1

من يتحمل مسؤولية بقاء «القوات الأجنبية» في ليبيا؟

محللون يرون أنه لا توجد حالياً مؤشرات على خروجها

أكد عسكريون ومحللون ليبيون أن ملف القوات الأجنبية والمرتزقة في البلاد لا يزال دون حسم، مبرزين أن ذلك يمثل خطورة على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية للبلاد، وسط تساؤلات حول المتسبب في عرقلة إخراجهم.

وعدّ وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، عدم تقليل بعض الدول من قواتها ومرتزقتها الموجودة بالبلاد «مؤشراً واضحاً ينبئ عن رغبتها في البقاء؛ وتوظيف هذا الوجود بوصفه ورقة تفاوض في علاقاتها مع دول أخرى منافسة لها بالمنطقة، أو بوصفها آلية لتعزيز مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في ليبيا».

ضباط أتراك خلال تدريب قوات ليبية بضواحي طرابلس (الوحدة)

وألقى البرغثي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بجانب كبير من المسؤولية عن استمرار هذا الوجود الأجنبي على القوى الليبية، رغم توقف الحرب في البلاد، وتكرار أغلب القيادات الليبية التعهدات ورسائل الطمأنة بعدم العودة إليها. وقال إن حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لا تعارض بقاء القوات التركية والمرتزقة السوريين الموالين لتركيا، كما أنها لم تشر أي إحصاءات حديثة عن تقلص أعداد عناصر «فاغنر» الروس الموجودين بالشرق الليبي، حتى بعد وفاة مؤسس تلك المجموعة يفغيني بريغوجين في أغسطس (آب) الماضي.

ويتفق البرغثي مع ما يطرحه كثير من المحللين العسكريين بأن «الصراعات والانقلابات التي اندلعت في عدد من دول القارة الأفريقية خلال العام الماضي أعاقت بشكل كامل تنفيذ خطط اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5 + 5)، بالتنسيق مع البعثة الأممية، في إخراج المرتزقة الأفارقة، خصوصاً من دول النيجر وتشاد والسودان من الأراضي الليبية».

ولخص البرغثي رؤيته للحل «بسرعة انتخاب رئيس للبلاد، وتوحيد المؤسسة العسكرية»، محذرا من مغبة التأخير في تحقيق هذا الهدف.

تحركات روسية

يشير عدد من المراقبين إلى سعي روسيا لتأسيس مشروعها العسكري الفيلق الأفريقي بالتزامن مع وفاة مؤسس مجموعة «فاغنر» ليكون بديلا عن تلك المجموعة الأخيرة، مع إعطائه الصفة الرسمية عبر دفع مهمة الإشراف عليه لنائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك يفكيروف، الذي تعددت زياراته إلى عدد من دول القارة الأفريقية، وفي مقدمتها ليبيا والنيجر وبوركينا فاسو خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

مسؤولون ليبيون وأتراك خلال حضور مناورات أفيس 2022 في مدينة أزمير التركية (الحكومة)

وقال الباحث في مؤسسة «غلوبال أنيشاتيف»، جلال حرشاوي، إن أعداد القوات الأجنبية والمرتزقة لم يشهد تغيرا كبيرا، خصوصاً خلال الأشهر القليلة الماضية. وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود ما يقرب من 800 عنصر غير رسمي تابعين لموسكو، بالإضافة إلى قرابة 200 جندي وضابط تابعين للجيش والدولة الروسية في ليبيا.

وحدد الباحث المتخصص بالشأن الليبي مواقع تمركز الوجود الروسي في ليبيا، وهي قاعدة الجفرة وبراك الشاطئ جنوب البلاد، وقاعدة القرضابية الجوية قرب سرت، وقاعدة الخادم قرب مدينة بنغازي، وبلدة مرتوبة بالقرب من مدينة درنة بالشرق الليبي. ووفقا لتقديره فإن هناك بضع مئات من القوات التركية في ليبيا، إلى جانب ألفي عنصر سوري.

وشارك الباحث السياسي الليبي، محمد الأسمر، الآراء السابقة في احتفاظ كل من روسيا وتركيا بتمركزات قواتهما في ليبيا، مسلطا الضوء على رغبتهما في «تغيب نشر إحصاءات حول أعداد تلك القوات حاليا، أو إعلان تفاصيل وطبيعة المهام التي يضطلعون بها». وأشار الأسمر لـ«الشرق الأوسط»، إلى «إعلان البرلمان التركي مؤخرا موافقته على تمديد بقاء تلك القوات لمدة عامين قادمين، دون الإفصاح عن أعدادها بالغرب الليبي». مبرزا أن ذلك «هو النهج المتبع منذ استقدام حكومة (الوفاق) الوطني السابقة لتلك القوات نهاية عام 2019، وقصد مساندتها في حرب العاصمة من أبريل (نيسان) 2019 وحتى منتصف عام 2020».

تقلص الوجود التركي

لم يستبعد الأسمر صحة «التقديرات بتقلص عدد القوات التركية والمرتزقة السوريين في ليبيا، والتي كانت تقدر بثمانية آلاف في عام 2021 إلى ما يقرب من 3500 في عامي 2022 و2023».

أما بالنسبة لوجود «فاغنر»، ورغم كل الإشكاليات التي مرت بها هذه المجموعة بعد وفاة مؤسسها، فقد أكد المحلل السياسي أن أعدادهم تقلصت بدرجة كبيرة عما كان يتم تداوله في وسائل إعلام أميركية وأوروبية، وعزا ذلك التراجع «لاضطلاع هذه القوات بمهام كثيرة في دول الجوار الأفريقي، خصوصاً منطقة الساحل والصحراء».

الرئيس التركي في لقاء سابق مع عقيلة صالح بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش بالقصر الرئاسي (الرئاسة التركية)

ووفقاً لـ«منبر الدفاع الأفريقي» الصادر عن القيادة العسكرية الأميركية لقارة أفريقيا «أفريكوم»، فقد استقر ما يقرب من ألفين من مرتزقة «فاغنر» في الجزء الأوسط من البلاد منذ قرار وقف إطلاق النار الذي صدر في عام 2020. وفي هذا السياق يرى الأسمر أن اشتراطات الأتراك والروس على الانسحاب المتزامن، لا يقل صعوبة عن إخراج المرتزقة الأفارقة وهم الأكبر عدداً، مشيرا إلى أن «هناك ستة فصائل معارضة تشادية، يقدر عددها بـ25 ألف مقاتل، تمتهن الوجود في الجنوب الليبي، وقد تخرج وتعود مجددا عبر الحدود الجنوبية، وتتحالف مع القوى الرئيسية في شرق وغرب البلاد بدافع الحصول على المال».

كما نوه الأسمر إلى وجود ما يقدر بـ8 آلاف مقاتل من النيجر والسودان يتخذون من صحراء الجنوب الليبي مساحة لتحركاتهم، وقال إن «إخراج هؤلاء جميعا لن يتم دون التوافق مع قيادات وحكومات تلك البلدان، التي تشهد اضطرابات وصراعات في الوقت الراهن».

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




اغتيال العاروري… مغامرة محسوبة أم مقامرة لكسر القوالب؟

الجيش الإسرائيلي ينشر قائمة بأسماء قادة آخرين من «حماس»

بعد سلسلة تصريحات لوزراء ونواب من اليمين الإسرائيلي تدل على مدى الفرحة والزهو باغتيال صالح العاروري، أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعليمات صارمة ترمي إلى كبت الفرحة، وتطلب من جميع المسؤولين أن يصمتوا، وأرسل الناطقين باسمه للتنصل من المسؤولية الصريحة عن هذه العملية، التي يُحتمَل أن تندرج في إطار جرائم الحرب وفقاً لقوانين محكمة لاهاي، بل سرّب أحد مساعديه خبراً يقول إن «إسرائيل ليست وحدها المعنية باغتيال العاروري»، ويذكّر بأن الولايات المتحدة أعلنت قبل سنوات عدة أنها تطلب رأسه وخصَّصت جائزة بقيمة 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن مكانه، وهو الأمر الذي دفع واشنطن على ما يبدو إلى تسريب معلومات تؤكد أن إسرائيل هي التي نفّذت الاغتيال وأنها لم تبلغ الولايات المتحدة بشأنها إلا في وقت تنفيذ العملية، لذلك، فإن على إسرائيل أن تتحمل وحدها مسؤولية هذا الاغتيال وتبعاته.

وما من شك في أن هناك تبعات كثيرة لهذه العملية. فإلى جانب الفرحة العارمة التي سادت وطغت على تل أبيب، بدأت تطرح تساؤلات عمّا إذا كان هذا الاغتيال مغامرة محسوبة أم أنه مقامرة، يمكنها أن تقود إلى شل المفاوضات حول تبادل الأسرى، وكسر القوالب مع «حزب الله» اللبناني، وتوسيع الحرب إلى نطاق حرب إقليمية تهدد الأمن العالمي، كما تطرح سؤالاً آخر حول دور رئيس الوزراء، نتنياهو، في القرار، وهل نبع هذا الدور من «المصلحة الأمنية» و«ضرورات الحرب» التي يحددها الجيش وبقية الأجهزة الأمنية، أم نبع من رغبته في إطالة الحرب لأنه بذلك يطيل عمر حكومته؟

الغالبية المؤيدة للاغتيال ترى أن «قواعد اللعب» تغيرت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بهجوم «حماس» الناجح عسكرياً على إسرائيل، والذي وجّه ضربة قاسية إلى هيبتها وشكَّل زلزالاً مهيناً لجيشها ومخابراتها ومكانتهما العالمية، وجعلها تخرج عن طورها في الرد بهجوم مدمّر على أهل غزة، وأن القوالب كُسرت مع «حزب الله» عندما اختار أن ينضم إلى الحرب، وإن كان قد فعل ذلك بمنسوب منخفض يدل على عدم رغبة في حرب واسعة وشاملة.

لكنّ الحرب على غزة طالت، واتضح أنها لا تُسفر عن نتائج يمكن للجيش الإسرائيلي أن يعدّها مكاسب عسكرية. فقد احتل شمال القطاع كله، وظلت جيوب المقاومة تقضم قواته من الخلف، وسيطر على مقرات قيادية كثيرة لحركة «حماس» وغيرها من الفصائل، لكنّ مقاتليها لم ينكسروا، وواصلوا تنفيذ عمليات نوعية، وأوقعوا خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي.

بالطبع، الجيش الإسرائيلي وجّه ضربات قاسية إلى حركة «حماس» وقواتها العسكرية، واغتال عدداً غير قليل من قادتها الميدانيين، وحتى السياسيين، في القطاع، لكنه لم يسجل إنجازاً حقيقياً يستطيع عرضه للجمهور في إسرائيل ولنظرائه في جيوش العالم عموماً، والغرب خصوصاً، على أنه «صورة نصر». وفي هذا الوقت، هدد القادة السياسيون والعسكريون مرّات عدة باغتيال قادة «حماس» في غزة وفي الخارج، واختار نتنياهو نفسه تهديد العاروري بالاسم، في 23 ديسمبر (كانون الأول)، وتحدث آخرون عن اغتيالهم «أينما كانوا، في غزة، أو لبنان، أو سوريا، أو تركيا، أو في قطر».

لكن المفترض أن التصريحات شيء والحسابات الاستراتيجية شيء آخر، أو هكذا اعتقد العاروري، على الأقل، لأن سهولة اغتياله كانت صادمة حتى للإسرائيليين؛ فهم يفهمون أن قادة «حماس» في قطر يتجولون تقريباً بلا حراسة في الدوحة، إذ إن قطر تعد وسيطاً أساسياً في المفاوضات بين إسرائيل و«حماس»، وليس من الحكمة اغتيالهم على أرضها. أما تركيا فقد هددت إسرائيل مباشرةً إذا أقدمت على اغتيال قادة «حماس»، وليس من الحكمة الدخول في تجربة مع الرئيس رجب طيب إردوغان. وفي سوريا، لا يوجد حضور حقيقي لـ«حماس». وأما في لبنان، فهناك حسابات أكثر تعقيداً.

صحيفة «يديعوت أحرونوت» قالت (الأربعاء)، إنه في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، اكتشفت المخابرات الإسرائيلية أن قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، موجود في بيروت، وأبلغت بذلك المخابرات الأميركية. لكنّ عملية اغتياله لم تُنفَّذ هناك، وانتظروا يوماً آخر، حتى انتقل إلى العراق حيث جرى اغتياله. وقد تفادوا اغتياله في لبنان كي يتفادوا رداً من «حزب الله» ضد إسرائيل. فلماذا اختاروا اغتيال العاروري في لبنان؟ هل زال ما يسمى «الردع»؟ ولماذا قرروا في إسرائيل شد الحبل حتى آخر رمق؟ ألم تعد إسرائيل تتحسب من حرب موسعة؟ وإذا كانت مصلحة نتنياهو تقتضي إطالة الحرب لأغراض شخصية وحزبية، فهل الجيش الإسرائيلي قبل أن يكون أداة حزبية لخدمته؟ وإذا كان يبحث عن صورة نصر، فهل تستحق هذه الصورة المغامرة، التي قد تتحول إلى مقامرة، احتمالات الخسارة فيها أكبر من احتمالات الربح؟

الجواب كما يبدو إيجابي على جميع الأسئلة. فهو يريد الصورة بأي ثمن، حتى لا يخرج من الحرب فيما العالم يتفرج على مئات، وربما آلاف الأسرى الفلسطينيين يغادرون سجونهم وهم يرفعون شارة النصر، وبينهم أسرى ثقيلو الوزن. لا بل إن الجيش لا يتردد طويلاً في إظهار رغبته في مزيد من الاغتيالات. وكما قال مسؤول أمنى سابق كبير، فإن «اغتيال العاروري أفضل صورة نصر يمكن أن تنتهي بها الحرب. الاغتيال في قلب العاصمة بيروت، بل في معقل حزب الله، يُحسّن صورة الجيش والمخابرات على السواء في نظر الجمهور الإسرائيلي وفي نظر جيوش العالم. لقد أثبتنا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت يقظة، واستعادت قدراتها العالية في الحصول على معلومات استخبارية دقيقة في الوقت المناسب، وبيّنت أن عيوننا عادت لتكون مفتوحة جيداً، وأن يدنا طويلة، ونستطيع الوصول إلى قلب الضاحية في بيروت، وأن لدينا أسلحة متطورة تنفّذ عملية جراحية عميقة في مكان مأهول من دون إحداث أذى كبير لمنطقة كبيرة، وأن (حزب الله) لم يعد رادعاً لنا، وبإمكاننا أن نتحداه، ليس فقط في الجنوب اللبناني، بل في عقر داره».

واللافت أن التقديرات الإسرائيلية تقول إن الاحتمالات بأن يمر اغتيال العاروري بلا رد جدي أكبر من احتمالات رد يشعل المنطقة بحرب واسعة. وحسب مسؤولين تكلموا إلى معلق الشؤون الأمنية في «واي نت»، رون بن يشاي، فإن «النتيجة الفورية لاغتيال العاروري ستكون خلق شعور بالمطاردة لدى القيادات السياسية لـ(حماس) الموجودة في قطر، وبينهم رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، الذي كان العاروري نائباً له، وموسى أبو مرزوق، الذي كان العاروري قد حلّ محله في المنصب، وشخصيات أخرى في قيادة الحركة ممن يوجدون خارج غزة». وقد نشر الناطق بلسان الجيش قائمة بأسماء هؤلاء القادة، وبينهم خالد مشعل، وغازي حمد، وأسامة حمدان، وخليل الحية وغيرهم.

ويقول بن يشاي: «يحيى السنوار لا يتأسف كثيراً على اغتيال العاروري، الذي كان خصماً سياسياً مريراً له، ونافسه على قيادة الحركة. ولكن الاغتيال سيؤثر على مدى استعداد (حماس) لإبرام صفقة تبادل أسرى، وربما يجعل قيادة (حماس) في قطر تتوجه إلى مصر للضغط على السنوار كي ينفّذ صفقة كهذه، على أن يكون أحد شروطها منح القيادات الحماسية حصانة من الاغتيالات الإسرائيلية. وبند كهذا يتجاوب أيضاً مع مصلحة السنوار في الحصول على حصانة. وقد ردت (حماس) على الاغتيال بتجميد المفاوضات على صفقة تبادل، لكن في إسرائيل لا يتأثرون بذلك، بل يقدرون أن اغتيال العاروري سيساعد في نهاية المطاف على التقدم في المفاوضات بسبب ما ينطوي عليه من ضغط عسكري على (حماس)».

لكنّ هذا لا يجعل إسرائيل تستخفّ تماماً بالاحتمالات الأخرى. لذلك رأينا جيشها يرفع من درجة الاستعداد والتأهب في كل وسائل الردع. وهناك استعداد لإحداث تغييرات في الجبهة الداخلية لمجابهة ضربة يقررها «حزب الله»، رداً على الاغتيال.

وفي الضفة الغربية، واصلت القوات الإسرائيلية مداهماتها في منطقة طولكرم ونابلس والخليل، لاعتقادها أن خلايا تعمل في هذه البلدات وفي مخيمات اللاجئين القريبة منها وفي مخيمات أخرى، تستعدّ لتنفيذ عمليات انتحارية في المدن الإسرائيلية والمستوطنات. وانتشرت قوات كبيرة من الشرطة على مداخل البلدات الإسرائيلية في منطقة المركز وعلى طول حدود الجدار العازل، وكذلك في المدن الكبرى، تل أبيب والقدس وحيفا. وقام «الشاباك» بتعزيز قواته لحماية السفارات والقنصليات الإسرائيلية في الخارج، وكذلك المؤسسات اليهودية الدينية، بالتنسيق مع أجهزة الأمن المحلية في كل دولة، تحسباً لاغتيالات، ووجّه تعليمات مشدَّدة إلى الدبلوماسيين الإسرائيليين بألّا يتحركوا علناً في الدول التي يخدمون فيها إلا للاحتياجات الملحّة.

نظير مجلي

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




العاروري… 10 سنوات من التهديد والمطاردة

هدده نتنياهو قبل «الطوفان» بوصفه مشعل الحروب… ومراكم الاتصالات من

طهران إلى بيروت والقدس وغزة

في نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، أي قبل نحو شهر ونيف من عملية «طوفان الأقصى»، هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، القيادي في «حماس» صالح العاروري بالاغتيال، وجاءت تصريحاته في ظل موجة تحريض كبيرة في إسرائيل على العاروري بوصفه يقف خلف إعادة بناء بنية «حماس» التحتية في الضفة، وتشكيل خلايا للحركة في لبنان، وكان رد العاروري بسيطاً آنذاك، عبر صورة وهو يرتدي الزي العسكري، يجري مكالمة وأمامه قطعة سلاح شخصي طويلة، في مشهد يختصر تهديدات طويلة متبادلة بدأت تقريباً مع عام 2014 عندما تحول الرجل إلى مطلوب للاغتيال، وانتهت باغتياله فعلاً، في اليوم الثاني من عام 2024، بعد نحو 10 أعوام على التهديدات و3 أشهر على هجوم «طوفان الأقصى» الذي رأت إسرائيل أن العاروري أحد رجالاته.

من هو العاروري؟

حتى الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية في مارس (آذار) من عام 2010، لم يكن اسم صالح العاروري معروفاً على نطاق واسع، لكن في عام 2014 تحديداً، صار واحداً من أهم المطلوبين في «حماس»، بعدما بدأت إسرائيل تعده مطلق شرارة الحرب في ذلك العام، وظل على رأس هذه القائمة، حتى اضطر نتنياهو لتهديده شخصياً بالاغتيال قبل الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهو تهديد لاقى طريقه للتنفيذ.

بدأ اسم العاروري بالانتشار أكثر مع مغادرته السجون الإسرائيلية بسبب طريقة الإفراج عنه التي جاءت بعد موافقته طوعاً على الإبعاد من الأراضي الفلسطينية إلى دمشق، ثم خفت اسمه قبل أن ينجح في الحصول على عضوية المكتب السياسي للحركة، وينتقل للعيش في تركيا في أعقاب الأزمة التي نشبت بين «حماس» وسوريا على خلفية الأحداث التي اندلعت ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

خلال عام 2014، تكرر اسم العاروري مرات عدة، واتهمته إسرائيل في يونيو (حزيران) بالوقوف وراء خطف وقتل 3 مستوطنين إسرائيليين في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وكررت الاتهام لاحقاً، قبل أن يعترف هو شخصياً بمسؤولية «حماس» عن العملية التي ظلت الحركة حينها تنفي صلتها بها. ولم يكد ينسَى اسم العاروري حتى عادت إسرائيل واتهمته في أغسطس من نفس العام 2014، بالمسؤولية عن تشكيل خلية للانقلاب على الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الضفة الغربية، وهي اتهامات رد عليها العاروري بدفع مصالحة مع حركة «فتح» قادها من جهة «حماس» مقابل القيادي في «فتح» جبريل الرجوب.

ظل العاروري محل جدل كبير، واستخدم وزير الدفاع موشيه يعالون اسمه في عام 2015 لمهاجمة تركيا قائلاً: «انظروا إلى صالح العاروري، إنه الشخص المسؤول عن عملية خطف وقتل 3 شبان إسرائيليين في يونيو الماضي، إنه مقيم هناك (في إسطنبول). أين العالم من هذه المسألة؟».

لم تنسه إسرائيل أبداً، وظل المسؤولون هناك يقولون خلال الأعوام القليلة الماضية إنه يقف خلف بنية «حماس» التحتية في الضفة، وراحوا ينسبون له كل هجوم في الضفة بما في ذلك محاولة إشعال التصعيد في الضفة والقدس خلال العامين الماضيين، ثم اتهمته بالوقوف خلف بنية «حماس» الجديدة في لبنان، والعمل على توحيد الساحات.

تحول رأسه إلى مطلوب فوراً بعد حرب «طوفان الأقصى»، وانتبه الإسرائيليون إلى أنه كان حذر من مواجهة قريبة متعددة الجبهات قبل ذلك بقليل.

بعد بدء إسرائيل حرباً على القطاع، اقتحمت قوات إسرائيلية منزل العاروري في بلدة عارورة شمال رام الله، وحولته إلى ثكنة عسكرية ومقر للتحقيق تابع لـ«الشاباك» الإسرائيلي، في خطوة بدت متعمدة وانتقامية.

وخلال الشهور الثلاثة الماضية ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية على العاروري، وقال اللواء احتياط إيتان دانغوت، الذي شغل منصب السكرتير العسكري لـ3 وزراء جيش سابقين: «أعتقد أنه الشخصية الأكثر خطراً داخل (حماس) اليوم، وأرى أن دمه مهدور، فهو الشخصية الأكثر تطرفاً، والذي يسعى لقتل أكبر عدد من الإسرائيليين».

وقالت صحيفة «يو إس إيه توداي» الأميركية بعد عملية «طوفان الأقصى» إن إسرائيل أطلقت عملية مطاردة دولية لاستهداف العاروري، الذي يعتقد أنه كان على علم مسبق بتفاصيل الهجوم الذي شنته الحركة الشهر، وكذلك لأنه حلقة وصل بين الحركة من جهة، وإيران و«حزب الله» اللبناني من جهة ثانية.

وتطرقت الصحيفة لتصريحات العاروري قبل الحرب، ونقلت عن مسؤولي استخبارات حاليين وسابقين في الولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك وثائق حكومية وقضائية أن العاروري يعد حلقة وصل استراتيجية بين 3 جهات، هي: «حماس» و«حزب الله» وإيران.

كثيراً ما وصفت وسائل إعلام إسرائيلية العاروري بأنه المطلوب الأول للاغتيال، بوصفه الشخصية الأكثر كاريزما في الخارج، ومراكم الاتصالات من طهران إلى بيروت والقدس وقطاع غزة من أجل تحقيق هدفه الأعلى، وهو الهجوم على إسرائيل من كل الساحات.

وإسرائيل ليست الجهة الوحيدة التي كانت تريد رأس العاروري، وكانت واشنطن قد وضعته على قائمة العقوبات الأميركية المرتبطة بالإرهاب، ورصدت مكافأة قدرها 5 ملايين دولار من وزارة الخارجية الأميركية لمن يدلي بمعلومات تؤدي لقتله أو اعتقاله.

ينحدر العاروري من قرية عارورة شمال غربي رام الله.

وُلد في 19 أغسطس 1969، ودرس الابتدائية والإعدادية في مدارس القرية، وأنهى دراسته الثانوية في رام الله، والتحق بجامعة الخليل قسم العلوم الشرعية، وكان «أمير» الكتلة الإسلامية بعد أن التحق بـ«حماس» فور انطلاقتها عام 1987.

اعتُقل أول مرة عام 1990، ولاحقاً اتُهم بالمشاركة في تأسيس «كتائب عز الدين القسام» (الجناح العسكري لـ(حماس))، وظل يتردد على السجن حتى أبعد الى الخارج عام 2010.

في 2021، انتُخب العاروري رئيساً للحركة في الضفة الغربية ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس».

كفاح زيون

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




العاروري في عيون إسرائيل

المسؤول عن إعادة العلاقات مع إيران والسعي لإنهاء الانقسام الفلسطيني

رغم أن إسرائيل تعرف جيداً أن اغتيال نائب رئيس حركة «حماس»، صالح العاروري، مثل كل الاغتيالات التي قامت بها على مدار سنين وعقود مضت، لن يحقق لها مكاسب استراتيجية، وتجربتها تدل على أن كل من تغتاله سيحل محله قائد آخر يعبئ مكانه بجدارة، بل يفوق سلفه بدرجات، فإنها تعتبره إنجازاً كبيراً في الحرب، يصلح حتى أن يكون «صورة النصر». وهي تعتبر أن هذا الاغتيال يعتبر أهم عملية اغتيال قامت بها منذ اغتيال أحمد الجعبري، نائب القائد العام لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس» والقائد الفعلي لها على الأرض، في سنة 2012. بل إنها تعتبر اغتياله عملية تأخرت أكثر من اللازم، كونه عرف كيف يخدع إسرائيل ويؤذيها ويمس بمخططاتها.

في إسرائيل يعرفون العاروري جيداً، ليس فقط من خلال جمع المعلومات الاستخبارية حوله. فقد عايشوه من خلال نشاطاته منذ كان شاباً صغيراً، في قريته عارورة في الضفة الغربية، ثم لدى مشاركته في تأسيس حركة «حماس» وقيادة نشاطها في كلية الشريعة الإسلامية في الخليل في سنة 1985. ولكنها عرفته أكثر من خلال اعتقاله الطويل في سجونها، بدءاً من اعتقاله الإداري في الفترة الممتدة بين عامي (1990 ـ 1992)، ثم سجنه في عام 1992 بتهمة تشكيل الخلايا الأولى لكتائب القسام في الضفة الغربية والحكم عليه بالسجن 15 عاماً لدوره في تخطيط عمليات خطف وقتل إسرائيليين. ثم اعتقاله مجدداً في سنة 2007.

من «الحركة الأسيرة» إلى «حماس»

لقد رأوا فيه شخصية قيادية ذات رؤيا وطنية فلسطينية تتغلب على رؤيته الإسلامية، وبرز ذلك في نشاطه في قيادة «الحركة الأسيرة»، ورأوا أنه أقام تحالفات مع ممثلي الفصائل الأخرى، بمن فيها «فتح»، بخلاف يحيى السنوار، الذي يرون أنه كان على خصومة معه. ورأوا فيه تحيزاً للضفة الغربية، لدرجة أنه أقام كتائب الحركة في الضفة الغربية باسم مختلف هو «كتائب الشهيد عبد الله عزام»، لكي يميزها عن «كتائب الشهيد القسام» في قطاع غزة، وبعد تدخل الشيخ أحمد ياسين، تنازل عن التسمية المستقلة وقبل بوضعها تحت قيادة «القسام».

ولاحظ الإسرائيليون أيضاً أن العاروري يهتم بالمجتمع اليهودي، فتعلم داخل السجن اللغة العبرية، وقرأ العديد من الكتب العبرية، من خلال مبدأ «اعرف عدوك». وكان مزعجاً لمصلحة السجون من خلال الإضرابات العديدة التي قادها بهدف تحسين أوضاع وشروط اعتقال الأسرى، والتي رضخت فيها السلطات الإسرائيلية. لذلك، وافقت على «التخلص» منه في عام 2010، حيث قررت المحكمة العليا الإسرائيلية الإفراج عنه وإبعاده خارج فلسطين.

فعلى الصعيد العسكري، نظم العاروري عمليات مسلحة كثيرة، واخترع طرق مقاومة جديدة، من ضمنها صناعة صواريخ في مخيمات اللاجئين في جنين ونابلس، وصنع عبوات ناسفة ضخمة تتجرأ على تفجير وتدمير آليات إسرائيلية عند مهاجمة المخيمات، ونقل تجربة حفر الأنفاق تحت الأرض إلى المخيمات، وتجربة نصب الكمائن، ثم تطوير آليات للعمليات الفردية بأبسط الأدوات، من الطعن بالسكين إلى الدهس بالسيارات.

مهندس المصالحة مع إيران وسوريا

وعلى الصعيد السياسي، بادر إلى مصالحة مع إيران وسوريا و«حزب الله»، بعدما ساد خلاف طويل مع هذا المحور بسبب موقف «حماس» السلبي من ممارسات نظام الأسد خلال هبّة 2010. وكان يدفع نحو المصالحة الفلسطينية الداخلية إلى حد ما في الضفة الغربية، ويتعاون مع حركة «فتح» وغيرها من الفصائل.

الصحافي ناحوم بارنياع، كتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (الأربعاء) أن «صالح العاروري كسب عن حق مكانه في قائمة المرشحين للتصفية، حتى لو لم يكن مشاركاً شخصياً في تخطيط وتنفيذ المذبحة في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، فإن موجة الإرهاب الحماسية في الضفة مسجلة كلها على اسمه. وهو، مثل يحيى السنوار، زميله وخصمه في غزة، كان يعتمر قبعتين على رأسه: قبعة سياسية وقبعة عسكرية. وفي مهنتيه المتوازيتين، كان عدواً وحشياً وابن موت. وينبغي الافتراض أن جهاز الأمن فرح أمس في أعقاب تصفية العاروري. الفرحة مفهومة تماماً. قبل كل شيء، الحساب الدموي صفي: لا يوجد ما هو أكثر إنسانية، وأكثر طبيعية، من الرغبة في الثأر ممن هو مسؤول عن قتل عشرات، وربما مئات الإسرائيليين. ثانيا، علّمت التصفية قادة حماس أن الإعلانات على لسان محافل إسرائيلية عن استئناف التصفيات جدية وقابلة للتنفيذ. وثالثا، نصر الله بات يعرف الآن أنه حتى بعد ضربة 7 أكتوبر، تعرف إسرائيل كيف تدخل إليه في البيت، إلى قلب الضاحية الشيعية في بيروت».

وكتب طال ليف رام في «معاريف» أن «إسرائيل قصدت من التصفية في لبنان قيادة حماس، وكذلك توجيه رسالة إلى (حزب الله) ودولة لبنان، وبشكل غير مباشر، ربما أيضاً، لدول وقوى عظمى أخرى، بحيث تمارس ضغطاً مباشراً على حكومة لبنان، في محاولة قد تكون الأخيرة لكبح (حزب الله) من أن يجر لبنان الذي يعيش على أي حال في حالة فوضى سلطوية واقتصادية، إلى الحرب. ولكن تصفية شخصية رفيعة المستوى كالعاروري كانت أيضاً ذات معنى عملياتي بالنسبة لإسرائيل في كل ما يتعلق بالإرهاب في الضفة. فعدا الحساب الطويل جداً لإسرائيل مع العاروري ومع مسؤولين آخرين ذوي أهمية بالنسبة لقدرة (حماس) العسكرية في الضفة وغزة على حد سواء، فإن العاروري، كرئيس للذراع العسكرية لحماس في الضفة، هو ذو أهمية خاصة. فقد عرف كيف يربط جيداً بين معرفته الطويلة للضفة وإسرائيل، وبين خلق ارتباطات مع قيادة الحرس الثوري الإيراني و(حزب الله)، لغرض توثيق التعاون».

وكتب يوآف ليمور، المعلق العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم»، إن «تصفية صالح العاروري هي إنجاز عملياتي مبهر، في وقت الحرب، لكنها تزيد الخطر من توسيع المعركة بين إسرائيل و(حزب الله) أيضاً. لقد كان العاروري عنصراً هاماً في حماس، ماضيه مليء بإرسال مخربين لعمليات إرهابية، وإن لم يكن ينفذ بنفسه العمليات. وقد أعلن مسؤولون كبار في إسرائيل غير مرة في الماضي أن العاروري هو (ابن موت). ولكن بعد هجمة 7 أكتوبر أصبح هدفاً للتصفية، إلى جانب رفاقه في قيادة حماس في غزة وفي الخارج. ومع أن هذه هي الضربة الأشد لحماس منذ سنين طويلة، فإن هذه المرة كانت المراهنة أعلى بكثير، إذ إنها تطرح السؤال: هل سيرى (حزب الله) في العملية الذريعة لبدء معركة شاملة تخرج عن مجال المناوشة المتواصلة منذ نحو تسعين يوماً؟».

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




اغتيال العاروري: واشنطن مقتنعة بضرورة التضحية بنتنياهو

أكد مسؤولون أميركيون ما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي تبنيه علانية على رغم كل الأدلة على تورط كيان الاحتلال في اغتيال القيادي في حركة حماس، صالح العاروري. هذا التأكيد الأميركي رافقه تصريحات بأن الولايات المتحدة لم تكن على علم بعملية الاغتيال قبل وقوعها. وفيما أعلن وزير الخارجية الأميركية انتوني بلينكن تأجيل زيارته إلى بيروت مدعياً أن ذلك غير مرتبط بعملية الاغتيال، ينتظر الجانبان تداعيات خرق قواعد الاشتباك واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت والتي أكد حزب الله أنها لن تمر دون عقاب.

نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول أميركي كبير قوله أن كيان الاحتلال هي المسؤول عن تنفيذ العملية. وهو ما أكدته مصادر أيضاً لموقع اكسيوس. في حين اتفقت المصادر التي تحدثت للإعلام الغربي إسرائيل لم تخبر البيت الأبيض في خطتها، لكن الرئيس جو بايدن أبلغ عند التنفيذ.

هذا التفصيل قد لا يغير في الواقع شيئاً او يفرض تغييراً مفصلياً في العلاقة بين الجانبين. لكنه، فعلياً، يكشف عن مشروع نتنياهو بالذهاب بعيداً في تحقيق هدف ما من شأنه ان يساعد في هندسة رواية انتصار يمكن تقديمها للشارع الإسرائيلي عند التوصل لوقف اطلاق النار.

أرجأ وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن زيارته إلى إسرائيل حتى يوم الاثنين المقبل. وكان من المفترض أن تتم الزيارة يوم الخميس. وفيما أكد البيان على أن التأجيل لدواع فنية، ربط البعض التأجيل بعملية الاغتيال ومعرفة البيت الأبيض المسبقة بذلك. في حين أن مغادرة حاملة الطائرات من البحر الأبيض المتوسط قد توضع في السياق نفسه.

وكانت حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد فورد”، غادرت منطقة الشرق الأوسط، خلال الأيام الماضية، والتي أمضت أياماً مقابل السواحل اليونانية وهو ما أثار موجات سخط لاستقبالها.  وفيما اثار هذا القرار قلق إسرائيل من فقدان عامل من عوامل الردع، ربط المحللون مغادرة الحاملة بالرغبة الأميركية توجيه رسالة للكيان بأنه قد حان الوقت لوقف الحرب. من ناحية أخرى، يمكن القول أن القرار يأتي على خلفية الرغبة الأميركية بإيصال رسالة للكيان أن لا وقت لاستكمال العملية العسكرية دون اهداف تتحقق. وهو من شأنه ان يعرض المصالح الأميركية للخطر ويحوّل الوجود الأميركي في المنطقة إلى أهداف دسمة للمتربصين بها وعلى غير جبهة، في العراق وسوريا ولبنان، مع عدم القدرة على حصر المواجهات في اليمن ضمن البحر الأحمر، خاصة بعد الاعتداء الأميركي الأخير على القوات البحرية اليمنية وهو ما أكد عليه قائد قوات الدفاع الساحلي، اللواء الركن محمد القادري في حديث لموقع “الخنادق” بأن “اليمن سيرد وقد حدد الهدف الذي لن يقتصر على البحر الأحمر بل قد يشمل القواعد التي يتمركز بها الأميركي والصهيوني”.

يأتي اغتيال الشهيد العاروري ضمن “مرحلة القضاء على قادة حماس” على حد تعبير الاعلام الإسرائيلي. لكن الأميركي الذي لم يتوان عن تقديم الدعم للكيان في مختلف جرائمه، تتزايد هواجس توريطه في مواجهة أخرى أيضاً. حيث أعلنت منظمة الاستخبارات الوطنية التركية ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لمكتب المدعي العام في إسطنبول انها “احتجزت 33 مشتبهاً بهم كجزء من عملية تهدف إلى تعطيل جهود الموساد لاستهداف الرعايا الأجانب في البلاد… وألقي القبض على المشتبه بهم في ثماني محافظات”.

كل هذه المحاولات الإسرائيلية لتعويض الفشل في قطاع غزة، والتي وصلت إلى حد المخاطرة بخرق قواعد الاشتباك، قد لا تقي نتنياهو شر البيت الأبيض أولاً ومعارضته ثانياً. اذ ان الأخيران يجتمعان على قناعة مفادها أن مفتاح الخروج من عنق الزجاجة هو التخلي عن “بيبي” لبدء مرحلة جديدة، لن تكون الجبهات المفتوحة في المنطقة أهون الشرور بالنسبة للكيان.

المصدر: موقع الخنادق




غزة موضوع ملتهب للسياسة الداخلية في جنوب شرق آسيا

يكشف هذا المقال الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي – Foreign Policy”، من أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على قطاع غزة، بالرغم من أنه بعيد جغرافياً عن منطقة جنوب شرق آسيا، إلّا أن له صدى قوي فيها.

وهذا ما يدلّ أكثر فأكثرن على أن استمرار معركة طوفان الأقصى، لن يكون مطلقاً في صالح الأمريكيين أو الإسرائيليين، مع توسع رقعة التأييد العالمية للمقاومة الفلسطينية أو على الأقل رقعة الإدانة لجرائم الكيان المؤقت، خاصةً في هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوستراتيجية.

النص المترجم:

في إندونيسيا، ألقى مرشح رئاسي ووزير الخارجية كلمة أمام مئات الآلاف من المتظاهرين. وفي ماليزيا، قاد رئيس الوزراء، الذي كان يرتدي الكوفية الفلسطينية، حشدًا حاشدًا واصفًا الوضع بأنه “جنون” و”ذروة الهمجية”. وفي سنغافورة، حظرت الحكومة ببساطة عرض علم أي من الجانبين.

وفي تايلاند والفلبين، يتنافس التعاطف مع الضحايا المدنيين مع الغضب إزاء المواطنين التايلانديين والفلبينيين الذين قتلوا أو اختطفوا. وفي فيتنام، ولاوس، وكمبوديا، أصدرت الحكومات بيانات محايدة بعناية – حتى مع إثارة ذكريات التجارب السابقة لهذه البلدان في مجال القصف.

إن ما يقرب من 42% من سكان جنوب شرق آسيا مسلمون، وقد لعب ذلك دوراً رئيسياً في رد فعل المنطقة على الحرب بين إسرائيل وحماس. وقد ظهرت ثلاثة استجابات واسعة النطاق: الديمقراطيات ذات الأغلبية المسلمة تنتقد إسرائيل بشكل لا هوادة فيه، وشبه الديمقراطيات والديمقراطيات التي تضم أقليات مسلمة كبيرة تتبنى موقفا أكثر حيادية، وتلك الديكتاتوريات الصريحة التي لديها عدد قليل من المواطنين المسلمين تحاول تجاهل الصراع بقدر ما تستطيع.

ليس من المستغرب أن تكون الدولتان ذات الأغلبية المسلمة، مثل ماليزيا وإندونيسيا، أكثر الأصوات المؤيدة للفلسطينيين في المنطقة. ويظل كلاهما من بين الدول القليلة التي لم تعترف بإسرائيل دبلوماسياً قط، وكانت القضية الفلسطينية تحظى منذ فترة طويلة بشعبية علنية في كلا البلدين، ويستخدمها السياسيون لتلميع أوراق اعتمادهم. وفي أعقاب اتفاقيات إبراهيم، أثار بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين الأمل في أن يتبع ذلك تطبيع العلاقات مع إندونيسيا وماليزيا. لكن الأمل كان دائما ضعيفا، على الرغم من المناقشات الداخلية الهادئة التي أجرتها الحكومة الإندونيسية.

وقد أصبح كلا البلدين أكثر تقوى في العقود الأخيرة، حيث أثبتت فلسطين نقطة التقاء مهمة للحركات السياسية الإسلامية. وخارج إيران، لم يتخذ أي زعيم مسلم موقفاً أكثر تشدداً بشأن فلسطين من رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، الذي ألقى شخصياً خطاباً في المسيرات وأعرب بصوت عالٍ عن دعمه ليس للفلسطينيين فحسب، بل وأيضاً لحماس. أجرى أنور مكالمة هاتفية مع إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، وعارض بشدة أيضًا الجهود الأمريكية لتشديد العقوبات ضد حماس.

لا شيء من هذا يثير الدهشة. دخل أنور السياسة الماليزية كناشط إسلامي طلابي. وكثيراً ما انتقد راعيه (ومنافسه لاحقاً)، رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد، إسرائيل ومؤيديها الغربيين، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية بصوت عالٍ.

وفي كثير من الأحيان انحرف هذا الأمر إلى معاداة السامية، حيث اتهم مهاتير اليهود بالسيطرة على وسائل الإعلام العالمية وتقويض اقتصاد ماليزيا. لا يزال الرأي العام اليوم معاديًا للسامية بشدة في ماليزيا. بالنسبة لأنور، الذي يقود ائتلافًا تدعمه بشكل أساسي الأقليات العرقية ويكافح من أجل الاحتفاظ بدعم الأغلبية المسلمة من الملايو، فإن الميل إلى القضية الفلسطينية أمر بديهي.

ومع ذلك، فإن شدة هذا الدعم وضعت في بعض الأحيان الأقليات العرقية غير المسلمة في مواقف صعبة، كما قال جيمس تشين، مدير معهد آسيا بجامعة تسمانيا. ولا يرجع هذا إلى قلة التعاطف مع الفلسطينيين؛ وقد أظهر سياسيو الأقليات العرقية دعمهم للفلسطينيين بحزم. لكن أسبوع التضامن مع فلسطين المقترح في المدارس أثار الجدل مع ظهور صور لأطفال في المدارس يرتدون زي مقاتلي حماس ومعهم أسلحة لعبة.

وقال تشين: “الشيء الذي سيقلق الناس بشأنه هو أن ينتهي أسبوع التضامن كنوع من تمجيد حماس”. “الناس يشعرون بالقلق بشأن التطرف”. لكن مخاوف الأقليات وضعتها في مرمى الإسلاميين، الذين يتساءلون أين يكمن تعاطف هذه الجماعات.

وهذا هو بالضبط النوع من الانقسام الذي تحرص إندونيسيا – التي تضم العديد من الأقليات غير المسلمة – على تجنبه. وفي حين تبنى الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو نهجا أقل أهمية من نهج أنور، فإن الرأي العام لا يزال يدين إسرائيل على مستوى العالم. لقد تركز الكثير من الاهتمام على قصف المستشفى الإندونيسي في غزة، والذي تم بناؤه بتبرعات من إندونيسيا.

لكن الطريقة التي تم بها تأطير الصراع تغيرت بطرق مهمة. ولعقود من الزمن، كانت القوى العلمانية القومية التي هيمنت على السياسة الإندونيسية تضع الصراع في إطار مصطلحات مناهضة للإمبريالية، بنفس الطريقة التي فعلها الاتحاد السوفييتي عندما دعم مصر ودول عربية أخرى. وكان يُنظر إلى السياسة الإسلامية المفرطة، ناهيك عن الإسلاموية، على أنها تهديد للوحدة الوطنية. لم تكتسب التفاهمات الإسلامية للعلاقة بين إسرائيل وفلسطين زخمًا إلا بعد نهاية دكتاتورية سوهارتو في عام 1998، وفقًا لبروتو واردويو، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة إندونيسيا.

ولا تزال وجهة النظر القديمة مؤثرة. في إبريل/نيسان، قال جوس يحيى، رئيس المجلس التنفيذي لنهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كان قضية إنسانية، وليس حرباً دينية. ومنذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت المنظمة بيانات تدعو الناس إلى عدم التحريض على العداء على أسس دينية. أثارت الاشتباكات في جزيرة سولاويزي بين الجماعات الإسلامية وجماعة مسيحية إنجيلية محلية موالية لإسرائيل على ما يبدو، مخاوف حادة ورد فعل رسمي سريع لتهدئة التوتر.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود مسحة دينية في الكثير من ردود الفعل العامة. وكان التجمع الضخم في العاصمة جاكرتا، رسميًا بين الأديان. ومع ذلك، مع ارتداء الكثير من الحشود للزي الإسلامي، كان من الصعب تجاهل الدلالات الدينية. كما تم تنظيم احتجاجات أخرى من قبل جماعات دينية أكثر تشددا، والتي نسقت في عام 2017 مسيرات ضخمة ضد حاكم صيني مسيحي متهم بالتجديف. في 31 أكتوبر/تشرين الأول، عندما ألقت قوة مكافحة الإرهاب الإندونيسية القبض على 59 مسلحًا يُزعم أنهم كانوا يخططون لمهاجمة مراكز الشرطة، حذر متحدث باسم قوة العمل من أن الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين وجمع التبرعات “تثير المشاعر لارتكاب أعمال إرهابية”.

ومن المثير للدهشة أن موقف إندونيسيا ومخاوفها ليست بعيدة كل البعد عن موقف جارتها سنغافورة. وعلى النقيض من إندونيسيا، فإن سنغافورة، التي تضم أغلبية سكانية من العرق الصيني، تتمتع منذ فترة طويلة بعلاقات قوية مع إسرائيل – بل وحتى شعور خفي بالتضامن كدول صغيرة متميزة عرقيا في أحياء يحتمل أن تكون معادية. والحظر الذي فرضته الحكومة على رفع الأعلام الفلسطينية أو الإسرائيلية يميزها كثيراً عن ميل الساسة الإندونيسيين إلى رفع الأعلام الفلسطينية أو الإسرائيلية.

لكن إدارة التنوع في سنغافورة كانت دائمًا أيضًا مصدر قلق رئيسي. يشكل مسلمو الملايو جزءًا كبيرًا من مواطني سنغافورة، كما أن العدد الضخم من السكان المهاجرين يضيف إلى هذا المزيج. والعلاقات مع جيران البلاد ذوي الأغلبية المسلمة مهمة أيضًا. كما أعرب كبار السياسيين عن مخاوفهم من أن سنغافورة قد تواجه تهديدات إرهابية متزايدة بسبب علاقتها الوثيقة مع إسرائيل.

ففي السادس من نوفمبر/تشرين الثاني، اتخذ برلمان سنغافورة خطوة غير عادية بتمرير اقتراح بشأن الصراع بين إسرائيل وحماس، والذي قدمه رمزياً أعضاء البرلمان من الملايو والهند والصين (واحد من كل مجموعة عرقية) من حزب العمل الشعبي الحاكم. ومن خلال التأكيد على القانون الدولي، أكد الاقتراح على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس وحاجة إسرائيل إلى أن تكون متناسبة في ردها؛ كما دعت إلى الوصول إلى المساعدات الإنسانية وعدم تقسيم السنغافوريين بسبب الأحداث السياسية الخارجية.

والواقع أن ارتفاع عدد القتلى في غزة ومقاطع الفيديو الخاصة بالقصف الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي يبدو أنها تحرك الرأي العام حتى في الجماعات المؤيدة لإسرائيل تقليدياً. وقالت ميشيل تيو، المديرة التنفيذية لمعهد الشرق الأوسط في جامعة سنغافورة الوطنية: “هناك رد فعل محلي، وهو يشمل جميع الأجناس وجميع الأديان”. “ومع ذلك، ربما لا يكون هذا أمرًا سيئًا بالنسبة لنا أن نراه في سنغافورة، لأنه يعني أن الناس يعتبرون أنفسهم حقًا سنغافوريين بغض النظر عن دينهم”.

والمخاوف بشأن الانقسامات الداخلية موجودة أيضًا في تايلاند والفلبين. وكل من البلدين لديه أقليات مسلمة خاصة به، وعلى النقيض من سنغافورة، فإن له تاريخاً من الإرهاب الإسلامي الانفصالي الذي يرتكبه مواطنون محليون.

وقال جريج بولينج، مدير برنامج جنوب شرق آسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الأمور في الفلبين وصلت إلى نقطة حساسة. أثبتت عملية السلام في منطقة بانجسومورو في جزيرة مينداناو، حيث يعيش شعب مورو المسلم، نجاحها ولكنها لا تزال مستمرة؛ وأجريت أول انتخابات محلية منذ منح المنطقة حكمًا ذاتيًا خاصًا في عام 2018 في العام الماضي فقط. وقال بولينج عن انتخابات 2022: “سارت الأمور بشكل جيد إلى حد معقول”. “لكن آخر شيء تريد [الحكومة] رؤيته هو أي علامة على أن العدد الصغير نسبياً من المورو الذين ما زالوا ساخطين يحصلون على تعاطف شعبي جديد”.

وعلى الرغم من ذلك، كانت الفلبين الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة الأخير الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وقد تم تفسير هذه الخطوة على نطاق واسع على أنها مرتبطة بوضع الفلبين كحليف وثيق للولايات المتحدة، وهي العلاقة التي تعمل الحكومة الفلبينية على تعزيزها استجابة للضغوط الصينية. وحتى الآن كان رد الفعل صامتاً، ولم يبق سوى احتجاج صغير في العاصمة مانيلا ضد موقف الحكومة.

يتم توجيه الاهتمام المحلي في الغالب نحو العمال الأجانب الفلبينيين المحاصرين في أعمال العنف. ركزت التقارير المبكرة في الفلبين على أربعة فلبينيين قتلوا، ويُعتقد أن أحدهم قد أُخذ كرهائن، عندما هاجمت حماس إسرائيل. أما الآن، فقد تحولت التغطية إلى إجلاء عدد صغير من الفلبينيين المقيمين في غزة، مما يزيد من تعقيد السرد.

وقد عانت تايلاند بشكل أكثر حدة من الفلبين في هذا الصدد. قُتل 34 مواطنًا تايلانديًا واحتجز 24 رهائن خلال هجوم حماس على إسرائيل؛ وكان العديد منهم من العمال الزراعيين المهاجرين. وتم إطلاق سراحهم جميعاً منذ ذلك الحين، حيث لعبت شخصيات من الأقلية المسلمة في تايلاند دوراً رئيسياً في المفاوضات. وتماشيا مع هذه الجهود، اتخذت الحكومة التايلاندية موقفا محايدا بعناية بشأن الصراع، متراجعة عن التعليقات المبكرة التي أدلت بها رئيسة الوزراء التايلاندية سريثا ثافيسين، والتي أدانت هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، دون التعبير المعتاد عن التعاطف مع الفلسطينيين.

لكن الرأي العام يبدو أقل حيادية. وكانت هناك احتجاجات صغيرة مؤيدة للفلسطينيين في الداخل. واتخذ آخرون، الغاضبون من الوفيات، خطًا مؤيدًا لإسرائيل – وهو ما يُترجم أحيانًا إلى هجمات معادية للإسلام على الأصوات الفلسطينية القليلة في البلاد، والتي تأتي من الأقليات المسلمة.

وآخرها في المنطقة تأتي فيتنام وكمبوديا ولاوس. ومع وجود القليل من المخاطر الجيوسياسية في الحروب في الشرق الأوسط، وباستثناء كمبوديا، وعدم وجود أقليات مسلمة رئيسية يمكن الحديث عنها، فقد أصدرت هذه البلدان في الأساس بيانات دبلوماسية محسوبة تدعو إلى وقف إطلاق النار ولم تفعل سوى القليل. ومن الصعب أيضاً قراءة الرأي العام، ومن غير المستغرب أن الأنظمة الدكتاتورية التي تحكم هذه البلدان لا تسمح بالكثير من الاحتجاجات العامة.

ومع ذلك فإن ماضي هذه البلدان العنيف ربما يلون التصور الشعبي للموقف. وفي فيتنام، على الأقل، “هناك قدر كبير من التعاطف مع ما يراجعه الناس في غزة، وخاصة بين كبار السن، من تجربتهم الخاصة في القصف”، كما قال موراي هيبرت، وهو زميل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، “لكن ذلك لم يكن بيانا سياسيا، بقدر ما كان بيانا إنسانيا”. وقد تسلل هذا إلى تصريحات الدبلوماسيين الفيتناميين، الذين استحضروا ماضي بلادهم في إدانة الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية.

وبغض النظر عن رد فعلهم الدقيق، فمع استمرار الهجوم الإسرائيلي على غزة، لا تستطيع حتى البلدان الواقعة في نصف العالم أن تغمض أعينها تماماً.


المصدر: فورين بوليسي – foreign policy

ترجمة: موقع الخنادق




إسرائيل تسرق أعضاء جثامين الشهداء والأطفال في غزة

خلال حرب تشرين التحريرية تعرض العديد من جنود الصهاينة للحروق الكبيرة، وبدأت معها الحاجة لدى الكيان من اجل بناء بنك للجلود من استخدامها من أجل ترميم حروق أو الجروح الكبيرة التي تسببت بها شظايا الحروب. البحث عن متبرعين صهاينة يسمحون لحكومة الكيان باستخدام جلودهم من اجل ترميم الحروق، واجه معضلة كبرى بالنسبة للصهاينة في إيجاد المتبرعين من أبناء جنسهم، مع أن بعضهم جاءت أنسجته مطابقة، لأن الحاخامات يحرمون السماح بالحصول على الجلود أو حتى التبرع أعضاء اليهود الميتين من أجل انقاذ حياة بني جنسهم، فوجد الصهاينة ضالتهم في سرقة أعضاء وجلود الفلسطينيين الشهداء، الذين كانوا يأسرون جثامينهم بعد قتلهم خلال المظاهرات أو المداهمات والاشتباكات.

هو أمر مثير للسخط والألم والغضب، وتقشعر له الأبدان، أن يكون من أهم اهداف الصهاينة في استهداف الفلسطينيين هو الحصول على أعضائهم!

وقد بدأت وسائل الإعلام والمواقع الصحفية العربية والغربية تتحدث باضطراد عن بنك الجلود الأكبر في العالم. والأمر مستمر، وبوتيرة كبرى خلال طوفان الأقصى، اذ يستغل الصهاينة الفوضى التي أحدثوها في غزة والضفة الغربية مستغلين الإعتقالات التعسفية وحجز جثامين الشهداء خلال المعارك من أجل الحصول على المزيد من الطعوم الجلدية من جثامين الشهداء، وعلى أعضاء داخلية يتم بيعها! لقد باتت جثامين الشهداء قطع غيار في مخازن الكيان الصهيوني.

الأمر فظيع ولكنه حقيقة وليس مستغرباُ في ثقافة الغرب! لقد بلغت الإساءة للجثامين في فلسطين حدّاً يشبه تماماً الطريقة التي كان يجمع بها صياد البشر الأوروبي الأفارقة في أفريقيا في في العام 1610، حين اشترت شركة فرجينيا البريطانية أول 20 أفريقي أسود باعهم تاجر هولندي قبل ان يكون هناك بلد اسمه الولايات المتحدة الأميركية، وبدأ موسم تجارة العبيد. وكان هؤلاء وأولادهم وأولاد أولادهم تجارة رابحة للبيع والشراء والخدمة والعمل، وكان أسيادهم لهم الحق بفعل ما أرادوا بهم، تجارة تمت مباركته حتى من قبل الكنيسة، كما هو مبارك تماماً سرقة جلود الفلسطينيين وأعضائهم من قبل الكنيس اليهودي. وكما كرّس الفصل العنصري في فلسطين أحقية الصهاينة في سرقة بيوت وأراض وحياة الفلسطينيين دون حساب.

ضمن هذا المفهوم يمكن سرقة أجساد “الغوييم”من فلسطينيين وعمال أجانب من جنسيات مختلفة، مثل تايلاند وعمال من دول مختلفة من شرق آسيا، طالما أنهم لا ينتمون للدين اليهودي. وهذا التحريم هو الذي كشف السرقة الكبيرة لجلود الفلسطينيين بسبب الإعلان عن “بنك الجلد الوطني الإسرائيلي”، والذي يضم حجماً هائلاً يفوق ذلك المتواجد في الولايات المتحدة.

بدأ الصهاينة بالتركيز على هذا الأمر منذ الانتفاضة الأولى، وقاموا بتأسيس “بنك الجلد الوطني الإسرائيلي” في العام 1986 بالشراكة ما بين جيش الاحتلال ووزارة الصحة في الكيان. وقد نشرت الغارديان مقالاً في 2009، منذ أربعة عشر عاماً، وجاء في مقدمته أن “اسرائيل اعترفت بأن أطباء علم الأمراض قاموا باستخلاص أعضاء من جثث فلسطينيين وآخرين، دون موافقة عائلاتهم- ممارسة قالت إنها انتهت في التسعينات- ثم عادت وظهرت في نهاية الأسبوع”، أي في نهاية الأسبوع قبل نشر المقال. كما يشير المقال إلى الفيديو الذي يتضمن اعترافاً صريحاً للمدير السابق “يهودا هس” بسرقة أعضاء من جثامين الشهداء الفلسطينيين خلال احتجازهم ودون موافقة أهاليهم في فيلم وثائقي بث عن القضية في العام 2009.

أول من قام بالتحقيق بالموضوع هو الصحفي السويدي دونالد بوستروم من مجلة أفتونبلاديت السويدية بعد الانتفاضة الأولى، والتقى بعائلة الشهيد بلال أحمد غنان في العام 1992، البالغ من العمر 19 عاماً، وهو من قرية أم التين في الضفة الغربية، أخبرت عائلة الشهيد الصحفي بوستروم، أن ابنها عاد بدون أعضاء داخلية، وجثته خيطت من العنق إلى أسفل البطن. وعندما توجّه بوستروم بالسؤال لمدير معهد الطب الشرعي الصهيوني، تشين كوغل، آنذاك، أجاب “يمكن أن تكون العائلة على حق لأنهم أخذوا كل ما يمكن أخذه من الجثث التي جاءت إلى معهد الطب الشرعي”.

اتهم الصهاينة مجلة أفتونبلاديت، التي نشرت المقال بمعاداة السامية، وعندما طلب من الحكومة السويدية تكذيب الخبر وتجريم بوستروم رفضت الخارجية السويدية، وقالت إنها لا تستطيع لأن هذا يعتبر منعاً لحرية التعبير. وبحسب المراجعة لبداية القصة، والتي أعادت نشرها نيوزويك عبر تحقيق ينتقد في جزء هام منه نشر جيجي حديد، عارضة الأزياء الفلسطينية الأصل، إعادة نشر فيديو يتحدث عن “حصد” أعضاء الفلسطينين من قبل “بنك الأعضاء الإسرائيلي”، وانتقد المقال نشر الفيديو مقاطع من مقابلة مع ميرا فايس، عالمة التشريح والأستاذة في علم الإجتماع في الجامعة العبرية في فلسطين، والتي صرحت في مقطع الفيديو لصحفيين اثنين يسألانها: “نحن لا نلمس جثث الجنود [الإسرائيليين]، نحن نأخذ من آخرين. وقد اعتدنا جمع الأعضاء من جثث الفلسطينيين ومن ثم من المهاجرين والعمال الأجانب”. واكدت فايس على أن نسبة ضئيلة جداً مما يجمع في البنك هي لمواطنين صهاينة. وهذا الفيديو كان جزءاً من مرجع لكتاب فايس بعنوان “الجسد المختار”.

القصص تكررت على مواقع مختلفة عربية وأجنبية، وبحسب الغارديان في مقال نشر في العام 2009 بعد تسريب مقابلة مع د. “يهودا هس” مدير معهد أبو كبير الجنائي، كان تم تسجيلها في العام 2000 من قبل نانسي شيبرهاغس، Nancy Schipperhags، المتخصصة في علم الإنسان في جامعة كاليفورنيا- بيركلي، قال لها “هس” أن المعهد يأخذ الجلد والقرنية والعظام وصمامات القلب من جثث الفلسطينيين والعمال المهاجرين دون موافقة مسبقة منهم أو من أهاليهم. وهذا ما يتوافق مع ما فضحته فايس في لقائها، والتي تواجدت في معهد أبو كبير ما بين 1996- 2002 لإجراء بحث في علم الإنسان، وأبشع ما فضحه الكتاب هو حجز الأطفال اليهود المرضى من اليمنيين والإثيوبيين في المستشفيات حتى توافيهم المنية، ومن ثم حجز جثثهم ورفض تسليمها لذويهم، وهو من أبشع الممارسات العنصرية، التي يكشفها الكتاب.

علينا أن نتذكر دائماً، أن الصهاينة ينتمون إلى نفس المدرسة التي حكمت الأوروبيين الملكيين ومن ثم المستعمرين، الذي باعوا واشتروا سجنائهم الأوروبيين وأخضعوهم لأعمال السخرة في جميع المستعمرات الأوروبية وكانت هذه المستعمرات عبارة عن سجون بعيدة لمحكومي المؤبد والشنق. إنه تاريخ طويل من استغلال الإنسان كسلعة، ويستمر اليوم في فلسطين مع حكم الصهاينة. ويحاول بعض الأميركيون والأوروبيون اليوم التخلص من عقدة الذنب باستغلال الإنسان عبر توضيح ما حدث، وإعادة البحث في التاريخ مثلما ما فعلت الباحثة ماريا ايليوت ونشرت المقال عن نتائج أبحاثها في تاريخ العبودية في النيويورك تايمز في الذكرى 400 لتاريخ العبودية، بمساعدة ياسمين هاغيز في الإعداد. ولم تنته آثار العبودية في المجتمع الأميركي، لقد ترك هذا الإنتهاك الجلل لحقوق الإنسان جروحه العميقة حتى اليوم، وماتزال آثار الإنقسام العمودي ما بين البيض وباقي ألوان البشر في أميركا حتى يومنا هذا، ولم ينته التمييز العرقي العنصري في الولايات الأميركية الجنوبية خاصة، حتى عندما أقر الكونغرس الأميركي في 31 كانون الثاني/ يناير 1865 تعديل البند الثالث عشر وإنهاء العبودية، التي كانت مكرّسة في الدستور الأميركي.

لم تتوقف حتى اليوم العنصرية التي نشهدها في أوروبا ضد المهاجرين وخاصة ضد أبناء المغرب العربي من ليبيا وحتى المملكة المغربية، وفي أمريكا ضد الأفارقة الأميركيين، ما تزال قضية سرقة جثامين الفلسطينيين حتى يومنا هذا، وخلال معركة طوفان الأقصى. فقد نشرت اليورونيوز مقالاً أكدت فيه وضع جثامين 225 من الشهداء في مقابر الرقام، ورفضت تسليمهم لذويهم، وجاء في المقال وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن العبث الذي تتعرض له هذه الجثامين، وقد وجدت أعضاء داخلية مرمية إلى جانب أصحابها بعد أن أخذ الصهاينة ما يحتاجون منها بعد أن أجبروا الأهالي على مغادرة مشفى الشفاء.

وتبقى نهاية مصير الأطفال الخدج في مشفى الشفاء مجهولاً بعد أن أعلن الجيش الصهيوني عن مسؤوليته لنقلهم إلى “مكان آمن” في مستشفيات في داخل الكيان. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد بدأ الصهاينة اليوم بدخول البيوت وتمشيطها وجمع الأطفال والنساء واقتيادهم إلى أماكن مجهولة بحجة فحصهم والإطمئنان عليهم، بحسب ما جاء في نشرة المنار الرئيسية في 2/1/ 2024، أو ما جاء حول اختطاف الجنود لطفلة رضيعة، ولم يتم إعادتها حتى اليوم.

عبير بسام

المصدر: موقع الخنادق




قائد قوات الدفاع الساحلي اليمني للخنادق: نحن لا نحتفظ بحق الرد بل سنرد وقد حددنا الهدف

شهدت الساعات القليلة الماضية حدثاً هو الأول من نوعه واجهت خلاله القوات البحرية اليمنية القوات العسكرية الأميركية وجهاً لوجه في البحر الأحمر. وفيما يناقش المحللون تبعات الهجوم الأميركي على 3 زوارق يمنية، ويختلف المسؤولون الغربيون حول جدوى دعمهم التحالف العسكري في وقت شديد الحساسية، يبقى الثابت الوحيد في المشهد الإقليمي الهش، ما أكده قائد قوات الدفاع الساحلي اللواء الركن محمد القادري في حديث خاص مع موقع “الخنـادق” على “أننا في اليمن لا نقول سنحتفظ بحق الرد بل سنرد، ولدينا بنك أهداف على الجزر وفي البحر الأحمر والقواعد التي يتمركز بها الصهيوني والأميركي”.

تعاملت الولايات المتحدة غير مرة مع واقع احتجاز السفن التجارية والتضييق عليها في الممرات المائية الدولية. وكانت قرصنة السفن إحدى أهم الأسباب التي دفعت نحو تغيير العقيدة الخارجية الأميركية. قبيل إقرار القانون الذي يقضي بضرورة تعزيز بحرية أميركية لحماية السفن التجارية في الممرات المائية، عارض السفير الأميركي في بريطانيا، جون آدامز، هذا القرار، معتبراً أن “الحرب ستكلف عشرة أضعاف تكلفة دفع الجزية”.  كما شكك في رغبة دافعي الضرائب بتمويل قوة بحرية جديدة فقط لحماية أرباح رجال الأعمال في الأراضي البعيدة”.

استطاع اللوبي الاقتصادي في واشنطن مدفوعاً بكبرى الشركات تمرير القانون الذي يقوم على مبدأ “الملايين للدفاع ليس سنتاً واحداً للجزية”، بعد صراع محتدم امتد لعامين كاملين في الكونغرس عام 1802، والذي انتهى بتأمين حوالي 45 مليون دولار لبناء ست فرقاطات من 38 مدفعاً و 10 قوادس وعدد من السفن.

شكّل تهرب كبار رجال الأعمال والتجارة من دفع الضرائب والمستحقات لتمويل القوة البحرية الموكل إليها حماية السفن، عقدة يتوارثها الرؤساء الأميركيون وهي دون شك تحتفظ بتأثيرها على طبيعة القرار الذي يتخذه البيت الأبيض حول توجيه أي ضربة عسكرية.  

الواقع، أن الأزمة التي واجهت الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون في ذلك الوقت، تحاصر الرئيس جو بايدن اليوم. فالمأزق الذي يواجهه في البحر الأحمر توازياً مع المعضلة التي تسببت بها الحماقة الإسرائيلية في وضع المنطقة على صفيح ملتهب، ازداد تعقيداً بعد المواجهة الأخيرة التي تسببت باستشهاد وفقدان 10 من قوات البحرية اليمنية.

حرصت واشنطن كما تل أبيب على حصر نطاق المواجهات داخل فلسطين المحتلة، وتعاملت بـ “ضبط النفس” على استهداف قواعدها المنتشرة في سوريا والعراق، كذلك ضد الهجمات التي يقوم بها حزب الله في الجنوب. لكن محاولة اثبات النفوذ للملمة ما تبقى “من الهيبة العسكرية” الأميركية، ثم الدفاع عن صورتها امام حلفائها و”زبائن” لوبيات التكنولوجية العسكرية لديها، جعلها تتورط في مواجهة كانت بأمسِّ الحاجة لتجاوزها على أبواب الانتخابات الرئاسية والتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في فلسطين المحتلة. ويأتي إعلان بريطانيا استعدادها تنفيذ هجمات ضد القوات المسلحة اليمنية، ومزاعم حدوث اشتباكات أخرى يوم الأحد في البحر الأحمر، ضمن هذا الإطار.

حيث نفى اللواء القادري في حديث خاص مع موقع “الخنـادق”، الأنباء الواردة عن حدوث اشتباكات جديدة بين القوات الأميركية واليمنية في البحر الأحمر، بعد محاولة الأخيرة السيطرة على سفينة تجارية. مشيراً إلى أنها “مجرد فبركات يريد منها الأميركي حشد الدعم الدولي”.

وعن الإعلان البريطاني نيته تنفيذ هجمات بمشاركة أميركية، شدد القادري على أن “قوات الدفاع الساحلي متواجدة في البحر الأحمر وباب المندب منذ عدة أشهر وأي تدخل بريطاني سيقابله رد”.  مضيفاً “لدينا بنك أهداف متكامل وسنرد على كل من يعتدي على سيادتنا وعلى مياهنا الإقليمية”.

ورداً على سؤال حول الرد على العدوان الأميركي كشف اللواء القادري عن أن “القيادة العسكرية والقيادة السياسية أصبح لديها بنك أهداف وستتعامل معها حسب الأولوية”. وأضاف ” اخترنا هدفاً مناسباً للرد على الاعتداء الأميركي قريباً وبالسلاح المناسب ولدينا المعلومات الاستخباراتية اللازمة”.

كان توجيه ضربة عسكرية لليمن للحؤول دون تدخله في مجريات الحرب على قطاع غزة أولى البنود التي ناقشتها الوفود الإسرائيلية وناقشها المسؤولون الأميركيون مع الوسطاء أيضاً. اذ ان كلا الطرفين الأميركي والإسرائيلي يمتلكان تقديراً للقدرات العسكرية اليمنية التي اتضحت خلال سنوات الحرب. وهذا ما أكده اللواء القادري بدوره، حيث شدد على أن اليمن” خلال 9 سنوات من الحرب والحصار قام بإعداد وتدريب قوات عسكرية بكافة تشكيلاتها ومنها البحرية… نحن لدينا من الأسلحة ما يكفي لنقاتل سنوات طويلة”. في حين، أن بايدن الذي يواجه ضغوطاً مزدوجة أميركية إسرائيلية لتوجيه الضربة، يقف أمام تحدٍ آخر يقوم على لجم جماح الحرب التي تتسارع أحداثها مع كل ساعة يتأخر بها إعلان وقف إطلاق النار. والواقع، أن الحقيقة المرة التي فرضت على البيت الأبيض، أن اليمن ليس فقط مستعداً لتلقي الضربة -ان حدثت- بل على ردها أيضاً.

مريم السبلاني

المصدر: موقع الخنادق




يهود لأجل غزة… تضامن ضد الصهيونية

برز خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، حضورٌ قويٌّ لليهود المناهضين للصهيونيّة، خلال التظاهرات التي جابت مدن العالم ضدّ الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة، ويتقدّم النشطاء منهم الحراك الداعي إلى وقف إطلاق النار في دولٍ غربيّةٍ مركزيّةٍ، رافعين شعارات “ليس باسمنا” و”لن يحدث مطلقًا مرّة أخرى”.

تنطوي مشاركة اليهود حول العالم في تظاهراتٍ وأنشطةٍ ضدّ الحرب على أهمّيةٍ بالغةٍ، كونها تفنّد ادّعاءات دولة الاحتلال بتمثيلها كلّ يهود العالم، وتنفي تهم معاداة السامية عن الحراك المناصر لغزّة، الذي تسعى إسرائيل، عبر حلفائها حول العالم، إلى صبغه على ذلك النحو. وتُظهر هذه المشاركة اليهوديّة بُعد القضيّة الفلسطينيّة عالميًا كقضيّةٍ إنسانيّةٍ عابرةٍ للديانات والقوميّات، وتجمع كلّ من يؤمن بالعدالة.

كانت الحركة الصهيونيّة تاريخيًا أقليةً بين اليهود حول العالم، ولم تلقَ تأييدًا، استمرّ ذلك إلى أن حلّت المحرقة النازيّة بحقّ اليهود وغير اليهود خلال الحرب العالميّة الثانية، وأصبحت فكرة إنشاء وطنٍ قوميٍ لليهود تلقى إقبالًا، هربًا من الاضطهاد في أوروبا. بعد مرور 75 عامًا على تأسيس دولة إسرائيل، على أنقاض نكبة الشعب الفلسطيني، وبدعمٍ من دولٍ غربيّةٍ، ما زال الملايين من اليهود (تقريبًا نصف يهود العالم) يعيشون خارج إسرائيل، يرفض الكثير منهم الهجرة إليها. وعلى مدار العقود الأخيرة من الاحتلال الإسرائيلي، نشأت حركاتٌ يهوديّةٌ في الخارج، تنشط ضدّ الاحتلال، وتدعو إلى السلام والعيش المشترك، وخلق واقعٍ مختلفٍ عن واقع الفصل العنصري الذي أنشأته إسرائيل.

من الواجب ذكر اليهود اللا صهيونيين في إسرائيل نفسها، مع أنّهم أقليةٌ صغيرةٌ، والكثير منهم يقرر مغادرة إسرائيل بسبب العدائيّة تجاههم

أصواتٌ يهوديّةٌ من أجل السلام

تنوّع عمل هذه الحركات ما بين الراديكاليّة والوسطيّة، وضمت علمانيين ومتدينين، لعل من أبرز هذه الحركات حركة “أصوات يهوديّة من أجل السلام”، التي تأسست في الولايات المتّحدة عام 1996، بمبادرةٍ من أكاديميين وكتّاب بارزين، مثل نعوم تشومسكي، أنطوني كوشنير، جوديت بتلر، نعومي كلاين وسارة شولمان وغيرهم. عرّفت الحركة نفسها عام 2019 على أنّها لا صهيونيّة، وأيدت حركة مقاطعة إسرائيل، ونشطت لأجل ذلك، وتعمل من أجل السلام للفلسطينيين والإسرائيليين.

في أعقاب 7 أكتوبر 2023، أصدرت الحركة بيانًا اتهمت فيه الاحتلال الإسرائيلي، والتواطؤ الأميركي في قمع الفلسطينيين بسبب هجوم حماس على إسرائيل، قائلين إن “حتمًا، سيسعى الأشخاص المضطهدون في كلّ مكان إلى حريتهم وسيحصلون عليها”. نشطت الحركة منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة في غزّة من أجل إعلاء صوت اليهود في الولايات المتّحدة ضدّ الحرب، وشارك نشطاؤها إلى جانب الفعاليات التضامنيّة العامّة، في نشاطاتٍ خاصّةٍ مثل احتلال محطّات القطارات، أو الدخول والاعتصام في الكونغرس الأميركي ومكاتب نواب وسياسيين، وتعرّض العديد منهم للتوقيف والاعتقال على يد الشرطة الأميركيّة.

ناطوري كارتا

في المقابل، تنشط حركة “ناطوري كارتا” (حرّاس المدينة) المتدينة منذ عقودٍ طويلةٍ في التظاهر ضدّ دولة إسرائيل، فالحركة الحريديّة التي تأسست عام 1935، ويوجد أعضاؤها في نيويورك ولندن والقدس، لا تعترف بدولة إسرائيل، وتعارض وجودها، وتؤمن بأنّ اليهود يُمنع عليهم الحصول على دولةٍ إلى حين مجيء المسيح، وبأنّه يجب إعادة الأرض للفلسطينيين. كما اعترفت الحركة بياسر عرفات رئيسًا لدولة فلسطين، وصلى حاخاماتٌ من الحركة على جثمانه خلال جنازته في باريس.

يُعرف عن أعضاء الحركة حضورهم الدائم في التظاهرات التي تخرج نصرةً لفلسطين، رغم أعدادهم القليلة، إلّا أنّ وجودهم شبه دائمٍ في التظاهرات في عددٍ من المدن الغربيّة. خلال الأشهر الماضية، يُشارك أعضاء الحركة دوريًا ضمن مجموعاتٍ لهم تقتصر على الذكور، ويحملون شعاراتٍ ضدّ دولة إسرائيل والصهيونيّة، ويهتفون لحريّة غزّة والشعب الفلسطيني.

جيل شبابي جديد

بموازاة ذلك، نشأت حركاتٌ يهوديّةٌ شبابيّةٌ جديدةٌ خلال العقد الأخير، تنشط ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وداعميه من حكوماتٍ ومؤسساتٍ حول العالم. من هذه الحركات (If Not Now/ إذا لم يكن الآن)، معظم أعضائها من جيل الألفيّة، تأسست عام 2014 في الولايات المتّحدة، وتُعرّف على أنّها أقصى اليسار، وذلك للأفعال المباشرة التي تقوم بها، والحضور الإعلامي. عُرف عنها مواجهتها للمؤسسات اليهوديّة الداعمة لإسرائيل، وتنظيمها حملاتٍ ضدّ لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة “إيباك”. تنشط الحركة بفاعليةٍ واستمرارٍ في الأشهر الماضية ضدّ الحرب.

كذلك الأمر في بريطانيا مع حركة (Na’amod/ نقف)، التي تأسست عام 2018 في أعقاب استهداف إسرائيل المسيرات السلميّة في غزّة، مستلهمين تجربة (If Not Now). تسعى الحركة إلى إنهاء دعم الجالية البريطانيّة اليهوديّة للاحتلال الإسرائيلي، وتعمل من أجل “المساواة للجميع الفلسطينيين الإسرائيليين”، ويوجد لها فروعٌ في مدنٍ بريطانيّةٍ عدّةٍ، وهي حركة لا مركزيّة. برز نشاطها في عددٍ من المواقف، منها توزيع مناشير لرحلاتٍ منظّمةٍ إلى إسرائيل، بهدف إسماع روايةٍ بديلةٍ عن الرواية الصهيونيّة، وحضرت في الشارع خلال احتجاجات الشيخ جرّاح عام 2021. في الأسابيع الأخيرة؛ يتواجد مؤيدو الحركة في مجمل النشاطات الوطنيّة في بريطانيا ضدّ الحرب، وكانوا من أوائل من بادر إلى الاعتصام داخل محطّات القطارات، وإقامة صلواتٍ دينيّةٍ من أجل القتلى الفلسطينيين في غزّة.

في هذا السياق نستطيع وضع حركة (Tsedek / صدق) في فرنسا، التي تأسست شهر يونيو/حزيران الماضي، وحركة “يهود ضدّ الكولونياليّة” في ألمانيا، وغيرها من مجموعاتٍ صغيرةٍ تنشط في بلدانٍ أخرى. بين هذه الحركات والمجموعات تبايناتٌ في المواقف في بعض الأحيان، حول الخطاب وأولويّات العمل، والتحالفات، إلّا أنّ جميعها تعمل معًا هذه الأيّام مع حركاتٍ ناشطةٍ أخرى.

تنطوي مشاركة اليهود حول العالم في تظاهراتٍ وأنشطةٍ ضدّ الحرب على أهمّيةٍ بالغةٍ، كونها تفنّد ادّعاءات دولة الاحتلال بتمثيلها كلّ يهود العالم

كذلك برزت شخصيّاتٌ ثقافيّةٌ يهوديّةٌ عديدةٌ، من أكاديميين وكتّاب وفنانين، من خلال مقابلاتٍ إعلاميّةٍ، أو مقالاتٍ منشورة في صحفٍ عالميّةٍ، أو عبر التوقيع على عرائض، مطالبين بوقف إطلاق النار، ووقف الإبادة الجماعيّة في غزّة. من الواجب ذكر اليهود اللا صهيونيين في إسرائيل نفسها، مع أنّهم أقليةٌ صغيرةٌ، والكثير منهم يقرر مغادرة إسرائيل بسبب العدائيّة تجاههم، إلّا أنّه كانت هناك بعض الأصوات ضدّ الحرب، رغم ما قد يواجهون هذه الأيّام في الخروج العلني ضدّ الحرب الإسرائيليّة، بسبب المنع والملاحقة والتهديد، الذي يطالهم من المجتمع والمؤسسة الإسرائيليّة.

يواجه اليهود اللا صهيونيون محاولات شيطنةٍ داخل المجتمعات اليهوديّة في الغرب، وبتشجيعٍ من وسائل إعلام إسرائيليّةٍ، أو منحازة لإسرائيل، من خلال وصفهم كيهودٍ كارهين لأنفسهم، أو في بعض الأحيان وصفهم كمعادين للسامية، مع العلم أن العديد منهم ينحدر من عائلاتٍ ناجيةٍ، أو لاجئةٍ من المحرقة. لكن رغم محاولات القمع والإسكات والتخويف، يبقى الصوت اليهودي ضدّ الحرب، والمناهض للصهيونيّة مسموعًا، وله تأثيره وأهمّيته هذه الأيّام على الرأي العامّ العالمي، وهو حليفٌ مهمٌ للقضية الفلسطينيّة.

ربيع عيد

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ماذا بعد تجاوز الدين الأميركي 34 تريليون دولار

تجاوز الدين الأميركي العام 34 تريليون دولار للمرة الأولى، قبل أسابيع قليلة من الموعد النهائي للكونغرس للموافقة على خطط التمويل الفيدرالية الجديدة، الأمر الذي قد يسبّب إحياء معركة بين الحزبين، كان يفترض سكونها لبعض الوقت.

وأظهرت البيانات التي نشرتها وزارة الخزانة الأميركية أن “إجمالي الدين العام المستحق” على الولايات المتحدة ارتفع إلى 34.001 تريليون دولار في 29 ديسمبر/كانون الأول. وهذا الرقم، المعروف أيضاً باسم الدين الوطني، هو إجمالي مبلغ الاقتراض المستحق على الحكومة الفيدرالية الأميركية، الذي جرت مراكمته على مدار تاريخ البلاد.

وارتفع الدين العام الأميركي 1 تريليون دولار في فترة ثلاثة أشهر فقط، بالتزامن مع تضخم عجز الميزانية، الذي يمثل الفارق بين ما تنفقه الحكومة وما تحصل عليه من الضرائب.

ووصفت مايا ماكجينياس، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، وهي هيئة رقابية مالية، هذا الرقم القياسي بأنه “إنجاز محبط حقًا”.

وقالت في بيان صدر أمس الثلاثاء: “على الرغم من أن مستوى ديوننا خطير على اقتصادنا وأمننا القومي، إلا أن أميركا لا تستطيع التوقف عن الاقتراض”.

ويتزايد الدين الأميركي بصورة مطردة خلال فترة يُعَدّ فيها اقتصاد البلاد قويًا إلى حد ما، بينما لا تزال معدلات البطالة منخفضة، وهما مؤشران على أن الفترة الحالية تعتبر وقتًا مناسبًا لكبح جماح العجز الفيدرالي. وغالبًا ما تعزز الحكومة الإنفاق خلال فترات تباطؤ الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة، في محاولة لتحفيز النمو.

وأصبحت أعباء الديون الحكومية في الولايات المتحدة، كما في أماكن أخرى من العالم، سبباً متزايداً للقلق، بسبب الارتفاع السريع الذي شهدته أسعار الفائدة أخيراً، والذي رفع من تكلفة خدمة تلك الديون بصورة واضحة. وارتفع صافي تكاليف الفائدة بنسبة 39% في السنة المالية 2023، التي انتهت في 30 سبتمبر/أيلول، مقارنة بالعام السابق، وفقًا لوزارة الخزانة، ليصل إلى ما يقرب من ضعف ما كان عليه في السنة المالية 2020.

ويُموَّل الدين الوطني الأميركي من خلال مجموعة متنوعة من المصادر، غالباً ما تمثل أذون الخزانة الأميركية وسنداتها، التي يشتريها أميركيون وأجانب، أفراد ومؤسسات وحكومات، ما يزيد على 80% من قيمتها. واعتبرت سندات الخزانة الأميركية، على مدار عقود، أداة الاستثمار الأكثر أماناً في العالم.

ووفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية، كان رصيد إجمالي استثمارات الدول الأجنبية في أذون وسندات الخزانة الأميركية أكثر قليلاً من 7.5 تريليونات دولار، بنهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وجاءت اليابان على رأس قائمة الدول المستثمرة في أوراق الدين التي أصدرتها الحكومة الأميركية، برصيد 1.098 تريليون دولار، وتلتها الصين، التي استقرت على رأس القائمة لسنوات، برصيد 770 مليار دولار، ثم المملكة المتحدة، برصيد 693 مليار دولار، وفقاً للوزارة الأميركية.

وأصبح الدين الوطني نقطة خلاف رئيسية بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو ما أدى إلى تفاقم المواجهات حول الميزانية الفيدرالية، التي هددت في أكثر من مناسبة سابقة بإغلاق الحكومة.

وعلى مدار ما يقرب من ربع قرن، ارتفعت الديون الأميركية في فترات رئاسة جورج بوش (الابن) ودونالد ترامب، من الحزب الجمهوري، وأيضاً في فترات رئاسة باراك أوباما وجو بايدن من الحزب الديمقراطي. وفي حين يرى الجمهوريون إن برامج الإنفاق الفيدرالية التي تدعمها إدارة بايدن مكلفة للغاية، يقول الديمقراطيون إن التخفيضات الضريبية التي اقترحها ترامب في عام 2017 أدت إلى تقليص الإيرادات.

أيضاً ساهمت حزم الإغاثة الفيدرالية التي أُقرَّت خلال الفترة من 2020 – 2022 لمواجهة فيروس كورونا، والتي مُرِّرَت خلال إدارتي ترامب وبايدن، في زيادة الديون.

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، مايكل كيكوكاوا إن ارتفاع الدين كان مدفوعاً بشكل كبير بالهبات الجمهورية المتكررة، التي أسيء استخدامها، ووجهت للشركات الكبرى والأثرياء، ما أدى إلى تخفيض مخصصات الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، التي أضرت بالأميركيين العاديين.

وقال كيكوكاوا إن الرئيس جو بايدن لديه خطة لخفض العجز بمقدار 2.5 تريليون دولار، من خلال “جعل الشركات الغنية والكبيرة تدفع حصتها العادلة، بالإضافة إلى خفض الإنفاق المسرف على المصالح الخاصة بشركات الأدوية والنفط الكبيرة”.

ويشير الواقع الأميركي حالياً إلى أن الديون المتصاعدة، وسياسة حافة الهاوية، أثرت بالفعل في التصنيف الائتماني لأميركا، حيث خفضت وكالة فيتش تصنيفها للديون السيادية الأميركية من AAA إلى AA+ في أغسطس/آب الماضي؛ وفي نوفمبر/تشرين الثاني، حذرت وكالة موديز أيضاً من تخفيض التصنيف الائتماني للاقتصاد الأكبر في العالم.

الدين الأميركي وإغلاق الحكومة

يواجه المشرعون في واشنطن مواعيد نهائية لإقرار ميزانيات الأقسام للسنة المالية 2024 خلال أول شهرين من العام، وذلك بعد أن أقرّ الكونغرس مشروعي قانونين مؤقتين للتمويل، لتجنب إغلاق الحكومة، قبل عدة أسابيع. وتبدأ السنة المالية الأميركية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام.

ومدد مشروع القانون الأخير، الذي أُقرّ في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، التمويل حتى 19 يناير/كانون الثاني لأولويات تشمل الزراعة والبناء العسكري وشؤون المحاربين القدامى والنقل والإسكان ووزارة الطاقة. ومُوِّلَت بقية الحكومة حتى 2 فبراير/شباط، دون إقرار مساعدات إضافية مخصصة لأوكرانيا أو إسرائيل.

ويسعى المشرعون الجمهوريون في مجلس النواب لخفض الإنفاق إلى ما دون المستويات المتفق عليها في اتفاق سقف الديون الذي جرى التوصل إليه في يونيو/حزيران، والذي مكن الحكومة الفيدرالية من الاستمرار في دفع فواتيرها بالكامل، وفي الوقت المحدد، وتجنب التخلف عن السداد لأول مرة على الإطلاق. وعلق الاتفاق سقف الدين حتى الأول من يناير/كانون الثاني 2025.

ومع ذلك، رفض مجلس الشيوخ الذي يقوده الديمقراطيون دعوات الحزب الجمهوري لإجراء تخفيضات. ويتفاوض قادة الكونغرس حاليًا على مستوى التمويل الرئيسي للسنة المالية 2024، حيث يلوح خطر الإغلاق مرة أخرى.

وعلى نحو متصل، يريد رئيس مجلس النواب مايك جونسون، إنشاء لجنة ديون من الحزبين، لمعالجة ما وصفه بـ “التهديد الأكبر لأمننا القومي”.

وقال ماكغينياس: “ما زلنا نأمل أن يتخذ صناع السياسات المزيد من الإجراءات لتقليل اقتراضنا، إن كان من طريق زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق، أو إنشاء لجنة مالية، أو من الناحية المثالية، من طريق القيام بكل ما سبق”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد