1

غيضٌ من فيض الفشل المتراكم لجيش الاحتلال

قد تكون هذه الحرب الدائرة على أراضي قطاع غزة من أكثر حروب جيش الاحتلال فشلاً مقارنة بحروبه السابقة، فيقف الجيش عاجزاً أمام عمليات المقاومة النوعية في كل مناطق توغله رغم الكثافة النارية. وتنفذ المقاومة الفلسطينية يومياً، عمليات تفجير وإطلاق نار ضد قوات الاحتلال المتوغلة بمناطق شمال وجنوب القطاع. لم يتمكن جيش الاحتلال طوال أيام حربه البرية من السيطرة كلياً على مناطق زعم أنها أصبحت تحت سيطرته خاصة فيما يتعلق بحي الشجاعية وبلدتي بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين.

إذا ما حاولنا تكثيف الوقائع العسكرية منذ بداية المناورة البرية، يمكننا الجزم أن الاحتلال يراكم عناصر فشل منها ما هو بنيوي منظوماتي يرتبط بالجيش والأفراد وكفاءاتهم، ومنها ما هو تشغيلي يرتبط بالخطط المعدة والمنفذة والتي باتت تتغير يومياً لترميمها وإعادة تكييفها مع الواقع والميدان.

 الفشل البنيوي المنظوماتي

– افتقاد الجنود لعنصر الكفاءة: منذ بدء الغطاء الجوي بالانحسار لإفساح المجال للقوات البرية النخبوية للعمل الهجومي، برز بشكل واضح أن الجندي الإسرائيلي غير مُعدّ للقتال الفردي، بل يعتمد على القتال الجماعي الذي يستخدم طاقة نيران كبيرة والعمل ضمن قطيع الذي يقضي على مبادرة الفرد، ويكشف لياقاته الفردية كمقاتل. بالإضافة إلى ذلك، تميزت هذه الحرب منذ الأيام الأولى بارتفاع لافت لعدد الجنود الصهاينة القتلى بنيران صديقة.

– الحرص على الحماية المفرطة للذات: برزت في الأسبوع الخامس للحرب عدد من الأمراض التي يعاني منها العديد من الجنود الإسرائيليين بسبب بقائهم لفترات طويلة داخل الدبابة أو المدرعة، التي باتت تُعتبر مكان مبيتهم، وذلك لأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية وليس بالجهوزية، حيث إن معظم التقارير تفيد بأن الجندي لا يعمل أكثر من 4 إلى 6 ساعات يومياً. وفي إطار الحديث عن الدبابات دمرت المقاومة الفلسطينية عدداً لا يقل عن 20 دبابة يومياً، في بعض الأيام 37 وقد قارب مجموع الدبابات والآليات المدمرة الـ 740 حتى يوم السبت 22-12-2023.

الفشل التشغيلي

– تخطيط العمليات: يبدو من عدة عناصر ترتبط بأصل هذه المعركة، أن الإسرائيلي لا زال يكرّر نفس الخطأ منذ تموز 2006، وهو أنه لا زال مصراً على القتال كجيش نظامي بواسطة التكنولوجيا الفائقة لمجموعة متجانسة من أكفأ منظّمات حرب العصابات في العالم إذا أردنا أن نحدد نتائج الفشل والاختلال ميدانياً، يمكننا الإشارة إلى التالي: 

‌أ- كمائن المقاومة المتتالية في الشجاعية والعدد الكبير من الضباط والجنود الذين قتلوا فيها.

‌ب- كمين شارع النصر- مستشفى الشفاء ومجزرة المدرعات والدبابات الذي نفذته المقاومة بالجيش الإسرائيلي.

‌ج- استدراج قوة من الوحدة 551 في بداية الحرب البرية إلى نفق معد للتفجير في بيت حانون، وإيقاع خسائر نوعية بهذه الوحدة السرية.

‌د- تفجير جحر الديك عندما قام المقاومون بزرع عبوات شديدة الانفجار بمخيم منامة للعدو وتفجيره بعد انسحاب المقاومين بسلام.

‌ه- فشل ثلاث محاولات إبرار بحري بظروف عسكرية ومناخية ملاءمة جداً للصهاينة.

‌و- التعديل المستمر بالخطط الحربية وخاصة في منطقتي العمليات الوسطى (الشجاعية حي الزيتون) والجنوبية (شرق خان يونس ودير البلح).

‌ز- فشل عملية تحرير جثث الجنديين المعتقلين في خان يونس، والتي دفع ثمنها جيش الاحتلال 4 قتلى من أجل تحريرهما.

‌ح- قتل جيش الاحتلال ثلاثة أسرى من الجنود الصهاينة الذين فروا من المقاومة واستنجدوا برفاقهم في الشجاعية، إلا أن ر فاقهم قتلوهم لقلة الخبرة، وعدم وجود بروتوكول للتعرف على الرفاق.

 – الإدارة اللوجستية للمعركة: برز في هذه المعركة عدد من الاختلالات في إدارة العمليات اللوجستية العسكرية، حيث إن صِغر مساحة القطاع الجغرافية وقربه من مستعمرات الغلاف، جعل التموين العسكري والعمل اللوجستي والغذاء يعتمد على نظام يلبي الطلب بشكل يومي أي كل 24 ساعة، وهذا ما تنبّهت له المقاومة في الأيام الأولى للحرب ووضعته ضمن برنامجها اليومي الثابت، حيث ركّزت على طرق قوافل التموين وعلى مخازن الذخائر الميدانية التي كانت توضع في العراء داخل شاحنات.

يمكننا إعطاء سِمة “الفشل المتراكم” لهذا القتال الطويل الأمد، الذي أطلقته الآلة العسكرية الإسرائيلية منذ بداية العملية البرية، عندما بدأت أرتال الدبابات والمدرعات التقدم ببطء شديد، إلى حمى قطاع غزة تحت ستار الآلاف من الطلعات الجوية وعشرات الآلاف من الضربات المدفعية البرية.

المصدر: موقع الخنادق




باب الدموع…مضيق دولي استراتيجي

يعدُّ مضيق باب المندب واحداً من أهم المضائق الدولية في العالم، وترتبط أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بأنه يمثل البوابة الجنوبية الوحيدة للبحر الأحمر، ويتوسط المسافة بين قناة السويس ومدينة بومباي في الهند، بذلك فهو شريان التجارة الدولية بين الشرق والغرب حيث تعبره يوميا عشرات من ناقلات النفط العملاقة فضلاً عن السفن التجارية والبحرية، وهذا ما يعطي أهمية استراتيجية واقتصادية تؤثر في العلاقات الإقليمية والدولية. 

الموقع الجغرافي لباب المندب

مضيق باب المندب، أو بوابة الدموع، وقد جاءت هذه التسمية من الندب والدموع حزناً على القتلى الذين سقطوا في هذا المضيق، وهو ممر مائي يصل خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط. وهو يقع بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وأريتريا في أفريقيا.

منذ افتتاح قناة السويس عام 1869 وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، تحول باب المندب إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر البحرية بين أوروبا وحوض البحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي وشرق أفريقيا.

ومما زاد أهمية الممر، أن عرض قناة عبور السفن بين جزيرة بريم والبر الإفريقي، هو 16 كيلومترا وعمقها 100 إلى 200 متر، مما يسمح للسفن وناقلات النفط بعبور الممر بسهولة في الاتجاهين. علماً أن المسافة بين ضفتي المضيق هي 30 كيلومترا من رأس منهالي في الجانب الآسيوي إلى رأس سيان في الجانب الإفريقي.

يقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر فيه بالاتجاهين، بأكثر من 21000 قطعة بحرية سنوياً تمثل 7 في المائة من حركة الملاحة البحرية العالمية.

مضيق باب المندب هو رابع أكبر الممرات من حيث عدد براميل النفط التي تمر فيه يومياً. أي نحو 6.7 في المائة من تجارة النفط العالمية.

المسافة بين ضفتي مضيق باب المندب هي 30 كم (20 ميل) تقريباً من رأس منهالي في الساحل الآسيوي، إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي. المسافة بين ضفتي المضيق هي 30 كم تقريبا من رأس منهالي في الساحل الآسيوي إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي.

جزيرة بريم (مَيّون) التابعة لليمن، تفصل المضيق إلى قناتين الشرقية منها تعرف باسم باب اسكندر عرضها 3 كم وعمقها 30م. أما القناة الغربية واسمها “دقة المايون” فعرضها 25 كم وعمقه يصل إلى 310 م. بالقرب من الساحل الإفريقي توجد مجموعة من الجزر الصغيرة يطلق عليها الأشقاء السبعة. هناك تيار سطحي يجري للداخل في القناة الشرقية، وفي القناة الغربية فهناك تيار عميق قوي يجري للخارج، مياه الممر دافئة (24-32.5درجة مئوية)، والتبخر فيه شديد (2200-3000مم سنوياً).

وجزيرة بريم (ميون) هي من أبرز جزر المضيق وهي تقع في مدخله، وتبلغ مساحتها نحو خمسة أميال مربعة، وتعتمد في كل احتياجاتها على عدن والساحل العربي والافريقي، وقد سمى العرب هذه الجزيرة بـ “ميون” نسبة للقرية التي يقيم فيها سكان الجزيرة، أما الغربيون فأطلقوا عليها اسم بريم، وهي مكونة من الصخور البركانية القاتمة وتبعد عن عدن بحوالي 96 ميلاً غرباً وحوالي 3 أميال عن اليمن الشمالي، ويسكن جزيرة بريم حوالي 300 نسمة غالبيتهم من العرب، ويعيش غالبية السكان على التجارة مع السفن التي ترسو في الجزيرة أثناء عبورها باب المندب، إضافة إلى عملهم بالصيد.

ومن الجزر الأخرى التي تعد ثانوية بالنسبة لجزيرة بريم، جزيرتا قمران وسومطرة، التي تقع في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تجاه مضيق باب المندب وهي مأهولة بالسكان وسطحها جبلي، كما توجد جزيرة زقر على مسافة 33 كلم غرب رأس المتبنة في اليمن الشمالي، وهي أكبر الجزر مساحة وارتفاعاً مما يعطيها أهمية وخبرة خاصة في متابعة التحركات البحرية في البحر الأحمر. وتوجد جزيرة هليب بالقرب من مضيق باب المندب على مسافة 20 كم جنوب شرق ميناء عصب التي تبلغ مساحتها 40 كلم2 وهي خالية من السكان.

باب المندب تاريخياً

ظهر التنافس الإنكليزي الفرنسي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب في القرن الثامن عشرـ عندما أخذ كل من بريطانيا وفرنسا بتهديد مصالح الأخرى عبر الطرق المؤدية الى الهند، وأهمها طريق البحر الأحمر وخاصة بعد تجديد معاهدة 1536م التي نصت على حق فرنسا في حماية المسيحيين الكاثوليك في أرجاء الدولة العثمانية مما أزعج الإنكليز. كما كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر بمثابة الصراع العلني بين بريطانيا وفرنسا حول البحر الأحمر، فقد اتجه الفرنسيون الى تجميع اسطولهم في السويس بهدف قطع الطريق على بريطانيا الى السنغال عبر الشرق الأوسط والى الهند، فقام مهندسون فرنسيون بدراسة وصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط. ومُنيت الخطة الفرنسية بالفشل بعد تمكن الاسطول الإنكليزي من توجيه ضربة الى الاسطول الفرنسي وتحطيمه في أبو قير في آب/أغسطس 1798.

وحصلت اتفاقات بريطانية روسية عثمانية لإجلاء الفرنسيين عن فرنسا في كانون الثاني/يناير 1799، لكن بريطانيا أرادت الحفظ على مصالحها الحيوية في مصر، فأرسلت قوات بحرية تطوف البحر الأحمر في عملية استعراض قوة. وفي نفس العام قامت قوة بحرية قوامها 300 جندي أوروبي وهندي بقيادة جون موراي بالتوجه نحو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، واحتلت جزيرة ميون التي تبعد عن عدن حوالي 500 ميلاً بحرياً فقط مما يجع أي قوة تسيطر عليها تهدد بالتالي قاعدة عدن.

بلغ الصراع ذروته حين دخل الجيش المصري بقيادة محمد علي الى اليمن اثناء مطاردته الوهابيين، وتم الاستيلاء على ميناء المخا في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1833م، مما شكل تهديداً خطيراً للمصالح البريطانية في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وشكل حافزاً للبريطانيين في محاولة السيطرة على عدن. وسقطت عدن بيد البريطانيين في 19 كانون الثاني/يناير 1839م، وشكّل ذلك تنفيذاً لسياستها الاستعمارية في منطقة البحر الأحمر، وتثبيت نفوذها عند مضيق باب المندب، والى تقوية نفوذها في مصر إضافة الى محاولتها إبعاد أي نفوذ محلي أو أجنبي عن هذا الممر الملاحي البحري الهام.

ولا يغيب عن بالنا محاولات إيطاليا إيجاد منفذ لها خارج البحر المتوسط بعد افتتاح قناة السويس فحاولت احتلال بعض النقاط الاستراتيجية في أثيوبيا وارتيريا.

الجغرافيا لا تتغير، ولكن التاريخ تراكم أحداث وتطورات، ولا بد لاستشراف المستقبل من قراءة التاريخ على وقع الحاضر…باب المندب مفتاح القادم من الأيام.

نسيب الشمس

المصدر: موقع الخنادق




الاتحاد الأوروبي في 2023… حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

على قلق شديد من الآتي، وانحسار ملحوظ في الآمال والطموحات، يطوي الاتحاد الأوروبي صفحة العام الذي كان مفترضاً أن يشهد بداية تكريس دوره بوصفه قطباً جيوسياسياً ثالثاً في المشهد الدولي؛ لكنه انتهى بضمور غير متوقع لهذا الدور، ويستعدّ لسنة جديدة يعقد عليها الآمال في استعادة الدور الضائع، وإيجاد الموقع المنشود في لعبة المحاور الدولية، ورأب الصدع الداخلي الذي يتسّع تحت وطأة الانجراف إلى الضفاف اليمينية والشعبوية المتطرفة.

منذ سنوات والرياح الخارجية لا تجري في الاتجاه الذي تشتهيه السفينة الأوروبية التي تواجه أيضاً أعاصير مناخ داخلي تعكّر صفاء التعايش بين الشركاء، وتهدد بنسف معادلات التوازن التي قام عليها المشروع الأوروبي منذ تأسيسه.

انكشاف العجز

فالحرب في أوكرانيا، على أبواب الاتحاد، لم تفرض -فحسب- واقعاً جديداً استدعى إعادة خلط الأوراق في التوازنات الأمنية والجيوستراتيجية داخل الدائرة الأوروبية وخارجها؛ بل كانت ضربة نفسية في عمق الفكرة التي تأسس عليها المشروع، لتفادي تكرار مآسي الحربين الأولى والثانية على التراب الأوروبي.

في المراحل الأولى للحرب، تداعى الشركاء الأوروبيون إلى توافق غير مسبوق في السياسات الدفاعية والخارجية لدعم أوكرانيا بالعتاد العسكري والمساعدات المالية، وتوفير التسهيلات لاستقبال ملايين اللاجئين والنازحين في دول الجوار. لكن، مع مرور الوقت، واتضاح إمساك الولايات المتحدة بجميع مفاتيح قرارات الدعم الغربي لأوكرانيا، انكشف العجز الأوروبي عن تحقيق هدف الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت عنوان حملة رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قبل انتخابها، بينما كان يتصدّع إجماع الشركاء الأوروبيين على تقديم الدعم المتواصل لأوكرانيا، تحت وطأة التداعيات الاقتصادية للحرب وذيولها الاجتماعية في البلدان المجاورة.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن السياسة الخارجية والدفاعية الموحدة ستبقى سراباً يسعى الاتحاد الأوروبي وراءه، وأن الإصرار على هذا السعي بأي ثمن من شأنه أن يكون صاعقاً يخلخل التماسك الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأت تظهر عليه أعراض الوهن في السنوات الأخيرة.

وجاءت الحرب في قطاع غزة، ومواقف العواصم الأوروبية المتباينة بشأنها، لتؤكد استحالة توحيد السياسات الأوروبية الخارجية، حتى تجاه القضايا التي تمسّ مباشرة أمن الدول الأعضاء في الاتحاد، وتهدد استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.

العلاقات مع الصين

إلى جانب ذلك، ما زال الاتحاد الأوروبي يجهد بصعوبة لتحديد إطار واضح لعلاقاته مع الصين، محاولاً الموازنة بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها من جهة، والمصالح التجارية الضخمة التي تربط بعض أعضائه بالمارد الآسيوي من جهة أخرى، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها من الولايات المتحدة التي تريده بجانبها في صراعها المفتوح على الزعامة الدولية مع بكين.

لكن التحديات والمخاوف الداخلية لا تقلّ خطورة عن أزمات الخارج التي يخشى أن تتحول شظاياها إلى فتيل يشعل اضطرابات دينية وعرقية داخل البيت الأوروبي، الذي قام مشروع الاتحاد أساساً لتحصينه ضد الحركات العنصرية واليمينية المتطرفة التي تسببت في دماره ودفعته إلى الارتماء بين أذرع القوتين العظميين اللتين خرجتا من رحم الحرب العالمية الثانية.

موجة يمينية متطرفة

فإلى جانب الأزمات الخارجية التي يقف الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التأثير الحاسم في مسارها ونتائجها، تهبّ على البلدان الأوروبية موجة يمينية واسعة لم تعرفها منذ تأسيس الاتحاد، وباتت تشكّل خطراً يهدد الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي، وتدفع حتى بالأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى تبنّي طروحات ومواقف يمينية تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي لعبت أوروبا دوراً أساسياً في وضعها بعد الحرب العالمية.

أكثر من نصف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تزيد شعبية اليمين المتطرف فيها على 20 في المائة، بينما 4 من أصل الدول الخمس الكبرى تشارك فيها أحزاب يمينية متطرفة في الحكم، ومع كل استحقاق انتخابي تتسع دائرة التأييد لهذه الأحزاب، مع ارتفاع تدفقات الهجرة غير الشرعية، ومعدلات التضخم، وكلفة السياسات المناخية.

وأكثر ما يثير القلق اليوم في المؤسسات الأوروبية، هو أن اليمين المتطرف لم يعد بحاجة للوصول إلى السلطة للتأثير في السياسات المحلية والاتحادية؛ إذ يكفيه الحصول على نسبة وازنة من التأييد الشعبي في الانتخابات، للضغط على الحكومات ومنعها من تأييد الإصلاحات التي يحتاج إليها الاتحاد من أجل تنفيذ المشاريع الكبرى التي تنتظر توافق الدول الأعضاء منذ سنوات.

هذا لا يعني أن أوروبا تقف على أبواب العودة إلى حكم الفاشيين، كما حصل في ثلاثينات القرن الماضي تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة؛ لكن خطر الموجة اليمينية بات محدقاً، والقيادات المتطرفة لم تعد تخفي هدفها الرئيسي بتغيير القواعد والمبادئ الرئيسية التي تأسس عليها الاتحاد.

تحديات الهجرة وسياساتها

وبينما تواصل القوى اليمينية المتطرفة قضم مزيد من التأييد الشعبي عند كل استحقاق انتخابي، كما حصل مؤخراً في هولندا، يرتفع منسوب القلق والترقب أمام الانتخابات الأوروبية المقررة مطالع يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث -للمرة الأولى منذ تأسيس البرلمان الأوروبي- لم تعد الكتلتان: الاشتراكية والمحافظة، اللتان وجّهتا الدفّة السياسية في العقود المنصرمة، تشكلان الأغلبية البسيطة التي غالباً ما يقتضي تحصيلها اللجوء إلى تحالفات مع القوى اليمينية المتطرفة.

ولعل السمة الأبرز التي ميّزت المشهد الأوروبي خلال هذا العام الذي ينقضي، هو الوجه البشع الذي كشفته سياسات الهجرة، كما تبدّى لنا في التجوال على أكثر من عشرين دولة أوروبية؛ حيث شاهدنا «السجون العائمة» التي يتكدّس فيها المهاجرون قبالة المواني البريطانية، أو المخيمات المكتظة في الجزر اليونانية؛ حيث يتعرض المهاجرون لشتى أنواع سوء المعاملة، أو في الدنمارك؛ حيث ينصّ قانون الهجرة على جواز مصادرة أموال المهاجرين ومجوهراتهم، باستثناء قطعة واحدة، هي… محبس الزواج.

شوقي الريس

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




الكونغو الديمقراطية… تاريخ من الصراع

> منذ استقلالها قبل أكثر من نصف قرن، واجهت جمهورية الكونغو الديمقراطية هزّات سياسية عدة، بدأت مع اغتيال رئيس الوزراء اليساري باتريس لومومبا عام 1961، ثم انقلاب عسكري عام 1965 رسّخ حقبة ديكتاتورية، أطاح بها انقلاب عسكري آخر عام 1997. وفيما بعد اغتيال الرئيس لوران كابيلا في 2001، كذلك عاشت هذه المستعمرة البلجيكية السابقة حربين أهليتين بين عامي 1996 و2003، ما أنهكها وتسبب في قتل وتشريد الملايين من أبنائها.

الأشهر الأخيرة من العام الحالي 2023 شهدت أيضاً تصاعدا في أعمال العنف، تزامنا مع الاستعداد للانتخابات الرئاسية، حيث تسبب الصراع في شرق البلاد في مقتل ما يقرب من ستة ملايين شخص منذ عام 1996. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى تجاوز عدد النازحين داخل البلاد بسبب الصراع 6.9 مليون شخص.

باتريس لومومبا (أ ف ب / غيتي)

هنا لا بد من الإشارة إلى أن تاريخ الصراع في الكونغو الديمقراطية يرتبط بـ«جارتها» رواندا، على الحدود الشرقية؛ حيث جاءت حرب الكونغو الأولى خلال عامي 1996 و1997 عقب مجازر الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حين قتل متطرفون من إثنية «الهوتو» ما يقدر بنحو مليون من أقلية «التوتسي» والمعتدلين من «الهوتو». ويومذاك فرّ ما يقرب من مليوني لاجئ من «الهوتو» إلى الحدود الكونغولية، ليستقروا في مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو، بل وكان بين الذين فرّوا إلى الكونغو مجموعة من متطرفي «الهوتو»، شكلوا ميليشيات مسلحة في الكونغو. وعلى الإثر تكونت ميليشيات مضادة من «التوتسي»، وهكذا اشتعل الصراع بين الجانبين على وقع دعم خارجي.

هذا، وعقب انتصار «الجبهة الوطنية الرواندية» على حكومة «الإبادة الجماعية»، بدأت «الجبهة» بقيادة التوتسي تدخلها في الكونغو، حين كانت تُعرف في تلك الفترة باسم «زائير». وبالفعل، غزت القوات الرواندية بقيادة الرئيس بول كاغامي (من التوتسي)، الكونغو التي كان يحكمها الديكتاتور اليميني الجنرال (جوزيف) موبوتو سيسي سيكو. الغزو الراوندي حظي بدعم من أوغندا وأنغولا وبوروندي، وبتنسيق مع الزعيم اليساري للمعارضة الزائيرية (آنذاك) لوران كابيلا. لقد قضى الآلاف في سبيل انتصار تحالف كابيلا – كاغامي إبان حرب الكونغو الأولى عام 1997، التي انتهت بفرار موبوتو من كينشاسا، وتنصيب كابيلا رئيساً لزائير، وإعادة الاسم التاريخي للبلاد ليغدو جمهورية الكونغو الديمقراطية… بعدما كان موبوتو قد سماها «زائير».

غير أن كابيلا سرعان ما تراجع عن تحالفاته السابقة، واتخذ إجراءات من شأنها إزالة «التوتسي» من حكومته وإضعاف الوجود العسكري الرواندي في شرق البلاد، والسماح لجماعات «الهوتو» المسلحة بتنظيم نفسها على الحدود مرة أخرى.

موبوتو سيسي سيكو (آ ف ب)

وعلى هذه السياسة ردت رواندا بغزو آخر عام 1998 أدى إلى اندلاع حرب الكونغو الثانية. وهذه المرة، قاتلت القوات الكونغولية المدعومة من أنغولا وناميبيا وزيمبابوي الجيوش الرواندية والأوغندية والبوروندية. وفي خضم فوضى الحرب، اغتيل لوران كابيلا عام 2001، وتولى السلطة نجله جوزيف كابيلا قبل أن تضع الحرب أوزارها في 2002، مخلفة ضحايا اختلف في عددهم، وسط تقديرات بأنها تسببت وما تبعها من كوارث إنسانية في قتل ثلاثة ملايين شخص حتى عام 2004.

في محاولة للحد من الصراع انخرطت الكونغو وأوغندا ورواندا بين عامي 2002 و2003 في مجموعة من اتفاقات السلام التي سمحت بتشكيل حكومة انتقالية في كينشاسا بقيادة جوزيف كابيلا. ولكن رغم الاتفاقات، ولجان الحقيقة والمصالحة، ووجود قوة متجددة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، استمرت الاضطرابات والاشتباكات في شرق الكونغو.

جرى تنصيب جوزيف كابيلا رسمياً بعد الانتخابات الشعبية التي طال انتظارها عام 2006، لكن الصراع لم ينته، ولا سيما مع ظهور حركة «23 مارس» (M23) التي تتكون أساساً من التوتسي. وبين عامي 2012 و2013، صارت الحركة قوة لا يمكن إنكارها في شرق الكونغو، وسط اتهامات كونغولية لرواندا بدعمها. وأخيراً جلب القرن الـ21 تعقيداً آخر لجهود السلام في الكونغو، التي تختزن أرضها بعض أكبر احتياطات العالم من المعادن، إذ أدت وفرة الموارد الطبيعية إلى عولمة الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية… وسط صراع على مناجم الكوبالت بين الولايات المتحدة والصين.

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




فيليكس تشيسيكيدي… «وريث المعارضة» الطامح إلى ولاية ثانية رغم التحديات

تفشّي «العنف» يلاحق رئيس الكونغو الديمقراطية

وسط مجموعة من مؤيديه احتشدت في ساحة ملعب رياضي بمدينة غوما، حاملين الأعلام ومرتدين قبعات وملابس بيضاء، وقف رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي حاثاً الشعب على انتخابه لولاية ثانية من أجل «تعزيز إنجازاته»، ومحذّراً من «العودة إلى نقطة الصفر». يطمح تشيسيكيدي «وريث المعارضة التاريخية» في أن يمدّ حكمه 5 سنوات أخرى، ويبقى على رأس الكونغو الديمقراطية، في قلب أفريقيا، التي يعاني سكانها البالغ عددهم نحو 112 مليون نسمة من الفقر، إلى جانب اضطرابات أمنية، خصوصاً في شرق البلاد. ويتنافس في الانتخابات، المقرّر إجراؤها يوم 20 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أكثر من 20 مرشحاً، بينهم مويس كاتومبي رجل الأعمال والحاكم السابق لولاية كاتانغا، الذي سبق أن مُنع من الترشّح في انتخابات 2018، والسياسي المعارض مارتن فايولو، وحامل جائزة «نوبل» للسلام دينيس موكويغي. ومع أن بين المرشحين شخصيات سياسية بارزة، فإن افتقار المعارضة لـ«وحدة الصف» ربما يعزز استمرار تشيسيكيدي.

أثار وصول فيليكس تشيسيكيدي إلى الحكم في جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل 5 سنوات آمالاً عريضة، بناءً على جذوره المعارضة، وكونه جاء في أول انتقال سلمي للسلطة في الكونغو منذ استقلالها عن بلجيكا عام 1960، غير أن قوى المعارضة تطالب اليوم بإعادة النظر في ما حقّقه كرئيس، ومراجعة وعوده بالحد من البطالة واستعادة الأمن قبل منحه ولاية ثانية.

نشأة سياسية معارضة

ينتمي فيليكس أنطوان تشيسيكيدي لإثنية اللوبا (البالوبا)، في إقليم كاساي بوسط جنوب الكونغو. بيد أنه ولد عام 1963 في العاصمة كينشاسا لعائلة منخرطة في المعارضة. وهو الابن الثالث بين 5 أبناء للسياسي المعارض إتيان تشيسيكيدي وا مولومبا، الذي أسّس حزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدّم الاجتماعي» (يسار الوسط)، وخدم كرئيس وزراء لـ3 فترات قصيرة خلال تسعينات القرن الماضي.

في سنّ التاسعة عشر، تبع فيليكس، الذي يلقبه أصدقاؤه بـ«فاتشي»، والده المُلاحَق من قبل الرئيس اليميني الأسبق موبوتو سيسي سيكو إلى قريته في كاساي، حيث عاش مع عائلته تحت الإقامة الجبرية. وفي الثانية والعشرين من عمره، وتحديداً عام 1985، لجأ تشيسيكيدي وعائلته إلى بلجيكا، وهناك يُقال إن «فاتشي» مارس عدة مهن واعتاد التردد على النوادي الليلية، بيد أنه سرعان مع عاد إلى عالم السياسة مرة أخرى وأصبح من أهم المؤيدين لحزب والده. وهذا التأييد دفعه للدخول في صراع مع مقربين من موبوتو، ومع الشرطة البلجيكية نفسها إثر منع والده من العودة لكينشاسا.

حصل فيليكس في العاصمة البلجيكية بروكسل على شهادة في الأعمال والاتصالات، أثيرت شائعات بشأن صحتها، وهو متزوج وله 5 أبناء. وفي ظل والده، دخل معترك السياسة في سن صغيرة واختبر العمل كمعارض في ظل نظام قمعي، مشاركاً والده النضال ضد موبوتو. وأيضاً في ظلّ والده، تدرّج في مناصب عدة بـ«الاتحاد من أجل الديمقراطية». إذ انتخب عام 2011 نائباً عن منطقة مبوجي مبايي (بكوانغا، سابقاً) لكنه لم يدخل مجلس النواب احتراماً لوالده الذي عارض إعادة انتخاب جوزيف كابيلا في العام نفسه، مدعياً تزوير فوزه.

أيضاً رفض فيليكس تشيسيكيدي عام 2013 منصب مقرر اللجنة الانتخابية في الكونغو، وقال آنذاك: «لا أريد أن أجمد مسيرتي السياسية وأضعها رهن الانتظار». لكنه في نهاية عام 2016، وقبل وقت قصير من وفاة والده عام 2017، شارك في مفاوضات بين السلطة والمعارضة تحت رعاية الكنيسة، أثمرت اتفاق «سان سيلفستر»، الذي بموجبه تأجلت الانتخابات.

استفاد تشيسيكيدي وما زال من شعبية والده، وانتخب رئيساً لحزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية» خلفاً له. ولكن بينما كان الأب «عنيداً ومعتزاً بنفسه» يرى مراقبون أن الابن «أكثر دبلوماسية، فهو مستمع جيد للآخرين ومهذب». وقبيل انتخابه في الولاية الأولى أثناء زيارة للولايات المتحدة، أجرى حواراً سئل خلاله عما إذا كان يمتلك قدرة ليحل محل والده، فأجاب بلغة فرنسية واضحة إنه «ليس لديه طموح لمنافسة والده. فهو سيدي… ولا أحد يرغب في منافسة سيده». في المقابل، يرى منتقدو فيليكس تشيشيكيدي أنه «اعتمد على شعبية والده وتاريخه، لكنه يفتقر إلى الخبرة ومؤهلات القيادة». وعلى هذا الكلام يدافع عن نفسه بأنه لا يمتلك خبرة في الحكم السيئ أو نهب ثروات البلاد، لكنه خبير في احترام حقوق الإنسان.

مواقف حادة

عُرف فيليكس تشيسيكيدي بصلابته ومواقفه الحادة. إذ وقف على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر (أيلول) الماضي، مطالباً بالانسحاب التدريجي لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، واصفاً ذلك بأنه «مرحلة ضرورية لتعزيز التقدم الذي حققته بلاده بالفعل».

وقال تشيسيكيدي إن «الشعوب الأفريقية في كثير من الأحيان لا تفهم الموقف الملتبس والمعايير المزدوجة في العمل، والغموض والمماطلة التي تتسم بها الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن بشأن بعض الأزمات السياسية والأمنية، التي تعصف بأفريقيا… ولقد آن الأوان لتتولى بلادي مصيرها بالكامل».

في الواقع، أسست بعثة الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية «مونوسكو» عام 1966. وفي المقابل، أصدر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بالتزامن مع تصريحات تشيسيكيدي، بياناً أعرب خلاله عن «القلق البالغ بشأن مقتل 43 شخصاً على الأقل، بمن فيهم شرطي، وإصابة 56 بجراح أثناء مظاهرات في غوما». وهي مظاهرات خرجت ضد بعثة الأمم المتحدة للسلام. ويرجح مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في تقرير حديث أن يطالب أي حاكم للكونغو الديمقراطية بانسحاب بعثة حفظ السلام الأممية «استجابة لمشاعر الإحباط والغضب الشعبي إزاءها».

دولياً، تثير تصريحات فيليكس تشيسيكيدي الجدل والتوتر. ففي مارس (آذار) الماضي، إبان زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعاصمة الكونغولية كينشاسا، تكلم تشيسيكيدي في مؤتمر صحافي مشترك عن «ازدواجية المعايير في التعامل مع أفريقيا، والكلام عن تسويات سياسية عندما يتعلق الأمر بأفريقيا، بينما لا يحدث ذلك إذا ما شابت الانتخابات في أميركا أو أوروبا مخالفات». وأضاف مخاطباً ماكرون: «هذا يجب أن يتغير… انظروا لنا بطريقة مختلفة … انظروا لنا كشركاء، وليس بنظرة أبوية وإملاءات». جاء هذا الموقف تعقيباً على كلام لوزير الخارجية الفرنسي الأسبق جان إيف لودريان، عام 2019، ورد فيه أن نتائج انتخابات الرئاسة في الكونغو الديمقراطية كانت «بترتيب مسبق».

تساؤلات الشرعية

وحقاً، أثار إعلان فوز تشيسيكيدي بالانتخابات الرئاسية عام 2018 تساؤلات عدة، بشأن شرعية الفوز، ولا سيما أن مؤيدي منافسه مارتن فايولو اتهموه بـ«التواطؤ مع الرئيس السابق جوزيف كابيلا في انقلاب انتخابي». ودعم هذه الاتهامات تحليل أجرته «مجموعة أبحاث الكونغو» و«الفاينانشال تايمز» ادعى «فوز فايولو»، مع أن المحكمة أيّدت فوز تشيسيكيدي. كذلك عزز تلك الادعاءات ما تكشف لاحقاً عن «صفقة» عقدت بين تشيسيكيدي وجوزيف كابيلا، الرئيس المنتهية ولايته بعد 18 سنة من الحكم، فيها أعلن الأخير دعمه لتشيسيكيدي، داعياً شعب الكونغو إلى «التوحد خلفه». وهكذا استقر تشيسيكيدي في «قصر الأمة»، المقر الرئاسة الحالي على ضفة نهر الكونغو.

ملامح الصفقة ترجع إلى «اتفاق سياسي» وقّعه الطرفان يحصل بموجبه كابيلا وأنصاره على مناصب وزارية تجعله شريكاً في الحكم. الأمر الذي أثار شكوكاً إزاء النتيجة، دفعت فرنسا للإعراب عن قلقها مما وصفته بـ«نتيجة غير مطابقة للحقيقة». إلا أن باريس سرعان مع عادت فاعترفت بالرئيس الجديد أسوة بالاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي حين تطرق تشيسيكيدي عام 2017 إلى تشكيل «لجنة حقيقة ومصالحة» لمحاسبة كابيلا، حال استلامه السلطة، فإنه بعد إعلان فوزه بالرئاسة أشاد بكابيلا، عادّاً إياه «شريكاً».

مواجهة العنف المسلح

في مجال آخر، ورث فيليكس تشيسيكيدي بلداً غارقاً في الأزمات والصراعات، سبق له أن عانى ويلات حربين أهليتين. واتسمت فترته الرئاسية الأولى بصعوبات اقتصادية، فاقمتها جائحة «كوفيد 19»، ووباء «إيبولا». ويضاف إلى كل ذلك انعدام الأمان، خصوصاً في شرق البلاد، الذي شهد تصاعداً لأحداث العنف منذ عام 2022. وبالفعل، تشهد مناطق شرق الكونغو نشاطاً لما لا يقل عن 120 جماعة مسلحة، أهمها حركة «23 مارس». ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، فإن «نحو 500 ألف شخص أجبروا على النزوح خلال الشهرين الماضيين». وعليه، يعتقد مراقبون أن «مخاطر الصراع بعد الانتخابات ستكون أكبر».

في المواجهة ضد حركة «23 مارس» يضع تشيسيكيدي جمهورية رواندا، «جارة الكونغو الصغيرة» (إلى الشمال الشرقي)، في منزلة العدو الأول، مستعيداً نزاعاً قديماً بين الدولتين غزت خلاله رواندا الأراضي الكونغولية. وكانت حكومتا الدولتين قد اتفقتا في محاولة لرأب الصراع بنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبوساطة أميركية، على تقليص الوجود العسكري على حدودهما المشتركة. غير أن العداء السياسي تجدّد منذ 9 ديسمبر الحالي، بعدما شبّه تشيسيكيدي نظيره الرواندي بول كاغامي بـ«هتلر»، مع العلم أن تشيسيكيدي الذي كان في طليعة وعوده في الولاية الأولى استعادة الأمن… وقف بعد 5 سنوات ليشير إلى «انعدام الأمن بشرق البلاد». وأمام البرلمان، حاول خلال الشهر الماضي الدفاع عن سياسة الحصار التي فرضها على المنطقة الشرقية عام 2021، قائلاً إنها «سمحت للسلطات بخنق مصادر تمويل المتمردين». ولكن على الأرض كانت حركة «23 مارس» توسّع سيطرتها، بينما سبّب الحصار «تفاقم حالة حقوق الإنسان». وإضافة إلى حركة «23 مارس»، تواجه الكونغو الديمقراطية هجمات من جماعات مسلحة متحالفة مع «داعش»، ولا تزال علاقاتها مشحونة مع «جارتيها» الشرقيتين الأخريين؛ بوروندي وأوغندا.

إنجازات وتحديات

في الحملة الرئاسية الحالية، يركز فيليكس تشيسيكيدي على «الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها إدارته»، بدلاً من التركيز على الوضع الأمني في شرق البلاد. وحقاً، على الصعيد الاقتصادي، رغم انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للكونغو إبان جائحة «كوفيد 19»، فإنه حقق انتعاشاً متواضعاً، ليرتفع إلى 8.92 في المائة عام 2022، مقارنة بـ6.20 في المائة عام 2021.

ولتعزيز النمو الاقتصادي سعى الرئيس الكونغولي لتعزيز العلاقات التجارية مع دول الجوار. ولكن رغم ذلك لا يبدو سجله الاقتصادي «إيجابياً بشكل كامل». إذ يتوقع البنك الدولي أن تؤدي الانتخابات إلى اتساع العجز المالي للبلاد ليصل إلى 1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، خصوصاً مع انخفاض قيمة الفرنك الكونغولي بنسبة 20 في المائة.

أما على الصعيد الاجتماعي، فيتباهى تشيسيكيدي بإنجازاته في قطاع التعليم، حيث أقرّ مجانية التعليم الابتدائي في سبتمبر (أيلول) 2019، وما تلا ذلك من زيادة في عدد المدارس والطلاب. غير أن تحقيقاً أجري عام 2020 «كشف مخالفات في قطاع التعليم، وتحدث عن مدارس وهمية وموظفين وهميين».

وعود جديدة

في مطلق الأحوال، فإن تشيسيكيدي، الذي وصل إلى السلطة بمساعدة كابيلا، كرّس الكثير في بداية حكمه سعياً إلى تقليص نفوذ سلفه. ومع أنه نجح في ذلك إلى حد كبير، ظل انعدام الأمن في مناطق شرق الكونغو، يستنزف موارد البلاد. ولكن، في الحصيلة النهائية يعدّ مراقبون التزام تشيسيكيدي بإجراء الانتخابات في موعدها «أمراً إيجابياً» في حد ذاته، ولا سيما أن البعض كان يخشى أن يعتمد سياسة المماطلة التي انتهجها سلفه كابيلا. كذلك، وفق مراقبين متابعين، قد تحول الظروف الأمنية دون إقبال كثيرين على صناديق الاقتراع… لكن في ما يخص تشيسيكيدي فهو يخوض السباق الرئاسي طامحاً بالحصول على فرصة أخرى لتنفيذ تعهداته السابقة، وتحقيق وعوده بـ«مستقبل تُتاح فيه الفرصة أمام كل الكونغوليين للتمتع بالازدهار».

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




هل استعادت انتخابات العراق جدل «الهويات» بعد إعلان النتائج؟

كركوك «على المحك» بين العرب والكرد… ونزاع في ديالى لتحديد «الأكثرية»

استعادت الانتخابات المحلية الأخيرة جدل «الهوية» بعد متغيرات وتحولات في موازين القوى التي ستفرض نفسها عندما تتفاوض القوى السياسية لتشكيل مجالس المحافظات.

وأعلنت السلطات العراقية، الثلاثاء، نتائج أولية لانتخابات شارك فيها أكثر من 6 ملايين عراقي لاختيار ممثليهم في مجالس المحافظات، وشهدت بعض المدن نتائج متقاربة بين قوى تمثل التنوع الاجتماعي والديني والقومي فيها.

وكان من المفترض أن تعتمد الحملات الدعائية للمرشحين على معايير الخدمات العامة، التي ستكون الحكومات المحلية مسؤولة عن توفيرها للسكان، لكن الاستقطاب على قضايا إشكالية فرض نفسه على التنافس، منها «هوية المكونات» المحلية.

وشهدت كركوك ونينوى وديالى تنافساً انتخابياً بين أحزاب شيعية وسنية، وبين قوى عربية وأخرى كردية وتركمانية للظفر بمقاعد في مجلس المحافظة، وبحسب النتائج فإن تشكيل الحكومات المحلية هناك لن يكون يسيراً على الفائزين.

خلال الحملة الانتخابية، أدلى زعيم تحالف «السيادة» خميس الخنجر بتصريح أثار جدلاً واسعاً وردود فعل متباينة، وقال إن «هوية محافظة نينوى ستبقى سُنية».

وحينها، قال خصوم الخنجر، وبعضهم منافسون له في الانتخابات المحلية، إنه كان يحاول «ابتكار دافع مختلف للناخبين يتعلق باستنفار مشاعر المكون»، لكن كثيرين كانوا يعتقدون أن «تياراً من الناخبين كان يخشى توسع نفوذ الفصائل المسلحة التي نشطت في المدينة منذ انتهاء المعارك ضد تنظيم داعش».

«هوية» نينوى

في محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل، وإن كانت تضم عرباً وأكراداً ومسيحيين لا سيما في سهل نينوى، لكن غالبية السكان هم من العرب السنة، وطوال العقدين الماضيين، كان النواب السنة يشكلون الغالبية في مجلس المحافظة والبرلمان، وهم مَن يرجحون كفة المحافظ.

وتمكنت قائمة المحافظ المستقيل نجم الجبوري من حصد أعلى الأصوات في المحافظة، جاءت من بعده قوائم عربية وكردية من المفترض أن تشكّل تحالفاتها لاختيار المحافظ الجديد.

بعد أيام من الرفض الذي قوبلت به تصريحات الخنجر بشأن هوية الموصل (نينوى) سرعان ما تفجر جدل هوياتي جديد لكن هذه المرة في بغداد.

وتضم العاصمة العراقية، إلى جانب مرقد الإمام موسى الكاظم في جانب الكرخ الذي تصنف هويته على أنها سُنية، مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان في مدينة الأعظمية في جانب الرصافة من بغداد الذي تصنف هويته على أنها شيعية.

كلا المرقدين يربط بينهما نهر دجلة ويتم العبور بينهما عبر جسر يسمى جسر الأئمة الذي جرى تفجيره أيام العنف الطائفي في العراق عام 2005 وراح ضحيته أكثر من 1200 زائر شيعي.

المفارقة اللافتة الأخرى في تركيبة بغداد، أنه في الوقت الذي يضم جانب الرصافة أيضاً مرقد الصوفي الكبير عبد القادر الكيلاني، فإن جانب الكرخ يضم مرقد الصوفي معروف الكرخي الذي كان أحد تلاميذ الإمام الكاظم.

وفي الانتخابات الأخيرة، ظهر متغير بارز في النتائج الأولية، تمثل في حزب «تقدم» الذي يتزعمه محمد الحلبوسي بالمرتبة الأولى في بغداد في الانتخابات المحلية، قالباً الطاولة على أكبر تحالفين شيعيين؛ «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي و«نبني» بزعامة هادي العامري.

وفجر فوز الحلبوسي المفاجئ الجدل من جديد بشأن هوية بغداد، حتى مع احتمالية أن ينجح الإطار التنسيقي في زيادة مقاعده بعد احتساب أصوات التصويت الخاص، لكنّ المراقبين انتبهوا أخيراً إلى نشاط انتخابي لافت للناخبين السُّنة في العاصمة بغداد.

موظفون يفرزون أصوات الناخبين داخل مركز انتخابي في بغداد 18 نوفمبر (أ.ف.ب)

عُقدتان في كركوك وديالى

الأمر لم يقتصر على نينوى وبغداد، بل امتد إلى محافظتين كان الجدل قائماً حول هويتهما العرقية في كركوك، والمذهبية في ديالى.

وتعد كركوك، وهي أبرز المحافظات المتنازع عليها بموجب المادة 140 من الدستور العراقي، من مدن التنوع والتعدد العرقي والديني، لكنها تجولت بسبب إشكالات اجتماعية وسياسية تاريخية إلى بؤرة للتوتر طوال السنوات الماضية.

ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005 من إجراء انتخابات مجلس المحافظة بسبب النزاع السياسي، إلى جانب تعثر الحياة العامة خلال المعارك ضد تنظيم «داعش».

وفي الانتخابات الأخيرة، حصل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على المرتبة الأولى، الأمر الذي يزيد من تعقيدات المدينة نتيجة النزاع مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو الأمر الذي قد يدفع القوى العربية والتركمانية إلى تشكيل تحالف داخل مجلس المحافظة يمكنه الظفر بمنصب المحافظ.

الأمر في ديالى مختلف نسبياً، فهذه المحافظة التي تضم أقلية كردية، يتنازع فيها كل من السنة والشيعة على الأكثرية.

وكانت المدينة المحاذية للحدود مع إيران مسرحاً لنزاع طائفي عنيف، تفاقم لاحقاً حين اندلعت معارك شرسة ضد التنظيمات الإرهابية من «القاعدة» و«داعش».

وبحسب النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة، فإن تحالف «ديالتنا الوطني» حلَّ في المرتبة الأولى بأربعة مقاعد، بينما حل حزب الحلبوسي ثانياً بثلاثة مقاعد، مثلها ذهب إلى كتلة «السيادة» السنية.

حمزة مصطفى

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




لماذا خسر «التيار المدني» في انتخابات العراق؟

مرشحون يعتقدون أن «طاعة رجل الدين» عامل حاسم في التصويت

تعرضت القوى السياسية المحسوبة على التيار المدني في العراق إلى «خسارة قاسية» في الانتخابات المحلية الأخيرة، بينما تواصل الأحزاب التقليدية سيطرتها على غالبية المقاعد في مجالس المحافظات.

وحصلت الأحزاب التي تشكل معاً «الإطار التنسيقي» على 101 مقعد على الأقل من أصل 285 مقعداً؛ ما يمنحها الحصة الأكبر في مفاوضات تشكيل الحكومات المحلية.

ونافس أعضاء «الإطار»، الذي يشكّل بالفعل أكبر تكتل منفرد في البرلمان، ضمن 3 قوائم رئيسية، لكنهم قالوا إنهم سيحكمون معاً بعد الانتخابات. وكان مراقبون يأملون أن تحصد القوى المدنية، أو الأحزاب الناشئة، تصويتاً غير مسبوق من أولئك المحبَطين من النظام السياسي، أو الذين يخشون عودة «قوى سياسية متهمة بالفساد» إلى الحكومات المحلية، لكن النتائج المعلنة لم تعكس ذلك على الإطلاق.

ووفقاً للأرقام الأولية، فإن مقاطعة التيار الصدري، ونسبة المشاركة المتدنية، كانتا عاملين حاسمين في حصول القوى التقليدية على غالبية المقاعد.

وقبل الاقتراع، الذي أُجري الاثنين الماضي، كانت القوى المدينة تأمل أن تحصد أصوات العراقيين في محافظات شهدت احتجاجات عام 2019 ضد الأحزاب المتنفذة وأذرعها المسلحة، لا سيما في بغداد والناصرية والبصرة.

وتنقسم القوى المدنية التي شاركت في الانتخابات الأخيرة إلى 3 فئات أساسية، تمثل الأولى قوى مرتبطة بالحراك الاحتجاجي والتيارات الديمقراطية التقليدية، والثانية جماعات مرتبطة بقوى السلطة، لكنها تعتقد أن الوجه المدني أقرب إلى المزاج الشعبي، وثمة فئة ثالثة تمثلها اتجاهات عشائرية لا تؤمن أيضاً بجدوى الأحزاب الطائفية والدينية.

وبافتراض أن تحالف «قيم» يمثل الفئة الأولى من التيارات المدنية، فإنه لم يحصل إلا على 6 مقاعد في 15 محافظة، وهي نتيجة لا تسمح له بالتأثير في ميزان القوى داخل المحافظات، كما أنه لن يكون رقماً صعباً في المفاوضات على تشكيل الحكومات المحلية.

ويضم تحالف «قيم» أكثر من 10 أحزاب قديمة وناشئة، من بينها «الحزب الشيوعي العراقي»، و«التيار الاجتماعي الديمقراطي»، و«حزب البيت الوطني»، و«الحركة المدنية العراقية»، و«حركة نازل أخذ حقي»، إلى جانب النائب المستقل سجاد سالم.

وكانت غالبية هذه القوى على صلة وثيقة بالحراك الاحتجاجي الذي اندلع أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، وتمكن من إسقاط حكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، وإلغاء مجالس المحافظات حينها.

وفضّل تحالف «الأساس» الذي يتزعمه نائب رئيس البرلمان محسن المندلاوي أن يختار لائتلافه طابعاً مدنياً، مع أنه شديد الصلة بقوى وفصائل «الإطار التنسيقي»، ورغم أنه ضخ حملة دعائية كبيرة، فإنه لم يحصل سوى على مقعدين في بغداد، ومثلهما في البصرة، بحسب نتائج 94 في المائة من صناديق الاقتراع.

وتعرَّض تحالف «القوى المدنية» الذي يقوده الزعيم القبلي فواز الجربا إلى خسارة كبيرة، إذا لم تظهر كثيراً أسماء مرشحيه في قوائم الفائزين الذين أعلنت عنهم مفوضية الانتخابات، الثلاثاء الماضي.

أدركنا مبكراً أن الناخبين العراقيين يميلون بالفعل إلى رجال الدين عندما يختارون ممثليهم في الحكومات المحلية

مرشح عن تحالف «قيم»

قوى «الإطار التنسيقي» حصلت على نحو 101 مقعد في مجالس 15 محافظة عراقية (أ.ف.ب)

لماذا خسر المدنيون؟

لا يتفق مرشحون عن قوى مدنية على رأي واحد لتفسير «الإخفاق»؛ إذ يتهم عدد منهم قوى السلطة بـ«تزوير النتائج»، وهو ادعاء يصعب التحقق منه غالباً، لكن آخرين يقولون إن الناخبين يريدون بالفعل «اتباع رجال الدين حين يدلون بأصواتهم».

ويقول المرشح عن تحالف «قيم»، جعفر العريان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «التوقعات كانت تشير إلى أن الأحزاب المدنية ستجني ثمار المقكة الشعبية على أحزاب السلطة»، لكن «يبدو أن مزاج الناس يميل إلى رجال الدين».

والعريان الذي نافس مرشحين من «الإطار التنسيقي» في محافظة ميسان (جنوب) «لا ينكر تأثير شبكات المصالح المرتبطة بالسلطة، ولا الأموال الطائلة التي أنفقتها تلك الأحزاب على حملاتها الانتخابية، لكن الأمر يتجاوز ذلك، ويتعلق بميول الناخبين إلى أحزاب السلطة».

ويتفق رعد الغزي، وهو مرشح عن التحالف نفسه، مع تأثير الأموال الطائلة التي صرفتها تلك القوى لكسب الناخبين، لكنه تحدث مع «الشرق الأوسط» عن وسائل ضغط غير قانونية على الناخبين تضمنت «إرغام الناخبين على التصويت لمرشحين دون غيرهم».

لكن هذا المرشح الذي لم يحصل على أصوات كافية للفوز بمقعد في مجلس المحافظة يقول إن «ما حصلت عليه القوى المدينة لا يمثل خسارة كبيرة، لأنها لا تزال في بداية طريق طويلة لاستقطاب الجمهور وتشجيع الغالبية الصامتة على المشاركة في الانتخابات».

فاضل النشمي

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




يوميات البرد… أهالي غزة يعجزون عن تدفئة أجسادهم

يومياً، يعيش أهالي غزة أوضاعاً مأساوية نتيجة الجوع والأمراض وغير ذلك من كوارث يتسبب بها العدوان الإسرائيلي. كما يواجهون البرد القارس وسط انعدام وسائل التدفئة 

داخل أحد الفصول في الطابق الثالث من الجهة الغربية في مدرسة رفح الابتدائية “ب”، تجهّز سوزان عمور (38 عاماً) الفراش لأبنائها الأربعة في الزاوية القريبة من الباب. أما زوجها، فينام في خيام مخصصة للرجال وسط المدرسة. على الرغم من الطقس البارد وخصوصاً ليلاً، تنام هي وأبناؤها الأربعة على فرشتين ويضعون غطاءين فوقهم فقط للتدفئة. 
ينام الأطفال الثلاثة الأصغر حجماً على فرشة، فيما تنام الأم مع ابنها البكر بسام (14 عاماً) على فرشة أخرى. ينامون متلاصقين في محاولة لتخفيف الشعور بالبرد. رغم ذلك، أصيب اثنان من أطفالها بنزلة معوية جراء العدوى من أطفال آخرين عولجوا من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. عدا عن العلاج، فإن المعاناة اليومية كبيرة.
تقول عمور لـ “العربي الجديد”: “حين كنا أطفالاً، كانت والدتي تضع الفراش وننام قرب بعضنا البعض، ما كان يشعرنا بالدفء في ظل قلة الأغطية. واليوم، ينام أبنائي في هذا الطقس البارد ويبردون كثيراً كغيرهم من المتواجدين داخل المدرسة. لذلك، أحرص على أن يناموا قرب بعضهم البعض لأن غطاء واحداً لا يكفي”.
كانت عمور من العائلات التي انتظرت وقتاً طويلاً حتى يسمح لها بالدخول برفقة أطفالها بعد النزوح من إحدى مدارس مدينة غزة أثناء الهدنة التي استمرت سبعة أيام، وقد نامت ليلة في الشارع إلى أن تم وضع عدد من النساء والأطفال النازحين داخل فصل واحد، وكانت هي وأطفالها من بينهم. لكنها تواجه البرد القارس يومياً.

شروق الشمس 

في مراكز النزوح، ينتظر الغزيون شروق الشمس، فيخرجون من الفصول ويقفون تحت أشعة الشمس للحصول على الدفء بعد قضاء ليلة باردة وسط أصوات رياح قوية تخيف الأطفال. النوافذ المحطمة نتيجة القصف الإسرائيلي تزيد أيضاً من البرد المتسلل. ومهما حاولت أقسام الصيانة في الأونروا وضع بدائل في بعض الفصول، إلا أن الرياح تبقى أقوى من أي طبقات بلاستيكية أو أي لاصق لمنع دخول الهواء.
كان نبيل أبو حجر (57 عاماً) ومجموعة من الرجال في إحدى مدارس الأونروا يستيقظون كل صباح لأداء صلاة الفجر جماعة داخل إحدى الخيام. لكن خلال الأسبوعين الأخيرين، عجزوا عن الأمر جراء البرد الشديد في الصباح، بالإضافة إلى عدم توفر المياه للوضوء في الكثير من الأوقات. أُصيب هو وآخرون بضيق في التنفس جراء البرد. 

غزة (أشرف أبو عمرة/ الأناضول)
يتدفأ خلال الطهي (أشرف أبو عمرة/ الأناضول)

يقول أبو حجر لـ “العربي الجديد”: “بعض الفصول أشبه بثلاجات. سمحت لي إدارة الأونروا بالمبيت في أحد الفصول مع الرجال. لكن من شدة البرد، بات لون قدمي أزرق. وكان أحفادي يتشاجرون للبقاء في حضني للشعور بالدفء لأنني كنت أرتدي روباً طويلاً من الصوف”.  
يضيف أبو حجر: “ننتظر طلوع الشمس. وفي ساحة المدرسة، نصطف طمعاً بالحصول على الدفء. وما إن يفرغ مكان حتى يحتله آخر. في أحيان كثيرة، أخرج أنا ورجال آخرون ونجلس على رصيف الشارع تحت أشعة الشمس. وفي الأيام التي تتساقط فيها الأمطار، نشعر بالاكتئاب لأننا نواجه البرد طوال اليوم”.
أولوية الدفء بالنسبة للغزيين في مراكز النزوح هي لكبار السن، وخصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة منهم، والذين يجدون صعوبة في التنقل والصعود على سلالم الفصول كما يوضح أبو حجر. ثم يأتي الأطفال وبعدهم النساء. أما الرجال، فيتمركزون داخل بعض الفصول في الأسفل أو الخيام التي تتوسط المدارس، لكنهم يواجهون برداً قارساً.
وتقول نبيلة أبو زتون (45 عاماً)، وهي نازحة في مركز الإيواء وسط مدينة رفح، لـ “العربي الجديد”: “يتم توزيع بعض الأغطية بشكل قليل على العائلات. على سبيل المثال، منحت غطاءين علماً أن عدد أفراد عائلتنا عشرة. البرد داخل مراكز النزوح شديد والمياه غير صحية. نواجه قسوة البرد وأصوات الرياح القوية تخيف الأطفال، فيما تنتشر الأمراض بشكل كبير”. 

ووصل عدد النازحين في المراكز التابعة للأونروا إلى قرابة 1,4 مليون نازح، يتوزعون على 155 منشأة في كافة محافظات قطاع غزة الخمس. وتتركز حركة الاكتظاظ داخل محافظات وسط وجنوب القطاع التي أصبحت تضم 1,2 مليون.
مؤخراً، وبعدما وصلت آليات الاحتلال الإسرائيلي إلى مناطق غرب وشمال مدينة خانيونس، اضطرت الأونروا إلى إخلاء أربع مدارس تتبع لها في المنطقة، ما زاد الازدحام والاكتظاظ في مدينة رفح التي تضم 12 مدرسة تتبع لإدارتها فقط بمعدل يفوق 13 ألف نازح في كل مدرسة في مدينة رفح، بحسب الأونروا.

حرق الكتب

اضطر الغزيون مؤخراً إلى حرق الكتب والدفاتر المدرسية للحصول على الدفء. وآخر الحلول الممكنة بالنسبة لهم هي قطع الأشجار للحصول على الأخشاب ومحاولة تجفيفها حتى يتمكنوا من إيقاد النار فيها، على الرغم من أن قطع شجرة هو كخلع القلب، كما يقول نسيم صبح (30 عاماً). 
مشى صبح برفقة مجموعة من المقيمين داخل مدرسة تابعة للأونروا بالقرب من مخيم الشابورة، مسافة طويلة للوصول إلى منطقة بشمال مدينة رفح تضم أشجاراً. قطعوا بعضها للحصول على الحطب، ووزعوه على عدد من النازحات من دون أزواجهن. بعض هؤلاء النساء استشهد أزواجهن وهن بحاجة للدفء في ظل عدم حصولهن على أغطية أو فراش.
يقول صبح لـ “العربي الجديد”: “الأطفال داخل الفصول يرتجفون في منتصف الليل. أي شخص يمشي بين ممرات المدرسة يسمع أسنانهم تصطك. الأوراق والكتب تنفد بسرعة عندما نحرقها مع بعض الأخشاب. بعض الناس كانوا يشعلون البلاستيك لتسريع اشتعال بعض الأخشاب علماً أن ذلك مضر جداً وقد تلقوا تحذيراً من إدارة الأونروا. لكن ما باليد حيلة في ظل البرد القارس في الفصول”. 

حطب للتدفئة (أحمد زقوت/ الأناضول)
حطب للتدفئة (أحمد زقوت/ الأناضول)

ويشير صبح إلى أن الناس يخرجون يومياً من مراكز الإيواء للبحث عن أخشاب في الطرقات أو بين البيوت المدمرة. لكن في الوقت الحالي، قليلاً ما يجدون الأخشاب لأن الجميع يسارع لحملها عن الأرض ما قد يؤدي إلى حصول شجارات أحياناً. وبعدها، تترك تحت أشعة الشمس لتجف قبل أن تستخدم لإشعال النار. يضيف: “زرعت في حياتي العديد من الأشجار في أرض نملكها في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة. واليوم، أقطع الأشجار للحصول على الدفء. أشعر أن قلبي يتقطع مما أفعله، لكن الناس لو بقيت على هذا الحال تموت جراء البرد. بعض الأشجار تحتاج إلى وقت حتى تجف المادة الصمغية فيها وتصبح صالحة للحرق. لكن الناس لا تبالي وتريد الدفء بأي طريقة في ساحة المدارس بعيداً عن الفصول”.

تخوفات الأرصاد الجوية

تعتبر بيئة قطاع غزة ساحلية ماطرة مناسبة للمحاصيل الزراعية، مع الإشارة إلى أن القطاع يفصل بين قارتين هما آسيا وأفريقيا. ويوضح خبير الأرصاد الجوية الفلسطينية منير غنام أن منطقة النقب الفلسطيني المحتل في الجنوب هي أكثر المناطق التي تتعرض لرياح طبيعية غربية وجنوبية محملة بالأتربة من صحراء سيناء المصرية.
لكن غنام يعرب عن تخوفه نتيجة انعدام تصريف مياه الأمطار الطبيعية في قطاع غزة ودمار البنية التحتية في ظل توقعات تشير إلى أن يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط سيشهدان تساقط كميات وافرة من الأمطار، بالإضافة إلى منخفض جوي قطبي على أن يتركز تساقط الثلوج في مناطق جبلية وقطاع غزة. 
يقول غنام لـ “العربي الجديد”: “بحسب الأرصاد الجوية، تكون الأجواء مستقرة عموماً خلال الأيام المقبلة، مع بقاءها باردة مساءً حتى الصباح. لكننا نتحدث عن طقس لمن هم في منازل عادية وآمنة ويوجد فيها أغطية وحائط للحماية من البرد القارس. في الوقت الحالي، غزة تحتاج إلى جغرافيا خاصة بها لأنها تشهد كارثة إنسانية وبيئية وانعداماً لوجود منازل وغيرها”. ويشدد غنام على أنه من خلال العمل مع سلطة جودة البيئة في قطاع غزة، يتوقع أن تكون الأيام المقبلة أكثر قسوة على الغزيين لأنه بحسب موقع قطاع غزة، يتوقع أن يشهد رياحاً شمالية غربية تصل الى سرعة أكثر من 20 كيلومتر في الساعة خلال الشهرين المقبلين.

أمجد ياغي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




تجويع الفلسطينيين في غزة… وسيلة إسرائيل لقتل المدنيين وتهجيرهم

يوثق تحقيق “العربي الجديد” دلائل تعمد الاحتلال الإسرائيلي تجويعَ الفلسطينيين في قطاع غزّة عبر منع حصولهم على الغذاء والماء والوقود، وعرقلة وصول المساعدات.

– فرّ الغزي علي الشريف، من الجوع وويلات الحرب في شمال قطاع غزة، إلى مدينة رفح أقصى جنوبي القطاع في السادس عشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري، لينجو بأسرته المؤلفة من 5 أفراد من الموت المحقق، قائلا لـ”العربي الجديد” إن “من لم يمت من القصف سيموت من الجوع في شمال القطاع، حتى وصل الحال بالناس إلى أكل الحشائش التي نبتت بعد هطول الأمطار بسبب انعدام الغذاء وسط الحصار”.

وهو ما تؤكده دراسة تحليلية للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (منظمة دولية مستقلة)، نشرها في 19 ديسمبر الجاري، تكشف أن 64 بالمائة ؜من 1200 شخص شملتهم الدراسة للوقوف على آثار الأزمة الإنسانية التي يعانيها سكان القطاع في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يتناولون الحشائش والثمار والطعام غير الناضج والمواد منتهية الصلاحية لسد الجوع، و98 بالمائة؜ من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم يعانون من عدم كفاية الغذاء، و71 بالمائة يعيشون في مستويات حادة من الجوع.

و”تلجأ إسرائيل إلى تجويع المدنيين كأسلوب للحرب في قطاع غزة، وتمنع وصول المياه، والغذاء، والوقود، بينما تعرقل عمدا المساعدات الإنسانية، وتجرّف المناطق الزراعية، وتحرم السكان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، رغم أن اللجوء إلى التجويع في حالات الاحتلال العسكري كما في غزة يصنف على أنه جريمة حرب، بحسب اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض على سلطة الاحتلال أن تستخدم كل ما لديها من وسائل لـتأمين الغذاء والإمدادات الطبية للسكان”، وفق ما نشره موقع منظمة “هيومان رايتس ووتش” في 18 ديسمبر 2023، بعنوان “إسرائيل تستخدم التجويع كسلاح حرب في غزة”.

تفاقم الجوع الشديد

ما يعانيه الشريف تكرر مع عشرة فلسطينيين من غزة وثق معد التحقيق معاناتهم، ومنهم الخمسيني محمد عودة، الذي لجأ عقب نفاد كل المواد الغذائية الأساسية من منزله في مخيم جباليا شمال قطاع غزة إلى شجرة حمضيات في حديقة منزل مجاور له وقطع كمية منها ليطعم أسرته المكونة من 6 أفراد بينهم 3 طفلات لمدة ثلاثة أيام، كما روى لمعد التحقيق قبل أن تنقطع سبل الاتصال به منذ الثلث الأول من ديسمبر الجاري.

وتكشف نتائج تقييم للأمن الغذائي أجراه برنامج الأغذية العالمي في شتّى أرجاء قطاع غزة، خلال فترة الهدنة الإنسانية التي امتدت من 24 وحتى 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وشمل عينة تألفت من 399 أسرة، أن “36% من الأسر المشمولة بالتقييم والموجودة في شمال القطاع تعيش في مستويات حادة جدا من الجوع، بينما تعيش 11% في مستويات الجوع الشديد، و48% منها تعيش في مستويات معتدلة من الجوع، أما في جنوب القطاع، فتظهر نتائج التقييم أن 21% من الأسر المستطلعة آراؤها تعاني الجوع الشديد جدا، و12% منها وصلت إلى مرحلة الجوع الشديد، بينما يعيش 53% منها في جوع معتدل”.

وفي ظل استمرار الحصار وأعمال القتال، “ارتفعت نسبة الأسر التي تعيش في مستويات حادة من الجوع في جنوب القطاع إلى 56%، وأبلغت 96% من الأسر النازحة عن اضطرارها إلى استهلاك أدنى مستوى من الطعام بسبب نقص الغذاء، ولا يزال الحصول على المياه مقيدا بشدة، حيث يقل معدل الحصول على المياه عن 2 لتر لكل شخص يومياً”، بحسب تحديث الأمن الغذائي للنازحين داخليا في جنوب قطاع غزة، والذي نشره برنامج الأغذية العالمي في 14 ديسمبر 2023.

وتتطابق المعطيات السابقة مع نتائج استطلاع رأي غير قياسي أجراه معد التحقيق، وشمل 25 من أرباب الأسر في جنوب القطاع، بينهم نازحون، حيث أفاد الجميع بوجود نقص حاد في المواد الغذائية، وأكد 20 منهم، أنهم قلصوا الوجبات اليومية من 3 إلى وجبتين، وأحيانا واحدة فقط، وأغلب طعامهم معلبات، أو خبز فقط في ظل شح المواد الغذائية، وأجاب خمسة من المستطلعة آراؤهم بأن أسرهم قضوا بين 24 و48 ساعة دون طعام إطلاقاً، ومن بينهم منى عيسى، وأحلام عوض، اللتان تنظران إلى أطفالهما الجياع، ولا تستطيعان توفير الطعام بسهولة، وأحيانا يترك الكبار الطعام للصغار، كما تقولان.

وهو ما تفعله العشرينية ابتهال شُراب منذ نزوحها مع عائلتها إلى منزل أقاربها في مدينة خانيونس جنوب القطاع والذي يؤوي 55 فرداً، ثلثهم أطفال، إذ بدأ الطعام ينفد ولا يستطيعون الخروج بسبب حصار دبابات الاحتلال للمكان وانتشار قناصته، كما تقول لـ”العربي الجديد”، مضيفة عبر مكالمة هاتفية، وهي منهارة وتبكي: “الأطفال يصرخون من الجوع، ولا يوجد ماء، وبتنا أمام خيارين، إما الموت بنيران الدبابات والقناصة إذا خرجنا من المنزل، أو الموت جوعاً في حال بقينا بداخله”.

“الناس يتضورون جوعاً”، يقول عودة في وصف حال سكان القطاع، مضيفا بحزن: “الجميع يبحث عن كسرة خبز يسدون بها جوع أبنائهم أو يبحثون عن الملح والخميرة والطحين لصنع الخبز، لكن الوصول لها يتطلب السير لساعات في رحلة محفوفة بالمخاطر، في محاولة لشرائها من بعض المتاجر، أو استلاف كمية صغيرة من أقارب مازال لديهم بعض منها، وفي كثير من الأحيان لا تنجح تلك المحاولات فالأسواق مدمرة والمحال التجارية في مناطق شمال القطاع خاوية”.

ويحذر مدير عام الإنتاج الإعلامي بالمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، من مخاطر حدوث مجاعة حقيقية في القطاع المحاصر، بسبب نفاد المواد الغذائية بصورة شبه كلية، قائلا: “ما يطلق عليه إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة محصور بشاحنات قليلة، معظمها تحمل مساعدات لا قيمة لها، مثل القماش، ومعدات فحص فيروس كورونا، وقوارير المياه التي تدخل يوميا بمعدل 30 بالمائة من إجمالي ما تحمله الشاحنات، وهذه الحال بمثابة حكم بالإعدام على 2.4 مليون إنسان في قطاع غزة”.

https://e.infogram.com/_/xuVT4ppTntVrzJUBo7fD?parent_url=https%3A%2F%2Fwww.alaraby.co.uk%2Finvestigations%2F%25D8%25AA%25D8%25AC%25D9%2588%25D9%258A%25D8%25B9-%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2581%25D9%2584%25D8%25B3%25D8%25B7%25D9%258A%25D9%2586%25D9%258A%25D9%258A%25D9%2586-%25D9%2581%25D9%258A-%25D8%25BA%25D8%25B2%25D8%25A9-%25D9%2588%25D8%25B3%25D9%258A%25D9%2584%25D8%25A9-%25D8%25A5%25D8%25B3%25D8%25B1%25D8%25A7%25D8%25A6%25D9%258A%25D9%2584-%25D9%2584%25D9%2582%25D8%25AA%25D9%2584-%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25AF%25D9%2586%25D9%258A%25D9%258A%25D9%2586-%25D9%2588%25D8%25AA%25D9%2587%25D8%25AC%25D9%258A%25D8%25B1%25D9%2587%25D9%2585&src=embed#async_embed

 

تدمير متعمد لمستودعات الأغذية بهدف تجويع الفلسطينيين

في الشهر الأول من العدوان، هاجمت طائرات الاحتلال الإسرائيلي نحو 30 مخزناً ومستودعاً مخصصا لتخزين الأغذية، في القطاع، وفق توثيق معد التحقيق من خلال ثلاثة تجار، منهم محمود سلطان، الذي تعرض مستودعه في شرق مدينة غزة، لقصف جوي، ما تسبب في حرق كل المواد الغذائية المخزنة فيه، كما يقول لـ”العربي الجديد”، مضيفا: “تكرر الأمر في ثلاثة مخازن تابعة لتجار أعرفهم”. 

وهو ما حدث لمستودعات غذائية أخرى شنت طائرات الاحتلال غارات عليها ما أدى إلى احتراق السلع، في ظل إغلاق المعابر وتعذر وصول سلع وبضائع جديدة للقطاع، بحسب التاجرين عبد الله يوسف، وخالد حمدان.

مستودعات غزة
المحال التجارية والأسواق في غزة شبه خالية (العربي الجديد)

وينسحب استهداف مخازن المواد الغذائية على مزارع الدواجن والأبقار، إذ أكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي سلامة معروف أن جزءا كبيرا من الطيور والحيوانات جرى قتلها بالغارات، وجزءا آخر نفق جوعاً، وما تبقى جرى ذبحه وبيعه في الأسواق خلال الشهر الأول من العدوان، وحاليا اختفت اللحوم الحمراء والبيضاء في القطاع، في حين أكد خمسة أرباب أسر منهم سامي جراد، وأحمد عطا الله، أن أفراد أسرهم لم يتذوقوا طعم اللحوم الحمراء أو البيضاء لمدة شهر كامل، ولا يجدونها في الأسواق.

كما دمر جيش الاحتلال غالبية آبار المياه في غزة وعددها الإجمالي قبل العدوان كان 75 بئراً وتوقف عدد منها نتيجة نفاد الوقود، وتعمل حاليا 3 آبار فقط لـ3 ساعات يوميا لضمان وصول المياه لنحو 500 ألف من سكان المدينة والنازحين إليها من مناطق شمال القطاع، وهذه المياه “شديدة الملوحة”، لا تصلح للشرب، وفق تأكيد الناطق الإعلامي باسم بلدية مدينة غزة، حسني مهنا، مشيرا إلى أن الأسواق في القطاع تعاني من شح شديد وغير مسبوق في الأغذية، إذ يبحث الناس عن أي شيء يأكلونه، بحسب قوله.

و”دمرت إسرائيل أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في الشمال منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي البري في 7 أكتوبر الماضي، كما قام الجيش الإسرائيلي بتجريف أراضٍ زراعية، منها البساتين والبيوت البلاستيكية والمزارع في شمال القطاع”، وفق ما نشرته هيومان رايتس ووتش في تقريرها “إسرائيل تستخدم التجويع كسلاح حرب في غزة”.

“كل هذه الدلائل تثبت أن قطاع غزة يتعرض بشكل واضح إلى سياسة تجويع وتعطيش مقصودة”، وفق تأكيد الثوابتة، قائلا: “لا يملك الناس مالاً ليشتروا به الطعام، كما أن الأسواق خالية، وإن وجدت السلع الغذائية فإن أسعارها خيالية، فحليب الأطفال مثلا شبه معدوم، وما تبقى في الصيدليات، يشتريه الناس بأربعة أضعاف ثمنه، علما أن ما يدخل القطاع من مساعدات لا يلبي 2 بالمائة من احتياجات سكانه”.

يقول خمسة فلسطينيين من غزة بينهم أحمد موسى، وخليل الشريف، إن الحصول على حليب الأطفال بات صعباً مع اختفاء أنواع منه، خاصة “متيرنا، نيدو”، سيميلاك”، وغيرها.. وارتفاع الأسعار لأكثر من 500 بالمائة، وهو ما اضطر إبراهيم عرفات وزوجته، لإطعام طفلتهما البالغة 4 أشهر من العمر، خبزا منقوعا في الشاي، بعد أن عجزا عن توفير حليب لها، لعدم امتلاكهما المال.

تداعيات خطيرة على الأطفال

يترتب على شح الغذاء، انعكاسات صحية خطيرة، خاصة على الأطفال، إذ بات يعاني أكثر من نصفهم من ضعف عام في أجسادهم، وتراجع جهاز المناعة لديهم، وهذا بدا واضحاً من خلال تزايد كبير في الإصابة بالأمراض المعدية، مثل الإسهال، والالتهاب الرئوي، مع ارتفاع مخاطر ظهور محتمل لإصابات بمرضي الحصبة، والكوليرا، ومع دخول فصل الشتاء يتنشر مرض الأنفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي بشكل عام، حسبما يقول المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة الدكتور أشرف القدرة. كما يرفع النقص الحاد في غاز الطهي من مخاطر انتشار أمراض تنفسية نتيجة الاعتماد على مصادر ملوثة للهواء مثل حرق الحطب ومخلفات الأخشاب والنفايات الصلبة، بحسب تقييم برنامج الأغذية العالمي السابق.

تحقيق الجوع
تحرم إسرائيل الغزيين من المواد الأساسية لبقائهم على قيد الحياة (العربي الجديد)

ويؤدي نقص الغذاء أو عدم كفايته إلى سوء التغذية، وهذا يسبب مجموعة من المشاكل الصحية، بما في ذلك التقزم، والنحافة، ونقص الوزن، ونقص الفيتامينات والمعادن، وضعف المناعة، وضعف بنية الأطفال والهزال، حسب الدكتور القدرة.

و”مع ارتفاع معدلات سوء التغذية بين أطفال غزة، “أصبحت أمراض الإسهال مميتة”، إذ إن 130 ألفا من الأطفال الأكثر ضعفا في غزة الذين تتراوح أعمارهم بين أقل من عام و23 شهرا، لا يحصلون على الرضاعة الطبيعية المنقذة للحياة وممارسات التغذية التكميلية المناسبة لأعمارهم، بما في ذلك مكملات المغذيات الدقيقة”، وفق جيمس إلدر المتحدث باسم منظمة اليونيسف، موضحا في المؤتمر الصحفي نصف الأسبوعي بمقر الأمم المتحدة في جنيف في 19 ديسمبر 2023 أن “حالات الإسهال عند الأطفال تزيد عن 100 ألف حالة، وأن حالات أمراض الجهاز التنفسي الحادة بين المدنيين تزيد عن 150 ألفا”.

ما سبق يتوافق مع الاستطلاع الذي نفذه معد التحقيق، حيث أفاد 24 من أصل 25 شخصا بأن أفراد عائلاتهم يعانون من خسارة كبيرة وواضحة في الوزن، في حين أكد 18 منهم أن نسبة إصابة أفراد عائلتهم بالأمراض المعوية مثل الإسهال، ونزلات معوية وإصابات بالطفيليات المعوية، والجلدية، والتنفسية ارتفعت بصورة كبيرة.

وهو ما يؤكده الثوابتة، مشيرا إلى وجود مؤشرات خطيرة تؤكد بدء حدوث زيادة في معدلات وفيات الأطفال وخاصة الرضع والأطفال دون سن الخامسة في ظل النقص الحاد في الحليب والغذاء المناسب للأطفال والرضع وفي ظل نقص غذاء الأم، إذ تم رصد حدوث نحو 50 حالة وفاة ثلثاهم أطفال، جراء مشكلات متعلقة بالجوع ونقص التغذية.

ما هو دور وكالة “أونروا”؟

يؤكد عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، خطيرة، والاحتياجات غير مسبوقة، و”أونروا” بحاجة لإدخال 200 شاحنة مساعدات يومياً وبصورة مستمرة ولمدة شهرين متتاليين، حتى تستطيع تلبية احتياجات الناس في القطاع، إضافة للحاجة لإدخال كميات أكبر من الوقود لتشغيل القطاعات الحيوية، واصفا ما يدخل حتى الآن بأنه “نقطة في بحر الاحتياجات”، أما المساعدات الغذائية فهي عبارة عن معلبات، وكميات محدودة من الطحين، وبسكويت.

وبدأت الوكالة في مطلع شهر نوفمبر الماضي بتوزيع الدقيق على الأسر في غزة، حيث تحصل كل أسرة على 1-4 شوالات وزن الشوال 25 كيلوغراما، بحسب عدد أفرادها، وقد بدأت عملية التوزيع من الأسر الكبرى فالصغرى، وفق أبو حسنة. “لكن العملية تسير ببطء شديد، ويقضي المستفيدون بين 4 إلى 6 أيام في طوابير طويلة حتى يحصلوا على المساعدة، وفق إفادة ستة غزيين منهم محمود الشاعر، وعلاء رجب، اللذان أكدا أن هناك ازدحاما شديدا، والتوزيع في رفح يتم في مركز واحد فقط، وقد حاولا شراء الطحين لكنهما فوجئا بأن ثمن الشوال وصل إلى 100 دولار أميركي، وهو نفس الشوال الذي توزعه “أونروا” مجاناً”.

لكن الثوابتة يتهم “أونروا” بالتوقف عن صرف مساعداتهم من أكياس الدقيق في بعض مناطق مدينة غزة وشمال القطاع، منتقدا سياستها البطيئة جداً في مناطق أخرى، قائلا: “من خلال متابعتنا الميدانية، فإن هناك تباطؤاً من “أونروا” وكأنها لا تريد أن تنتهي من أزمة توزيع الدقيق، فعلى الرغم من مساحة العمل الكبيرة التي تحظى بها على صعيد إدخال الدقيق إلى قطاع غزة؛ إلا أن إدارتها للأزمة مُرتبكة وبطيئة”، مطالبا اياها بإنهاء عملية توزيع الدقيق، والمواد الأساسية مثل الأرز، والسكر، والملح، والخميرة وغيرها من الأصناف اللازمة لصناعة الخبز، وتوزيعها على جميع الأسر الفلسطينية بالسرعة الممكنة. 

ويرد أبو حسنة بقوله إن عملية التوزيع تسير وفق ما يتوفر من مساعدات، قائلا: “تصل المساعدات بشكل ضئيل ومحدود”. بينما يؤكد مصدر مطلع في “أونروا” لـ”العربي الجديد”، رفض ذكر اسمه لكونه غير مخول بالتصريح للإعلام، أن مشكلة التوزيع في جنوب قطاع غزة خاصة رفح، تتمثل في كثرة عدد المستفيدين بعد نزوح مئات الآلاف إلى رفح، بالتزامن مع صعوبة الوضع وحاجة المراكز لتأمين، ورغم ذلك استجابت “أونروا” لطلبات وجهت لها، وفتحت مركز توزيع آخر في رفح، وفروعا عبر عمداء عائلات في خانيونس، وتحاول تيسير العملية وفق الظروف المتاحة.

ويتلقى النازحون المقيمون في مراكز الإيواء مساعدة محدودة، وهي عبارة عن علبتي فول وعلبة جبنة، وعبوة ماء سعة لتر ونصف، مرة كل يومين، وأحيانا يتم صرف بسكويت، وهذا لا يكفي مطلقا بحسب 10 أشخاص التقاهم معد التحقيق، مؤكدين أنهم يضطرون للبحث عن مصادر طعام أخرى، رغم ندرته، أو يتوجهون لفرق شبابية لإمدادهم بالطعام، ومنها تجمع مبادرو رفح الخيري، الذي أكد رئيسه هارون المدلل لـ”العربي الجديد”، أنهم لجأوا لميسوري الحال في القطاع وحصلوا على مبالغ مالية منهم، ويقول إنهم يعدون وجبات طعام يومية، ويصنعون الخبز ويوزعونه على النازحين في المدارس.

محمد الجمل

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ميناء إيلات يخسر 85% من نشاطه بفعل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر

أعلن الرئيس التنفيذي لميناء إيلات، جدعون غولبر، اليوم الخميس، أن نشاط الميناء الحيوي انحسر 85% منذ أن كثف الحوثيون في اليمن هجماتهم على سفن الشحن المتعاملة مع كيان الاحتلال في البحر الأحمر.

هذا ما أوردته صحيفة “جيروزاليم بوست” على موقعها الإلكتروني اليوم، مشيرة إلى أن ميناء إيلات الذي يتعامل أساساً مع واردات السيارات وصادرات البوتاس القادمة من البحر الميت، يتضاءل نشاطه مقارنة بموانئ الاحتلال الأُخرى على البحر الأبيض المتوسط في حيفا وأشدود، التي تتعامل مع معظم تجارة البلاد.

لكن إيلات، التي تقع بجوار نقطة الوصول الساحلية الوحيدة للأردن في العقبة، توفر لكيان الاحتلال بوابة إلى الشرق دون الحاجة إلى الملاحة في قناة السويس.

وكان ميناء إيلات أحد الموانئ الأولى التي تأثرت بالتطورات، حيث أعادت شركات الشحن توجيه السفن لتجنب البحر الأحمر، بعد أن عطل الحوثيون طريقاً تجارياً رئيسياً عبر مضيق باب المندب. وقال غولبر لرويترز إنه من دون باب المندب “يُغلَق شريان الشحن الرئيسي لميناء إيلات، وبالتالي فقدنا 85% من إجمالي النشاط”.

وأضاف: “لا يزال لدينا عدد صغير من السفن لتصدير البوتاس، لكنني أعتقد أنه مع وجود وجهة في الشرق الأقصى، لن تسافر بعد الآن في هذا الاتجاه. وبالتالي سينخفض ذلك أيضاً”، معتبراً أنه “لسوء الحظ، إذا استمر الأمر، فسنصل إلى وضع عدم وجود سفن في ميناء إيلات”.

ميناء إيلات يتحمل عواقب إعادة توجيه السفن عن باب المندب

ويقول مسؤولون إسرائيليون إن الطريق البديل يأخذ الشحن حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، ما يطيل الرحلات إلى البحر الأبيض المتوسط لمدة تراوح بين أسبوعين و3 أسابيع، وهو ما سيضيف تكاليف إضافية على طول الخط.

وفي السياق، يقول غولبر إن الميناء سيناقش مع جميع الأطراف المعنية كيفية الحفاظ على استمرارية التشغيل في إيلات، رغم أن ذلك سيتطلب دخلاً. ومع ذلك، فهو واثق من أنهم سيجدون طريقة للقيام بذلك، على حد تعبير الصحيفة.

وحذر من أنه “إذا تأخرت دول التحالف وإسرائيل في إيجاد حل مع الحوثيين، فمن المؤسف أننا سنضطر على الأرجح إلى منح إجازة للعمال”، مضيفاً أنه ستكون هناك حاجة لعدد صغير لخدمة أي سفن تصل في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.

المصدر: صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي