ستة أيام فقط من مستويات الإنتاج الحالية لروسيا.

وهذا يسلط الضوء على قضية بالغة الأهمية، على الرغم من جهود الاستكشاف القوية وزيادة الاستثمار المالي في البحوث الجيولوجية، فإن العائد من هذه الأنشطة آخذ في التضاؤل.

ويمثّل إجمالي النفط الجديد الذي جرى تحديده في عام 2023 أدنى مستوى له منذ 6 سنوات، إذ بلغ 565 مليون طن، بانخفاض قدره 30.9% عن العام السابق.

ويُعد هذا الانكماش جزءًا من اتجاه طويل المدى لانخفاض أحجام الاكتشافات، مع تزايد ندرة الحقول الجديدة المهمة على مدى السنوات الـ5 الماضية.

وعلى الرغم من هذه التحديات، من المهم أن ندرك أن الزيادة السنوية في الاحتياطيات ما تزال تتجاوز مستويات الإنتاج، ما يشير إلى أن روسيا ستحافظ على دورها بصفتها موردًا رئيسًا للطاقة في المستقبل المنظور، في المقابل، فإن انخفاض معدل الاكتشافات الجديدة والانتشار المتزايد للاحتياطيات التي يصعب استخراجها يمكن أن يضغط على الصناعة للابتكار والتكيف لضمان الإنتاج المستدام والاستقرار الاقتصادي.

منعطف حاسم

تؤكد تصريحات وكيل وزارة الطاقة في الاتحاد الروسي، بافيل سوروكين، منعطفًا حاسمًا بالنسبة إلى صناعة النفط والغاز في روسيا.

ووفقا لسوروكين، فإن غالبية احتياطيات الموارد الحالية في روسيا تُعد حاليًا في مرحلة الإنتاج، والعديد من الحقول على وشك الاستنفاد.

ومن المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى انخفاض ريع الموارد على المدى المتوسط، مدفوعًا بتصاعد تكاليف الاستخراج والصعوبة المتزايدة لاكتشاف مكامن جديدة.

وتتفاقم هذه التحديات بسبب تدهور نوعية الاحتياطيات المتبقية، ما يزيد من تعقيد عملية الاستخراج ويقلل الكفاءة.

واستجابة لهذه التحديات الناشئة، يدعو سوروكين إلى تعزيز الحوافز الضريبية الرامية لتنشيط الاستثمار في القطاع، خصوصًا في تنمية الودائع المستنفدة.

ويحدد سوروكين منطقة خانتي مانسيسك المتمتعة بالحكم الذاتي، ووسط روسيا، وأجزاء من شرق سيبيريا بصفتها مناطق مهمة، إذ يمكن تركيز هذه الجهود.

من ناحية ثانية، يشير التركيز الإستراتيجي على هذه المناطق إلى التحول نحو زيادة الإنتاج من الحقول الحالية، مع محاولة اكتشاف وتطوير احتياطيات جديدة داخل هذه المناطق.

بدورها، تخفف الحوافز الضريبية المقترحة بعض الأعباء المالية المرتبطة بمشروعات الاستخراج عالية التكلفة، ومن المحتمل أن تحفز الابتكار التكنولوجي وتطوير البنية التحتية، وهو أمر ضروري للوصول إلى الاحتياطيات الأعمق أو الأكثر صعوبة من الناحية الفنية واستغلالها بكفاءة.

ويعكس هذا النهج ضرورة أن يتكيّف قطاع الطاقة في روسيا مع تغيرات الطلب العالمي على الطاقة والضغوط الداخلية لإدارة الموارد.

توقعات واقعية لإنتاج النفط الروسي

قدّم كبير الاقتصاديين لدى بنك فينيشيكونومبانك التابع للدولة، أندريه كليباتش، توقعات واقعية لإنتاج النفط الروسي في المنتدى الوطني للنفط والغاز، مشيرًا إلى التحديات الكبيرة التي من المتوقع أن تقيّد النمو حتى نهاية العقد.

وعلى الرغم من المرونة التي ظهرت في مواجهة العقوبات الأولية والضغوط الخارجية، سلط كليباتش الضوء على التفاعل المعقد بين القيود اللوجستية والتوترات الجيوسياسية المستمرة التي من المرجح أن تحد من قدرة روسيا على زيادة إنتاج النفط بصورة كبيرة قبل عام 2030.

ويتوقع زيادة محتملة إلى ما يقرب من 540 مليون طن سنويًا، ويتوقف ذلك على القدرات التصديرية للبلاد، التي تواجه مخاطر كبيرة، لا سيما بسبب ضعف أنظمة النقل المعتمدة على الناقلات أمام العقوبات والصراعات الإقليمية، مثل تلك التي تؤثر في طرق البحر الأحمر.

بالإضافة إلى ذلك، أشار كليباتش إلى التحول الكبير الذي طرأ على أنماط تصدير النفط الروسي، إذ أصبح جزء كبير منه يتجه الآن نحو الهند، التي تمثّل نحو 37% من صادرات النفط الروسية في الأعوام الأخيرة.

وعلى الرغم من هذا المحور الإستراتيجي، فإن تصاعد الصادرات بصورة أكبر على المدى القريب قد يشكّل تحديًا بسبب التعقيدات وزيادة التكاليف المرتبطة بطرق النقل غير خطوط الأنابيب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التحول في آليات الدفع، مع إجراء جزء كبير من المعاملات بالدرهم الإماراتي واليوان الصيني بدلًا من الدولار، يمثّل طبقة أخرى من التعقيد يمكن أن تعوق تدفق الإيرادات من صادرات النفط. في المقابل، تبدو توقعات الغاز الطبيعي أكثر تفاؤلًا، مع وجود آفاق واعدة لصادرات الغاز المسال واحتمال تطوير أنظمة خطوط أنابيب جديدة، خصوصًا مع الصين.

وستتطلب هذه الفرص استثمارات طويلة الأجل واتفاقيات سياسية إستراتيجية لتحقيقها، ما يؤكد ضرورة تكييف روسيا إستراتيجية الطاقة لديها، استجابة للتحديات المباشرة وإمكانات السوق المستقبلية.

ناقلة النفط ميندليف بروسبكت ترسو بميناء بريمورسك التجاري في روسيا
ناقلة النفط ميندليف بروسبكت ترسو في ميناء بريمورسك التجاري في روسيا – الصورة من بلومبرغ

الفجوة التقنيّة

تمتد الآثار المترتبة على هذه التطورات إلى ما هو أبعد من العجز التقني المباشر، إذ تخاطر روسيا بالتخلف عن إنتاج الطاقة العالمية وتحولها، لأنها تفقد إمكان الوصول إلى التقنيات المبتكرة الضرورية لتعزيز استخراج النفط والحد من التأثير البيئي.

ومن الممكن أن تؤدي هذه الفجوة التقنيّة إلى انخفاض كفاءة الإنتاج وربما زيادة تكاليف الإنتاج، ما يقوّض قدرة روسيا على المنافسة في سوق النفط العالمية التي تعاني ضيقًا شديدًا.

وبالنّظر إلى تحول التركيز الدولي نحو مصادر الطاقة المتجددة والإبداعات التقنيّة للحد من انبعاثات الكربون، فإن اعتماد روسيا الكبير على الموارد الهيدروكربونية التقليدية يمكن أن يحد من خياراتها الإستراتيجية على المدى الطويل.

إزاء ذلك، قد تحتاج روسيا إلى الاستثمار بصورة كبيرة في تطوير التكنولوجيا المحلية أو البحث عن شركاء دوليين بديلين يمكنهم توفير المعدات والخبرة اللازمة.

ويُظهر هذا الوضع التداعيات الأوسع نطاقًا للعزلة الجيوسياسية، ويشكّل منعطفًا حاسمًا بالنسبة إلى روسيا، لإعادة تقييم وربما إعادة ضبط نهجها الإستراتيجي في قطاع الطاقة والدبلوماسية الدولية.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

المصدر: منصة الطاقة




3 تحديات تهدد العقوبات الأميركية ضد قطاع الطاقة في إيران

ردًا على هجمات إيران المزعومة بطائرات مسيرة ضد إسرائيل، فرضت الولايات المتحدة بسرعة المزيد من العقوبات التي تستهدف تحديدًا قطاع الطاقة في إيران.

وتعكس هذه الإجراءات القلق المتزايد بشأن السلام والأمن في الشرق الأوسط، وتمثّل تصعيدًا كبيرًا في ردّ الفعل على التوترات المتزايدة.

ويؤكد هذا الحدث مدى أهمية النظر عن كثب إلى الظروف التي أدت إلى الصراعات الأخيرة، والأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى التركيز على صناعة الطاقة في إيران، والتأثيرات المحتملة في كل من التغيرات الإقليمية والعلاقات الدولية الأوسع.

العقوبات الجديدة

فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة معًا مزيدًا من العقوبات على المنظمات والأشخاص المرتبطين ببرامج الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى أولئك الذين يساعدون القوات الوكيلة لإيران في الشرق الأوسط.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على 16 شخصًا ومنظمتين اثنتين شاركوا في تطوير طائرات مسيرة في إيران، خصوصًا فيما يتعلق بتصنيع محركات الطائرات المسيرة مثل “شاهد 131،” التي استُعملت مؤخرًا في ضربات ضد إسرائيل.

واستُهدِفت الشركات التي تقدّم الصيانة لمحركات الطائرات المسيرة، وتلك التي توفر طائرات مسيرة للمنظمات الوكيلة لإيران.

بالإضافة إلى ذلك، وبسبب مساعدتها للحرس الثوري الإيراني، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 3 شركات تابعة لشركة سيارات إيرانية و5 شركات مرتبطة بصناعة الصلب في البلاد.

مصفاة نفط بمدينة بندر عباس في إيران
مصفاة نفط بمدينة بندر عباس في إيران – الصورة من بلومبرغ

في الوقت نفسه، فرضت المملكة المتحدة عقوبات على 7 أشخاص و6 منظمات ساعدت إيران في برامج الطائرات المسيرة والصواريخ وأفعالها التخريبية في المنطقة.

وإلى جانب تقويض قدرات إيران في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ، تسعى هذه العقوبات المنسّقة إلى وقف تدفّق الأموال التي تدعم “أنشطتها الخبيثة”، بسبب هجومها الأخير على إسرائيل.

وشدد الرئيس الأميركي، جو بايدن، على ضرورة محاسبة المسؤولين عن تصرفات إيران، وأعاد تأكيد التزام الولايات المتحدة الثابت بأمن إسرائيل.

في الإطار نفسه، دفعت الولايات المتحدة شركاءها إلى ممارسة المزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران، إذ نُفِّذَت هذه العقوبات بالتعاون مع حلفاء أوروبيين آخرين، بما في ذلك المملكة المتحدة، ويفكر الاتحاد الأوروبي الآن في تمديد برنامج عقوباته ضد إيران.

ومن خلال فرض هذه العقوبات، أظهرت إسرائيل امتنانها لالتزام الولايات المتحدة الذي لا يتزعزع بأمنها، ولمعارضة أعمال إيران التخريبية في المنطقة، نسّقت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة العقوبات ضد برنامج الطائرات مسيرة الإيراني والمنشآت العسكرية ومصادر الدخل، ردًا على ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على إسرائيل.

وتُعدّ العقوبات الأميركية الأخيرة على صناعة الطاقة في إيران جزءًا من سياسة الضغط الأقصى التي كانت واضحة خلال حملة “الضغط الأقصى” لإدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب.

وتواصل إيران البحث عن سبل أخرى، بما في ذلك السوق الموازية، على الرغم من القيود، خصوصًا مع الصين.

وعلى الرغم من أن هدف هذه العقوبات هو تقليل دخل إيران، فإن فعاليتها موضع شك بسبب مرونة إيران والتداعيات الجيوسياسية المحتملة.

وتؤكد الظروف صعوبة تنفيذ العقوبات وأهمية التواصل الدبلوماسي لحلّ القضايا الأساسية ومنع التصعيد.

التحديات

تصعيد الأعمال العدائية

يؤدي فرض العقوبات إلى زيادة خطر زيادة الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل، إلى جانب أصحاب المصلحة الإقليميين الآخرين.

فقد أصدرت إيران تهديدات بالانتقام من المنشآت النووية الإسرائيلية، وأشارت إلى نيّتها في السعي إلى التسلح النووي، إذا ما حافظت الحكومة الإسرائيلية على موقفها الحالي.

ومن الممكن أن يؤدي مثل هذا التصعيد إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا، ما يشكّل تهديدات خطيرة لاستقرار الشرق الأوسط والأمن العالمي.

مصفاة داليان للبتروكيماويات بمقاطعة لياونينغ في الصين
مصفاة داليان للبتروكيماويات بمقاطعة لياونينغ في الصين – الصورة من رويترز

التداعيات الاقتصادية

تنطوي العقوبات على تداعيات اقتصادية محتملة، خصوصًا بالنسبة للدول التي تعتمد على النفط الإيراني، ولا سيما الصين.

واستهدفت العقوبات الأميركية علاقات تجارية معينة في تجارة النفط بين الصين وإيران، ما أثار مناقشات بشأن توسيع القيود لتشمل مصافي تكرير ومؤسسات مالية صينية إضافية.

وقد يؤدي هذا إلى ارتفاع تكاليف الوقود وإجراءات انتقامية محتملة من جانب الصين، ما يتسبب في تفاقم تعقيدات العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

التوتر الدبلوماسي

يهدد فرض العقوبات بتفاقم التوترات الدبلوماسية مع إيران وحلفائها، فضلًا عن الدول المتعاطفة مع الموقف الإيراني، مثل روسيا والصين.

وقد تؤدي مثل هذه التوترات إلى إعاقة المفاوضات الأميركية مع إيران على جبهات مختلفة، بما في ذلك برنامجها النووي، ومن ثم تعقيد الارتباطات الدبلوماسية، وربما إعاقة التقدم في مسار حل القضايا الخلافية.

الفرص

يمثّل فرض العقوبات نهجًا متعدد الأوجه من جانب الولايات المتحدة وحلفائها لمواجهة العدوان الإيراني وضمان المساءلة عن أفعالها، ما قد يؤدي إلى ردع المزيد من الهجمات على إسرائيل أو الدول المجاورة.

إضافة إلى ذلك، تعمل الجهود المنسقة مع الشركاء الأوروبيين على تعزيز الاستجابة الجماعية للمجتمع الدولي، وتعزيز موقف أكثر تماسكًا ضد سلوك إيران المزعزع للاستقرار، والإشارة إلى الإجراءات المستقبلية المحتملة.

ومن الناحية الاقتصادية، تمارس العقوبات ضغوطًا على إيران، ما يقلل من قدرتها على تمويل المشروعات العسكرية ودعم الجماعات الوكيلة، ومن ثم كبح جهود زعزعة الاستقرار الإقليمي.

وبعيدًا عن ردع إيران، فإن هذه الإجراءات تبعث برسالة أوسع إلى الدول الأخرى، ما يؤدي إلى كبح الاعتداءات المحتملة والإسهام في التخفيف الشامل من حدّة الصراع والاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط.

العواقب المحتملة للعقوبات الجديدة على إيران

قد تكون هناك عواقب وخيمة على عدّة جبهات إذا فرضت الولايات المتحدة المزيد من العقوبات على إيران، ومن المؤكد أن الاقتصاد الإيراني غير المستقر سيتعرّض لضغوط بسبب العقوبات، التي ستستهدف تحديدًا صادراتها الأساسية من النفط.

وقد يؤدي فرض المزيد من القيود على تجارة النفط إلى ظهور مشكلات حادّة ناجمة عن العقوبات السابقة، مثل البطالة والتضخم.

ومن الناحية السياسية، يمكن للعقوبات أن تؤدي إلى تفاقم الصراع الداخلي داخل إيران، الأمر الذي قد يؤدي إلى تآكل قبضة الحكومة على السلطة، وإلى مزيد من القمع الحكومي أو الاضطرابات المدنية.

إضافة إلى ذلك، من المحتمل أن تكون هناك تداعيات لهذه العقوبات في مجال السياسة الخارجية الإيرانية، وبالتنسيق مع الأصدقاء الأوروبيين، يمكن زيادة الضغوط الدولية على إيران، الأمر الذي قد يزيد من عزلة البلاد على الصعيد العالمي ويعوق جهودها الدبلوماسية.

وكما رأينا في أحداث سابقة، مثل الهجوم على إسرائيل، فإن العقوبات قد لا تمنع دائمًا التصعيد العسكري، حتى برغم كون هدفها يتلخص في كبح سلوك إيران العدواني.

وقد تنظر إيران إلى العقوبات على أنها عدوانية، الأمر الذي من شأنه أن يزيد التوترات العسكرية، ويزيد من احتمال نشوب معركة إقليمية أكبر.

وبصرف النظر عن العواقب الجيوسياسية، قد يكون للعقوبات آثار إنسانية، ما يجعل من الصعب على الناس في إيران الحصول على الضروريات، ويفاقم المشكلات الصحية.

وقد تعرضت هذه الجهود للانتقاد، مع الإعراب عن المخاوف بشأن آثارها العكسية المحتملة -أي تعزيز الدعم للنظام الإيراني بدلًا من تشجيع التغيير السلوكي-.

وحتى لو كان المقصود من العقوبات منع إيران من التصرف بطريقة تخريبية، فهناك احتمال أن يكون لها تداعيات غير متوقعة قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات الإنسانية، أو زيادة الضبابية بشأن التنبؤ السياسي.

النفط في إيران
ناقلة النفط “دانيال” التي تحمل النفط الخام المستورد من إيران إلى مدينة تشوشان في شرق الصين – المصدر: أسوشيتد برس

تهديد استقرار إيران السياسي والاقتصادي

تشكّل العقوبات الأخيرة المفروضة على إيران تهديدًا كبيرًا لاستقرارها السياسي واقتصادها وعلاقاتها الدولية، ومع ذلك، فإنها تسلّط الضوء على مهارة إيران في التعامل مع هذه الإجراءات والتهرب منها.

وأظهرت إيران صمودها في مواجهة العقوبات، من خلال الاستفادة السريعة من إمكانات زيادة شحناتها النفطية إلى الصين، بفضل موافقة إدارة بايدن.

ونظرًا لتاريخ إيران الطويل في تجنّب وتخفيف آثار العقوبات، فإن فعالية هذه العقوبات الجديدة ما تزال موضع شكّ.

في المقابل، هناك عامل قد يؤثّر بشكل أكبر بسياسات تصدير النفط الإيرانية، وهو الانتخابات الرئاسية الأميركية الوشيكة.

وقد ترى إيران فرصًا سانحة لمواصلة التصدير إلى الصين، مع الاستفادة من أيّ تغييرات في الأهداف الدبلوماسية أو تدابير الإنفاذ، نظرًا لإمكان إجراء تعديلات مستقبلية على السياسة في الولايات المتحدة.

ولهذا السبب، فحتى برغم أن العقوبات قد تُغير مؤقتًا ديناميكيات تجارة النفط الإيرانية، فإن مهارة إيران في التهرب من هذه العقوبات والبيئة الجيوسياسية المتغيرة في البلاد تشير إلى أن إمداداتها النفطية إلى الصين من المرجّح أن تستمر، حتى مع الصعوبات المستمرة والشكوك.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب “دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001”.

المصدر: منصة الطاقة




لماذا ترتفع صادرات النفط الروسي إلى الصين.. وتنخفض من السعودية؟

شهدت واردات الصين من النفط الروسي زيادة كبيرة في الربع الأول من عام 2024، ما يعكس عمق علاقات الطاقة بين البلدين وسط التطورات الحاصلة في تعاملات التجارة العالمية.

وتكشف البيانات الأخيرة، الصادرة عن الجمارك الصينية، عن أن واردات النفط من روسيا ازدادت بنسبة 12.85% من حيث الحجم، لتصل إلى 28.528 مليون طن.

وأصبح هذا النمو ملحوظًا من حيث الحجم، والتعاملات النقدية، إذ ارتفعت قيمة هذه الواردات إلى 13.858 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.9% مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي.

ويُظهر هذا الاتجاه الاعتماد المستمر على الطاقة الروسية على الرغم من العقوبات الغربية التي تهدف إلى الحد من صادرات النفط الروسية.

وشهدت مشتريات الصين من النفط الروسي زيادة كبيرة في مارس/آذار 2024، إذ اشترت بكين 10.8 مليون طن مما يُعرف باسم “الذهب الأسود”.

وتمثّل هذه المشتريات زيادة بنسبة 18.8% في الإنفاق مقارنة بشهر فبراير/شباط الماضي، ما يشير إلى ارتفاع حاد في ديناميكيات الطلب والتسعير.

وفي مارس/آذار الماضي، زادت الصين متوسط وارداتها النفطية اليومية من روسيا إلى 2.55 مليون برميل يوميًا، وهو ما يقل بمقدار 10 آلاف برميل يوميًا فقط عن الكميات القياسية المسجلة في يونيو/حزيران من العام الماضي.

ويتضح ذلك من خلال حسابات وكالة إنترفاكس الإخبارية الروسية، بناءً على بيانات الإدارة العامة للجمارك في جمهورية الصين الشعبية.

في المجمل، زوّدت روسيا الاتحادية الصين خلال الشهر الماضي بـ10.81 مليون طن من النفط، مقارنة بـ9.1 مليون طن في فبراير/شباط الماضي.

وبلغ متوسط الصادرات اليومية من النفط الروسي إلى الصين في مارس/آذار الماضي 349 ألف طن مقارنة بـ314 ألف طن في الشهر السابق، بمعدل 2.55 إلى 7.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بـ2.29 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط الماضي، حسبما هو موضح أعلاه.

وهكذا ارتفع متوسط حجم الإمدادات اليومية من الاتحاد الروسي إلى الصين في مارس/آذار الماضي بنسبة 11.4% مقارنة بالشهر السابق.

وكان حجم واردات النفط الصينية من روسيا قريبًا من القيم القياسية المسجلة في يونيو/حزيران من العام الماضي، عندما استوردت بكين 2.56 مليون برميل يوميًا من روسيا.

انخفاض الواردات من السعودية

على النقيض من أداء روسيا، شهدت المملكة العربية السعودية، وهي ثاني أكبر مصدر للنفط إلى الصين، انخفاضًا في أحجام إمداداتها خلال الشهر الماضي.

وانخفضت صادرات النفط السعودية إلى الصين من 1.76 مليون برميل يوميًا في فبراير/الماضي إلى 1.48 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار الماضي، وبلغ إجمالي حجم النفط المورد من المملكة إلى الصين ما يقارب 6.3 مليون طن.

أما من حيث اتجاهات واردات النفط الأوسع، فقد كان إجمالي واردات الصين من النفط في مارس/آذار الماضي كبيرة، إذ وصل إلى 49.05 مليون طن أو 11.55 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ44.14 مليون طن أو 11.11 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط الماضي.

وفي الربع الأول من هذا العام، بلغ إجمالي واردات الصين من النفط 137.36 مليون طن بقيمة 80.84 مليار دولار أميركي، واستحوذت روسيا على 28.52 مليون طن أو ما يزيد قليلًا على 20% من الإجمالي.

وبلغت إيرادات موسكو من هذه الإمدادات 16.34 مليار دولار في المدة من يناير/كانون الثاني إلى مارس/آذار الماضيين.

صهاريج تخزين النفط الروسي
صهاريج تخزين النفط في بلدة توابسي بروسيا – الصورة من بلومبرغ

التداعيات الإستراتيجية والاقتصادية

توضح هذه الأرقام الدور الحاسم الذي تواصل روسيا أداءه في إستراتيجية الطاقة الصينية، وتسلط الضوء على العوامل المتغيرة في أسواق النفط العالمية، لا سيما في سياق التوترات الجيوسياسية والتحالفات التجارية المتطورة.

ويُظهر الحجم الكبير لواردات النفط من روسيا التحرك الإستراتيجي للصين لتأمين مصادر طاقة موثوقة، على الرغم من أن انخفاض الواردات من المملكة العربية السعودية يمكن أن يشير إلى تحول في الأفضليات أو إستراتيجيات التنويع في سياسات شراء الطاقة في بكين.

وتُعد هذه الزيادة جزءًا من اتجاه أوسع لوحظ خلال العام الماضي 2023، إذ عززت شركات النفط الروسية صادراتها إلى الصين بصورة كبيرة، وباعت ما مجموعه 107 ملايين طن، وهو ما يمثّل زيادة بنسبة 24% عن العام السابق 2022.

وتؤكد الأرقام المتزايدة عمق علاقة الطاقة بين روسيا والصين، على الرغم من استمرار العقوبات الغربية، التي تهدف إلى الحد من قدرات تصدير النفط الروسي.

وفي سوق النفط الصينية الأوسع، تظل المملكة العربية السعودية مصدرًا رئيسًا، لكنها ما تزال تتخلف عن روسيا.

وزوّدت المملكة الصين بـ19.8 مليون طن من النفط بقيمة 12.1 مليار دولار، ما ضمن مكانتها بصفتها ثاني أكبر مصدر للنفط، وحافظ العراق على المركز الثالث، إذ قدم 15.6 مليون طن بقيمة 9 مليارات دولار.

هيمنة النفط الروسي على أسواق الصين والهند

في السنة المالية الأخيرة، التي انتهت في 31 مارس/آذار الماضي، عززت روسيا مكانتها بصفتها أكبر مصدر للنفط إلى الهند، إذ قدمت 1.64 مليون برميل يوميًا.

ويمثّل هذا 35% من إجمالي واردات الهند من النفط، وهي زيادة كبيرة من 22% في العام السابق، ما يعكس نموًا بنسبة 57% على أساس سنوي من حيث الحجم.

ويؤكد هذا الاتجاه إعادة التوجيه الإستراتيجي لصادرات روسيا النفطية نحو الأسواق الآسيوية، خصوصًا الهند والصين، في أعقاب انخفاض القدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية بسبب التحولات الجيوسياسية.

صهاريج النفط الروسي في الصين
صهاريج النفط في شركة داليان للبتروكيماويات بمقاطعة لياونينغ في الصين – الصورة من رويترز

سياسات السوق وتأثير التسعير

ما يزال النفط الروسي يتمتع بأسعار تنافسية، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في هيمنته على هذه الأسواق.

وفي الربع الأول من عام 2024، حافظت روسيا على تفوقها في الصين على المصدرين الرئيسين الآخرين مثل المملكة العربية السعودية والعراق، ونفّذت ذلك بأسعار أقل نسبيًا.

وبلغ متوسط سعر النفط الروسي 66.5 دولارًا للبرميل، وهو أقل -بصورة ملحوظة- من الأسعار المدفوعة للنفط الوارد من المملكة العربية السعودية (83.7 دولارًا للبرميل) والعراق (79 دولارًا للبرميل).

وتتوافق هذه الأرقام مع اتجاهات السوق الأوسع، إذ بلغ متوسط سعر خام الأورال الروسي 69 دولارًا للبرميل، في حين بلغ سعر خام برنت، وهو معيار عالمي، 81 دولارًا للبرميل.

التداعيات والمخاوف الإستراتيجية

على الرغم من أن قدرة روسيا على تحويل صادراتها النفطية من أوروبا إلى آسيا تستحق الثناء من الناحية الإستراتيجية، فإن هناك مخاوف متزايدة بشأن اعتماد الهند والصين الشديد على النفط الروسي.

وتستوعب هاتان الدولتان، حاليًا، نحو 90% من إجمالي صادرات روسيا النفطية، التي تتراوح بين 4 و4.5 مليون برميل يوميًا.

ويسلط هذا التركيز الكبير في عدد قليل من الأسواق الضوء على المخاطر المحتملة المتعلقة بالاعتماد الإستراتيجي وضعف السوق.

ناقلة نفط في محطة بمقاطعة تشنغ في الصين
ناقلة نفط في محطة بمقاطعة تشنغ في الصين – الصورة من وكالة رويترز

التوقعات المستقبلية والاعتبارات الاقتصادية

كانت التخفيضات الكبيرة المعروضة على النفط الروسي عاملًا مهمًا في الاستحواذ على حصص كبيرة من الأسواق الهندية والصينية.

في المقابل، ولكي تتمكن روسيا من التخفيف من مخاطر الاعتماد المفرط على هذه الأسواق، فإن تنويع وجهات صادراتها سيكون ضروريًا.

ومن المرجح أن يستغرق مثل هذا التحول الإستراتيجي وقتًا، وقد يتوقف على تعديلات في سياسات أسعار النفط العالمية، لا سيما تضييق فجوة الأسعار بين خام الأورال ونظيره برنت.

ومع استمرار تطور مشهد الطاقة العالمي، فإن الدور الذي تؤديه روسيا بصفتها موردًا رئيسًا للنفط إلى الصين والهند يُظهر قدرتها الإستراتيجية على التكيف، ويُبرز الحاجة إلى إستراتيجيات سوق أوسع نطاقًا لضمان المرونة الاقتصادية المستدامة في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

المصدر: منصة الطاقة




لماذا تخلت ألمانيا عن الطاقة النووية قبل الفحم؟

على الرغم من بدء الاحتجاجات ضد الطاقة النووية في ألمانيا، مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ فإن تخلي البلاد عن هذه الطاقة قبل الفحم أثار انتقادات نشطاء البيئة؛ لاعتبارات تتعلّق بتحول الطاقة إلى المصادر المتجددة.

وكانت ألمانيا قد أوقفت تشغيل آخر 3 محطات للطاقة النووية لديها، قبل عام واحد من الآن، وفق معلومات اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.

وفي مواجهة تغير المناخ، والدعوات لتسريع الاستغناء عن الوقود الأحفوري، وأزمة الطاقة التي تفاقمت بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، أثار تحرك برلين للتخلي عن الطاقة النووية قبل مصادر الطاقة كثيفة الكربون مثل الفحم انتقادات كبيرة من جانب مجموعات حماية البيئة.

وبحسب مقالٍ نُشر حديثًا، يمكن فهم هذا القرار في سياق التطورات الاجتماعية والسياسية خلال مرحلة ما بعد الحرب في ألمانيا؛ حيث سبقت مناهضة الأسلحة النووية الخطاب المناخي العام.

الباحث لدى مركز كامبريدج للبيئة والطاقة وإدارة الموارد الطبيعية تريفيليان وينغ
الباحث لدى مركز كامبريدج للبيئة والطاقة وإدارة الموارد الطبيعية تريفيليان وينغ – الصورة من موقع جامعة كامبريدج

مناهضة الطاقة النووية في ألمانيا

بدءًا من الكتاب الأكثر مبيعًا في ألمانيا الغربية عام 1971، الذي يحمل عنوانًا مثيرًا للذكريات: “السلام يتحوّل إلى كارثة.. توثيق محطات الطاقة النووية”، إلى الاحتجاجات الضخمة التي شارك فيها مئات الآلاف، حظيت الحركة المناهضة للطاقة النووية بالاهتمام الوطني وتعاطف واسع النطاق.

وأصبحت هذه الحركة قوة سياسية كبرى حتى قبل وقوع كارثة تشيرنوبيل في عام 1986، بحسب مقال للباحث لدى مركز كامبريدج للبيئة والطاقة وإدارة الموارد الطبيعية تريفيليان وينغ، نشره موقع ذا كونفرسيشن (The Conversation) المعني بتغطية التحليلات الإخبارية والتقارير البحثية.

وتضمّنت دوافعها ما يلي: عدم الثقة بالتكنوقراطية، والمخاوف البيئية والسلامة، والشكوك في أن الطاقة النووية يمكن أن تؤدي إلى انتشار الأسلحة النووية.

وبدلًا من ذلك، دافع الناشطون عما عدّوه بدائل متجددة أكثر أمانًا وأكثر مراعاةً للبيئة، ويسهل الوصول إليها مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتبنّوا وعدهم بتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، والمشاركة المجتمعية، وتمكين المواطنين (ديمقراطية الطاقة).

احتجاج على الطاقة النووية في ألمانيا
احتجاج بموقع محطة الطاقة النووية في بلدة بروكدورف، ألمانيا، عام 1971 – الصورة من موقع ذا كونفرسيشن

تحول الطاقة في ألمانيا

يُعد التناقض مع حركة “فرايدايز فور فيوتشر” التي أطلقتها ناشطة المناخ السويدية غريتا تونبرغ وشعارها “استمع إلى الخبراء” لافتًا للنظر.

لقد رفض جيل الناشطين الأكبر سنًا -عمدًا- الخبرة السائدة في ذلك الوقت، التي كانت تنظر آنذاك إلى الطاقة النووية المركزية بصفتها “المستقبل”، ورأوا أن النشر الشامل لمصادر الطاقة المتجددة الموزعة حلمًا بعيد المنال.

وكانت هذه الحركة المبكرة مفيدة بإنشاء حزب الخضر في ألمانيا -وهو الحزب البيئي الأكثر نفوذًا في العالم حاليًا- الذي ظهر عام 1980 ودخلت الحكومة الوطنية لأول مرة في المدة من 1998 إلى 2005 شريكًا للحزب الديمقراطي الاجتماعي.

وحظر هذا التحالف المفاعلات الجديدة، وأعلن إغلاق المفاعلات القائمة بحلول عام 2022، وأصدر مجموعة من التشريعات التي تدعم الطاقة المتجددة.

وهذا بدوره أدى إلى تعزيز النشر الوطني لمصادر الطاقة المتجددة، التي ازدادت من 6.3% من إجمالي استهلاك الكهرباء المحلي عام 2000 إلى 51.8% عام 2023.

تجدر الإشارة إلى مشكلة سياسية مستمرة أخرى تتمثّل في مكان تخزين النفايات النووية بالبلاد، وهي قضية لم تتمكن ألمانيا من حلها مطلقًا.

ولم يوافق أي مجتمع على استضافة مثل هذه المنشأة، وقد شهدت المناطق المُخَصصة لهذا الغرض احتجاجات واسعة النطاق.

وبدلًا من ذلك، خُزِّنَت النفايات المشعة في مرافق مؤقتة قريبة من المفاعلات القائمة، وهو ما لا يُشكِّل حلًا طويل الأمد.

مناهضة الطاقة النووية في ألمانيا
جانب من الاحتجاجات ضد الطاقة النووية بمدينة برلين في ألمانيا – الصورة من رويترز

الطاقة النووية لا تحظى بشعبية

تؤكد استطلاعات الرأي الوطنية النفور الراسخ من الأسلحة النووية. وحتى في عام 2022، خلال ذروة أزمة الطاقة الأخيرة، وجد استطلاع أن 52% يعارضون بناء مفاعلات جديدة، على الرغم من أن 78% يؤيدون التمديد المؤقت للمحطات القائمة حتى صيف 2023.

ويعتقد 51.6% من الألمان، حاليًا، أن هذا كان سابقًا لأوانه، واعتُبر التأجيل الإضافي غير ممكن سياسيًا؛ نظرًا إلى المناهضة الشديدة للطاقة النووية لدى حزب الخضر وقطاعات كبيرة من السكان.

من ناحية أخرى، لم تتحقق التوقعات بأن الخروج النووي من شأنه أن يجعل ألمانيا مضطرة إلى استعمال المزيد من الفحم ومواجهة ارتفاع الأسعار ومشكلات العرض، حسب تقرير اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وفي مارس/آذار 2023 -وهو الشهر الذي سبق التخلص التدريجي- كان توزيع توليد الكهرباء في ألمانيا بنسبة 53% من الطاقة المتجددة، و25% من الفحم، و17% من الغاز، و5% من الطاقة النووية. وفي مارس/آذار 2024، كانت نسبة الطاقة المتجددة 60%، والفحم 24%، والغاز 16%.

وشهد العام الماضي إنتاجًا قياسيًا للطاقة المتجددة على مستوى البلاد، وأدنى مستوى في استعمال الفحم منذ 60 عامًا، وتخفيضات كبيرة في الانبعاثات، وانخفاض أسعار الطاقة.

نوار صبح

المصدر: منصة الطاقة المتخصصة




ياسر العطا… «المحارب القديم» المثير لـ«الجدل» في الحرب السودانية

شارك في عزل البشير… واتهم بأنه «أداة البرهان» ضد «القوى المدنية»

بزيٍّ عسكري، ونبرة صوت حادة مصحوبة بـ«ابتسامة تشجيع»، يحرص الذي يلقبه زملاؤه بـ«المحارب القديم»، على التجوّل بين الجنود في مختلف المناطق. يظهر العطا في مقاطع مصوّرة عدة، وهو يتلقى التحية من الضباط والجنود، فرداً فرداً، في لقطات تعبر عن «حميمية واضحة». يتجول في المدن لإظهار سيطرة الجيش، مستمتعاً بهتافات المواطنين عن «الجيش الواحد… والشعب الواحد». ويخاطب العطا الجماهير والجنود بعبارات «حماسية»، مؤكداً أن «المعركة قاربت على الانتهاء»، آملاً في محاكمة قيادات «قوات الدعم السريع»، وعلى رأسها محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي»؛ كونه «غدر» بالجيش، وأدخل السودان في حرب بدأت عامها الثاني، وأودت بحياة ما يقارب 15 ألف قتيل، إضافة إلى أكثر من 8 ملايين نازح ولاجئ، بحسب إحصائيات أممية.

ياسر عبد الرحمن العطا، مساعد القائد العام للجيش السوداني، طامح في إنهاء الحرب الحالية بانتصار الجيش مهما بلغت التضحيات، وهو يؤكد باستمرار أنه «لا يوجد إنسان عزيز على وطنه»، مشيراً إلى أن «روح المواطن فداء لوطنه»، وأن «قتلى المعارك مصيرهم الجنة».

ولكن، رغم حرص المقاطع المصوّرة على إظهار العطا في صورة القائد العسكري المحبوب بين الجنود، وحتى المواطنين، والقائد الواثق من النصر، الذي يبث الحماس في الجنود، فإن تصريحاته – بجانب ظهوره الإعلامي المتزايد أخيراً – أخذت تثير «الجدل والغضب» أحياناً، لا سيما بين القوى المدنية الراغبة في إنهاء سيطرة الجيش على السلطة؛ إذ بلغت حد اتهامه بأنه «أداة سياسية» يستخدمها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لـ«استفزاز القوى المدنية».

ابن عائلة عسكرية

ينتمي ياسر العطا إلى أسرة معروفة بارتباطها بالمؤسسة العسكرية. فقد كان عمه الأكبر هاشم العطا، أحد زملاء الرئيس الأسبق جعفر النميري، قبل أن ينشق عن حكمه ويُتهَم بالمشاركة في محاولة انقلابية بالتحالف مع «الحزب الشيوعي» انتهت بإعدامه عام 1971 مع زميليه فاروق حمد الله وبابكر النور عثمان وعدد من كبار القادة الشيوعيين على رأسهم أمين عام الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، والنقابي البارز الشفيع أحمد الشيخ.

جاءت العائلة من وادي بشارة بوادي النيل إلى حوش العطا ببيت المال، وجاورت العديد من الأسر في حي عريق بمدينة أم درمان. والتحق ياسر العطا من ثم بالدفعة الـ33 في الكلية الحربية، ويقال إنه خلال اختبارات القبول بالكلية «دار حوار بينه وبين النميري، حيث سأله الأخير عما إذا كان سيقدم على إعدامه لو حدث انقلاب على السلطة كما فعل هو من قبل مع عمه»… وكانت إجابة العطا: «يا ريت». ولكن رغم ذلك قُبل في الكلية الحربية، وتخرّج فيها عام 1984، ليصبح ضابطاً في الجيش السوداني. ولاحقاً، حصل على شهادة الماجستير في العلوم العسكرية من جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا في العراق.

مسيرة ومناصب

تدرّج ياسر العطا في المناصب والمواقع العسكرية، وخدم في عدد من الوحدات بالقوات المسلحة، من بينها لواء القيادة العامة، والمناطق العسكرية الشرقية والجنوبية والغربية. وأيضاً، قاد الفرقة 14 مشاة، وتولى مواجهة «التمرّد» في جنوب كردفان.

وأيضاً شغل العطا الذي يعده البعض من «الشخصيات المؤثرة والبارزة في القوات المسلحة السودانية» منصب قائد قوات حرس الحدود.

بعد ذلك رُقّي إلى رتبة عميد عام 2007، وعين ملحقاً عسكرياً بالسفارة السودانية في جيبوتي، ما عدّه مراقبون يومذاك «استبعاداً له»، لا سيما مع محاولات إحالته للتقاعد فيما بعد. ولم تُجد تلك المحاولات نفعاً ليعود العطا إلى السودان عام 2014، حيث أصبح معيداً في كلية الحرب العليا، قبل أن يعيّن قائداً لمنطقة العمليات بجنوب السودان.

وما يذكر أنه خلال مشاركة العطا في «حرب الجنوب» لأكثر من 8 سنوات، أجاد لغات القبائل الجنوبية (الرطانة). وفيما بعد تولى منصب مدير إدارة العمليات البرية، ورقّي إلى رتبة فريق خلال التعديلات التي أجراها الرئيس السابق عمر البشير في قيادات الجيش السوداني. وحصل على عدد من الأوسمة والنوط، من بينها «وسام الخدمة الطويلة الممتازة»، و«وسام الشجاعة» من الطبقة الأولى والثانية.

المحارب القديم

تاريخ العطا السياسي والعسكري مليء بالأحداث والمتناقضات، فهو يعد واحداً من قادة الجيش الذين شاركوا في عزل البشير في أبريل (نيسان) 2019، بل إنه شارك في عملية القبض عليه حين كان وقتها يشغل منصب قائد القوات البرية للجيش السوداني.

وبعد الإطاحة بالبشير، كان الفريق العطا واحداً من عشرة ضباط شكّلوا «المجلس العسكري الانتقالي»… إلا أن العدد تقلص فيما بعد إلى ستة ضباط.

ومن ثم، عين العطا نائباً لرئيس اللجنة السياسية بـ«المجلس العسكري الانتقالي». وظل في هذا المنصب، حتى 21 أغسطس (آب)، حين جرى تشكيل «المجلس السيادي» الذي أصبح عضواً به.

واختير العطا رئيساً للجنة تفكيك «نظام 30 يونيو»، لكن أداءه أثار انتقادات، ما دفعه للاستقالة من اللجنة. وحول هذا الموضوع قال العطا في حوار لصحيفة «السوداني» عام 2021، إنه استقال «لأن عمل اللجنة تنفيذي، وهناك انتقاد مستمر من كافة مستويات الحكم ومعظم مكوّنات الحاضنة السياسية لقانون ونهج عمل اللجنة».

وفي مارس (آذار) 2022، تحدثت وسائل إعلام سودانية عن طلب لرفع الحصانة عن العطا «على خلفية تخصيصه عربات مستردة بواسطة لجنة إزالة التمكين التي كان يترأسها». ولم يرد النائب العام على الطلب. ويوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أصدر البرهان قراراً بتجميد عمل اللجنة.

مهنياً، يعد العطا من «العسكريين الملتزمين بقواعد العسكرية»؛ لذلك يوصف من قبل زملائه وضباط سابقين بـ«المحارب القديم».

آراء متباينة

تتباين الآراء بين أنصاره ومعارضيه، وفي حين يصفه أنصاره بأنه «رجل عسكري من الطراز الأول، مشهود بكفاءته، ونزاهته، وبعده عن الانتماءات الطائفية والحزبية»، فإنه على الجانب الآخر لا يسلم من الانتقادات. وتذكر مواقع سودانية واحدة من الوقائع التي تعرّض فيها العطا لانتقادات، عند حصار مدينة جوبا عام 1992، وكان وقتها برتبة نقيب، حيث اقترح أن يتولى مهمة فك الحصار.

ورغم «نجاحه في المهمة»، أحيل العطا للتحقيق بتهمة «العمالة والتجسس»، غير أن التحقيقات أثبتت بطلان تلك الاتهامات، ليلمع نجمه من جديد «قائداً عسكرياً قادراً على التخطيط وإدارة المعارك». لكن التبرئة لم تحل دون استمرار استهدافه والهجوم عليه من قِبل «أتباع نظام البشير»، ما دفع مراقبين حينئذٍ للقول إن «استهدافه راجع لدعمه مسار الانتقال الديمقراطي بشكل جدي وحقيقي»، وهو التفسير الذي تغير لاحقاً.

من ناحية أخرى، بينما يتكلم البعض عن شعبية العطا وقدراته العسكرية، فإن آخرين يزعمون العكس تماماً. وهذا ما أشار إليه تقرير نشر في صحيفة «الراكوبة» السودانية يتهم العطا بـ«ارتكاب أخطاء أودت بحياة عدد من الجنود، من بينها إرسال مجموعة في مهمة استطلاع خطيرة دون حاجة تكتيكية، رغم معارضة الضباط الآخرين، ما تسبب في مقتل المجموعة كلها».

وبالفعل، تختلف التقديرات بشأن انتماءات العطا؛ ففي حين تشير مواقع سودانية، نقلاً عن مراقبين، إلى أنه «لم ينتم إلى تنظيم الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية داخل الجيش»، وأنه «ملتزم بواجباته العسكرية، ولا يجنح للظهور والخطابات الجماهيرية»، فإنه جُوبه أخيراً بانتقادات تزعم «دعمه مشاركة الإسلاميين ضمن صفوف الجيش في الحرب الدائرة ضد (قوات الدعم السريع)، كما «أثار ظهوره الإعلامي المكثف في الآونة الأخيرة جدلاً وانتقادات».

تنافس أم توزيع أدوار؟

لعل أبرز محطات الجدل في تاريخ ياسر العطا، ما أحدثه تصريح له خلال الشهر الماضي، قال فيه إن «الجيش لن يسلّم السلطة لقوى سياسية أو مدنية أو أحزاب دون انتخابات».

وأضاف العطا، في كلمة مصوّرة بثّها تلفزيون السودان، أنه لا بد من فترة انتقالية يكون القائد العام للجيش «رأسَ الدولة ومشرفاً عليها»، تشارك فيها الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش والشرطة والأمن.

هذا التصريح أغضب «القوى المدنية» التي عدّته دليلاً على «رغبة الجيش في الاستئثار بالسلطة»، وأثار ضده اتهامات بأنه «أداة البرهان السياسية التي يستخدمها في استفزاز المعارضة»، بينما رأى آخرون أن «العطا وسيلة لإظهار مواقف البرهان الحقيقية الرامية للسيطرة على الحكم في البلاد».

في مطلق الأحوال، عزّز تصريح العطا الصراع بين الجيش و«القوى المدنية»، وزاد حدة التوترات السياسية في السودان الذي يشهد حرباً ضارية لا يعلم أحد متى ستنتهي، وإلى أين سيؤول مصير البلاد، وسط صراعات داخلية تجعل التوافق على عملية انتقال ديمقراطي أمراً صعباً.

وفي سياق التباينات والتناقضات هذا، يرى البعض أن العطا «ليس أداة في يد البرهان، بل على النقيض من ذلك… هو منافس له، لن يمانع من تولي السلطة إذا أتيحت له الفرصة، لكنه لن يغامر من أجلها».

ويشير مراقبون إلى أن «العطا يخدم أجندته الشخصية كخليفة محتمل للبرهان»، في حين يرى آخرون أن ما يصدر من جانب العطا من مواقف أو تصريحات يندرج تحت «سياسة توزيع الأدوار بينه وبين البرهان».

«سيناريو» البرهان ــ حميدتي

الواقع أن مواقف العطا تثير مخاوف من تكرار «سيناريو» البرهان وحميدتي، حيث تحولت صداقتهما إلى عداء، عملاً بالمثل المتداول بين العسكريين السودانيين «أخوّة الكاب حدّها الباب»، ما يعني أن الصداقة بينهم مؤقتة وقابلة للانقلاب إلى عداوة في أي وقت، متى تضاربت مصالحهم، وأن خصومتهم ستُحسم بالرصاص والحراب.

إن أحداً لا يستطيع الجزم بما إذا كان العطا طامحاً في الحكم أم لا. غير أن هذه المخاوف عزّزها موقف آخر، عقب تصريحات أدلى بها العطا، ونائب القائد العام للجيش السوداني الفريق أول شمس الدين كباشي، بشأن «المقاومة الشعبية»، والموقف من التفاوض من أجل وقف الحرب، وأظهرت تبايناً في المواقف، وأثارت تساؤلات بشأن «وجود صراع داخل قيادة الجيش»، أو «تبادل للأدوار» بين خطاب للداخل وآخر للخارج.

إذ بينما حذر الكباشي من «خطر عمل المقاومة الشعبية المسلحة خارج إمرة القوات المسلحة»، وندد باستغلال الأحزاب السياسية معسكرات الجيش، في كلام رآه موجهاً للإسلاميين، خرج العطا ليدعو إلى التوقف عن «اتهام الجيش بالتحالف مع مؤيدي النظام السابق من الإسلاميين»، مبدياً ترحيبه بكل من يقاتل في صفوف الجيش.

مواقف متبدلة

وهكذا، بين الحين والآخر، تتبدل مواقف العطا، فالرجل الذي ارتدى زيه العسكري مع انطلاق شرارة الحرب في السودان في 15 أبريل الماضي، وتوجّه إلى ثكنة عسكرية بالقرب من محل إقامته، حيث «سلاح المهندسين»، ظل صامتاً خلال الشهور الأولى من الحرب، قبل أن يخرج عن صمته ويبدأ في الإدلاء بتصريحات إعلامية وجّه خلالها انتقادات للداخل، طال بعضها دولاً في الإقليم.اليوم، يبدو العطا واثقاً من الانتصار في الحرب. وفي حوار سابق مع «الشرق الأوسط» في مايو (أيار) من العام الماضي، قال العطا: «قريباً جداً ستنتهي مسرحية آل دقلو الهزيلة، وستهزم قوات المغول والتتار»، مضيفاً أن «المعارك لن تقود إلى حرب أهلية؛ لأن الجيش السوداني فيه كل قبائل السودان».

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




أدلة أميركية تثبت انتهاك 3 وحدات إسرائيلية لحقوق الإنسان

وجدت وزارة الخارجية الأميركية أدلة على أن 3 وحدات من الجيش الإسرائيلي ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان في فلسطين، لكنها تؤجل اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت ستحجب المساعدات العسكرية لإحدى هذه الكتائب، أم لا، حسبما قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن في رسالة إلى الكونغرس صدرت أمس (الجمعة).

ويسلط إخطار بلينكن الضوء على الخط الدقيق الذي تسير عليه إدارة بايدن في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطاً لاتخاذ إجراءات ضد أقرب حليف لها في الشرق الأوسط بموجب قانون أميركي يحظر مساعدة قوات الأمن الأجنبية التي يثبت ارتكابها انتهاكات لحقوق الإنسان.

جنود إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة (أرشيفية – رويترز)

وقد دعا مسؤولو البيت الأبيض مراراً وتكراراً، إسرائيل، إلى تغيير سلوكها في الحرب بغزة وحماية المدنيين الذين لجأوا إلى رفح بجنوب قطاع غزة، حيث تلوح في الأفق عملية للجيش الإسرائيلي. لكن البيت الأبيض رفض حتى الآن دعوات جماعات حقوق الإنسان وبعض الديمقراطيين لوقف المساعدات العسكرية.

ولم تذكر رسالة بلينكن اسم الكتيبة التي تواجه قطع المساعدات، لكن مسؤولاً أميركياً قال إنها كتيبة «نتساح يهودا» التي كشفت وسائل إعلام إسرائيلية قبل أيام، أن واشنطن تفكر في فرض عقوبات عليها.

وقال بلينكن في رسالته الموجهة إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، إن وحدتين أخريين في الجيش الإسرائيلي «متورطتان بشكل موثوق» في «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان» ضد المدنيين الفلسطينيين بالضفة الغربية، وإنهما خضعتا لمعالجة وتراجعتا عن أعمالهما، ونتيجة لذلك ستستمران في تلقي المساعدات الأميركية، وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وحذر جونسون وغيره من الجمهوريين، البيت الأبيض، من فرض عقوبات على إسرائيل في الوقت الذي تقاتل فيه الأخيرة في غزة، كما تواجه هجمات صاروخية من إيران و«حزب الله» اللبناني.

وندد كبار المسؤولين الإسرائيليين علناً بالنقاش الأميركي حول ما إذا كان سيتم تفعيل قانون حظر مساعدة القوات الأجنبية، قائلين إن حجب المساعدات الأميركية أمر غير مناسب، بينما تكون إسرائيل في حالة حرب.

وأكد بلينكن لجونسون أن أي عقوبات «لن يكون لها أي تأثير على قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها ضد (حماس) أو إيران أو (حزب الله) أو أي تهديدات أخرى».

وجاء في الرسالة أن الاتهامات ضد 3 وحدات عسكرية إسرائيلية تسبق بداية الحرب في غزة بأكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأضافت أن كيانين مدنيين إسرائيليين آخرين متورطان أيضاً في انتهاكات حقوق الإنسان، لكنهما سيستمران في تلقي المساعدات الأميركية.




هل تنجح مصر في تعويض خسائر الملاحة بقناة السويس؟

توترات البحر الأحمر أدت إلى تراجع حركة الشحن بنسبة 66 %

دفعت بيانات صادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة بشأن تراجع حركة الشحن عبر قناة السويس المصرية بنسبة 66 في المائة خلال الفترة من منتصف ديسمبر (كانون الأول) حتى مطلع أبريل (نيسان) الحالي، بسبب التوترات في البحر الأحمر، إلى تساؤلات حول «هل تنجح مصر في تعويض خسائر الملاحة بقناة السويس؟ وما الخيارات والبدائل التي يمكن أن تعوض نسب الخسارة في عائدات القناة؟»، في حين طرح خبراء في النقل البحري والاقتصاد «بعض الخيارات الاقتصادية والتجارية التي قد تعوض خسائر مصر من إيرادات قناة السويس»، لكنهم أشاروا إلى أن تلك الخيارات ستكون «حلولاً مؤقتة» لحين عودة حركة الملاحة في قناة السويس.

وتستهدف جماعة الحوثي اليمنية، منذ نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سفناً بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب، تقول إنها «مملوكة أو تشغلها شركات إسرائيلية»، وتأتي الهجمات رداً على الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتجنب المرور في البحر الأحمر وتغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، رغم ما يسببه هذا التغيير من ارتفاع في تكلفة الشحن المالية والزمنية.

مروحية عسكرية تابعة للحوثيين تحلّق فوق سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بالبحر الأحمر في نوفمبر الماضي (رويترز)

مسارات السفن

وأشارت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، الأربعاء الماضي، إلى «انخفاض نسب السفن المارة بقناة السويس خلال أبريل». وذكرت: «في الأسبوع الأول من أبريل كان حجم سفن الشحن والناقلات المارة عبر قناة السويس أقل بنسبة تبلغ 71 في المائة و61 في المائة على التوالي، من حجم سفن الشحن والناقلات التي عبرت في الممر التجاري المصري الحيوي العام السابق». ولفتت البيانات إلى أن «تحول مسارات سفن الشحن من قناة السويس والبحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح تسبب في ارتفاع أسعار الحاويات المتجهة إلى أوروبا بأكثر من 300 في المائة».

ولم تختلف بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة عما أشار إليه وزير المالية المصري محمد معيط، الأسبوع الماضي، بشأن «تراجع إيرادات قناة السويس المصرية بنسبة 60 في المائة بسبب استمرار التوترات في البحر الأحمر».

صورة عرضها الإعلام الحوثي للسفينة «روبيمار» وهي تغرق بعد تعرضها لصاروخ في البحر الأحمر فبراير الماضي (إ.ب.أ)

ورأى مستشار النقل البحري بمصر وخبير اقتصادات النقل ودراسات الجدوى الدكتور أحمد الشامي أن هناك بعض البدائل التي من الممكن أن تعوض مصر عن خسائر عائدات القناة؛ منها «رفع رسوم المرور والملاحة بقناة السويس، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، فضلاً عن الإجراءات التأمينية التي تقدمها مصر»، لافتاً إلى أن «رفع رسوم الملاحة بنحو 20 أو 30 في المائة يُمكن أن يعوض العجز في إيرادات القناة». وقال الشامي لـ«الشرق الأوسط» إن «50 في المائة من موارد قناة السويس تعتمد على سفن الحاويات الكبيرة، وهذه السفن لديها مخاوف حالياً، وتلجأ لمسار الرجاء الصالح رغم ارتفاع تكلفته».

إلا أن خبير النقل البحري وعميد كلية النقل البحري بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، الدكتور محيي الدين السايح، قلّل من جدوى خيار رفع رسوم الملاحة بقناة السويس. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «رفع رسوم الملاحة يعد حلاً من جانب واحد، ولا يخدم التجارة الدولية». ورأى أن «الإشكالية الأساسية هي قلة عدد السفن وبالتالي أي إجراءات غير تأمينية لن تكون مجدية».

سفينة حاويات وهي تبحر عبر قناة السويس في وقت سابق (رويترز)

وفي أكتوبر الماضي، أعلنت هيئة قناة السويس المصرية زيادة رسوم العبور العادية عبر الممر المائي بنسبة 15 في المائة بدءاً من يناير (كانون الثاني) الماضي.

انخفاض العائدات

السايح أشار هنا إلى حلول طرحها خبراء التجارة والنقل لتعويض مصر، مثل تعزيز «تجارة الترانزيت» لنقل البضائع عبر الموانئ المختلفة بمصر المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط»، لكنه أوضح أن «تجارة الترانزيت يُمكن أن تكون بدائل جيدة بشكل مؤقت لاستخدام الموانئ في نقل أنواع معينة من البضائع، خصوصاً التي تستخدم أكثر من وسيلة نقل مثل البضائع المعبأة في الحاويات، أو نقل شاحنات النفط عبر خطوط البترول في قناة السويس، لكنها ستكون من (الحلول المؤقتة) وليست المستدامة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، في يوليو (تموز) الماضي، إن الدولة المصرية تعمل على تعزيز «تجارة الترانزيت حيث تستهدف نقل 40 مليون حاوية بحلول عام 2030».

في السياق ذاته، ذكرت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، الجمعة، أن «الصراع الإقليمي المتصاعد يشكل مخاطر على السياحة وعائدات قناة السويس في مصر». وتوقعت «فيتش» أن «تصل عائدات السياحة وقناة السويس إلى 12.7 مليار دولار و9 مليارات دولار على التوالي في السنة المالية 2024 (الدولار الأميركي يساوي 47.90 جنيه في البنوك المصرية)». لكن بحسب الوكالة، «إذا استمرت الحرب في غزة، واستمر تعطيل حركة المرور في قناة السويس طوال النصف الأول من عام 2024 فإن هذه الإيرادات قد تنخفض إلى نحو 11 مليار دولار في عائدات السياحة، و7.5 مليار دولار في عائدات قناة السويس، وقد يؤدي الصراع المكثف أو الموسع في المنطقة إلى نتائج أسوأ».

عميد كلية النقل البحري والتكنولوجيا أشار إلى خيار آخر قد يعوّض القاهرة عن خسائر الملاحة في القناة، يتمثل في النقل البري، للاستفادة من البنية التحتية للطرق والموانئ البرية مع دول الجوار، لكنه لفت إلى أن «هذا الخيار يعد من الحلول النظرية الجيدة»، لكن تطبيقه عملياً يواجه بعض الصعوبات، من بينها: «ضرورة توافر خطوط سكة حديدية وطرق نقل سريعة، وتغيير التشريعات مع دول الجوار بخصوص النقل البري، وتوحيد مفاهيم الإجراءات الجمركية والأمنية والإدارية».

خيارات اقتصادية

من جهته، قال مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم السيد إن «العجز في إيرادات قناة السويس يقدر بنحو 6 مليارات دولار هذا العام، وأفضل سبيل لتعويض هذه النسبة سيكون عبر الخيارات الاقتصادية، مثل تعزيز الصادرات المصرية، بحيث ترتفع من 45 مليار دولار العام الماضي إلى نحو 60 مليار دولار، وهناك مقومات تسمح بهذه الزيادة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك خيارات أخرى لتعويض العجز في إيرادات قناة السويس، مثل دعم الصناعة والتصنيع، والعمل على الجذب السياحي من الأسواق الأوروبية والآسيوية».

وكان البنك الدولي قد أشار في تقرير، منتصف أبريل الحالي، إلى أن «استمرار الأزمة الأمنية الناجمة عن هجمات الحوثيين على السفن المارة في البحر الأحمر سيتسبب في خسائر تُقدر بنحو 3.5 مليار دولار في العائدات الدولارية لمصر». وأوضح التقرير أن «قناة السويس تعد مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية لمصر، وكانت مسؤولة عن نحو ثمن حركة الشحن العالمية، وما يعادل 30 في المائة من حركة الحاويات في العالم».

المصدر:صحيفة الشرق الأوسط




أكاديميون وعلماء مصريون لمعوا في الغرب

> طوال سنوات سجّل علماء وأكاديميون مصريون نجاحات عدة في دول المهجر، وبين الحين والآخر كان يبرز اسم جديد لأكاديمي حصل على جائزة دولية، أو حاز منصباً مهماً.

وحقاً، لا يمكن حصر كل من لمعوا في الغرب، فكثير من تلك النجاحات لم ترصدها وسائل الإعلام، وإن كان هناك بعض الأسماء البارزة الذين حصدوا شهرة إعلامية وثقت إنجازاتهم، من أبرزهم:

> أحمد زويل، العالم المصري الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999. ولد زويل عام 1946. وحصل على بكالوريوس العلوم في الكيمياء من جامعة الإسكندرية عام 1967، ثم سافر للولايات المتحدة في منحة دراسية، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا في علوم الليزر. وعام 2009 عينه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في المجلس الاستشاري الرئاسي للبيت الأبيض، وأول مبعوث علمي للولايات المتحدة إلى دول الشرق الأوسط. أصيب بورم سرطاني في النخاع الشوكي توفي إثره في 2 أغسطس (آب) 2016.

أحمد زويل (الشرق الأوسط)

> مها عاشور، عالمة فيزياء من أصول مصرية، ولدت عام 1943، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة الإسكندرية، ثم الدكتوراه من «إمبريال كوليدج» في لندن عام 1971. وعملت لاحقاً في المركز الوطني للاتصالات في فرنسا. بعدها انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث عملت أستاذة للفيزياء بجامعة كاليفورنيا، وساهمت في وضع خطة الأبحاث الأساسية لفيزياء الفضاء في إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا). حصلت على جائزة «نساء العلم» الأميركيات سنة 1990. وتوفيت عام 2016.

> محمد العريان، خبير اقتصادي مصري لقّب بـ«حكيم وول ستريت». ولد عام 1958، وحصل على شهادة جامعية في الاقتصاد من جامعة كامبريدج البريطانية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوكسفورد. عمل لمدة سنتين رئيساً تنفيذياً في وقف جامعة هارفارد الذي يتولى إدارة صندوق المنح الجامعية والحسابات التابعة لها، كما عمل في صندوق النقد الدولي، وكان رئيساً لمجلس التنمية العالمية. اختير أربع مرات على التوالي ضمن قائمة «تايم» لأبرز 100 شخصية مؤثرة نظراً لدوره في المساهمة بتشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وهو حاليا رئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج.

> هاني عتيبة، أول طبيب مصري يترأس الكلية الملكية للأطباء والجراحين بغلاسغو (أسكوتلندا). حصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة الأزهر عام 1979، وعين بعدها نائباً في قسم القلب بكلية طب الأزهر، ثم حصل بعدها على درجة الماجستير من الكلية ذاتها سنة 1983. سافر في بعثة علمية إلى بريطانيا لنيل درجة الدكتوراه، ليبدأ بعدها عمله بالكلية الملكية للأطباء والجراحين.

مجدي يعقوب (مؤسسة مجدي يعقوب للقلب))

> مجدي يعقوب، جراح مصري بريطاني، ولد عام 1935. وتخصّص في جراحات القلب والرئتين في مستشفى هيرفيلد بضواحي لندن، ما بين عامي 1969 و2001، وعمل مديراً لقسم الأبحاث العلمية والتعليم، وأستاذاً في المعهد القومي للقلب والرئة. قاد فريقاً طبياً لتطوير صمام للقلب. حصل على تقدير «فارس» عام 1966، وعلى جائزة «فخر بريطانيا» سنة 2007.

> مصطفى السيد، عالم كيمياء مصري ولد 1933، وهو أول عربي يحصل على قلادة العلوم الوطنية الأميركية في مجال التقنية النانوية، وتعد «أعلى وسام أميركي في العلوم». صنف عام 2011 في المرتبة الـ17 ضمن تصنيف تومسون رويترز لـ«أفضل علماء الكيمياء في العقد الماضي».

> فاروق الباز، عالم مصري ولد 1938، ساعد خلال عمله في أميركا مع وكالة الطيران والفضاء الوطنية (ناسا) في التخطيط للاستكشاف الجيولوجي للقمر. تولى منصب مدير مركز تطبيقات الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأميركية، وحصل على 12 جائزة علمية وله 12 كتاباً و450 ورقة علمية منشورة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




ألمانيا إزاء الصين… الاقتصاد مفتاح للتعايش السياسي

«تفاهم» برلين مع بكين مهدّد بتغيير القيادة في واشنطن

بعد أسابيع من تصويت الكونغرس الأميركي على حظر تطبيق «تيك توك» الإلكتروني الصيني، قرّر المستشار الألماني أولاف شولتس أن يفتح حساباً رسمياً في التطبيق. وكانت الصدفة أن حساب شولتس الذي كانت بداياته بـ«فيديو» لحقيبته التي ترافقه حيثما سافر، انطلق قبل أيام من زيارة للمستشار إلى الصين. ثم إنه على الرغم من أن الناطق باسم شولتس أكد أن الحدثين غير مرتبطين، بل جاءا بمحض «المصادفة»، فإنهما بلا شك يشيران إلى مقاربتين متناقضتين لعلاقات كل من الإدارة الأميركية والحكومة الألمانية مع بكين. تأتي زيارة شولتس الصينية، وهي الثانية له منذ تسلّمه منصبه عام 2021، لتوضح أن التبادل التجاري هو في طليعة اهتمامات برلين في علاقتها مع بكين، فالمستشار الألماني ترأس وفد شخصيات أعمال كبيراً ورافقه 3 وزراء للتكنولوجيا والبيئة، كما خصّص اليومين الأوّلين من الزيارة التي امتدت 3 أيام للقاءات تتعلّق بالأعمال. وكان لافتاً أن البحث لم يتطرّق إلى السياسة إلا في اليوم الثالث، حين التقى شولتس بالرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الحكومة لي كيانغ. من جهة ثانية، بدت هذه الزيارة شبيهة بالزيارات التي كانت تُجريها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، مركّزة فيها على التجارة والأعمال، مع أن تبنّي حكومة شولتس الائتلافية استراتيجية جديدة تجاه الصين العام الماضي يتمحوَر حول «تخفيف المخاطر» من مغبة الإفراط في اعتماد الصناعة الألمانية على الصين. وما يُذكر أن هذه السياسة تبلوَرت بعد الحرب في أوكرانيا، و«الأخطاء» التي قالت ألمانيا إنها تعلمتها من تلك الحرب بسبب اعتمادها السابق على الغاز الروسي الذي أوقفت موسكو إمداداته بعد الحرب رداً على العقوبات الأوروبية. وفي المقابل، لم تعكس زيارة شولتس لبكين، على الإطلاق، الاستراتيجية الألمانية الجديدة تجاه الصين، ولا الاستراتيجية الأوروبية التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي العام الماضي… التي تعكس أيضاً المخاوف من زيادة اعتماد السوق الأوروبية على البضائع الصينية.

شولتز في مدينة تشونغكينغ، إحدى المحطات الاقتصادية المهمة في زيارته (رويترز)

احتاج اعتماد الحكومة الألمانية استراتيجية جديدة تجاه الصين، العام الماضي، إلى فترة طالت عدة أشهر، وشهدت اندلاع خلافات داخل أحزاب الائتلاف الحاكم – الذي يقوده اشتراكيو الحزب «الديمقراطي الاجتماعي»، ويضم كلاً من ليبراليي الحزب ««الديمقراطي الحر»، وبيئيي حزب «الخضر». وفي حين كانت وزارة الخارجية التي يديرها حزب «الخضر»، تشدّ باتجاه تبنّي سياسة متشددة تجاه بكين، كانت المستشارية (أي رئاسة الحكومة) التي يديرها الاشتراكيون تدفع في الاتجاه المعاكس. ولقد ظهر هذا الخلاف في المسوّدة الأولى التي خطتها وزارة الخارجية للاستراتيجية الجديدة مع الصين، والتي تضمنت تعابير مثل «فصل» الاقتصاد الصيني عن نظيره الألماني. بيد أن مكتب المستشار أولاف شولتس رفض استخدام تعبير «فصل»، وطلب الاستعاضة عنه بـ«تنويع»… ومن ثم «تخفيف» الاعتماد على السوق الصينية في كثير من المنتجات، خاصة المتعلقة بالتكنولوجيا والبيئة.

استراتيجية «صديقة» للصين

في الحقيقة، منذ اعتماد الاستراتيجية الجديدة، حرض شولتس على تكرار القول إن ألمانيا لا تسعى إلى «فصل» الاقتصاد الصيني عن الاقتصاد الألماني، وهذا الكلام أعاد تكراره غير مرة خلال محطات زيارته الأخيرة للصين. وللعلم، لم تواجه الخارجية، آنذاك، اعتراضاً من المستشار فقط، بل من أصحاب الأعمال كذلك. بل، عندما حاولت وزيرة الداخلية (الاشتراكية) نانسي فيزر، العام الماضي، إجبار شركات الاتصالات على التخلّي عن بعض القطع الصينية في تحديث شبكات الاتصالات، فإنها وُوجهت بموجه عارمة من الاعتراضات، ليس فقط من شركات الهواتف التي طالبت بتعويضات من الحكومة، بل أيضاً من داخل الحكومة – وتحديداً من وزير التحديث الرقمي فولكر فيسينغ المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الحر – والذي رافق شولتس في رحلته إلى الصين. وأرسلت كبرى شركات الاتصالات في ألمانيا مثل «تيليكوم» و«فودافون» و«تيليفونيكا»، رسالة إلى وزيرة الداخلية وصفت فيها مطالبها بأنها «أشبه بمصادرة جزئية»، وبأنها ستكلّف الشركات المليارات، وتعيد إلى الوراء تحديث الشبكات بسنوات.

هذه الشركات الثلاث كانت قد اختارت منذ سنوات، في ظل حكومة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل المحافظة، شركة «هواوي» الصينية لتحديث شبكة الإنترنت وبناء شبكة الـ«5 جي». وهنا تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا كانت قد رفضت «النصائح» والضغوط الأميركية التي مارسها الرئيس السابق دونالد ترمب على ألمانيا ودول أوروبية أخرى لكي ترفض السماح لشركة «هواوي» بالعمل فيها. والمعلوم أن ذريعة ترمب في حينه قامت على الزعم بأن «هواوي» مرتبطة بالنظام الحاكم في الصين، وبالتالي، ستكون قادرة على مراقبة الاتصالات من خلال شبكاتها. وها هي ألمانيا، حتى اليوم، مستمرة بانتهاج السياسة نفسها رغم استراتيجيتها الجديدة مع الصين.

من جانب آخر، تُعدّ الصين الشريك التجاري الأكبر لألمانيا، تليها الولايات المتحدة. وخلال العام الماضي 2023، بلغ حجم التجارة بين البلدين أكثر من 253 مليار يورو، لتكون الشريك الأول للعام الثامن على التوالي. ولم يختلف حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة في العام نفسه كثيراً؛ إذ بلغ أكثر من 252 مليار يورو، ولكن بفارق كبير في العجز والفائض التجاريَّين. ذلك أنه مع الصين يربو العجز التجاري الألماني على 58 مليار يورو، في حين حققت ألمانيا فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة زاد على الـ63 مليار يورو.

نقاط خلافية مع واشنطن…وبعض الأوروبيين

شكّل التبادل التجاري الألماني مع الصين والولايات المتحدة واحدة من النقاط الخلافية الكثيرة بين برلين وواشنطن إبان عهد ترمب، ساهمت بتوتر العلاقات بين الجانبين، وهي مخاوف ستعود إلى الظهور، من دون شك، إذا ما عاد ترمب إلى البيت الأبيض. ولكن السوق الصينية تُعد سوقاً أساسية بالنسبة لألمانيا، خاصة بالنسبة لقطاع صناعة السيارات الألمانية؛ إذ تبيع شركات «مرسيدس بنز» و«بي إم دبليو» و«فولكسفاغن» من السيارات في الصين أعداداً أكبر مما تبيعه في قارة أوروبا مجتمعة. وعلى الرغم من شكوى ألمانيا من أن الصين لا تعامل شركاءها التجاريين وشركاتهم الصانعة كما تعامل ألمانيا الشركات الصينية، فهي تتخوف من دعم سياسة تجارية متشدّدة تجاه الصين تخوفاً من خسارة سوق أساسية بالنسبة إليها.

وبالتوازي، فإن هذا التردّد الألماني في التشدد مع الصين فجّر خلافات أيضاً بينها وبين شركائها الأوروبيين، وتحديداً فرنسا، التي تدفع باتجاه خطوات «حمائية» إضافية على صعيد الاتحاد الأوروبي. وحقاً، فإن فرنسا ولاعبين أوروبيين آخرين يأملون بالتوافق على إجراءات تحمي أسواقها وتحول دون «إغراقها» بالسلع الصينية الرخيصة، ما يهدد الشركات الأوروبية، ويلغي المنافسة، ويزيد من الاعتماد على الصين. وخلال اجتماع عقد بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس مطلع أبريل (نيسان) الجاري لوزراء اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي، قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير إن أوروبا «تتلقى كميات ضخمة من السلع الصينية الرخيصة». وأشار إلى أن العجز التجاري بين أوروبا والصين تضاعف ثلاث مرات في السنوات العشر الماضية، وعليه، دعا الوزير الفرنسي إلى مناقشة سياسات أشد صرامة لمواجهة ذلك. غير أن وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك، الذي كان مشاركاً في الاجتماع، حذّر من «الحمائية» ورفع التعرفات الجمركية… في صدىً لمواقف المستشار شولتس، مع أن هابيك ينتمي إلى حزب «الخضر» الذي يفضل سياسات اقتصادية أكثر تشدداً مع الصين.

سيارة بي واي دي صينية… في طريقها لغزو أسواق أوروبا (رويترز)

والاتحاد الأوروبي أيضاً… ميّال إلى التشدّد

وأبعد من ألمانيا، يدفع الاتحاد الأوروبي برئيسة مفوضيته أورسولا فون دير لاين إلى مقاربة متشدّدة مع الصين، ولقد تبين هذا في الاستراتيجية الأوروبية التي أعلنت عنها بروكسل العام الماضي، والتحقيقات التي تفتحها في شركات صينية يشتبه بأنها لا تلتزم بقواعد المنافسة.

وللعلم، تستند بروكسل إلى آليات داخلية لمراقبة الشركات التي تستخدمها الصين غطاءً لإغراق السوق ببضائع رخيصة. وفي العام الماضي، فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقاً في وضع قطاع الآليات الكهربائية الصينية لتحديد ما إذا كانت الصين استخدمت شركات مدعومة بشكل غير شرعي بهدف إلغاء المنافسة. وبناءً على نتائج التحقيق، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفرض رسوماً إضافية على استيراد السيارات الصينية الكهربائية. وكان الاتحاد قد فتح كذلك تحقيقات خلال العام الماضي في عدد من الحالات التي تستهدف شركات لتوربينات الرياح والألواح الشمسية في عدد من الدول الأوروبية مثل اليونان وإسبانيا وفرنسا ورومانيا وبلغاريا، اشتبه بأنها غطاء لشركات صينية. ولكن بروكسل، التي تريد تشديد الخطط الحمائية، تصطدم بمعارضة برلين التي ترفض اتخاذ خطوات عقابية أو فرض رسوم إضافية على البضائع الصينية للإبقاء على المنافسة ورفع أسعارها البخسة، كما تفعل واشنطن بشكل مستمر.

وفي الأسبوع الماضي فقط، أعلنت واشنطن رفع الرسوم على الصلب والألمنيوم الصيني بنسبة 25 في المائة، كما فتحت تحقيقاً فيما ادعت أنه «ممارسات الصين غير النزيهة» في قطاع بناء السفن. إلا أن المستشار الألماني لا يدعم خطوات مماثلة في الاتحاد الأوروبي؛ لأنه يخشى أن تؤدي إلى «حرب تجارية»، ويرى أنه من الأفضل السماح للشركات تحمل مسؤولية تنويع الصادرات بشكل فردي. وبالفعل، نقلت مجلة «دير شبيغل» عن مصادر مقربة من شولتس، أن خطوة «تخفيض الاعتماد» على الصين هي مسألة «سنوات وليست شهوراً». وأردفت المجلة، نقلاً عن المصادر، أن وضع ألمانيا مختلف عن وضعي فرنسا والولايات المتحدة؛ كونها دولة مصدّرة وتبيع كميات ضخمة من السيارات في السوق الصينية.

وفي سياق متصل، إلى جانب التكنولوجيا المتعلقة بالاتصالات، تغرق الصين أسواق أوروبا حالياً بالتكنولوجيا البيئية مثل مضخات التدفئة وتوربينات الرياح وغيرها من المعدات التي تحتاج إليها أوروبا في خططها الانتقالية البيئية لوقف اعتمادها على الغاز والنفط، توصلاً إلى الاعتماد فقط على الطاقة النظيفة. وهنا نذكر، على سبيل المثال، أن أوروبا تستورد مثلاً قرابة 29 في المائة من توربينات الرياح و68 في المائة من مضخات التدفئة من الصين.

الصادرات الأوروبية إلى الصين لم تتغير منذ عام 2019 في حين نمت الواردات الصينية إلى أوروبا

أهمية قطاع السيارات

غير أن قطاع السيارات يظل يشكل التحدّي الأكبر أمام أوروبا في تبادلها التجاري مع الصين، وفق تقرير لـ«معهد الأطلسي» الأميركي للدراسات. ويضيف تقرير المعهد أن الصين لطالما كانت سوقاً أساسية للسيارات التي تنتجها دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة ألمانيا، بيد أنها أضحت أخيراً – كذلك – مصدّراً أساسياً للسيارات إلى أوروبا. ويشير إلى أنه «حتى الآن، ما زال الاتحاد الأوروبي محافظاً على تبادل تجاري إيجابي مع الصين فيما يتعلق بالسيارات، ولكن ارتفاع الواردات الصينية يشير إلى أنه، من دون خطوات حمائية جديدة، قد يصبح الاتحاد الأوروبي مستورداً صافياً».

وضمن هذا الإطار، قارن المعهد بين أرقام الصادرات والواردات بين أوروبا والصين في السنوات الماضية، فذكر أن الصادرات الأوروبية إلى الصين لم تتغير منذ عام 2019، في حين نمت الواردات الصينية إلى أوروبا خلال الفترة نفسها بنسبة تصل إلى 3000 في المائة، وارتفعت قيمة معدل الواردات الصينية شهرياً من 33 مليون دولار عام 2019 إلى أكثر من مليار يورو عام 2023. وبين الواردات الصينية من السيارات الكهربائية منتجات شركة «إم جي» – البريطانية سابقاً والصينية حالياً. وهنا يورد تقرير المعهد أن واردات السيارات الصينية ساهمت بزيادة حجم الواردات بنسبة 75 في المائة.

ويتفق خبراء اقتصاديون في ألمانيا على أنه منذ اعتماد الاستراتيجية الصينية، لم يحدث تغيير كبير في علاقة ألمانيا والصين. ونقلت مجلة «دير شبيغل» عن نادين غوديهارت، المتخصصة بالشؤون الآسيوية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، قولها إن «الاستراتيجية تجاه الصين لم تؤدِّ بعد إلى شيء ملموس، ولا يوجد هناك أصلاً أي تغيير بنيوي؛ إذ لم يعيّن مفوض للصين ولا هيئة خبراء». غير أن شولتس مصرّ على التمسك بسياسته مع بكين والتي يعتمد فيها على الاقتصاد أولاً، على الرغم من تحذيرات الاستخبارات الألمانية من أن الصين تشكل «تهديداً بعيد المدى لأمن ألمانيا ومصالحها، أكبر من التهديد الذي تشكله روسيا». وكان توماس هالدنفانغ، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، قد أعطى إحاطة وافية لـ«البوندستاغ» (مجلس النواب) عام 2022 حول المخاطر التي تشكلها الصين، وقال آنذاك: «إذا كانت روسيا العاصفة، فإن الصين التغير المناخي!».

شعار شركة هواوي (أ ف ب/غيتي)

الضغط على الروس

هنا، لا ينكر المستشار الألماني أن تصرفات الصين التجارية «مقلقة»، وصرّح بأنه تكلم مع المسؤولين الصينيين «بوضوح» حول مسائل تتعلق بالمنافسة المنصفة وحقوق الاختراع وغيرها. لكنه حتى الآن يبدو مكتفياً بالتحاور مع الجانب الصيني من دون التهديد بعواقب أو دعم خطوات تصعيدية ضد بكين داخل الاتحاد الأوروبي. ذلك أنه مقتنع بأن «الشراكة مع الصين تحمل بعداً سياسياً بالغ الأهمية»، خاصة فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا وتأثير الصين على روسيا.

وحقاً، في ختام زيارته إلى الصين، قال شولتس إن مسألة الحرب في أوكرانيا كانت «نقطة محوَرية» خلال اللقاءات التي أجراها في بكين. وأضاف أنه طلب من القيادة الصينية المشاركة في عملية السلام بشكل أكثر فاعلية؛ لأن «كلماتها تحمل ثقلاً» في موسكو. وتابع المستشار الألماني أنه طلب من الرئيس الصيني المشاركة في مؤتمر يونيو (حزيران) للسلام الذي تستضيفه سويسرا من دون روسيا. وليس واضحاً ما إذا كانت الصين وافقت على ذلك، علما بأنها تعدّ نفسها طرفاً محايداً في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، رغم أنها ترفض إدانة موسكو.

إبعاد الأوروبيين عن الصين… هاجس عند واشنطن

> يرى مراقبون سياسيون أن علاقة ألمانيا بالصين قد تصبح إشكالية أكبر بالنسبة إليها قريباً، خصوصاً في حال عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لا سيما أنه كان يلوّح بشن حرب تجارية على الصين عندما كان رئيساً، وكان ينتقد كلاً من ألمانيا والاتحاد الأوروبي بسبب علاقاتهما التجارية مع الصين. ولكن، حتى في ظل إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، نرى واشنطن تتشدد في مواجهة بكين سياسياً وتجارياً، إذ تعدّ ممارساتها الاقتصادية والتجارية «عديمة النزاهة». وهنا، لا بد من الإشارة، إلى أنه حتى الاتحاد الأوروبي بات يفتح تحقيقاً تلو الآخر بشركات صينية وإغراق الأسواق الأوروبية ببضائع تلغي المنافسة الأوروبية. وأخيراً، فتح الاتحاد تحقيقاً في تطبيق «تيك توك» بعد إطلاقه منصة جديدة في فرنسا وإسبانيا موجهة للمراهقين والأطفال وتقديمه مكافآت مالية لمشاركة الفيديوهات ومشاهدتها. وفي ضوء ذلك، أعرب الاتحاد عن قلقه من أن يتسبب التطبيق في «إدمان» لدى الأطفال والمراهقين وطلب تفاصيل إضافية من «تيك توك» لتقييم المخاطر.أكثر من هذا، على الرغم من أن الخلافات الأوروبية الداخلية – وحتى الألمانية الداخلية – تمنع بروكسل حتى الآن من اتخاذ خطوات إضافية تواجه بصورة أفضل السياسة التجارية الصينية، يعتقد خبراء بوجود حاجة إلى خطط أوروبية بعيدة المدى حول العلاقات مع الصين. وفي تقرير «معهد الأطلسي» الأميركي حول الموضوع، قال إن «أوروبا لن تكون قادرة على تحقيق وقف اعتمادها على الصين في المدى القصير، ولا بالسرعة أو الأشكال التي تريدها واشنطن، لأن الأمر يتطلب استثمارات ضخمة داخل أوروبا تبني اقتصادات أكثر تنافسية، ستستغرق عدة سنوات، وعلى مدى عدة رئاسات أوروبية». وأضاف تقرير المعهد أن إدارة رئيسة مفوضية الاتحاد أورسولا فون دير لاين «تطور خريطة طريق لضمان نجاح خطة كهذه تطبق بعد انتهاء ولايتها». وتابع: «كي يتحقق ذلك، ستبقى ألمانيا، ومعها كبرى الشركات المستفيدة من التجارة مع الصين بسبب انخفاض أسعار البضائع، عقبة كبيرة في طريق تعديلات إضافية تبعد أوروبا عن إدمانها التجاري» على الصين.

راغدة بهنام

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




نعمت شفيق… أكاديمية واقتصادية وضعتها السياسة في «عين العاصفة»

رئيسة إحدى أعظم جامعات العالم احتفى كثيرون بها ثم انقلبوا ضدها

تصدر اسمها محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت مادةً لتقارير إعلامية عربية وأجنبية تسترجع تاريخها وأصولها ومواقفها من القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة. إنها الدكتورة نعمت شفيق – وشهرتها «مينوش» – رئيسة جامعة كولمبيا الأميركية العريقة، التي وضعتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في «عين العاصفة». وذلك بعدما أثار قرار الخبيرة الاقتصادية الأميركية، ذات الأصول المصرية، استدعاء شرطة نيويورك لتفريق احتجاج لدعم فلسطين في حرم الجامعة، صدمة كبرى في البيئة الجامعية الأميركية والشارع العربي على حد سواء. ومن ثم، مع اندلاع التظاهرات والاعتصامات الطلابية في العديد من كبريات الجامعات الأميركية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعاصفة من الهجوم عليها، كادت تمحو سنوات من الاحتفاء بنجاحاتها المهنية كعربية حصدت مناصب مهمة في الغرب.

أثار قرار الدكتورة نعمت شفيق، رئيسة جامعة كولمبيا الأميركية العريقة (أُسست عام 1754 م) تكليف شرطة نيويورك بتفريق التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية ضد حرب غزة، جدلاً واسعاً وترددات هزت الولايات المتحدة.

إذ تعرّضت شفيق لانتقادات شديدة في الأوساط العربية بحجة «رفضها مساندة القضية الفلسطينية، ودعوتها لقمع الاحتجاجات المتعاطفة مع معاناة غزة». وفي المقابل، واجهت من الجماعات الصهيونية اتهامات بـ«تشجيع معاداة السامية»، و«التقصير بتوفير مناخ آمن للطلاب»، وصلت حد مطالبتها بالاستقالة من منصبها. ووسط سيل الانتقادات، أكدت الأكاديمية المصرية الأصل أمام مجلس النواب الأميركي، الأسبوع الماضي، «قدرة الجامعة على مواجهة معاداة السامية وتوفير بيئة جامعية آمنة». وأردفت أن «التحدي الأكبر أمامها هو محاولة التوفيق بين حرية التعبير للمتظاهرين، وبين خلق بيئة خالية من المضايقات والتمييز للطلبة اليهود الآخرين».

البداية والنشأة

ولدت نعمت شفيق في مدينة الإسكندرية المصرية عام 1962، إلا أنها لم تعش طويلاً فيها. إذ ما إن بلغت الرابعة – تحديداً عام 1966 – حتى غادرت مع أسرتها مصر بعد تأميم أملاك والدها. ولقد استقرت العائلة أولاً في مدينة سافاناه بولاية جورجيا (جنوب شرق الولايات المتحدة)، ولم يكن من أفرادها من يجيد الإنجليزية سوى الأب.

لكن سرعان ما اندمجت الأسرة في مجتمعها الجديد، وتعلمت لغته، لا سيما بعدما نفذت والدتها نصيحة أحد الجيران، واستضافت حفلات للأطفال في منزلها لتكوين صداقات. وحسب شفيق غرست تلك التجربة فيها اهتماماً بقضايا الحراك الاجتماعي، شارحة «عاشت أسرتي حراكاً اجتماعياً، سواء إلى أسفل أو إلى أعلى»، وفقاً تقرير نشرته مجلة «التمويل والتنمية» التابعة لصندوق النقد الدولي في سبتمبر (أيلول) 2023. وبالفعل، عاصرت في طفولتها أحداثاً اجتماعية وسياسية عدة، من حرب فيتنام، مروراً بحركة الحقوق المدنية، وفضيحة «ووترغيت». ومن ثم، تنقلت وشقيقاتها بين عدة مدارس في جورجيا ونورث كارولينا وفلوريدا، إما بسبب تغيير أسرتها محل الإقامة، أو إثر محاولات السلطات الأميركية «تحقيق قدر من التوازن» بين أعداد الطلاب السود والبيض في الفصول الدراسية، ما أثر في اهتماماتها وحياتها في ما بعد.

حصلت شفيق على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والسياسة من جامعة ماساتشوستس – أمهرست عام 1983، ثم نالت الماجستير في الاقتصاد من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية بالعاصمة البريطانية عام 1986، فالدكتوراه من جامعة أوكسفورد عام 1989. عائلياً، تزوجت شفيق من العالم رافائيل جوفين، عام 2002 في واشنطن، وأنجبت منه توأماً، انضموا لثلاثة أبناء آخرين لجوفين من زواج سابق.

إنجازات مهنية

بدأت نعمت شفيق حياتها المهنية في «البنك الدولي»، وكانت مسؤولة عن القضايا المتعلقة بأوروبا الشرقية في البنك بعد سقوط «جدار برلين» عام 1989. ومع بداية الألفية، شغلت مناصب أكاديمية في كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا، وفي قسم الاقتصاد بجامعة جورجتاون، قبل تعيينها عام 2008، أميناً عاماً دائماً في وزارة التنمية الدولية ببريطانيا، حيث قادت عملية إصلاح شاملة للمساعدات الخارجية البريطانية. ثم، في سن الـ36 أصبحت شفيق أصغر نائب لرئيس البنك الدولي، كما شغلت منصب نائب مدير صندوق النقد الدولي، وأشرفت على عمل الصندوق في عدة دول أوروبية إبان أزمة الديون في منطقة اليورو في عامي 2009 و2010، وأدارت أيضاً برامج صندوق النقد الدولي في الشرق الأوسط، خلال فترة احتجاجات ما يعرف بـ«الربيع العربي».

وشغلت شفيق كذلك منصب نائب محافظ بنك إنجلترا لمدة 3 سنوات تزامنت مع تصويت بريطانيا عام 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبعدها، عام 2017، عادت شفيق إلى الأوساط الأكاديمية كرئيسة لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. وإبان ذروة جائحة «كوفيد – 19»، ألفت كتاب «ما يدين به كل منا للآخر… عقد اجتماعي جديد»، وفيه قالت إن «الناس لن يدعموا نظاماً عالمياً أكثر تعاوناً إلا إذا كان العقد الاجتماعي الوطني عادلاً».

وبعد 6 سنوات مع كلية لندن للاقتصاد، تحديداً في يناير (كانون الثاني) 2023، اختيرت شفيق لرئاسة جامعة كولمبيا بنيويورك، لتغدو أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الجامعة.

خبرة اقتصادية استثنائية

يرى زملاء شفيق وأصدقاؤها أنها «تجمع بين قوة الشكيمة، وحدة الذكاء والشجاعة والقدرة على التأثير على صناع السياسات». ويعدّونها خبيرة اقتصادية استثنائية تنوّعت حياتها المهنية ما بين صنع السياسات الوطنية، وإدارة المؤسسات المالية الدولية، والبنوك المركزية، إلى جانب العمل الأكاديمي، وإدارة مؤسسات تعليمية. ووصفتها كريستين لاغارد، المديرة السابقة لصندوق النقد الدولي، بأنها «مزيج دقيق من الشرق والغرب؛ فهي مصرية مثلما هي أوروبية بريطانية ومثلما هي أميركية. وهي تدعم الآخرين، وخاصة النساء، عندما يستحقون الدعم، كما أنها لا تصبر على تصرفات الحمقى، ولكنها ستمنح فرصة للجميع».

مُنحت نعمت شفيق لقب «بارونة» وعيّنت في مجلس اللوردات البريطاني، كما كرمتها الملكة إليزابيث الثانية الراحلة في عام 2015. وهي أيضاً زميلة فخرية في الأكاديمية البريطانية، وكلية سانت أنتوني بجامعة أوكسفورد، وزميل أكاديمية العلوم الاجتماعية.

ومن جهة ثانية، منحت شهادات دكتوراه فخرية من جامعات ووريك وريدينغ وغلاسغو في بريطانيا، وأيضاً دكتوراه فخرية من الجامعة الأميركية في بيروت، واختيرت «امرأة العام» في «جوائز القيادة العالمية والتنوع العالمي» عام 2009، وصنفتها مجلة «فوربز» ضمن «أقوى 100 امرأة» عام 2015، وضمن «100 امرأة رائدة في الصناعة المالية الأوروبية» عام 2018، كما كانت ضمن قائمة «100 امرأة أفريقية الأكثر تأثيراً» عام 2021.

احتفاء مصري ودولي

نجاح شفيق المهني أسهم بالاحتفاء بها عربياً ومحلياً في موطنها الأم مصر، ففي عام 2017، ألقت كلمة بالفيديو أمام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال مؤتمر الشمول المالي، وكانت حينذاك رئيسة لكلية لندن للاقتصاد.

وفي مارس (آذار) 2019، استضافتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث ألقت المحاضرة التذكارية السنوية لتكريم الدبلوماسية نادية يونس، بعنوان «القيادة العالمية في عالم متغير»، وخلال تلك المحاضرة عمدت شفيق إلى الاستدلال بتجربتها الشخصية على أهمية التعليم، لافتة إلى أنه «بعد خسائر والدها خلال التأميم في حقبة الستينيات في مصر، بدأت أسرتها من الصفر في أميركا». وأردفت: «كان أبي دوماً يقول لنا إن بإمكانهم أخذ كل شيء منكم إلا تعليمكم. لقد كنا مهاجرين عندما ذهبنا إلى الولايات المتحدة، ولا شك أن عائلتي واجهت التمييز العنصري، لكن سُمح لنا أيضاً بالمضي قدماً والاستفادة من الفرص المتاحة».

وفي عام 2020، احتفت وزارة الهجرة المصرية بشفيق، حين شاركت افتراضياً عبر «زووم»، كمتحدث رئيس في فعاليات مؤتمر «مصر تستطيع بالصناعة»، وأكدت «استعدادها لتقديم خبراتها لخدمة وطنها الأم مصر». وبطبيعة الحال، حظي تعيينها رئيسة لجامعة كولمبيا في يناير 2023، بتقدير واحتفاء عربيين كونها عربية مصرية، ترأس واحدة من أعرق الجامعات في العالم، وأيضاً باعتبارها أول سيدة تتولى هذا المنصب الذي تسلمته في يوليو (تموز) من العام نفسه.

الحرب على غزة

غير أن الحفاوة التي صاحبت تعيين شفيق انقلبت أخيراً إلى سيل من الانتقادات لموقفها غير المتعاطف مع التظاهرات والاعتصامات الطلابية المطالبة بوقف الحرب على غزة. وبلغ الأمر حد المطالبة باستقالتها قبل إكمالها سنتها الأولى في المنصب.

بدأت الأزمة مع استدعاء شفيق شرطة نيويورك لفض تظاهرات لـ«دعم غزة»، داخل الحرم الجامعي، ما أسفر عن اعتقال نحو 100 طالب، في خطوة أثارت جدلاً طوال الأسبوع الماضي بين مؤيد ومعارض، وأجّجت احتجاجات طلابية في العديد من الجامعات الأميركية الكبرى. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي، بالذات، حملات مكثفة ضد شفيق، متسائلين عن «السبب وراء رفضها مساندة فلسطين رغم أصولها المصرية العربية»، وهذا، مقابل الضغوط الابتزازية التي ينظمها مناصرو إسرائيل بمشاركة أعضاء في الكونغرس تحت ادعاءات «تزايد العداء للسامية والمضايقات التي يتعرض لها اليهود داخل الحرم الجامعي». وفعلاً حث 25 عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ الأميركي، إدارة الرئيس جو بايدن، على «استعادة النظام في الجامعات التي يشعر فيها الطلاب اليهود بتهديد».

في أي حال، لم يثن الهجوم شفيق عن موقفها، إذ هددت الجامعة، الثلاثاء الماضي، باستدعاء سلطات إنفاذ القانون لإزالة خيام الاعتصام من الحرم الجامعي ما لم يفعل الطلاب ذلك بحلول منتصف الليل. وهذا، قبل أن تعلن، الأربعاء، تمديد المهلة 48 ساعة أخرى إثر «اتفاق مع الطلاب على إزالة عدد كبير من الخيام».

شفيق ترى – وفق إفادة رسمية من الجامعة – أن «المخيم يثير مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة، ويعطل الحياة في الحرم الجامعي، ويخلق بيئة متوترة ومعادية في بعض الأحيان… من الضروري أن نمضي قدماً في خطة تفكيكه». ولكن، في مصر، لا تؤيد الدكتورة نائلة حمدي، العميد المشارك للدراسات العليا والبحوث بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، قرار شفيق استدعاء الشرطة إلى الحرم الجامعي.

وفي لقاء لـ«الشرق الأوسط»، علقت حمدي: «كان ينبغي عليها أن تقف إلى جانب الداعمين لفلسطين، والشرطة لم تكن لتدخل الحرم الجامعي دون موافقتها».

أيضاً، في حوار مع «الشرق الأوسط»، قال الدكتور عبد الحكيم القرالة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الأردن، إن «حرم الجامعة مكان مقدس، وجرى العرف على ألا تتدخل الشرطة فيه… وربما كان على شفيق معالجة الأزمة بنوع من الحكمة بدلاً من استدعاء الشرطة».

جامعات في الواجهة

الواقع أن كولمبيا هي واحدة من جامعات عديدة في الولايات المتحدة شهدت أخيراً موجة من الاحتجاجات الداعمة لفلسطين، وسط ادعاء طلبة وأكاديميين يهود وإسرائيليين وجود «بيئة معادية للسامية جعلتهم يشعرون بعدم الأمان في الحرم الجامعي»، حسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية. وفي هذا الإطار أوقف 133 متظاهراً في جامعة نيويورك، ونُظّمت تظاهرات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي)، وجامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا – بيركلي، وجامعة ييل، حيث أوقف 47 شخصاً على الأقل رفضوا الدعوات لإنهاء التجمّع.

حمدي فسّرت تركيز الانتقاد على شفيق وحدها رغم أحداث شبيهة في جامعات أخرى إلى «كونها من أصول مصرية عربية، لذا كانت التوقعات بشأن موقفها مختلفة عما حدث… وينبغي أن يتحلى المرء بالشجاعة حتى لو فقد الوظيفة». أما القرالة فربط قرار شفيق بمراكز القوى داخل النظام السياسي الأميركي واللوبي الداعم لإسرائيل. وكانت الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة، أدت لاستقالة إليزابيث ماغيل، رئيسة جامعة بنسلفانيا، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم كلودين غاي، نظيرتها في جامعة هارفارد، في يناير. جامعة كولمبيا واحدة من جامعات عديدة في الولايات المتحدة

شهدت أخيراً موجة من الاحتجاجات الداعمة لفلسطين

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط