1

تحقيق: الإمارات كلّفت مرتزقة أمريكان باغتيال شخصيات سياسية في اليمن

كشف تحقيق استقصائي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن ضلوع دولة الإمارات في عمليات اغتيالات ممنهجة ضد شخصيات سياسية وإعلامية في اليمن من خلال تمويل مرتزقة أمريكيين ومن جنسيات أخرى لأداء تلك المهمة.

التحقيق الذي استغرق قرابة 42 دقيقة تضمن ولأول مرة لقاءات حية بعدد من المرتزقة من (مجموعة عمليات سبير – Spear Operations Group) وهي مجموعة أمنية أمريكية خاصة، ممن ارتكبوا عمليات اغتيالات خلال عام 2016، لقوائم ضمت عشرات الأسماء قدمتها أبو ظبي للمرتزقة، ومولتها بشكل كامل.

وتوصل الاستقصائي إلى وقوع 160 عملية اغتيال نُفذت في اليمن بين عامي 2015- 2018، أغلبيتها وقعت عام 2016، حين بدأ مرتزقة “سبير” مهامهم هناك، وبنفس الأسلوب المعروف عن تلك المجموعة وهو تفجير عبوة ناسفة بهدف صرف الانتباه، يتبعه قتل الهدف بإطلاق النار.

واستطاعت أبو ظبي تحت شعار “مكافحة الإرهاب” التخلص من عشرات الخصوم السياسيين في اليمن، خدمة لأجندتها الخاصة، من خلال استئجار مرتزقة من هنا وهناك، فضلًا عن شرائها ذمم الكثير من العسكريين والسياسيين في جنوب اليمن وتدريبهم لأداء المهام ذاتها، لتوسع دائرة الاشتعال في البلد المأزوم وتزيد وضعيته الإنسانية الصعبة وتثبط كل المحاولات لإعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا.

قوائم الاغتيالات.. إماراتية

تضمن الوثائقي مقابلات مع المرتزق “إسحق Isaac جيلمور”،  العنصر السابق في وحدة غطّاسي البحرية (الأمريكية)، والرجل الثاني في “مجموعة سبير” التي نفذت عمليات اغتيالات في اليمن، ومرتزق آخر يدعى دايل كومستك، وآخرين رفضوا ذكر أسمائهم.

جميعهم أكدوا أن قوائم الاغتيالات المسلمة للمجموعة لتنفيذ عمليات الاستهداف بحقها جاءت إليهم من الإمارات، وأن كل المعلومات الواردة بها كانت عن طريق الاستخبارات الإماراتية التي ادعت أن تلك الأسماء مصنفة كإرهابيين حتى إن لم تُدرج على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة البلد الأم لـ”سبير”.

وعن تفنيد ما جاء في تلك القوائم وبحث ما إذا كانوا فعلًا مدانين في عمليات إرهابية أم لا، أشار المرتزقة إلى أن مهمتهم تقتصر على ما جاء على لسان الاستخبارات الإماراتية، وطالما أنهم قالوا إنهم إرهابيين فالأمر بالنسبة لهم مسلم به، وعليه هم يرون أن عملياتهم جاءت وفق الطرق المشروعة استنادًا إلى المعلومات الاستخباراتية الإماراتية.

وعلق غيلمور على مسألة أن تكون طبيعة النزاعات الحديثة مُبهمة وألا يكون هناك معايير واضحة وثابتة للعمليات القتالية هناك، فضلًا عن عدم وجود توصيف دقيق لمفهوم “الإرهابي”، قائلًا: “نرى ذلك في اليمن – حيث من يُعتبر قياديًّا مدنيًّا أو رجل دين عند البعض، يكون قياديًّا إرهابيًّا عند البعض الآخر” في إشارة إلى الإمارات.

التمويل كذلك إماراتي

كان تمويل كل تلك العمليات إماراتيًا من الألف إلى الياء، وكان يعتبرها مؤسس “مجموعة سبير” الإسرائيلي أبراهام جولان فرصة لا يمكن تفويتها، في ضوء الإغداقات المالية الكبيرة التي منحتها الدولة النفطية للمجموعة والمرتزقة نظير القيام بأعمال الاغتيالات الموكولة إليهم.

ويقول غليمور إنه حين عُرض عليه الأمر من صديقه “جولان” لم يفكر كثيرًا، فالعرض كان مغريًا، وعلى الفور وقبل انتهاء مدة اليوم التي منحها إليه مؤسس المجموعة للموافقة أو الرفض، كانت طائرة خاصة تقله إلى أبو ظبي للاتفاق على التفاصيل، لافتًا إلى أنه طلب مليون إلى مليون ونصف الدولار شهريًا للقيام بتلك المهام.

وكشف التحقيق عن تسلم منظمة Reprieve (لحقوق الإنسان) بيان مالي من وزارة الخارجية الإماراتية يبين أن المجموعة  ظلت تتلقى دفعات مالية من أبو ظبي في عام 2020، قدرت بنحو 17 مليون دولار، لكن من دون تحديد الصفة التي بموجبها تلقت تلك الأموال ولا كيف تتلقاها حتى اليوم رغم مرور 4 سنوات على المهام التي نفذها المرتزقة في 2016، وهي المسألة التي تطرح تساؤلات عدة عن استمرار نشاط تلك المجموعة كما سيأتي لاحقًا.

دحلان.. منفذ المرتزقة لحكومة الإمارات

كشفت المقابلات التي أجريت مع المرتزقة عن دور محوري للقيادي المفصول من حركة “فتح” الفلسطينية في تسهيل التنسيق بين “مجموعة سبير” والمسؤولين الإماراتيين، فقد ذكر غليمور أن مؤسس المجموعة أبراهام وثق علاقته الشخصية مع دحلان بصورة كبيرة، والذي كان بدوره حلقة الوصل بينه وبين الإماراتيين.

وقال: “دحلان كان منفذنا إلى حكومة الإمارات”، فساعدهم على لقاء مسؤولين كبار في الحكومة في نادي الضباط بقاعدة الجيش الإماراتي في أبو ظبي، وتمحور هذا اللقاء حول مناقشة أهداف المهمة الموكلة للمجموعة والتي كان ظاهرها زيادة الضغط على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتنظيم القاعدة في اليمن والتأكد من ألا يصبح مركزًا فوضويًا آخر للأنشطة الإرهابية، على حد قوله.

ويعد دحلان، المستشار السابق لرئيس الإمارات، محمد بن زايد، أحد الأدوات التي يستخدمها أبناء زايد لتحقيق أهدافهم وأجندتهم الخارجية لا سيما غير الشرعية، لما يمتلكه من مقومات وعلاقات تساعده على أداء تلك المهمة، فقد كان حلقة الوصل بين صناع القرار في أبو ظبي والعديد من الأطراف النافذة خارج الأراضي الإماراتية.

خصوم الإمارات أبرز المستهدفين

كشف التحقيق أن من بين 160 عملية اغتيال وقعت في اليمن خلال الفترة بين 2015 – 2018 نحو 23 منهم فقط لهم صلات بالإرهاب، والباقي شخصيات سياسية ودينية وإعلامية وحقوقية ونشطاء لا علاقة لهم بالإرهاب، لكن معظمهم كان على خلاف مع أبو ظبي في توجهاتها وسياستها في الداخل اليمني، وعليه كان الاستهداف، استهدافًا لخصوم الإمارات وليس الإرهابيين كما تدعي.

ومن أبرز المستهدفين على قوائم الاغتيالات الإماراتية، زعيم حركة الإصلاح في عدن الجنوبية، أنصاف مايو، الذي حاول المرتزقة اغتياله لكنهم فشلوا في ذلك، وما كان يدري أنه كان ضمن سلسلة المستهدفين إلا لاحقًا، متسائلًا عن دوافع تلك الجرائم ومساعي الإمارات استهدافها لكل من يختلف معها سياسيًا في عقر داره.

ويرى النظام الحاكم في الإمارات أن جماعة الإخوان المسلمين التي تنبثق منها حركة الإصلاح اليمني، أكبر تهديد له ولاستمراريته، كما أن لنشاطها الإقليمي دوره في تقويض حكم أبناء زايد، وعليه كرست أبو ظبي كل إمكاناتها لمحاربة هذا الكيان في معظم دول العالم وليس في اليمن فقط.

كذلك هناك المحامية الحقوقية هدى الصراري التي كانت تحقق في الانتهاكات الإماراتية باليمن سواء عبر قواتها النظامية أو مجلس الانتقال الجنوبي المدعوم منها، ونتيجة لنشاطها الحقوقي هذا تلقت العديد من التهديدات بالقتل، لكنها أصرت على مواصلة رسالتها في الداخل والخارج، وهو ما أثار حفيظة الإماراتيين بشكل كبير.

وانتقامًا منها لما تبذله من جهود في فضح الانتهاكات الإماراتية بحق المدنيين، تم استهداف ولدها “محسن” البالغ من العمر 18 عامًا وقتله بإطلاق نار على صدره في شهر مارس/آذار 2019، ليفارق الحياة بعدها بشهر واحد، ورغم ذلك عاودت هدى مزاولة العمل مرة أخرى، لكنها تلقت رسائل تهديد أخرى، من بينها رسالة تقول “ألم يكن موتُ ولدٍ واحد كافيًا؟ هل تريديننا أن نقتل الثاني؟”.

ومن الأسماء التي تضمنها الوثائقي ضمن قائمة الاغتيالات الإماراتية، أحمد الإدريسي، القائد لإحدى القوى اليمنية التي ساعدت في إخراج الحوثيين من الجنوب، وكان يسيطر وقواته على الميناء في عدن، لكنه رفض تسليم قواته للقوات التي تمولها الإمارات، وأصر على استقلالها والقيام بدورها الوطني دون وصاية خارجية، وهو الأمر الذي كان سببا في استهدافه في 31 ديسمبر/كانون الأول 2015.

ونتاجًا للترهيب الذي مورس على هؤلاء الساسة والنشطاء أن اضطروا للفرار ومغادرة الوطن، هربًا بحياتهم وسلامتهم الخاصة بعدما باتت حياتهم على المحك، حيث ذهب أنصاف إلى السعودية وهدى إلى سويسرا، حيث المنفى الجديد حتى تهدأ الأمور في بلدهم.

خلق جيل من المرتزقة اليمنيين

تواتر عمليات الاغتيالات الممنهجة بحق شخصيات عامة في اليمن، معظمها ينضوي تحت لواء “الخصومة السياسية مع الإمارات” فضح بشكل أو بآخر أدوار المرتزقة وباتت مهامهم مكشوفة وأكثر وضوحًا في عدن، وعليه أصبحت حياتهم في خطر، الأمر الذي دفع نحو إعادة النظر في تلك المهام.

وبالفعل أُدخلت تعديلات على المهمة، وبدلًا من الاغتيالات المباشرة عن طريق مرتزقة أجانب، تم تدريب شباب يمني على أيدي ضباط إماراتيين، وتهيئتهم للقيام بعمليات اغتيالات ممنهجة نظير مكاسب مادية كبيرة، وذلك بحسب ما نقل التحقيق عن ضابط عسكري يمني سابق رفض ذكر اسمه.

وتضمن الوثائقي شهادة شخصين قالا إنهما نفذا اغتيالات ضد أسماء ليست لها علاقة بالإرهاب، وذلك بعد تلقيهما تدريبات على أيدي جنود إماراتيين، فيما كشف رجل آخر مسجون داخل إحدى سجون الإمارات عن صفقة حاول الإماراتيون إبرامها معه تتضمن الإفراج عنه مقابل اغتياله شخصية سياسية يمنية رفيعة المستوى، وهي مهمة لم يقبل بتنفيذها.

تجنيد عناصر القاعدة

في الوقت الذي تزعم فيه الإمارات وحليفها الأمريكي بمحاربة تنظيمي داعش والقاعدة في الجنوب اليمني، كشف تحقيق الـ”بي بي سي” عن تجنيد أبو ظبي لأعضاء سابقين في القاعدة وضمهم إلى قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وتدريبهم على عمليات الاغتيال واستهداف خصوم الإمارات في الداخل اليمني.

واستلم فريق عمل الوثائقي قائمة بها 11 اسمًا لعناصر سابقين في تنظيم القاعدة يعملون حاليًّا لصالح وحدة النخبة في المجلس الانتقالي الجنوبي، من بينهم القيادي العملياتي السابق في التنظيم “ناصر الشّيبا”، المتهم في الهجوم على البارجة (الأمريكية) USS Cole في أكتوبر/تشرين الأول عام 2000 وأسفر عن مقتل 17 من مشاة البحرية الأمريكيين.

الشيبا الذي كان مسجونًا بتهمة الإرهاب ثم أفرج عنه لاحقًا، أصبح اليوم قائدًا في ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي، بل له صور شخصية التقطت مع عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي، الذي يعد أحد أبرز رجالات الإمارات في اليمن، والذي نفى في مقابلة له معرفته بتهم الإرهاب الموجهة للشيبا، كذلك علاقة أبو ظبي بعمليات الاغتيال التي تتم بحق خصومها في اليمن

ربما لم يقدم الوثائقي الجديد فيما كشفه عن ضلوع الإمارات في عمليات اغتيال ممنهج داخل اليمن، لكنه أكد على أن التحرك الإماراتي في الملف اليمني إنما كان بهدف أجندة خاصة بعيدة تمامًا عما تم الترويج له بشأن مزاعم دحر الإرهاب أو مواجهة الحوثيين، فما تفعله أبو ظبي اليوم من استهداف للنخب السياسية والحقوقية والنشطاء وبث الفتنة في الجنوب وتشتيت القوى اليمنية هو أكبر خدمة يمكن تقديمها للحوثي وكانت أحد الأسباب الرئيسية وراء ترسيخ أقدامهم وتعاظم نفوذهم بهذا الشكل.

وبعد استعانة الإماراتيين بالمرتزقة الأجانب لتحقيق أجنداتهم الخاصة في الداخل اليمني، باتت الكرة الآن في ملعب اليمنيين إثر تكشف خيوط المؤامرة، فهل يكون ما حدث نقطة محورية تدفع نحو لم شمل الفرقاء السياسيين في الجنوب (حزب التجمع اليمني للإصلاح وحكومة صنعاء وأحرار الجنوب والمؤتمر) أم ستُضاف إلى قائمة التجارب والفرص التي فوتها اليمنيون لتصحيح المسار؟

المصدر: موقع نون بوست




كيف تُحمّل حرب الإبادة الإسرائيلية أطفال غزة أعباءً لا يمكن تحملها؟

“أبي كان هنا، كان ذاهبًا يحضر لنا الطحين لكنه استشهد”، فقط في غزة تسمع هذه الكلمات بين الأحاديث اليومية للأطفال الصغار، يقول أحدهم: “أبي كان، ثم أصبح في خبر كان، كنت أحبه، أما الأن فلا يوجد أب”، ذهب معه معنى الأمان وأصبحت الحياة من دونه قاسية موحشة.

هكذا أصبح آلاف الأطفال في غزة ضمن ما بات يُصطلح عليه بـ“ط م ب أ ح”، أحرف قليلة تختصر معاناة كبيرة، “طفل مصاب بدون أُسرة حيّة”، وهي توصيف طبّي جديد للأطفال الجرحى الناجين، والذين فقدوا أهلهم في العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

كيف هم الأطفال في غزة؟ هل تعلم حالهم؟ هل ما زالوا يحلمون بلعبة أو نزهة؟ كلا، دعوني أخبركم كيف صارت أحلامهم التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي، أحلام صغيرة شابت مبكرًا أمام رغبة الصغار فقط بالأمان.

في مواجهة الموت

الحرب هي الحرب والموت هو الموت، حقيقتان جليتان، لكن ما بينهما معاناة لا تتوقف، ومأساة لا تتكرر في قطاع غزة الذي يعيش سكانه على ركام بيوتهم وحياتهم وذكرياتهم وجثث أحبتهم، بسبب اعتداءات احتلال لا يعرف التمييز بين ما هو عسكري ومدني، بين كبير وصغير، بين رجل وامرأة.

نبتعد قليلًا عن الحديث بلغة الأخبار، لأنها مهما قدمت من معلومات لا تشرح للعالم ماذا يعني أن تعيش في أكثر مكان مكتظ في العالم، تحت احتلال لا يتوقف عن اختلاق ذرائع ليدمّرك، وماذا يعني أن تعيش كإنسان فاقد لأبسط حقوقك، حتى حقك في أن تحيا بسلام وتموت بسلام لا تملكه.

 بعض آثار الحروب لم تقتصر على الأشخاص والمنازل بل أثّرت على قلوب الصغار الضعيفة، وبات الخوف والقلق من استمرار الحرب هاجسًا يلازمهم.

ماذا يعني أن تستيقظ لتجدَ كل تفاصيل حياتك تغيرت، لمجرد أن طيارًا ما لا يعرفك ولا تعرفه قرر في لحظة عبثية أن يلقي صاروخًا مدمِّرًا، قاده القدر فوق رؤوس عائلات بأكملها فدمّرها؟ ماذا يعني أن ترى أبناءك تحت الأنقاض وأنت معهم عاجز عن أن تواسيهم بالكلمات، فقط لأنك فارقت الحياة، وتركتهم يواجهون مصيرهم؟ ماذا يعني أن يدفن الطفل أباه وأمه وهو لا يعرف حياة بعد؟ ماذا يعني أن تنجو بأعجوبة لكنك تعيش مقتولًا حياة بأكملها؟ وآلاف من الأسئلة التي لا يعرف إجابتها سوى من عاشها واختبرها.

هذا هو حال قاطني غزة لكن الأطفال هم الضحايا دائمًا، هم مشاريع شهداء أيضًا، ويشكّلون النسبة الأكبر من عدد الشهداء الذين يموتون تحت أنقاض منازلهم، حتى مَنْ كان منهم يحاول التعافي نفسيًّا من آثار الحرب لم تعطه الحياة فرصة أخرى للبدء مجددًا، ليستشهدوا مع أسرهم تاركين هذا العالم.

المعاناة في قطاع غزة طالت الجميع أطفالًا ونساءً، إذ تشير أحدث التقارير إلى ارتفاع حصيلة الشهداء من النساء والأطفال في القطاع، فضلًا عن الأوضاع الإنسانية القاسية منذ اليوم للحرب، حتى أصبحت التكلفة الحقيقية للحرب تُقاس بحياة مَن استشهدوا جرّاء القصف الإسرائيلي أو تغيرت نفسيتهم إلى الأبد بسببه.

يلقى الأطفال حتفهم في منازلهم وهم نيام، في مشاهد جديدة تذكّر بأن حرب غزة لم تدمّر فقط المنازل وتشرد العائلات بل فرقت بعض أفرادها إلى الأبد، وسلبت الصغار على وجه الخصوص أحلامهم وطفولتهم.

وتقول منظمة “أنقذوا الأطفال” الخيرية الدولية، إن العدوان الإسرائيلي على غزة أودى بحياة 10 آلاف طفل ورضيع فلسطيني منذ بدء العدوان، وتقول منظمة الصحة العالمية إن طفلًا واحدًا يُقتل كل 10 دقائق في قطاع غزة.

قبل شهرَين، وتحديدًا في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، كان عدد الشهداء من الأطفال 5 آلاف شهيد من إجمالي 12 ألف شهيد، وفي ذلك دليل على ما تقوله اليونيسف إن الأطفال أكثر عرضة للوفاة بسبب إصابات القصف بنحو 7 أضعاف من البالغين، لأنهم أكثر حساسية وعرضة للإصابة.

صورة نكراء للمشاعر الإنسانية حينما يكون 40% من شهداء غزة من الأطفال، بينما يتعرض الناجون منهم لأبشع صور العنف في حياتهم، سواء بتداعيات العدوان أو الحصار الإسرائيلي الذي يترك في نفوسهم جراحًا لن تداويها الأيام.

وبحسب تقرير صادم لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عن أوضاع النساء والأطفال في غزة، فإن هؤلاء هم الضحايا الرئيسيون في الحرب الإسرائيلية على القطاع، ويتجاوز عدد الشهداء من هاتين الفئتَين حاليًّا 3 أضعاف حصيلة الضحايا الفلسطينيين في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الـ 15 الماضية.

وبالمقارنة بين الحرب الحالية والسابقة، شكّلت النساء والأطفال 70% من ضحاياها (16 ألف طفل وامرأة)، وهي نسبة قد تزداد مستقبلًا بسبب الأوضاع الإنسانية المتدهورة، في تحول كبير منذ عام 2008، بعد أن كانت نسبة الضحايا من النساء والأطفال نحو 14% آنذاك.

وتقدّر الوكالة الأممية المعنية بتعزيز المساواة بين الجنسَين، أن اثنتين من الأمهات تستشهدان كل ساعة في غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وبالنسبة إلى الأحياء منهن، فإن العبء الأكبر يقع على عاتق النساء النازحات من القطاع، فمن بين سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة هناك 1.9 مليون نازح، وما يقرب من مليون امرأة وفتاة يبحثن عن ملجأ، ويفتقرن للحماية والأمان.

ونتيجة للصراع الذي تجاوز الـ 100 يوم، أصبح ما لا يقل عن 3 آلاف امرأة أرامل وربّات بيوت ومسؤولات عن إعالة الأسر، ومن المتوقع أن تستمر التكلفة الإنسانية في التفاقم بشكل كبير، من دون نهاية لهذه الحرب وعدم وصول مساعدات الإنسانية بشكل كامل.

تحتضن الأمهات ما تبقى من أطفالهن بعد أن كُتب لهم عمر جديد حتى الآن، وبعضهم ظل إلى جانبهن ليشعر بالأمان، فبعض آثار الحروب لم تقتصر على الأشخاص والمنازل بل أثّرت على قلوب الصغار الضعيفة، وبات الخوف والقلق من استمرار الحرب هاجسًا يلازمهم، فهم لا يعلمون ماذا تقصف “إسرائيل”، ولماذا يحب الأطفال الحياة ويريدون التنعُّم بطفولتهم البريئة كغيرهم من أطفال العالم.

الناجي الوحيد.. أطفال بلا أهل

عدة حروب عاشها الأطفال الفلسطينيون، لا سيما في غزة، مبكرًا جدًّا خاضوا الاختبار، مبكرًا جدًّا تعلموا الصمود، لكن حتمًا هذه الحرب الدائرة حاليًّا كانت الأشد، وجعلتهم أكثر الفئات التي تعاني في صمت، فكل يوم من أيام العدوان الإسرائيلي على القطاع يمرّ قاسيًا ومؤلمًا وصعبًا على الأطفال.

ربما اعتاد الأطفال الغزيون مشهد الحرب لكنهم لم يعتادوا ألم الفقد بالتأكيد، فأعداد الضحايا ترتفع يوميًّا، ومع غياب أفق قريب لوقف الحرب تأتي الصواريخ في نهاية المطاف، يصبح محظوظًا مَن يجد مَن يحمله، والحظ المكتمل أن يجد الأطفال آباءهم حتى ولو اجتمعوا على سريرَين متجاورَين في أحد المستشفيات.

أطفال آخرون أقل حظًّا أو هكذا كانوا يعتقدون قبل أن يأتي دورهم، ويشكّلون النسبة الأكبر من بين أكثر من 25 ألف فلسطيني اُستشهدوا في غزة حتى اليوم، وأصبحت حياتهم مجرد ذكرى، ربما لم تستوعبها بعد عقول الأطفال، وتحديدًا ممّن نجوا وحدهم.

تشير منظمة الأمم المتحدة إلى أن 10 آلاف طفل فقدوا آباءهم، أي أصبح كل واحد من هؤلاء يتيم الأبوَين، بعد استشهاد الأم والأب بسبب الغارات الإسرائيلية، وقتها لم يعلم الطفل أنه حُرم من حضن الأم وأمان الأب إلى الأبد.

هذه الخسائر البشرية غير العادية التي خلّفتها الحرب على الأطفال، استدعت ما أشرنا إليه سابقًا بالأحرف الخمسة “ط م ب أ ح”، هذا الاختصار المرعب الذي ظهر داخل مستشفيات غزة، وسلطت جنوب أفريقيا الضوء عليه لأول مرة في قضية الإبادة الجماعية ضد “إسرائيل” في محكمة العدل الدولية.

ووفقًا للجرّاح المكسيكي الذي يعمل مع منظمة “أطباء بلا حدود” ألدو رودريغيز، الذي قضى 3 أسابيع في مستشفى غزة، فإن بعض اللحظات الأكثر صعوبة بالنسبة إليه عندما كان لديه مرضى صغار جدًّا، كانوا الوحيدين الأحياء بين أفراد أسرهم، ووصلوا إلى المستشفى بمفردهم، ونظرًا إلى العدد الكبير من الأطفال الذين يصلون دون أي فرد من أفراد الأسرة، “بدأ باستخدام هذا الاختصار” كما يقول.

مشاهد الأطفال في غزة سواء كانوا أحياء أو شهداء، هي الأكثر ألمًا بين كل المشاهد، ما بين طفل يقف مرتعشًا من الرعب ولم يستوعب بعد ما حدث، وطفل آخر يقف مصدومًا بجوار جثة والده أو والدته، وطفل ثالث أصبح بين ليلة وضحاها هو الناجي الوحيد بين كل أفراد عائلته.

نظرات غاضبة وخائفة من مستقبل مجهول، نزوح وفقر وفقد للأحباء، قصص لا حصر لها تتناقلها الشاشات الصغيرة، وتُعرض على مرأى ومسمع العالم أجمع، وحين تتجول الكاميرا بين الخيام تسمع بكاء الصغار تجمعهم كلمة تتردد على الشفاه: “أريد أبي”، ويقول من يدرك مرارة الفقد: “كل ما أردته أن يصطحبني أبي إلى المدرسة وأن يلعب معي، لكن كيف سأواجه هذه الحياة من دونه؟”.

أرقام صارخة عن حالات الإجهاض والولادات القيصرية اليومية في ظروف طبية غير آمنة، قد تصل أحيانًا إلى وفاة الجنين أو الولادة من دون تخدير كأقل الخسائر.

وداخل المخيمات قد تتشابه قصص الصغار في الألم، لكنها قد تختلف قليلًا في التفاصيل ما بين طفلة بعمر العاشرة، كل ما تذكره أنها تناولت وجبة عشاء مع عائلتها وذهبت للنوم قبل أن يقتل القصف الإسرائيلي كل أفراد عائلتها وتنجو وحيدة، وطفلة أخرى فقدت عائلتها في قصف استهدف بيتها لكنها لم تدرك ذلك بعد، تبحث رفقة عمّتها بين الجرحى والمرضى لعلها تجد ناجيًا واحدًا من أفراد بيتها، وطفلة ثالثة نجت من الموت بيدٍ مثبّتة بأسياخ حديدية، وأخرى مبتورة، وتحاول عبثًا مسح دموعها.

مشاهد الفقد في غزة لا تتشابه، فلكلّ قصته، بين طفل تمتلكه الحيرة أمام جثمان أبيه، وآخر يتملكه الغضب، وهذا يمسك بساعة والده الراحل، وهذه تصرخ ملء حنجرتها بوجع اليتم الذي أصبح واقعًا يتشاطره عشرات آلاف الأطفال الغزيين في هذه الحرب.

ويتعرض العديد من الأطفال بشكل خاص للخطر بسبب انفصالهم عن عائلاتهم على طول ممرات الإخلاء إلى جنوب قطاع غزة، أو الذين يصلون غير مصحوبين بذويهم إلى المستشفيات للحصول على الرعاية الطبية، ما يصعّب تحديد هويتهم والبحث عن المفقودين ولمّ شمل الأسرة.

وحتى أطفال غزة الذين لم يبصروا النور بعد لهم من المعاناة نصيب، أرقام صارخة عن حالات الإجهاض والولادات القيصرية اليومية في ظروف طبية غير آمنة، قد تصل أحيانًا إلى وفاة الجنين أو الولادة من دون تخدير كأقل الخسائر.

يوم في حياة طفل فلسطيني

في دول العالم يحظى الطفل بالرعاية والاهتمام، ويتمتع بكامل حقوقه، لكن الأطفال في غزة مختلفون عن أطفال العالم أجمع، فهم الذين يكبرون في اليوم عامًا، وفي العام 10 أعوام، هم الأطفال الذين كُتب عليهم النزوح والانتقال داخل سجن كبير في حالة من عدم الاستقرار التي لا تنتهي.

الطفل الفلسطيني يعاني من الحرمان، ويفتقد إلى اللعب واللهو والمرح، ويكابد واقع الحياة المأساوي، على الرغم من ذلك يحاول أن يصنع مستقبلًا أفضل له بعيدًا عن كل المنغصات التي صنعها الاحتلال الإسرائيلي.

بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين منتصف هذا العام نحو أكثر من 2 مليون طفل، وتشكّل نسبتهم حوالي 44% من إجمالي السكن، وحوالي 41% في الضفة الغربية، و47% في قطاع غزة.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” تقول إن القطاع المحاصر أصبح اليوم أخطر مكان في العالم على الأطفال، وقد تحول الوضع من “كارثي” إلى “شبه منهار” على حد وصف المديرة التنفيذية للمنظمة كاثرين راسل، التي أكدت أنه لا يوجد مكان آمن في قطاع غزة، مضيفة أن المناطق المقترحة لا تملك البنية التحتية أو تدابير الحماية اللازمة لتلبية احتياجات هذه الأعداد الكبيرة من المدنيين.

وكشفت المنظمة أن قرابة مليون طفل فلسطيني هُجّروا قسرًا من منازلهم في غزة، ويعيشون ظروفًا بيئية صعبة في مراكز الإيواء المكتظة، والتي تفتقر لأدنى مقومات الحياة في أقصى جنوب القطاع المحاصر الذي يشهد قصفًا إسرائيليًّا أعمى.

لا يجد مئات آلاف الأطفال الفلسطينيين في القطاع المحاصر الطعام بشكل كافٍ أو صحّي، ويتعرض أكثر من 335 ألف طفل دون سنّ الخامسة لسوء التغذية الحاد مع زيادة الظروف المؤدية للمجاعة، وأصبح حق الحصول على الطعام والشراب حلمًا لدى أطفال غزة.

ووفقًا لخبراء أمميين مستقلين، فإن جيلًا كاملًا من الأطفال الفلسطينيين معرَّض لمخاطر الإصابة بالتقزُّم الذي يحدث عندما يتأثر نمو الطفل بعدم كفاية التغذية، ويتسبّب التقزُّم في إعاقات جسدية وإدراكية لا يمكن علاجها، ما يقوّض القدرة التعليمية لجيل بأكمله.

فلسطينيون، من بينهم أطفال، يقفون في طوابير طويلة للحصول على القليل من الغذاء في مدينة رفح.

ولأن “إسرائيل” تحارب كل أوجُه الحياة وتحاول قتلها، فإنها تحارب أهل غزة بحرمانهم من حقهم في الماء الذي هو في الأصل ماء وطنهم المنهوب.

قبل شهر تقريبًا، حذّرت اليونيسف من أن أطفال غزة لا يحصلون على 90% من استهلاكهم الطبيعي للمياه، مشيرة إلى أن الأطفال النازحين حديثًا في جنوب القطاع يحصلون بالكاد على قطرة للشرب، وتقدَّر الكمية اليومية من الماء بـ 1.5 إلى 2 لتر، وهو أقل بكثير من المتطلبات الموصى بها للبقاء على قيد الحياة.

ووفقًا لمعايير الإغاثة الإنسانية، يبلغ الحد الأدنى لكمية المياه اللازمة في حالات الطوارئ 15 لترًا، بما في ذلك مياه الشرب والغسيل والطهي، في حين أن الحد الأدنى المقدّر للبقاء على قيد الحياة فقط هو 3 لترات يوميًّا.

وأكدت اليونيسف أن خدمات المياه والصرف الصحي على وشك الانهيار، مشيرة إلى أن استمرار الأعمال العدائية، إلى جانب الافتقار إلى إمدادات الكهرباء، ونقص الوقود وأضرار البنية التحتية، يعني أن ما لا يقل عن 50% من مرافق المياه والصرف الصحي قد تضررت أو دُمّرت.

وفي مراكز الإيواء في جميع أنحاء القطاع، تنتظر طوابير طويلة من الأطفال والنساء لاستخدام مرحاض واحد لكل 700 شخص، في حين يضطر الأطفال وأسرهم إلى استخدام المياه من مصادر غير آمنة شديدة الملوحة أو التلوث، وهو ما يهدد بقاءهم على قيد الحياة.

وتتعالى التحذيرات من مخاطر مأساوية للجفاف والإسهال وانتشار الأمراض وسوء التغذية على الأطفال، وتشير اليونيسف إلى تسجيل 20 ضعف المتوسط الشهري لحالات الإسهال المبلغ عنها دون سن الخامسة، كما تزداد المخاوف بشأن الأمراض المنقولة عبر المياه مثل الكوليرا والإسهال المزمن.

وخلال الأيام الأخيرة، زاد هطول الأمطار من الوضع سوءًا، بعدما أدّى إلى تشكيل أنهار من النفايات، لتمثل بذلك القمامة المتكدّسة ومياه الصرف تهديدًا جديدًا لصحّة النازحين الذين يمثلون 85% من سكان القطاع المحاصر.

كل هذه الأوجه تجعل من المرض وحشًا مرعبًا يجول القطاع، موزعًا تهديدات إضافية بالقتل تُضاف إلى قائمة التهديدات التي تحاصر الأطفال الأبرياء من كل الجهات.

آثار الحرب الممتدة.. جيل من مبتوري الأطراف

الأطفال في هذه الحرب هم الجرحى والمشوهون دائمًا، حيث تترك الحرب على أجسادهم آثارًا لا يستطيع الزمن محوها، من بتر أيدٍ أو أرجل أو إعاقات كفقدان البصر أو السمع.

“أطفال غزة عالقون في كابوس يزداد سوءًا كل يوم”، حقيقة صارخة عبّرت عنها المديرة التنفيذية لليونيسف، التي تقول إن أكثر من 1000 طفل خضعوا لعمليات بتر الساقَين جرّاء الحرب على القطاع.

وتتقاطع تلك الحقيقة مع تقرير مؤلم لمنظمة “أنقذوا الأطفال” الخيرية، التي تقول إن أكثر من 10 أطفال يفقدون يوميًّا إحدى الساقَين أو كليهما منذ بداية الحرب.

يعيش هؤلاء الصغار تاريخ بلدهم لحظة بلحظة، جميع أنواع العدوان عليهم وعلى طبيعة الحياة التي يعيشونها، لكنهم لا يستطيعون العيش كأطفال طبيعيين يجرون ويلعبون بعد أن أصبحت حياتهم مقيدة بالكراسي المتحركة، حتى مسكّنات الألم التي تساعد مبتوري الأطراف الذين يعانون من آلام مزمنة تكاد تكون معدومة.

الاحتلال أراد عن عمد أن ييتم هؤلاء الصغار الذين طالهم المرض والعجز، ويحول طفولتهم إلى مأساة لن تدوايها الأيام، ويتركهم يواجهون مصيرًا عاجزًا بأقدام مبتورة.

العديد من عمليات البتر تتم بلا تخدير، فنرى في عيون بعض هؤلاء الأطفال الأبرياء الكثير من الصمود لتحمُّل ألمهم الجسدي، لكن آخرين لا يقوون على تحمل كل تلك الآلام، ولا يمكنهم الحصول على ما يسكّنها ويداوي الجراح والحروق، فتتعالى الأوجاع وتنادي: “هل من مجيب يرحم ألمنا أمام انهيار واضح لنظام عالمي لا يعترف بالقانون الوضعي ولم يخشَ القانون الإلهي؟”.

أصبح كل أمل هؤلاء الصغار ألا تُبتر سيقانهم، بينما يمنّي الكثير منهم النفس بالحصول على طرف صناعي بدلًا من سيقانهم التي بُترت، وكأن الاحتلال أراد عن عمد أن ييتم هؤلاء الصغار الذين طالهم المرض والعجز، ويحوّل طفولتهم إلى مأساة لن تدوايها الأيام، ويتركهم يواجهون مصيرًا عاجزًا بأقدام مبتورة.

مواقف وإن تعددت يجمعها العنوان الأبرز، وهو جرائم الاحتلال الذي لا يسمح بدخول الأدوية إلى المراكز الطبية، تاركًا المستشفيات تعاني لتوفير العلاج اللازم للصغار، خاصة أن غالبيتهم أصبح من دون عائلة، ويتولاهم من يتواجد في المستشفيات من أسر تتلقى العلاج أو ترعى الصغار، أو يُتركون داخل المستشفى وكأنهم في نوع من طيّ النسيان.

ويقول الأطباء وعمّال الإغاثة إن الوضع الطبّي المنهار في غزة، ليس في وضع يسمح له بمنح هؤلاء الأطفال الرعاية التي يحتاجون إليها لإنقاذ أطرافهم المبتورة التي لا تزال في طور النمو وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، بل إن العديد من الأطراف التي تمّ إنقاذها على ما يبدو ستتطلب بترًا، كما يقول طبيب بريطاني في طب الطوارئ يعمل لدى منظمة “أطباء بلا حدود”.

ولا تتوقف آثار العدوان الأخير على أطفال غزة عند التأثير المباشر، فمَنْ لم يطله الألم الجسدي طالته الآثار النفسية التي يخلفها العدوان لسنوات أكثر صعوبة وإيلامًا.

وبحسب منظمة “أنقذوا الأطفال” في عام 2021، كان نصف أطفال غزة حينها بحاجة إلى إعادة تأهيل نفسي بعد 11 يومًا فقط من العدوان.

في غزة، 4 من كل 5 أطفال يعانون حالة من الاكتئاب أو الحزن أو الخوف، وهو تدهور حادّ مقارنة بدراسات سابقة، وأكثر من 80% منهم يمرّون بأزمات نفسية وفقًا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وتقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” إن جيلًا كاملًا من الأطفال يعاني من الصدمة في غزة.

وتشير تقارير طبية إلى أن أطفال غزة لا يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، لأن الصدمة لا تتوقف في الأساس، بل يعانون من نوبات متكررة تمتدّ لعشرات السنين، هذا عدا ما تخطه الحرب في نفوسهم، والتي ينتج عنها أمراض نفسية كالخوف وانعدام الأمن والسلوك العنيف والاضطرابات الانفعالية والسلوكية التي تشوّه طفولتهم وتهدد مستقبلهم.

طفل فلسطيني بُترت ساقه نتيجة القصف الإسرائيلي.

للأسف، أصبح القلق رفيقًا دائمًا للأطفال تحت القصف، وتبدو بيوتهم ساحة حرب بدل أن تكون ساحة لعب، يحاولون جمع ما يستطيعون من ألعابهم التائهة بين ركام بيوتهم، ويبكون بحرقة، لكن أصعب ما في الأمر أن تراهم يلاحقون الحياة في كل شارع وزقاق على أمل السعادة، لكن ما يلاقونه قتل وإرهاب وتدمير وجنون لا ينتهي، ثم صمت وصاروخ وركام وعيون أطفال مرتعدة، لم تفهم بعد أن الحياة في القطاع أقسى من الموت كما يقول آباؤهم الذين يعزّون أنفسهم مكلومين بفقدانهم، ويقولون: “كلنا مشاريع شهداء، كلنا في سبيل الله”.

في ظل هذه الظروف، صارت أكبر أحلام أطفال غزة اليوم هو انتهاء الحرب، فعدم سماع صوت الانفجارات والصواريخ هو أكثر شيء يدخل الفرحة على الأطفال الذين لا تحتمل قلوبهم صوت الصواريخ وما تخلفه من دمار، ورغم كل هذه المآسي والمحن يتمسّك أطفال غزة بالأمل والإيمان.

إسراء سيد

المصدر: موقع نون بوست




“قضية محرجة”.. هل استولت إسرائيل على وثائق حساسة بعد ضربها للمعهد الفرنسي في غزّة؟

 تحت عنوان: “المعهد الفرنسي في غزة موضع أطماع إسرائيلية”، تساءلت صحيفة  “لوفيغارو” الفرنسية: هل استولت إسرائيل على وثائق أمنية حساسة مرتبطة بالنشاط الفرنسي في غزة بعد قصف جيشها للمعهد الفرنسي القطاع؟ مُعتبرة أن هذه القضية تبدو محرجة.

“لوفيغارو” أشارت إلى ما ذكرته وزارة الخارجية الفرنسية، يوم الثالث من شهر نوفمبر الماضي، حيث أعلنت أن “السلطات الإسرائيلية أبلغتها بأن المعهد الفرنسي في غزة قد استهدف بضربة إسرائيلية قبل بضعة أيام، وأنه لم يتم العثور على وكيل للمعهد، ولا أي مواطن فرنسي في المبنى”.

لوفيغارو: دخل جنود إسرائيليون المبنى، وقاموا بالاستيلاء على أجهزة كمبيوتر، وكتبوا على الجدران باللغة العبرية «هنا إسرائيل»، كما وضعوا عليها نجمة داود، وكسروا الخزنة، وأخذوا كل ما كان بداخلها، بما في ذلك الأموال

فبعد حوالي عشرة أيام من الهجوم الذي شنته “حماس” في إسرائيل، يوم السابع من شهر أكتوبر الماضي، طلبت القنصلية الفرنسية في القدس، التي يتبع لها المعهد الفرنسي غزة، من الحراس والموظفين هناك مغادرة المبنى.

وأوضحت الخارجية الفرنسية أنها “طلبت من الإسرائيليين إبلاغها، دون تأخير، بالوسائل المناسبة بالعناصر الملموسة التي حفزتهم على اتخاذ هذه الخطوة” بضرب مبنى المعهد الفرنسي في غزّة؛ والذي أشارت إلى أنه “لا يستفيد من حرمة المباني الدبلوماسية المعترف بها بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية”.

ومنذ ذلك الحين، يسود الصمت حول هذه الضربة الإسرائيلية. وتنقل “لوفيغارو” عن مصدر فرنسي وصفته بالمطلع على الأمر، والذي أكد للصحيفة أنه “بعد حوالي عشرة أيام” من القصف الذي تسبّب في أضرار حول المجمع وداخله، دخل جنود إسرائيليون المبنى، الواقع في شارع شارل ديغول بمنطقة الرمال بمدينة غزة، وقاموا بالاستيلاء على أجهزة كمبيوتر، وكتبوا على الجدران باللغة العبرية «هنا إسرائيل»، كما وضعوا عليها نجمة داود، وكسروا الخزنة، وأخذوا كل ما كان بداخلها، بما في ذلك الأموال”.

ونقلت “لوفيغارو” عن مصدر دبلوماسي فرنسي لم تذكر اسمه، قوله: “تم التقاط صور للأضرار، ثم إرسالها إلى السلطات الفرنسية”.

بعد فترة وجيزة، “جاء رجال ينتمون إلى حماس بدورهم إلى المبنى، كما يفعلون عادة بعد مرور الجنود الإسرائيليين عبر قطاع غزة”، تنقل “لوفيغارو” عن أحد الوجهاء الفلسطينيين في الموقع؛ ومنذ ذلك الحين “لجأت العائلات المشردة” إلى المعهد هرباً من القصف الإسرائيلي الذي أودى، بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، بحياة أكثر من 25 ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين.

كما تنقل الصحيفة عن عميل استخبارات فرنسي، قوله: “من خلال الذهاب إلى هناك، حاولت حماس معرفة ما إذا كان الإسرائيليون قد قاموا بتفخيخ المكان عن طريق تركيب ميكروفونات وكاميرات مخفية”، كما فعلوا عندما تنازل الجيش الإسرائيلي عن قطاع غزة للسلطة الفلسطينية في عام 1994. .

وكان الجيش الإسرائيلي يعرف موقع المعهد الفرنسي، الذي كان يُرفع عليه علما فرنسا والاتحاد الأوروبي، توضح “لوفيغارو”، مشيرة إلى أن فرنسا تعد من الدول الأوروبية النادرة، إلى جانب ألمانيا والاتحاد الأوروبي، التي لديها مركز في غزة. هذا الأخير، تم افتتاحه عام 1989  باسم المركز الفرنسي، قبل أن يصبح المعهد الفرنسي في عام 2013. ويعد مساحة نادرة للتنفس للفلسطينيين في قطاع غزة، خاصة منذ تولى “حماس” السلطة هناك في عام 2007.

وأكدت “لوفيغارو” أنه علاوة على اختفاء الملفات الثقافية، وكذلك محتويات الخزنة، فيبدو أن إسرائيل قد صادرت أيضًا أجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات مرتبطة بأنشطة استخباراتية نفذتها فرنسا في الجيب.

ففي عام 2000، افتتحت المخابرات الخارجية الفرنسية  (DGSE) منصبًا مخصصًا لأحد عملائها، في القنصلية الفرنسية العامة في القدس، تقول “لوفيغارو”، مؤكدة أن هذا الأخير قام برحلات متكررة إلى غزة والمعهد الفرنسي، وذلك على مرأى ومسمع من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وحتى حركة “حماس”.

وتوضح “لوفيغارو” أن مثل هذا الاختفاء للمعلومات الحساسة يثير ردود فعل متناقضة داخل جهاز الدولة الفرنسية. وتنقل الصحيفة عن مصدر أمني مطلع على الملف، تأكيده أن “مذكرات استخباراتية تحتوي على عناصر حساسة قد اختفت”. وبالإضافة إلى فقدان المعلومات، هناك خطر الكشف عن المصادر. ولم تنكر وزارة الخارجية الفرنسية ذلك، رداً على سؤال الصحيفة، وأجابت ببساطة بأن “الوضع في غزة فوضوي. ولذلك لا يمكن التعليق على هذه المعلومات”، توضح ”لوفيغارو”.

توضح “لوفيغارو” أن مثل هذا الاختفاء للمعلومات الحساسة يثير ردود فعل متناقضة داخل جهاز الدولة الفرنسية. وتنقل عن مصدر أمني أن “مذكرات استخباراتية تحتوي على عناصر حساسة قد اختفت”

ويقول مصدر دبلوماسي للصحيفة: “الإسرائيليون قدّموا رداً أولياً على أسئلة فرنسا يشير إلى أن الغارة (…) استهدفت مقاتلي “حماس” الذين لجأوا إلى المبنى. ننتظر المزيد من التوضيحات منهم”. وهي رواية، توضح “لوفيغارو”، أنها تتناقض إلى حد ما مع ما قالته لها السلطات الإسرائيلية بدورها، والتي أكدت أنه “لم تكن هناك غارات على المعهد الفرنسي، بل على مقربة منه، لأنه كان هناك إرهابيون. وأما ادّعاء سرقة الكمبيوتر، فلا أساس له من الصحة، ونحن نرفضه تماماً”، تقول سفارة إسرائيل في باريس.

وفي وزارة الجيوش الفرنسية، تنقل “لوفيغارو” عن أحد كبار الضباط  الفرنسيين، قوله: “لا نفهم لماذا لم يتم تدمير المعدات الحساسة مباشرة بعد الضربة الإسرائيلية.. عادةً ما نقوم بذلك في مثل هذه الحالات، كما حدث في ليبيا أو إيران، بفضل إجراءات تدمير الملفات التي نستولي عليها” […]

 كما تنقل “لوفيغارو” عن مصدر مقرب من أجهزة الاستخبارات الفرنسية تأكيده أن “أجهزة الكمبيوتر الحساسة تم تنظيفها” بين لحظة الغارة الإسرائيلية وتوغل الجيش الإسرائيلي في مبنى المعهد الثقافي الفرنسي. وبالتالي، باختصار، لا توجد معلومات حساسة فرنسية الآن في أيدي إسرائيل”. وهي رواية لا يبدو الكل مقتنعاً بها، تقول “لوفيغارو ”.

المصدر: صحيفة لوفيغارو الفرنسية

ترجمة: إبراهيم درويش




نواب إيطاليا يتبنون اتفاق روما وتيرانا بشأن المهاجرين

صوّت النواب الإيطاليون، اليوم الأربعاء، لمصلحة اتفاق مع ألبانيا يقضي بإنشاء إيطاليا على الأراضي الألبانية مركزَين لاستقبال المهاجرين، متجاهلين بقرارهم انتقادات منظمات غير حكومية ومؤسسات دولية وكذلك المعارضة.

وقد وافق النواب على المشروع بأغلبية 155 صوتاً في مقابل 115 صوتاً، علماً أنّ نائبَين امتنعا عن التصويت. ومن المتوقّع أن يوافق مجلس الشيوخ على المشروع بسهولة، ولا سيّما أنّ الائتلاف الحاكم المحافظ المتشدّد بزعامة جورجيا ميلوني يتمتّع بأغلبية برلمانية كبيرة.

وينصّ الاتفاق الذي وقّعته، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، رئيسة الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرّفة جورجيا ميلوني ونظيرها الألباني إيدي راما، في العاصمة روما، على تشييد إيطاليا مبنيَين في ألبانيا التي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، لاستيعاب المهاجرين الذين أُنقذوا في البحر الأبيض المتوسط من أجل “تسريع معالجة طلبات لجوئهم أو إعادتهم المحتملة” إلى البلدان الأم.

ومن المتوقع أن يكون هذان المركزان اللذان تديرهما إيطاليا جاهزَين للعمل بحلول ربيع 2024، وهما معدّان لاستيعاب ما يصل إلى ثلاثة آلاف مهاجر، أي نحو 39 ألف شخص سنوياً، مع الإشارة إلى أنّ المركزَين لن يؤويا المهاجرين القصّر ولا الحوامل ولا الأشخاص الأكثر ضعفاً، بحسب ما أفادت ميلوني.

وقدّمت المعارضة الألبانية طعناً أمام المحكمة الدستورية، إذ رأت أنّ هذا الاتفاق “ينتهك الدستور الألباني ويتخلّى عن سيادة أراضي ألبانيا”، الأمر الذي دفع المحكمة إلى تعليق عملية تصديق البرلمان على اتفاق الهجرة في انتظار أن تُصدر قراراً في موعد أقصاه السادس من مارس/ آذار المقبل.

وقد أثار هذا الاتفاق، حتى قبل دخوله المحتمل حيّز التنفيذ، انتقادات كثيرة. فرأى نواب المعارضة في البرلمان الإيطالي أنّ الاتفاق “دعاية انتخابية” قبل الانتخابات الأوروبية المقرّرة في يونيو/ حزيران المقبل، وأنّه “عديم الفائدة ومكلف وغير إنساني وغير شرعي”. وانتقدوا كذلك تكلفة تنفيذه المقدّرة بما بين 650 مليونا و750 مليون يورو (نحو 707 – 816 مليون دولار أميركي) على مدى خمسة أعوام.

وشجبت “لجنة الإنقاذ الدولية”، منظمة غير حكومية، الاتفاق الذي وصفته بأنّه “يجرّد من الإنسانية”. وشدّدت مديرة اللجنة في أوروبا إموجن سادبيري على أنّ “طلب اللجوء هو حقّ من الحقوق الأساسية لأيّ إنسان، بعضّ النظر عن أصله أو الطريقة التي وصل بها”.

وبحسب بيانات وزارة الداخلية الإيطالية، فإنّ نحو 158 ألف شخص وصلوا إلى إيطاليا في عام 2023 المنصرم مقارنة بـ105 آلاف شخص في عام 2022 الذي سبقه.

يُذكر أنّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت قد شدّدت، في بيان أصدرته في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 على أنّ “آليات نقل طالبي اللجوء واللاجئين ينبغي أن تحترم القانون الدولي المتصل باللاجئين”.

المصدر: وكالة فرانس برس




مدارس تعليم اللغة… باب للاحتيال على الباحثين عن عمل في ألمانيا

يرصد تحقيق “العربي الجديد” أساليب خداع المغاربة الراغبين في العمل بألمانيا عبر محتالين يستهدفون ضحاياهم من خلال مدارس تعليم اللغة ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظاهرة منتشرة داخل البلاد وخارجها كما تؤكد الشرطة.

-تحذر كريستين هونار، المتحدثة باسم المكتب المركزي لمنع الجريمة التابع للشرطة الفيدرالية الألمانية في مدينة شتوتغارت بولاية بادن فورتمبرغ جنوب البلاد، الباحثين عن عمل في ألمانيا من الوقوع في شراك المحتالين الذين يزعمون من خلال إعلانات منتشرة على الإنترنت، استطاعتهم توفير عقود عمل في البلاد، وهؤلاء ينشطون داخل حدود ألمانيا أو خارجها.

ويمثل النصب على الراغبين بالعمل في ألمانيا، “ظاهرة منتشرة” بحسب ما تؤكده هونار في ردها المكتوب على أسئلة “العربي الجديد”، والذي يوثق ويتتبع أساليب خداع المحتالين للضحايا، عبر إيهامهم بقدرتهم على توفير عقود تدريب أو عمل لهم مقابل مبالغ مالية تسلبهم وعائلاتهم كل مدخراتهم.

أساليب نصب متنوعة

يخطط العشريني المغربي محمد بالي (اسم مستعار للحفاظ على أمانه) للوصول إلى ألمانيا والعمل فيها منذ حصوله على شهادة الثانوية في عام 2017، لذلك سعى إلى تعلم مهنة صيانة المركبات والتي قرأ كثيرا عن حاجة سوق العمل هناك إلى أياد عاملة في مختلف قطاعاتها، وبالتوازي مع ذلك درس اللغة، وخلال بحثه عن وسيلة لتحقيق حلمه، تعرف عام 2019 على وسيط أقنعه بقدرته على تأمين عقد عمل له، زاعما أنه يملك هو وزوجته وآخرون شركة مرخصة في الرباط لتأمين العمالة لشركات ألمانية، ومنذ ذلك الحين ينخرط في دورات تدريبية مهنية وأخرى في اللغة يقترحها عليه الوسيط حتى يصل إلى ما يتمناه.

عقد مزيف
يقدم سماسرة عقود عمل مزورة للراغبين في العمل بألمانيا (العربي الجديد)

وتجاوز مجموع ما أنفقه بالي 6000 يورو، منها 4500 دفعها للوسيط مقابل توفير عقد تدريب مهني يمكنّه من دخول ألمانيا للبحث عن فرصة عمل، لكنه اكتشف أنه مزور عندما تقدم بأوراقه إلى القنصلية الألمانية بالرباط في 2021 من أجل إنهاء إجراءات التأشيرة التي رُفضت، وظلّ بالي يطارد الوسيط لأشهر، وما كان منه إلا أن أرسل له عام 2022 العقد الوهمي ذاته، بالإضافة إلى عقدين آخرين يحملان معلوماته الشخصية لكن في تخصصين بعيدين تماما عن مجاله.

“هنا أدركت أنه يحتال عليّ وعلى غيري” يقول بالي، مشيرا إلى أنه اكتشف في تلك الفترة وجود ضحايا آخرين لنفس الوسيط وتواصل مع أربعة منهم على منصات التواصل الاجتماعي.

ويُجمع ضحايا الاحتيال الثمانية الذين قابلتهم معدة التحقيق على أن الوسيط المحتال يعمل بشكل فردي حينا، وأحيانا بالتنسيق مع مدارس لغة ألمانية منتشرة في البلدان، التي اعتاد أرباب العمل الألمان جلب اليد العاملة منها. وفي بعض الحالات أنشأ المحتال شركة تدعي التخصص في مجالي التشغيل أو الوساطة ليقنع ضحاياه أن عمله الأساسي هو تصدير اليد العاملة إلى ألمانيا.

يصل المحتالون لضحاياهم عبر مدارس اللغة أو وسائل التواصل الاجتماعي

ويبيّن الضحايا أن تواصلهم مع الوسيط كان يتم إما عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو بتوصية من أصدقاء، أو بالتعرف عليهم في مدارس تعلم اللغة الألمانية، إذ يسعى الوسطاء إلى تنظيم لقاءات وندوات للتعريف بخدماتهم في مختلف المدن، كما ينشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي للترويج لنجاحهم المزعوم في تأمين عقود عمل وتدريب لشبان، من خلال صفحات يطلقونها لهذا الغرض، وتقوم بشكل منتظم بنشر صور جوازات سفر تحمل تأشيرة شنغن لأشخاص تقول إنّها وفّرت لهم عقود تدريب مهني أو فرص عمل في ألمانيا، أو مقاطع فيديو يظهر فيها المحتال مع أحد الشبان، زاعما أنه حصل على عقد بعد تعاونه مع المؤسسة، كما تنشر أيضا إعلانات عن توفر عشرات العقود في مختلف المجالات زاعمة أنها فرص مقدمة من شركات وساطة للعمل في ألمانيا ستعود عليهم بأموال وفيرة، وأن إجراءات السفر سهلة وبأقل التكاليف والشروط الممكنة، وما على الراغب إلا الاتصال الهاتفي بالشركة أو التوجه لمقرها.

ما سبق تؤكده الشرطة الجنائية الألمانية التي رصدت الظاهرة المنتشرة وفق تقرير نشرته على موقعها الرسمي في 17 أغسطس/آب 2022، تحت عنوان (احتيال: احذر من إعلانات الوظائف الكاذبة)، وتكشف الشرطة عمّا أطلقت عليه “موجة نصب واحتيال في ألمانيا”، تتم عبر إعلانات كاذبة تُنشر حول وظائف سهلة بأجور مغرية للغاية، وتؤكد الشرطة أن الكثيرين استجابوا لها ممن يصدقون هذه الإعلانات وينخرطون في الإجابة على الأسئلة المطروحة على مواقع الإنترنت، ويدلون بمعلومات شخصية عنهم يستعملها محتالون لسرقة أموالهم، ما دفع السلطات لتنظيم حملة للتحذير منها.

دوامة لا تنتهي

يعتبر بالي نفسه على “اللائحة السوداء” على حد تعبيره، منذ اكتشاف زيف العقد الذي قدمه ضمن ملفه في القنصلية الألمانية، وهذا يعني، على حدّ تعبيره أنه لن يتمكن من تحقيق حلمه الذي أنفق الكثير من المال والجهد من أجل تحقيقه بسبب تلاعب الوسيط المحتال ومنحه عقدا مزورا افتضح أمره أمام القنصلية.

يزوّد الوسطاءُ الباحثين عن عمل بعقود مزورة بعضها يكتشف قبل السفر

وعلى عكس بالي لجأت العشرينية مريم، والتي طلبت ذكر اسمها الأول فقط لحساسية وضعها القانوني، إلى الوسيط ذاته والذي أقنعها بدراسة اللغة الألمانية في تركيا عام 2020، زاعما أن هذه الخطوة ستسهل الحصول على موعد في القنصلية الألمانية، وهو ما وافقت عليه، وبالفعل بعد عام حصلت على عقد عمل وانتقلت إلى ألمانيا عام 2021، وبينما تنتظر اتصال المشغل الذي ستعمل في مؤسسته بموجب العقد، جاءها بدلا من ذلك اتصال من مصلحة الأجانب لإبلاغها أن عقدها مزور، عقب أسبوع فقط من وصولها، وأوضحوا لها أنهم تواصلوا مع المشغل الذي أكد أنه لم يمنحها ذلك العقد، ولهذا السبب استدعتها شرطة الجنايات للتحقيق معها، وهو ما فاقم خوفها من إعادتها إلى بلدها حتى أنها تخاف الذهاب في عطلة خشية منعها من العودة، عقب كل ما تكبدته من تكاليف مادية ومجهود، و”بالإضافة لتكاليف العيش والدراسة في تركيا لمدة عام، كانت والدتها قد منحت السمسار ألف يورو، إلى جانب تكاليف المحامي لمتابعة القضية الطارئة والتي وصلت إلى 500 يورو حتى الآن”، وتروي مريم أنها “تواصلت مع الوسيط عن طريق أصدقاء لها، ولم يكن اسمه في ذلك الوقت معروفا للسلطات الألمانية ومقترنا بتزوير عقود، ما سهل عمله وبالتالي لجوءها إليه وشراء عقد العمل منه، وعقب اكتشاف السلطات عدة حالات تورط فيها صار معروفا لدى الجهات المختصة وحتى لدى الباحثين عن عمل أنه اعتاد تزييف العقود”. ولم يجد الأشخاص الذين دخلوا البلاد بواسطة عقد من خلاله إلا المبادرة للاتصال به للاستفسار عمّا أوقعهم فيه، ليدعي أنه نفسه ضحية لتلاعب قام به مشغل ألماني.

استدعاء
استدعاء الشرطة الألمانية لسيدة دخلت البلاد بعقد عمل مزور (العربي الجديد)

وبعدما هددت مريم الوسيط بعد استدعائها للتحقيق بأنها ستكشف اسمه أمام الشرطة، لأنها أصبحت تعيش دوامة مشاكل قانونية، لم يعد يجيبها نهائيا، قائلة: “من حظي أن الشرطة هنا تعلم عنه مسبقا من ضحايا آخرين، وتعلم أننا لم نكن ندري أن العقود مزورة منها ما يحمل أسماء شركات وهمية، أي غير موجودة فعلا في ألمانيا، وأحيانا يمنحهم عقود عمل باسم شركات موجودة لكن بدون علم القائمين عليها وبالاستعانة مع آخرين”، وتكمل مريم قائلة إن الشرطة “ساعدتنا قليلا وتمكنت هي وأربع ضحايا آخرين تعرفت بهم من إيجاد فرص عمل أو تدريبات بمساعدة جمعيات ألمانية”، مؤكدة أن المأزق الذي أوقعهم فيه الوسيط لم ينته منذ عام 2021 إلى الآن، إذ عادت الشرطة للتحقيق في أمر العقود، وتم استدعاؤها مجددا، “إنها دوامة لا تنتهي”، بحسب تعبيرها.

من يحاسب الوسيط المحتال؟

يؤكد الرد المكتوب الذي تلقاه “العربي الجديد” من المكتب المركزي لمنع الجريمة “أن النصب والاحتيال في مجال عقود العمل من الجرائم التي لا يتم تسجيلها إلا إذا تم الإبلاغ عنها، لذلك من الضروري الإبلاغ من طرف الضحايا، عبر الاتصال بمركز الشرطة المحلي في حالة الاشتباه في أنهم وقعوا ضحية لعملية احتيال”.

تحقيق ألمانيا2
ينشئ محتالون شركات تدعي التخصص في مجالي التشغيل أو الوساطة (Getty)

وبحسب إفادات الضحايا التي يوثقها التحقيق، فإن الوسطاء الذين احتالوا عليهم وسلبوا أموالهم مِنهم من يعيش في المغرب وآخرون بإمكانهم العيش بين البلدين، أي المغرب وألمانيا. ومن بينهم وسيط كان يؤكد لضحاياه الذين يلتقيهم في مدارس اللغة الألمانية أنه يعمل لفائدة شركة مقرها في ألمانيا، ويعرض عليهم خدمة جلب عقود عمل وتدريب مهني لزبائنهم من الطلاب، وهو ما تراه إدارة المدرسة مكسبا سيجلب زبائن أكثر، دون إدراكها أن الأمر مجرد نصب واحتيال باسمهم على الزبائن، بحسب ما يرويه والد إحدى ضحايا الوسيط ذاته، فضل عدم نشر اسم ابنه كونه تمكن من الوصول إلى ألمانيا بعد معاناة وخسائر مادية ونفسية كبيرة، مشيرا إلى أن الوسيط أحيل إلى القضاء المغربي في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بعدما ارتفع عدد ضحاياه في مختلف مدن المملكة، إذ سعت النيابة العامة للإيقاع به عبر كمين نسقته مع شخص كان يتواصل معه من أجل ترتيب السفر، ليتم اعتقاله متلبسا وهو يتقاضى مالا منه في مقهى، وقضت المحكمة بسجنه ثلاثة أعوام في 24 إبريل/نيسان 2022، أمضى منها عاما ونصف فقط بعد محاولات دؤوبة من دفاعه، وإعادته المال للعديد من الضحايا من أجل تنازلهم عن الدعاوى القضائية التي حركوها ضده.

أما في حالة بالي ومريم، فقد صار الوسيط مطلوبا في ألمانيا، لأن كل ضحاياه الذين وصلوا بعقود مزورة أدلوا باسمه خلال التحقيقات، وفي حال القبض عليه، تصل عقوبته على جرم التزوير إلى الحبس 5 أعوام، وفي حالات أخرى قد يتم الاكتفاء بالغرامات المالية، وقد تصل العقوبة إلى الحبس 10 أعوام عندما يتعلق الأمر بجرائم تزوير خطيرة للغاية، ومن ذلك التزوير المنتظم والمستمر ضمن عصابة أو التسبب بخسائر مالية كبيرة، وفقا للفصل 267 من القانون الجنائي الألماني.

ماجدة بو عزة

المصدر: صحيفة العربي الجديد




قاطرة أوروبا تتراجع… انكماش ألماني يثير مخاوف الأوروبيين

تحيط دائرة الانكماش بالاقتصاد الألماني، بعد سنوات من تيبس النمو بفعل تراكمات جائحة كورونا وأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا، وباتت بعض الصناعات تواجه أوقاتاً صعبة، بينما تزداد مخاوف الألمان وكذلك الأوروبيين الذين ينظرون إلى ألمانيا على أنها قاطرة القارة العجوز، من اتساع الأضرار بفعل تعطل سلاسل التوريد نتيجة اضطرابات البحر الأحمر.

وأظهرت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني في منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري، انكماش الاقتصاد على أساس سنوي في 2023 بنسبة 0.3%. وتأتي هذه الأرقام بينما لم يحقق الاقتصاد على مدار السنوات الأربع الماضية نمواً بأكثر من 1%، وهو أدنى معدل نمو منذ إعادة توحيد شطري البلد (الشرقي والغربي) في بداية تسعينيات القرن الماضي.

وكبلت فاتورة جائحة كورونا المتضخمة الاقتصاد الألماني، فضلا عن أزمات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والطاقة، وبعد توقف تدفق الغاز الروسي الرخيص عبر “نوردستريم 1و2″، منذ الحرب في أوكرانيا قبل نحو عامين، يعيش مجتمع الأعمال الألماني حالة عدم ثقة بتوقعات النمو.

سكين التقشف

ويواجه المستشار الألماني أولاف شولتز، مع ائتلافه الحاكم، مشاكل جمة مع الشارع الذي بدأ يتذمر ويدعو من خلال احتجاجات، آخرها من خلال آلاف الجرارات الزراعية في العاصمة برلين بسبب سياسات التقشف المنوي انتهاجها. فما يسمى “سكين التقشف” الذي كشفته الموازنات المالية للعام الحالي 2024 يعزز النظرة السلبية إلى أقوى اقتصادات القارة الأوروبية، وخاصة منطقة اليورو.

عاشت حكومة شولتز في الأيام الأخيرة من العام الماضي أصعب أوقاتها بنذر تفكك الائتلاف الحاكم على خلفية تبني قوانين مالية للعام 2024، وبالكاد توصلت الأحزاب الحكومية لاتفاق يجسر الهوة بين مواقفها، حتى جاء مطلع العام بأنباء غير سارة للشارع بشأن الانكماش و”سكين التقشف” الذي يزيد متاعبه تراجع الواردات، بسبب الأزمة في سلاسل التوريد. واضطرار المليادير الأميركي إيلون ماسك إلى وقف إنتاج سيارات تسلا الكهربائية في البلد مجرد مؤشر إلى المتاعب.

صحيح أن أزمة الاقتصاد الألماني ليست جديدة، بل تفجرت معالمها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي حين رفضت المحكمة الدستورية الألمانية في كارلسروه استخدام نحو 60 مليار يورو (نحو 1.5% من الناتج الإجمالي المحلي)، كإعانات صناعية وتعزيز مبادرات متعلقة بالتحول الأخضر المناخي، حيث استأنف الاتحاد الديمقراطي المسيحي القرار أمام المحكمة لمنع الخطة التي كان يعمل عليها وزير المالية كريستيان لندنر.

وتراقب القطاعات الصناعية المختلفة عمل الحكومة بكثير من عدم اليقين الاقتصادي، ورؤيتها بأن ذلك يقوض النمو، مع تراكم أزمة الطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي الذي تتأثر به ألمانيا بصورة واضحة، هذا إلى جانب أن التضخم وأزمة الواردات والصادرات الناشئة في البحر الأحمر تزيد المتاعب.

تقدم الأزمة الألمانية نموذجاً أوضح لما تعيشه اقتصادات القارة العجوز، باعتبارها مع فرنسا القاطرتين الرئيستين في قطار الاقتصاد الأوروبي. ويحاول شولتز كبح التراجع من خلال خطط لتقييد الديون، بفرض ضرائب أعلى على أصحاب المداخيل المرتفعة، وعلى المواريث الكبيرة.

بينما يعتبر ليندنر وحزبه “الديمقراطيين الأحرار” في حكومة الائتلاف أن ذلك يمس بتوجههم الليبرالي. ومع ذلك يقترح وزير المالية ليندنر خطط تدابير تقشف صارمة، ما أدى وفقا للاستطلاعات الأخيرة إلى تراجع في شعبية الأحزاب الحاكمة (الاجتماعي الديمقراطي والليبراليين وحزب الخضر).

المشكلة في برلين أن السياسة الألمانية ملزمة منذ 2009 بكبح الديون، بحيث لا ينبغي أن يكون هناك عجز يزيد عن 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه الآن يزيد عن ذلك بعد أربع سنوات من أزمة كورونا والتضخم وأزمة الطاقة بعيد الحرب في أوكرانيا.

ودار النمو حول الصفر على الأقل خلال 4 سنوات ماضية، لتقع ألمانيا حالياً في أسفل جدول النمو الغربي، وهو بالطبع اقتصاد كبير مقارنة بنمو اقتصاد الدنمارك البالغ نحو 8% منذ 2019. ومع أن معدل التوظيف في ألمانيا ينمو منذ 2019، إلا أنه أسوأ مثلا من معدلات التوظيف الأخرى في منطقة اليورو ككل، إذ في فرنسا ارتفع المعدل بنسبة كبيرة إلى نحو 6%.

وشكلت حزم كورونا نحو 8% من الناتج الإجمالي الألماني، بينما في متوسط الاتحاد الأوروبي لم تتجاوز 4%. فقد أنفقت ألمانيا حوالي 158 مليار يورو كمساعدات تضخم، وهو ما يعادل نحو 29% من إجمالي مساعدات الاتحاد الأوروبي لكبح التضخم.

ومع ذلك لم تؤد عمليات الصرف لإبقاء الشركات والأسر واقفة على قدميها إلى تحقيق تقدم اقتصادي في ألمانيا. ويخشى الألمان، بسبب الذاكرة الجماعية التي تعيش على صدمة وطنية من أزمة الدين العام في عشرينيات القرن الماضي، من استمرار حالة التضخم والقضاء على مدخراتهم.

تسعى برلين جاهدة، منذ بداية الألفية الحالية، إلى مجاراة الرقمنة الأوروبية، حيث بلغ متوسط الاستثمار العام في البلد 2.3% من الناتج الإجمالي، بينما في بلد مثل الدنمارك الصغيرة وفرنسا الكبيرة وصل على التوالي إلى 3.2% و3.8%، ما يعني أن ألمانيا تواصل أزمتها مع الرقمنة والبنية التحتية المادية.

واستمرار انخفاض الاستثمارات لفترة زمنية طويلة يعني خفضاً للنمو واستنزافاً يضعف فرص النمو المتاحة للاقتصادات.

على المستوى الأوروبي فإنه من الصحيح وجود تفاوت بين دولة وأخرى حيال التضخم وارتفاع الأسعار الاستهلاكية، وذلك من خلال مساع لصناديق التعافي الأوروبية لتخفيف مشكلة التضخم في بلدان جنوب القارة، إلا أن حالة ألمانيا تبقى مثيرة للانتباه والتفحص الأوروبي.

مشاكل أخرى مترابطة

وتظهر دراسة عن معهد كييل للأبحاث الاقتصادية في ألمانيا، اطلعت عليها “العربي الجديد”، ملامح نشوء اختلال تجاري بين برلين وبكين بعدما استثمرت العديد من الشركات الألمانية في الإنتاج في الصين ولأجل الصادرات إليها. ويشير المعهد إلى أن الناتج الإجمالي الألماني سينخفض بنسبة 5% في حال حدوث ذلك الاختلال.

ويتأثر قطاع صناعة السيارات الكهربائية بصورة خاصة بمساع صينية دؤوبة إلى ريادة تخلّف عواقب سلبية على أجزاء أخرى من عالم الأعمال على مستوى ألمانيا وأوروبا، وما يتركه من تأثير على برلين اختيار القارة العجوز الدخول في حرب تجارية مع بكين، التي تسير أمورها في البحر الأحمر بصورة سلسة ومختلفة عما يواجهه الغربيون.

ورغم أن أزمة الواردات والصادرات عبر البحر الأحمر ليست العامل الحاسم على مستوى التراجع في الاقتصادات الأوروبية، إلا أنها عامل مهم على المستوى القريب في قياس صحة هذه الاقتصادات.

فالتوقعات الاقتصادية لألمانيا ليست صحية للعام الحالي 2024، وفقا لقراءة مركز الأبحاث الاقتصادي “آي دبليو اتش” في ألمانيا، الذي يتوقع نمواً أعلى قليلاً من الصفر. ويتوقع المركز تحسن القوة الشرائية بصورة طفيفة، وإذا ما تحسن النمو العالمي إجمالاً فمن الممكن تحسن الصادرات، ولكن ذلك مرهون بحل مشكلة العبور عبر البحر الأحمر.

ناصر السهلي

المصدر: صخيفة العربي الجديد




اعتداءات وغرامات على رعاة الأغوار الفلسطينية والهدف تهجيرهم

تزايدت وتيرة الاعتداءات وفرض الغرامات على رعاة الأغنام الفلسطينيين في مناطق الأغوار بعد عملية “طوفان الأقصى” بالتزامن مع الحرب المتواصلة على قطاع غزة، في مساعٍ لإجبارهم على مغادرة المنطقة

تقطع أغنام عائلة دعيس الفلسطينية الشارع الفاصل بين مكان سكنها في منطقة أبو عجاج ببلدة “الجفتلك” شمالي أريحا، ومستوطنة “مسواة” المقامة على أراضي الفلسطينيين في المنطقة، من أجل الوصول إلى أراضي تعتبرها مراعي طبيعية للأغنام، فيقرر الاحتلال الإسرائيلي أن مصادرة الأغنام بدعوى أن أصحابها ارتكبوا مخالفة تستدعي دفعهم غرامة قيمتها 150 ألف شيكل (40 ألف دولار أميركي).
قرر مالكو الأغنام دفع مبلغ الغرامة، رغم أنهم كما يروون لـ”العربي الجديد”، لم يتسلموا أوراقاً رسمية بما أطلق عليه الاحتلال “مخالفة”، وإنما تم إبلاغهم بها من قبل مجلس المستوطنات الإسرائيلية، وحين توجه أصحاب الأغنام إلى مقر الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال في مستوطنة “بيت إيل” المقامة على أراضي الفلسطينيين في شمال رام الله، رفض عناصر شرطة الاحتلال هناك استلام المبلغ، معتبرين أنه مبلغ كبير، وأنهم لا يملكون أوراقاً خاصة به.

يقول محمد دعيس، وهو أحد ملاك الأغنام، لـ”العربي الجديد”، إنه “في ظل غياب أي دعم قانوني أو رسمي، اضطررنا إلى دفع المبلغ عن طريق نشطاء سلام إسرائيليين، عبر حساب بنكي لشرطة الاحتلال، بهدف الحصول على إيصال دفع لنستخدمه في استرجاع أغنامنا التي تمت مصادرتها. ما يحصل هو محض عربدة لا علاقة لها بأي قانون، ولا يمكن وصف ما حصل بأنه مخالفة قانونية، لكنه يحصل بإشراف مباشر من جيش الاحتلال”.

ويروي دعيس تفاصيل الواقعة، قائلاً إنه عند الثامنة من صباح الاثنين الماضي، توجه مع أقاربه بقرابة 800 رأس من الأغنام إلى منطقة الرعي المعتادة، وبعد أن قطعوا الشارع، تجمع حولهم عشرات المستوطنين، ومعهم نحو خمسين من جنود الاحتلال، ليبلغهم من عرف عن نفسه بأنه من مجلس المستوطنات، بقرار منع تحرك الأغنام، وحصرها في مكان محاط بأسلاك شائكة كان معداً بشكل مسبق.
يضيف: “كان المستوطنون قد أعدوا المكان، مستخدمين الأسلاك الشائكة لتشكيل ما يشبه الحوش قبل تلك الواقعة بليلة واحدة، والأهالي لم يكونوا على علم بذلك لأنهم لا يستطيعون التحرك ليلاً خشية اعتداء المستوطنين عليهم، وبالتالي فإن الأمر كان معداً سلفاً، وليس له علاقة بإقرار مخالفة قانونية”.

يسعى المستوطنون إلى تهجير الرعاة الفلسطينيين (مناحم كاهانا/فرانس برس)
يسعى المستوطنون إلى تهجير الرعاة الفلسطينيين (مناحم كاهانا/فرانس برس)

هدد الاحتلال أصحاب الأغنام بنقلها عبر شاحنات إلى مكان آخر، وكان ذلك يعني أن استرجاعها سيكلفهم ألف شيكل (275 دولارا) لكل رأس من الأغنام، والحجة كانت التواجد في منطقة “ج” وفق تصنيفات اتفاق أوسلو، وهي حسب ادعاء المستوطنين وجنود الاحتلال مناطق تتبع لدولة الاحتلال، ولا يجب أن يرعوا أغنامهم فيها.
وتعتبر هذه الواقعة تتويجاً لعمليات اعتداء واسعة يتعرض لها التجمع البدوي الذي يؤوي قرابة 300 مواطن فلسطيني، يملكون نحو 8 آلاف رأس من الأغنام. يقول محمد دعيس: “تنوعت الأشكال من اعتداء عنيف على التجمع بشكل مباشر بمعدل مرة أسبوعياً، إلى الاعتداء على الرعاة بالضرب، ومحاولة دهس الأغنام، ومصادرة صهاريج المياه بشكل شبه يومي. منذ السابع من أكتوبر، يموت أهالي التجمع بشكل بطيء، والهدف الواضح هو إجبارهم على التهجير، وهو هدف قديم، لكن المستوطنين كثفوا هجومهم لتحقيقه في ظل الظروف الراهنة، وقام جيش الاحتلال بهدم التجمع عدة مرات سابقة في تسعينيات القرن الماضي، وفي عام 2008، وفي عام 2012، بحجة وجوده في منطقة مصنفة (ج)، رغم أن تلك العائلات تعود أصولها إلى مدينة الخليل، وتعيش في المنطقة منذ أكثر من خمسين عاماً”.

ويدعي جيش الاحتلال بشكل متكرر وجود شكاوى من المستوطنين ضد أفراد التجمع بحجة إزعاجهم، بينما الهدف الرئيسي هو منع الرعي في الجبال والأراضي الفلسطينية في مناطق الأغوار، إذ إن تحرك ثمانية آلاف رأس من الأغنام في أراضي وجبال المنطقة يعني استمرار الوجود الفلسطيني، ومنعها من الرعي يعني استيلاء المستوطنين الكامل على تلك الأراضي.
يتابع دعيس: “ما حصل يعد المسمار الأخير في النعش، وإن أردت أن أرعى غنمي لاحقاً، سأضطر إلى دفع 70 ألف شيكل، وإن استمر هذا الوضع ربما نضطر إلى إبقاء الأغنام في الحظائر، وفي ظل عدم وجود دعم من أية جهة رسمية، وتركنا وحيدين في مواجهة المستوطنين، ربما نضطر إلى بيع الأغنام، إذ سنتكبد خسائر كبيرة حينها. نحن رعاة أغنام في الأغوار، وإن منعنا من ذلك، فسنضطر إلى إبقاء أغنامنا في الحظائر، وهذا غير ممكن، وبالتالي سنضطر إلى بيعها، وسنرحل عن المنطقة”.

جهاد بركات

المصدر: صحيفة العربي الجديد




غزة وتاريخها: هل بدأ الاحتلال بسرقة آثار القطاع؟

بعد أكثر من 100 يوم على العدوان على غزة وكل معالم الحياة فيها، نشر رئيس سلطة الآثار الإسرائيلية إيلي أسكوزيدو، عبر حسابه على تطبيق إنستغرام، مقطع فيديو يظهر جنود الجيش الإسرائيلي في موقع يضم مئات القطع الأثرية الفلسطينية داخل غزة من دون توضيح مصيرها. وبعدما انتشر الفيديو واتهم جيش الاحتلال بسرقة آثار قطاع غزة، عاد أسكوزيدو للادعاء بأن الجنود كانوا بتأكدون من سلامة هذه القطع الأثرية.

غزة وآثارها تحت الانقاض

جاء ذلك بعد أسابيع من طرح باحثين فلسطينيين أسئلة حول تعرض موقع تل أم عامر (دير القديس هيلاريون) في غزة لعمليات سرقة ممنهجة من جيش الاحتلال، طاولت كل القطع الأثرية التي كان من الممكن نقلها من أقدم الأديرة الفلسطينية.
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد عمد إلى تدمير عشرات المواقع الأثرية في قطاع غزة منذ بدء عدوانه في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. على سبيل المثال دمّر في الأشهر الثلاثة الأولى للعدوان ثمانية متاحف، بما في ذلك في رفح وخانيونس. ودمّر كلياً او جزئياً عشرات المساجد والكنائس ومواقع التراث الثقافي في مدينة غزة، كما استهدف 21 مركزًا ثقافيًا.
من جهتها، أجرت منظمة تراث من أجل السلام Heritage For Peace، (مقرها إسبانيا)، مسحاً أولياً للمواقع الأثرية التراثية بعد شهر واحد من العدوان، لتكشف أن 104 مواقع تراثية وأثرية دمّرها القصف الإسرائيلي، سواء بشكل كلي أو جزئي، أو طاولتها أضرار جانبية، تتطلّب تدخلاً لإعادة ترميمها، من أصل 325 موقعاً موجوداً في القطاع.

انتهاك القانون الدولي

أما المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فقال إن إسرائيل “تنتهك على نطاق واسع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف ومعاهدة لاهاي الدولية المتعلقة بحماية الإرث الثقافي، من خلال شنها هجمات عسكرية منهجية ضد الأماكن والآثار التاريخية أثناء عدوانها المتواصل منذ السابع من أكتوبر على قطاع غزة”.
وأعرب المرصد الأورومتوسطي عن قلقه البالغ إزاء التقارير الواردة عن احتمال استيلاء الجيش الإسرائيلي على آلاف القطع الأثرية النادرة من قطاع غزة بما قد يرتقي إلى جريمة حرب بحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
واستعاد المرصد تفاصيل الفيديو الذي نشره جيش الاحتلال الإسرائيلي في 17 يناير/ كانون الثاني، ووثق فيه تفجير ونسف حرم جامعة الإسراء الرئيسي، جنوب مدينة غزة، بعد أكثر من شهرين من احتلال حرم الجامعة واستخدامه كقاعدة عسكرية لآلياته ومركزا لقنص المدنيين ومعتقل مؤقت للتحقيق.
وذكر الأورومتوسطي أن عملية التدمير المذكورة طاولت مقر “المتحف الوطني” الذي أسسته جامعة الإسراء منذ سنوات، ويعد الأول من نوعه على مستوى الأراضي الفلسطينية، وقد ضم بين جنباته أكثر من ثلاثة آلاف قطعة أثرية نادرة، قالت الجامعة في بيان صادر عنها إن قوات الاحتلال نهبت تلك القطع قبل نسف مبنى المتحف.

ويشار إلى أن سرقة الآثار تعد من جرائم الحرب وفقًا للقانون الدولي، إذ تحظر الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (المادة 4)، والبروتوكول الأول الملحق بها، الاستيلاء على الآثار خلال النزاعات. كما يُعتبر الاتجار غير المشروع بالأملاك الثقافية، بما في ذلك الآثار، جريمة بموجب اتفاقية “يونيسكو” لعام 1970 بشأن التدابير الواجب اتخاذها لمنع استيراد وتصدير ونقل الملكية غير المشروع للممتلكات الثقافية.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ثورة الفلاحين تتمدد في أوروبا… غضب في فرنسا وألمانيا وهولندا ضد التكاليف

تأخذ احتجاجات المزارعين في فرنسا ودول أوروبية عدة منحى تصاعدياً في ظل سخط واسع من ارتفاع تكاليف الإنتاج وسطوة التجار الذين يفرضون أسعاراً متدنية فضلا عن الضغوط التي يتعرضون لها بفعل السياسات الحكومية الداعمة للمحاصيل الأوكرانية.

وأغلق المزارعون الطرق السريعة والرئيسية في جميع أنحاء فرنسا، أمس الأربعاء، وانتشرت حواجز الطرق في العديد من المناطق وجرى إلقاء روث الماشية على العديد منها، وذلك بعد يوم واحد من وفاة مزارعة وابنتها نتيجة تصادم مروري عند حاجز احتجاجي. كما قام المزارعون بقلب لافتات الطرق رأساً على عقب للاحتجاج على ما يقولون إنها سياسات زراعية لا معنى لها.

وتمثل الاحتجاجات التحدي الرئيسي لرئيس الوزراء المعين حديثاً غابريال أتال، الذي تولى منصبه قبل أسبوعين، وحكومته. والتقى أتال بممثلي نقابات المزارعين، يوم الثلاثاء الماضي. وعقب الاجتماع، وعد وزير الزراعة مارك فيسنو بتقديم مقترحات جديدة للاستجابة للأزمة بحلول نهاية الأسبوع، بما في ذلك ما يتعلق بأسعار المواد الغذائية وتبسيط اللوائح الحكومية.

وقال أرنو روسو، رئيس اتحاد المزارعين الرئيسيين في فرنسا، إن منظمته ستصدر قائمة تضم 40 تدبيراً حكوميا تزعج المزارعين منذ أكثر من 20 عاماً. وقال في تصريحات لقناة “فرانس 2” التلفزيونية إن التحركات الاحتجاجية تهدف إلى “الحصول على نتائج سريعة”.

ونقلت صحيفة لوموند الفرنسية، أمس، عن المزارع لويك كوردييه (25 عاماً) الذي قضى ليلته مستلقياً على حزمة من القش موضوعة على جزء من الطريق السريع في بلدة “هوت جارون” جنوب غرب فرنسا: “يجب على الحكومة أن تستمع إلينا لتأمين دخلنا، في المقام الأول عن طريق خفض الضرائب والعمل على ضبط هوامش الربح التي يحققها كبار تجار التجزئة”.

ورفع محتجون لافتات كتبوا عليها “هنا المقاومة مستمرة” و”نهايتنا جوعك”. وتلقى احتجاجات المزراعين دعما من حماة البيئة في فرنسا.

قالت رئيسة دعاة حماية البيئة مارين تونديلييه في مقابلة مع قناة “TF1″: ” أؤيد هذه الحركة الغاضبة للمزارعين بنسبة 200%.. لفترة طويلة جداً كنا نحن المدافعون عن البيئة حلفاء في هذه النضالات لمحاربة معاهدات التجارة الحرة، وإنقاذ الأراضي الزراعية.. عندما نحمي التربة والمياه، فإننا نحمي الزراعة”.

ويصف محتجون أن ما يجري حاليا في فرنسا هو “غضب الصغار على الكبار”، لافتين إلى أن 60% من اللحوم الفرنسية ينتجها 3% من المربين. وتسعى الحكومة الفرنسية لامتصاص غضب الفلاحين وعدم انحرافها إلى ما هو أخطر. وفي تغريدة على موقع “إكس” يوم الثلاثاء الماضي، كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “إلى مزارعينا: لقد طلبت من الحكومة التعبئة الكاملة لتقديم حلول ملموسة للصعوبات التي تواجهونها”.

كذلك قال وزير المالية الفرنسي برونو لومير، إن بلاده ستعمل على ضمان موافقة تجار المواد الغذائية بالتجزئة، على حصة عادلة من الإيرادات للمنتجين في مفاوضات الأسعار السنوية.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن لومير قوله، السبت الماضي، خلال زيارة إلى فلافيني شرقي فرنسا، إن مسؤولين من مكتب مكافحة الاحتيال التابع لوزارة الاقتصاد “سيكثفون متابعة المفاوضات التجارية الحالية لضمان الحفاظ على دخل المنتجين الزراعيين”.

ويتفاوض تجار التجزئة على الأسعار في بداية كل عام، إذ يجبرهم قانون عام 2018 على أخذ تكاليف الإنتاج في الاعتبار لضمان عدم بيع المزارعين منتجاتهم بخسارة. وأضاف لومير: “لا أريد أن تؤدي هذه المفاوضات إلى إضعاف دخل المنتجين”.

وتتمدد احتجاجات المزارعين لتشمل دولاً أوروبية أخرى. فمن من هولندا إلى رومانيا مروراً بألمانيا، يواجه المزارعون حالة من الغليان بسبب أسعار الوقود والمنافسة الأوكرانية والقيود الأوروبية. ورغم تباين دوافعهم، لكن غضبهم يتزايد في مختلف أنحاء أوروبا.

وفي هولندا تسببت خطة حكومية لخفض انبعاثات النيتروجين عن طريق الحد من المواشي بفقدان آلاف المزارعين الهولنديين مصدر رزقهم، ما دفع الفلاحين للخروج فيما يشبه الثورة على مدار أشهر طويلة، حيث بدأت انتفاضة العالم الزراعي في يونيو/ حزيران 2022 في الدولة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 18 مليون نسمة، وهي ثاني أكبر مصدر للمنتجات الغذائية بعد الولايات المتحدة.

وأصبحت الأعلام الهولندية المقلوبة رمزاً لثورتهم التي تحظى بدعم الشعبويين في جميع أنحاء العالم وبينهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. بعد أشهر من الاحتجاجات أدت الثورة ضد السلطة التنفيذية إلى دعم انتخابي عارم لحزب فتي يجمع مزارعين هو “حركة المزارعين المواطنين” التي دخلت بقوة إلى مجلس الشيوخ في مارس/ آذار 2023، لكنها فازت بأقل مما كان متوقعاً في الانتخابات العامة في نوفمبر/ تشرين الثاني.

وسرعان ما انتقلت مشاعر “السخط” في الأشهر الأخيرة إلى بولندا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر وبلغاريا، حيث يندد المنتجون بـ”المنافسة غير العادلة” من جانب أوكرانيا المتهمة بخفض أسعار الحبوب. وفي أعقاب الهجوم الروسي، علق الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية على جميع المنتجات المستوردة من أوكرانيا في مايو/أيار 2022، وأنشأ “ممرات تضامن” للسماح لكييف بنقل مخزونها من الحبوب. لكن كمية كبيرة من الحبوب تراكمت لدى جيرانها الأوروبيين.

واحتجاجا على تدفق كميات القمح أو الذرة، عمد المزارعون في بلغاريا ورومانيا إلى استخدام جراراتهم لإغلاق المعابر الحدودية مع أوكرانيا. وفي بولندا، أدت الاحتجاجات إلى استقالة وزير الزراعة في إبريل/نيسان 2023. لكن ذلك لم يساهم في تهدئة غضبهم: فقد بدأ المشغلون البولنديون بإغلاق نقاط العبور مع أوكرانيا في نوفمبر/تشرين الثاني إلى جانب سائقي الشاحنات. وعلق المزارعون تحركهم في 6 يناير/كانون الثاني الجاري بعد اتفاق مع الحكومة البولندية ينص على تقديم إعانات.

وفي رومانيا، لا يزال المزارعون يضغطون على الحكومة وتظاهروا مجددا في 14 يناير/كانون الثاني الجاري ضد الضرائب التي وصفوها بالباهظة. وعلى المفوضية الأوروبية أن تكشف قريباً نواياها بشأن تجديد الإعفاء الجمركي الذي ينتهي العمل به في يونيو/حزيران.

وفي ألمانيا أكد عدد كبير من المزارعين معارضتهم خطة حكومة المستشار أولاف شولتز، التي تقضي بزيادة الضرائب على الديزل الزراعي وجرى الإعلان عنها في ديسمبر/كانون الأول. ومطلع هذا الشهر أطلقوا أسبوع احتجاجات قامت خلاله قوافل من الجرارات بإغلاق الطرق في جميع أنحاء البلاد.

ووافقت الحكومة الائتلافية الحاكمة التي تضم الديموقراطيين الاشتراكيين والخضر والليبراليين على تقسيط إلغاء الإعفاء حتى 2026، ووعدت بقدر أقل من البيروقراطية. ولكن سيكون من الصعب عليها أن تفعل المزيد في وقت ينبغي عليها توفير المليارات من نفقات الميزانية امتثالا لإنذار القضاة الدستوريين.

وحتى في المملكة المتحدة التي خرجت من الاتحاد الأوروبي، تظاهر منتجو الفواكه والخضروات، الاثنين الماضي، أمام البرلمان في لندن احتجاجا على عقود الشراء “غير العادلة” التي تلزمهم التوزيع على نطاق واسع. ويطالب المزارعون البريطانيون بأن تلتزم المتاجر الستة الكبرى في البلاد “تيسكو” و”سسينزبوري” و”أسدا” و”موريسونز” و”ألدي” و”ليدل” باتفاقيات الشراء “المنصفة”، بما في ذلك شراء الكميات المتفق عليها ودفع المبالغ المستحقة في الوقت المحدد.

المصدر: صحيفة العربي الجديد