1

الحرب على غزة وتمثلات الذات الغربية في الصحافة العربية

كيف تُقدِّم الصحافة العربية الذات الغربية في علاقتها بالحرب الإسرائيلية على غزة وجرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؟ وما الأطر التي تستخدمها في تمثُّلاتها لهذه الدول الغربية وبناء المعاني التي تشكِّل أبعاد ومكونات صورتها؟ وما المدركات والمحددات الاجتماعية والسياسية التي تستعين بها الصحافة العربية في بناء “نسق معرفي” للذات الغربية؟ ذلك هو السؤال المركب الذي يحاول التعليق الإجابة عليه.


في ظل استمرار عملية الإبادة الجماعية بصورها المختلفة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وتواصل الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي الأميركي والغربي للحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، برزت في الصحافة العربية صورة للذات الغربية مناقضة للقوة المعيارية التي تُقدِّم بها نفسها للعالم. وتستصحب هذه القوة المسؤولية الأخلاقية والرمزية لحماية سيادة القانون الدولي واحترام قرارات المؤسسات الدولية في تحقيق وحفظ السلم والأمن، وتعزيز حماية حقوق الإنسان والحرية والمساواة والعدالة. وتُظهِر النماذج القصدية للصحافة العربية تمثُّلاتها لأبعاد هوية الذات الغربية، ومدركاتها عن الصورة التي تشكَّلت لهذه الذات في سياقات مختلفة؛ إذ تبدو كيانًا مُتَحلِّلًا من أي مسؤولية أخلاقية أو إنسانية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك داعمًا لـ”الإرهاب الصهيوني والإبادة الجماعية”. وترى الحرب على غزة “استكمالًا للمشروع الإمبريالي الغربي” الذي يروم تصفية القضية الفلسطينية عبر سياسة التطهير العرقي والتجهير القسري.

ليست هذه المرة الأولى التي تبرز فيها صورة مناقضة تمامًا للقوة المعيارية لأميركا، والغرب عمومًا، لاسيما في علاقتهما بالقضية الفلسطينية، أو القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي؛ إذ لطالما حاولت الدبلوماسية الأميركية أن تُرمِّم هذه الصورة النمطية و”تُعقِّمها” في محطات مختلفة خلال العقود الثلاثة الماضية على الأقل. وقد ظهر ذلك بقوة في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الذي توَّجَه منذ الأيام الأولى لولايته الرئاسية بما سُمِّي “خطاب المصالحة” مع العالم الإسلامي انطلاقًا من العاصمة التركية، أنقرة، (6 أبريل/نيسان 2009)، ثم العاصمة المصرية، القاهرة، (4 يونيو/حزيران 2009)، وذلك بعد حربين مدمرتين خاضهما سلفه الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن، في أفغانستان والعراق. ولا تزال حتى اليوم صور سجن “أبو غريب” في بلاد الرافدين وانتهاكات حقوق السجناء العراقيين، وقتل المدنيين الأفغان، مظهرًا لهشاشة هذه القوة المعيارية ووسمًا لزيف خطاب الدَّمَقْرَطة والحرية والعدالة عبر الدبابة الأميركية.

على الرغم من هذا الجهد الدبلوماسي/التطبيعي لإدارة أوباما من أجل تحسين صورة أميركا في العالم الإسلامي، فلا تزال صورة “المحتل الأميركي” للعراق وأفغانستان في المخيال السياسي والشعبي لهذه الدول، فضلًا عن حروبها في غرب باكستان وقبل ذلك في الصومال. وتزداد هذه الصورة قتامة فيما نطالعه عبر نماذج من الصحافة العربية اليومية خلال الحرب على غزة، وتُحاجِج وسائل الإعلام على هذا النزوع الأميركي للحروب ومشاريعها للهيمنة بطبيعة نشأة الدولة الأميركية نفسها كما سنرى لاحقًا. وهنا، يحاول هذا التعليق الإجابة على السؤال المحوري المركب: كيف تُقدِّم الصحافة العربية الذات الأميركية، والغربية عمومًا، في علاقتها بالحرب الإسرائيلية على غزة وجرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؟ وما الأطر التي تستخدمها في تَمَثُّل الذات الغربية وبناء المعاني التي تشكِّل أبعاد ومكونات صورتها؟ وما المدركات والمحددات الاجتماعية والسياسية التي تستعين بها الصحافة العربية في بناء “نسق معرفي” (الأطر الإعلامية) للذات الغربية؟   

الفعل الحربي والمسؤولية عن مساراته

تنطلق النماذج الصحفية العربية من محددات وتصورات وقيم تُشكِّل في مجموعها نسقًا معرفيًّا مبنيًّا على الأطر الإعلامية التي تحدد رؤيتها للذات الأميركية وعلاقتها بالحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وكذلك علاقتها بالقضية الفلسطينية. وهنا، تربط بعض النماذج الصحفية الحربَ على غزة -كفعل وعملية عسكرية غير مسبوقة لمواجهة حركات المقاومة من أجل تحقيق أهداف عسكرية وسياسية والتأثير في علاقات وموازين القوة- بالولايات المتحدة الأميركية أساسًا. وتنظر إلى واشنطن باعتبارها “شريكًا في العدوان وليست وسيطًا” محايدًا، فقد “أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للمضي قدمًا في الحرب”. ولذلك ترى هذه النماذج أن “الحرب تُمثِّل قضية شخصية للرئيس الأميركي، جو بايدن”؛ إذ “منذ اليوم الأول، وضعت الإدارة الأميركية، ومعها الأذرع السياسية والدبلوماسية والإعلامية، كل انشغالاتها على الرف وفرَّغت جهدها ومواردها لبحث سبل المشاركة في الحرب…”. كما أن “البريطانيين والألمان والفرنسيين الذين يختلفون على أي شيء اتفقوا في لمح البصر على المشاركة الملموسة في الحرب”.

إذن، يُظهر هذا التأطير أن الحرب “فعلٌ أميركي” بقيادة رأس هرم الإدارة الأميركية، وجهد عسكري لمواجهة الفلسطينيين بمشاركة دول غربية كثيرة؛ ما يعني أن “الفعل الحربي” على غزة يخص هذه الدول مباشرة لأهداف مختلفة قبل الاحتلال الإسرائيلي. وتحاول النماذج الصحفية أن تقيم الحجة على ذلك بما تراه مشاركة في ميدان الحرب من قِبَل الدول المذكورة التي سارعت إلى “شحن الصواريخ والقنابل وغيرها من الأسلحة الفتاكة ومعها الخبراء والضباط والجواسيس باتجاه تل أبيب… وأجهزة الرقابة والتجسس الأميركية والأوروبية…”، فضلًا عن “التغطية الإقليمية بالبوارج الحربية في أعالي البحار والمحيطات القريبة بقيادة أميركية”.

ولدعم تصورها عن إطار “الفعل الحربي”، الذي تخوضه الولايات المتحدة والدول الغربية في قطاع غزة، وأطروحتها لما تُسمِّيه النماذج الصحفية بـ”العدوان”، تشير إلى “مسؤولية” هذه الدول عن استمرار الحرب (إطار المسؤولية)، وتؤكد أن “أميركا هي المسؤولة عن الجولة الثانية من العدوان، كما الجولة الأولى… إن عودة العدوان بشقيه، العسكري البري والإبادي المدني، ما كان ليتم لولا الموقف الأميركي الذي راح يغطيه، وتشارك بريطانيا أيضًا في هذه الجولة”. وتربط هذه النماذج “مسؤولية أميركا” عن استمرار الفعل الحربي أو “العدوان” على غزة بـ”استخدامها حق النقض في مجلس الأمن، يوم السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لمنع مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة لأسباب إنسانية، وإطلاق سراح جميع الرهائن من كلا الطرفين وفتح الممرات الإنسانية… وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض للمرة الثانية في وجه مشروع قرار بشأن هدنة إنسانية في غزة بعدما صوَّتت 12 دولة لمصلحة القرار بما فيها الصين؛ ما يُظهِر اللامبالاة الأميركية تجاه المأساة الإنسانية في غزة”. لذلك تتحمل الإدارة الأميركية وزر ما جرى (المسؤولية)؛ لأن دستورها ينص على حماية المدنيين أينما كانوا ولكنها تدعم حكومة الاحتلال.   

ويُؤطِّر النسق المعرفي، الذي تُشيِّده النماذج الصحفية للذات الأميركية، الفعلَ الحربي على غزة في سياق “هجمة استعمارية غربية جديدة تتقدَّم فيها الدولة الصهيونية الصفوف”، لذلك يُمثِّل هذا الفعل استمرارًا لممارسات الماضي، مثل الاستعمار وتقسيم المنطقة، حيث لا يسمح الغرب بهزيمة ولو معنوية لإسرائيل. وقد عَجِلَت الدول الغربية، التي يُسمِّيها هذا النسق بـ”الإمبريالية الغربية”، إلى المنطقة لحماية إسرائيل والاستثمار في الحرب؛ إذ “لا تهمها الأرواح البشرية التي تسقط كل يوم بقدر ما تهمها الأرباح التي تجنيها وقت الحرب والسلم”. ولذلك “كانت الإمبريالية الغربية دائمًا منحازة ليس إلى القيم، وإنما إلى مصالحها وحلفائها الذين ينفِّذون سياستها الدولية”. وتكشف الحرب -بحسب النسق المعرفي للنماذج الصحفية المختارة- إصرار بريطانيا على مواصلة سياسة وعد بلفور بطرق جديدة؛ إذ لا تزال لحد الآن ومنذ أكثر من قرن من الزمن تعرقل مسار تحرير فلسطين، بل يرى هذا النسق أن “العدوان” على غزة يدخل في نطاق الحرب الحضارية للهيمنة الثقافية والدينية على شعوب المنطقة، والتحالف السياسي-الديني للمسيحية-الصهيونية.

وتعود هذه النماذج إلى مقارنة تداعيات غزو العراق مع ما يجري في قطاع غزة، وتُحذِّر من تحول غضب الشعوب المضطهدة إلى زيادة التطرف. وترى أن غزو العراق الذي أسهم في زيادة التعصب والتخندق الديني في صراع الأديان وصدام الحضارات بين الشرق والغرب، يلقي بظلاله على الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة؛ إذ ستُسهِم في اتساع الهوة بين الشمال والجنوب؛ الأمر الذي يجعل تداعيات هذه الحرب أشبه بتداعيات الحرب على العراق.  

التهجير القسري والإبادة الجماعية

بعد دخول الحرب على غزة شهرها الرابع لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تنفي أن يكون جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أي عملية يمكن وصفها بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، بينما تشير الأعمال الحربية لإسرائيل إلى سقوط آلاف الضحايا جراء القصف الممنهج الذي يُدمِّر المساكن فوق رؤوس المواطنين. ويستهدف أيضًا المدراس والملاجئ التابعة للأونروا، التي طُلِب من النازحين اللجوء إليها، وهو ما يفسر ارتفاع عدد الضحايا في صفوف النساء والأطفال. كما دمَّرت الآلة العسكرية الإسرائيلية بأسلوب ممنهج البنية التحية وجميع الرموز الدينية والثقافية وكل مصادر ومقومات الحياة الإنسانية من أجل تهجير السكان خارج القطاع؛ لأن قوات الاحتلال لا ترى في الفلسطينيين سوى “حيوانات بشرية” يجب منع الكهرباء والماء والغذاء عنها، بل ومحوها حتى لو تطلب ذلك استخدام السلاح النووي، كما صرح وزير التراث في الحكومة الإسرائيلية، عميحاي إلياهو. وعلى الرغم من هذه السياسة الإسرائيلية الممنهجة في التدمير المادي لحياة الفلسطينيين، وإلحاق الأذى الجسدي والروحي بالمدنيين والتحريض المباشر عليه، ومحاولة إخضاعهم عمدًا لظروف تصبح فيها الحياة مستحيلة بقطاع غزة والاشتراك في ذلك، وهي الجرائم التي تنص عليها اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، يصر وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، على أن “الإبادة الجماعية ليس لها أي أساس”، وهو ما تنقُضه النماذج الصحفية المختارة التي ترى أن إسرائيل تخوض حربًا وحشية ضد الفلسطينيين “تتجاوز فيها جميع المعايير القانونية وتنتهك الشرعية الدولية والأعراف الإنسانية بدعم أميركي للآلة الوحشية بالسلاح والإعلام ومنع إدانتها دبلوماسيًّا؛ إذ شجعتها على استمرار الحرب التي تحصد الأطفال والنساء والشيوخ وتمحو البشر والحجر وكأنها تستدعي تجربة إبادة الهنود الحمر على أيدي المستوطنين الأوروبيين”.

ويرى بعض هذه النماذج أن ما يتعامى عنه المسؤولون الإسرائيليون، أمثال نتنياهو، ورئيس دولة الاحتلال، يبدو حقائق ساطعة سبق أن أبصرها العضو في الكنيست الإسرائيلي، عوفر كاسيف، الذي انضم إلى دعوى قدَّمتها جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، واتهم حكومة بنيامين نتنياهو بانتهاج التطهير العرقي والإبادة الجماعية في قطاع غزة.

ولأن عملية الإبادة التي تستهدف الشعب الفلسطيني تتم بسلاح أميركي ومستشارين عسكريين يشاركون في الحرب -بحسب النماذج الصحفية- فليس هناك أي خلاف جوهري بين الطرفين اللذين يواصلان “حرب الإبادة الجماعية التي يتولاها جيش القتلة في قطاع غزة”. وقد أسهم تأييد الحكومات الغربية للعدوان، وحق إسرائيل المزعوم في الدفاع عن النفس، ورفض وقف إطلاق النار حتى هذا اليوم، في خطورة الإبادة الجماعية. “وهي المرة الأولى التي تُساند فيها هذه الحكومات جهارًا حرب إبادة جماعية”. بينما تربط بعض النماذج الصحفية ما يجري بأطراف محددة وتسميها بـ”حرب الإبادة الصهيوأميركية التي تنفذ بوحشية وعنف كبيرين”، وتُعلِّل ذلك بـ”العدوانية الأميركية والكراهية الشديدة التي تبديها واشنطن إزاء الشعب الفلسطيني عبر دعمها احتلال أرضه وتغاضيها منذ أزيد من نصف قرن عن المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، بل اعترافها بالقدس عاصمة موحدة لليهود”. وترى أن هذا القتل المهول الذي يستهدف المدنيين ليس له أي غاية سوى تهجير الفلسطينيين إلى أي مكان خارج حدود القطاع، وإعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني للقطاع بما يتضمن تهجيرًا واسعًا يمهد له بمجازر وتطهير وإبادة عشرات الآلاف. وتُبيِّن نماذج أخرى أن ترتيب الوضع يتجاوز غزة إلى رسم خرائط جديدة للمنطقة كما يُخطِّط له “جدول الأعمال الصهيوأميركي/الأوروبي”.  

السجل التاريخي

لا تكتفي النماذج الصحفية المختارة -في رؤيتها لعلاقة الذات الأميركية والغرب عمومًا بالإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين- بانتقاد مشاركة واشنطن فيما تراه عملية تدمير ممنهج لمصادر الحياة في قطاع غزة واستخدام الفيتو لمنع وقف إطلاق النار الذي يحصد أرواح آلاف المواطنين -كما ذُكِر آنفًا- وإنما تحاول هذه النماذج أن تجد في صفحات التاريخ المعاصر والحديث حججًا وأدلة تؤكد من خلالها النزوع الأميركي نحو الإبادة الجماعية في التعامل مع الشعوب المستعمَرة أو الدول التي شنت عليها حروبًا. وترى النماذج الصحفية، في سياق بناء النسق المعرفي للذات الأميركية وإبراز هويتها، أن “سجل أميركا الخارجي حافل بدعم أنظمة استبدادية، وتدمير بلدان، وإلقاء قنابل على مدنيين أبرياء، أكثر من أي دولة أخرى وفق نظرية الرجل المجنون الحربية”. وتشير إلى الصراعات التي أشعلتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة في التاريخ المعاصر، وتمتد من “أفغانستان إلى العراق واليمن وليبيا، وفي الشرق الأوسط وعنوانها الأبرز فلسطين، وكانت خلالها أميركا طوال عقود تدير الأزمات لصالح إسرائيل، ولم تهتم يومًا لحقوق الشعب الفلسطيني، وبات من الواضح أنها وافقت إسرائيل على حرب الإبادة والتهجير بضوء أخضر، وبدعم مطلق على جميع المستويات”.

وتؤكد نماذج أخرى أن الولايات المتحدة لم تتردد في ارتكاب أبشع الجرائم على مر العصور من أجل تحقيق أهدافها في مجال العلاقات الدولية رغم السياسة المليئة بالشعارات الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والأمن الإنساني. فقد قام الأميركيون بدور رئيسي في مذبحة هنود أميركا الشمالية عبر التهجير القسري، وأيضًا الحروب التي أودت بحياة الملايين من الهنود الأميركيين الأصليين. وفي التاريخ المعاصر، قصفت الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين خلال الحرب العالمية الثانية بأمر من الرئيس هاري ترومان ضد إمبراطورية اليابان، مما أدى إلى دمار واسع النطاق وقتل أعداد كبيرة من سكان هاتين المدينتين.

ولا تختلف صورة الذات الأوروبية وهويتها عن الذات الأميركية، فقد خاض حلفاء الاحتلال الغربيون حروبًا مشابهة خلال تاريخهم الحديث ضد السكان الأصليين، الذين تم القضاء على كثير منهم خلال غزو المستعمرات. كما خاض أغلبهم حروبًا غير متكافئة مع المقاومين للاستعمار في مجمل دول الجنوب أدت إلى مقتل عشرات الملايين. 

زيف خطاب حقوق الإنسان

تُظهِر الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي الذي يحظى به لمواصلة تدمير قطاع غزة والقضاء على جميع مصادر الحياة الإنسانية، الأزمةَ الأخلاقية التي تعيشها القوة المعيارية للغرب عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان الفلسطيني وحقه في الحرية والعدالة وإنشاء دولته المستقلة. فقد فضحت الحرب من جديد وبوضوح -كما ترى النماذج الصحفية المختارة- “الكم الهائل من الهراء الذي يتفوه به المسؤولون الغربيون حول حقوق الإنسان وحرية التعبير”. وكشفت زيف خطاب حقوق الإنسان باستخدام أميركا حق النقض ضد مشروع قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة لتعطي إسرائيل ضوءًا أخضر لارتكاب مزيد من المجازر.

وتشير هذه النماذج إلى التوظيف السياسي لمنظومة حقوق الإنسان في العلاقات الدولية، وتؤكد أن الحرب على غزة تُبيِّن جدية أطروحة القائلين إن منظومة حقوق الإنسان كما يتبناها الغرب لا تقوم على أي أساس أخلاقي مجرد، وإنما على أساس معايير انتقائية وتمييزية مزدوجة. وهذا ما يجعل من مطالبات الدول الغربية باحترام حقوق الإنسان ورقة ضغط ومساومة ضد الأنظمة المعادية لها. وتدعم هذا الرأي سرعة استجابة هذه المنظومة لما يُعتقَد أنها جرائم حرب ارتكبتها روسيا في حربها على أوكرانيا وتخاذلها أمام الجرائم المروعة التي يرتكبها الاحتلال في غزة.

الفشل في مواجهة المقاومة

على الرغم من القوة العسكرية التي تمتلكها إسرائيل والدعم العسكري الذي تتلقاه من الغرب، فإنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة بشأن تدمير حركة حماس والقضاء على البنية التحتية العسكرية لحركات المقاومة؛ إذ ترى النماذج الصحفية المختارة أن “الاحتلال الإسرائيلي يغرق في مستنقع غزة” كما غرق قبله الجيش الفرنسي في الجزائر التي انسحب منها، في 5 يوليو/تموز 1662، بعد استحالة القضاء على المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، “والأمر ذاته حدث للاحتلال الأميركي في السبعينات مع ثوار فيتنام المتحصنين بالأنفاق، وكذلك مع طالبان في كهوف جبال تورا بورا بأفغانستان بين 2001 و2021. وقد كان يضطر إلى التسليم بالهزيمة في كل مرة والانسحاب مدحورًا رغم امتلاكه لأقوى جيش في العالم”. وتقرن هذه النماذج هزيمة الاحتلال (إطار الفشل) بصمود حركات المقاومة الفلسطينية التي تُلحِق خسائر بشرية ومادية كبيرة بالجيش الإسرائيلي، وترى أن ذلك يمثِّل هزيمة كبيرة لداعميه أيضًا، “وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية التي وفرت للاحتلال ترسانة هائلة من الأسلحة المدمرة في هذه الحرب، وكانت شريكًا فعليًّا له في مذابحه بحق آلاف الأطفال والنساء، وستكون هزيمة لبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وباقي دول تحالف الشر والعدوان التي ساندت الاحتلال ودعمت جرائم الإبادة والتطهير العرقي التي يرتكبها”.

ومن المنظور الإستراتيجي، تتعرض الولايات المتحدة الأميركية -بحسب النماذج الصحفية المختارة- إلى خسائر إستراتيجية “تفوق خسائر الكيان العسكرية والسياسية أضعافًا مضاعفة، بصرف النظر عما ستؤول إليه الحرب”. فقد فضحت الشراكة بينهما أكذوبة القيم الأميركية، وغذَّت كراهية الشعوب العربية والإسلامية والعالم الحر كله للنظام الأميركي الذي يكيل بمكيالين، ويختبئ خلف شعارات القوانين الدولية، والديمقراطية الزائفة، وحقوق الإنسان، والعدالة، “وأصبحت دول العالم المقموعة تترقب لحظة الانهيار الأميركي ليزول ثقله عن صدورها”.

وتُعلِّل هذه النماذج فشل الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في تحقيق أهدافه بعمل ودور المقاومة الفلسطينية في ذلك، ورفض الشعب الفلسطيني للتهجير، وصموده الأسطوري وإصراره على الثبات في أرضه الفلسطينية والتفافه حول المقاومة التي حالت دون سيطرة الاحتلال على القطاع لاستكمال مخططاته على الأرض بهدف التخلص من الفلسطينيين وترحيلهم خارج فلسطين لتكون خالصةً لليهود ولتكون إسرائيل دولة يهودية.

إذن، تُظهِر أبعاد النسق المعرفي للذات الأميركية والغربية عمومًا، في النماذج الصحفية المختارة، الدورَ الذي تقوم به هذه الذات بجانب الاحتلال الإسرائيلي في الحرب على غزة؛ حيث تُقدِّم له جميع أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي لمواصلة جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني. وهو ما يؤثر في صورة هذه الدول التي أصبحت ملوثة بالدمار والخراب في قطاع غزة، لاسيما بعد التحول النوعي في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين في الحرية والانعتاق من الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة. وتكشف أبعاد النسق المعرفي للذات الأميركية والغربية -بحسب النماذج الصحفية- أن خطاب حقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية ليست له أية قيمة معيارية أمام مصالحها الإستراتيجية مع الاحتلال الإسرائيلي. لذلك، فإن السياق الذي تحاول أميركا أن تؤطر فيه الحرب على غزة وتداعياتها يظل حبيس الهجوم الذي شنَّته حركة حماس، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على مستوطنات غلاف غزة، ومن ثم العمل والتحرك في جميع الاتجاهات للحيلولة دون تكراره حتى لو تطلب الأمر تدمير القطاع، باعتبار الحركة تمثِّل “العدو” للطرفين. وهذا السياق يأخذ بالحسبان الاحتياجات الأمنية لإسرائيل فقط، ويتجاهل السياق العام للصراع وجذور المشكلة التي تتمثَّل في الاحتلال والاستيطان وسرقة الأرض، لكن رغم ذلك تدرك أميركا أن الاحتلال محكوم عليه بالاندحار كما حصل في الجزائر وفيتنام والصومال وأفغانستان… لأن “الأرض تقاوم مع أصحابها”.  

محمد الراجي

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




دعم كييف يعني انتحار أوروبا ببطء: مستقبل قاتم ينتظر أوكرانيا

حول انعكاس تقليص المساعدات الغربية لكييف على مستقبل أوكرانيا، والإفلاس الذي ينتظرها، كتب إيغور ياكونين وإيغور إسماعيلوف، في “كومسومولسكايا برافدا”:

على هواء إذاعة “كومسومولسكايا برافدا” ناقشنا الموضوع الأوكراني مع عضو مجلس إدارة الجمعية الروسية للعلوم السياسية فلاديمير شابوفالوف، فقال في الإجابة عن السؤال التالي:

تواجه أوكرانيا حاليا مستقبلا قاتما من دون الأموال الغربية؟

بل، في الواقع، ومع المال أيضًا. لأن من المستحيل من حيث المبدأ على نظام كييف أن يقوم بعمليات عسكرية واسعة النطاق أو أن يحافظ بشكل فعال على الاقتصاد الأوكراني المنهار دون تدخلات غربية جدية للغاية.

وهل يعترفون بذلك في الغرب نفسه؟

بالتأكيد. ومن المهم أن لا يعترف الساسة بهذه الحقيقة فحسب، بل وخبراء الاقتصاد، في المقام الأول، بما في ذلك من هم صندوق النقد الدولي. وتقول المعلومات بأن ميزانية الولايات المتحدة قد تم اعتمادها، من دون مساعدات بمليارات الدولارات لأوكرانيا.

ربما تحمّل واشنطن الاتحاد الأوروبي مشكلة أوكرانيا المالية؟

نعم، هناك احتمال أن تحاول الولايات المتحدة تحميل أوروبا عبء دعم أوكرانيا. قد ينجحون. ولكن بالنظر إلى تطورات الفترة الصعبة السابقة للانتخابات في الولايات المتحدة، فحتى قرارات السياسة الخارجية من هذا النوع، مثل الضغط الشديد على أوروبا، سيكون من الصعب على إدارة بايدن تنفيذها، في سياق الأزمة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

ولكن، إذا “أجبرت” واشنطن بروكسل على ضم كييف إلى الاتحاد الأوروبي، فلن يتمكن الاتحاد الأوروبي من التخلي عن مساعدة أوكرانيا؟

هذا الخيار محتمل. لكنه سيشكل بداية النهاية الاتحاد الأوروبي. لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتحمل مثل هذا العبء. نرى كيف أن مستوى الدعم (الشعبي) للحكومات الحالية في جميع دول الاتحاد الأوروبي الرائدة قد انخفض إلى الحد الأدنى. فالحكومات القائمة تخسر الانتخابات في هولندا وسلوفاكيا وبولندا. وانتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي قادمة، وهذا وضع معقد النسبة للاتحاد الأوروبي. ولذلك، فإن الخطط الأمريكية “لضم كييف إلى الاتحاد الأوروبي” سيكون من الصعب تنفيذها، حتى مع كل تبعية الاتحاد الأوروبي لواشنطن.

المصدر: روسيا اليوم




مواقف روسيا في الشرق تعززت

ثمة تحالفان تَشكّلا، عمليًا، بمشاركة لاعبين كبار حلفاء لروسيا في الشرق. حول ذلك كتب مدير مركز دراسة تركيا الجديدة يوري مواشيف، في “فزغلياد”:

تم تشكيل تحالفين رسميًا بمشاركة لاعبين شرقيين: مشروع “طريق الحرير- 2” مع روسيا، وطريق “الهند- الشرق الأوسط- أوروبا”. الأول يبدو أكثر قوة وأكمل صيغة من الثاني.

لقد نشأت عدة اتجاهات مهمة أدت إلى ظهور عالم جديد يتمحور حول الشرق، على حساب العالم الذي يتمحور حول الغرب. وتلقى الأخيرة ضربة قوية: يشن الحوثيون هجمات على أسطول الناقلات والحاويات التابع للشركات الأوروبية. ويشار هنا إلى أن الحوثيين اختاروا عدم المساس بالأسطول الروسي. وربما يعود ذلك إلى أن روسيا تتعاون بشكل وثيق مع إيران.

ولعل الحدث الأهم في ربيع 2023 كان إقامة علاقات دبلوماسية بين السعودية وإيران. وهذا يعيد ضبط رهانات الولايات المتحدة والغرب عموماً في الشرق الأوسط. ولكن أسوأ ما في الأمر بالنسبة للغرب، الذي اعتاد على التفرقة والغزو، هو الدور الذي لعبته الصين في إرساء السلام بينهما.

وبطبيعة الحال، لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي في العام 2023، بما في ذلك فيما يتعلق بالشرق. الأمر الرئيس، كما هو واضح الآن، كان الوعد الذي قطعه بايدن لـ مودي بمشاركة دلهي في المشروع الأميركي لإنشاء ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ويبدو أن كل شيء كان يسير على ما يرام حتى أخرجت حماس إسرائيل من هذه اللعبة. فمن دون الموانئ الإسرائيلية، يفقد الممر الأميركي بمشاركة الهند كل معنى.

ونتيجة لذلك، في نهاية العام 2023، تم تشكيل تحالفين رسميًا، بمشاركة لاعبين شرقيين – أحدهما يمثله المشاركون في مشروع “طريق الحرير- 2” المتحالف مع روسيا؛ والآخر، المشاركون في طريق “الهند– الشرق الأوسط – أوروبا”. الأول، يبدو أكثر قوة وأكمل صيغة من الثاني. وليس عبثًا أن علقت السعودية والإمارات اتصالاتهما مع إسرائيل وسط تفاقم الوضع في قطاع غزة.

وهكذا، أنهت روسيا العام 2023 لمصلحتها في الاتجاه الشرقي لسياستها الخارجية. ولا يشكك أحد في الشرق في دور موسكو ومكانتها.

المصدر: روسيا اليوم




مستشفيات غزة في مرمى القصف الإسرائيلي… حصيلة كارثية لـ100 يوم من الحرب

تنص اتفاقية جنيف بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب في مادتها الثامنة عشرة على أنه «لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى، وعلى أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات»، بينما أكدت في المادة التالية على أنه لا يعتبر عملا ضارا وجود عسكريين جرحى أو مرضى تحت العلاج في هذه المستشفيات، أو وجود أسلحة صغيرة وذخيرة أخذت من هؤلاء العسكريين ولم تسلم بعد إلى الإدارة المختصة.

رغم ما نصت عليه الاتفاقية فقد تعرضت غالبية مستشفيات قطاع غزة للضرر نتيجة القصف الإسرائيلي، ما أخرج معظمها عن الخدمة، ومع وصول الحرب في القطاع إلى يومها المائة نستعرض بعض الأضرار التي لحقت بالمنظومة الطبية في القطاع.

مساء 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تعرض المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في غزة إلى قصف أسفر عن مقتل 471 شخصا، وفق بيان لوزارة الصحة في غزة أصدرته في اليوم التالي. بينما قالت وزيرة الصحة مي الكيلة إن «آثار المجزرة فوق الوصف».

استهداف مستشفى المعمداني كان بداية سلسلة من استهداف المنشآت الطبية، من المراكز الطبية الصغيرة والعيادات إلى مجمع الشفاء الطبي أكبر مستشفيات قطاع غزة.

مجمع الشفاء

يعتبر مجمع الشفاء واحدا من أقدم المستشفيات في قطاع غزة، حيث تم بناؤه في العام 1946 ثم شهد عدة توسعات في أزمنة مختلفة ليصبح أكبر مجمع طبي في قطاع غزة ويضم 3 مستشفيات رئيسية.

بعد بدء الهجوم البري للقوات الإسرائيلية على شمال قطاع غزة في 27 أكتوبر تحولت ساحات المجمع وممراته إلى مأوى للنازحين، بالإضافة إلى العدد الكبير من الجرحى الذي يتوافد على المجمع نتيجة القصف الإسرائيلي.

طفلة مصابة تتلقى العلاج في غزة (وزارة الصحة الفلسطينية عبر تليغرام)

طلبت القوات الإسرائيلية أكثر من مرة من مدير المجمع محمد أبو سلمية إخلاءه، بدعوى وجود أنفاق أسفله تستخدمها حركة «حماس»، لأغراض عسكرية، ورغم اعتراف إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بأن إسرائيل هي من بنت أنفاق أسفله خلال توسعة للمجمع الطبي أشرفت عليها خلال سيطرتها على القطاع في ثمانينات القرن الماضي، فإن القوات الإسرائيلية حركت آلياتها لمحيط المجمع وحاصرته لعدة أيام، وقصفت بشكل متفرق أجزاء منه.

في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) اقتحمت القوات الإسرائيلية المجمع الطبي، وبدأت في تمشيطه وتجريف ساحاته وتنفيذ عمليات استجواب للمرضى والطاقم الطبي، وأفادت تقارير إعلامية بأن أكثر من 100 جندي إسرائيلي اقتحموا حرم المستشفى بآلياتهم العسكرية.

وقال شاهد عيان لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن الجنود الإسرائيليين طلبوا من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والأربعين عاما مغادرة المبنى. كما أطلق الجنود الإسرائيليون أعيرة نارية في الهواء لإجبار الجميع على المغادرة.

بعد اقتحام المجمع الطبي بعدة أيام اعتقلت القوات الإسرائيلية مديره محمد أبو سلمية، وما زال قيد الاعتقال حتى الآن.

مستشفيات شمال غزة

بعد إتمام اقتحام مجمع الشفاء الطبي، وفي تكرار للسيناريو ذاته، حاصرت القوات الإسرائيلية المستشفى الإندونيسي في شمال قطاع غزة، وبدأت في قصف محيط المستشفى الذي أصبحت ساحاته مأوى للنازحين، وافترش المرضى الأسرة والطرقات.

عانى المستشفى مثل بقية مستشفيات القطاع من نقص في المواد الطبية والوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، بالإضافة إلى ضغط على الطواقم الطبية نتيجة ارتفاع عدد الإصابات منذ بدء القصف على قطاع غزة في 7 أكتوبر.

في يوم 21 نوفمبر تعرض المستشفى الإندونيسي ومستشفى العودة القريب منه إلى قصف مباشر من القوات الإسرائيلية طال المولدات الكهربائية وأجزاء كبيرة من المباني، وفقا للمتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة.

توسيع استهداف المستشفيات والإسعاف

ومع توسع العملية البرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية، امتد القصف ليصيب غالبية مستشفيات قطاع غزة من شماله إلى جنوبه. وأبرز المستشفيات التي تعرضت للقصف هي: مجمع الشفاء الطبي، ومستشفى ناصر، والمستشفى الإندونيسي، ومستشفى كمال عدوان ومستشفى الصحابة، ومستشفى العودة، ومستشفى القدس، ومستشفى الأمل.

وقالت منظمة الصحة العالمية، يوم الخميس الماضي، إنها وثقت 625 هجوما على مرافق الرعاية الصحية في الأراضي الفلسطينية «المحتلة» منذ السابع من أكتوبر الماضي.

سيارة إسعاف تضررت نتيجة القصف الإسرائيلي على غزة (وزارة الصحة الفلسطينية عبر تليغرام)

وأكّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أنّ الوضع الإنساني في قطاع غزة «لا يوصف»، مشيراً إلى أنّ توزيع المساعدات يُتوقَّع أن يواجه عقبات «يصعب تجاوزها تقريباً».

وقال غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم الأربعاء الماضي، «ينتظر الناس مدى ساعات في طوابير ليحصلوا على كمية صغيرة من الماء التي قد تكون ملوّثة، أو الخبز الذي لا يُعدّ مغذياً جداً إذا تم تناوله وحده».

وأشار إلى أنّ «15 مستشفى فقط تعمل بشكل جزئي»، مضيفاً أنّ «النقص في مياه الشرب والمرافق الصحية والظروف المعيشية المزرية أوجدت بيئة مثالية لانتشار الأمراض».

وكرّر الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار أو أقلّه إنشاء طرق إنسانية آمنة، تتيح توزيع المساعدات على نطاق أوسع في الأراضي الفلسطينية.

بينما ذكرت وزارة الصحة في غزة أن القوات الإسرائيلية استهدفت 150 مؤسسة صحية مما أدى إلى إخراج 30 مستشفى و53 مركزاً صحياً عن الخدمة، بالإضافة إلى استهداف وتدمير 121 سيارة إسعاف.

وأضافت الوزارة، في بيان يوم الخميس الماضي، أن «الانتهاكات الإسرائيلية بحق المنظومة الصحية أدت إلى استشهاد 337 من الكوادر وأصحاب الاختصاص الطبي واعتقال 99 كادرا في ظروف قاسية وغير إنسانية».

وذكرت الوزارة، أمس الأحد، أن عدد القتلى جراء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ارتفع إلى 23843 قتيلا و60317 إصابة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

أحمد سمير يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




غزة… 100 يوم وبحر من الدماء

«نكبة» فلسطينية جديدة… إسرائيل تتوحد وراء الحرب… وحلفاء إيران يحركون جبهات الإقليم

بعد 100 يوم من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يبدو واضحاً اليوم أن لا مؤشر إلى نهاية قريبة للمأساة، في ظل تمسك إسرائيل بهدف «تدمير حماس» وإسقاط حكمها، في إطار الرد على «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ورغم أن الحرب لم تنتهِ بعد، وبالتالي سيكون من المبكر الحكم على نتائجها واستخلاص دروس منها، فإن الواضح أن تداعياتها أعادت رسم المشهد الفلسطيني الداخلي، وكذلك الإسرائيلي، وحرّكت جبهات، من جنوب لبنان (حزب الله وإسرائيل)، إلى سوريا والعراق (هجمات جماعات مسلحة ضد الأميركيين)، وصولاً إلى البحر الأحمر (هجمات الحوثيين على السفن التجارية).

وفي انتظار انتهاء الحرب وجلاء نتائجها، هذه جولة على بعض أبرز تداعياتها، محلياً وإقليمياً:

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تدخل يومها الـ100 (الشرق الأوسط)

إسرائيل… مفاجأة فانتقام

اكتشفت إسرائيل، يوم 7 أكتوبر، أن استخباراتها وأجهزتها الأمنية، وقيادتها السياسية أيضاً، كانت «نائمة» عشية «الطوفان». صدم هجوم «حماس» الإسرائيليين، وأظهر مدى هشاشة جيشهم الذي انهارت قواعده في غفلة عين. فقد سيطر مقاتلو «حماس» عليها، وعلى المستوطنات والكيبوتزات القريبة منها في غلاف غزة، بعدما اخترقوا بسهولة السياج الحدودي المحصن، قبل أن يعودوا إلى داخل غزة ومعهم ما يصل إلى 250 رهينة.

قارن الإسرائيليون «الطوفان» بمفاجأة حرب أكتوبر 1973. فقد شنت «حماس» هجومها مستغلة عطلة عيد الغفران (يوم كيبور)، تماماً كما فعل الجيشان المصري والسوري في حرب 1973. خسر الإسرائيليون في هجوم «حماس» ما لا يقل عن 1200 قتيل في يوم واحد، فيما وصلت خسائرهم في حرب أكتوبر إلى 2656 جندياً.

ولكن بعد الصدمة، جاء الرد. فقد أعلنت إسرائيل، مباشرة عقب «الطوفان»، أنها في «حال حرب». استدعت مئات الآلاف من جنود الاحتياط، ودفعت بجزء كبير منهم لاجتياح قطاع غزة، فيما حشدت جزءاً آخر على الجبهة الشمالية، خشية هجوم يشنه «حزب الله» من جنوب لبنان أو عبر جبهة الجولان من سوريا.

وبعد أسابيع من القتال الضاري، تمكن الجيش الإسرائيلي من انتزاع السيطرة على أجزاء واسعة من غزة، لا سيما في قطاعها الشمالي. لكن ذلك جاء على بحر من الدماء (23 ألف قتيل فلسطيني) ودمار لا يوصف في البنية التحتية لغزة (70 في المائة من البنية التحتية والمنشآت المدنية في القطاع دُمّرت). ورغم ذلك، يصر جيش إسرائيل على مواصلة الحرب، وعينه كما يبدو على «رد هيبته» بوصفه قوة لا تُقهر.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكّل حكومة حرب لقيادة الهجوم على قطاع غزة (د.ب.أ)

سياسياً، وحّد هجوم «حماس» إلى حد كبير الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها. إذ تمكن زعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو من تشكيل «حكومة حرب» ضم إليها خصمه الأساسي في المعارضة بيني غانتس، فيما بقي خارجها خصمه الآخر يائير لبيد. ورغم انضمام غانتس، فإن هيمنة اليمين المتطرف على الحكومة ظلت طاغية، لا سيما في ضوء سلسلة تصريحات عنصرية أطلقها وزراء هذا التيار، على غرار إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وتضمنت دعوات إلى تهجير سكان غزة وعودة الاستيطان. ووصل الأمر ببعض قادة اليمين المتطرف إلى حد التلويح بضرب غزة نووياً.

وليس واضحاً تماماً اليوم إلى أي حد ستبقى حكومة الحرب الإسرائيلية متماسكة. إذ ثمة تكهنات واسعة بأن غانتس سيخرج منها، علماً بأن استطلاعات رأي تضعه من بين أبرز المرشحين لخلافة نتنياهو في أي انتخابات قريبة.

الفلسطينيون… «نصر» فمأساة

احتفلت «حماس» في البداية بـ«الطوفان» باعتباره انتصاراً مبيناً ضد إسرائيل. لكن مشاعر الاحتفال سرعان ما خفتت بعدما تبيّن حجم الانتقام الإسرائيلي والثمن الباهظ الذي يدفعه الغزيون من لحمهم ودمهم.

ورغم مرور 100 يوم على الحرب، يبدو واضحاً اليوم أن «حماس» ما زالت قادرة على مواجهة الإسرائيليين وتكبيدهم خسائر كبيرة. لكن الحقيقة أنها تتكبد في الوقت ذاته خسائر ضخمة في صفوف مقاتليها (تفيد تقديرات بأنها فقدت آلاف المقاتلين)، كما أنها خسرت أنفاقها الضخمة تحت مدينة غزة وفي شمال القطاع، علماً بأن ما يُعرف بـ«ميترو غزة» شكل لسنوات طويلة قاعدة لنشاطها بعيداً عن أنظار الإسرائيليين. لكن مهما كانت خسائر «حماس» فإنها تبقى لا تُقارن بخسائر المدنيين من سكان القطاع، الذين يواجهون فوق ذلك كله احتمال تهجيرهم من أرضهم، ما يمثّل نكبة جديدة على غرار نكبة تهجيرهم عند قيام دولة إسرائيل عام 1948.

غزة… المساجد لم تسلم من التدمير (أ.ف.ب)

ومع تفكيك بنية «حماس» في شمال غزة، تتجه الأنظار إلى أنفاقها في خان يونس بجنوب القطاع، حيث يقول الإسرائيليون إن قادة الحركة يختبئون فيها ومعهم عدد كبير من الرهائن. ولا ترفض «حماس» مبدئياً الإفراج عن هؤلاء، لكن الثمن الذي تطلبه يتضمن وقف الحرب، وهو أمر ترفضه إسرائيل، التي تكرر إصرارها على تحقيق هدفها المتمثل بالقضاء على حكم «حماس» وتدمير قدراتها والقضاء على قادتها المتورطين في هجوم 7 أكتوبر. ولم تتمكن إسرائيل حتى الآن من الوصول إلى «المهندس» المفترض للهجوم، يحيى السنوار، زعيم «حماس» في غزة، لكنها بدأت اغتيالات تطال قادة الحركة في المنفى، على غرار صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، الذي اغتيل في الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع السنة. وتوحي التصريحات الإسرائيلية بأن الاغتيالات ستتواصل، رغم أن أحد المقترحات التي يتم تداولها حالياً لوقف الحرب يتمثل في خروج قادة «حماس» من غزة إلى المنفى. وما ينطبق على «حماس» ينطبق بالطبع على حلفائها في «الجهاد الإسلامي».

إسرائيليتان خلال مسيرة للمطالبة بالإفراج عن الرهائن في غزة (رويترز)

في أي حال، أعادت الحرب فتح ملف السلطة الفلسطينية التي أخرجتها «حماس» بالقوة من غزة عام 2007، لكنها باتت اليوم أحد الخيارات الأساسية المطروحة لملء فراغ «اليوم التالي» للحرب. وترفض السلطة ما يتم عرضه عليها في غزة، قائلة إن الأولوية هي لوقف الحرب، مشيرة إلى أنها لا تعود على ظهر دبابة الاحتلال كونها لم تخرج أصلاً من القطاع، إذ ما زالت تدفع رواتب آلاف الموظفين الذين يعملون تحت حكم «حماس».

و«عودة السلطة» في الواقع لا تبدو بالأمر السهل. فالإسرائيليون يرفضونها ويتهمونها بالتواطؤ مع «حماس». أما الأميركيون فإنهم يشترطون أن يتم «تنشيطها» وإدخال تغييرات فيها، وهو أمر ليس من الواضح كيف سيتم، وهل سيتضمن مثلاً تعيين نائب للرئيس محمود عباس، أو تقوية صلاحيات رئيس الوزراء على حساب الرئيس، أو حتى إجراء انتخابات فلسطينية جديدة. وكل هذه الأمور ستتطلب بالطبع وقتاً، وهو أمر غير متاح حالياً في ظل استمرار الحرب.

وبغض النظر عن الموقفين الإسرائيلي والأميركي، فإن الفلسطينيين يقولون، من جانبهم، إنهم مستعدون للعب دور في مستقبل غزة بعد الحرب، ولكن في إطار حل شامل يتضمن إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية، في إطار ما يعرف بحل الدولتين. ومن ضمن هذا التصور، يمكن أن تتم تسوية إشكالية رفض «حماس» الاعتراف بإسرائيل، وذلك من خلال ضمها إلى منظمة التحرير واعترافها بما تعترف به المنظمة بوصفها ممثلاً للشعب الفلسطيني.

عمليات التوغل الإسرائيلية في الضفة الغربية باتت يومية (أ.ف.ب)

الضفة الغربية… صفيح ساخن

وبموازاة حرب غزة، تواجه الضفة الغربية تصعيداً كبيراً في حملات الدهم والاغتيالات التي تقوم بها إسرائيل والتي أدت حتى الآن إلى مقتل ما لا يقل عن 347 فلسطينياً. وتهدف العمليات الإسرائيلية، كما يبدو، إلى تفكيك شبكات يُشتبه في أن فصائل فلسطينية بنتها داخل الضفة، لا سيما في مخيماتها المكتظة.

وبالإضافة إلى عمليات الجيش، يشن المستوطنون اعتداءات يومية على الفلسطينيين ويدمرون محاصيلهم الزراعية، ويقتلون مواطنين تحت أعين الجنود أحياناً. كما يستغل المستوطنون حرب غزة لتوسيع سيطرتهم على الضفة الغربية، من خلال توسيع المستوطنات أو إقامة بؤر استيطانية جديدة.

وتفيد تقارير مختلفة بأن الضفة اليوم باتت على شفير انفجار يُنذر بفتح جبهة جديدة ضد إسرائيل.

غارات إسرائيلية على عيتا الشعب بجنوب لبنان… المواجهة مع «حزب الله» ما زالت مضبوطة (أ.ب)

«حزب الله» وإسرائيل: مواجهة «مضبوطة»… حتى الآن

سارع «حزب الله»، فور وقوع هجوم 7 أكتوبر، إلى تسخين الوضع في جنوب لبنان، وهي جبهة هادئة إلى حد كبير منذ حرب عام 2006. شن الحزب هجمات واسعة على مواقع إسرائيلية قرب الحدود، موقعاً قتلى وجرحى ومتسبباً في نزوح عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل، التي ردت بعنف أكبر، موقعة عشرات القتلى من الحزب، بينهم قادة كبار.

لكن لا يبدو، حتى الآن، أن «حزب الله» يريد الانخراط في حرب شاملة دفاعاً عن حليفته «حماس»، علماً بأنه أكد أكثر من مرة، أنه لم يكن يعرف بعملية «الطوفان» قبل وقوعها. ورغم ذلك، تقول إسرائيل إنها تستعد لحرب ضد الحزب في حال فشلت الدبلوماسية في دفعه إلى الانسحاب بعيداً عن حدودها.

وفي حين أن الضربات المتبادلة تبدو مضبوطة حتى الآن، فإنها كادت تخرج عن السيطرة مرتين على الأقل. الأولى بعد أيام فقط من هجوم 7 أكتوبر في غزة، عندما انطلقت الطائرات الإسرائيلية لقصف لبنان بناء على معلومات استخباراتية بأن «حزب الله» على وشك شن هجوم عبر الحدود مماثل لهجوم «حماس» في غزة. تدخل الأميركيون آنذاك لوقف الضربة. أما الانفجار الثاني المحتمل فكان يمكن أن يحصل عندما اغتالت إسرائيل بضربة جوية قادة «حماس» في معقل «حزب الله» قرب بيروت. لكن رد الحزب اقتصر على التلويح بالانتقام. ولا شك أن «حزب الله» يأخذ في الاعتبار هنا احتمال أن تكون إسرائيل جادة في تهديدها بتحويل بيروت إلى غزة ثانية.

وبالتزامن مع المواجهات على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، شهدت جبهة الجولان السوري تسخيناً مماثلاً، لكنه أقل حدة بكثير. إذ سُجلت محاولات لإطلاق صواريخ على إسرائيل التي صعّدت هجماتها داخل سوريا مستهدفة على وجه الخصوص قادة «حزب الله» و«الحرس الثوري»، على غرار العميد سيد رضي موسوي الذي قتل بالسيدة زينب في ديسمبر (كانون الأول).

جانب من تشييع القيادي في الحرس الثوري الإيراني سيد رضي موسوي الذي قُتل بضربة إسرائيلية على دمشق وتم دفنه في طهران (أ.ب)

جماعات عراقية… الضغط على الأميركيين

حرّكت حرب غزة أيضاً ملف الأميركيين في العراق وسوريا، حيث لجأت فصائل شيعية مرتبطة بإيران إلى استهداف قواعدهم في هذين البلدين، انطلاقاً من الاعتقاد بأنه يمكن الضغط على إسرائيل لوقف حربها من خلال الضغط على حليفها الأميركي. طال القصف بالصواريخ والطائرات الانتحارية قواعد الأميركيين الأساسية في العراق؛ مثل عين الأسد والحرير، وفي سوريا مثل حقل العمر والتنف والشدادي.

ردت الولايات المتحدة على ذلك بغارات على قواعد لـ«الحشد الشعبي»، ونجحت في قتل قادة بارزين بجماعات تقف وراء شن الهجمات على جنودها.

مقاتلون من فصائل «الحشد الشعبي» يحملون صورة القيادي «أبو تقوى» الذي قُتل بضربة أميركية على بغداد (إ.ب.أ)

دفع هذا التصعيد المتبادل بين الطرفين بالحكومة العراقية إلى فتح ملف وجود التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، معلنة رغبتها في مفاوضات لجدولة انسحابه من العراق. لكن ذلك ليس بالأمر السهل، علماً بأنه يمثل رغبة إيران وحلفائها وتم طرحه مباشرة عقب اغتيال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني في بغداد عام 2020. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن يثير مطلب سحب الأميركيين أزمة جديدة مع إقليم كردستان الذي يتمسك ببقائهم.

اليمن… دخول حوثي على خط غزة

صورتان من الأقمار الاصطناعية لشركة «ماكسار» تُظهران قاعدة للحوثيين في الحديدة باليمن قبل الغارات الأميركية والبريطانية وبعدها (أ.ف.ب)

أعلن الحوثيون، المدعومون من إيران، إطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات في اتجاه إسرائيل (إيلات) دعماً لغزة، كما قالوا. لكن البحرية الأميركية والبريطانية والدفاعات الإسرائيلية أسقطت معظمها قبل أن تصل إلى هدفها. رد الحوثيون بتوسيع نطاق الهجمات لتشمل سفناً تجارية في البحر الأحمر، بحجة أنها إسرائيلية أو مرتبطة بإسرائيل. لكن كثيراً من هجماتهم طال في الواقع سفناً لا علاقة لها بإسرائيل. استدعى تهديد الحوثيين الملاحة في البحر الأحمر إنذاراً من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، وعندما رفضوا الانصياع، شن الأميركيون والبريطانيون هجمات واسعة جواً وبحراً على مواقع داخل اليمن. لكن الحوثيين ردوا بالقول إن ذلك لن يردهم عن شن هجمات جديدة «دعماً لغزة».

كميل الطويل

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




«حزام أزمات» يهدّد الأمن القومي المصري وسط ضغوط اقتصادية

وضع اقتصادي ضاغط يكاد يعصف بالطبقات الأفقر من الشعب المصري، مهدداً بإثارة اضطرابات. ويفاقم هذا الوضع «حزام أزمات» إقليمية ودولية يحيط بالبلاد، معززاً مخاطر تحديات سياسية وجيوسياسية باتت تهدد مقومات الأمن القومي، وتضيف أعباء على كاهل الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي فاز، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بولاية رئاسية جديدة تمتد حتى 2030. وفي ظل حراك دبلوماسي حثيث للسيطرة على الأزمات الإقليمية، من حرب غزة إلى صراع في السودان وانعدام الاستقرار في ليبيا، تواجه مصر مطالب بتنفيذ إصلاحات هيكلية للاقتصاد مقابل قرض صندوق النقد الدولي. وأيضاً تقف القاهرة في مواجهة وضع مضطرب على الأصعدة كافة، يدفعها لوضع خطط قصيرة وطويلة الأجل أملاً في تحجيم تداعيات الأزمة الاقتصادية، وسط مساع حكومية لتوسيع قاعدتها الشعبية والسياسية عبر برامج حماية اجتماعية لمساعدة الفئات الأكثر فقراً، و«حوار وطني» يستهدف إعادة لُحمة التحالفات السياسية التي قادت الحراك ضد حكم «الإخوان» في30 يونيو (حزيران) 2013.

وثيقة «طموحة ومحكمة» أطلقتها الحكومة خلال الأسبوع الماضي، هي عبارة عن توجهات استراتيجية مقترحة للاقتصاد المصري (2024 – 2030)، ترسم أولويات التحرك على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال السنوات الست المقبلة.

تضمنت الوثيقة الجديدة، التي أعدها «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» بمجلس الوزراء، 8 استراتيجيات تستهدف في مجملها تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام ومتوازن، تتراوح نسبته ما بين 6 و8 في المائة، مع العمل على توفير ما بين 7 إلى 8 ملايين فرصة عمل، وتحقيق مستهدفات للنقد الأجنبي بقيمة 300 مليار دولار بنهاية 2030، ما يمثل ثلاثة أضعاف المستويات الحالية.

ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، يصف الوثيقة بأنها «طموحة… لكن السؤال الرئيسي هو عن مدى واقعية أهدافها»، وفق الباحث باتر.

وحقاً، أوضح باتر في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الوثيقة تعتمد على بعض الاتجاهات الأكثر إيجابية في الفترة الأخيرة، من زيادة معدل الصادرات، وتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، وانتعاش السياحة، وارتفاع إيرادات قناة السويس في الفترة ما قبل التهديدات الأمنية في البحر الأحمر». ويضيف: «سبق أن وضعت حكومات مصر السابقة خططاً مماثلة، لم يكتب لها النجاح لأسباب مختلفة؛ بعضها خارجي وبعضها يتعلق بالمعوقات ونقاط الضعف داخل النظام المصري».

أما الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية المصري ومدير برنامج الشرق الأوسط بوقفية كارنيغي للسلام العالمي، فيرى خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الوثيقة الاستراتيجية تتضمن «رؤية مُحكمة وجيدة»، لكنه أشار إلى أنه «على مستوى أكثر عمقاً، يكمن الحل في وثيقة أخرى هي (سياسة ملكية الدولة)»، التي عدها حمزاوي «وثيقة حاكمة».

ولاية جديدة وتحديات جديدة للرئيس السيسي (د.ب.أ)

ملكية الدولة

مع نهاية عام 2022 أطلقت الحكومة المصرية «وثيقة سياسة ملكية الدولة»، وقالت يومذاك إنها «تأتي تأكيداً لحرصها على مشاركة أكبر للقطاع الخاص في توليد النمو الاقتصادي، وتتضمن منهجية تخارج الدولة من بعض الأصول المملوكة لها»، أو ما يعرف شعبياً باسم «الخصخصة» أي بيع شركات الدولة للقطاع الخاص. وهذا ما بدأت الحكومة في تنفيذه بخطى «بطيئة» إلى حد ما، بحسب مراقبين.

وضعت «سياسة ملكية الدولة» الخطوط العريضة لتخارج الدولة والمؤسسات العامة من بعض القطاعات الاقتصادية، وهو أمر «ضروري»، على حد تعبير حمزاوي، الذي يؤمن بـ«ضرورة أن يتولى القطاع الخاص قيادة التنمية».

ومن ثَمّ، يشير حمزاوي – وهو أيضاً باحث بجامعة ستانفورد الأميركية – إلى ما وصفه بـ«التجربة التنموية التي بدأتها مصر منذ سنوات وحققت من خلالها إنجازات في مجالات البنى التحتية والمرافق الأساسية ومشروعات التشغيل العملاقة وشبكات الضمان الاجتماعي». ويلفت إلى أن «تلك التجربة دخلت في الوقت نفسه في أزمات اقتصادية مالية كثيرة انعكست على الأوضاع المعيشية، عبر معدلات تضخم غير مسبوقة، وإن لم تؤد إلى تدهور نسبة الفقر بشكل كبير»، وترافق ذلك مع «أزمة الاستدانة الخارجية الكبيرة التي تثقل كاهل الموازنة العامة للدولة»، بحسب حمزاوي.

اقتصاد ريعي

هذه الأزمات لا تنكرها الدولة. بل خلال العامين الماضيين تحدث مسؤولون مصريون، عن الوضع الاقتصادي «الصعب»، وتعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت سابق، بأن بلاده «ستعبر الأزمة»، معوّلاً على «صبر المصريين» في تحمل الضغوط الاقتصادية.

كذلك، تتعرض الحكومة المصرية لانتقادات عدة بسبب سياسة الاقتراض، التي فاقمت ديون البلاد الخارجية؛ حيث تنفق الحكومة أكثر من 40 في المائة من إيراداتها على مدفوعات فوائد الديون. ويتجاوز حجم الديون الخارجية على البلاد 160 مليار دولار، وهو رقم تضاعف أكثر من مرة على مدار العقد الماضي، إذ كان يقدر بـ40 مليار دولار قبل نحو10 سنوات.

وفقاً لحمزاوي، فإن مواجهة الأزمة الاقتصادية «تستلزم الاهتمام بالتصنيع»، وهذا «أمر يشهد توافقاً بين الحكومة والقوى السياسية؛ حيث لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على موارد ريعية تتأثر بأوضاع إقليمية ودولية صعبة جداً؛ مثل السياحة وقناة السويس». وهنا يشير الباحث المصري إلى «فرص واعدة في مجال التصنيع الزراعي، والاقتصاد الأخضر»، وإلى أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى «إعادة ضبط الدفة» على مستويين: التصنيع، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، لا سيما أن «أي إعادة هيكلة اقتصادية تستتبعها أزمات مالية واقتصادية تؤثر على المجتمع»، وفقاً لحمزاوي.

يتفق الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مع هذا الكلام، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن جانباً من الأزمة الاقتصادية يعود إلى «إهمال القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة»، ما حول البلاد إلى الاعتماد على «الاقتصاد الريعي لتصبح المصادر الأساسية للنقد الأجنبي هي تحويلات المصريين في الخارج والسياحة وقناة السويس، ما يعني أنه اقتصاد يعيش على جغرافيا المنطقة وتاريخ البلاد».

وبالفعل، تتضمن الوثيقة الاستراتيجية الإشارة إلى دعم القطاعات الاقتصادية القائدة لنهضة الدولة، وتسريع وتيرة الانتقال إلى تقنيات الثورات الصناعية، والتحرك بخطى مستدامة نحو الاقتصاد الأخضر. وكذلك تعوّل مصر على الوثيقة لمواصلة كل المكتسبات المحقّقة على صعيد القطاعات الاجتماعية وعلى رأسها التعليم والصحة، تزامناً مع تحسين مستويات المعيشة، وتفعيل وتعظيم الدور الاقتصادي لقناة السويس، وتعزيز تجارة الترانزيت، فضلاً عن الدور الفاعل للمصريين بالخارج، بحسب إفادة رسمية.

تداعيات الأزمة العالمية

دائماً ما ترجع مصر أزمتها الاقتصادية إلى تداعيات الأزمة العالمية المرتبطة بالحرب الروسية – الأوكرانية، وقبلها جائحة «كوفيد – 19»، ثم الحروب الدائرة في المنطقة وآخرها حرب غزة. لكن الدكتور السيد أرجع «جزءاً من الأزمة لطبيعة النظام السياسي المصري». ولفت إلى أن السبيل لمواجهتها «يكون عبر إصلاحات تسمح بالتعددية، وتضمن استقلال الحكومة والاعتماد على مستشارين في عملية صناعة القرار».

وبينما تطرّق البنك الدولي، في تقرير صدر مؤخراً، إلى أن «مصر كانت تواجه تحديات اقتصادية منذ فترة طويلة»، فإنه أوضح أن «تلك التحديات تقاطعت مع صدمات عالمية متعددة تسببت في تضخم تاريخي في البلاد»، وأشار إلى «تحديات عدّة على المستوى المحلي، من بينها؛ تباطؤ الصادرات غير النفطية والاستثمار الأجنبي المباشر، وتقييد نشاط القطاع الخاص، فضلاً عن ارتفاع الدين الحكومي»، في بلد يتجاوز تعداد سكانه 105 ملايين نسمة، يعيش 30 في المائة منهم تحت خط الفقر الوطني، وفقاً للتقديرات الرسمية لعام 2019.

وعلى ما يبدو فإن الدولة مُدركة لأهمية فتح مجال للحوار والاستماع للخبراء، إذ أعلنت الحكومة اعتزامها إطلاق استراتيجية «للحوارات الوطنية» خلال الشهرين المقبلين، لمناقشة المواضيع التي تضمّنتها الوثيقة الاستراتيجية. ولقد عدّ رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي مشاركة الخبراء في رسم السياسات العامة «أمراً حيوياً لا غنى عنه».

تهديد الأمن القومي

التحديات الاقتصادية التي تواجه مصر باتت معروفة جيداً ما بين ارتفاع مستويات الفقر، والتضخم، والدين العام، والديون الخارجية، والاختلالات الهيكلية الناجمة عن مشاركة الدولة في الاقتصاد الإنتاجي، وفقاً للباحث باتر في معهد «تشاتام هاوس» بلندن. لكن الأخير يشير إلى تحديات أخرى جيوسياسية مثل التهديدات الأمنية في البحر الأحمر التي «تؤثر على قناة السويس وربما السياحة»، وسد النهضة الإثيوبي «الذي لم يتسبب في مشكلات خطيرة حتى الآن، لكن ربما يحدث ذلك مع تراجع معدل هطول الأمطار على النيل الأزرق».

هذا، وخلال الشهر الماضي أعلنت شركات شحن كبرى وقف رحلاتها عبر قناة السويس المصرية خشية هجمات «جماعة الحوثي» على السفن المارة في البحر الأحمر. وحتى الآن تقول مصر إن «قناة السويس لم تتأثر بتداعيات تلك الهجمات»، لكن مراقبين يرجحون تأثرها إذا استمر الوضع لفترة أطول، ما يستتبعه تأثير كبير على اقتصاد الدولة التي تعد القناة أحد موارده الرئيسية.

ولا تقل التحديات السياسية خطورة عن الأزمة الاقتصادية. ففي محاولة لاستعادة لُحمة القوى السياسية على الصعيد المحلي، دعا الرئيس المصري في أبريل (نيسان) عام 2022 إلى إجراء حوار وطني شاركت فيه قوى مدنية وسياسية عدة واستمر حتى قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعدّه خبراء «مؤشراً على انفتاح سياسي». ووفقاً لحمزاوي، فإن آلية الحوار الوطني «نقلت البلاد من غياب الحياة السياسية إلى هندسة تدريجية لانفتاح سياسي… إلا أن البلاد لم تصل بعد لانفتاح كامل وإن انطلقت خطوات تمهيدية على طريق الإصلاح التدريجي».

إصلاح تدريجي

هذا الإصلاح التدريجي عدّه حمزاوي «المسار الوحيد الممكن والآمن لمصر»، لا سيما أنها «محاطة بحزام أزمات يهدد مقومات الأمن القومي على جميع حدودها؛ ليبيا غرباً، والسودان جنوباً، وعلى امتداد الجنوب سد النهضة ومياه النيل، إضافة إلى غزة شرقاً»، وهي «مشكلات لا يمكن التعامل معها بالخطاب الشعبوي والمزايدة».

صراع مصر وإثيوبيا ممتد لأكثر من عقد من الزمان بسبب السد الذي تبنيه أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل. وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها في مياه النيل، ولم تفلح المفاوضات حتى الآن في وضع حد للأزمة، مع إعلان القاهرة الشهر الماضي نهاية المفاوضات من دون نتيجة، ما دفع البعض إلى التفكير في سيناريوهات أخرى للحل بعضها قد ينطوي على مخاطر أمنية. إلا أن حمزاوي يؤكد أن «التفاوض هو المسار الوحيد المقبول والممكن لحل هذه الأزمة». وبدوره، يرى الدكتور السيد أن «مواجهة تحديات مثل سد النهضة وغيره تتطلب العمل على تكوين تحالفات إقليمية ودولية تكون داعمة للموقف المصري في أي مفاوضات أو عند اللجوء مرة أخرى لمجلس الأمن».

من جهة أخرى، أضافت الحرب في غزة مخاطر جديدة وسط دعاوى تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، ومقترحات توطينهم في سيناء، وهو ما رفضته مصر حكومة وشعباً وعدّه السيسي «تصفية للقضية». وهنا تقول ميريت مبروك، زميلة أولى في معهد دراسات الشرق الأوسط والمديرة المؤسسة لبرنامج مصر بالمعهد، في تقرير نشره المعهد الشهر الماضي، إن «الحرب في غزة تزامناً مع الوضع الاقتصادي المتدهور في مصر، تدفع لتقلبات في الوضع الأمني للبلاد». وبينما يعلق السيد آمالاً على قدرة الحكومة المصرية على مواجهة التحديات، فإنه يظل «غير متفائل»، نظراً لانعدام المقدمات لتغيير السياسات القائمة التي «فاقمت الوضع». لكن الباحث باتر يعدّ «الشعور بالإحباط سهلاً عند النظر إلى واقع الاقتصاد المصري، لكن من المهم أن يكون هناك بعض الأمل في إمكانية تحسّن الأمور».

وفي حين ترى مبروك أن العام الحالي «سيكون صعباً»، يبدو حمزاوي أكثر تفاؤلاً فيقول إن «مصر خطت خطوات على طريق المواجهة، لكن لا يوجد حلول سريعة ولا يوجد انفتاح وإصلاح بين يوم وليلة».

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




شح الدولار وارتفاع الأسعار… أبرز التحديات الاقتصادية في مصر

تمر مصر بأزمة اقتصادية عميقة تهدد بتعطيل سياساتها الداخلية والاقتصادية والخارجية، وهي ليست الأولى من نوعها، لكن تزامنها وتحديات أخرى دفعت المراقبين لعدّها مختلفة. وبينما عانت دول عدة من تبعات جائحة «كوفيد – 19»، صمدت مصر بشكل أكبر من المتوقع، حتى جاءت الحرب الروسية – الأوكرانية لتوجه ضربة قوية للاقتصاد، تفاقمت على مدار العامين الماضيين، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

هذه الضربة نابعة من كون مصر أكبر مستورد للحبوب في العالم، وتحصل على نحو 80 في المائة من احتياجاتها من روسيا وأوكرانيا. ومع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار بنسبة تجاوزت 33 في المائة، أضيف ما يقرب من ملياري دولار إلى ميزانية دعم الحبوب في مصر البالغة 3.2 مليار دولار، ما أجبر القاهرة على الاعتماد على احتياطاتها من العملات الأجنبية.

يعد شح الدولار أحد أبرز التحديات الاقتصادية في مصر الآن، خاصة أنها تعتمد على الاستيراد، وخلال الأشهر السبعة الأولى من العام الماضي انخفضت فاتورة الاستيراد بنسبة 20.1 في المائة، مسجلة 46.3 مليار دولار، وفقاً للإحصاءات الرسمية. وترتبط الأزمة بتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية؛ حيث خرج نحو 20 مليار دولار بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2022. وبدأت الحكومة تقييد الوصول إلى العملة الصعبة، وهي سياسة عدّها مراقبون «محفوفة بالمخاطر».

معاناة المصريين مع الدولار بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 عقب قرار البنك المركزي «بتحرير جزئي لسعر صرف الجنيه»، ليقفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً. وفي أكتوبر 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس (آذار) من العام نفسه، ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز أخيراً حاجز الـ50 جنيهاً للدولار.

نقص الدولار والضغوط على السوق الموازية واقعان دفعا نحو موجة غلاء تزامنت مع ارتفاع نسب التضخم بمعدلات غير مسبوقة، حيث وصل في سبتمبر الماضي إلى 38 في المائة، قبل أن يتراجع على أساس سنوي إلى33.7 في المائة في شهر ديسمبر (كانون الأول)، وإن ظل معدلاً مرتفعاً يضع عبئاً هائلاً على السكان الذين يعيش ما يقرب من ثلثهم بالفعل تحت خط الفقر.

وبمواجهة موجات التضخم المرتفعة اتخذت الحكومة إجراءات للحد من تداعياته على المواطنين، عبر مراقبة الأسواق، وتفعيل برنامجي «تكافل» و«كرامة» لدعم الفئات الأكثر احتياجاً.

توسعت مصر خلال السنوات العشر الأخيرة في الاقتراض لتتجاوز ديونها الخارجية الآن 160 مليار دولار، تنفق على سدادها أكثر من 40 في المائة من إيراداتها. ولم يحقق قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، التأثير المأمول لجهة الحد من الأزمة الاقتصادية، ويرجع خبراء ذلك إلى أنه «قرض مشروط بتعويم سعر الصرف وتقليص الدولة لدورها بشكل كبير في الاقتصاد».

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن نسبة إجمالي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هي الأعلى حالياً بين الاقتصادات الناشئة، وتقدر بنحو 92.7 في المائة. وتتوقع موازنة مصر 2023 – 2024 أن تستوعب مدفوعات السداد 56 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي. وعد مراقبون الديون «سبباً رئيسياً في دق ناقوس الخطر». لكن المسؤولين في مصر عادة ما يوجهون رسائل طمأنة بقدرتهم على سداد التزاماتهم المالية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




غزالي عثماني… «الديمقراطي العميق» الطامح إلى ولاية ثالثة رغم المعارضة

متعهداً بـ«مواصلة بناء البلاد»، اعتلى رئيس جمهورية جزر القُمُر غزالي عثماني مسرحاً في أول مهرجان انتخابي له، أقيم في ملعب لكرة القدم بمسقط رأسه ميتسودغي الواقعة على بُعد بضعة كيلومترات عن موروني عاصمة «القُمُر الكبرى» أكبر جزر الأرخبيل المكون للدولة العضو في جامعة الدول العربية، والواقعة في عمق المحيط الهندي في منتصف الطريق بين جزيرة مدغشقر والساحل الأفريقي. عثماني عقيد الجيش السابق الذي حكم البلاد للمرة الأولى إثر انقلاب عسكري عام 1999، ثم حكمها بزي مدني عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2002، قبل أن يبعد عن السلطة عِقداً من الزمان ليعود رئيساً عام 2016 ويفوز بولاية ثانية عام 2019، يسعى اليوم للفوز بولاية ثالثة في الانتخابات المقرر إجراؤها في 14 يناير (كانون الثاني) الحالي؛ ما يمكنه من البقاء على قمة السلطة حتى 2029.

وقف غزالي عثماني بين أنصاره في ملعب كرة القدم مرتدياً بزة زرقاء بنفس لون حزب «اتفاقية تجديد جزر القُمُر» الحاكم، ليكرّر شعار «الضربة القاضية»، الذي روّجت له أغنية الحملة الانتخابية. وفي الخطاب عن حالة الاتحاد أمام مجلس الأمة، أخيراً، طالب عثماني منافسيه في الانتخابات الرئاسية بالانضمام إليه لـ«الحفاظ على التناوب السياسي السلمي والديمقراطي للسلطة». ودعا إلى «السلام وترسيخ الديمقراطية والتماسك الاجتماعي». ثم تعهد بـ«العمل مع جميع الجهات السياسية الفاعلة والمجتمع المدني؛ لضمان إجراء انتخابات حرة وشفافة وديمقراطية».

نشأة عسكرية

وُلد غزالي عثماني في الأول من يناير (كانون الثاني) 1959 في مدينة ميتسودغي، بجنوب غرب جزر القُمُر. واختار المسار العسكري في سن الثامنة عشرة؛ إذ درس في الكلية الملكية العسكرية المغربية بمدينة مكناس، في جناح المظليين، خلال الفترة من 1977 حتى 1980. وبعد العودة من المغرب، خدم عثماني في القوات المسلحة القُمُرية. وفي نهاية الثمانينات أصبح واحداً من الضباط الكبار بالجيش.

بعدها، عام 1996 التحق عثماني بدورة عسكرية في الأكاديمية الحربية بفرنسا، ورقّي لاحقاً إلى رتبة عقيد، ثم عُيّن رئيساً لأركان الجيش عام 1998. ولقد مكّنه موقعه البارز من الدخول إلى معترك السياسة؛ إذ تُعرف جزر القُمُر بأنها أرض خصبة للانقلابات العسكرية، إذ شهدت عشرين انقلاباً ومحاولة انقلابية في الفترة ما بين عامي 1975 و1999.

غير أن العقيد الطموح تعرّض لانتقادات خلال تلك الفترة، واتُهم بالتخلي عن رجاله، إبان محاولة انقلاب نفّذها المرتزق الفرنسي بوب دينارد عام 1995. ويومها، زعم منتقدوه أنه قال لدينار ورجاله: «انتظروا… سأحصل على تعزيزات»، لكنه بدلاً من ذلك لجأ إلى السفارة الفرنسية في العاصمة موروني. لكن هذه الاتهامات ينكرها عثماني جملةً وتفصيلاً.

الانقلاب على السلطة

يوم 30 أبريل (نيسان) 1999 قاد غزالي عثماني انقلاباً عسكرياً، أطاح الرئيس تاج الدين بن سعيد، وتولّى مقاليد الحكم. وفي حينه برّر عثماني الانقلاب بكونه «ضرورة لمنع اندلاع حرب أهلية»؛ لأن البلاد كانت تشهد أزمة قوية إثر تنامي النزعة الانفصالية بجزيرة أنجوان، ثاني كبرى الجزر الثلاث المكوّنة لاتحاد جزر القُمُر. وبالفعل، بقي عثماني على رأس الدولة لمدة ثلاث سنوات، أشرف خلالها على عملية المصالحة الوطنية وتبني دستور جديد للبلاد يمنح حكماً ذاتياً واسعاً لكل من الجزر الثلاث (القُمُر الكبرى – نكازيجا وأنجوان – حنزوان وموهيلي – موحيلي)، ويضمن تناوب الرئاسة دورياً بينها.

ولكن إثر رفض الأحزاب السياسية للحكم العسكري، اضطر عثمان إلى القبول بإجراء انتخابات رئاسية، فترشح وفاز بها، وأُعلن رئيساً مدنياً عام 2002. ومن ثم، ظل في هذا المنصب حتى أُعلن فوز أحمد عبد الله سامبي في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 14 مايو (أيار) 2006. واكتفى عثماني بولاية واحدة ورفض حينها البقاء في السلطة.

وفي كتاب صدر عام 2009 تحت عنوان «عندما كنت رئيساً»، سلّط عثماني الضوء على «هوسه بترك السلطة بكرامة»، كما كتبت يومذاك مجلة «جون أفريك». وقال رداً على منتقديه: إن «الغالبية تؤمن بالديمقراطية فقط عندما يمكن أن تقودهم إلى السلطة». وحقاً، ظل عثماني يتباهى بتلك الفترة من حياته، بكونه «حمى البلاد من الغرق في حرب أهلية، ووضع دستوراً أسّس للتناوب السلمي على السلطة؛ ما أفضى إلى مصالحة وطنية». غير أن معارضيه يتهمونه بالتساهل مع فرنسا بشأن النزاع حول جزيرة مايوت. ومايوت هذه هي رابع جزر الأرخبيل القُمُري الأربع، لكنها رفضت في تصويت شعبي خيار الاستقلال مع «جاراتها»، مفضلة البقاء تابعة لفرنسا وهي اليوم الدائرة الفرنسية رقم 101.

الديمقراطي العميق

الرجل الذي تباهى لفترة بتخليه عن السلطة، قرّر بعد عشر سنوات الترشح في انتخابات رئاسية أجريت يوم 10 أبريل 2016. واستطاع التقدم على منافسيه في الجولة الأولى، وأجريت جولة انتخابية ثانية للحسم بينه والمرشح المدعوم من السلطة محمد علي صويلحي، استطاع فيها عثماني التقدم أيضاً وإن شاب تلك الجولة عنف وفوضى.

بعد ذلك أمرت المحكمة بجولة ثالثة في بعض المناطق، أسفرت عن تأكيد فوز عثماني، لتعلنه المحكمة العليا رئيساً للبلاد في 15 مايو 2016، فيعود مجدداً إلى مقر الحكم «قصر دار السلام». وخلال حملته الانتخابية تلك حرص عثماني على أن يؤم الناس في صلاة الجمعة، مشدداً على نزعته الإيمانية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن أحد مستشاريه حينها قوله: إن «عثماني يعتقد أن ما يحدث له أمر إلهي… ويعدّ الإسلام عنصراً مؤسساً للأمة».

لكن عثماني الذي سبق له أن تخلى عن السلطة وقدم نفسه بوصفه «ديمقراطياً عميقاً»، أقدم عقب فوزه بالرئاسة على حل المحكمة الدستورية العليا، وعدّل الدستور عبر استفتاء عام 2018. ومنح الدستور الجديد عثماني فرصة تمديد الحكم إلى فترتين رئاسيتين، مدة كل منهما خمس سنوات، متجاوزاً نص تناوب الحكم بين الجزر الثلاث الكبرى (القُمُر الكبرى وموهيلي وأنجوان)، الذي نص عليه دستور 2002.

إذ كان من المقرر أن يتولى مرشح من أنجوان الرئاسة في عام 2021، ولكن بموجب تعديل الدستور أُنهي مفعول الرئاسة الدورية؛ ما تسبّب وقتها في اضطرابات ومظاهرات في جزيرة أنجوان التي هي ثاني كبرى جزر الأرخبيل. وبالفعل، قاطعت المعارضة الاستفتاء على الدستور، إلا أن ذلك لم يمنع تمريره، ليدعو عثماني بعد ذلك إلى انتخابات مبكرة في مارس (آذار) 2019، فاز فيها بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، وسط احتجاجات من المعارضة التي زعمت وجود مخالفات، بما في ذلك منع المراقبين المستقلين وإجراء الاقتراع المسبق.

في تلك الانتخابات أعلنت الحملة الانتخابية للرئيس، نجاته من محاولة اغتيال في أنجوان، خُطط لها بـ«وضع متفجرات فوق قمة جبل لتسبب انزلاقاً حين تنفجر وقت مرور موكب الرئيس». بيد أن المعارضة شككت في أمر الحادث، وقال إبراهيم محمد سولي، المرشح الرئاسي عن حزب «جوا»، وقتذاك: إن حملة الرئيس الحالي «تختلق هجمات وأحداثاً مزيفة لردع الناس عن المشاركة في الانتخابات بحرية».

معارضة منقسمةثم أن عثماني اتُهم باعتقال خصومه السياسيين، ونددت المعارضة بـ«نزعته السلطوية وفساد نظامه وعجزه عن الحد من الفقر المدقع الذي يعاني منه سكان البلاد البالغ عددهم 870 ألف نسمة». وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس القُمُري السابق أحمد عبد الله سامبي يقبع في السجن بتهمة «الخيانة العظمى»، وبعد أربع سنوات من الحبس الاحتياطي، حُكم عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بالسجن المؤبد، في ختام محاكمة وُصفت بـ«الظالمة». وفي القضية ذاتها حوكم غيابياً نائب الرئيس السابق محمد علي صويلح، المقيم حالياً في باريس.

وراهناً، تشهد ساحة المعارضة في جزر القُمُر انقساماً واضحاً قبيل الانتخابات الرئاسية، فبينما يؤيد أحمد عبد الله سامبي الانتخابات، يدعم محمد علي صويلح مقاطعتها. وخلال الأيام الأخيرة برزت على الساحة السياسية شخصية «مثيرة للجدل» هي زعيم «الحزب البرتقالي» محمد داود الذي تبوأ منصب وزير الداخلية بين 2016 و2021 إبان عهد عثماني. ونقلت وكالة «أ.ف.ب» عن داود، اقتراحه بـ«توافق مرشحي المعارضة على مرشح واحد فقط»، معلناً استعداده «قيادة الحملة الانتخابية للمرشح الذي سيصار إلى اختياره». وأعلنت حركة «غزالي ارحل» المدعومة من حزب «جوا» الذي يتزعمه الرئيس السابق سامبي، عن مرشحها وهو سليم عيسى عبد الله، الذي يقول إنه «يجسّد العلاج الطبي الذي تحتاج إليه البلاد»، ملمحاً بذلك إلى عمله جراح عظام. وفي المقابل، تعهد بعض أنصار وزعماء المعارضة بمقاطعة الانتخابات؛ لأن «العملية الانتخابية تفتقر إلى الشفافية»، وطالبوا السلطات بالإفراج غير المشروط عن سامبي وجميع السجناء السياسيين الآخرين.

كذلك تريد قوى المعارضة أن تعيد الحكومة تشكيل الهيئة الانتخابية لضمان استقلالها ومنع القوات المسلحة من المشاركة في العملية الانتخابية. وكان عثماني، الذي ترأس بلاده حالياً الاتحاد الأفريقي، قد أقال في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عضواً في المحكمة العليا هي حريمية أحمد التي كانت ترأس القسم المعني بالانتخابات.

طموح عثماني الابن

خلال المؤتمر الانتخابي الأول للرئيس عثماني، حضر نجله الأكبر نور الفتح غزالي، البالغ من العمر 39 سنة، مرتدياً قميص بولو أزرق اللون عليه صورة المرشح الرئاسي. وللعلم، يشغل نور الفتح منصب مستشار خاص للرئيس منذ 2019، وعُيّن أخيراً نائباً للأمين العام للجنة المعنية بتمويل الحملة الانتخابية. كذلك تردد اسم نور الفتح بكثرة في أغسطس (آب) الماضي إبان اجتماع الحزب الحاكم الخاص بتعيين أمين عام جديد له، واعتقد كثيرون أن المنصب سيذهب إليه، وهذا دور يبدو نجل الرئيس منفتحاً عليه؛ إذ قال في حديث سابق: «إذا طلب مني الحزب سأقبل قراره».

غير أن حزب «اتفاقية تجديد جزر القُمُر» الحاكم منح في النهاية فترة ولاية جديدة لأمينه العام السياسي المخضرم يوسف محمد علي، وحسب مراقبين ربما يكون تطلع عثماني الأب للبقاء في السلطة السبب وراء تأجيل تولي الابن منصب أمين عام الحزب.

في أي حال، بصفته مستشاراً رئاسياً، غالباً ما يشاهَد نور الفتح عثماني بجوار الوزراء في المؤتمرات الصحافية المتلفزة، وكان له دور فاعل في تنظيم عدد من الأحداث. وهو يقول عن نفسه دائماً إنه «يسعى للكمال». ويرى مراقبون أنه «نظراً لميول عثماني الأب إلى البقاء في السلطة؛ من المتوقع أنه يعد ابنه ليحل محله مستقبلاً».

هذا، وظهر نور الفتح على الساحة السياسية، عقب فوز والده بانتخابات عام 2019، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، وحاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال في التمويل الدولي من الولايات المتحدة، لكن صعوده السياسي لا يحظى برضا الجميع، فبينما يصفه البعض بأنه «زعيم حقيقي، صاحب رؤية»، يرى آخرون أنه «متعجرف، يطبق استراتيجية الأرض المحروقة، ويحاول القضاء على أنصار والده من الساحة السياسية».أخيراً، يأمل أنصار الرئيس عثماني أن تتكرر يوم 14 يناير الحالي نتائج انتخابات 2019 التي فاز عثماني بها من الدورة الأولى، لا سيما في ظل ضعف المعارضة وانقسامها بين فريق مؤيد للانتخابات وآخر يدعو إلى مقاطعتها. وفي حين تخشى المعارضة من «تزوير الانتخابات» وتدعو إلى «ضمان نزاهتها»، يقول مدير حملة عثماني الانتخابية: «يجري الحديث عن تزوير في كل بلد تُجرى فيه انتخابات. وجزر القُمُر ليست استثناءً»، مضيفاً: «أنا متأكد من أننا سنفوز. ونعمل على تعبئة مواطني جزر القُمُر أينما ذهبنا».

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




جزر القُمُر… ربع قرن من القلاقل والانقلابات

أكثر من 20 انقلاباً أو محاولة انقلاب عاشتها جمهورية جزر القُمُر منذ استقلالها عن فرنسا عام 1975 وحتى 1999، وسط مساعٍ مستمرة من جزر أرخبيل الواقعة في جنوب غربي المحيط الهندي، لتعزيز الاستقرار السياسي، واستخدام إمكاناته السياحية للخروج من الفقر.

يتكون الأرخبيل من أربع جزر رئيسية، استقل ثلاث منها عن فرنسا، هي القُمُر الكبرى (نكازيجا) وأنجوان (حنزوان) وموهيلي (موحيلي)، في حين صوتت الجزيرة الرابعة (مايوت) لصالح البقاء تحت الحكم الفرنسي. ومايوت، في الواقع، أرخبيل صغير مساحته 376 كيلومتراً مربعاً يتألف من جزيرتين رئيستين هما: غراند تير، وبوتيت تير، وأصبحت مستعمرة فرنسية اعتباراً من يونيو (حزيران) 1843، وأُلغيت فيها العبودية عام 1846. ولا تزال مايوت مصدر خلاف بين حكومتي موروني وباريس لم يحل، رغم أكثر من20 قراراً غير ملزم من الأمم المتحدة، بعدما أصبحت مايوت منذ 2011 رسمياً المقاطعة الفرنسية الـ101، ضمن ما يعرف بأراضي «ما وراء البحار». كان رئيس جزر القمر السابق أحمد عبد الله سامبي يقول إن «البقرة ذات الأرجل الأربعة (جزر القُمُر) أضحت «تفتقر لأحد أطرافها، وصارت عاجزة عن السير قدماً».

سكانياً، يتكون سكان جزر القُمُر من مزيج عرقي معقّد يضم أحفاد التجار العرب والمهاجرين الماليزيين والشعوب الأفريقية. أما اقتصادياً، فتعاني الدولة نقصاً في الموارد الطبيعية، وتعد نباتات الفانيليا والقرنفل وخلاصة العطور هي الصادرات الأساسية، ما يجعل اقتصادها عرضة لتقلبات السوق. وبالتالي، تشكل تحويلات مواطنيها في الخارج مصدراً مهماً للدخل.

يعود تاريخ جزر القُمُر إلى القرن الثامن، حيث تم استيطانها لأول مرة، ومنذ ذلك الوقت وحتى القرن الحادي عشر انتشر الإسلام في الجزر، وزادت أهميتها؛ كونها واقعة في طرق التجارة في شرق أفريقيا.

عام 1503 وصل إليها المستكشفون البرتغاليون، وأصبحت الجزر بعدها نقطة تموين للسفن المسافرة إلى الحصن البرتغالي في موزمبيق. ولقد ظلت كذلك حتى أسس الفرنسيون أول حكم استعماري في القُمُر عام 1843، عقب استيلائهم على جزيرة مايوت.

بعدها، عام 1912 أصبحت الجزر مقاطعة تابعة لمستعمرة مدغشقر الفرنسية. وعام 1974 صوت ثلاث جزر لصالح الاستقلال عن فرنسا، لكن مايوت صوتت لصالح البقاء معها. وعام 1975 أعلنت جزر القُمُر استقلالها، وتولي أحمد عبد الله منصب الرئيس، إلا أنه عُزل بسرعة في انقلاب بمساعدة المرتزق الفرنسي بوب دينار، وتولى الأمير سعيد محمد جعفر.

وعام 1976، تولى علي صويلح الحكم بعد انقلاب حاول فيه تحويل البلاد إلى جمهورية علمانية اشتراكية. ولكن عام 1978 قتل صويلح، وعاد الرئيس أحمد عبد الله إلى منصبه في انقلاب مدعوم من فرنسا بقيادة دينار. واتسم نظام عبد الله بالحكم الاستبدادي والتشدد الديني، وبالفعل، جرى تغيير اسم البلاد حينذاك إلى جمهورية جزر القُمُر الإسلامية الاتحادية.

عام 1989، اغتيل أحمد عبد الله على أيدي الحرس الرئاسي بقيادة المرتزق دينار الذي قاد الانقلاب، لكن فرنسا سرعان ما تدخلت لإجلاء دينار. ومن ثم، في عام 1990 انتخب سعيد محمد جوهر رئيساً للبلاد. ولكن مجدداً، أقيل عام 1995 في محاولة انقلابية قادها دينار نفسه، لم تكن مدعومة من فرنسا، ما دفع دينار للاستسلام.

عام 1996، انتخب محمد عبد الكريم تقي رئيساً، ووضع دستوراً يوسع سلطة الرئيس، ويجعل الإسلام أساس القانون. وعام 1997 أعلنت جزيرتا أنجوان وموهيلي استقلالهما. في العام التالي 1998 كانت وفاة الرئيس تقي، إثر نوبة قلبية، فحل محله القائم بأعمال الرئيس تاج الدين بن سعيد ماسوندي. ولقد وقع ماسوندي في أبريل (نيسان) 1999 اتفاق الحكم الذاتي في مدغشقر، لكن مندوبي أنجوان وموهيلي رفضوا، ما أدى إلى اندلاع مظاهرات عنيفة في جزيرة القُمُر الكبرى.

وعام 1999، أطيح بماسوندي في انقلاب قاده رئيس الأركان العامة للجيش العقيد غزالي عثماني. واستمر الصراع بين الجزر الثلاث حتى عام 2001، عندما وافق الناخبون على دستور جديد أقر تناوب السلطة بين الجزر الثلاث.

جانب من مدينة موروني… عاصمة الجمهورية وهي تقع في جزيرة القُمُر الكبرى

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




خطة أمريكية مقترحة: إعمار القطاع مقابل التطبيع مع السعودية

يعمل بريت ماكغورك، منسق الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على اقتراح لإعادة بناء قطاع غزة، ترتكز على صفقة بين إسرائيل والسعودية.

موقع “هبنغتوند بوست” أفاد على لسان مصادر في الإدارة الأمريكية بأن ماكغورك رفع اقتراحًا جديداً يربط بين إعمار قطاع غزة بعد الحرب، واستئناف مسيرة التطبيع بين السعودية وإسرائيل، التي انقطعت في 7 أكتوبر.

وحسب ماكغورك، ستكون الخطة حافزاً لإعمار القطاع، التي ستشارك فيها السعودية ودول خليجية أخرى. ومع ذلك، تخوفت مصادر في الإدارة من أن تؤدي هذه إلى عدم استقرار في المنطقة.

في الأسابيع الأخيرة عرض ماكغورك الخطة على محافل أمنية. توقع فيها محوراً زمنياً من نحو 90 يوماً، لما برأيه قد يقع في القطاع بعد انتهاء الحرب.

لقد ادعى المسؤول الأمريكي بأنه سيكون ممكناً تحقيق “استقرار” في المناطق التي دمرتها الحرب، إذا ما شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، إضافة إلى محافل فلسطينية، في جهد دبلوماسي للتوقيع على اتفاق التطبيع.

ومع ذلك، قال موظف أمريكي مطلع إن “الخطة تفوت النقطة الأساسية”، فيما يقصد بذلك أن التطلعات الفلسطينية بالدولة تدحر إلى الهوامش مرة أخرى. وحسب الخطة، سيأتي الرئيس بايدن إلى المنطقة في الأشهر القادمة في “جولة نصر” ليحصل على الحظوة على اتفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية كـ “جواب على ألم غزة”.

ستشكل خطة ماكغورك حافزاً من السعودية للمساعدة في إعادة البناء وربما تأتي هذه المساعدة أيضاً من دول غنية أخرى في الخليج مثل قطر والإمارات العربية، وذلك للضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين. ومن المتوقع أن يتفق الزعماء الفلسطينيون على حكومة جديدة سواء للقطاع أم للضفة الغربية، وتقليص النقد على إسرائيل – فيما توافق إسرائيل على نفوذ محدود للسلطة في القطاع.

في هذه الأثناء، عرض وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عناصر من الخطة على مسؤولين فلسطينيين – فرفضوها.

وإلى ذلك، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ “سي.اي.ايه” توفر لإسرائيل معلومات عن مسؤولي حماس وعن مكان المخطوفين في القطاع”.

وحسب النبأ الذي يستند إلى مصادر أمريكية، فبعد هجمة 7 أكتوبر، أمر مستشار الأمن القومي جاك سوليفان الـ “سي.اي.ايه” ووزارة الدفاع بتشكيل قوة مهمة خاصة تجمع المعلومات الاستخبارية عن مسؤولي حماس. وروت مصادر أمريكية بأن هذه القوة نجحت في كشف معلومات عن أكبر الزعماء.

وأضافت الصحيفة بأنه “ليس واضحاً كم كانت المعلومات ذات قيمة بالنسبة لإسرائيل، لأن أياً من الزعماء الكبار لم يلقَ عليه القبض أو يقتل”. أما بخصوص تصفية نائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري في بيروت في وقت مبكر من هذا الشهر، أشارت المحافل إلى أن الولايات المتحدة لم توفر معلومات ترتبط بالهجوم، وأن هذا لم يستند إلا إلى معلومات إسرائيلية فقط.

ويتضح من التقرير أن ثمة مهمة أخرى بأفضلية عليا لقوة المهمة، وهي العثور على مكان المخطوفين وجمع المعلومات عن حالتهم الجسدية والنفسية. وذلك حين يكون مدير الـ “سي.اي.ايه” وليم برنس، يعمل إلى جانب رئيس الموساد دافيد برنيع في المفاوضات لتحرير المخطوفين.

كما أشارت الصحيفة إلى وجود قوات أمريكية لعمليات خاصة كانت تعمل في إسرائيل للتدريب قبل هجمة 7 أكتوبر، وبقيت في البلاد تشارك في معالجة موضوع المخطوفين. كما أن وزارة العدل الأمريكية والمباحث الفيدرالية زادت وتيرة التحقيقات حول الأمريكيين المشبوهين بتحويل الأموال لحماس.

جدعون كوتس وحاييم اسروبتس

المصدر: صحيفة معاريف الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي